Verse. 3745 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

لَا الشَّمْسُ يَنْۢبَغِيْ لَہَاۗ اَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّہَارِ۝۰ۭ وَكُلٌّ فِيْ فَلَكٍ يَّسْبَحُوْنَ۝۴۰
La alshshamsu yanbaghee laha an tudrika alqamara wala allaylu sabiqu alnnahari wakullun fee falakin yasbahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا الشمس ينبغي» يسهل ويصح «لها أن تدرك القمر» فتجتمع معه في الليل «ولا الليل سابق النهار» فلا يأتي قبل انقضائه «وكل» تنويه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم «في فلك» مستدير «يسبحون» يسيرون نزلوا منزلة العقلاء.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أن كل شيء من الأشياء المذكورة خلق على وفق الحكمة، فالشمس لم تكن تصلح لها سرعة الحركة بحيث تدرك القمر وإلا لكان في شهر واحد صيف وشتاء فلا تدرك الثمار وقوله: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } قيل في تفسيره إن سلطان الليل وهو القمر ليس يسبق الشمس وهي سلطان النهار، وقيل معناه ولا الليل سابق النهار أي الليل لا يدخل وقت النهار والثاني بعيد لأن ذلك يقع إيضاحاً للواضح والأول صحيح إن أريد به ما بينته وهو أن معنى قوله تعالى: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } أن القمر إذا كان على أفق المشرق أيام الاستقبال تكون الشمس في مقابلته على أفق المغرب، ثم إن عند غروب الشمس يطلع القمر وعند طلوعها يغرب القمر، كأن لها حركة واحدة مع أن الشمس تتأخر عن القمر في ليلة مقداراً ظاهراً في الحس، فلو كان للقمر حركة واحدة بها يسبق الشمس ولا تدركه الشمس؛ وللشمس حركة واحدة بها تتأخر عن القمر ولا تدرك القمر؛ لبقي القمر والشمس مدة مديدة في مكان واحد، لأن حركة الشمس كل يوم درجة فخلق الله تعالى في جميع الكواكب حركة أخرى غير حركة الشهر والسنة، وهي الدورة اليومية وبهذه الدورة لا يسبق كوكب كوكباً أصلاً، لأن كل كوكب من الكواكب إذا طلع غرب مقابله وكلما تقدم كوكب إلى الموضع الذي فيه الكوكب الآخر بالنسبة إلينا تقدم ذلك الكوكب، فبهذه الحركة لا يسبق الشمس، فتبين أن سلطان الليل لا يسبق سلطان النهار فالمراد من الليل القمر ومن النهار الشمس فقوله: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } إشارة إلى حركتها البطيئة التي تتم الدورة في سنة وقوله: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } إشارة إلى حركتها اليومية التي بها تعود من المشرق إلى المشرق مرة أخرى في يوم وليلة، وعلى هذا ففيه مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر، وماذا يكون لو قال ولا القمر سابق الشمس؟ نقول لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم التناقض، فإن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر والقمر أسرع ظاهراً، وإذا قال ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع، فقال الليل والنهار ليعلم أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في مدة يوم وليلة، ويكون لجيمع الكواكب أو عليها طلوع وغروب في الليل والنهار. المسألة الثانية: ما الفائدة في قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ } بصيغة الفعل وقوله: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } بصيغة اسم الفاعل، ولم يقل ولا الليل يسبق ولا قال مدركة القمر؟ نقول الحركة الأولية التي للشمس، ولا يدرك بها القمر مختصة بالشمس، فجعلها كالصادرة منها، وذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال هو يخيط ولا يكون يصدر منه الخياطة. والحركة الثانية ليست مختصة بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشتركة بسبب حركة فلك ليس ذلك فلكاً لكوكب من الكواكب، فالحركة ليست كالصادرة منه فأطلق اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال فلان خياط وإن يكن خياطاً، فإن قيل قوله تعالى: {أية : يَغْشَىٰ الليل النهار يطلبه حثيثاً } تفسير : [الأعراف: 54] يدل على خلاف ما ذكرتم، لأن النهار إذا كان يطلب الليل فالليل سابقه، وقلتم إن قوله: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } معناه ما ذكرتم فيكون الليل سابقاً ولا يكون سابقاً، نقول قد ذكرنا أن المراد بالليل ههنا سلطان الليل وهو القمر، وهو لا يسبق الشمس بالحركة اليومية السريعة، والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقيب الآخر فكأنه طالبه، فإن قيل فلم ذكر ههنا {سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } وقد ذكر هناك يطلبه، ولم يقل طالبه؟ نقول ذلك لما بينا من أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل، وهي في هذه الحركة كأنها لا حركة لها ولا تسبق، ولا من شأنها أنها سابقة، والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زمانان والزمان لا قرار له فهو يطلب حثيثاً لصدور التقصي منه، وقوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يحقق ما ذكرنا أي للكل طلوع وغروب في يوم وليلة لا يسبق بعضها بعضاً، بالنسبة إلى هذه الحركة وكل حركة في فلك تخصه وفيه مسائل: المسألة الأولى: التنوين في قوله (وكل) عوض عن الإضافة معناه كل واحد وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكير في شيء واحد فلما سقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً، وفي المعنى معرف بالإضافة، فإن قيل فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟ فنقول نعم، وذلك لأن قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال كل كذا يدخل في الفم عموم أكثر من العموم عند الإضافة، وهذا كما في قبل وبعد إذا قلت افعل قبل كذا فإذا حذفت المضاف وقلت افعل قبل أفاد فهم الفعل قبل كل شيء، فإن قيل فهل بين قولنا كل منهم وبين قولنا كلهم وبين كل فرق؟ نقول نعم عند قولك كلهم تثبت الأمر للاقتصار عليهم، وعند قولك كل منهم تثبت الأمر أولاً للعموم، ثم استدركت بالتخصيص فقلت منهم، وعند قولك كل تثبت الأمر على العموم وتتركه عليه. المسألة الثانية: إذا كان كل بمعنى كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيف قال: {يَسْبَحُونَ }؟ نقول الجواب عنه من وجوه أحدها: ما بينا أن قوله كل للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيار ثانيها: أن لفظ كل يجوز أن يوحد نظراً إلى كونه لفظاً موحداً غير مثنى ولا مجموع، ويجوز أن يجمع لكون معناه جمعاً، وأما التثنية فلا يدل عليها للفظ ولا المعنى فعلى هذا يحسن أن يقول القائل زيد وعمرو كل جاء أو كل جاءوا ولا يقول كل جاءا بالتثنية وثالثها: لما قال: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } والمراد ما في الليل من الكواكب قال: {يَسْبَحُونَ }. المسألة الثالثة: الفلك ماذا؟ نقول الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلكة الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة، فإن قيل فعلى هذا تكون السماء مستديرة. وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة ليس لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي. ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ } تفسير : [الطور: 5] نقول ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة، ودل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه. أما الأول فظاهر لأن السقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفاً، وكذلك كونها على جبال، وأما الدليل الحسي فوجوه أحدها: أن من أمعن في السير في جانب الجنوب يظهر له كواكب مثل سهيل وغيره ظهوراً أبدياً حتى أن من يرصد يراه دائماً ويخفى عليه بنات نعش وغيرها خفاءً أبدياً، ولو كان السماء مسطحاً مستوياً لبان الكل للكل بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بعضه حينئذٍ يستتر بأطراف الأرض فلا يرى الثاني: هو أن الشمس إذا كانت مقارنة للحمل مثلاً فإذا غربت ظهر لنا كوكب في منطقة البروج من الحمل إلى الميزان ثم في قليل يستتر الكوكب الذي كان غروبه بعد غروب الشمس ويظهر الكوكب الذي كان طلوعه بعد طلوع الشمس وبالعكس وهو دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير قطعياً الثالث: هو أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوءها ويستنير الجو بعض الاستنارة ثم يطلع ولولا أن بعض السماء مستتر بالأرض وهو محل الشمس فلا يرى جرمها وينتشر نورها لما كان كذا بل كان عند إعادتها إلى السماء يظهر لكل أحد جرمها ونورها معاً لكون السماء مستوية حينئذٍ مكشوفة كلها لكل أحد الرابع: القمر إذا انكسف في ساعة من الليل في جانب الشرق، ثم سئل أهل الغرب عن وقت الكسوف أخبروا عن الخسوف في ساعة أخرى قبل تلك الساعة التي رأى أهل المشرق فيها الخسوف لكن الخسوف في وقت واحد في جميع نواحي العالم والليل مختلف فدل على أن الليل في جانب المشرق قبل الليل في جانب المغرب فالشمس غربت من عند أهل المشرق وهي بعد في السماء ظاهرة لأهل المغرب فعلم استتارها بالأرض ولو كانت مستوية لما كان كذلك الخامس: لو كانت السماء مبسوطة لكان القمر عندما يكون فوق رؤوسنا على المسامتة أقرب إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العموم أصغر من القطر والوتد، وكذلك في الشمس والكواكب كان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلك فإن قيل جاز أن يكون وهو على الأفق على سطح السماء وعندما يكون على مسامتة رؤوسنا في بحر السماء غائراً فيها لأن الخرق جائز على السماء، نقول لا تنازع في جواز الخرق لكن القمر حينئذٍ تكون حركته في دائرة لا على خط مستقيم وهو غرضنا ولأنا نقول لو كان كذلك لكان القمر عند أهل المشرق وهو في منتصف نهارهم أكبر مقداراً لكونه قريباً من رؤوسهم ضرورة فرضه على سطح السماء الأدنى وعندنا في بحرالسماء، وبالجملة الدلائل كثيرة. والإكثار منها يليق بكتب الهيئة التي الغرض منها بيان ذلك العلم، وليس الغرض في التفسير بيان ذلك غير أن القدر الذي أوردناه يكفي في بيان كونه فلكاً مستديراً. المسألة الرابعة: هذا يدل على أن لكل كوكب فلكاً، فما قولك فيه؟ نقول: أما السبعة السيارة فلكل فلك، وأما الكواكب الأخر فقيل للكل فلك واحد، ولنذكر كلاماً مختصراً في هذا الباب من الهيئة حيث وجب الشروع بسبب تفسير الفلك فنقول: قيل إن للقمر فلكاً لأن حركته أسرع من حركة الستة الباقية، وكذلك لكل كوكب فلك لاختلاف سيرها بالسرعة والبطء والممر، فإن بعضها يمر في دائرة وبعضها في دائرة أخرى حتى في بعض الأوقات يمر بعضها ببعض ولا يكسفه وفي بعض الأوقات يكسفه فلكل كوكب فلك، ثم إن أهل الهيئة قالوا فكل فلك هو جسم كرة وذلك غير لازم بل اللازم أن نقول لكل فلك هو كرة أو صفحة أو دائرة يفعلها الكوكب بحركته، والله تعالى قادر على أن يخلق الكوكب في كرة يكون وجوده فيها كوجود مسمار مغرق في ثخن كرة مجوفة ويدير الكرة فيدور الكوكب بدوران الكرة، وعلى مذهب أرباب الهيئة حركة الكواكب السيارة على هذا الوجه، وكذلك قادر على أن يخلق حلقة يحيط بها أربع سطوح متوازنة بها فإنها أربع دوائر متوازية كحجر الرحى إذا قورناه وأخرجنا من وسطه طاحونة من طواحين اليد ويبقى منه حلقة يحيط بها سطوح ودوائر كما ذكرنا وتكون الكواكب فيه وهو فلك فتدور تلك الحلقة وتدير الكوكب، والحركة على هذا الوجه وإن كانت مقدورة لكن لم يذهب إليه أحد ممن يعتبر وكذلك هو قادر على أن يجعل الكواكب بحيث تشق السماء فتجعل دائرة متوهمة كما لو فرضت سمكة في الماء على وجهه تنزل من جانب وتصعد إلى موضع من الجانب الآخر على استدارة وهذا هوالمفهوم من قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } والظاهر أن حركة الكواكب على هذا الوجه، وأرباب الهيئة أنكروا ذلك وقالوا لا تجوز الحركة على هذا الوجه لأن الكوكب له جرم فإذا شق السماء وتحرك فإما أن يكون موضع دورانه ينشق ويلتئم كالماء تحركه السمكة أو لا ينشق ولا يلتئم، بل هناك خلاء يدور الكوكب فيه، لكن الخلاء محال والسماء لا تقبل الشق والالتئام، هذا ما اعتمدوا عليه، ونحن نقول كلاهما جائز. أما الخلاء فلا يحتاج إليه ههنا، لأن قوله تعالى: {يَسْبَحُونَ } يفهم منه أنه بشق والتئام، وأما امتناع الشق والالتئام فلا دليل لهم عليه وشبهتهم في المحدد للجهات وهي هناك ضعيفة، ثم إنهم قالوا على ما بينا تخرج الحركات وبه علمنا الكسوفات، ولو كان لها حركات مختلفة لما وجب الكسوف في الوقت الذي يحكم فيه بالكسوف والخسوف وذلك لأنا نقول للشمس فلكان أحدهما: مركزه مركز العالم ثانيهما: مركزه فوق مركز العالم وهو مثل بياض البيض بين صفرته وبين القيض والشمس كرة في الفلك الخارج المركز تدور بدورانه في السنة دورة، فإذا جعلت في الجانب الأعلى تكون بعيدة عن الأرض فيقال إنها في الأوج، وإذا حصلت في الجانب الأسفل تكون قريبة من الأرض فتكون في الحضيض، وأما القمر فله فلك شامل لجميع أجزائه وأفلاكه وفلك آخر هو بعض من الفلك الأول محيط به كالقشرة الفوقانية من البصلة وفلك ثالث في الفلك التحتاني كما كان في الفلك الخارج المركز في فلك الشمس وفي الفلك الخارج المركز كرة مثل جرم الشمس وفي الكرة القمر مركوز كمسمار في كرة مغرق فيها ويسمى الفلك الفوقاني الجوزهر والخارج المركز الفلك الحامل والفلك التحتاني الذي فيه الفلك الحامل الفلك المائل والكرة التي في الحامل تسمى فلك التدوير، وكذلك قالوا في الكواكب الخمسة الباقية من السيارات غير أن الفوقاني الذي سموه فلك الجوزهر لم يثبتوه لها فأثبتوا أربعة وعشرين فلكاً، الفلك الأعلى وفلك البروج، ولزحل ثلاثة أفلاك الممثل والحامل وفلك التدوير، وللمشتري ثلاثة كما لزحل، وللمريخ كذلك ثلاثة، وللشمس فلكان الممثل والخارج المركز، وللزهرة ثلاثة أفلاك كما للعلويات، ولعطارد أربعة أفلاك الثلاثة التي ذكرناها في العلويات، وفلك آخر يسمونه المدير، وللقمر أربعة أفلاك والرابع يسمونه فلك الجوزهر والمدير ليس كالجوزهر لأن المدير غير محيط بأفلاك عطارد وفلك الجوزهر محيط، ومنهم من زاد في الخمسة في كل فلك فلكين آخرين وجعل تدويراتها مركبة من ثلاثة أفلاك، وقالوا إن بسبب هذه الأجرام تختلف حركات الكواكب ويكون لها عروض ورجوع واستقامة وبطء وسرعة. هذا كلامهم على سبيل الاقتناص والاقتصار ونحن نقول لا يبعد من قدرة الله خلق مثل ذلك، وأما على سبيل الوجوب فلا نسلم ورجوعها واستقامتها بإرادة الله وكذلك عرضها وطولها وبطؤها وسرعتها وقربها وبعدها هذا تمام الكلام. المسألة الخامسة: قال المنجمون الكواكب أحياء بدليل أنه تعالى قال: {يَسْبَحُونَ } وذلك لا يطلق إلا على العاقل، نقول إن أردتم القدر الذي يصح به التسبيح فنقول به لأنه ما من شيء من هذه الأشياء إلا وهو يسبح بحمد الله وإن أردتم شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } تفسير : [الصافات: 92] وقوله: (ألا تنطقون).

