٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الزمخشري: لا بد من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام لأن القمر لم يجعل نفسه منازل فالمعنى أنا قدرنا سيره منازل وعلى ما ذكره يحتمل أن يقال المراد منه، والقمر قدرناه ذا منازل لأن ذا الشيء قريب من الشيء ولهذا جاز قول القائل عيشة راضية لأن ذا الشيء كالقائم به الشيء فأتوا بلفظ الوصف. وقوله: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } أي رجع في الدقة إلى حالته التي كان عليها من قبل. والعرجون من الانعراج يقال لعود العذق عرجون، والقديم المتقادم الزمان، قيل إن ما غبر عليه سنة فهو قديم، والصحيح أن هذه بعينها لا تشترط في جواز إطلاق القديم عليه وإنما تعتبر العادة، حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين إنها بناء قديم أو هي قديمة ويقال لبعض الأشياء إنه قديم، وإن لم يكن له سنة، ولهذا جاز أن يقال بيت قديم وبناء قديم ولم يجز أن يقال في العالم إنه قديم، لأن القدم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه، وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد إلا عند من يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلْقَمَرَ} يكون تقديره وآيةٌ لهم القمرُ. ويجوز أن يكون «وَالْقَمَرُ» مرفوعاً بالابتداء. وقرأ الكوفيون «وَالْقَمَرَ» بالنصب على إضمار فعل وهو ٱختيار أبي عبيد. قال: لأن قبله فعلاً وبعده فعلاً؛ قبله «نَسْلَخُ» وبعده «قَدَّرْنَاهُ». النحاس: وأهل العربية جميعاً فيما علمت على خلاف ما قال، منهم الفرّاء قال: الرفع أعجب إليّ، وإنما كان الرفع عندهم أولى؛ لأنه معطوف على ما قبله ومعناه وآيةٌ لهم القمرُ. وقوله: إن قبله «نَسْلَخُ» فقبله ما هو أقرب منه وهو «تَجْرِي» وقبله «وَالشَّمْسُ» بالرفع. والذي ذكره بعده وهو «قَدَّرْنَاهُ» قد عمل في الهاء. قال أبو حاتم: الرفع أولى؛ لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء. ويقال: القمر ليس هو المنازل فكيف قال {قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} ففي هذا جوابان: أحدهما قدّرناه ذا منازل؛ مثل: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. والتقدير الآخر قدّرنا له منازل ثم حذفت اللام، وكان حذفها حسناً لتعدي الفعل إلى مفعولين مثل {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً}تفسير : [الأعراف: 155]. والمنازل ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل؛ وهي: الشَّرَطَان. البُطَيْن. الثُّرَيَّا. الدَّبَران. الهَقْعَة. الهنعة. الذِّراع. النَّثْرة. الطَّرْف. الْجَبْهة. الخَراتانِ. الصَّرْفة. العَوَّاء. السِّمَاك. الْغَفْر. الزُّبَانَيان. الإِكْليل. القَلْب. الشَّوْلة. النَّعَائم. البَلَدّة. سَعدْ الذَّابح. سَعدْ بُلَع. سَعْد السُّعود. سَعدْ الأَخْبِية. الفَرْغ المقدَّم. الفَرْغ المؤخَّر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أوّلها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يَسْتَسِرُّ ثم يطلع هلالاً، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث. فللحمَل الشَّرَطان والبُطَين وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا والدَّبران وثلثا الهَقْعة، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في «الحجر» تسمية البروج والحمد لله. وقيل: إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نارٍ ثم كُسِيا النور عند الطلوع، فأما نور الشمس فمن نور العرش، وأما نور القمر فمن نور الكرسي، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة. فأما الشمس فترِكت كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق، وأما القمر فأمرَّ الروحُ الأمين جناحه على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح، وذلك أنه روح والروح سلطانه غالب على الأشياء. فبقي ذلك المحو على ما يراه الخلق، ثم جعل في غلاف من ماء، ثم جعل له مجرى، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمراً بمقدار ما يقمِر لهم حتى ينتهي بدؤه، ويراه الخلق بكماله واستدارته. ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شيء منه فينقص من الرؤية والإقمار بمقدار ما زاد في البدء. ويبتدىء في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم، وهو العِذْق المتقوِّس ليُبسه ودقته. وإنما قيل القمر؛ لأنه يُقمِر أي يبيض الجوّ ببياضه إلى أن يَسْتِسرَّ. الثانية: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} قال الزجاج: هو عود العِذْق الذي عليه الشماريخ، وهو فُعْلون من الانعراج وهو الانعطاف، أي سار في منازله، فإذا كان في آخرها دقّ واستقوس وضاق حتى صار كالعُرجون. وعلى هذا فالنون زائدة. وقال قتادة: هو العِذْق اليابس المنحني من النخلة. ثعلب: «كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» قال: «الْعُرْجُون» الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت، و «القَديم» البالي. الخليل: في باب الرباعي «الْعُرْجُون» أصل العِذْق وهو أصفر عريض يشبَّه به الهلالُ إذا ٱنحنى. الجوهري: «العرجون» أصل العِذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا؛ وعَرْجَنه: ضربه بالعرجون. فالنون على قول هؤلاء أصلية؛ ومنه شعر أعشى بني قيس:شعر : شرق المسْك والعبير بها فهي صفراء كعرجون القمر تفسير : فالعرجون إذا عَتق ويَبِس وتقوّس شبِّه القمرُ في دقّته وصفرته به. ويقال له أيضاً الإهان والكباسة والقِنْو، وأهل مصر يسمونه الإسباطة. وقرىء: «العِرْجَوْن» بوزن الفِرجون وهما لغتان كالبُزْيون والبِزْيَون؛ ذكره الزمخشري وقال: هو عود العِذْق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. وٱعلم أن السَّنَة منقسمة على أربعة فصول، لكل فصل سبعة منازل: فأوّلها الربيع، وأوله خمسة عشر يوماً من أَذَار، وعدد أيامه ٱثنان وتسعون يوماً؛ تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحمل، والثور، والجوزاء، وسبعة منازل: الشَّرَطان والبُطَين والثُّريا والدَّبَران والهَقْعة والهَنْعة والذِّراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوماً من حَزِيران، وعدد أيامه ٱثنان وتسعون يوماً؛ تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشَّرَطان، والأسد، والسُّنْبلة، وسبعة منازل: وهي النثرة والطَّرْف والجبهة والخَرَاتان والصّرفة والعوَّاء والسِّماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوماً من أيلول، وعدد أيامه أحد وتسعون يوماً، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج؛ وهي الميزان، والعقرب، والقوس، وسبعة منازل الغُفْر والزُّبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوماً من كانون الأوّل، وعدد أيامه تسعون يوماً وربما كان أحداً وتسعين يوماً، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الْجَدي والدَّلْو والحوت، وسبعة منازل سعد الذابح وسعد بُلَع وسعد السّعود وسعد الأَخبِية والفَرْغ المقدم، والفرغ المؤخر وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأوّل، تشرين الثاني، كانون الأوّل، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، أيار، حَزِيران، تَمُّوز، آب، أيلول، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزِيران وأيلول، فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يوماً وربع يوم. وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى؛ فذلك قوله تعالى: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} فإذا كانت الشمس في منزل أهلّ الهلالُ بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر بمنزلتين من قبله. فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يوماً من نيسان، كان الفجر بالشرطين، وأهلّ الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانياً وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس فـ {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}. الثالثة: قوله تعالى: {ٱلْقَدِيمِ} قال الزمخشري: القديم المحوِل وإذا قَدُم دَقّ وٱنحنى وٱصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل عدّة الموصوف بالقديم الحَوْل، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر. قلت: قد مضى في «البقرة» ما يترتب على الأهِلة من الأحكام والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ} قدرنا مسيره. {مَنَازِلَ} أو سيره في منازل وهي ثمانية وعشرون: السرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزبانا، الإِكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعدالسعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا، وهو بطن الحوت ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبيل الإِجتماع دق واستقوس، وقرأ الكوفيون وابن عامر {وَٱلْقَمَرَ} بنصب الراء. {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ} كالشمراخ المعوج، فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج، وقرىء {كَٱلعُرجُونِ} وهما لغتان كالبزيون والبزيون. {ٱلْقَدِيمِ} العتيق وقيل ما مر عليه حول فصاعداً. {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا} يصح لها ويتسهل. {أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} في سرعة سيره فإن ذلك يخل بتكون النبات وتعيش الحيوان، أو في آثاره ومنافعه أو مكانه بالنزول إلى محله، أو سلطانه فتطمس نوره، وإيلاء حرف النفي {ٱلشَّمْسَ} للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه، وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيران، وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكساً للأول وتبديل الإِدراك بالسبق لأنه الملائم لسرعة سيره. {وَكُلٌّ} وكلهم والتنوين عوض عن المضاف إليه، والضمير للشموس والأقمار فإن اختلاف الأحوال يوجب تعدداً ما في الذات، أو للكواكب فإن ذكرهما مشعر بهما. {فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يسيرون فيه بانبساط. {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ} أولادهم الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم، أو صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم، فإن الذرية تقع عليهن لأنهن مزارعها. وتخصيصهم لأن استقرارهم في السفن أشق وتماسكهم فيها أعجب، وقرأ نافع وابن عامر {ذرياتهم}. {فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} المملوء، وقيل المراد فلك نوح عليه الصلاة والسلام، وحمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وتخصيص الذرية لأنه أبلغ في الامتنان وأدخل في التعجب مع الإِيجاز. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ} من مثل الفلك. {مَا يَرْكَبُونَ} من الإِبل فإنها سفائن البر أو من السفن والزوارق. {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق، أو فلا إغاثة كقولهم أتاهم الصريخ. {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} ينجون من الموت به. {إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا وَمَتَاعاً} إلا لرحمة ولتمتيع بالحياة. {إِلَىٰ حِينٍ} زمان قدر لآجالهم. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} الوقائع التي خلت أو العذاب المعد في الآخرة، أو نوازل السماء ونوائب الأَرض كقوله: {أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [سبأ: 9] أو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أو عكسه، أو ما تقدم من الذنوب وما تأخر. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لتكونوا راجين رحمة الله، وجواب إذا محذوف دل عليه قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءَايَةٍ مّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} كأنه قال وإذا قيل لهم اتقوا العذاب أعرضوا لأنهم اعتادوه وتمرنوا عليه. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله} على محاويجكم. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالصانع يعني معطلة كانوا بمكة. {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تهكماً بهم من إقرارهم به وتعليقهم الأمور بمشيئته. {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} على زعمكم، وقيل قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين إيهاماً بأن الله تعالى لما كان قادراً أن يطعمهم ولم يطعمهم فنحن أحق بذلك، وهذا من فرط جهالتهم فإن الله يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة الله، ويجوز أن يكون جواباً من الله لهم أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْقَمَرَ } بالرفع والنصب، وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده {قَدَّرْنَٰهُ } من حيث مسيره {مَنَازِلَ } ثمانية وعشرين منزلاً في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً، وليلة إن كان تسعة وعشرين يوماً {حَتَّىٰ عَادَ } في آخر منازله في رأي العين {كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } أي كعود الشماريخ إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصفر.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} يطلع كل ليلة في منزلة {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} قنو النخل اليابس وهو العذق أو النخل إذا انحنى حاملاً "ع".
