Verse. 3746 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَاٰيَۃٌ لَّہُمْ اَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّــتَہُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُوْنِ۝۴۱ۙ
Waayatun lahum anna hamalna thurriyyatahum fee alfulki almashhooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وآية لهم» على قدرتنا «أنا حملنا ذريتهم» وفي قراءة ذرياتهم، أي آباءهم الأصول «في الفلك» أي سفينة نوح «المشحون» المملوء.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : ولها مناسبة مع ما تقدم من وجهين أحدهما: أنه تعالى لما من بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر بل جعل للإنسان طريقاً يتخذ من البحر خيراً ويتوسطه أو يسير فيه كما يسير في البر وهذا حينئذٍ كقوله: {أية : وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِي ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [الإسراء: 70] ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } تفسير : [يس: 42] إذا فسرناه بأن المراد الإبل فإنها كسفن البراري وثانيهما: هو أنه تعالى لما بين سباحة الكواكب في الأفلاك وذكر ما هو مثله وهو سباحة الفلك في البحار، ولها وجه ثالث: وهي أن الأمور التي أنعم الله بها على عباده منها ضرورية ومنها نافعة والأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش والليل والنهار في قوله: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ } تفسير : [يس: 37] أيضاً من القبيل الأول، لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان، والشمس والقمر وحركتهما لو لم تكن لما عاش، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول آيتين ذكر من القبيل الثاني وهوالزينة آيتين إحداهما: الفلك التي تجري في البحر فيستخرج من البحر ما يتزين به كما قال تعالى: {أية : وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فيه مواخر } تفسير : [فاطر: 12] وثانيتهما: الدواب التي هي في البر كالفلك في البحر في قوله: {أية : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } تفسير : [يس: 42] فإن الدواب زينة كما قال تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لتركبوها وزينة } تفسير : [النحل: 8] وقال: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } تفسير : [النحل: 6] فيكون استدلالاً عليهم بالضروري والنافع لا يقال بأن النافع ذكره في قوله: {أية : جَنَّـٰتٍ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ } تفسير : [يس: 34] فإنها للزينة لأنا نقول ذلك حصل تبعاً للضروري، لأن الله تعالى لما خلق الأرض منبتة لدفع الضرورة وأنزل الماء عليها كذلك لزم أن يخرج من الجنة النخيل والأعناب بقدرة الله، وأما الفلك فمقصود لا تبع، ثم إذا علمت المناسبة ففي الآيات أبحاث لغوية ومعنوية: أما اللغوية: قال المفسرون الذرية هم الآباء أي حملنا آباءكم في الفلك والألف واللام للتعريف أي فلك نوح وهو مذكور في قوله: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ } تفسير : [هود: 37] ومعلوم عند العرب فقال الفلك، هذا قول بعضهم، وأما الأكثرون فعلى أن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فلا بد من بيان المعنى، فنقول الفلك إما أن يكون المراد الفلك المعين الذي كان لنوح، وإما أن يكون المراد الجنس كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ } تفسير : [الزخرف: 12] وقال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } تفسير : [فاطر: 12] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ } تفسير : [العنكبوت: 65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان المراد سفينة نوح عليه السلام ففيه وجوه الأول: أن المراد إنا حملنا أولادكم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله: {حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } بدل قوله: حملناهم إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة، هذا ما قاله الزمخشري، ويحتمل عندي أن يقال على هذا إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر، لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } أي لم يكن الحمل حملاً لهم، وإنما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كما أن من حمل صندوقاً لا قيمة له وفيه جواهر إذا قيل له لم تحمل هذا الصندوق وتتعب في حمله وهو لا يشتري بشيء؟ يقول: لا أحمل الصندوق وإنما أحمل ما فيه الثاني: هو أن المراد بالذرية الجنس معناه حملنا أجناسهم وذلك لأن ولد الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولهذا يطلق على النساء نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الذراري، أي النساء وذلك لأن المرأة وإن كانت صنفاً غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال ذرارينا أي أمثالنا فقوله: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } أي أمثالهم وآباؤهم حينئذٍ تدخل فيهم الثالث: هو أن الضمير في قوله: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ } عائد إلى العباد حيث قال: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } تفسير : [يس: 30] وقال بعد ذلك: {أية : وءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [يس: 33] وقال: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ} تفسير : [يس: 37] {وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } إذا علم هذا فكأنه تعالى قال: وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً معينين كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] ويريد بعضكم بعضاً، وكذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال، يقال هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم، فهم في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً معينين، بل المراد أن بعضهم قتل بعضاً، فكذلك قوله تعالى: {وَءايَةٌ لَّهُمُ } أي آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم، أو ذرية بعض منهم. وأما إن قلنا إن المراد جنس الفلك فهو أظهر، لأن سفينة نوح لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها، فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد، وقوله تعالى في سفينة نوح: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا ءايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها، ويؤيده قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لّكُلّ صبّار شكور } تفسير : [لقمان: 31] فنقول قوله تعالى: {حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم، لأن سكون الأرض عام لكل أحد يسكنها فقال: {وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلاْرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } إلى أن قال: {أية : فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } تفسير : [يس: 33] لأن الأكل عام، وأما الحمل في السفينة فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يحمل فيها، ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإن فيهم من يحتاج إليها فيحمل فيها. المسألة الثانية: جعل الفلك تارة جمعاً حيث قال: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } تفسير : [فاطر: 12] جمع ماخرة وأخرى فرداً حيث قال: {فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } نقول فيه تدقيق مليح من علم اللغة، وهو أن الكلمة قد تكون حركتها مثل حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفتان في المعنى مثالها قولك: سجد يسجد سجوداً للمصدر وهم قوم سجود في جمع ساجد، تظن أنهما كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك، بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق من الواحد، وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حركة أو حرف أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع غيرناه، وجئناه بلفظ السجود، فإذاً السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحداً مثل قفل وبرد، وعند كونها جمعاً مثل خشب ومرد وغيرهما، فإن قلت فإذا جعلته جمعاً ماذا يكون واحدها؟ نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النساء حيث لم يستعمل، وكذا القول في: {أية : إِمَامٍ مُّبِينٍ } تفسير : [يس: 12] وفي قوله: {أية : نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } تفسير : [الإسراء: 71] أي بأئمتهم عند قوله تعالى: {إِمَامٍ مُّبِينٍ } إما كزمام وكتاب وعند قوله تعالى: {كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } إمام كسهام وكرام وجعاب وهذا من دقيق التصريف وأما المعنوية: فنذكرها في مسائل: المسألة الأولى: قال ههنا: {حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } من عليهم بحمل ذريتهم، وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَاء حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ } تفسير : [الحاقة: 11] من هناك عليهم بحمل أنفسهم، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر على المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه، فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم، وههنا أراد بيان المنافع فقال: {حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } لأن النفع حاصل بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال: {فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة، وأما دفع المضرة فلا، لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن، فإن قيل قال تعالى: {أية : وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [الإسراء: 70] ولم يقل: وحملنا ذريتهم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة، لا دفع النقمة، نقول لما قال: {فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } عم الخلق، لأن ما من أحد إلا وحمل في البر أو البحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم، فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. المسألة الثانية: قوله: {ٱلْمَشْحُونِ } يفيد فائدة أخرى غير ما ذكرنا وهي أن الآدمي يرسب في الماء ويغرق، فحمله في الفلك واقع بقدرته، لكن من الطبيعيين من يقول الخفيف لا يرسب في الماء، لأن الخفيف يطلب جهة فوق فقال: {ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } أثقل من الثقال التي ترسب، ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله، فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء نقول قد ذكرنا الدلائل الدالة على جواز الخلاء في الكتب العقلية، فإذن ليس حفظ الثقيل فوق الماء إلا بإرادة الله. المسألة الثالثة: قال تعالى: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [يس: 33] وقال: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ } تفسير : [يس: 37] ولم يقل وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم، وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب. أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ} يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم؛ لأن في الآيات ٱعتباراً. الثاني نعمة عليهم؛ لأن في الآيات إنعاماً. الثالث إنذار لهم؛ لأن في الآيات إنذاراً. {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} من أشكل ما في السورة؛ لأنهم هم المحمولون. فقيل: المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية «فيِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» فالضميران مختلفان؛ ذكره المهدوي. وحكاه النحاس عن عليّ بن سليمان أنه سمعه يقوله. وقيل: الضميران جميعاً لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم؛ فالفلك على القول الأوّل سفينة نوح. وعلى الثاني يكون ٱسماً للجنس؛ خبّر جل وعز بلطفه وٱمتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء، فيكون الضميران على هذا متفقين. وقيل: الذرية الآباء والأجداد، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام؛ فالآباء ذرية والأبناء ذرية؛ بدليل هذه الآية؛ قاله أبو عثمان. وسمّي الآباء ذرية؛ لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول رابع: أن الذرية النُّطَف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهاً بالفلك المشحون؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ذكره الماوردي. وقد مضى في «البقرة» ٱشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفًى. و «الْمَشْحُون» المملوء الموقَر، و «الْفُلْك» يكون واحداً وجمعاً. وقد تقدّم في «يونس» القول فيه. قوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } والأصل يركبونه فحذفت الهاء لطول الاسم وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وروي عن ٱبن عباس أن معنى «مِنْ مِثْلِهِ» للإبل، خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر؛ والعرب تشبه الإبل بالسفن. قال طرفة:شعر : كأنّ حُدُوجَ المالكيةِ غُدوةً خَلاَيَا سفِينٍ بالنواصِفِ مِن دَدِ تفسير : جمع خلّية وهي السفينة العظيمة. والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والقول الثالث أنه للسفن؛ النحاس: وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن ٱبن عباس. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } قال: خلق لهم سفناً أمثالها يركبون فيها. وقال أبو مالك: إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار؛ وروي عن ٱبن عباس والحسن. وقال الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قال الماورديّ: ويجيء على مقتضى تأويل علي رضي الله عنه في أن الذرّية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء قول خامس في قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكياً. قوله تعالى: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} أي في البحر فترجع الكناية إلى أصحاب الذرية، أو إلى الجميع، وهذا يدلّ على صحة قول ابن عباس ومن قال: إن المراد «مِنْ مِثْلِهِ» السفن لا الإبل. {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة. وروى شيبان عنه: فلا منعة لهم ومعناهما متقاربان. و «صَرِيَخ» بمعنى مُصرِخ فعيل بمعنى فاعل. ويجوز {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ}؛ لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأنه معرفة وهو {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} والنحويون يختارون لا رجل في الدار ولا زيد. ومعنى: «يُنْقَذُونَ» يخلصون من الغرق. وقيل: من العذاب. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء. وقال الزجاج: نصب مفعولٍ من أجله؛ أي للرحمة {وَمَتَاعاً} معطوف عليه. {إِلَىٰ حِينٍ} إلى الموت؛ قاله قتادة. يحيى بن سّلام: إلى القيامة أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة، وأخّر عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإن كذبوه إلى الموت والقيامة.