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} رفعت «الشمس» بالابتداء، ولا يجوز أن تعمل «لا» في معرفة. وقد تكلم العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: معناها أن الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه. أي لكل واحد منهما سلطان على حياله، فلا يدخل أحدهما على الآخر فيذهب سلطانه، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، فتطلع الشمس من مغربها على ما تقدّم في آخر سورة «الأنعام» بيانه. وقيل: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. روي معناه عن ٱبن عباس والضحاك. وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة: لكلٍّ حدّ وعَلَم لا يعدوه ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. وقال الحسن: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. أي لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ولكن إذا غرَبت الشمس طلع القمر. يحيى بن سلاّم: لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة؛ لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها. وقيل: معناه إذا ٱجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها؛ قاله ٱبن عباس أيضاً. وقيل: القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه؛ ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يُدفَع: أن سير القمر سيْر سريع والشمس لا تدركه في السير؛ ذكره المهدوي أيضاً. فأما قوله سبحانه: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [القيامة: 9] فذلك حين حَبْس الشمس عن الطلوع على ما تقدّم بيانه في آخر «الأنعام» ويأتي في سورة «القيامة» أيضاً. وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة. {وَكُلٌّ} يعني من الشمس والقمر والنجوم {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي يجرون. وقيل: يدورون. ولم يقل تسبح؛ لأنه وصفها بفعل من يعقل. وقال الحسن: الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصَقة؛ ولو كانت ملصقة ما جرت؛ ذكره الثعلبي والماوردي. وٱستدلّ بعضهم بقوله تعالى: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} على أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بخلق. وقيل: كل واحد منهما يجيء وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة؛ كما قال {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح العباد. {أية : وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}تفسير : [الإسراء: 12] ويكون الليل للإجمام والاستراحة، والنهار للتصرف؛ كما قال تعالى: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [القصص: 73] وقال: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً }تفسير : [النبأ: 9] أي راحة لأبدانكم من عمل النهار. فقوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي غالب النهار؛ يقال: سبق فلان فلاناً أي غلبه. وذكر المبّرد قال: سمعت عمارة يقرأ «وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ» فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابِقٌ النهارَ فحذفت التنوين؛ لأنه أخفّ. قال النحاس: يجوز أن يكون «النهارَ» منصوباً بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى } يسهل ويصح {لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلقَمَرَ } فتجتمع معه في الليل {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } فلا يأتي قبل انقضائه {وَكُلٌّ } تنوينه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم {فِى فَلَكٍ } مستدير {يَسْبَحُونَ } يسيرون نُزّلوا منزلة العقلاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} "لكلّ حد وعلَم" لا يعدوه ولا يقصر دونه ويُذهب سلطان كل واحد منهما مجيء الآخر،أو لا يدرك أحدهما ضوء الآخر، أو لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة، أو إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر "ع"، أو لا تدركه ليلة البدر خاصة لأنه يبادر بالغروب قبل طلوعها {سَابِقُ النَّهَارِ} لا يتقدم الليل قبل كمال النهار، أو لا يأتي ليلتين متصلتين من غير نهار فاصل {وَكُلٌّ} الشمس والقمر والنجوم {فِى فَلَكٍ} بين الأرض والسماء غير ملتصقة بالسماء {يَسْبَحُونَ} يعلمون، أو يجرون "ع"، أو يدورون كما يدور المغزل في الفلكة.

النسفي

تفسير : {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا } أي لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم {أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره لأن لكل واحد من النيرين سلطاناً على حياله، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } ولا يسبق الليل النهار أي آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم القيامة فيجمع الله بين الشمس والقمر وتطلع الشمس من مغربها {وَكُلٌّ } التنوين فيه عوض من المضاف إليه أي وكلهم والضمير للشموس والأقمار {فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }.يسيرون {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } {ذرياتهم} مدني وشامي { فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } أي المملوء. والمراد بالذرية الأولاد ومن يهمهم حمله وكانوا يبعثونهم إلى التجارات في بر أو بحر، أو الآباء لأنها من الأضداد. والفلك على هذا سفينة نوح عليه السلام. وقيل: معنى حمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم وذرياتهم. وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ} من مثل الفلك {مَا يَرْكَبُونَ } من الإبل وهي سفائن البر {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ } في البحر {فَلا صَرِيْخَ لَهُمْ} فلا مغيث أو فلا إغاثة {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } لا ينجون {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ } أي ولا ينقذون إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل، فهما منصوبان على المفعول له. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } أي ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر مما أنتم تعملون من بعد أو من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، وما خلفكم من أمر الساعة أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لتكونوا على رجاء رحمة الله. وجواب «إذا» مضمر أي أعرضوا، وجاز حذفه لأن قوله {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يدل عليه. و «من» الأولى لتأكيد النفي والثانية للتبعيض أي ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } لمشركي مكة {أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله } أي تصدقوا على الفقراء {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } قول الله لهم أو حكاية قول المؤمنين لهم أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } أي وعد البعث والقيامة {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تقولون خطاب للنبي وأصحابه {مَا يَنظُرُونَ } ينتظرون {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } هي النفخة الأولى {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا غلبه في الخصومة، وشدد الباقون الصاد أي {يَخِصّمُونَ } بإدغام التاء في الصاد، لكنه مع فتح الخاء: مكي بنقل حركة التاء المدغمة إليها، وبسكون الخاء: مدني، وبكسر الياء والخاء: يحيـى فأتبع الياء الخاء في الكسر، وبفتح الياء وكسر الخاء: غيرهم. والمعنى تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً في معاملاتهم. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } فلا يستطيعون أن يوصوا في شيء من أمورهم توصية {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم بل يموتون حيث يسمعون الصيحة {وَنُفِخَ فِىٱلصُّورِ } هي النفخة الثانية والصور القرن أو جمع صورة {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ } أي القبور {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يعدون بكسر السين وضمها {قَالُواْ } أي الكفار {يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا } من أنشرنا {مِن مَّرْقَدِنَا } أي مضجعنا، وقف لازم عن حفص وعن مجاهد للكفار مضجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } كلام الملائكة أو المتقين أو الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضاً، أو «ما» مصدرية ومعناه هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسلمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، أو موصولة وتقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون أي والذي صدق فيه المرسلون {إِن كَانَتْ } النفخة الأخيرة {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } للحساب. ثم ذكر ما يقال لهم في ذلك اليوم {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ } بضمتين: كوفي وشامي، وبضمة وسكون: مكي ونافع وأبو عمرو. والمعنى في شغل في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وهو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار أو ضرب الأوتار أو ضيافة الجبار {فَـٰكِهُونَ } خبر ثان {فَـكِهُونَ } يزيد، والفاكه والفكه: المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها مما يتلذذ به وكذا الفكاهة {هُمْ } مبتدأ {وَأَزْوٰجُهُمْ } عطف عليه {فِى ظِلَـٰلٍ } حال جمع ظل وهو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس كذئب وذئاب، أو جمع ظلة كبرمة وبرام دليله قراءة حمزة وعليّ، {ظُلَلٌ } جمع ظلة وهي ما سترك عن الشمس {عَلَىٰ ٱلأَرَآئِكِ } جمع الأريكة وهي السرير في الحجلة أو الفراش فيها {مُتَّكِئُونَ } خبر أو {فِى ظِلَـٰلٍ } خبر و {عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ } مستأنف {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } يفتعلون من الدعاء أي كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم أو يتمنون من قولهم «ادع علي ما شئت» أي تمنه عليَّ، عن الفراء هو من الدعوى ولا يدعون ما لا يستحقون.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر‏} ‏ قال‏:‏ لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي لهما ذلك‏.‏ وذلك ‏{‏ولا الليل سابق النهار‏}‏ قال‏:‏ يتطالبان حثيثين يسلخ أحدهما من الآخر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار‏} ‏ قال‏:‏ لكل حد وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا، وإذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر‏}‏ قال‏:‏ ذاك ليلة الهلال‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن‏ في قوله ‏ {‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار‏}‏ قال‏:‏ لكل واحد منهما سلطان‏.‏ للقمر سلطان بالليل‏.‏ وللشمس سلطان بالنهار، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل‏.‏ وقوله ‏{‏ولا الليل سابق النهار‏}‏ يقول‏:‏ لا ينبغي إذا كان ليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولا الليل سابق النهار‏} ‏ قال‏:‏ لا يذهب الليل من ههنا حتى يجيء النهار من هنا، وأومأ بيده إلى المشرق‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولا الليل سابق النهار‏} ‏ قال‏:‏ في قضاء الله وعلمه أن لا يفوت الليل النهار حتى يدركه، فتذهب ظلمته‏.‏ وفي قضاء الله وعلمه أن لا يفوت النهار الليل حتى يدركه، فيذهب بضوئه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار‏} ‏ قال‏:‏ لا يدرك هذا ضوء هذا، ولا هذا ضوء هذا‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لا يسبق هذا ضوء هذا، ولا هذا ضوء هذا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لا يعلو هذا ضوء هذا، ولا هذا على هذا‏.‏

اسماعيل حقي

تفسير : {لا الشمس ينبغى لها} هو ابلغ من لا ينبغى للشمس كما ان انت لا تكذب بتقديم المسند اليه آكد من لا تكذب انت لاشتمال الاول على تكرر الاسناد. ففى ذكر حرف النفى مع الشمس دون الفعل دلالة على ان الشمس مسخرة لايتيسر لها الا ما اريد بها وقدر لها وينبغى من الانفعال وثلاثيه بغى يبغى بمعنى طلب تجاوز الاقتصار فيما يتحرى تجاوزه او لم يتجاوز واما استعمال انبغى ماضيا فقليل. قال فى كشف الاسرار يقال بغيت الشئ فانبغى لى اى استسهلته فتسهل لى وطلبته فتيسر لى والمعنى لا الشمس يصح لها ويتسهل: وبالفارسية [نه آفتاب سزد مرورا وشايد] {ان تدرك القمر} فى سرعة سيره فان القمر اسرع سيرا حيث يقطع فلكه ويدور فى منازله الثمانى والعشرين فى شهر واحد بخلاف الشمس فانها ابطأ منه حيث لا تقطع فلكها ولا تدور فى تلك المنازل المقسومة على الاثنى عشر برجا الا فى سنة فيكون مقام الشمس فى كل منزلة ثلاثة عشر يوما فهى لا تدرك القمر فى سرعة سيره فانه تعالى جعل سيرها ابطأ من سير القمر واسرع من سير زحل وهو كوكب السماء السابعة وذلك لان الشمس كاملة النور فلو كانت بطيئة السير لدامت زمانا كثيرا فى مسامتة شئ واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث فى بقعة واحدة بقدر ما يخرج النبات من الارض والاوراق والثمار من الاشجار وبقدر ما ينضج الثمار والحبوب ويجف فلو ادركت القمر فى سرعة سيره لكان فى شهر واحد صيف وشتاء فيختل بذلك احكام الفصول وتكوّن النبات وتعيش الحيوان ويجوز ان يكون المعنى ليس للشمس ان تدرك القمر فى آثاره ومنافعه مع قوة نورها واشراقها فان لكل واحد منهما آثارا ومنافع تخصه وليس للآخر ان يدركه فيها كما قالوا الثمرة تنضجها الشمس ويلونها القمر ويعطيها الطعم الكوكب. وقالوا ان سهيلا وهو كوكب يمنىّ يعطى الحجر اللون الاحمر فيصير عقيقا. ويجوز ان يكون معى ان تدرك القمر اى فى مكانه فان القمر فى السماء الدنيا والشمس فى السماء الرابعة فهى لا تدركه فى مكانه ولا يجتمعان فى موضع اولا تدركه فى سلطانه اى نوره الذى هو برهان لوجوده فان نوره انما يكون بالليل فليس للشمس ان تجامعه فى وقت من اوقات ظهور سلطانه بان تطلع بالليل فتطمس نوره فسلطان القمر بالليل وسلطان الشمس بالنهار ولو ادركت الشمس القمر لذهب ضوءه وبطل سلطانه ودخل النهار على الليل. وفى بعض التصاوير لا ينبغى للشمس ان تدرك سلطان القمر فتراه ناقصا وذلك ان الله تعالى لما قبض نور القمر سأله القمران لا ترى الشمس نقصانه. وقال بعض الكبار جعل الله شهورنا قمرية ولم يجعلها شمسية تنبيها من الله تعالى للعارفين من عباده ان آية القمر بمحوه عن العالم الظاهر لمن اعتبر فى قوله تعالى وتدبر {لا الشمس ينبغى لها ان تدرك القمر} اى فى علو المرتبة والشرف فكان ذلك تقوية لكتم آياتهم التى اعطاها للمحمديين العربيين واجراها واخفاها فيهم يعنى ان آيات المحمديين ليست بظاهرة فى ظواهرهم غالبا كآية القمر وستظهر كراماتهم فى الآخرة التى هى آثار ما فى بواطنهم من العلوم والكشوف والحقائق والخوارق {ولا الليل سابق النهار} اى ولا الليل يسبق النهار فيعجزه من ان ينتهى اليه ويجيئ الليل بعده ولكن الليل يعاقب النهار ويناوبه. وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيران وبالسبق سبق القمر الى سلطان الشمس فى محو نورها فيكون عكسا للاول فالمعنى لا يصح للقمر ايضا ان يطلع فى وقت ظهور سلطان الشمس وضوئها بحيث يغلب نورها ويصير الزمان كله ليلا فهما يسيران الدهر ولا يدخل احدهما على الآخر ولا يجتمعان الا عند ابطال الله هذا التدبير ونقض هذا التأليف وتطلع الشمس من مغربها ويجتمع معها القمر كما قال تعالى {أية : وجمع الشمس والقمر} تفسير : وذلك من اشراط الساعة. فان قلت اذا كان هذا عكس ما ذكر قبله كان المناسب ان يقال ولا الليل مدرك النهار. قلت ايراد السبق مكان الادراك لانه الملائم لسرعة سيره. وفيه اشارة الى انه كما لا يصير القمر شمسا والشمس قمرا فكذلك قمر القلب بتوجهه الى شمس شهود الحق يتنور بنورها كما قال تعالى {أية : واشرقت الارض بنور ربها} تفسير : ولكنه لا يصير الرب تعالى عبدا ولا العبد ربا فان للرب الربوبية وللعبد العبودية تعالى الله عما يقول اصحاب الحلول وارباب الفضول {وكل} اى وكلهم على ان التنوين عوض عن المضاف اليه الذى هو الضمير العائد الى الشمس والقمر والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما بتكاثر مطلعهما فان اختلاف الاحوال يوجب تعددا ما فى الذات او الى الكواكب فان ذكرهما مشعر بها {فى فلك} مخصوص معين من الافلاك السبعة. وفى بحر العلوم فى جنس الفلك كقولهم كساهم الامير حلة يريدون كساهم هذا الجنس والفلك مجرى الكواكب ومسيرها وتسميته بذلك لكونه كالفلك كما فى المفردات والجار متعلق {يسبحون} السبح المر السريع فى الماء او فى الهواء واستعير لمر النجوم فى الفلك كما فى المفردات. وقال فى كشف الاسرار السبح الانبساط فى السير كالسباحة فى الماء وكل من انبسط فى شئ فقط سبح فيه والمعنى يسيرون بانبساط وسهولة لامزاحم لهم سير السابح فى سطح الماء. واخرج السيوطى فى كتاب الهيئة السنية خلق الله بحرا دون السماء جاريا فى سرعة السهم قائما فى الهواء بامر الله تعالى لا يقطر منه قطرة يجرى فيه الشمس والقمر والنجوم فذلك قوله تعالى {وكل فى فلك يسبحون} والقمر يدور دوران العجلة فى لجة غمر ذلك البحر فاذا احب الله ان يحدث الكسوف حرف الشمس عن العجلة فتقع فى غمر ذلك البحر ويبقى سائرا على العجلة النصف او الثلث او ما شاء الرب تعالى للحكمة الربانية واقتضاء الاستعداد الكونى. قال المنجمون قوله تعالى {يسبحون} يدل على ان الشمس والقمر والكواكب السيارة احياء عقلاء لان الجمع بالواو والنون لا يطلق على غير العقلاء. وقال الامام الرازى ان ارادوا القدر الذي يصح به التسبيح فنقول به لان كل شئ يسبح بحمده وان ارادوا شيئا آخر فذلك لم يثبت والاستعمال لا يدل عليه كما فى قوله تعالى فى حق الاصنام {أية : ما لكم لا تنطقون} تفسير : وقوله {أية : ألا تأكلون } تفسير : وقال الامام النسفى جمع يسبحون بالواو والنون لانه تعالى وصفها بصفات العقلاء كالسباحة والسبق والادراك وان لم يكن لها اختيار فى افعالها بل مسخرة عليها يفعل بها ذلك تجبرا. يقول الفقير هنا وجه آخر هو ان صيغة العقلاء باعتبار مبادى حركات الافلاك والنجوم فان مبادى حركاتها جواهر مجردة عن مواد الافلاك فى ذواتها ومتعلقة بها فى حركاتها ويقال لتلك الجواهر النفوس الفلكية على انه ليس عند اهل الله شئ خال عن الحياة فان سرّ الحياة سار فى جميع الاشياء ارضية كانت او سماوية لا سيما الشمس والقمر اللذان هما عينا هذا التعين الكونى شعر : جمله ذرات زمين وآسمان مظهر سرّ حياتست اى جوان كى تواند يافتن آنرا خرد هست اوسرى خرد كى بى برد تفسير : نسأل الله تعالى حقيقة الادراك والحفظ عن الزلق والهلاك

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ}: دبّر الله سبحانه أمر العالم الجسماني بهاتين الآيتين - آية الليل وآية النهار -، كما دبَّر أمر العالم الروحاني بآيتين قُدْسِيَّتين: آية النفس وآية العقل، وعظَّم الله أمرهما، ليعرف الإنسان كيفيّة تدبيره تعالى لباطن أحبّائه وعباده الصالحين، بتوسّط نشأَتَيَّ النبوة والولاية في العالم الإنساني، فإن موجودات هذا العالم ومظاهره، مرائي يدرك بها أحوال العوالم المستعلية، فجعل لكل من هاتين الآيتين قانوناً مضبوطاً، وأجلاً معلوماً ومدةً معيّنة، فالشمس لا تقطع فَلَكها إلاّ في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس حَرَّيةً بأن توصف بالإدراك لتباطؤ سيرها عن سير القمر، والقمر جدير بأن يوصف بالسَّبْق لسرعة سَيْره. وقيل: لمّا باين الله بين فلكيهما ومجراهما، فلا يمكن أن يدرك أحدهما الآخر، ما داما على هذه الصفة، ولا تجتمع ليلتان ليس بينهما يوم، كما لا يجتمع نهاران ليس بينهما ليل، وذلك لدوريّة حركات الشمس بلا رجوع، وإحاطة الفلك الذي مجراها جوانب الأرض فوق الأفق وتحته، وإلاّ لَجَازَ أن يكون الطالع في كل يوم شمس أخرى لها نهار آخر وليل آخر، فيجتمع ليل أحدهما مع نهار الآخر، في وقت واحد لا يسبق عليه. حكاية روى العياشّي في تفسيره، بالإسناد عن الأشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان، حيث اجتمع الرضا (عليه السلام)، والفضل بن سهل والمأمون، في الإيوان الحبري بمَرْو، فَوُضِعَت المائدة، فقال الرضا (عليه السلام): إن رجلاً من بني إسرائيل سألني بالمدينة، فقال: "النهار خُلِقَ قبلُ أم الليل، فما عندكم؟". قال: فأداروا الكلام، فلم يكن عندهم في ذلك شيء، فقال الفضل للرضا (عليه السلام): "أخبرنا بها أصلحك الله". قال: "نعم، مِن القرآن أم مِن الحساب؟" قال له الفضل: "من جهة الحساب". قال: قد علمت يا فضل، أن طالع الدنيا السَّرطَان والكواكب في مواضع شَرَفها، فَزُحَلُ في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحَمَلْ، والقمر في الثَّور، فذلك يدل على كينونة الشمس في الحَمَل، في العاشر من الطالع في وسط السماء، فالنهار خلق قبل الليل، وفي قول الله تعالى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، أي قد سبقه النهار. ثم في هذه الآية أسرار شريفة لا ينبغي كتمانها: منها: أن الشمس لما كانت مثالاً للعقل، وعلمه إجمالي بسيط، فعّال للتفاصيل، وفيّاض للعلوم النفسانيّة المتكثّرة، والقمر مثال للنفس، لكونه قابلاً للنور الحسيّ الوارد عليه من النيّر الأعظم، كما أن النفس في ذاتها خالية عن أنوار العلوم، وإنما يفيض عليها من المبدء العقلي الفعّال بإذن الله، حقائق الصور والكمالات، وعلومها تفصيلية متكثّرة منتقلة من معقول إلى مفعول، فناسب الحركة البطيئة لها، الحاصلة من دورة واحدة في سنة واحدة تامة، جامعة لجميع أحوال الفصول الأربعة، المشتملة على حدوث أشخاص كل نوع من الأنواع الطبيعية كالإناس والخيول، وناسب القمر الحركة السريعة المشتملة على دورات كثيرة في كل سنة، وليس في دورة واحدة منها ما يجمع سائر الآجال والفصول، ولا تفي مدتها بأن تسع فيها نشوء ماله قدر وخطر من المولدات، حتى الخضروات والبقول. فانظر كيف جعل الله الشمس والقمر خليفتين عظيمتين في تدبير الكائنات، وإنشاء النبات والحيوانات، في عالم الأشباح، كما جعلهما آيتين عظيمتين للعقل الكلّي والنفس الكلّية، اللذين كل منهما خليفة الله في عالم الأرواح. وانظر كيف جعل أَنْورَهُما وأَعْظَمُهمَا آيةَ النهار، وأصغرهُما آيةَ الليل، كما جعل العقل الأعظم، آية نهار عالم الجَبَروت والقدرة والتأثير، وهي أوائل الوجود، الفائضة حسب الإبداع من الحق المعبود، وجعل النفس الكلية آية مساء عالم الملكوت والتأثر والقبول، وهي ثواني الوجود التالية عن العقول، في قبول الرحمة والجود. فقوله: "لا الشمس ينبغي لها أن تُدْرِكَ القمر" أي: لا تدرك آيةُ النهار آيةَ الليل، في وصف الحركة والانتقال، والتجدد من حال إلى حال، لكون القمر أقرب إلى عالم القوة والإنفعال، وضعف الأحوال، ومنبع الدثور والزوال، وهي الهيولى الأولى، الواقعة في مهوى جحيم النَّكال، وأسفل درك الخسة والوَبال، بخلاف الشمس، فإنها أقرب إلى عالم الثبات والدوام والإتصال، ومعدن الشرف والبقاء والكمال، وأجدر بمجاورة القيُّوم المُتَعَال، الغالب على أمره، والقاهر على كل شيء بالقدرة والجلال. وقوله: "ولا الليلُ سابقُ النهار" أي: لا يسبق آيةُ الليل آيةَ النهار في وصف النوريَّة والشروق، وقوة الوجود والظهور، فإن الشمس نيّرة لذاتها، قاهرة للغَسَق بحسب فطرتها وجوهرها، تطرد الوحشة والظلمة عن هذا العالم، كما يطرد ذات الباري تعالى العدمَ والإمكان عن العالم الأعلى، والقمر يستعير النور من الشمس، ويكتسب ويستوهب الضياء والشروق عنها وبسببها، وكيف يسبق المستعيرُ الكاسبُ المستفيضُ المستوهبَ لصفة كمالية على المبدء الفيّاض الواهب المعطي إياها؟ وفي هاتين الآيتين، أسرار عظيمة لِمَن تأمَّل وتدبَّر في إبداعهما، وتفكَّر في خلقهما وخلق عجائبهما، وعجائب غيرهما من أنوار الكواكب والأفلاك، وملكوت عالم السموات والأرض، إذ في كل منها آثار عجيبة، وأنظار دقيقة لمن نظر فيها وفي دورانها، وطلوعها وغروبها، واختلاف مراكزها ومناطقها وأقطابها، ومحاورها ومشارقها ومغاربها ودؤوبها في الحركة على الدوام، من غير فتور وتعب وقصور في الإنتظام، ولا ملال ولا كلال في الطلب والشوق إلى عبودية الله على الاتصال. وعجائب السموات، مما لا مطمع في احصاء عُشْرٍ عَشير من جزء من أجزائها، وما من كوكب إلاّ والله حِكَمٌ كثيرة في خلقه وإبداعه، ثم مقداره وشكله، ثم في سمكه وارتفاعه، ثم في نوره ولونه، ثم في وضعه من السماء وقُرْبه وبُعْده من منطقة الفلك، وارتباطه بغيره من الكواكب، ثم في حركته على الدوام، وتشبّهه بمبدئه العقلي الكامل على التمام، ثم استكماله في عبوديتّه وطاعته لمبدء الكل وقاهر الجميع ذي الجلال والإكرام، الذي يضمحل في جنب نوره نور كل عقل ونفس، وطبع وحس، وتُبْهَر في إدراك عظمته عقول الملائكة والخلائق والأنامُ. سِر آخر ومن الأسرار التي يدركها الإنسان بملاحظة النيرين، وسائر الكواكب، أنه كما أن نور القمر إنما هو عين نور الشمس، قد انعكس عن صفحة جرمه إلى أعين الناظرين لصقالته وكثافته، فيتوهم الإنسان أن له نوراً غير نور الشمس، سواء كان مستقلاً - كما توهمه العوام -، أو مستفاداً منها كما أدركه الخواصُّ بدقة علومهم البحثيّة، وكلاهما زَيغٌ وغلط من الحس او العقل. بل الحق الحقيق بالتصديق، ما انكشف لدى الأخصيّن من خواصّ الناس، المتخلّصين عن ظلمات عالم الحواس، وأدناس القوى الوهمية المتعلقة بالأرجاس، المقدّسين عن إغواء شياطين الوهم بالوسواس، وهو أن النور الحسي كالنور العقلي، حقيقة واحدة، لها مراتب متفاوتة في القوة والضعف، والقرب والبعد من ينبوعها وأصلها، ومرايا وقوابل متعددة مختلفة في اللطافة والكثافة، والصفاء والكدورة، والجلاء والخفاء، والإنقطاع والانطباع. وهذا النور ذاتي للشمس بوجه، موجود لها بالذات، وعَرَضِيٌّ لما سواها موجود لها بالتبع، بمعنى أنها مظاهر لشهوده، ومجالي لوجوده بواسطة العلاقة الوضعية، التي بها مع الشمس كالمقابلة أو ما في حكم المقابلة، لأن حقيقة النور حالة فيها أو صفة قائمة بها، وهكذا يكون حكم نور الوجود، لأنها حقيقة واحدة هي عين القيُّوم تعالى، ولها مظاهر مختلفة ومجالات متعددة تدرك بحسبها ومن وراء حجبها حقيقة الوجود، على ما تقتضيه طبيعة تلك المظاهر والحجب، من الماهيّات والأعيان كل بحسبه، لا على ما عليه الحقيقة في نفسها، لامتناع الاكتناه لها والإحاطة بها {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}تفسير : [طه:110] {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} تفسير : [طه:111]. سِرٌّ آخر وهو أن لكلٍ من الموجودات مرتبة في ظهور الوجود بحسب الواقع، وله مرتبة فيه بحسب مدارك الناظرين، فقّوة الوجود والظهور وضعفهما، كما يكونان للشيء بحسب الواقع، كذا يكونان له في ملاحظة الناظرين، لأن فَرْطَ الظهور قد يؤدي إلى الخفاء والقصور، بالقياس إلى المدارك الضعيفة، لقلة الاحتمال، وعروض الكَلاَل، ولهذا تكون عند أكثر الناس الأجسامُ والمحسوساتُ. أقوى وجوداً وأظهر انكشافاً من العقول وكليّات الحقائق، لقصورهم عن دَرْكها، والحق أخفى عندهم من كل شيء، مع أنه تعالى أظهر الأشياء وأجلاها، وهذا لكونهم مُتَوَطّنين في عالم الظلمات، فعيونهم العقلية وبصائرهم الباطنية، في إدراك العقليات والالهيات، كعيون الخفافيش وأبصار العمشان، بل العميان، في إدراك أنوار الحسّيات، لقدرة الإشراق منه، وضَعْفِ الأحْداق منهم. فإذا علمت هذا، فالحال في نورَي النيرِّيْنِ على ذلك المنوال، من كون أحدهما قويَ الوجود والنوريَّة بحسب نفسه في الواقع، ولكن لا تحتمله قوة الإبصار فيعرض له الاستتار، والآخر ضعيف الوجود والنورية في الواقع ولكن يقوى ظهوره عند الظلام، ويتجلّى نوره في الليالي على أعين الأنام. وهذان بعينهما مثالان للعقل والنفس، فإن أحدهما قوي الوجود والنوريَّة العقلية في الخارج، ولكنه لا يختفي وجوده وظهوره عن الخلق، والآخر بعكس ما ذُكِر، بل هما مثالان للحق جلَّ ذِكْرُه بالنسبة إلى النشأتين - نشأة الدنيا ونشأة الأخرى -، فإن الحق مستور والخلق مشهود في هذا العالم، بالقياس إلى مدارك ضعفاء العقول، المتوطنين في الظلمات كالخفافيش بعيونها الضعيفة الناقصة، وأما وجوده في الحقيقة وبحسب النشأة الآخرة، وبالقياس إلى العقول النيّرة المقدسة، فمشهود جَلِي، ووجود الخلق مستور خَفِي، على عكس ما هو عند أهل الحجاب. فالشمس والقمر آيتان دالتان على رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، فآية النهار مثال لوجود الحق في العقبى، وآية الليل مثال لوجوده في الأولى، وبوجه آخر، هما مثالان لوجود الحق والخلق، فإن أحدهما فيّاض النور على ذات الآخر، ولهذا يختفي عند سطوع نوره الأقهر، وجلاله الأظهر، ويظهر عند غيبته عن الحواس، وانبساط ظلمة الليل على أعين الناس، فقوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} من قبيل قوله: {أية : أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [العنكبوت:4]. سِرٌّ آخر كلما بَعُدَ القمر عن جُرْم الشمس، امتلأ نوراً وشروقاً، وزاد جلاءاً وظهوراً، وكلما قَرُبَ منها دقَّ وضَعُف، واستقوس ظهره، وانحنت قامته، حتى إذا صار في غاية القرب عند المقارنة الحقيقية، انمحق نوره بالكلِّية، وزال ظهوره رأساً، فهو مثال السالك الواصل الفاني في مقام العِنْديَّة والقُرْب، وهو أيضاً مثال المحجوب الباقي مع النفس في مقام الغيريَّة والبُعد، "فالليل"، مثال هوية العبد وأنانيته، الموصوفة بظلمة الإمكان وسواد الحَدَثان، "والنهار"، مثال الوجود الفائض عليها من شمس الحقيقة وقيُّوم الوجود، فالمحجوب المطرود عن باب الله، يتوهم أن لِهُوِيَّتِهِ وجوداً مستقلاً سابقاً في شهوده وإدراكه، على وجود الحق، فللإشارة إلى نفي هذا الاحتمال عن بصائر أولي الأبصار، وقع قوله تعالى: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ}. سِرٌّ آخر إعلَمْ - أيَّدَكَ الله تعالى -، أن القمر عاشق صادق لملك الكواكب، وأمير السيارات، وقاهر الظلمات بالنور، حافظ الأزمنة والدهور، باسط الخيرات على الكائنات، دافع الشياطين ومردة الجن والغيلان بالأنوار الراجمات الزاجرات، منبع أنوار الحواس، وقامع وحشة الظلمة والوسواس، واهب البهجة والسرور، محيي أموات النائمات من النفوس في مراقد كالقبور، بنفخ صور الحرارة الغريزية في صباح النشور، مخرج حياة المواليد من القوة إلى الفعل، مثال الله الأعظم في هذا العالم، مظهر رايات العبودية ومظهر آيات العبودية. ومن دأب العاشق المسكين، التوجه إلى جناب معشوقه، والتوصل إلى صحبة محبوبه، فلهذا صار القمر سريع السَّير، لا يمكث في منزل إلاّ يوم واحد غالباً، وربما يتخطى يوماً واحداً منزلين، لشدة شوقه وسرعة سلوكه إلى جناب معشوقه، فيسير سيراً حثيثاً، حتى يرتقي من حضيض البُعد والإنفصال: إلى أوْجِ القُرْب والإتصال، فإذا فنى عن ذاته عند الانمحاق، وتنوَّر بنور محبوبه في شدة القرب والإشراق، قال بلسان حاله هذا المقال: شعر : وكان ما كان مما لستُ أذكرُه فَظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر تفسير : ثم إذا رجع إلى ذاته، وعاد إلى الصحو بعد المَحْو، وسافر من الجمع إلى التفرقة والتفصيل، وأخذ منصب الخلافة والرسالة في إرشاد السالكين للسبيل، وبعث لهداية المتوطنين في الظلمات، وتعليم النازلين في مراقد الجهالات، قاربت المقابلة الوضعية الحسية، فانعكست إلى ذاته الأشعة الشمسية، وأضاءت ذاته بأنوارها بعد ما كان مظلماً، وأنار جوهره بأشعتها غِبَّ ما كان مغيماً، قائلاً: "من رآني رأى الشمس" وربما نطق: شعر : إذا تَغَيّبْتُ بدا وان بَدَا غيّبني تفسير : فلما نظر إلى ذاته، فما رأى شيئاً خالياً من أنوار الشمس وعطاياها، فقال عند ذلك في غاية سكره: "أنا الشمس" لولا أن ثبّته الله بالقول الثابت، مثل ما قال أبو يزيد، والحلاّج وغيرهما من أصحاب التجريد، وسكارى شراب المحبة والتوحيد، حيث كانوا أقمار سماء التفريد، ومرائي شمس الحقيقة والتمجيد، فلما أضاءت أراضي قلوبهم، وصفحات وجوههم بنور الرب، باحوا بالسر الخفي، إما لغاية السكر والوجد - فكلام المجانين يطوى ولا يروى -، وإما للإشتباه بين المرآة والمرئي، أولاَ ترى أن المرايا المتعددة، المختلفة في الصقالة والكدورة والإستقامة والإنحناء، إذا تجلَّت فيها صورة واحدة في حالة واحدة، ظهرت فيها بحسبها، ولو كان تجلّيها في المرايا حلولاً أو قياماً، لما أمكن حلول شيء واحد في محالّ متعددة مختلفة. فاعلم وتثبّت - أيها العارف السالك -، أن التجلي غير الحلول والاتحاد والاتصال، لئلا تقع في الضَّلال والكفر والاحتجاب والانفصال، فتدَّعي بوقاحتك الاتصاف بالكمال، وتسبق بنورك الموهوم، ووجودك المتهم المبهم الميشوم، نور المُهَيْمِن المُتَعَال، ووجود المبدء الفعّال، ولا تتوهمّن أيها المحجوب لذاتك، وجوداً، سوى ما أفاضه العزيز القهّار، ولا تكونَنَّ بظهور هويتك الموهومة، ممحّاً لظهور نور الأنوار، كاشفاً لنوره عن شهودك، كسف القمر نور الشمس عن عيون الناظرين