البقاعي
تفسير : ولما ذكر آية النهار، أتبعها آية الليل فقال: {والقمر} ومعناه في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وروح عن يعقوب بالرفع: يجري لمستقر له، ونصبه الباقون دلالة على عظمة هذا الجري لسرعته بقطعه في شهر ما تقطعه الشمس في سنة، ولذلك ضعف الفعل المفسر للناصب وأعمله في ضمير القمر ليكون مذكوراً مرتين فيدل على شدة العناية تنبيهاً على تعظيم الفعل فيه، وأعاد مظهر العظمة فقال مستانفاً في قراءة الرفع: {قدرناه} أي قسناه قياساً عظيماً أي قسنا لسيره {منازل} ثمانية وعشرين، ثم يستسر ليلتين: عند التمام وليلة للنقصان لا يقدر يوماً أن يتعداه, قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: يبعد عن الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدراً, ثم يدنو فكلما ازداد من الشمس دنواً ازداد في نفسه نقصاناً إلى أن يتلاشى. {حتى عاد} أي بعد أن كان بدراً عظيماً {كالعرجون} من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة دقيقاً منحنياً، وهو فعلول ذكره أهل اللغة في النون وقالوا: عرجن الثوب: صور فيه صور العراجين، وقال المفسرون: إنه من عرج، أي أعوج. ولما كانت حمرته آخذة إلى صفرة قال: {القديم *} أي المحول، فإن العرجون إذا طال مكثه صار كذلك، فدق وانحنى واصفر. ولما تقرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها، فلا يغلب ما هو آيته ما هو آية الآخر، بل إذا جاء سلطان هذا ذهب ذاك، وإذا جاء ذاك ذهب هذا، فإذا اجتمعا قامت الساعة، تحرر أن نتيجة هذه القضايا: {لا الشمس} أي التي هي آية النهار {ينبغي لها} أي ما دام هذا الكون موجوداً على هذا الترتيب {أن تدرك} أي لأن حركتها بطيئة {القمر} أي فتطمسه بالكلية، فما النهار سابق الليل {ولا الّيل سابق النهار} أي حتى ينبغي للقمر مع سرعة سيره أن يدرك الشمس ويغلبها فلا يوجد نهار أصلاً، ولو قيل: يستبق لاختل المعنى لإيهامه أنه لا يتقدمه أصلاً فالآية من الاحتباك: نفى أولاً إدراك الشمس لقوتها دليلاً على ما حذف من الثانية من نفي إدراك القمر للشمس، وذكر ثانياً سبق الليل النهار لما له من القوة بما يعرض من النهار فيغشيه دليلاً على حذف سبق النهار الليل أولاً {وكل} أي من المذكورات حقيقة ومجازاً {في فلك} محيط به، ولما ذكر لها فعل العقلاء، وكان على نظام محرر لا يختل، وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل، فكان منزهاً عن آفة تلحقه، أو ملل يطرقه، عبر بما تدور مادته على القدرة والشدة والاتساع فقال: آتياً بضمير العقلاء جامعاً لأنه أدل على تسخيرهم دائماً: {يسبحون *} حثاً على تدبر ما فيها من الآيات التي غفل عنها - لشدة الإلف لها - الجاهلون. ولما ذكر ما حد له حدوداً في السباحة في وجه الفلك لو تعداها لاختل النظام، ذكر ما هيأه من الفلك للسباحة على وجه الماء الذي طبق الأرض في زمن نوح عليه السلام حتى كانت كالسماء، ولو تعدت السفينة ما حد لها سبحانه من المنازل فنفذت إلى بحر الظلمات لفسد الشأن، وكانوا فيها كأنهم في الأرض، وبسيرها كأنهم يخترقون الجبال والفيافي والقفار - كل ذلك تذكيراً بأيام الله، وتنبيهاً على استدرار نعمه، وتحذيراً من سطواته ونقمه، ومنّاً عليهم بما يسر لهم من سلوك البحر والتوصل به إلى جليل المنافع فقال: {وآية لهم} أي على قدرتنا التامة الشامل {أنا} أي على ما لنا من العظمة {حملنا}. ولما كان من قبل نوح عليه السلام من أصول البشر لم يحملوا في الفلك، عدل عن التعبير بالضمير والآباء إلى قوله: {ذريتهم} أي ذرية البشر التي ذرأناها وذروناها وذررناها حتى ملأنا بها الأرض من ذلك الوقت إلى آخر الدهر، ولهذا التكثير المفهوم من هذا الاشتقاق البليغ اغتنى ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون فقرؤوا بالإفراد، وزادت في الإيضاح قراءة الباقين بالجمع، بعضهم ظاهراً وبعضهم في ظهر أبيه {في الفلك} عرفه لشهرته بين جميع الناس {المشحون *} أي الموقر المملوء حيواناً وزاداً، وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير قط مثلها ولا يرى أبداً، ومع ذلك فسلمه الله. ولما كانت هذه الآية لم تنقطع بل عم سبحانه بنفعها: {وخلقنا} أي بعظمتنا الباهرة {لهم من مثله} أي من مثل ذلك الفلك من الإبل والفلك {ما يركبون *} أي مستمرين على ذلك على سبيل التجدد ليقصدوا منافعهم، ولو شئنا لمنعنا ذلك. ولما كان قد أنجى سبحانه آباءنا حين حمله في ذلك الماء الذي لم يكن مثله قط، وكان ربما ظن أن الإنجاء لسر من الأسرار غير إرادته، جعل أمر ما خلق من مثله تارة وتارة ليعرف أن ذلك هو بصنعه فتشكر نعمته أولاً وآخراً فقال: {وإن نشأ} أي لأجل ما لنا من القوة الشاملة {نغرقهم} أي مع أن هذا الماء الذي يركبونه لا يعشر ذلك الذي حملنا فيه آباءهم {فلا صريخ لهم} أي مغيث ينجيهم مما نريد بهم من الغرق {ولا هم} أي بأنفسهم من غير صريخ {ينقذون *} أي يكون لهم إنقاذ أي خلاص بأنفسهم أو غيرها. ولما كان هو سبحانه يصرخ من يشاء فينجيه وكانت "لا" نافية نفياً مستغرقاً، استثنى ما كان منه سبحانه فقال: {إلا رحمة} أي إلا نحن فننقذهم إن شئنا رحمة {منا} أي لهم، لا وجوباً علينا، ولا لمنفعة تعود منهم إلينا {ومتاعاً} أي لهم {إلى حين *} أي وهو حين انقضاء آجالهم. ولما كان هذا الحال معلوماً لهم لا ينازعون فيه بوجه، بل إذا وقعوا فيه أخلصوا الدعاء وأمروا به وخلعوا الأنداد، وكان علم ذلك موجباً لصاحبه أن لا يغفل عن القادر عليه وقتاً ما، بل لا يفتر عن شكره خوفاً من مكره، وكان العاقل إذا ذكر بأمر فعلمه يقيناً كان جديراً بأن يقبله، فإذا لم يقبله وخوف عاقبته بأمر محتمل جد في الاحتراز منه، عجب منهم في إعراضهم عنه سبحانه مع قيام الأدلة القاطعة على وحدانيته وأنه قادر على ما يريد من عذاب وثواب، وإقبالهم على ما لا ينفعهم بوجه، فقال: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان {لهم اتقوا} أي خافوا خوفاً عظيماً تعالجون فيه أنفسكم {ما بين أيديكم} أي بما يمكن أن تقعوا فيه من العثرات المهلكة في الدارين {وما خلفكم} أي ما فرطتم فيه ولم تجاروا به ولا بد من المحاسبة عليه لأن الله الذي خلقكم أحكم الحاكمين {لعلكم ترحمون *} أي تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام.
السيوطي
تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والقمر قدرناه منازل} الآية. قال: قدره الله منازل، فجعل ينقص حتى كان مثل عذق النخلة، فشبهه بذلك. وأخرج الخطيب في كتب النجوم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} قال: في ثمانية وعشرين منزلاً ينزلها القمر في شهر: أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية. فأولها السرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك. وهو آخر الشامية والعقرب، والزبانين، والاكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر اليمانية. فإذا سار هذه الثمانية والعشرين منزلاً {عاد كالعرجون القديم} كما كان في أول الشهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {كالعرجون القديم} يعني أصل العذق القديم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {كالعرجون القديم} قال: عرجون النخل اليابس. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {كالعرجون القديم} قال: هو عذق النخلة اليابس المنحني. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {كالعرجون القديم} قال: كعذق النخلة إذا قدم فانحنى. وأخرج ابن المنذر عن الحسن بن الوليد قال: أعتق رجل كل غلام له عتيق قديم، فسئل يعقوب فقال: من كان لسنة فهو حر. قال الله {حتى عاد كالعرجون القديم} وكان لسنة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ} بالنَّصبِ بإضمار فعلٍ يفسِّره الظَّاهرُ. وقُرىء بالرَّفعِ على الابتداءِ أي قدَّرنا له {مَنَازِلَ} وقيل: قدرنا مسيرَه منازلَ وقيل: قدرنَاهُ ذا منازلَ وهي ثمانيةٌ وعشرون السرطانِ, البَطينُ, الثُّريَّا, الدَّبرانِ, الهقعة, الهَنْعَةُ, الذِّراعُ, النَّثرةُ, الطِّرفُ, الجَبهةُ, الزَّبرةُ, الصِّرفةُ, العَوَا, السِّماكُ, الغفر, الزباني, الإكليلُ, القَلبُ, الشَّولةُ, النَّعائمُ, البلدةُ, سعدُ الذَّابحُ, سعدُ بَلْع, سَعدُ السُّعود, سَعدُ الأخبـيةِ, فرغ الدَّلو المقدَّم, فرغ الدَّلوِ المؤخرَّ, الرَّشا, وهو بطنُ الحوتِ ينزل كلَّ ليلةٍ في واحدٍ منها لا يتخطَّاها ولا يتقاصرُ عنها فإذا كان في آخرِ منازلِه وهو الذي يكون قبـيلَ الاجتماع دقَّ واستقوسَ {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ} كالشِّمراخِ المُعوجِ فعلون من الانعراجِ وهو الاعوجاجُ وقُرىء كالعَرجونَ وهما لغتانِ كالبُزيَون والبِزيونِ. {ٱلْقَدِيمِ} العَتيقِ وقيل: وهو ما مرَّ عليه حولٌ فصاعداً {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا} أي يصحُّ ويتسهَّلُ {أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} في سرعةِ السَّيرِ فإنَّ ذلكَ يخلُّ بتكون النَّباتِ وتعيُّشِ الحيوانِ أو في الآثارِ والمنافعِ أو في المكانِ بأن تنزلَ في منزلِه أو في سلطانه فتطمس نورَه. وإيلاءُ حرفِ النَّفي الشَّمسَ للدِّلالةِ على أنَّها مسخَّرةٌ لا بتيسر لها إلا ما قُدرِّ لها {وَلاَ ٱلليْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي يسبقُه فيفوتُه ولكنْ يعاقُبه وقيل: المرادُ بهما آيتاهُما النيِّرانِ وبالسبقِ سبقُ القمرِ إلى سُلطانِ الشَّمسِ فيكون عكساً للأوَّلِ، وإيراد السَّبقِ كان الإدراك لأنَّه الملائمُ لسرعةِ سيرهِ {وَكُلٌّ} أي وكلُّهم على أنَّ التَّنوينَ عوضٌ عن المضافِ إليه الذي هو الضَّميرُ العائدُ إلى الشَّمسِ والقمرِ. والجمعُ باعتبارِ التَّكاثرِ العارضِ لهما بتكاثرِ مطالعهما فإنَّ اختلافَ الأحوالِ يُوجب تَعدداً ما في الذَّاتِ أو إلى الكواكبِ فإنَّ ذكرَهما مشعرٌ بها {فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يسيرُون بانبساطٍ وسهولةٍ. {وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ} أولادَهم الذين يبعثُونهم إلى تجاراتِهم أو صبـيانَهم ونساءَهم الذين يستصحبونهم، فإنَّ الذُّريةَ تطلقُ عليهن لا سيَّما مع الاختلاطِ، وتخصيصُهم بالذِّكرِ لما أنَّ استقرارَهم في السُّفنِ أشقُّ واستمساكهم فيها أبدعُ {فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أي المملوءِ وقيل: هو فُلك نوحٍ عليه السَّلامُ وحملُ ذريَّاتِهم فيها حملُ آبائِهم الأقدمين وفي أصلابِهم هؤلاء وذرياتُهم، وتخصيصُ أعقابِهم بالذَّكرِ دُونَهم لأنه أبلغَ في الامتنانِ وأدخلُ في التَّعجيبِ الذي عليه يدورُ كونُه آيةً.