ابن كثير

تفسير : يقول تبارك وتعالى: ودلالة لهم أيضاً على قدرته تبارك وتعالى تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك بل أوله سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام غيرهم، ولهذا قال عز وجل: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} أي: آباءهم {فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أي: في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات، التي أمره الله تبارك وتعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المشحون: الموقر، وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي. وقال الضحاك وقتادة وابن زيد: وهي سفينة نوح عليه الصلاة والسلام. وقوله جل وعلا: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بذلك: الإبل، فإنها سفن البر، يحملون عليها ويركبونها، وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية، وعبد الله بن شداد وغيرهم. وقال السدي في رواية: هي الأنعام. وقال ابن جرير: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أتدرون ما قوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ}؟ قلنا: لا، قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح عليه الصلاة والسلام على مثلها، وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضاً المراد بقوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} أي: السفن، ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 11 ــــ 12]. وقوله عز وجل: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} يعني: الذين في السفن، {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي: لا مغيث لهم مما هم فيه{وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} أي: مما أصابهم {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} وهذا استثناء منقطع تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونسلمكم إلى أجل مسمى، ولهذا قال تعالى: {وَمَتَـٰعاً إِلَىٰ حِينٍ} أي: إلى وقت معلوم عند الله عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَءَايَةٌ لَّهُمُ } على قدرتنا {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } وفي قراءة «ذرياتهم» أي آبائهم الأصول{فِى ٱلْفُلْكِ } أي سفينة نوح {ٱلْمَشْحُونِ } المملوء.

الشوكاني

تفسير : ثم ذكر سبحانه وتعالى نوعاً آخر مما امتنّ به على عباده من النعم، فقال: {وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } أي دلالة وعلامة، وقيل: معنى {آية} هنا: العبرة، وقيل: النعمة، وقيل: النذارة. وقد اختلف في معنى {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} وإلى من يرجع الضمير، لأن الضمير الأوّل، وهو قوله: {وَءايَةٌ لَّهُمُ } لأهل مكة، أو لكفار العرب، أو للكفار على الإطلاق الكائنين في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل: الضمير يرجع إلى القرون الماضية، والمعنى: أن الله حمل ذرّيّة القرون الماضية في الفلك المشحون، فالضميران مختلفان. وهذا حكاه النحاس عن عليّ بن سليمان الأخفش. وقيل: الضميران لكفار مكة، ونحوهم. والمعنى: أن الله حمل ذرّيّاتهم من أولادهم، وضعفائهم على الفلك، فامتنّ الله عليهم بذلك: أي: إنهم يحملونهم معهم في السفن إذا سافروا، أو يبعثون أولادهم للتجارة لهم فيها. وقيل: الذرّيّة: الآباء والأجداد، والفلك هو: سفينة نوح، أي: إن الله حمل آباء هؤلاء، وأجدادهم في سفينة نوح. قال الواحدي: والذرّيّة تقع على الآباء كما تقع على الأولاد. قال أبو عثمان: وسمي الآباء ذرية، لأن منهم ذرء الأبناء، وقيل: الذرّية النطف الكائنة في بطون النساء، وشبه البطون بالفلك المشحون، والراجح: القول الثاني، ثم الأوّل، ثم الثالث، وأما الرابع ففي غاية البعد، والنكارة. وقد تقدّم الكلام في الذرية، واشتقاقها في سورة البقرة مستوفي، والمشحون: المملوء الموقر، والفلك يطلق على الواحد والجمع كما تقدّم في يونس، وارتفاع آية على أنها خبر مقدّم، والمبتدأ {أنا حملنا}، أو العكس على ما قدّمنا. وقيل: إن الضمير في قوله: {وَءايَةٌ لَّهُمُ } يرجع إلى العباد المذكورين في قوله: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } تفسير : [يسۤ: 30]؛ لأنه قال بعد ذلك: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [يسۤ: 33]، وقال: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ } تفسير : [يسۤ: 37]. ثم قال: {وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ}، فكأنه قال: وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد، ولا يلزم أن يكون المراد بأحد الضميرين: البعض منهم، وبالضمير: الآخر البعض الآخر، وهذا قول حسن. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } أي: وخلقنا لهم مما يماثل الفلك ما يركبونه على أن ما هي: الموصولة. قال مجاهد، وقتادة، وجماعة من أهل التفسير: وهي: الإبل خلقها لهم للركوب في البرّ مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تسمي الإبل سفائن البرّ، وقيل: المعنى: وخلقنا لهم سفناً أمثال تلك السفن يركبونها، قاله الحسن، والضحاك، وأبو مالك. قال النحاس: وهذا أصحّ؛ لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس، وقيل: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } هذا من تمام الآية التي امتنّ الله بها عليهم، ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم في لجج البحار مع قدرته على ذلك، والضمير يرجع إما إلى أصحاب الذرية، أو إلى الذرية، أو إلى الجميع على اختلاف الأقوال، والصريخ بمعنى: المصرخ، والمصرخ هو: المغيث: أي: فلا مغيث لهم يغيثهم إن شئنا إغراقهم، وقيل: هو المنعة. ومعنى {ينقذون}: يخلصون، يقال: أنقذه، واستنقذه، إذا خلصه من مكروه {إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } استثناء مفرّغ من أعمّ العلل: أي: لا صريخ لهم، ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلاّ لرحمة منا، كذا قال الكسائي، والزجاج، وغيرهما، وقيل: هو استثناء منقطع: أي: لكن لرحمة منا. وقيل هو منصوب على المصدرية بفعل مقدّر {و} انتصاب {مَّتَـٰعًا } على العطف على رحمة: أي: نمتعهم بالحياة الدنيا {إِلَىٰ حِينٍ } وهو: الموت، قاله قتادة. وقال يحيـى بن سلام: إلى القيامة. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } أي: ما بين أيديكم من الآفات، والنوازل، فإنها محيطة بكم، وما خلفكم منها. قال قتادة: معنى {ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } أي: من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم {وَمَا خَلْفَكُمْ } في الآخرة. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } ما مضى من الذنوب {وَمَا خَلْفَكُمْ } ما بقي منها. وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ }: الدنيا {وَمَا خَلْفَكُمْ }: الآخرة، قاله سفيان. وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس. وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } ما ظهر لكم {وَمَا خَلْفَكُمْ } ما خفي عنكم، وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا كما يدلّ عليه {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي: رجاء أن ترحموا، أو كي ترحموا، أو راجين أن ترحموا {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } "ما" هي النافية، وصيغة المضارع للدلالة على التجدّد، ومن الأولى مزيدة للتوكيد، والثانية للتبعيض: والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال إلاّ كانوا عنها معرضين. وظاهره يشمل الآيات التنزيلية، والآيات التكوينية، وجملة {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } في محلّ نصب على الحال كما مرّ تقريره في غير موضع. والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها، وترك النظر الصحيح فيها، وهذه الآية متعلقة بقوله: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: إذا جاءتهم الرسل كذّبوا. وإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله } أي: تصدّقوا على الفقراء مما أعطاكم الله، وأنعم به عليكم من الأموال، قال الحسن: يعني: اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: أنفقوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلُواْ للهِ ٱللَّهُ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً } تفسير : [الأنعام: 136]، فكان جوابهم ما حكاه الله عنهم بقوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } استهزاءً بهم، وتهكماً بقولهم: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } أي: من لو يشاء الله رزقه، وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون: إن الرّزّاق هو: الله، وأنه يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين، وقالوا: نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا غلط منهم، ومكابرة، ومجادلة بالباطل، فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه، وأفقر بعضاً، وأمر الغنيّ أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة. وقولهم: {مَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } هو وإن كان كلاماً صحيحاً في نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، أو إنكار جواز الأمر بالانفاق مع قدرة الله كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلاً. وقوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } من تمام كلام الكفار. والمعنى: إنكم أيها المسلمون في سؤال المال، وأمرنا بإطعام الفقراء لفي ضلال في غاية الوضوح والظهور. وقيل: هو من كلام الله سبحانه جواباً على هذه المقالة التي قالها الكفار. وقال القشيري، والماوردي: إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة. وقد كان في كفار قريش وغيرهم من سائر العرب، قوم يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع، فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين، ومناقضة لهم. وحكى نحو هذا القرطبي عن ابن عباس. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } الذي تعدونا به من العذاب، والقيامة، والمصير إلى الجنة أو النار. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تقولون، وتعدونا به. قالوا ذلك استهزاء منهم، وسخرية بالمؤمنين. ومقصودهم إنكار ذلك بالمرّة، ونفي تحققه، وجحد وقوعه، فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } أي: ما ينتظرون إلاّ صيحة واحدة، وهي: نفخة إسرافيل في الصور {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } أي: يختصمون في ذات بينهم في البيع، والشراء، ونحوهما من أمور الدنيا، وهذه هي النفخة الأولى، وهي: نفخة الصعق. وقد اختلف القراء في {يخصّمون}، فقرأ حمزة بسكون الخاء، وتخفيف الصاد من خصم يخصم، والمعنى: يخصم بعضهم بعضاً، فالمفعول محذوف. وقرأ أبو عمرو، وقالون بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. وقرأ نافع، وابن كثير، وهشام كذلك إلا أنهم أخلصوا فتحة الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء، وتشديد الصاد. والأصل في القراءات الثلاث يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد، فنافع، وابن كثير، وهشام نقلوا فتحة التاء إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو، وقالون اختلسا حركتها تنبيهاً على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها، فالتقى ساكنان، فكسروا أوّلهما. وروي عن أبي عمرو، وقالون: أنهما قرءا بتسكين الخاء، وتشديد الصاد، وهي قراءة مشكلة لاجتماع ساكنين فيها. وقرأ أبيّ "يختصمون" على ما هو الأصل. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } أي: لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما له، وما عليه، أو لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة، والإقلاع عن المعاصي، بل يموتون في أسواقهم، ومواضعهم {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } أي: إلى منازلهم التي ماتوا خارجين عنها. وقيل: المعنى: لا يرجعون إلى أهلهم قولاً، وهذا إخبار عما ينزل بهم عند النفخة الأولى. ثم أخبر سبحانه عما ينزل بهم عند النفخة الثانية، فقال: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } وهي: النفخة التي يبعثون بها من قبورهم، ولهذا قال: {فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ } أي: القبور {إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } أي: يسرعون، وبين النفختين أربعون سنة. وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي حيث قال: {ونفخ} تنبيهاً على تحقق وقوعه كما ذكره أهل البيان، وجعلوا هذه الآية مثالاً له، والصور بإسكان الواو: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، كما وردت بذلك السنة، وإطلاق هذا الاسم على القرن معروف في لغة العرب، ومنه قول الشاعر:شعر : نحن نطحناهم غداة