من الأبصار، واتل قوله تعالى: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ}. {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [40]: "التنوين" في "كل": عِوضٌ من المضاف إليه، و "الفَلَك" جُرْم كروي، مجرى الكواكب، سُمِّي به تشبيهاً بفلكة المغزل في الاستدارة والحركة الدَّوريَّة. ذكر الشيخ أبو ريحان البيروني، في القانون المسعودي: "أن العرب والفرس، سلكوا في تسمية السماء مسلكاً واحداً، فان العرب يُسمّون السماء "فلكاً" تشبيهاً بفلك الدولاب، والفرس سموها بلغتهم "آسمان"، تشبيهاً لها بالرحى، فإن "آس" هو "الرحى" بلسانهم و "مان" لفظ دال على التشبيه" انتهى. والمعنى: وكل واحد منهم - أي من الكواكب بدليل ذكر بعضها وهو الشمس والقمر - في فلك من الافلاك يسبحون، ويتحركون من موضع إلى موضع، ومن وضع إلى وضع، بالعقل والتدبير والإرادة والاختيار، طلباً لعبادة الله وطاعته، كما يدل ضمير الجمع لذوي العقول، وليس في العقل انقباض عن كون الأفلاك وما فيها أحياء ناطقون، بل في الأنظار العقلية والقواعد الحِكَمِيَّة، ما يدل على كونهم عشّاقاً إلهيّين، وعبّاداً راكعين ساجدين، طوّافين على باب حضرة رب العالمين، رقّاصينَ متواجدينَ في إدراك عظمة أول الأوَّلين، هو الذي أدار رحاها، وبسم الله مجريها ومرساها. وقد أطبق الطبيعيون بعلومهم الطبيعية، والآلهيون بفنون حكمتهم الالهية، على أن الأفلاك بأجمعها، حيّة ناطقة، عاشقة، مطيعة لمبدعها وخالقها ومنشئها ومُحَرِّكِها، إلاّ أن الطبيعيّين تفطنوا به من جهة استدارة الحركات من الأجرام، التي يتحدد بها الجهات، قبل وجود الأجسام المستقيمة الحركات، حيث يحتاج دوامها إلى قوة روحانية عقلية، غير جسمانية متناهية الأفعال والإنفعالات، وأما الآلهيون فعلموا بذلك، من جهة كثرة العقول، وتعدُّد المباديء والغايات، ووجود الأشواق الكلية للعشّاق الآلهية، وحكموا بأن غرضها من حركاتها، نيل التشبّه بجنابه ومُقَرَّبيه، والتقرُّب إلى سكان حضرته ومجاوريه. والاشراقيون منهم، على أن حركاتها لورود الشوارق القدسيّة، وسنوح البوارق الآلهيّة عليها آناً فآناً، فكل إشراق يقتضي شوقاً وحركة، وكل حركة تستدعي إشراقاً وإفاضة، فتتصل الحركات حسب توارد الإشراقات، كما يقع لأهل المواجيد من أصحاب البدايات في السلوك والتوحيد. وأما الكُمَّل فلهم مقام التمكين كالعقول المهيّمين. وذهب جَمٌّ غفير من الحكماء، إلى أن كل كوكب، بل كل كرة أثيرية، له نفس على حِدَة، تُحرّكه بحركة مستديرة على نفسه، وحكمه في الشعور والإرادة والشوق إلى مُفَارِقٍ عقلي، والتشبّه بمعشوق قدسي، حكم الفلك الكلي، فحكموا أن لا ميّت في عالم الأثير. وبعضهم ذهب إلى أن النفس الفلكي، يتعلق أولاً بالكوكب، لأنه بمنزلة القلب للحيوان الكبير، وبتوّسطه تتعلق بالتداوير، والأفلاك الجزئية والمتمّمات، التي هي بمنزلة الأعضاء والأبعاض فيه. والشيخ أبو علي بن سينا، مال إلى هذا القول ورجّحه، وحكم به في النَّمَط السادس من اشاراته حكماً بتّياً حيث قال: "ويلزمك على أصولك أن تعلم أن لكل جسم منها كان فلكاً محيطاً بالأرض، موافق المركز أو خارج المركز، أو فلكاً غير محيط بالأرض، مثل التدويرات أو كوكباً، شيئاً هو مبدء حركته المستديرة على نفسه، لا يتميّز الفلك في ذلك عن الكواكب، وأن الكواكب تنتقل حول الأرض بسبب الأفلاك التي هي مركوزة فيها، لا بأن تنخرق لها أجرام الأفلاك. ويزيدك في ذلك بصيرة، أنك إذا تأملت حال القمر في حركته المضاعفة وأوْجَيْه، وحال عطارد في أوْجَيْه، وأنه لو كان هناك انخراق يوجبه جَريان الكواكب، أو جَرَيان فَلَك تَدْوير، لم يعرض ذلك كذلك" انتهى. وليس الغرض من هذا النقل، الركون إلى أصوله التي قد بنى عليها إثبات هذا المرام، من امتناع الخرق على الفَلَكِيات والالتئام، إذ لا استحالة عندنا على حسب أصولنا اليقينية الإيمانية، في بوار الأفلاك وفناء السموات، بحسب قدرة الله وإرادته، متى شاء، في أي وقت من الأوقات أراد، وإن كان الواقع ثبات أجرامها منذ خُلِقَت، وعدم انخراقها والتئامها، كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}تفسير : [النبأ:12] وقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء:32]. بل الغرض من ذلك أمران: ترجيح القول بأن الكواكب - بل الأفلاك - كلها أحياء ناطقون مطيعون لله تعالى، كما دلّت عليه هذه الآية، وقوله: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف:4] وكَسْر سَوْرة المُصرّين من المتفلسفين على إنكاره، وتسكين صَوْلَة المشنّعين من الفقهاء الظاهريين على من قال به. وكفى في إثبات هذه الدعوى على المنكرين، ما وقع في بعض خطب إمام الأولياء وسيد الأوصياء أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله من الرب الأعلى، من قوله: "فملأَهنّ أطواراً من ملائكته، فمنهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون، ومسبّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا فترة الأبدانَ وَلاَ غَفْلَة النسيان". ثم ما الباعث لجحود أهل الحجاب، إلاّ ما شاهدوا من هذه الحيوانات العصبيّة اللحمية المأنوسة لهم من الكلاب والذئاب، أنها ليست إلاّ ذوات رؤوس وأذناب، بل لم يتوهموا نفوسهم، إلاّ هياكل محسوسة متكثرة الأدوات، مركبّة من القوى والآلات، ولم يعلموا أنها غير داخلة في مفهوم الحي الدرّاك، فمنعوا من إطلاق الحياة على ما في الأفلاك، ولو تأملوا قليلاً، لعلموا أن نفوسهم التي بها أنانيتهم، ومنشأ جحودهم لهذا القول حيَّة قائمة، غير ذات رأس وذنب، وشهوة وغَضَبْ، فتعساً لجماعة جوزوا الحياة والإدراك لمثل البعوضة والنملة فما دونها، ولم يسّوغوا للأجرام الشريفة الإلهية والبدائع اللطيفة النورانية. وقد عظَّم الله أمرها في كتابه الكريم، فَكَمْ مِن سورة تشتمل على تفخيم السماء والنجوم، وخصوصاً النّيرين وبعض السيارات، وكم من آية تشتمل على القَسَم بها وبمواقعها، كقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}تفسير : [البروج:1] {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ * ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ}تفسير : [الطارق:1 - 3] {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} تفسير : [الشمس:1 - 2] {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} تفسير : [التكوير:15 - 16] {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} تفسير : [النجم:1] {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة:75 - 76]. ومن الشواهد على كرامة ذواتها: وشرافة جواهرها، وقوام صورها المعراة عن الأضداد والأنداد، ودوام نفوسها ومُحَرِّكاتها بأمر المبدء الجواد، جَعْلُها واسطة لأرزاق العباد، حيث قال: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}تفسير : [الذاريات:5] وكونها مُرتَقَى الكلمات الطيِّبات، والدعوات المستجابات لقوله تعالى: {أية : كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [إبراهيم:24]. ومن الشواهد مدحه وثناؤه تعالى، على المتفكرين والناظرين في بدائع فطرة السموات، فقال: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} تفسير : [آل عمران:191] وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ويل لِمَنْ قَرَأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته"تفسير : أي تجاوزها من غير فكر ورويّة. وتوبيخه المعرضين عنه فقال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [الأنبياء:32] فأي نسبة لهذه المتغيرات من الأرض والبحار، إلى السموات التي هي صلاب شداد، محفوظات عن التغير إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ولذلك سمّاه الله "محفوظاً" كما مرّ، وقال أيضاً: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}تفسير : [النازعات:27 - 28]. فانظر إلى هذه القدرة والملكوت، لترى بعد ذلك عجائب العزة والجبروت، ولا تظن أيها المغرور، بعلمك المشهور المكشوف عند الجمهور، الباعث لجاهك الحقير في عالم الزور، أن معنى النظر إلى ملكوت السماء، بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتَعْرفها، فإن البهائم والدواب تشاركك في هذا النظر، بل انظر إليها نظراً عقلياً، وتفطّن بها إلى ملكوتها، وتَعْبُر من عالمها إلى عالم، آخر فيه خلائق روحانيون محبورون على مشاهدة تقديس الله، حائرون في شهود جماله وملاحظة جلاله، لا يلتفتون إلى ذواتهم المقدسة المتنورة بنور الحق، - فضلاً عن التفاتهم إلى ما دونهم -. فَتَحَوَّلْ أيها السالك بقلبك أَولاً في ميادينها وأقطارها، وأطِلْ فكرك في كيفية حركاتها، وتَفَنُّن جهاتها ودورانها، ثم إلى جواهر محرّكاتها من نفوسها وعقولها ومعشوقاتها، إلى أن تقوم بين يدي عرش الرحمان، الذي هو معبود الكل والمعشوق الأول، فعند ذلك، ربما يرجى أن يفيض عليك من رحمته الخاصة لعباده الصالحين، ويهديك إلى صراطه المستقيم المنعم به عليهم - لا المنحرفين الضالين. ولا يتيسر لك ذلك، إلاّ بمجاوزة الحد الأدنى، حتى تصل إلى الحد الأعلى على الترتيب، فأدنى شيء إليك نَفْسُك وَبَدَنُك، ثم الأرض التي هي مقرك، ثم الهواء اللطيف المطيف بل المكتنف بك، ثم النبات والحيوان وما على وجه الأرض وملكوتها، ثم عجائب الجو من ملائكة السحاب، وزواجر الرعد والمطر، ومُشَيّعي الثلج التي بيدها مثاقيل المياه، ومكائيل الأمطار - فتحتاج إلى العلوم المتعلقة بها من علم النبات والحيوان وعلم كائنات الجو - ثم السموات السبع بكواكبها وأشكالها وأوضاعها وحركاتها وأنظارها - فتحتاج إلى علم الهيئة والنجوم، وعلم السماء والعالم - ثم الكرسي والعرش الحافظان للزمان والمكان، المحددان للجهات والأبعاد والأحيان - فتحتاج إلى كليات علم الطبيعي وسمع الكيان - ثم الملائكة الذين هم حملة العرش وخزان السموات -، فتحتاج إلى علم الشريعة الحقة، ومعرفة عالم الملكوت والجبروت، وهو علم المباديء والغايات، وعلم المفارقات. ثم منه تجاوز النظر إلى رب العرش والكرسي، والسموات والأرض، ورب الملائكة والروح، فتحتاج إلى علم التوحيد، الذي سلكه جميع الأنبياء من لدن آدم إلى الخاتم (عليه وعليهم السلام)، وإليه الغرض في بعثة نبينا (صلى الله عليه وآله)، هذه سبيله وسبيل من اتبعه إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108]. فبينك أيها الغافل وبين ما خُلِقْتَ لأجله، هذه المفاوز العظيمة، والأودية الشاقّة، والعقبات الشاهقة، وأنت لم تفرغ من أدنى العقبات وهي معرفة نفسك، ثم تدّعي بوقاحتك معرفة الرب وتقول: عرفتهُ وعرفتُ قدرته وخَلْقَه، ففي ماذا تفكر؟ وإلى ماذا تَطَّلع؟. وهذه غاية القصور، ونهاية الغرور، فارفع - قبل أن يَسْتَحكِم فيك هذا الجهل المركّب، ويترسّخ هذا الغرور المعجب - رأسك إلى السماء، وانظر فيها نظر أولي العلم والدراية والحكمة - لا نظر البهائم إلى الدولاب والدعامة -، وفي كواكبها وفي دورانها على الدوام، ودؤوبها على الاستمرار في طاعة الله الملك العلاّم، من غير فتور في حركاتها، ومن غير تقصير في سعيها وسيرها: ولا تغيير في نَسَقِها وسُنَّنها، بل تجري جميعاً في منازل مرتبَّة بحساب مقدر، لا يزيد ولا ينقص، إلى أن يطويها الله طيَّ السِّجِل للكُتُب. ثم انظر كيفية أشكالها، فبعضها على صورة الحَمَل والثَّور، وبعضها على صورة الأسد والعقرب، وبعضها على صورة البشر من الرامي والتوأمين، وما من صورة في الأرض إلاّ وَلَها مثال في السماء. ثم انظر إلى عظمة مقدارها، وقوة قواها وشدة أنوارها، وكثرة آثارها وقد اتفق الناظرون في علم الهيئة، على أن الشمس مائة ونيّف وستون أمثال الأرض، وفي الأخبار ما يدل على عظمة الكواكب التي نراها، أصغرها هي مثل الأرض ثمان مرات، وأكبرها تنتهي إلى قريبٍ من مائة وعشرين مرة مثل الأرض وفي الأخبار: "أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمس مائة عام". وانظر كيف حديث : عبّر جبرئيل (عليه السلام)، عن سرعة حركة الكواكب، إذ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل زالت الشمس؟ فقال: لا، نعم. فقال: كيف تقول: لا، نعم؟ فقال: من حين قلت: "لا" إلى أن قلت: "نعم" سارت الشمس مسيرة خمسمائة عام . تفسير : فانظر إلى عِظَم شَخْصها، ثم خفة سيرها وسرعة طاعتها، ثم انظر إلى قدرة الفاطر الحكيم، كيف أثبت صورتها مع اتساع أكنافها في مرآة إحدى حدقتيك مع صغرها، حتى تجلس في الأرض وتفتح عينيك، بل أحدهما نحو السماء فترى جميعها، بل انظر إلى بارئها ومنشئها كيف أبدعها ثم أمسكها من غير عمد ترونها، ومن غير علاقة تتدلى بها، بل استحفظها بعينه التي لا تنام. وكل العالَم كَبَيْتٍ واحد والسماء سقفه، والعَجَبُ منك انك تطيل النظر إلى بيت فيه تصاوير وزخرفات، ثم لا تلتفت بقلبك إلى هذا البيت العظيم، وإلى أرضه وسقفه، وعجائب أمتعته، وغرائب حيواناته، وبدائع نقوشه وتصاويره، فما هذا البيت دون البيت الذي شُغْفت به، ومع هذا لا تنظر إليه نظر الشوق والمحبة، ليس لذلك سبب، إلاّ أنه بيت ربك، وهو الذي انفرذ ببنائه وتزيينه، وأنت معرض عن إلهك، ناسٍ لذِكْرِهِ، لأنك ممن نَسِيتَ نَفْسَكَ فأنساك الله ربك، لأن معرفة النفس تستلزم معرفة الرب، ونسيانها نسيانه. ولهذه الملازمة الواقعة بين المعرفتين والنسيانين، قال الله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الحشر:19] وقال نَبِيُّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : مَنْ عَرَف نفسه فقد عرَف ربه"تفسير : ، فاشتغلت بِبطْنك وفَرْجِك، ليس لك هم إلاّ شهوتك أو حِشمتك، فأنت غافل عن بيت الله تعالى، وعن ملائكته الذين هم عمّار بيته المعمور وسكّان سماواته، ولا تعرف من السماء إلاّ ما تعرفه النملة من سقف بيتها ومن صنع الصانع فيه، ولا تعرف من ملائكة السموات إلاّ ما تعرفه النملة منك ومن سكّان بيتك. والفرق بينكما، أنه ليس للنملة طريق إلى هذه المعارف، وليست مكلّفة بأداء شكر هذه النعم الجليلة، وأما أنت، فلك استعداد واقتدار على أن تجول في عالم الملكوت فتعرف عجائبها، شاكراً لِنَعم الله التي أعطاكَها، عارفاً بالله، حامداً له حق معرفته وحَمْدِه، بحسب ما أمكنك وتيسّر منك، لا على ما هو حقه بحسبه، لأن ذلك شيء عجز عنه الواصفون، واعترف بالقصور الملائكة والأنبياء والمرسلون، سبحان ربك ربِّ العزة عما يصفون.