القشيري
تفسير : الإشارة منه أن العبد في أَوان لطلب رقيقُ الحال، ضعيفٌ، مختصرُ الفَهْم.. ثم يُفَكِّر حتى تزداد بصيرته.. إنه كالقمر يصير كاملاً، ثم يتناقَصُ، ويدنو من الشمس قليلاً قليلاً، وكُلَّمَا ازداد من الشمس دُنُوَّا ازداد في نفسه نقصاناً حتى يتلاشى ويختفي ولا يُرَى.. ثم يَبْعُدُ عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدراً - مَنْ الذي يُصَرِّفه في ذلك إلاَّ أَنه تقدير العزيز العليم؟ وشبيهُ الشمسِ عارِفٌ أبداً في ضياء معرفته، صاحبُ تمكينٍ غيرُ مُتَلَوِّنٍ، يشرق من برج سعادته دائماً، لا يأخذه كسوفٌ، ولا يستره سحابٌ. وشبيهُ القمر عبدٌ تتلون أحوالُه في تنقله؛ فهو في حال من البسط يترقَّى إلى حَدِّ الوصال، ثم يُرَدُّ إلى الفترة، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال، فيتناقص، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته، ثم يجود الحقُّ - سبحانه - فيُوَفِّقُه لرجوعه عن فترته، وإفاقته عن سَكْرَتِه، فلا يزال يصفوا حاله إلى أنْ يَقْرُبَ من الوصال، ويرزقَ صفة الكمال، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال.. كذلك حاله إلى أن يُحَقَّ له بالمقسوم ارتحاله، كما قالوا: شعر : ما كنت أشكـــو ما علـــى بَدَنــي من كثـــرة التلــــوين من بُدَّتِــــــه تفسير : وأنشدوا: شعر : كُـــــــلَّ يــــــــوم تتلـــــــون غيـــــرُ هــــــــــــذا بِــــــكَ أجمـــــــــل
اسماعيل حقي
تفسير : {والقمر قدرناه} بالنصب باضمار فعل يفسره الظاهر كما فى زيدا ضربته اى وقدرنا القمر قدرناه اى قدرنا له وعينا {منازل} وهى ثمان وعشرون مقسومة على الاثنى عشر برجا كما استوفينا الكلام عليها فى اوائل سورة يونس ينزل القمر كل ليلة فى واحدة من تلك المنازل لا يتخطاها ولا يتقاصر عنها فاذا كان فى آخر منازله دق واستقوس ويستتر ليلتين ان كان الشهر ثلاثين او ليلة ان كان تسعة وعشرين وقد صام عليه السلام ثمانية او تسعة رمضانات خمسة منها كانت تسعة وعشرين يوما والباقى ثلاثين وقد قال عليه السلام "حديث : شهرا العيد لا ينقصان" تفسير : اى حكمهما اذا كانا تسعا وعشرين مثل حكمهما اذا كانا ثلاثين فى الفضل وقد صح ان دور هذه الامة هو الدور القمرى العربى الذى حسابه مبنى على الشهر لا الدور الشمسى الذى مبنى حسابه على الايام {حتى عاد} [تاعود كرد ماه]. قال ابن الشيخ حتى صار القمر فى آخر الشهر واول الشهر الثانى فى دقته واستقواسه واصفراره {كالعرجون} فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج وهو عود العذق ما بين شماريخه الى منبته من النخلة. والعذق بالكسر فى النخل بمنزلة العنقود فى الكرم بالفارسية [خوشه خرما]. والشماريخ جمع شمراخ او شمروخ ما عليه البسر من العيدان {القديم} العتيق فاذا قدم وعتق دق وتقوس واصفر شبه به القمر فى آخر الشهر فى هذه الوجوه الثلاثة اى فى عين الناظر وان كان فى الحقيقة عظيما بنفسه فالقديم ما تقادم عهده بحكم العادة ولا يشترط فى اطلاق لفظ القديم عليه مدة بعينها اذ يقال لبعض الاشياء قديم وان لم يمض عليه حول وقيل اقل هذا القديم الحول فمن حلف كل مملوك قديم لى فهو حر عتق من مضى عليه الحول. قال فى كشف الاسرار [ازروى حكمت كفته اندكه زيادت ونقصان ماه از آنست كه درابتداى آفرينش نور او بركمال بود بخود نظرى كرد عجبى دروى بيدا شد رب العزة جبريل را فرمود تابرخويش برروى ماه زد وآن نور ازوى بستاد ابن عباس رضى الله عنهما كفت آن خطها كه برروى ماه مى بينيد نشان بر جبرائيل است نور از وى بست اما نقش برجاى بماند ونقش كلمة توحيداست بربيشانى ماه نبشت "لا اله الا الله محمد رسول الله" ياخود حروفى كه ازان اسم جميل حاصل ميشود جون نور ازماه بستدند اورا از خدمت دركاه منع كردند ماه ازفر شتكان مدد خواست تا از بهروى شفاعت كردند كفتند بار خدايا ماه درخدمت دركاه عزت خوى كرده هيج روى آن دارد كه بيكباركى اورا مهجور كنى رب العزه شفاعت ايشان قبول كرد واورا دستورى داد تاهر ماهى بيكبار سجود كند درشب جارده اكنون هرشب كه برآيد وبوقت خدمت نزديكترمى كردد نوروى مى افزايد تاشب جهارده كه وقت سجود بود نورش بكمال رسد بازجون از جهارده در كذرد هرشب در نوروى نقصان مى آيد ازبساط خدمت دورتر مى كردد]. وقيل شبيه الشمس عبد يكون ابدا فى ضياء معرفته وهو صاحب تمكين غير متلون اشرقت شمس معرفته من بروج سعادته دائما لا يأخذه كسوف ولا يستره حجاب. وشبيه القمر عبد تكون احواله فى التنقل وهو صاحب تلوين له من البسط ما يرقيه الى حد الوصال ثم يرد الى الفترة ويقع فى القبض مما كان به من صفاء الحال فيتناقص ويرجع الى نقصان امره الى ان يرفع قلبه من وقته ثم يجود عليه الحق فيوفقه لرجوعه عن فترته وافاقته من سكرته فلا يزال يصفو حاله الى ان يقرب من الوصال ويرتقى الى ذروة الكمال فعند ذلك يقول بلسان الحال شعر : ما زلت انزل من ودادك منزلا تتحير الالباب عند نزوله تفسير : وفى التأويلات النجمية وبقوله {والقمر قدرناه منازل} يشير الى قمر القلب فان القلب كالقمر فى استفادة النور من شمس الروح اولا ثم من شمس شهود الحق تعالى ثانيا وله ثمانية وعشرون منزلا على حسب حروف القرآن كما ان للقمر ثمانية وعشرون منزلا فالقلب ينزل فى كل حين منها بمنزل وهذه اسماؤها الالفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والضرر والطلب والظمأ والعشق والغيرة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين فاذا صار الى آخر منازله فقد تخلق بخلق القرآن واعتصم بحبل الله وله آن ان يعتصم بالله ولهذا قال الله تعالى لنبيه فى قطع منازل العبودية {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} تفسير : ويقال للمؤمن فى الجنة اقرأ وارق يعنى اقرأ القرآن وارتق فى مقامات القرب وبقوله {أية : حتى عاد كالعرجون القديم} تفسير : يشير الى سير قمر القلب فى منازله فاذا الف الحق تعالى فى اول منزله ثم بر بالايمان والعمل الصالح ثم تاب وتوجه الى الحضرة ثم ثبت على تلك التوبة جعل له الجمعية مع الله فيستنير قمر قلبه بنور ربه حتى يصير بدرا كاملا ثم يتناقص بدنوه من شمس شهود الحق تعالى قليلا كلما ازداد دنوه من الشمس ازداد فى نفسه نقصانا الى ان يتلاشى ويخفى ولا يرى له اثر وهذا مقام الفقر الحقيقى الذى افتخر به النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله "حديث : الفقر فخرى" تفسير : لانه عليه السلام كلما ازداد دنوه الى الحضرة ليلة المعراج ازداد فى فقره عن الوجود كما اخبر الله تعالى عنه بقوله {أية : ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى} تفسير : كمل ههنا فقره عن الوجود فوجده الله تعالى عائلا فاغناه بجوده انتهى. واعلم ان القمر مرآة قابلة لان تكتسب النور من قرص الشمس حسب المحاذاة بينهما ولما كان دور الشمس بطيئا كان ظهور اثرها دائرا على حصول الفصول الاربعة التى هى الربيع والصيف والخريف والشتاء ولما كان دور القمر سريعا كان ظهور اثره فى الكون سريعا والى القمر ينظر القلب فى سرعة الحركة ولهذا السر اسكن الله آدم فى فلك القمر لمناسبة باطنه به فى سرعة حركاته وتقلباته. ثم ان القمر مرئى مدرك واما الشمس فى اشراقها واضاءتها وتلألؤ شعاعها لا تدرك كيفيتها وكميتها على ما هى عليه من تمنعها وامتناعها واحتيج الى طريق يتوصل به الى ابصارها بقدر الوسع فافادت الفكرة والخبرة أن يأخذ الانسان اناء كثيفا ويملأه ماء صافيا نظيفا ويضعه فى مقابلة الشمس لتنعكس صورة من الشمس فى الماء فيلاحظ الانسان الشمس بغير دفع تلألؤ الاضواء ويراها فى اسفل قعر الاناء فان اللطيف من شأنه القبول والكثيف من شأنه الامساك فقبل الماء وامسك الاناء وهذا تدبير من يريد ابصار الشمس الظاهرة بمقلته الباصرة فاذا كان الشمس الظاهرة المتناهية لا يدرك عكسها بالاستعدادات السابقة والتدبيرات اللاحقة فما ظنك بشمس عالم الاحدية الالهية الربوبية الغير المتناهية وان نسبتها اليه فى الانارة والاضاءة والظهور والاظهار ودفع انوار العظمة ليست الا كذرّة فى الآفاق والسبع الطباق او كقطرة بالنسبة الى البحار الزاخرة او كجزء لا يتجزأ بالنسبة الى الدنيا والآخرة سبحان الله وله المثل الاعلى فى الارض والسماء فاذا عرفت هذا المثال عرفت حال القلب مع شمس الربوبية وانعكاس نورها فيه: قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : نخست ديده طلب كن بس آنكهى ديدار از آنكه يار كند جلوه بر اولو الابصار ترا كه جشم نباشد جه حاصل از شاهد ترا كه كوش نباشد جه سود از كفتار اكرجه آينه دارى از براى رخش ولى جه سود كه دارى هميشه آينه تار بيا بصيقل توحيد زآينه بزدآى غبار شرك كه تا باك كردد از زنكار تفسير : وقال ايضا شعر : كجا شود بحقيقت عيان جمال حقيقت اكر مظاهر وآينه مجاز نباشد مجوى دردل ما غير دوست زانكه نيابى از آنكه در دل محمود جز اياز نباشد به بيش عقل مكو قصهاى عشق كه آنرا قبول مى نكند آنكه عشقباز نباشد