الغورين نطحاً شديداً لا كنطح الصورين تفسير : أي: القرنين. وقد مضى هذا مستوفى في سورة الأنعام. وقال قتادة: الصور جمع صورة، أي: نفخ في الصور الأرواح، والأجداث جمع جدث، وهو: القبر. وقرىء «الأجداف» بالفاء، وهي لغة، واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة، والنسل، والنسلان: الإسراع في السير، يقال: نسل ينسل كضرب يضرب، ويقال: ينسل بالضم، ومنه قول امرىء القيس:شعر : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل تفسير : وقول الآخر:شعر : عسلان الذيب أمسى قارنا برد الليل عليه فنسل تفسير : {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } أي: قالوا عند بعثهم من القبور بالنفخة: يا ويلنا: نادوا ويلهم، كأنهم قالوا له احضر، فهذا أوان حضورك، وهؤلاء القائلون هم: الكفار. قال ابن الأنباري: الوقف على {يا ويلنا} وقف حسن. ثم يبتدىء الكلام بقوله: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } ظنوا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول، وما داخلهم من الفزع أنهم كانوا نياماً. قرأ الجمهور {يا ويلنا}، وقرأ ابن أبي ليلى "يا ويلتنا" بزيادة التاء. وقرأ الجمهور {من بعثنا} بفتح ميم "من" على الاستفهام. وقرأ ابن عباس، والضحاك، وأبو نهيك بكسر الميم على أنها حرف جرّ، ورويت هذه القراءة عن عليّ بن أبي طالب. وعلى هذه القراءة تكون "من" متعلقة بالويل، وقرأ الجمهور {من بعثنا}. وفي قراءة أبيّ "من أهبنا" من هبّ نومه: إذا انتبه، وأنشد ثعلب على هذه القراءة:شعر : وعاذلة هبت بليل تلومني ولم يعتمدني قبل ذاك عذول تفسير : وقيل: إنهم يقولون ذلك إذا عاينوا جهنم. وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور، وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية، وجملة {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } جواب عليهم من جهة الملائكة، أومن جهة المؤمنين. وقيل: هو من كلام الكفرة يجيب به بعضهم على بعض. قال بالأوّل الفراء، وبالثاني مجاهد. وقال قتادة: هي من قول الله سبحانه، و «ما» في قوله: {مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ } موصولة، وعائدها محذوف والمعنى: هذا الذي وعده الرحمن، وصدق فيه المرسلون قد حق عليكم، ونزل بكم، ومفعولا الوعد والصدق محذوفان أي: وعدكموه الرحمٰن، وصدقكموه المرسلون، والأصل وعدكم به، وصدقكم فيه، أو وعدناه الرحمٰن، وصدقناه المرسلون على أن هذا من قول المؤمنين، أو من قول الكفار {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } أي: ما كانت تلك النفخة المذكورة إلاّ صيحة واحدة صاحها إسرافيل بنفخه في الصور {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } أي: فإذا هم مجموعون محضرون لدينا بسرعة للحساب، والعقاب {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ } من النفوس {شَيْئاً } مما تستحقه أي: لا ينقص من ثواب عملها شيئاً من النقص، ولا تظلم فيه بنوع من أنواع الظلم {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: إلاّ جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا، أو إلاّ بما كنتم تعملونه أي: بسببه، أو في مقابلته. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية قال: في سفينة نوح حمل فيها من كلّ زوجين اثنين {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } قال: السفن التي في البحر والأنهار التي يركب الناس فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: يعني: الإبل خلقها الله كما رأيت، فهي: سفن البرّ يحملون عليها، ويركبونها. ومثله عن الحسن، وعكرمة، وعبد الله بن شدّاد، ومجاهد. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } الآية قال: تقوم الساعة، والناس في أسواقهم يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم، {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ }، وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن الزبير بن العوّام قال: إن الساعة تقوم، والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها»تفسير : . وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب في قوله: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } قال: ينامون قبل البعث نومة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وآية لهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عبرة لهم لأن في الآيات اعتباراً. الثاني: نعمة عليهم لأن في الآيات إنعاماً. الثالث: إنذار لهم لأن في الآيات إنذاراً. {أنَّا حَملْنا ذُرّيتَهم في الفلك المشحون} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذرية الآباء حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام، قاله أبان بن عثمان، وسمى الآباء ذرية لأن منهم ذرء الأبناء. الثاني: أن الذرية الأبناء والنساء لأنهم ذرء الآباء حملوا في السفن، والفلك هي السفن الكبار، قاله السدي. الثالث: أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهاً بالفلك المشحون، قاله عليّ رضي الله عنه. وفي {المشحون} قولان: أحدهما: الموقر، قاله ابن عباس. الثاني: المملوء، حكاه ابن عباس أيضاً. {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه خلق مثل سفينة نوح مما يركبونها من السفن، قاله ابن عباس. الثاني: أنها السفن الصغار خلقها لهم مثل السفن الكبار، قاله أبو مالك. الثالث: أنها سفن الأنهار خلقها لهم مثل سفن البحار، قاله السدي. الرابع: أنها الإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر، قاله الحسن وعبد الله بن شداد. والعرب تشبه الإبل بالسفن، قال طرفة: شعر : كأنَّ حدوج المالكية غدوةً خلايا سَفينٍ بالنواصِف من رَدِ تفسير : ويجيء على مقتضى تأويل عليّ رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء. قولٌ خامس في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}: أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج، لكن لم أره محكياً. قوله عز وجل: {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} فيه وجهان: أحدهما: فلا مغيث لهم، رواه سعيد عن قتادة. الثاني: فلا منعة لهم، رواه شيبان عن قتادة. {ولا هم ينقذون} فيه وجهان: أحدهما: من الغرق. الثاني: من العذاب. {إلا رحمة منا} فيه وجهان: أحدهما: إلا رحمتنا، قاله يحيى بن سلام. الثاني: إلا نعمة منا، قاله مقاتل. {ومتاعاً إلى حين} فيه وجهان: أحدهما: إلى الموت، قاله قتادة. الثاني: إلى القيامة، قاله يحيى.