الجنابذي

تفسير : {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} لتباين افلاكهما واختلاف مجاريهما وسرعة سير القمر وبطوء سير الشّمس، او المعنى لا الشّمس ينبغى لها ان تفوق القمر فلا تدعه ان يظهر نوره كما انّ شموس الارواح لا ينبغى لها ان تفوق اقمار النّفوس والمثال فيفنيها {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} فائقها بحيث لم يكن يدع النّهار يظهر، او آية اللّيل الّتى هى القمر لا ينبغى لها ان تدرك اية النّهار وهى الشّمس، او المعنى ليس وجود اللّيل سابقاً على وجود النّهار، روى عن الاشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرّضا (ع) والفضل بن سهلٍ والمأمون بمرو فوضعت المائدة فقال المأمون: انّ رجلاً من بنى اسرائيل سأل بالمدينة فقال: النّهار خلق قبل ام اللّيل، فما عندكم؟ قال: فأداروا الكلام فلم يكن عندهم فى ذلك شيءٌ فقال الفضل للرّضا (ع): اخبرنا بها اصلحك الله، قال: نعم، من القرآن ام من الحساب؟- قال الفضل: من جهة الحساب، فقال: قد علمت يا فضل انّ طالع الدّنيا السّرطان والكواكب فى مواضع شرفها فزحل فى الميزان والمشترى فى سرطان والشّمس فى الحمل والقمر فى الثّور فذلك يدلّ على كينونة الشّمس فى الحمل فى العاشر من الطّالع فى وسط السّماء فالنّهار خلق قبل اللّيل، وفى قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} اى قد سبقه النّهار {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يعنى كلّ من الشّمس والقمر وسائر اصناف النّجوم فى فلكٍ يسبحون، حمل الجمع على كلٌّ امّا باعتبار تقدير المضاف اليه اصناف النّجوم، او لجعل كلّ من النّجوم جماعاتٍ، فانّ كلاًّ له نفسٌ ذات جنودٍ، وجمع العقلاء لكون كلّ ما فى السّماء عقلاء، وعن الصّادق (ع) خلق النّهار قبل اللّيل، والشّمس قبل القمر، والارض قبل السّماء، وفى خبرٍ: وخلق النّور قبل الظّلمة.

الأعقم

تفسير : {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} أي لا تدركه بل يعاقبان ويستويان، وذلك أن القمر لا يجمع معه في وقت واحد ويداخله في سلطانه فيطمس نوره {ولا الليل سابق النهار} ولا يسبق الليل النهار يعني آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يجمع الله بين الشمس والقمر وتطلع الشمس من مغربها {وكلٌ في فلك يسبحون} يعني الشمس والقمر والنجوم {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} الصبيان والنساء في الفلك، قيل: في سفينة نوح، وقيل: هي السفن الجارية في البحار، وقيل: الفلك المشحون سفينة نوح، ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم ذرياتهم {وخلقنا لهم من مثله} من مثل الفلك {ما يركبون} من السفن أو ما يركبون من الابل وهي سفائن البر {وإن نشأ نغرقهم فلا صريح لهم} أي لا مغيث لهم {ولا هم ينقذون} لا ينجون من الموت بالغرق {إلا رحمة منَّا} بالحياة {ومتاعاً إلى حين} إلى أجل يموتون فيه لا بدَّ لهم منه بعد النجاة من موت الغرق {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم}، قيل: اتقوا ما بين أيديكم من عذاب الله ووقائعه كما حل قبلكم بالأمم {و} اتقوا {ما خلفكم} من أمر الساعة وعذاب الآخرة، وقيل: ما خلفكم يعني الذنوب وبين أيديكم ما يأتي من الذنوب، وقيل: ما تقدم من أفعالكم وما تأخر، وقيل: المراد به عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة {لعلكم ترحمون} {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} يعني أعرضوا عنها {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أي أعطاكم من نعمة {قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} قالوا ذلك استهزاء وشكَّاً في قدرة الله تعالى {إن أنتم إلا في ضلال مبين} في اتباع محمد، وقيل: هو من قول الله تعالى لهؤلاء الكفار الذين قالوا: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه}، وقيل: هو من قول أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {ويقولون متى هذا الوعد} أي القيامة {إن كنتم صادقين} في أنَّا نبعث {ما ينظرون إلا صيحة واحدة}، وقيل: الصيحة الأولى عند قيام الساعة تأتيهم بغتة {تأخذهم وهم يخصمون} يعني تأتيهم فجأة وهم في أحوال الدنيا يخاصم بعضهم بعضاً، واختلفوا في هذه الصيحة قيل: صيحة الموت ونفخة إسرافيل عند قيام الساعة {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} لو أرادوا الرجوع إلى أهلهم لم يمكنهم {ونفخ في الصور}، قالوا: النافخ اسرافيل {فإذا هم من الأجداث} القبور {إلى ربهم ينسلون} أي يخرجون سراعاً، ونفخة الصور هي نفخة البعث وبين النفختين أربعون سنة، لما رأى القوم أهوال القيامة {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} لأنه رفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون، وقيل: وصفوا القبور بالمرقد لأنهم استقروا فيها، وقيل: عاينوا لأنهم عاينوا عذاب جهنم وأهوال القيامة ومتى قيل: هلا قلتم أنه يدل على عذاب القبر؟ قلنا: عذاب القبر لا يدوم بل ينقطع {هذا ما وعد الرحمان} من البعث {وصدق المرسلون} في ذلك قيل: هذا من قول المؤمنين جواباً للكفار لما قالوا: {من بعثنا من مرقدنا}، وقيل: بل هو قول الملائكة جواباً لهم، وقال أبو علي: هذا من قول الكفار أقروا ظنَّاً منهم أنه ينفعهم.

اطفيش

تفسير : {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} لا نافية وينبغي بمعنى يصح فكأنه قيل لا الشمس يصح لها وليس بمعنى يستحب فان الشمس لو ادركت القمر في السير لأجل اسراعها بالنبات والمزارع والثمار او المراد انه لا ينبغي لها ان تدركه في موضعه قال المحلي فتجتمع معه في الليل ولا ينبغي لها ان تدركه فتطمس نوره بل كل على حده. قال الخازن وقيل لا يدخل احدهما في سلطان الآخر فلا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء فاذا اجتمعا وادرك احدهما صاحبه قامت القيامة انتهى والله اعلم ان القمر يستضيء بنور الشمس فيكون نصف بسيط جرمه المقابل للشمس مضيئا فاذا كان مع الشمس كان كل نصف جرمه المظلم مقابلا لنا واذا كان مقابلا للشمس كان كل نصفه المضيء مقابلا لنا والشمس تضيء نصف كرة الأرض فيكون الضياء في بسيط الأرض يدور بدور الشمس من المشرق إلى المغرب وكذلك يدور الظلام وهي أعظم من الأرض فوجب أن يكون ظل الأرض الممتد في الهواء ينخرط ويدق في استدارة حتى ينقطع وأن يكون الظل الذي هو عمود مخروط الظل في سطح فلك البروج ولازما ابدا لنظير جري الشمس فأما طول الظل من وجه الأرض إلى أن ينقطع فإنه على قياس بطلميوس مثل نصف قطر الأرض مائتين وثماني وستين مرة ويكون قطر استدارته في الموضع الذي يمر فيه القمر في وقت مقابلة الشمس مثل قطر جرم القمر مرتين وثلاثة اخماس مرة فاذا كان القمر في مقابلة الشمس وبقرب الرأس أو الذنب لم يكن له عرض لبعده عن ظل الأرض إلى الشمال أو الجنوب فيكون ممره في الظل فتستر الأرض عنه نور الشمس فيرى منكسفا إلى أن يجوز الظل لأن الظل يسير بسير الشمس فيسبقه القمر فيخرج من ناحية المشرق فيقع على نور الشمس أما إذا كان القمر في وقت المقابلة في حقيقة نقطة الرأس او الذنب فلم يكن له عرض البتة فيكون ممر مركز جرمه على مركز استدارة الظل هناك فيكون اعظم كسوفاته واطولها مكثا وإذا كان له عرض في وقت المبابلة لم يكن كسوفه الأعظم فإن كان عرضه بمقدار فضل نصف قطر الظل على نصف قطر القمر كان ممر حرمه مماسا لدائرة الظل من داخل الظل فانكسف كله ولم يكن له مكث في الظل وإن كان عرضه مساويا لنصف قطر الظل فإن مركزه جرمه يمر ماسا لدائرة الظل فينكسف نصفه ويكون ما ينكسف منه من خلاف الجهة التي فيها عرضه وإن كان عرضه مساويا لنصف قطره ونصف قطر الظل جميعا كان ممر جرمه مماسا للظل من خارج الظل فلم ينكسف واما كسوف الشمس فإن القمر إذا قارن الشمس وكان بقرب الرأس أو الذنب ولم يكن له عرض لبعده عن طريقه الشمس كان ممره بين أبصارنا وبين الشمس فيسترها عنا فتراها منكسفة فإن اجتماع الشمس والقمر اذا كان في حقيقة موضع الرأس أو الذنب وعلى سمة الرأس كان مركزاهما جميعا الخط الذي يخرج من موضع النظر إليهما لأنه لا يكون للقمر حينئذ اختلاف في المنظر فباضطرار ابدا في مثل هذه الحال أن يكسف القمر كل جرم الشمس وان لم يكن الاجتماع الذي في حقيقة الرأس او الذنب على سمة الرأس لم يكن ذلك على ما وصفنا من اجل ما يعرض من اختلاف المنظر ويكون اختلاف المنظر على ثلاث جهات أما أن يكون الانحراف في الطول فيكون الاجتماع بالرؤية يخالف الاجتماع الحقيقي وعرض القمر بالرؤية هو العرض الحقيقي وأما أن يكون الانحراف في العرض فيكون الاجتماع بالرؤية هو الاجتماع الحقيقي وعرض الرؤية مخالف للعرض الحقيقي وأما أن يكون الانحراف في العرض والطول فيخالف الاجتماع والعرض بالرؤية جميعا الاجتماع والعرض الحقيقي واذا كان الاجتماع لرؤية وللقمر عرض عن فلك البروج ولعرضه انحراف في خلاف جهته وتساوي العرض والانحراف في جهتين مختلفتين لم يكن للقمر عرض في الرؤية وصار مركزه ومركز الشمس على الخط الذي يخرج من موضع البصر فيكسف القمر كل جرم الشمس أيضا وإذا كانت الدائرة التي تمر على قطب فلك البروج وعلى القمر على سمة الرأس في هذه الحال كان الاجتماع بالرؤية هو الاجتماع الحقيقي وإذا لم تكن هذه الدائرة على ما وصفنا كان الاجتماع بالرؤية مخالف الاجتماع الحقيقي فيكون انطباق القمر على الشمس قبل وقت الاجتماع الحقيقي او بعده فان كان انحراف الطول إلى المشرق كان الاجتماع بالرؤية قبل الحقيقي وان كان الى المغرب كان الاجتماع بالرؤية بعد الحقيقي وان لم يكن العرض وانحراف العرض متساويين فإن الفصل بينهما هو عرض القمر بالرؤية وان كان العرض والانحراف في جهة واحدة كان ذلك عرض القمر بالرؤية فإن كان عرض القمر أقل من نصف قطر الشمس ونصف قطر القمر مجموعين فإن القمر يكسف بعض الشمس ويكون ما يكسف منها بمقدار ما نقص العرض من نصف القطرين ويكون الكسوف في جرم الشمس من الجهة التي فيها عرض الرؤية وإن كان العرض مساويا لنصف القطرين فان القمر يمر مماسا للشمس ولا يكسف منها شيئا ولا يكون للشمس اذا انكسفت كلها مكث كما يكون للقمر لان عظم جرم القمر قريب من عظم جرم الشمس في المنظر وقد تبين مما وصفنا أن القمر إذا انكسف كان مقدار كسوفه ومكثه عند جميع من يراه في نواحي الأرض كلها على أمر واحد وإن كسوف الشمس على خلاف ذلك من اجل ما يعرض في اختلاف المنظر من الاختلاف فيما بين المواضع التي يرى فيها من الأقاليم وأما أكساف بعض الكواكب بعضا فمعلوم من مراتب افلاكها فقد يكسف القمر الكواكب التي يقرب فلك البروج لأنه أقربها إلى الأرض وقد يكسف كل واحد من الكواكب السبعة ما كان اعلا فلكا منه وتكسف الكواكب السبعة جميع الكواكب الثابتة التي بقرب فلك البروج والله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم اعلم وانما ادخل لا على الشمس ولم يدخلها على ينبغي لدلالة على انها مسيرة لما اريد لها لا تمتنع. {ولا الليل سابق النهار} لا يجىء احدهما قبل وقته بل يتعاقبان بحساب معلوم حتى يبطل الله ما دبر من ذلك وينقضي ما الف فيجمع بين الشمس والقمر بأن يحبس الشمس حتى يأتي وقت طلوع القمر بضوئه فتطلع الشمس من مغربها كما مر وقيل المعنى لا يتصل ليل بليل بلا نهار بينهما وانما ذكر في الشمس الادراك لانها بطيئة السير إذ تقطع الفلك في عام والقمر في شهر وذكر في الليل الذي فيه قوة القمر السبق لانه سريع فكان جديرا بذكر السبق فنفي عن الشمس الادراك الذي من شأنه ان يوصف به المناجر وعن القمر بواسطة ذكر الليل السبق. {وكل في فلك يسبحون} والمراد كل الشموس والاقمار يسبحون اي يسيرون في فلك بانبساط سيرا شبيها بانطلاق الحوت في الماء وانما جمع الشمس والقمر تنزيلات لتعدد احوالهما منزلة تعداد الذوات او من باب التعبير عن الاثنين بعبارة الجماعة. او المراد كل النجوم يسبحون فان ذكر الشمس والقمر مشعر بها او الكواكب الشاملة لهما وعلى كل حال فانما عبر عن ذلك بالواو التي اصلها العقلاء تعظيما له وقدم في فلك للفاصلة والفلك قال ابن عباس مستدير متحرك كفلكه المغزل فيه جميع الكواكب قال السوسي حقيقة الفلك جسم لطيف مستدير الشكل مشتمل على اجرام صقيلة نورانية تتحرك بحركته دائما وتلك الاجرام هي الكواكب وقال ان الفلك التاسع لا كوكب فيها ولذلك يسمى الاطلس في جوفه الافلاك الثمانية كلها يدور بها في كل يوم وليلة مرة بقدرة الله تعالى الذي له السماوات والأرض سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم وما كان ربك نسيا انتهى والصحيح ان الافلاك غير السماوات لما يلزم من جعلهما شيئا واحدا من المحذور المؤدي إلى الكفر لأن الأفلاك عند أهل الهيئة اكر ملتفة كطبقات البصل كل منها يشتمل عليه ما فوقه ويشتمل هو على ما تحته فمن اعتقد ان السماوات ملتصقة فهو مكذب للحديث ان بين كل سماءين خمسمائة عام وعلى القول بالتغاير فلا علينا في لصوقها وعدم لصوقها والافلاك تجب السماوات والسماوات فوقها والافلاك اجسام لطيفة والسماوات اجسام كثيفة كذلك قيل والحق انها ايضا لطيفة والافلاك تسعة والسماوات سبع والافلاك موضع الكواكب والسماوات موضع الملائكة والسماوات لا تتحرك والافلاك دائرة متحركة وزعم بعض ان الافلاك هي السماوات السبع ويزيدون فلكين آخرين احدهما للثوابت والآخر هو الفلك الاعظم المحرك لهذه الافلاك كلها وهو المعبر عنه بالعرش وقيل الافلاك ثمانية والصحيح الاول والاشهر الثاني وهذه الثمانية مدركة بادراك الكواكب التي عليها والمنازل والنجوم والشمس والقمر كلها تدور على القطب الشمالي ولا شيء منها يدور على القطب الجنوبي إلا مارد سهيل إلى الجنوب فانه يدور على الجنوبي. قال ابن هشام الخمي في شرح الهاشمية والقطب الجنوبي يقابل القطب الشمالي تدور حوله كواكب اسفل من سهيل وليس يظهر القطب الجنوبي بشيء من جزيرة العرب انتهى فانما سمي الجنوبي قطبا لانه تدور عليه الكواكب اسفل من سهيل أو لأن المنازل الجنوبية تدور عليه اقل من نصف الدائرة فيما يظهر للبصر في رأي العين.