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "والقمر" قريء مرفوعاً، إما على الإبتداء، أو عطفاً على الليل، أي: ومن آياته القمر، وقريء منصوباً بفعل يفسّره "قدّرناه"، ولا بد حينئذ من ارتكاب حذف مضاف، أي: قدرنا مسيره منازل، إذ لا معنى لتقدير نفس القمر منازل. والمقر جُرْم كروي غير مشف، مركوز في سخن فلكه، يستضيء أكثر من جرمه من نور الشمس، لكثافته وصقالة سطحه، الواقع دائماً في محاذاة الشمس من غير حجاب، إلاّ عند مقاطرته الحقيقية أو ما يقرب منها مع الشمس، فتحجبه الأرض عند ذلك عن مواجهة الشمس، ووقوع ضوئها عليه، فيُرىَ مظلماً منخسفاً كله أو بعضه. وإنما هدى الناس الحكم بأستنارته من الشمس، مشاهدة التشكلات النوريّة، والاختلافات الهلالية والبدرية، مع مشاهدة الخسوف له عند المقاطرة، فيعلم بِضَرْب من الحَدْس، أن نوره مستفاد من الشمس. "والمنازل" ثمانية وعشرون منزلاً، وهي التي يقطعها القمر في كل شهر بحركته الخاصة لفلكه، فَيُرَى كلَّ ليلة نازلاً بمحاذاة واحد منها، وهذه المنازل، هي مواقع النجوم التي نَسَبَتْ إليها العرب "الأنواء المستمطرة"، لأن "النَّوء" سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق، يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً، وكل نجم منها هكذا إلى انقضاء السنة، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً. وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، فيقول: "امطرنا بنَوْء كذا" والجمع "أنواء" وهي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوّا، السماك، الغفر، الزباني، الأكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، الرشا. وهذه الأسامي مشهورة فيما بين العرب، متداولة في محاوراتهم وعشقياتهم، مذكورة في قصصهم وأشعارهم، وبها يتعرفون أوقات الليل وأقسام الفصول، فإن سنينهم لمّا كانت مختلفة الأوائل، لكونها باعبتار الأهلّة، حيث وقع أولها تارة في وسط الصيف - مثلاً - وتارة في وسط الشتاء، احتاجوا إلى ضبط السنة الشمسية ليشتغلوا في استقبال كل فصل بما يهمهم في ذلك الفصل، فوجدوا القمر يعود إلى وضعه الأول من الشمس، في قريبٍ من ثلاثين يوماً، فيسير في المنازل الثمانية والعشرين من ليلة المستهلّ إلى الثامنة والعشرين، ثم يختفي في أواخر الشهر، ليلتين أو ما يقاربها إذا نقص الشهر، فأسقطوا يومين من زمان الشهر، بقي ثمانية وعشرون، وهو زمان ما بين أول ظهوره بالعشيّات في أوائل الشهر، وآخر رؤيته الغَدَوات في أواخره، كما دلّ عليه بقوله: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ}، فقسموا أدوار الفلك على ذلك، فكان كل قسم من الأقسام الثمانية والعشرين، اثنتي عشرة درجة وإحدى وخمسين دقيقةً، حاصلةً من قسمة درجات تمام الدور - أعني ثلاثمائة وستين درجة -، على عدد الأقسام المذكورة فسمّوا كل قسم منزلاً، وجعلوا لها علامات من الكواكب التي تقرب منطقة البروج، لانطباق مدار فلكه الكلي عليها، ولهذا أصاب كلَّ برج من البروج الإثني عشر منزلان وثلثُ منزل. ثم توصّلوا إلى ضَبْط السنة الشمسية، بكيفية قطع الشمس لهذه المنازل، فوجدوها تقطع كل منزل في ثلاثة عشر يوماً تقريباً، وذلك لأنهم رأوها تستر دائماً ثلاثة منها، ما هي فيه بشعاعها، وما قبلها بضياء الفجر، وما بعدها بضياء الشفق، فوجدوا الزمان بين ظهوري كل منزلين ثلاثة عشر يوم بالتقريب، فأيام المنازل ثلاثمأة وأربعة وستون، لكن الشمس تعود إلى كل منزل بعد قطع جميعها في ثلاثمأة وخمسة وستين، وهي زائدة على أيام المنازل بيوم، فزادوا يوماً في منزل "الغفر"، وانضبطت لهم السنة الشمسية بهذا الوجه، وتيّسر لهم الوصول إلى زمان الفصول وغيرها من الأوضاع والأصول. واعلم أن القمر إذا أسرع في سيره، فقد يتخطى منزلاً في الوسط، وإن أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل واحد، وقد يُرَى في بعض الليالي بين منزلين، فما وقع في عبارة الكشّاف وتبعه البيضاوي، من "أنه ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه" ليس له وجه. وإنما شبّه الله تعالى القمر، عندما كان في آخر منازله "بالعرجُون" وهو "عود العِذْق" ما بين شماريخه إلى مَنْبِته من النخلة، لدقتّه واستقواسه، وَوَصَفَهُ "بالقديم"، زيادة في وجه الشبه، فإنه إذا قدم ازداد دقة، وانحناءاً، واصفراراً، فشبه القمر به من وجوه ثلاثة. وقريء "العِرجون" بوزن "الفرجون" وهما لغتان كالبِزيون والبُزيون في السندس. وفي الكشّاف: "قيل: إن أقل مدة الموصوف بالقدم الحَوْل، فلو أن رجلاً، قال: "كل مملوك لي قديم فهو حر" أو كتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول أو أكثر". وفيه، أن هذا المنقول غير معلوم الثبوت بحسب اللغة، لأن أمثاله أمور نسبيّة، فرُبَّ قديم بالقياس إلى أمر كان جديداً بالقياس إلى غيره، ثم على تقدير صحته، إنما كان إذا لم يكن هناك قرينة دالة على تعيين المدة تحقيقاً أو تخميناً، كما في الأقارير والوصايا، ولهذا اختلفَ الفقهاء في تعيين ما يطلق عليه اسم "القديم"، واحتاجوا إلى المرجِّحات، فلو كان أمراً ثابتاً في اللغة، لما وقع منهم الاختلاف. والظاهر أن فيما نحن فيه، ليس من هذا القبيل، كما دلَّ عليه ما نقله صاحب مجمع البيان أبو علي الطبرسي رحمه الله، وهو قوله: "قيل: إن العذق يصير كذلك في كل ستة أشهر". ومن الشواهد المنقولة عن بعض ساداتنا وموالينا (صلوات الله عليهم أجمعين) ما رواه علي بن إبراهيم بإسناده، قال: دخل أبو سعيد المكاري - وكان واقفياً - على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فقال له: أبَلَغَ من قدرك أنك تدّعي ما ادّعاه أبوك؟ فقال له أبو الحسن (عليه السلام): مالك اطفأ الله نورَك، وأدخل الفقر بيتك، أما علمتَ أن الله عزّ وجلَ، أوحى إلى عمران: "إني واهب لك ذَكَراً يُبْرِيء الأكْمَهَ والأبرص" فَوَهَبَ له مريمَ، وَوَهَبَ لمريم عيسى، فعيسى من مريم، ومريم من عيسى، وعيسى ومريم شيء واحد، وأنا من أبي، وأبي مني، وأنا وأبي شيء واحد. فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة. قال (عليه السلام): سَلْ، ولا أَخَالُك تقبل منّي، ولست من غنمي ولكن هلمّها. قال: ما تقول في رجل قال عند موته: "كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله"؟. فقال أبو الحسن (عليه السلام): ما مَلَكَهُ لستة أشهر فهو قديم وهو حر. قال: وكيف صار كذلك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ}، سمّاه "قديماً" ويعود كذلك لستة أشهر. قال: فخرج أبو سعيد من عنده وذهب بصرهُ، وكان يسأل على الأبواب حتى مات.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} الثّمانية والعشرين المشهورة المعروفة عند العرب ولذلك لم يذكر من اوضاع الفلك الاّ تلك المنازل فانّ العرب كانوا يأخذون احكام النّجوم من تلك المنازل وكون القمر فيها ونظره الى سائر الكواكب فيها {حَتَّىٰ عَادَ} بعد انتهاء سيره الى المنزل الاوّل {كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} العرجون العثكول من النّخل او العنب عليه التّمر او العنب مقصوده تشبيهه فى دقّته واعوجاجه بالعرجون اليابس الدّقيق المعوجّ.
الهواري
تفسير : {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} أي: يزيد وينقص، وفي تفسير الكلبي: يجري في منازله. قال الحسن: لا يطلع ولا يغيب إلا في زيادة ونقصان. {حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} أي: كعذق النخلة اليابس، يعني إذا كان هلالاً. قوله: {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} أي: لا يجتمع ضوءهما، في قول مجاهد، يقول: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل لا ينبغي لهما أن يجتمع ضوءهما. وفي تفسير الكلبي: لا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل فتكون مع القمر في سلطانه. وقال الحسن: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ليلة الهلال خاصة؛ لا يجتمعان في السماء، وقد يُرَيان جميعاً ويجتمعان في غير ليلة الهلال؛ وهو كقوله: (أية : وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا) تفسير : [الشمس: 2] أي: إذا تبعها ليلة الهلال. ذكروا عن بعض أهل التفسير قال: {وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} أي: يتلوها صبيحة الهلال. وبعضهم يقول: {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} أي: صبيحة ليلة البدر، أي: يبادر فيغيب قبل طلوعها. قال: {وَلاَ الّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أي: يأتي عليه النهار فيذهبه. كقوله: (أية : يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) تفسير : [الأعراف: 54]. ذكروا أن أناساً من اليهود قالوا لعمر بن الخطاب: تقولون: جنة عرضها السماوات والأرض، فأين تكون النار؟ فقال: أرأيت إذا جاء النهار أين يكون الليل، وإذا جاء الليل أين يكون النهار. يفعل الله ما يشاء. قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي: الشمس والقمر، بالليل والنهار يَسبَحون، أي: يدورون، في تفسير مجاهد، كما يدور فلك المغزل. وقال الحسن: الفلك طاحونة مستديرة كفلكة المغزل بين السماء و الأرض، تجري فيها الشمس والقمر والنجوم، وليست بملتصقة بالسماء، ولو كانت ملتصقة ما جرت. وقال الكلبي: {يَسْبَحُونَ} أي: يجرون. وذكر بعضهم فقال: إن السماء خلقت مثل القبّة، وإن الشمس والقمر والنجوم ليس منها شيء ملتزق بالسماء، وإنما تجري في فلك دون السماء.
اطفيش
تفسير : {والقمر} هو والشمس معطوفان على الليل وتجري وقوله. {قدرناه منازل} مستأنفان لبيان كونهما آية او حالان ان لم يجعل الليل مبتدأ او مبتدآن خبرهما تجري وقدرناه وقرأه الكوفيون وابن عامر بنصب القمر على الاشتغال وهو مقو لوجه الابتداء وعلى كل حال لا بد من تقدير مضاف أي والقمر قدرنا سيره او سير القمر قدرناه منازل ومعنى تقدير السير منازل تقديره قطعا ولك ان تقدر مضافين أولا أو جرا أي وموضع سير القمر أو القمر قدرنا موضع سيره ولك ان تقدر مسير على انه اسم مكان وقدر بعضهم اللام في قدرناه اي قدرنا له وعلى الاوجه الثلاثة فالمنازل على ظاهره وهي مواضع النزول لا يحتاج الى تأويلها بقطع من السير وكذا ان قدرنا السير وجعلنا منازل ظرفا والمنازل ثمانية وعشرون. الاول الشرطان ويقال الشرطين سميا لانهما كالعلامتين اي سقوطهما علامة ابتداء المطر وقيل انهما قرنا الحمل. الثانية البطين سمي لانه بطن الحمل. الثالثة الثريا وتسمى النجم والنظم وهو تصغير تروي من الكثرة. الرابعة الدبران سمي لأنه دبر الثريا اي صار خلفها وسمي الحرج. الخامسة: المتعة سميت تشبيها بهقعة الدابة وهي دابرة تكون عند رجل الفارس في جنب الدابة وهي ثلاثة كواكب تسمى رأس الجوزاء. السادسة المنعة هي شبه كواكب من قولهم منعت الشيء عطفته وثنيت بعضه على بعض وكأن كل واحد منهما منعطف على صاحبه. السابعة الذراع ويقال ذارع الاسد وهي ذراعان مقبوضة ومبسوطة. الثامنة النثرة وهي كقطعة سحاب. التاسعة الطرفة ويقال الطرف وهو كوكبان سميا لانهما عينا الاسد. العاشرة الجبهة وهي جبهة الاسد. الحادي عشر الزبرة وهي زبرة الاسد وهي كاهلة. الثانية عشرة الصرفة سميت لان البرد ينصرف بسقوطها. الثالثة عشرة العوا بالقصر اجود من المد سميت للانعطاف الذي فيها. الرابعة عشرة السماك سمي لارتفاعه وهو الا عزل اي لا سلاح عنده وذلك لانجم يقرب منه والآخر الرامح لكوكب تقدمه كأنه رمحه. الخامسة عشرة الغفر ثلاثة كواكب سميت لانها من الغفرة وهي الشعر الذي في ظرف الاسد. السادسة عشرة الزبانا ويقال زبانا العقرب ويقال الزبانان وهما كوكبان كقرني العقرب مأخوذان من الزبن وهو الدفع كل منهما يدفع عن صاحبه. السابعة عشرة الاكليل ثلاثة كواكب مصطفة على رأس العقرب ولذلك سميت كافة من التكلل وهو الاحاطة. والثامنة عشرة القلب وهو كوكب احمر نير سمي لانه في وسط العقرب والقلوب اربعة: قلب العقرب وهو هذا وقلب الاسد وقلب الثور وهو الدبران وقلب الحوت. التاسعة عشرة الشوله سميت لانها كذنب المرتفع. العشرون النعائم ثمانية كواكب اربعة المجرة تسمى الواردة لشروعها في المجرة كأنها تشرب واربعة خارجها تسمى الصادرة وسميت نعائم تشبيها بالخشبات التي تكون على البير. الحادية والعشرون البلدة فرجة بين النعايم وسعد الذابح. سميت تشبيها بالفرجة بين الحاجبين غير المقرونين. الثانية والعشرون سعد الذابح سمي لكوكب بين يديه يقال هو شاته التي يذبح. الثالثة والعشرون سعد بلع كأنه بلع شاته اذ لم يكن معه كوكب شاة له كما كان للذابح. الرابعة والعشرون سعد السعود سمي لان في وقت طلوعه ابتداء ما يعيشون به وما تعيش به دوابهم. الخامسة والعشرون سعد الأخبية سمي لكوكب على الخباء فيه. السادسة والعشرون فرغ الدلو المقدم ويقال فرغ المقدم ويقال الاعلى سمي لان في وقته كثرة الامطار كأنه مفرغ دلو وهو مصب الماء. السابعة والعشرون فرغ الدلو المؤخر وفيه ما في الاول ويقال الاسفل. الثامنة والعشرون بطن الحوت ويقال الرشا والسمكة وبطن السمكة وقطب الحوت ذكر ذلك شيخ الاسلام ينزل كل ليلة واحدة منها فقد يكون فيها وقد يكون مقابلا لما علمت به المنزلة من النجوم، كما هو مشاهد واذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبل الاجتماع بالشمس دق واستقوس ولم تتقلبس من الشمس الا افل قليل منه كما قال الله سبحانه. {حتى عاد} أي صار أو رجع الى حاله من الدقة التي كان عليها أولا. {كالعرجون} وقرىء بكسر العين وهما لغتان وهو بلغتيه عود العذق ما بين منبته من النخلة وشماريخه ووزنه فعلون بضم الفاء وكسرها من الانعراج وهو الانعطاف قاله الزجاج. {القديم} الذي اتى عليه حول فلو قال رجل كل عبد لي قديم حر او كتب ذلك في وصيته ولا دليل على قصد له حكم تجربة من مضى عليه حول منهم او اكثر قال جار الله ووجه الشبه بين القمر في آخره والعرجون القديم الدقة والاحناء والاصفرار والحق عندي ان المراد في الآية مطلق القدم الذي به يكون الاعوجاج والدقة والصفرة ولو دون الحول.