اطفيش

تفسير : {لا الشَّمْس ينْبَغي لها أن تُدْرك القَمر ولا الليل سَابقُ النَّهار} إخبار عن شيئين جمعهما بأنهما بعد هذا الاجتماع لا يفعل أحدهما بالآخر ما ينقض هذا الاجتماع، كما يتغاير زيد وعمرو ثم يصطلحان، فلا زيد يأكل مال عمرو، ولا عمرو يضربه، وهكذا حكمة دخول حرف النفى على الشمس والليل، إذ التفاعل بينهما خلق الله الشمس والقمر على أبلغ حكمة، فلا الشمس بعد تدرك القمر بإبطاله، فتبقى طول الليل لا تغيب، ولا يظهر له ضوء، أو تسرع الطلوع عقب غروبها كذلك، ولا الليل يسبق النهار، بأن لا تطلع الشمس فيبقى الليل للقمر، لا يغيب أو يغيب فيسرع الطلوع، وذلك فى معنى، ولا القمر سابق الشمس، إلا أنه لم يقل هذا والله أعلم، ليؤذن بالتعاقب بين الليل والنهار، وبنصوصية التدبير عن المعاقبة، فإنه مستفاد من الحركة اليومية التى مدار تصرف كل منهما عليها. وعبر بالإدراك فى شأن الشمس، وبالسبق فى شأن الليل وقمره لبطء سيرها، وسرعة سيره، ولأنها أقوى فهى مظنة معالجة الضعف لتهلكه، والضعيف لا يقاوم القوى، بل يفر وينجو بالهروب، وفى الآية إيذان بأنهما لا قدرة لهما على ذلك المنفى، بل الله لو شاء لفعله كما تقول: ما عمرو سعى فى حاجتك، تريد بل غيره، وعبارة بعض لا قدرة للشمس على أن تدرك القمر فى سيره لبطئها وسرعته، وعبارة بعض أن القمر مع سرعته لا يسبق الشمس بالحركة اليومية، وقيل لا تدرك الشمس منافع القمر كالتلوين، ولا يدركها فى منافعها كالإنضاج، وقال الحسن: لا يجتمعان أول الشهر، بل تغيب ثم يظهر، وقال يحيى ابن سلام: لا تدركه ليلة أربعة عشر، بل تغيب قبل طلوعه، وهو كالمبادر لها، فهو بدر ويقال: إذا اجتمعا فى فلك قامت الساعة، وأصل ينبغى مطاوعة بغى بمعنى طلب، والمراد لا يليق فى الحكمة أن تدرك القمر لا ما قيل من اختيار أن المعنى لا يتسخر ولا يتسهل أن تدركه. {وكلُّ في فلكٍ يسْبَحون} أى كلهم لمعنى الشمس والقمر، كما قال: {يسبحون} بصيغة الذكور العقلاء تعظيما، أو لأنهما عاقلان، خلق الله لهما العقل، والتذكير تغليب للقمر، ولأنهم يخبرون عن كل ولو لاثنين بالجمع أو بالافراد، لا باثنين، وكثيرا ما يرجع ضمير الجمع لاثنين، ويجوز أن يقدر كل واحد منهما يسبحون، ويجوز رد الضمير إليهما والى الكواكب، لأنها عاقلة، ودل عليها ذكرهما وذكر الليل هكذا، وكلهم يسبحون فى فلك، وقدم للفاصلة، وعلى طريق الاعتناء بالفلك، والسبح المشى بانبساط، وكل من بسط فى شىء، والصحيح أنه فى السباحة فى الماء والفلك، مجرى الكوكب أو الشمس أو القمر من الهواء، قيل سمى لاستدارته كفلكة المغزل، وذلك مجرى فى الهواء مستدير أوفى جسم لطيف غير الهواء، وكل نجم له فلك من ذلك يجرى فيه والسماوات ساكنة لا تتحرك. وأول الشهور تشرين الأول، ثم تشرين الثانى، ثم كانون الأول، ثم كانون الثانى، ثم شباط، ثم أذار، ثم نيسان، ثم أيار، ثم حزيران، ثم تموز، ثم آب، ثم أيلول، وذلك بحساب الروم واللغة السريانية. وأما بلغة الفرس فهن: فرودين، وأردبهشت، وحزداد، وبيرو مرداد، وشهر بور، ومهروابان، ثم خمسة أيام لا تعد من السنة، يقال لها الأيام المسروقة بينهم، وأدرودى وبهن واسفندار، والبدد من نيروز كلما مضى من شهر عشرة أيام دخل شهر من شهور الروم، وكل سنة يتأخر النيروز بيوم من أيام الجمعة، فإن كان النيروز يوم الخميس كان فى السنة بعده يوم الجمعة، وفى السنة الثالثة يوم السبت، وما كان من شهور العرب ينقص فى كل سنة عشرة، وربما نقص أحد عشر فستة أيام منها ينقصان شهورها، والأربعة من الأيام المسروقة. واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وكلما انتقص من الليل ازداد فى النهار، وكلما انتقص من النهار ازداد فى الليل،وأطول النهار نصف حزيران من خمس عشرة ساعة، والليل من تسع وهو أقصر ليل، ثم ينقص النهار، ويزداد الليل، ويستويان فى المهرجان لكل واحد اثنتا عشرة ساعة، وبعد ساعة عشر من كانون الأول يكون الليل خمس عشرة ساعة، وهو أطول ما يكون، والنهار تسعا أقصر ما يكون، ثم ينقص الليل ويزداد النهار الى النصف من حزيران، وذلك قوله تعالى "أية : والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم"تفسير : [يس: 38] وقوله تعالى " أية : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" تفسير : [الحج: 61] والله تعالى أعلم.