اطفيش
تفسير : {والقَمَر قدَّرناه منازل} أى صيرنا محل سيرة بتقدير مضافين، ومنازل مفعول به ثان لقدر بمعنى صير، أو يقدر مضاف قبل منازل أى قدرناه ذا منازل، ويجوز أن يكون متعديا لواحد هو منازل، والهاء على تقدير اللام، أى قدرنا له، وقيل هو الهاء على حذف مضاف، ومنازل ظرف أى قدرنا سيره فى منازل، أو قدرنا نوره فى منازل، فيزيد مقدار النور فى كل يوم، ثم ينقص كذلك، لأن نوره من نور الشمس، بدليل اختلاف تشكلاته بالقرب والبعد منها، وخسوف بحلولية الأرض بينهما اذا حاد مجراه، ولا ينبغى أن يختف فى ذلك. ومنازله ثمانية وعشرون، والمنزل عبارة عما يقطعه القمر فى يوم وليلة، وذلك أنه يختفى ليلتين من أخر الشهر، أو أقل أو أكثر لمزيد قربه من الشمس، ولا يختفى أكثر من ثلاث ليال: ليلة قدامها، وليلة تحتها تقريبا، وليلة خلفها وذلك تقريب فأسقطوا يومين وذلك عند العرب وسكان البدو، وذلك ليضبطوا أحوال الرعى والانتقال الى المراعى وسائر مصالحهم، ويبقى ثمانية وعشرون، وقسموا دور الفلك عليه فكان كل قسم اثنتى عشرة درجة، واحدى وخمسين دقيقة تقريبا، وهو أسباع درجة، ونصيب كل برج منه منزلتان وثلث، والمنازل عند أهل هند سبعة وعشرون، لأن القمر يقطع فلك البروج فى سبعة وعشرين يوما وثلث يوم، فحذفوا الثلث لأنه أقل من النصف. والشمس تستر دائما ثلاث منازل ما هى فيه بشعاعها، وما قبلها بضياء الفجر، وما بعدها بضياء الشمس، ورصدوا ظهور المستتر بضياء الفجر، ثم شعاعها، ثم بضياء الشفق، فوجدوا الزمان بين كل ظهورى منزلتين ثلاثة عشر يوما تقريبا، فأيام جميع المنازل تكون ثلاثمائة وأربعة وستين، لكن الشمس تقطعها فى ثلاثمائة وخمسة وستين، وزادوا ذلك اليوم فى القفر اصطلاحا، أو لشرفه، وقد يحتاج إلى زيادة يومين ليكون انقضاء الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة، ويرجع الأمر الى النجم الأول، وليس القمر أو الشمس يحادى المنزل، ولا بد فإنه قد كون قبله بقليل أو بعده، وإنما أرادوا الضبط، وليس كل منزل نجما واحدا، بل بعضها نجم، وبعضها اثنان، وبعضها ثلاثة، وأكثر فالثريا ستة أنجم، وقيل خمسة، وقد قيل بالآلة أكثر من ثلاثين نجما فيها، وبعض المنازل غير نجم، وهو البلدة فإنها قطعة من السماء لا نجم فيها مستديرة. ولا يخفى أن الشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون بحسب الرؤية، والشرع جاء على هذا لا غير، وأما أهل الميقات فقالوا الشهر الأول ثلاثون، والثانى تسعة وعشرون، والثالث ثلاثون، وهكذا فالشهر الأخير تسعة وعشرون، وأيام السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً بسيطة، وثلاثمائة وخمسة وخمسون كبيسة، والشهر الأخير منها ثلاثون، ويسمى هذا الحساب الحساب الوسطى، والشمس والقمر يجتمعان فى آخر كل شهر عربى فى منزل واحد، ودرجة واحدة، وهو يوم ثمانية وعشرين إن كان سير الشمس بطيئا أو يوم تسعة وعشرين إن كان سريعا، ثم إن كان البعد بينهما اثنتى عشرة درجة أو أكثر رؤى الهلال، وإن كان أقل لم ير مثل أن يجتمعا فى درجة واحدة، نهار ثمانية وعشرين، أو تسعة وعشرين عند غروب الشمس. والقمر سريع السير، فعند غروب ليلة الثلاثين يكون القمر قد سار فى اليوم والليلة ثلاث عشرة درجة، فالبعد أكثر من اثنتى عشرة درجة فيرى الهلال، ويكون الشهر ناقيا، وإن اجتمعا نهار تسعة وعشرين أو ليلة ثلاثين عند الغروب بعد مضى نهار تسعة وعشرين فعند الغروب يكون القمر قد سار فى اليوم والليلة منزلة واحدة، والبعد بينه وبين الشمس أكثر من اثنتى عشرة درجة، فيرى الهلال، ويكون الشهر تاما. والحاصل أنه متى كان القمر فى برج الحمل، أو الحوت خلف الشمس وبينهما إحدى عشرة درجة رؤى الهلال، وإن كان فى برج الجوزاء أو الجدى وبينهما اثنتا عشرة درجة رؤى، وإن كان فى برج السرطان أو القوس، وبينهما خمس عشرة درجة رؤى، وإن كان فى برج الثور أو الدلو، وبينهما خمس عشرة درجة رؤى، وإن كان فى برج الأسد أو العقرب، وبينهما خمس عشرة درجة رؤى، وإن كان فى برج الجوزاء أو الجدى وبينهما خمس عشرة درجة رؤى، وإن كان فى برج السنبلة، أو وكان بينهما ثلاث عشرة درجة رؤى، وإن كان أقل من هذه الدرج لم يرو لم يظهر إلا بالحساب الدقيق. {حتَّى عادَ} صار فى أواخر سيره لقربه من الشمس فى رأى العين {كالعُرجُون} هو العود الذى بين الشمراخ والنخلة من العرج، وهو العوج، والنور زائدة كالوَاوِ بوزن فعلون لا ما قيل من أنها أصل بوزن فعلول، شبه به القمر آخر الشهر إذا تقوس صورة لا تحقيقا بخلو باقيه من النور، ووجه الشبه ذلك العوج أو مع اللون، وظاهر الآية أنه قمر فى ليالى الشهركلها كما هو العرف العام، ولا سيما إذا ذكر مع الشمس، والمشهور عند اللغويين أنه بعد الاجتماع مع الشمس ومفارقته إياها لا يسمى قمرا إلا من ثلاث ليال وست وعشرين، وفيما عدا ذلك يسمى هلالا {القَدِيم} الذى مر عليه زمان حتى يبس واصفرَ واعوج، وقيل: مر عليه حول، ومن قال: كل عبد لى قديم فهو حر عتق من له حول عنده أو أكثر، وقيل: ستة أشهر.
الالوسي
تفسير : {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ } أي صيرنا مسيره أي محله الذي يسير فيه {مَنَازِلَ } فقدر بمعنى صير الناصب لمفعولين والكلام على حذف مضاف والمضاف المحذوف مفعوله الأول و {مَنَازِلَ } مفعوله الثاني. واختار أبو حيان تقدير مصدر مضاف وقدر متعد إلى واحد و {مَنَازِلَ } منصوب على الظرفية أي قدرنا سيره في منازل وقدر بعضهم نوراً أي قدرنا نوره في منازل فيزيد مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية وينقص في المنازل الاستقبالية لما أن نوره مستفاد من ضوء الشمس لاختلاف تشكلاته/ بالقرب والبعد منها مع خسوفه بحيلولة الأرض بينه وبينها وبهذا يتم الاستدلال، والحق أنه لا قطع بذلك وليس هناك إلا غلبة الظن، ويجوز أن يكون قدر متعدياً لاثنين و {مَنَازِلَ } بتقدير ذا منازل، وأن يكون متعدياً لواحد وهو {مَنَازِلَ } والأصل قدرنا له منازل على الحذف والإيصال واختاره أبو السعود. ونصب {ٱلْقَمَرُ } بفعل يفسره المذكور أي وقدرنا القمر قدرناه وفي ذلك من الاعتناء بأمر التقدير ما فيه، وكأنه لما أن شهرهم باعتباره ويعلم منه سر تغيير الأسلوب. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو جعفر وابن محيصن والحسن بخلاف عنه {وَٱلْقَمَرِ } بالرفع قال غير واحد، على الابتداء وجملة {قَدَّرْنَـٰهُ } خبره، ويجوز فيما أرى أن يجري في التركيب ما جرى في قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى }تفسير : [يس: 38] من الإعراب تدبر، والمنازل جمع منزل والمراد به المسافة التي قطعها القمر في يوم وليلة وهي عند أهل الهند سبعة وعشرون لأن القمر يقطع فلك البروج في سبعة وعشرين يوماً وثلث فحذفوا الثلث لأنه ناقص عن النصف كما هو مصطلح أهل التنجيم، وعند العرب وساكني البدو ثمانية وعشرون لا لأنهم تمموا الثلث واحداً كما قال بعضهم بل لأنه لما كانت سنوهم باعتبار الأهلة مختلفة الأوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة وفي وسط الشتاء أخرى وكذا أوقات تجارتهم وزمان أعيادهم احتاجوا إلى ضبط سنة الشمس لمعرفة فصول السنة حتى يشتغلوا في استقبال كل فصل بما يهمهم في ذلك الفصل من الانتقال إلى المراعي وغيرها فاحتالوا في ضبطها فنظروا أولاً إلى القمر فوجدوه يعود إلى وضع له من الشمس في قريب من ثلاثين يوماً ويختفي آخر الشهر لليلتين أو أقل أو أكثر فأسقطوا يومين من زمان الشهر فبقي ثمانية وعشرون وهو زمان ما بين أول ظهوره بالعشيات مستهلاً أول الشهر وأخر رؤيته بالغدوات مستتراً آخره فقسموا دور الفلك عليه فكان كل قسم اثنتي عشرة درجة وإحدى وخمسين دقيقة تقريباً وهو ستة أسباع درجة فنصيب كل برج منه منزلان وثلث ثم لما انضبط الدور بهذه القسمة احتالوا في ضبط سنة الشمس بكيفية قطعها لهذه المنازل فوجدوها تستر دائماً ثلاثة منازل ما هي فيه بشعاعها وما قبلها بضياء الفجر وما بعدها بضياء الشمس ورصدوا ظهور المستتر بضياء الفجر ثم بشعاعها ثم بضياء الشفق فوجدوا الزمان بين كل ظهوري منزلتين ثلاثة عشر يوماً تقريباً فأيام جميع المنازل تكون ثلثمائة وأربعة وستين لكن الشمس تقطع جميعها في ثلثمائة وخمس وستين فزادوا يوماً في أيام منزل غفر وزادوه هٰهنا اصطلاحاً منهم أو لشرفه على ما تسمعه إن شاء الله تعالى وقد يحتاج إلى زيادة يومين ليكون انقضاء الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة ويرجع الأمر إلى النجم الأول. واعلم أن العرب جعلت علامات الأقسام الثمانية والعشرين من الكواكب الظاهرة القريبة من المنطقة مما يقارب طريقة القمر في ممره أو يحاذيه فيرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وأحوال كواكب المنازل مع المنازل كأحوال كواكب البروج مع البروج عند أهل الهيئة من أنها مسامتة للمنازل وهي في فلك الأفلاك وإذا أسرع القمر في سيره فقد يخلي منزلاً في الوسط وإن أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل أول الليلتين في أوله وآخرهما في آخره وقد يرى في بعض الليالي بين منزلتين، وما يقال في الشهور إن الظاهر من المنازل في كل ليلة يكون أربعة عشر وكذا الخفي وأنه إذا طلع منزل غاب رقيبه وهو الخامس عشر من الطالع سمي به تشبيهاً له برقيب يرصده ليسقط في المغرب إذا ظهر ذلك في المشرق ظاهر الفساد لأنها ليست على نفس المنطقة ولا أبعاد ما بينها متساوية ولهذا/ قد يكون الظاهر ستة