الالوسي

تفسير : {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا } أي يتسخر ويتسهل كما في قولك النار ينبغي أن تحرق الثوب أو يحسن ويليق أي حكمة كما في قولك الملك ينبغي أن يكرم العالم، واختار غير واحد المعنى الأول. وأصل {يَنبَغِى } مطاوع بغي بمعنى طلب وما طاوع وقبل الفعل فقد تسخر وتسهل. والنفي راجع في الحقيقة إلى {يَنبَغِى } فكأنه قيل: لا يتسهل للشمس ولا يتسخر {أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } أي في سلطانه بأن تجتمع معه في الوقت الذي حده الله تعالى له وجعله مظهراً لسلطانه فإنه عز وجل جعل لتدبير هذا العالم بمقتضى الحكمة لكل من النيرين الشمس والقمر حداً محدوداً ووقتاً معيناً يظهر فيه سلطانه فلا يدخل أحدهما في سلطان الآخر بل يتعاقبان إلى أن يأتي أمر الله عز وجل. وهذه الجملة لنفي أن تدرك الشمس القمر فيما جعل له وقوله تعالى: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } لنفي أن يدرك القمر الشمس فيما جعل لها أي ولا آية الليل سابقة آية النهار وظاهر سلطانها في وقت ظهور سلطانها وإلى هذا المعنى يشير كلام قتادة والضحاك وعكرمة وأبـي صالح واختاره الزمخشري ليناسب قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا } ولأن الكلام في الآيتين دل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى }تفسير : [يس: 38] الآيتان وآخراً {كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }. وعبر بالإدراك أولاً وبالسبق ثانياً على ما في «الكشاف» لمناسبة/ حال الشمس من بطء السير وحال القمر من سرعته، ولم يقل ولا القمر سابق الشمس ليؤذن على ما قال الطيبـي بالتعاقب بين الليل والنهار وبنصوصية التدبير على المعاقبة فإنه مستفاد من الحركة اليومية التي مدار تصرف كل منهما عليه. وفي «الكشف» التحقيق أن المقصود بيان معاقبة كل من الشمس والقمر في ترتب الإضاءة وسلطانه على الاستقلال وكذلك اختلاف الليل والنهار فقيل: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } كناية عن سبق آيته آيته فحصل الدلالة على الاختلاف أيضاً إدماجاً لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة، وجاء من ضرورة التقابل هذا المعنى في النهار أيضاً من قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } ولما ذكر مع الشمس الإدراك المؤذن بأنها طالبة للحاق قيل: {لاَّ يَنبَغِى } رعاية للمناسبة وجىء بالفعل المؤذن بالتجدد ولما نفى السبق في المقابل أكد ذلك بأن جىء بالجملة الاسمية المحضة من دون الابتغاء لأنه مطلوب اللحوق اهـ. ولم يذكر السر في إدخال حرف النفي على الشمس دون الفعل المؤذن بصفتها ويوشك أن يكون أخفى من السها وكان ذلك ليستشعر منه في المقام الخطابـي أن الشمس إذا خليت وذاتها تكون معدومة كما هو شأن سائر الممكنات وإنما يحصل لها ما يحصل من علته التي هي عبارة عن تعلق قدرته تعالى به على وفق إرادته سبحانه الكاملة التي لا يأبـى عنها شيء من أشياء عالم الإمكان ويفيد ذلك في غاية كونها مسخرة في قبضة تصرفه عز وجل لا شيء فوق تلك المسخرية وفيه تأكيد لما يفيده قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [يس: 38] ورد بليغ لمن إليها يسند التأثير. وجوز أن يكون ذلك لإفادة كونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها من حيث تقديم المسند إليه على الفعل وجعله بعد حرف النفي نحو ما أنا قلت هذا وما زيد سعى في حاجتك يفيد التخصيص أي ما أنا قلت هذا بل غيري وما زيد سعى في حاجتك بل غيره على ما حققه علماء البلاغة والمقصود من نفي تسهل إدراك القمر في سلطانه عن الشمس نفى أن يتسهل لها أن تطمس نوره وتذهب سلطانه ويرجع ذلك إلى نفي قدرتها على الطمس وإذهاب السلطان فيكون المعنى بناء على قاعدة التقديم أن الشمس لا تقدر على ذلك بل غيرها يقدر عليه وهو الله عز وجل وهذا بعد إثبات الجريان لها بتقدير العزيز العليم مشعر بكونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها. وقال بعض الفضلاء فيما كتبه على هامش "تفسير البيضاوي" عند قوله: ((وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها)) وجه الدلالة أن الإيلاء المذكور يفيد التخصيص والابتغاء بمعنى الصحة والتسهيل المساوقين للاقتدار فيفيد الكلام أن الشمس ليس لها قدرة على إدراك القمر وسرعة المسير التي هي ضد لحركتها الخاصة بل القدرة عليهما لله سبحانه فهو فاعل لحركتها حقيقة ولها مجرد المحلية للحركة فصحت الدلالة المذكورة ثم قال: وتفصيل الكلام أن الله سبحانه ذكر أولاً أن الشمس تجري لمستقر لها إشارة إلى حركتها الخاصة ثم ذكر سبحانه أنه قدر القمر أيضاً في منازل الشمس حتى عاد كالعرجون القديم أي رجع إلى الشكل الهلالي وذلك إنما يكون عند قربه إلى الشمس ورجوعه إليها ولما كان للوهم سبيل إلى أن يتوهم أن جري الشمس وسيرها وتقدير أنوار القمر وجرمه المرئي مما يستند إلى إرادتهما على سبيل إرادتنا التي تتعلق تارة بالشيء وأخرى بضده فيصح ويتيسر للنيرين الأمران كما يصحان لنا وأن يتوهم أن إسناد أمر/ الشمس والقمر إلى التقدير الإلهي من قبيل إسناد أفعالنا إليه من حيث إن الإقدار والتمكين منه تعالى وإنه سبحانه المبدأ والمنتهى إلى غير ذلك من الاعتبارات، نبه جل شأنه بالتخصيص المذكور على دفع على هذا التوهم على سبيل التنبيه على كون الشيء مسخراً مضطراً في أمره بسلب اقتداره على ضده وإن لم يذكر جميع أضداده فأشار سبحانه إلى أن الحركة السريعة المفضية إلى إدراك القمر التي هي ضد الحركة الخاصة للشمس لا يصح استنادها إليها والقدرة عليها مختصة بغيرها - وهو العزيز العليم - حتى يظهر أن وجود الحركة الخاصة لها مستند إلى تقديره تعالى وتدبيره جل شأنه من غير مشاركة للشمس معه سبحانه ثم أردف ذلك بحكم القمر حيث قال تعالى: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } فإن الأقرب كون المعنى فيه ليس لآية الليل القدرة على أن تسبق آية النهار بحيث تفوتها ولا تكون لها مراجعة إليها ولحوق بها تنبيهاً على أن تقدير القمر في المنازل على الوجه المرصود الذي يعود به إلى الشكل الهلالي الشبيه بالعرجون ويفضي إلى مقاربة الشمس مستند أيضاً إلى تقديره تعالى وتدبيره سبحانه من غير مشاركة للقمر فيه فالجملتان في قوة التأكيد للآيتين السابقتين ولهذا فصلتا اهـ، وفيه دغدغة لا تخفى على ذكي فتأمل. وما أشار إليه من أن معنى {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } أن الشمس لا قدرة لها على أن تدرك القمر في سيره لبطء حركتها الخاصة وسرعة حركته كذلك قاله غير واحد. وادعى النحاس أنه أظهر ما قيل في معناه وبينه وبين ما تقدم من المعنى قربٌ ما، بل قال بعضهم: الفرق بين الوجهين بالاعتبار، وقال بعض من ذهب إليه في {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } إن المراد أن القمر لا يسبق الشمس بالحركة اليومية وهي ما تكون له وكذا لسائر الكواكب بواسطة فلك الأفلاك فإن هذه الحركة لا يقع بسببها تقدم ولا تأخر وقيل المراد بقوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ } إنه لا ينبغي لها أن تدركه في آثاره ومنافعه فإنه سبحانه خص كلاً منهما بآثار ومنافع كالتلوين بالنسبة للقمر والنضج بالنسبة للشمس، وعن الحسن أن المراد أنهما لا يجتمعان فيما يشاهد من السماء ليلة الهلال خاصة أي لا تبقى الشمس طالعة إلى أن يطلع القمر ولكن إذا غربت طلع، وقال يحيـى ابن سلام: المراد لا تدركه ليلة البدر خاصة لأنه يبادر المغيب قبل طلوعها وكلا القولين لا يعول عليهما ولا ينبغي أن يلتفت إليهما، وقيل في معنى الجملة الثانية إن الليل لا يسبق النهار ويتقدم على وقته فيدخل قبل مضيه. وفي «الدر المنثور» عن بعض الأجلة أي لا ينبغي إذا كان ليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، وعليك بما تقدم فهو لعمري أقوم. واستدل بالآية أن النهار سابق على الليل في الخلق. روى العياشي في "تفسيره" بالإسناد عن الأشعث بن حاتم قال كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا رضي الله تعالى عنه والمأمون والفضل بن سهل في الإيوان بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا: إن رجلاً من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال: النهار خلق قبل أم الليل فما عندكم؟ فأرادوا الكلام فلم يكن عندهم شيء فقال الفضل للرضا: أخبرنا بها أصلحك الله تعالى قال نعم من القرآن أم من الحساب؟ قال له الفضل: من جهة الحساب فقال رضي الله تعالى عنه: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها فزحل في الميزان والمشتري في السرطان والمريخ في الجدي والشمس في الحمل والزهرة في الحوت وعطارد في السنبلة والقمر في الثور فتكون الشمس في العاشر وسط السماء فالنهار قبل الليل، ومن القرآن قوله تعالى: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } أي الليل قد سبقه النهار اهـ./ وفي الاستدلال بالآية بحث ظاهر وأما بالحساب فله وجه في الجملة. ورأى المنجمون أن ابتداء الدورة دائرة نصف النهار وله موافقة لما ذكر، والذي يغلب على الظن عدم صحة الخبر من مبتدئه فالرضى أجل من أن يستدل بالآية على ما سمعت من دعواه. وفهم الإمام من قوله تعالى: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ } أن الليل مسبوق لا سابق ومن قوله سبحانه: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}تفسير : [الأعراف: 54] أن الليل سابق لأن النهار يطلبه، وأجاب عما يلزم عليه من كون الليل سابقاً مسبوقاً بأن المراد من الليل هنا آيته وهو القمر وهو لا يسبق الشمس بالحركة اليومية والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقب الآخر كان طالبه. وتعقبه أبو حيان بأن فيه جعل الضمير الفاعل في {يَطْلُبُهُ } عائداً على النهار وضمير المفعول عائداً على {ٱلَّيْلَ} والظاهر أن ضمير الفاعل عائد على ما هو الفاعل في المعنى وهو الليل لأنه كان قبل دخول همزة النقل {&#1649يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} وضمير المفعول عائد على {ٱلنَّهَارَ } لأنه المفعول قبل النقل وبعده وحينئذٍ كلتا الآيتين تفيد أن النهار سابق فلا سؤال انتهى. فتأمل ولا تغفل. وقرأ عمار بن عقيل {سابق} بغير تنوين {ٱلنَّهَارَ } بالنصب قال المبرد: سمعته يقرأ فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابق النهار بالتنوين فحذفت لأنه أخف. وفي «البحر» حذف التنوين لالتقاء الساكنين. {وَكُلٌّ } أي كل واحد من الشمس والقمر إذ هما المذكوران صريحاً والتنوين عوض عن المضاف إليه وقدره بعضهم ضمير جمع العقلاء ليوافق ما بعد أي كلهم وقدره آخر اسم إشارة أي كل ذلك أي المذكور الشمس والقمر {فِى فَلَكٍ } هو كما قال الراغب مجرى الكوكب سمي به لاستدارته كفلكة المغزل وهي الخشبة المستديرة في وسطه وفلكة الخيمة وهي الخشبة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة. {يَسْبَحُونَ } أي يسيرون فيه بانبساط وكل من بسط في شيء فهو يسبح فيه، ومنه السباحة في الماء، وهذا المجرى في السماء ولا مانع عندنا أن يجري الكوكب بنفسه في جوف السماء وهي ساكنة لا تدور أصلاً وذلك بأن يكون فيها تجويف مملوء هواء أو جسماً آخر لطيفاً مثله يجري الكوكب فيه جريان السمكة في الماء أو البندقة في الأنبوب المستدير مثلاً أو تجويف خال من سائر ما يشغله من الأجسام يجري الكوكب فيه أو بأن تكون السماء بأسرها لطيفة أو ما هو مجرى الكوكب منها لطيفاً فيشق الكوكب ما يحاذيه وتجري كما تجري السمكة في البحر أو في ساقية منه وقد انجمد سائره وانقطاع كرة الهواء عند كرة النار المماسة لمقعر فلك القمر عند الفلاسفة وانحصار الأجسام اللطيفة بالعناصر الثلاثة وصلابة جرم السماء وتساوي أجزائها واستحالة الخرق والالتئام عليها واستحالة وجود الخلاء لم يتم دليل على شيء منه، وأقوى ما يذكر في ذلك شبهات أوهن من بيت العنكبوت وإنه ورب السماء لأوهن البيوت. ويجوز أن يكون الفلك عبارة عن جسم مستدير ويكون الكوكب فيه يجري بجريانه في ثخن السماء من غير دوران للسماء، ولا مانع من أن يعتبر هذا الفلك لبعض الكواكب الفلك الكلي ويكون فيه نحو ما يثبته أهل الهيئة لضبط الحركات المختلفة من الأفلاك الجزئية لكن لا يضطر إلى ذلك بناءً على القواعد الإسلامية كما لا يخفى إلا أن في نسبة السبح إلى الكوكب نوع إباء بظاهره عن هذا الاحتمال، وفي كلام الأئمة من الصحابة وغيرهم إيماء إلى بعض ما ذكرنا. / أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس أنه قال في الآية؛ {كُلٌّ فِى فَلَكٍ } فلكة كفلكة المغزل يسبحون يدورون في أبواب السماء كما تدور الفلكة في المغزل. وأخرج الأخيران عن مجاهد أنه قال: لا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل والنجوم في فلكة كفلكة المغزل فلا يدرن إلا بها ولا تدور إلا بهن. وفي "الفتوحات المكية" للشيخ الأكبر قدس سره جعل الله تعالى السمٰوات ساكنة وخلق فيها سبحانه نجوماً وجعل لها في عالم سيرها وسباحتها في هذه السمٰوات حركات مقدرة لا تزيد ولا تنقص وجعلها عاقلة سامعة مطيعة وأوحى في كل سماء أمرها ثم إنه عز وجل لما جعل السباحة للنجوم في هذه السمٰوات حدثت لسيرها طرق لكل كوكب طريق وهو قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْحُبُكِ }تفسير : [الذاريات: 7] فسميت تلك الطرق أفلاكاً فالأفلاك تحدث بحدوث سير الكواكب وهي سريعة السير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخرق الهواء المماس لها فيحدث لسيرها أصوات ونغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات المساوية فهي تجري في هذه الطرق بعادة مستمرة قد علم بالرصد مقادير ودخول بعضها على بعض في السير وجعل سيرها للناظرين بين بطء وسرعة وجعل سبحانه لها تقدماً وتأخراً في أماكن معلومة من السماء تعينها أجرام الكواكب لإضائتها دونها إلى آخر ما قال. وقال الإمام: إن الله تعالى قادر على أن يجعل الكوكب بحيث يشق السماء فيجعل دائرة متوهمة كما لو جرت سمكة في الماء على الاستدارة وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: {فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } والظاهر أن حركة الكوكب على هذا الوجه. وأرباب الهيئة أنكروا ذلك للزوم الخرق والالتئام إن انشق موضع الجري والتأم أو الخلاء إن انشق ولم يلتئم والكل محال عندهم وعندنا لا محالية في ذلك وما يلزم هنا الخرق والالتئام لأنه المفهوم من {يَسْبَحُونَ} ولا دليل لهم على الاستحالة فيما عدا المحدد وهو هناك شبهة ضعيفة لا دليل، وظاهر الآية أن كل واحد من النيرين في فلك أي في مجرى خاص به وهذا مما يشهد به الحس وذهب إلى نحوه فلاسفة الإسلام كغيرهم من الفلاسفة بيد أنهم يقولون باتحاد الفلك والسماء ولما سمعوا عن قبلهم أن كلاً من السبع السيارة في فلك وكل الكواكب الثوابت في فلك وفوق كل ذلك فلك يحرك الجميع من المشرق إلى المغرب ويسمى فلك الأفلاك لتحريكه إياها والفلك الأعظم لإحاطته بها والفلك الأطلس لأنه كاسمه غير مكوكب وسمعوا عن الشارع ذكر السمٰوات السبع والكرسي والعرش أرادوا أن يطبقوا بين الأمرين فقالوا: السمٰوات السبع في كلام الشارع هي الأفلاك السبعة في كلام الفلاسفة فلكل من السيارات سماء من السمٰوات والكرسي هو فلك الثوابت والعرش هو الفلك المحرك للجميع المسمى بفلك الأفلاك وقد أخطؤوا في ذلك وخالفوا سلف الأمة فيه فالفلك غير السماء، وقوله تعالى مع ما هنا {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } تفسير : [نوح: 15-16] لا يدل على الاتحاد لما قلنا من أن الكواكب في الفلك والفلك في السماء فيكون الكوكب فيها بلا شبهة فلا يحوج الجمع إلى القول بالعينية ولم يقم دليل على كرية العرش بل ظاهر ما ورد في الأخبار من أن له قوائم يدل على عدم الكرية، نعم ورد ما يدل بظاهره أنه مقبب وهذا شيء غير ما يزعمونه فيه وكذا الكرسي لم يدل دليل على كريته كما يزعمون ومع هذا ليس عندهم دليل تام على كون الثوابت كلها في فلك فيجوز أن تكون في أفلاك كممثلات كلها فوق زحل أو بعضها فوقه وبعضها بين أفلاك العلوية وهي لا تكسف/ الثوابت التي عروضها أكثر من عروضها ولا لها اختلاف منظر ليعرف بأحد الوجهين كون الجميع فوق العلوية أو كتداوير ولا يلزم اختلاف أبعاد بعضها من بعض لجواز تساوي أجرام التداوير وحركاتها ولا اختلاف حركاتها بالسرعة والبطء للبعد والقرب وموافقة الممثل ومخالفته لأنا لا نسلم أن حركاتها لا تختلف بذلك المقدار ولا اختلاف أبعادها من الأرض لأنها غير محققة، ويجوز أيضاً أن تكون كلها مركوزة في محدب ممثل زحل على أنه يتحرك الحركة البطيئة والمعدل الحركة السريعة، وأيضاً يجوز أن يكون فيما سموه الفلك الأطلس كواكب لا ترى لصغرها جداً أو ترى وهي سريعة الحركة ولم يرصد كل كوكب ليتحقق بطء حركة الجميع، وأيضاً يجوز أن تكون السيارات أكثر من سبع فيحتاج إلى أزيد من سبع سمٰوات، ويقرب هذا ظفر أهل الأرصاد الجديدة بكوكب سيار غير السبع سموه باسم من ظفر به وأدركه وهو هرشل، وبالجملة لا قاطع فيما قالوه. وللشيخ الأكبر قدس سره في هذا الباب كلام آخر مبناه الكشف وهو أن العرش الذي استوى الرحمن سبحانه عليه سرير ذو أركان أربعة ووجوه أربعة هي قوائمه الأصلية وهي على الماء الجامد وفي جوفه الكرسي وهو على شكله في التربيع لا في القوائم ومقره على الماء الجامد أيضاً وبين مقعر العرش وبينه فضاء واسع وهواء مخترق وفي جوف الكرسي خلق الله تعالى الفلك الأطلس جسماً شفافاً مستديراً مقسماً إلى اثنين عشر قسماً هي البروج المعروفة وفي جوفه الفلك المكوكب وما بينهما الجنات وبعد أن خلق الله تعالى الأرضين واكتسى الهواء صورة الدخان خلق الله سبحانه السمٰوات السبع وجعل في كل منها كوكباً وهي الجواري، وزعم الخفاجي أن المراد بالفلك في الآية الفلك الأعظم لأن الشمس والقمر وكذا سائر الكواكب تتحرك بحركته فالسباحة عنده عبارة عن الحركة القسرية. وفي القلب من ذلك شيء. ثم على ما هو الظاهر من أن لكل واحد فلكاً يخصه ذهبوا إلى أن فلك الشمس فوق فلك القمر لما أنه يكسفها والمكسوف فوق التكاسف ضرورة، وذكر معظم أهل الهيئة أن الفلك الأدنى فلك القمر وفوقه فلك عطارد وفوقه فلك الزهرة وفوقه فلك الشمس وفوقه فلك المريخ وفوقه فلك المشتري وفوقه فلك زحل واستدلوا على بعض ذلك بالكسف وعلى بعضه الآخر بأن فيه حسن الترتيب وجودة النظام، ولا مانع فيما أرى من القول بذلك لكن لا على الوجه الذي قال به أهل الهيئة من كون السمٰوات هي الأفلاك الدائرة بل على وجه يتأتى معه القول بسكون السمٰوات ودوران الكواكب في أفلاكها ومجاريها بعضها فوق بعض، وقد مر لك ما ينفعك في هذا المقام فراجعه. وجوز كون ضمير {يَسْبَحُونَ } عائداً على الكواكب ويشعر بها ذكر الشمس والقمر والليل والنهار، ورجح على الأول بأن الإتيان بضمير الجمع عليه ظاهر لا يحتاج إلى تكلف بخلافه على الأول فإنه محوج إلى أن يقال اختلاف أحوال الشمس والقمر في المطالع وغيرها نزل منزلة تعدد أفرادهما فكان المرجع شموساً وأقماراً، وظني أنه لا يحتاج إلى ذلك بناء على أنه قد يعتبر الإثنان جمعاً أو بناء على ما قال الإمام من أن لفظ (كل) يجوز أن يوحد نظراً إلى لفظه وأن يجمع نظراً إلى كونه بمعنى الجميع وأما التثنية فلا يدل عليها اللفظ ولا المعنى قال: فعلى هذا يحسن أن يقال زيد وعمرو كل جاء وكل جاؤوا ولا يحسن كل جاءا بالتثنية. واستدل بالإتيان بضمير جمع العقلاء على أن الشمس والقمر من ذوي العقول. وأجيب بأن ذاك لما أن المسند إليهما فعل ذوي العقول كما في قوله تعالى في حق الأصنام {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ }تفسير : [الصافات: 92] وقوله سبحانه: {أية : أَلا تَأْكُلُونَ }تفسير : [الصافات:91] والظواهر غير ما ذكر مع المستدلين. واستدل بالآية بعض فلاسفة الإسلام القائلين باتحاد السماء والفلك على استدارة السماء وجعلوا من اللطائف فيها أن {كُلٌّ فِى فَلَكٍ }/ لا يستحيل بالانعكاس نحو كلامك كمالك وسر فلا كبابك الفر من وقالوا: لا يعكر على ذلك أنه سبحانه سماها سقفاً في قوله عز قائلاً: {أية : وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ }تفسير : [الطور: 5] لأن السقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفاً بالتقبيب، وأنت تعلم أن السمٰوات غير الأفلاك ومع هذا أقول باستدارة السمٰوات كما ذهب إليه بعض السلف، وبعض ظواهر الأخبار يقتضي أنها أنصاف كرات كل سماء نصف كرة كالقبة على أرض من الأرضين السبع وإليه ذهب الشيخ الأكبر وقال بالاستدارة لفلك المنازل دون السمٰوات السبع وادعى أن تحت الأرضين السبع التي على كل منها سماء ماء، وتحته هواء، وتحته ظلمة وعليه فليتأمل في كيفية سير الكوكب بعد غروبه حتى يطلع. ثم إن الفلاسفة الذاهبين إلى استدارة السماء تمسكوا في ذلك بأدلة أقربها على ما قيل دليلان، الأول أنا متى قصدنا عدة مساكن على خط واحد من عرض الأرض وحصلنا الكواكب المارة على سمت رأس في كل واحدة منها ثم اعتبرنا أبعاد ممرات تلك الكواكب في دائرة نصف النهار بعضها من بعض وجدناها على نسب المسافات الأرضية بين تلك المساكن، وكذلك وجدنا ارتفاع القطب فيها متفاضلاً بمثل تلك النسب فتحدب السماء في العرض مشابه لتحدب الأرض فيه لكن هذا التشابه موجود في كل خط من خطوط العرض وكذا في كل خط من خطوط الطول فسطح السماء بأسره مواز لسطح الظاهر من الأرض بأسره وهذا السطح مستدير حساً فكذا سطح السماء الموازي له. والثاني أن أصحاب الأرصاد دونوا في كتبهم مقادير اجرام الكواكب وأبعاد ما بينها في الأماكن المختلفة في وقت واحد كما في أنصاف نهار تلك الأماكن مثلاً متساوية وهذا يدل على تساوي أبعاد مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار المستلزم لتساوي أبعادها عن مركز العالم لاستدارة الأرض المستلزم لكون جرم السماء كرياً. ونوقش في هذا بأنه إنما يصح أن لو كان الفلك ساكناً والكوكب متحركاً إذ لو كان الفلك متحركاً جاز أن يكون مربعاً وتكون مساواة أبعاد مراكز الكواكب عن مناظر الأبصار وتساوي مقادير الأجرام للكواكب حاصلة، وفي الأول بأنه إنما يصح لو كان الاعتبار المذكور موجوداً في كل خط من خطوط الطول والعرض ولا يخفى جريان كل من المناقشتين في كل من الدليلين، ولهم غير ذلك من الأدلة مذكورة بما لها وعليها في مطولات كتبهم.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى ذكر الشمس والقمر في معرض الآيات الدالة على انفراده تعالى بالخلق والتدبير وعلى صفات إلهيته التي من متعلِّقاتها تعلق صفة القدرة بآية الشمس وسيرها، والقمر وسيره، وقد سمّاها بعض المتكلمين صفات الأفعال وكان الناس يعرفون تقارب الشمس والقمر فيما يراه الراءون، وكانوا يقدرون سيرهما بأسمات معلَّمة بعلامات نجومية تسمى بُروجاً بالنسبة لسير الشمس، وتسمى منازل بالنسبة لسير القمر، وكانوا يعلمون شدة قرب المنازل القمرية من البروج الشمسية فإن كل برج تسامته منزلتان أو ثلاث منازل، وبعض نجوم المنازل هي أجزاء من نجوم البروج، زادهم الله عبرة وتعليماً بأن للشمس سيراً لا يلاقي سير القمر، وللقمر سيراً لا يلاقي سير الشمس ولا يمر أحدهما بطرائق مسير الآخر وأن ما يتراءى للناس من مشاهدة الشمس والقمر في جو واحد وفي حجمين متقاربين، وما يتراءى لهم من تقارب نجوم بروج الشمس ونجوم منازل القمر، إن هو إلا من تخيلات الأبصار وتفاوت المقادير بين الأجرام والأبعاد. فالكرة العظيمة كالشمس تبدو مقاربة لكرة القمر في المرأى وإنما ذلك من تباعد الأبعاد فأبعاد فلك الشمس تفوق أبعاد فلك القمر بمئات الملايين من الأميال، حتى يلوح لنا حجم الشمس مقارباً لحجم القمر. فبين الله أنه نظم سير الشمس والقمر على نظام يستحيل معه اتصال إحدى الكرتين بالأخرى لشدة الأبعاد بين مداريهما. فمعنى: {لا الشَّمْسُ يَنْبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر} نفي انبغاء ذلك، أي نفي تأتِّيه، لأن انبغى مطاوع بغى الذي هو بمعنى طلب، فانبغى يفيد أن الشيء طُلب فحصل للذي طَلبه، يقال: بغاه فانبغَى له، فإثبات الانبغاء يفيد التمكن من الشيء فلا يقتضي وجوباً، ونفي الانبغاء يفيد نفي إمكانه ولذلك يكنى به عن الشيء المحظور. يقال: لا ينبغي لك كذا، ففرقٌ ما بين قولك: ينبغي أن لا تفعل كذا، وبين قولك: لا ينبغي لك أن تفعل كذا، قال تعالى: { أية : قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } تفسير : [الفرقان: 18] وتقدم قوله تعالى: { أية : وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً } تفسير : في سورة مريم (92)، ومنه قوله تعالى: { أية : وما علمناه الشعر وما ينبغي له } تفسير : [يس: 69] في هذه السورة. والإِدراك: اللحاق والوصول إلى البُغية فقوله: {أن تُدرك} فاعل {يَنْبَغِي} فأفاد الكلام نفي انبغاء إدراك الشمسِ القمرَ. والمعنى: نفي أن تصطَدم الشمس بالقمر، خلافاً لما يبدو من قرب منازلهما فإن ذلك من المسامتة لا من الاقتراب. وصوغ هذا بصيغة الإِخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي لإِفادة تقوّي حكم النفي فذلك أبلغ في الانتفاء مما لو قيل: لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر. وافتتاح الجملة بحرف النفي قبل ذكر الفعل المنفي ليكون النفي متقرراً في ذهن السامع أقوى مما لو قيل: الشمسُ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، فكان في قوله: {لا الشَّمْسُ ينبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر} خُصوصيتان. ولمَّا ذكر الشمس والقمر وكانت الشمس مقارنة للنهار في مخيلات البشر، وكان القمر مقارناً لليل، وكان في نظام الليل والنهار منافع للناس اعترض بذكر نظام الشمس والقمر أثناء الاعتبار بنظام الليل والنهار. ومعنى: {ولاَ الليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أن الليل ليس بمفلتٍ للنهار، فالسبق بمعنى التخلص والنجاة، كقول مُرة بن عَدَّاء الفقعسي: شعر : كأنَّكَ لم تَسبَقْ من الدهر مَرَّةً إذا أنتَ أدركت الذي كنتَ تطلب تفسير : وقولِه تعالى: { أية : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } تفسير : في سورة العنكبوت (4)، والمعنى: أن انسلاخ النهار على الليل أمر مسخّر لا قبل لليل أن يتخلف عنه. ولا يستقيم تفسير السبق هنا بمعناه المشهور وهو الأوَّلية بالسير لأن ذلك لا يُتصور في تداول الليل والنهار، ولا أن يكون المراد بالسبق ابتداءَ التكوين إذ لا يتعلق بذلك غرض مهم في الآية، على أن الشأن أن تكون الظلمة أسبق في التكوين. والغرض التذكير بنعمة الليل ونعمة النهار فإن لكليهما فوائد للناس فلو تخلص أحدهما من الآخرِ فاستقرّ في الأفق لتعطلت منافع جمّة من حياة الناس والحيوان. وفي الكلام اكتفاء، أي لأن التقدير: ولا القمرُ يدرك الشمسَ، ولا النهارُ سابق الليل. وقوله: {وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} عطف على جملة {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر}. والواو عاطفة ترجيحاً لِجانب الإِخبار بهذه الحقيقة على جانب التذييل، وإلا فحقّ التذييل الفصل. وما أضيف إليه {كلّ} محذوف، وتنوين {كل} تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوفِ، فالتقدير: وكلّ الكواكب. وزيدت قرينة السياق تأكيداً بضمير الجمع في قوله: {يَسْبَحُونَ} مع أن المذكور من قبل شيئان لا أشياء، وبهذا التعميم صارت الجملة في معنى التذييل. والفَلَك: الدائرة المفروضة في الخلاء الجوّي لسير أحد الكواكب سيراً مطّرداً لا يحيد عنه، فإن أهل الأرصاد الأقدمين لما رصدوا تلك المدارات وجدوها لا تتغير ووجدوا نهايتها تتصل بمبتداها فتوهموها طرائق مستديرة تسير فيها الكواكب كما تتقلب الكرة على الأرض وربما توسعوا في التوهم فظنوها طرائق صلبة ترتكز عليها الكواكب في سيرها وبعض الأمم يتوهمون الشمس في سيرها مجرورة بسلاسل وكلاليب وكان ذلك في معتقد القبط بمصر. وسمّى العرب تلك الطرائق أفلاكاً واحدها فَلَك اشتقوا له اسماً من اسم فَلْكَة المِغْزَل، وهي عُود في أعلاه خشبة مستديرة متبطحة مثل التفاحة الكبيرة تلفُّ المرأة عليها خيوط غزلها التي تفتلها لتديرها بكفّيها، فتلتف عليها خيوط الغزل، فتوهموا الفلك جسماً كُرويا وتوهموا الكواكب موضوعة عليه تدور بدورته ولذلك قدروا الزمان بأنه حركة الفَلَك. وسمّوا ما بين مبدأ المُدّتين حتى ينتهي إلى حيث ابتدأ دورة الفلك. ولكن القرآن جاراهم في الاسم اللغوي لأن ذلك مبلغ اللغة وأصلح لهم ما توهموا بقوله: {يَسْبَحُونَ}، فبطل أن تكون أجرام الكواكب ملتصقة بأفلاكها ولزم من كونها سابحة أن طرائق سيرها دوائر وهمية لأن السبح هنا سبح في الهواء لا في الماء، والهواء لا تخطط فيه الخطوط ولا الأخاديد. وجيء بضمير {يَسْبَحُونَ} ضمير جمع مع أن المتقدم ذِكره شيئان هما الشمس والقمر لأن المراد إفادة تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الكواكب وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن. وجملة {كل في فلك}فيها محسن الطرد والعكس فإنها تقرأ من آخرها كما تقرأ من أولها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 40- لا الشمس يتأتى لها أن تخرج على نواميسها فتلحق القمر وتدخل فى مداره، ولا الليل يتأتى له أن يغلب النهار ويحول دون مجيئه، بل هما متعاقبان. وكل من الشمس والقمر وغيرهما يسبح فى فلك لا يخرج عنه. 41- وآية أخرى لهم أنا حملنا بنى الإنسان فى السفن المملوءة بهم وبأمتعتهم وأرزاقهم. 42- وخلقنا لهم من مثل الفلك ما يركبونه كذلك. 43- وإن نُرد إغراقهم بما كسبوا نُغرقهم، - فليس لهم مغيث، ولا هم ينجون من الهلاك. 44- لكنا لا نغرقهم رحمة منا بهم، ولنمتعهم إلى أجل مقدر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلُ} َ(40) - لاَ يَتَأَتَّى لِلشَّمْسِ، وَلاَ يَسْهُلُ عَلَيْهَا (لاَ يَنْبَغِي لَهَا) أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ فِي مَسِيرَتِهِ، لأَِنَّ لِكُلِّ مِنْهُمَا مَسَاراً مُسْتَقِلا، وَهُمَا مَسَارَانِ مُتَبَاعِدَانِ لاَ مَجَالَ لاِلتِقَائِهِمَا، وَلِذَلِكَ فَلاَ مَجَالَ لِلقَوْلِ إِن الليلَ سَابِقٌ لِلنَّهَارِ، أَوْ إِنَّ النَّهَارَ سَابِقٌ لِليلِ، وَكُلِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ وَغَيرِهِمَا يَسْبَحُ فِي الفَضَاءِ فِي فَلَكٍ لاَ يَخْرُجُ عَنْهُ أبداً. يَسْبَحُونَ - يَسِيرُونَ أَوْ يَدُورُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لا يقال: فلان لا يدرك فلاناً إلا إذا كان سابقه، كذلك الشمس لا تدرك القمر؛ لأنه كما قُلْنا سابقها وأسرع منها؛ لأنه يقطع دورته في شهر، وتقطع الشمس دورتها في سنة. كذلك: {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} [يس: 40] الليل والنهار هما الزمن الناشىء عن حركة الشمس والقمر، فالنهار ابن الشمس، والليل ابن القمر، وفي هذه الآية نَفْيَان، نفي لأنْ تدرك الشمسُ القمرَ فضلاً عن أنْ تسبقه، ونفي لأنْ يسبق الليلُ النهارَ، فإذا كانت الشمس لا تدرك القمر، فليس معنى هذا أن يسبق الليلُ ابن القمر النهارَ ابن الشمس. إذن: إياك أنْ تقول إن الليل يسبق النهار؛ لأن هذه آيات كونية أرادها الخالق سبحانه. والحق سبحانه حينما يتكلم في قضية قد تقف فيها العقول يأتي لها بالرمزية بحيث يستطيع العاقل المفكر الذي يقرأ الأساليب ويُدقِّقها أنْ يصل إلى مطلوب الله فيها، أما مَنْ حُرِم هذا الاستعداد فيمرُّ عليها مروراً عابراً لا يصل منه إلى شيء. ونقول في هذه المسألة الكونية: صحيح القمر يسبق الشمس، لكن الليل لا يسبق النهار، وتأمل العلاج بالأساليب. والحق سبحانه إذا قال: {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} [يس: 40] فإنه سبحانه لا يقول ذلك إلا إذا كان هناك معتقد بأن الليلَ يسبق النهارَ، فأراد سبحانه أنْ يُصحِّح لهم هذا الاعتقاد، فنفى أنْ يسبق الليل النهار {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} [يس: 40] وهذا يعني أن عندي قضية هي: ولا النهار يسبق الليل. إذن: المحصلة لا الليلُ يسبق النهارَ، ولا النهارُ يسبق الليلَ، فالقضية التي أثبتوها أراد الله نفيها والقضية التي نفوْهَا تركها على حالها. لكن، كيف يتأتَّى لهم هذا الفهم؟ قالوا: ظنوا أن الليل يسبق النهار، لأن اليوم يثبت بالليل لا بالنهار، ففي صيام رمضان مثلاً يثبت بداية اليوم من الليل، فلما كان ذلك ظنوا أن الليلَ يسبق النهارَ، إذن: عندهم قضية مقطوع بها، هي أن النهار لا يسبق الليل، وهذه لم يتعرض لها القرآن وتركها كما هي، أما القضية المخالفة للآية الكونية فصححها لهم {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} [يس: 40]. إذن: نحن أمام لغز يقول: الليل لا يسبق النهار، والنهار لا يسبق الليل، كيف؟ قالوا: لو أن الله تعالى خلق الأرض مسطوحة مواجهة للشمس لكان النهار أولاً، ثم تغيب الشمس فيحلُّ الليل، أما لو كانت الأرض غير مواجهة للشمس لكان الليل أولاً يعقبه النهار، لكن الحقيقة أن الله تعالى خلق الأرض على هيئة كروية بحيث لا أسبقيةَ لليل على نهار، ولا لنهار على ليل لأنهما وُجِدا معاً في لحظة واحدة؛ لأن الأرض مُكوَّرة، فما واجه منها الشمسَ كان نهاراً، وما غابتْ عنه الشمس كان ليلاً. لذلك حلَّتْ لنا هذه الآية مشكلة طال الجدال حولها هي: كروية الأرض. وقوله سبحانه: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] يسبحون من السبح، وهو قَطْع المسافة على ماء لين، فهي حركة فيها انسيابية، ليست على أرض تدبّ عليها الأقدام، وهذا مثال لحركة الأفلاك، وهذه الحركة السبحية يكون كل جزء منها مُوزَّعاً على جزء من الزمن. وهذه الحركة ليس لدينا المقاييس التي ندركها بها، إنما نعرفها من جملة الزمن مع جملة الحركة، فمثلاً لو وُلد لك مولود وجلستَ ترقبه وتلاحظ نموه، فإنك لا تلاحظ هذا النمو، ولا يكبر الولد في عين أبيه أبداً، لماذا؟ لأن نموه لا يأتي قفزةً واحدة يمكن ملاحظتها، إنما يُوزَّع النمو على الزمن، لكن إذا غِبْتَ عن ولدك عدة شهور أو سنوات فإنك تلاحظ نموه حين تعود وتراه؛ لأنك تلاحظ مجموع النمو طوال فترة غيابك عنه. فمعنى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] يعني: يسيرون سيراً انسيابياً متتابعاً يُوزَّع على الزمن. ثم يقول الحق سبحانه: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن الأَسود: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ}. قال: يقول: لا يسبق واحدهما ضوءَ الآخر. ولا ينبغي لهما ذلك. {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} [الآية: 40]. يقول يطالبان حثيثين ينسلخ أَحدهما من الآخر، ويجري كل واحد منهما {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الآية: 40]. يعني: يجرون. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [الآية: 42]. قال: يعني من الأَنعام ما يركبون. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} [الآية: 45]. يعني: من الذنوب.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} معناه يَعلو ضَوءُ هذا على هذا. وقوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يَجْرُونَ والفَلكُ: القُطبُ الذي تدور عليه السماء. وقال الفَلكُ: السَّماءُ!.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 799 : 10 : 9 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال، لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر. يعني أن الليل والنهار لا يجتمعان. قال {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} قال، لا ينبغي لليل أن يدرك ضوء النهار. [الآية 40].

همام الصنعاني

تفسير : 2481- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ}: [الآية: 40]، قال: ذَلِك ليلة الهِلاَل. 2482- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وبلغني عن عِكْرِمة قال: لكل واحد منهما سُلْطانُ قال: فلا ينبغي للشمس، أن تطلع بالليل {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ}: [الآية: 40]، يقول لاَ ينبغي إذا كَانَ اللَّيلُ أن يكون ليل آخر حتى يكون النَّهارُ، يعني سلطان الشمس بالنهار، وللقمر سلطان بالليل. 2483- قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}: [الآية: 40]، قال: كل شيء يدور فهو فلك. 2484- قال معمر، ثم سألت قتادة عَنْهَا، فقال: فلك السَّمَاءِ كما رأيت.