عشر وسبعة عشر وقد يكون الخفي ثلاثة عشر. وهذه الكواكب المسماة بالمنازل المسامتة للمنازل الحقيقية على ما روي عن ابن عباس وغيره أولها الشرطان بفتح الشين والراء مثنى شرط بفتحتين وهي العلامة وهما كوكبان نيران من القدر الثالث على قرني الحمل معترضان بين الشمال والجنوب بينهما ثلاثة أشبار وبقرب الجنوبـي منهما كوكب صغير سمت العرب الكل أشراطاً لأنها بسقوطها علامات المطر والريح والقمر يحاذيهما وبقرب الشمالي منهما كوكب نير هو الشرطان عند بعض ويقال للشرطين الناطح أيضاً ثم البطين تصغير البطن وهو ثلاثة كواكب خفية من القدر الخامس على شكل مثلث حاد الزوايا على فخذي الحمل بينه وبين الشرطين قيد رمح والقمر يجتاز بها أحياناً ثم الثريا تصغير ثروى من الثراء وهو الكثرة ويسمى بالنجم وهي على المشهور عند المنجمين ستة كواكب مجتمعة كشكل مروحة مقبضها نحو المشرق وفيه انحناء في جانب الشمال، وقيل هي شبيهة بعنقود عنب وعليه قول أحيحة بن الجلاح أو قيس بن الأسلت:شعر : وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا تفسير : والمرصود منها أربعة كلها من القدر الخامس وموضعها سنام الثور، وفي «الشكف» هي ألية الحمل وربما يكسفها القمر ثم الدبران بفتحتين سمي به لأنه دبر الثريا وخلفها وهو كوكب أحمر نير من القدر الأول على طرف صورة السبعة من رقوم الهند ويسمى المجدح وموقعه عين الثور والذي على طرفه الآخر من القدر الثالث على عينه الأخرى والثلاثة الباقية وهي من الثالث أيضاً على وجهه وزاوية هذا الرقم على خطم الثور وبعضهم يسمى الدبران بقلب الثور وقد يكسفه القمر ثم الهقعة بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين المهملة وهي ثلاثة كواكب خفية مجتمعة شبيهة بنقط الثاء كأنها لطخة سحابية شبهت بالدائرة التي تكون في عرض زور الفرس أو بحيث تصيب رجل الفارس أو بلمعة بياض تكون في جنب الفرس الأيسر تسمى بذلك وتسمى الأثافي أيضاً وهي على رأس الجبار المسمى بالجوزاء والقمر يحاذيها ولا يقاربها ثم الهنعة بوزن الهقعة وثانيه نون وهي كوكبان من القدر الرابع والثالث شبهت بسمة في منخفض عنق الفرس وهما على رجلي التوأمين مما يلي الشمال وفي «الكشف» هي منكب الجوزاء الأيسر والقمر يمر بهما ثم الذراع وهما كوكبان أزهران من القدر الثاني على رأسي التوأمين يعنون بهما ذراع الأسد المبسوطة إذ المقبوضة هي الشعرى الشامية مع مرزمها والقمر يقارب المبسوطة ثم النثرة وهي الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف وهو أنف الأسد وهما كوكبان خفيان من الرابع بينهما قيد ذراع ولطخة سحابية وهي على وسط السرطان ويقربها كوكبان يسميان بالحمارين واللطخة التي بينهما بالمعلف تشبيهاً لها بالتبن وبممحظة الأسد أي موضع استتاره ويكسب القمر كلاً منهما ثم الطرف وهما كوكبان صغيران من الرابع أحدهما: على رأس الأسد قدام عينيه والآخر: قدام يده المقدمة والقمر يحاذي أشملهما ويكسف أجنبهما ويعنون بالطرف عين الأسد ثم الجبهة ويعنون بها جبهة الأسد وهي أربعة كواكب على سطر فيه تعويج آخذ من الشمال إلى الجنوب أعظمها على طرف السطر مما يلي الجنوب يسمى قلب الأسد لكونه في موضعه ويسمى الملكي أيضاً وهو من القدر الأول والقمر يمر به وبالذي يليه ثم الزبرة بضم الزاي/ وسكون الباء وهما كوكبان نيران على أثر الجبهة بينهما أرجح من ذراع وهما على زبرة الأسد أي كاهله عند العرب وعند المنجمين عند مؤخره فزبرة الأسد شعره الذي يزبر عند الغضب في قفاه أجنبهما من الثالث وأشملهما من الثاني وتسمى ظهر الأسد والقمر يحاذيهما من جهة الجنوب ثم الصرفة وهو كوكب واحد على طرف ذنب الأسد ويسمى ذنب الأسد والقمر يحاذيه من جهة الجنوب وسمي بذلك لأن البرد ينصرف عند سقوطه ثم العواء يمد ويقصر والقصر أجود وهي خمسة كواكب من الثالث على هيئة لام في الخط العربـي ثلاثة منها آخذة من منكب العذراء الأيسر إلى تحت ثديها الأيسر وهي على سطر جنوبـي من الصرفة ثم ينعطف اثنان على سطر يحيط مع الأول بزاوية منفرجة زعمت العرب أنها كلاب تعوي خلف الأسد ولذلك سميت العواء، وقيل في ذلك كأنها تعوي في أثر البرد ولهذا سميت طاردة البرد، وقيل هي من عوي الشيء عطفه فلما فيها من الانعطاف سميت بذلك. وفي «الكشف» العوا سافلة الإنسان ويقال أنها ورك الأسد والقمر يخرقها ثم السماك الأعزل وهو كوكب نير من الأول على كتف العذراء اليسرى قريب من المنطقة والقمر يمر به ويكسفه ويقابل السماك الأعزل السماك الرامح وليس من المنازل وسمي رامحاً لكوكب يقدمه كأنه رمحه وسمي سماكاً لأنه سمك أي ارتفع ثم الغفر وهي ثلاثة كواكب من الرابع على ذيل العذراء ورجلها المؤخرة على سطر معوج حدبته إلى الشمال وقيل كوكبان والقمر يمر بجنوبيهما وقد يحاذي الشمالي وهو منزل خير بعد عن شرين مقدم الأسد ومؤخر العقرب ويقال إنه طالع الأنبياء والصالحين وسميت غفراً لسترها ونقصان نورها وذكر بعضهم أنها من كواكب الميزان ثم الزبانا بالضم وآخره ألف وهما كوكبان نيران من الثاني متباعدان في الشمال والجنوب بينهما قيد رمح على كفتي الميزان. وقال غير واحد هما قرنا العقرب والقمر قد يكسف جنوبيهما ثم الإكليل وهي ثلاثة كواكب خفية معترضة من الشمال إلى الجنوب على سطر مقوس يشبه شكلها شكل الغفر الأوسط منها متقدم والإثنان تاليان وهي من الرابع والقمر يمر بجميعها، وقيل هي أربعة كواكب برأس العقرب ولذا سميت به وأصل معناه التاج ثم القلب وهو قلب العقرب كوكب أحمر نير أوسط الثلاثة التي على بدن العقرب على استقامة من المغرب إلى المشرق وهو من الثاني واللذان قبله وبعده ويسميان نياطين من الثالث والقمر يمر به ويكسفه من المنطقة ثم الشولة بفتح الشين المعجمة واللام وتسمى إبرة العقرب عند الحجازيين كوكبان من الثاني أزهران متقاربان على طرف ذنب العقرب في موضع الحمة والقمر يحاذيهما ثم النعائم أربعة كواكب من الثالث على منحرف تابع للشولة وتسمى النعائم الواردة أي إلى المجرة والقمر يمر باثنين منها ويحاذي الباقية ويقرب منها أربعة أخرى من الثالث على منحرف هي النعائم الصادرة أي من المجرة وكلها من صورة الرامي وسميت نعائم تشبيهاً بالخشبات التي تكون على البئر، ثم البلدة وهي قطعة من السماء خالية من الكواكب مستديرة شبهت ببلدة الثعلب وهي ما يكنسه بذنبه وتسمى أيضاً بالمفازة والفرجة، وقيل سميت بذلك تشبيهاً بالفرجة التي تكون بين الحاجبين وموضعها خلف الكواكب التي تسمى بالقلادة وهي عصابة الرامي ثم سعد الذابح كوكبان على قرني الجدي بينهما قدر باع جنوبيهما من الثالث والقمر يقاربه ولا يكسفه ويقرب الشمالي كوكب صغير يكاد يلتصق به يقال إنه شاته التي يريد أن يذبحها، وقيل: إنه في مذبحه ولهذا يسمى بالذابح ثم سعد بلع كوكبان على كف ساكب/ الماء اليسرى فوق ظهر الجدي بينهما قدر باع غربيهما من الثالث وشرقيهما من الرابع ويقرب متقدمهما كوكب صغير كأنه ابتلعه فلهذا سمي به، وفي «القاموس» ((سَعْدُ بُلَعَ كزفر مَعْرِفةً منزلٌ للقمر طلع لما قال الله تعالى: {أية : يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ }تفسير : [هود: 44] وهو نجمان مستويان في المجرى أحدهما خفي والآخر مضىء يسمى بالعاً كأنه بلع الآخر))، وقيل: لأنه ليس له ما لسعد الذابح فكأنه بلع شاته والقمر يقارب أجنبهما ولا يكسفه ثم سعد السعود كوكبان، وقيل: ثلاثة على خط مقوس بين الشمال والجنوب حدبته إلى المغرب أجنبهما والقمر يقرب منه من الخامس على طرف ذنب الجدي وأشملهما من الثالث وهو مع الآخر في القول الآخر من كواكب القوس والقمر يقارب أجنبهما وسمي بذلك لأنه في وقت طلوعه ابتداء ما به يعيشون وتعيش مواشيهم ثم سعد الأخبية أربعة كواكب من الثالث ومن كواكب الرامي على يد ساكب الماء اليمنى ثلاثة منها على شكل مثلث حاد الزوايا والرابع وسطه وهو السعد والثلاث خباؤه ولذا سمي بذلك، وقيل: لأنه يطلع قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئاً والقمر يقاربها من ناحية الجنوب ثم الفرغ المقدم ويقال الأعلى كوكبان نيران من الثاني بينهما قيد رمح أجنبهما على متن الفرس الأكبر المجنح وأشملهما على منكبه والقمر يمر بالبعد منهما ثم الفرغ المؤخر كوكبان نيران من الثاني بينهما قيد رمح أيضاً أجنبهما على جناح الفرس وأشملهما مشترك بين سرته ورأس المسلسلة شبهت العرب الأربعة بفرغ الدلو وهو بفتح الفاء وسكون الراء المهملة وغين معجمة مصب الماء منها لكثرة الأمطار في وقتها ثم بطن الحوت ويقال له الرشاء بكسر الراء أي رشاء الدلو وقلب الحوت أيضاً كوكب نير من الثالث على جنب المرأة المسلسلة يحاذيه القمر ولا يقاربه وإنما سمي به لوقوعه في بطن سمكة عظيمة تحت نحر الناقة تصورها العرب من سطرين عليهما كواكب خفية بعضها من المسلسلة وبعضها من إحدى سمكتي الحوت. هذا واعلم أن هذه المنازل الثمانية والعشرين تسمي العرب الأربعة عشر الشمالية منها التي أولها الشرطان وآخرها السماك شامية والباقية منها التي أولها الغفر وآخرها بطن الحوت يمانية وأنها تسمى خروج المنزل من ضياء الفجر طلوعه وغروب رقيبه وقت الصبح سقوطه والمنازل التي يكون طلوعها في مواسم المطر الأنواء ورقباؤها إذا طلعت في غير مواسم المطر البوارح قاله القطب، وقال الجوهري: ((النوء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى مضي ثلاثة عشر يوماً ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً، قال أبو عبيد: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع والعرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع في سلطانه فتقول مطرنا بنوء الثريا مثلاً والجمع أنواء ونوآن مثل عبد وعبدان))، وذكر الطيبـي عن المرزوقي أن نوء الشرطين ثلاثة أيام ونوء البطين ثلاث ليال ونوء الثريا خمس ليال ونوء الدبران ثلاث ليال ونوء الهقعة ست ليال ولا يذكرون نوأها إلا بنوء الجوزاء ونوء الهنعة لا يذكر أيضاً وإنما يكون في أنواء الجوزاء والذراع لا نوء له ونوء النثرة سبع ليال ونوء الطرف ثلاث ليال ونوء الجبهة سبع والزبرة أربع والصرفة ثلاث والعواء ليلة والسماك أربع والغفر ثلاث وقيل ليلة والزبانا ثلاث والإكليل أربع والقلب ثلاث والشولة كذلك والنعائم ليلة والبلدة ثلاث، وقيل: ليلة وسعد الذابح ليلة وبلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم ثلاث والمؤخر أربع ولم يذكر في نسختي للرشاء نوءاً. ثم إن قول الإنسان مطرنا فنوء كذا إن أراد به أن النوء/ نزل بالماء فهو كفر والقائل كافر حلال دمه إن لم يتب كما نص عليه الشافعي وغيره، وفي «الروضة» من اعتقد أن النوء يمطر حقيقة كفر وصار مرتداً وإن أراد به أن النوء سبب ينزل الله تعالى به الماء حسبما علم وقدر فهو ليس بكفر بل مباح لكن قال ابن عبد البر: هو وإن كان مباحاً كفر بنعمة الله تعالى وجهل بلطيف حكمته. وفي «الصحيحين» عن زيد بن خالد الجهني أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال إثر سماء: «حديث : هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بـي وكافر. فأما من قال مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته فذلك مؤمن بـي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فهو كافر بـي مؤمن بالكوكب»تفسير : وظاهره أن الكفر مقابل الإيمان فيحمل على ما إذا أراد القائل ما سمعت أولاً والله تعالى الحافظ من كل سوء لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره. والقمر في العرف العام هو الكوكب المعروف في جميع ليالي الشهر، والمشهور عند اللغويين أنه بعد الاجتماع مع الشمس ومفارقته إياها لا يسمى قمراً إلا من ثلاث ليال وست وعشرين ليلة وفيما عدا ذلك يسمى هلالاً ولعل الأظهر في الآية حمله على المعنى الأول وهو الشائع إذا ذكر مع الشمس أي قدرنا هذا الجرم المعروف منازل ومسافات مخصوصة فسار فيها ونزلها منزلة منزلة. {حَتَّىٰ عَادَ } أي صار في أواخر سيره وقربه من الشمس في رأي العين {كَٱلعُرجُونِ } هو عود عزق النخلة من بين الشمراخ إلى منبته منها وروي ذلك عن الحسن وقتادة، وعن ابن عباس أنه أصل العذق، وقيل الشمراخ وهو ما عليه البسر من عيدان العذق والكباسة، والمشهور الأول، ونونه على ما حكي عن الزجاج زائدة فوزنه فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج والانعطاف، وذهب قوم واختاره الراغب والسمين وصاحب «القاموس» إلى أنها أصلية فوزنه فعلول. وقرأ سليمان التيمي {كالعرجون} بكسر العين وسكون الراء وفتح الجيم وهي لغة فيه كالبزيون والبزيون وهو بساط رومي أو السندس. {ٱلْقَدِيمِ } أي العتيق الذي مر عليه زمان يبس فيه ووجه الشبه الاصفرار والدقة والاعوجاج، وقيل: أقل مدة القدم حول فلو قال رجل كل مملوك لي قديم فهو حر عتق منهم من مضى له حول وأكثر، وقيل: ستة أشهر وحكاه بعض الإمامية عن أبـي الحسن الرضا رضي الله تعالى عنه.
ابن عاشور
تفسير : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وروحِ عن يعقوب برفع {والقَمَرُ} فهو إما معطوف على { أية : والشمس تجري } تفسير : [يس: 38] عطفَ المفردات، وإما مبتدأ والعطف من عطف الجمل. وجملة {قَدَّرْناهُ} إما حال وإما خبر. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلَفٌ بنصب {القمرَ} على الاشتغال فهو إذن من عطف الجمل. وتقدّم تفسير منازل القمر عند قوله تعالى: { أية : وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } تفسير : في سورة يونس (5). والتقدير: يطلق على جعل الأشياء بقدْر ونظام محكم، ويطلق على تحديد المقدار من شيء تطلب معرفة مقداره مثل تقدير الأوقات وتقدير الكميات من الموزونات والمعدودات، وكلا الإِطلاقين مراد هنا. فإن الله قدّر للشمس والقمر نظامَ سيرهما وقدّر بذلك حساب الفصول السنوية والأشهر والأيام والليالي. وعُدّي فعل {قَدَّرْناهُ} إلى ضمير {القمر} الذي هو عبارة عن ذاته وإنما التقدير لسيره ولكن عدي التقدير إلى اسم ذاته دون ذكر المضاف مبالغة في لزوم السَّير له من وقت خَلقه حتى كأنَّ تقدير سيره تقدير لذاته. وانتصب {مَنَازِلَ} على الظرفية المكانية مثل: سرت أميالاً، أي قدرنا سيره في منازل ينتقل بسيره فيها منزلة بعد أخرى. و{حتى} ابتدائية، أي ليست حرف جر فإن ما بعدها جملة. ومعنى الغاية لا يفارق {حتى} فآذن ما فيها من معنى الغاية بمغيّا محذوف فالغاية تستلزم ابتداء شيء. والتقدير: فابتدأ ضوؤه وأخذ في الازدياد ليلة قليلة ثم أخذ في التناقص حتى عاد، أي صار كالعرجون القديم، أي شبيهاً به. وعبر عنه بهذا التشبيه إذ ليس لضوء القمر في أواخر لياليه اسم يعرف به بخلاف أول أجزاء ضوئه المسمّى هلالاً، ولأن هذا التشبيه يماثل حالة استهلاله كما يماثل حالة انتهائه. و {عَادَ} بمعنى صار شكله للرائي كالعرجون. والعرجون: العود الذي تخرجه النخلة فيكون الثمر في منتهاه وهو الذي يبقى متصلاً بالنخلة بعد قطع الكَبَاسَة منه وهي مجتمع أعواد التمر. و{القديم}: هو البالي لأنه إذا انقطع الثمر تَقوس واصفَارّ وتضاءل فأشبه صورة ما يواجه الأرض من ضوء القمر في آخر ليالي الشهر وفي أول ليلة منه، وتركيب {عَادَ كالعُرجُونِ القَدِيمِ} صالح لصورة القمر في الليلة الأخيرة وهي التي يعقبها المحاق ولصورته في الليلة الأولى من الشهر هو الهلال. وقد بُسط لهم بيان سير القمر ومنازله لأنهم كانوا يتقنون علمه بخلاف سير الشمس.
د. أسعد حومد
تفسير : {قَدَّرْنَاهُ} (39) - وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِسَيرِ القَمَرِ مَنَازِلَ يَنْزِلُ فِيهَا كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ أَيَامِ دَوَرَانِهِ حَوْلَ الأَرْضِ، وَبِمَوْجِبِ حَرَكَتِهِ هَذِهِ فَإِنَّ صَفَحَاتِهِ تَتَبَدَّلُ فَيَكُونُ بَدْراً، ثُمَّ يَتَنَاقَصُ حَتَّى يُصْبحَ دَقِيقاً كَعُودِ عِذْقِ النَّخْلِ القِدِيمِ اليَابِسِ (العُرْجُونِ). قَدَّرْنَاهُ مُنَازِلَ - قَدَّرْنَا سَيْرَهُ فِي مَنَازِلَ، وَمَسَافَاتٍ. العُرْجُونِ القِدِيمِ - عُودِ عِذْقِ النَّخْلَةِ القَدِيمِ اليَابِسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن الشمس وهي آلة الضوء، تكلم عن القمر لأنه له مهمة يؤديها حين تغيب الشمس، وكأن القمر استعار من الشمس بعض ضوئها لينير بالليل للذين لا يعملون إلا ليلاً كالعَسَس والحراس ورجال الأمن وعمال المخابز وغيرهم، فالقمر كما تعلمون لا يضيء بنفسه، إنما يعكس بعض ضوء الشمس، فيأتي ضوؤه هادئاً؛ لذلك يسمونه الضوء الحليم، حيث يأتينا لا شعاعَ له، ولا حرارة فيه. لذلك حين يُعدَّد لنا الحق سبحانه بعض آلائه ونِعَمه، يقول {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ ..} تفسير : [الروم: 23]. فإذا كان النوم مقصوراً على الليل، فماذا كان يفعل هؤلاء الذين تقتضي طبيعة عملهم أنْ يعملوا بالليل، ويرتاحون وينامون بالنهار، فهذه الآية مظهر من مظاهر دِقَّة الأداء القرآني، فإنْ كان الليل هو الأصل في النوم والراحة لجمهرة الناس، فلا مانع من النوم بالنهار للقِلَّة القائمة على أمر النائمين بالليل. ومعنى: {قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39] يعني: قدَّرنا سَيْره في منازل ومسافات، هذه المنازل نشاهدها كل شهر في حركة القمر: التربيع الأول، والتربيع الثاني ثم البدر .. والقمر أسرع في حركته من الشمس؛ لأنه يقطع فَلَكه في شهر، بينما تقطع الشمس فَلَكها في سنة. وتأمل دِقَّة الأداء القرآني المبني على الهندسة العليا في قوله سبحانه: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} [يس: 39] هذه صورة توضيحية لمنازل القمر مأخوذة من البيئة العربية، فالعرجون هو عذْق النخلة الذي يحمل الثمار، ونسميه (السُّباطة)، وهي مكوَّنة من عدة شماريخ رفيعة، لكن قاعدتها عند اتصالها بجذع النخلة عريضة ومفلطحة، هذا العذق يَيْبَس ويضمر كلما تقادم ويعوج و (يتقفع) كلما جفَّتْ منه المائية، وهذه الصورة توضح تماماً حركة القمر حيث يضمر ويتقفع إلى أنْ يتلاشى آخر الشهر. وإذا كان القرآن قد شبَّه القمر بالعرجون القديم، فإن العرب تشبهه بقُلامة الظفر، كما جاء في قول شاعرهم الذي راح يرقب ضوء القمر حتى يغيب فيتسلل إلى محبوبته: شعر : وَغَابَ ضَوْءُ قُمَيْرٍ كنتُ أَرْقُبهُ مثل القُلاَمَةِ قَدْ قُدَّتْ من الظُّفْر تفسير : ومن الحكمة أن نُشبِّه القمر العالي الذي لا ندركه بشيء دانٍ ندركه، وأن نقول لك: هذا مثل هذا لتتضح الصورة. ثم يقول سبحانه جامعاً بين الشمس والقمر، وبين الليل والنهار: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} فعادَ معناه صَارَ والعُرجونُ: الذَّكرُ من النَّخلِ! ويقالُ عِذقُ النَّخلةِ.
همام الصنعاني
تفسير : 2473- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ}: [الآية: 39]، قال: هو عزق النخلة اليابس المنحني.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):