ابن عطية

تفسير : {آية} معناه علامة ودليل، ورفعها بالابتداء وخبره في قوله {لهم}، و {أنا} بدل من {آية} وفيه نظر، ويجوز أن تكون "أن" مفسرة لا موضع لها من الإعراب، والحمل منع الشيء أن يذهب سفلاً، وذكر الذرية لضعفهم عن السفر فالنعمة فيهم أمكن، وقرأ نافع وابن عامر والأعمش "ذرياتهم" بالجمع، وقرأ الباقون "ذريتهم" بالإفراد، وهي قراءة طليحة وعيسى، والضمير المتصل بالذريات هو ضمير الجنس، كأنه قال ذريات جنسهم أو نوعهم هذا أصح ما اتجه في هذا، وخلط بعض الناس في هذا حتى قالوا الذرية تقع على الآباء وهذا لا يعرف لغة، وأما معنى الآية فيحتمل تأويلين: أحدهما قاله ابن عباس وجماعة، وهو أن يريد بـ"الذريات المحمولين" أصحاب نوح في السفينة، ويريد بقوله {من مثله} السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإياها أراد الله تعالى بقوله {وإن نشأ نغرقهم}، والتأويل الثاني قاله مجاهد والسدي وروي عن ابن عباس أيضاً هو أن يريد بقوله {أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة ويريد بقوله {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} الإبل وسائر ما يركب فتكون المماثلة في أنه مركوب مبلغ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله {وإن نشأ نغرقهم} على السفن الموجودة في الناس، وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح في سفينة وجعل {من مثله} في الإبل فإن هذا نظر فاسد يقطع به قوله تعالى: {وإن نشأ نغرقهم} فتأمله، و {الفلك} جمع على وزنه هو الإفراد معناه الموفر، و {من} في قوله {من مثله}، يتجه على أحد التأويلين: أن تكون للتبعيض، وعلى التأويل الآخر أن تكون لبيان الجنس فانظره، ويقال الإبل مراكب البر، و"الصريخ" هنا بناء الفاعل بمعنى المصرخ، وذلك أنك تقول صارخ بمعنى مستغيث، ومصرخ بمعنى مغيث، ويجيء {صريخ} مرة بمعنى هذا ومرة بمعنى هذا لأن فعيلاً من أبنية اسم الفاعل، فمرة يجيء من أصرخ ومرة يجيء من صرخ إذا استغاث، وقوله {إلا رحمة} قال الكسائي نصب {رحمةً} على الاستثناء كأنه قال إلا أن يرحمهم رحمة، وقال الزجاج: نصب {رحمة} على المفعول من أجله كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم، و {متاعاً} عطف على {رحمة}، وقوله {إلى حين}، يريد إلى آجالهم المضروبة لهم. قال القاضي أبو محمد: والكلام تام في قوله {وإن نشأ نغرقهم} {فلا صريخ لهم} استئناف إخبار عن السائرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين فهم بهذه لا نجاة لهم إلا برحمة الله وليس قوله {فلا صريخ لهم} مربوطاً بالمغرقين، وقد يصح ربطه به والأول أحسن فتأمله، ثم ابتدأ الإخبار عن عتو قريش بقوله {وإذا قيل لهم} الآية، وما بين أيديهم قال مقاتل وقتادة، هو عذاب الأمم الذي قد سبقهم في الزمن وما خلفهم هو عذاب الآخرة الذي يأتي من بعدهم في الزمن وهذا هو النظر، وقال الحسن: خوفوا بما مضى من ذنوبهم وبما يأتي منها. قال القاضي أبو محمد: فجعل الترتيب كأنهم يسيرون من شيء إلى شيء، ولم يعتبر وجود الأشياء في الزمن، وهذا النظر يكسره عليه قوله تعالى: {أية : مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل} تفسير : [المائدة: 46]، وإنما المطرد أن يقاس ما بين اليد والخلف بما يسوقه الزمن فتأمله، وجواب {إذا} في هذه الآية محذوف تقديره أعرضوا يفسره قوله بعد ذلك {إلا كانوا عنها معرضين}، و"الآيات" العلامات والدلائل.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذُرِّيَّتَهُمْ} آباءهم لأن منهم ذرى الأبناء والفلك سفينة نوح أو الأبناء والنساء لأنهم ذرءوا الآباء حملوا في الفلك: وهي السفن الكبار أو النطف حملها الله ـ تعالى ـ في بطون النساء تشبيهاً بالفلك قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ {الْمَشْحُونِ} الموقر، أو المملوء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ} الآية، ذكرَ الذريةَ لِضَعْفِهم عن السفر، فالنعمةُ فيهم أمْكَنُ، والضمير المتصل بالذريات، هو ضميرُ الجنس، كأنه قال: ذرياتُ جنسِهم أو نوعِهم؛ هذا أصح ما يتجه في هذا. وأما معنى الآية؛ فقال ابن عباس وجماعةٌ: يريد بالذرياتِ المحمولينَ أصحابَ نوحٍ في السفينةِ، ويريد بقوله: {مِّن مِّثْلِهِ} السفن الموجودةَ في جنسِ بني آدم إلى يوم القيامة، وإيَّاها أرَادَ بقوله: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ}، وقال مجاهدٌ وغيرُه: المراد بقوله: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}: السفنُ الموجودةُ في بني آدم إلى يوم القيامة، ويريد بقوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} الإبلَ وسائرَ ما يُرْكَبُ؛ فتكون المماثلة في أنه مركوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقطار فقط، ويعودُ قولهُ: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} على السفنِ الموجودةِ في الناس، والصريخُ؛ هنا بمعنى المُصْرِخِ المُغِيثِ. وقوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا} قال الكسائيُّ: نصبَ {رَحْمَةً} على الاسْتِثْنَاءِ، كأنه قال: إلاَّ أَنْ نَرْحَمَهُمْ. وقوله: {إِلَىٰ حِينٍ} يريدُ إلى آجالِهم المضروبةِ لهم، ثم ابْتَدَأَ الإخبارَ عَنْ عُتُوِّ قريشٍ بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} قال قتادة ومقاتل: ما بين أيديهم: هو عذابُ الأمم الذي قد سَبَقَهُمْ في الزمن؛ وهذا هو النظرُ الجيدُ: وقال الحسنُ: خُوِّفُوا بما مضَى من ذنوبِهم؛ وبما يأتي منها، قال * ع *: وهذا نحوُ الأولِ في المعنى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} لما مَنَّ بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين للإنسان طريقاً يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله تعالى: {أية : وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} تفسير : [الإسراء:70] ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفُن البرِّ. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سِبَاحَةَ الكواكب في الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفُلْكِ في البحار ووجه آخر وهو أن الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، والليل والنهار في قوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ} تفسير : [يس:37] أيضاً من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان والشمسُ والقمرُ وحركتُهُما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: إحداهما: الفُلْك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يُتَزَيَّنُ به كما قال تعالى: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} تفسير : [فاطر:12]. وثانيهما: الدَّوَابُّ التي هي في البرّ كالفُلْك في البحر في قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} فإن الدوابَّ زينة كما قال تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النحل:8]. قوله: "أَنَّا حَمَلْنَا" مبتدأ "وآية" خبر مقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون: "أَنَّا حَمَلْنَا" خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن "آية لهم" مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما تقدم في نظيره والظاهر أن الضميرين في "لَهُمْ" و "ذُرِّيَّتهم" لشيء واحد. ويراد بالذرية آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية. ووجه الامتنان عليهم أنهم في ذلك مِثْلُ الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئك. وقوله "مَا يَرْكَبُونَ" هذا يحتمل أن يكون من جنس الفُلْك إِن أريد بالفلك سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ولهذا سمتها العربُ سُفُنَ البرِّ فقوله: "مِنْ مِثْلِهِ" أي من مثل الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله "وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ"). والضمير في "لهم" يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية أي حملنا ذريتهم وخَلَقْنَا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود إلى العباد الذين عاد إليْهِمْ قَوْلُهُ: "وَآيَةٌ لَهُمْ". وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد. و "مِنْ" يحتمل أن تكون صلة أي خلقنا لهم مِثْلَهُ، وأن تكون لِلْبَيَانِ؛ لأن المخلوق كان أشياء. وقال مِنْ مِثْل الفلك للبيان. وتقدم اشتقاق الذُّرِّيَّةِ في البقرة، واختلاف القراء فيها في الأعراف. فصل قال المفسرون: المراد بالذُّرِّيَةِ الآباء والأجداد واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد أي حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ في الفلك، والألف للتعريف أي فُلْكِ نُوِحٍ وهو مذكور في قوله: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} تفسير : [هود:37] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على الولد. وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} تفسير : [الزخرف:12] وقوله: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} تفسير : [فاطر:12] وقوله: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} تفسير : [العنكبوت:65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس فإن كان المراد سفينةَ وح ففيه وجوه: الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك لما بقي للأب نسلٌ ولا عَقِب وعلى هذا فقوله: "حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم" إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري، ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: "حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم" أي لم يكن الحَمْلُ حَمْلاً لهم وإنَّما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صُنْدُوقاً لا قيمة له وفيه جَوَاهِرُ (فـ) ـقيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. الثاني: أنّ المُرَادَ بالذُّرِّيَّة الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك الحيوانَ من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النِّساء كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام - عن قَتْلِ الذَّرَارِي أي النساء لأنَّ المرأة وإن كانت صِنْفاً غير صِنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذَرَارِينا أي أمثالنا. الثالث: أن الضمير في قوله: "وَآيَةٌ لَّهُمْ" عائد على العَبِاد، حيث قال: {أية : يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تفسير : [يس:30] وقال بعد ذلك: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ }. (وإذا عُلِمَ هذا فكأنه تعالى قال: "وآية للعباد أنا حملنا ذريتهم"). وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: "وآيةٌ للعبادِ أنا حملنا ذريات العباد". ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً مُعَيَّنينَ كقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء:29] {أية : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } تفسير : [الأنعام:65] وكذلك إذا تقاتل قومٌ ومات الكُلّ في القتال يقال: هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم. "فهم" في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً مُعَيَّنِينَ بل المراد أن بعضَهم قتل بعضَهم فكذلك قوله تعالى: "آيةٌ لهم" أي آية لكل بعض منهم أنا حلمنا ذرية كُلِّ (بَعْض) منهم، أو ذرية بعض منهم. وإن قلنا: المراد جنس الفلك وهو الأظهر لأن سفينة نوح لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حُمِلَ فيها فأما جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله تعالى في سفينة نوح: {أية : وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} تفسير : [لقمان: 31]. وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال نوح وأن المكذّبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يَهْلَكُوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجود في زمانهم ويؤيده قوله تعالى: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ }. فإن قيل: لم قال "حَمَلْنَا ذُرِّيّتهُمْ" ولم يقل: "حملناهم" ليكون أعم كما قال: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس:33] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيّتهُم؟. فالجواب: قوله تعالى: "حملنا ذريتهم" أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (لـ) ـكلّ أحد يسكنها فقال: {وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة} إلى أن قال: "فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ"؛ لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها. فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} تفسير : [فاطر:12] وأفرده في قوله: {فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ }. فالجواب: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع "سَاجِدٍ" يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول "الفُلْك" عند كونه واحداً مثل: "قُفْل وبُرْد" وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما. فإن قيل: فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟. فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: "إمام مبين" إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: {أية : كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} تفسير : [الإسراء:71] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: السؤال الأول: قال ههنا: "حَمَلْنا ذُرّيَّتَهُم" مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة:11] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم. فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَهُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت عنكم الضّرر ولو قال: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر وههنا أراد بيان المنافع فقال: "حملنا ذرياتهم" لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: "فِي الفُلْكِ المشحون" فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل (بذكره) بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن. فإن قيل: قال تعالى: {أية : وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} تفسير : [الإسراء:70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. فصل وفي قوله: "المشحون" فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّنَ من يقول: الخفيف لا يرسب في الماء لأنه يطلب جهة فوق فقال: "الفُلْكِ المَشْحُونِ" وهو أثقل من الثقال التي لا ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. فإن قيل: ما الحكمةُ في قوله: "وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ (و) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ"؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟. فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. قوله: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه الآية تدل على أن المراد بقوله: "مِنْ مِثْلِهِ" الفلك الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبلُ لأنها سفنُ البرِّ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} فاصلاً بين متصلين. ويحتمل أن يقال: الضمير في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن يقال: وخَلَقْنَا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في قوله تعالى: {أية : لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} تفسير : [يس:35] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. فصل في قوله: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ } فائدتان: إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يُؤْمَنَ عذابُ الله. والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطَّبِيعيِّ يقول: السفينة تَحْمِلُ بمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ والمجوَّف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمُقْتَضى الطبيعة ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب وينكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي سلمتها أنت. قوله: {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} فَعِيلٌ بمعنى فاعل لا مغيث لهم. وقيل: فلا مُسْتَغِيث. وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدراً من "أصْرَخَ" قال أبو حيان "ويحتاج إلى نقل أن "صَرِيحاً" يكون مصدراً بمعنى إصراخ". والعامة على فتح "صَرِيخَ". وحكى أبو البقاء أنه قرىء بالرفع والتنوين. قال: ووجهه على ما في قوله: {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [البقرة:38]. فصل معناه: لا مُغيثَ لهم يمنع عنهم الغَرَقَ {وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ} إذا أدركهم الغرق لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال: {لاَ صَرِيْخَ لَهُمْ} يدفع ولا هم يُنْقَذُونَ بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: {أية : لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ} تفسير : [يس:23] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صَرِيخ لهم ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ(نَّ) مَنْ لا يكون مِن شأنه أن ينصر لا يشرع في النصر مخافة أن يْغْلَبَ ويذهبَ ماءُ وَجْهِهِ وإنما يَنْصُرُ ويغيث من كان من شأنه أن يُغِيثَ فقال: "لاَ صِرِيخَ لَهُمْ" وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم يثِقْ من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: "ولا هم ينقذون" ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال: {إلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمَتَاع أي فمن عَلِمَ أنه يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زماناً ويزداد إثمه. وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزّوال في الدنيا لا بدَّ منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن يقع. قال ابن عباس المراد "بالحِينِ" انقضاء آجالهم يعني (إلاَّ) أن يرحمهم ويمتعهم إلى حينِ آجالهم. قوله: "إلاَّ رَحْمَةً" منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: استثناء منقطع وقيل: على المصدر بفعل مقدَّر، أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمةٍ، والفاء في قوله: "فَلاَ صَرِيخَ" رابطةٌ لهذه الجملة بما قبلها؛ فالضمير في "لَهُمْ" عائد على "المُغْرَقِينَ". وجوز ابن عطية هذا ووجهاً آخَر وجعله أحْسَنَ منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المُسَافِرينَ في البحر ناجينَ كانوا أو مُغْرَقِينَ هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلاَّ برَحْمَةِ الله وليس قوله: {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} مربوطاً بالمغرقين انتهى. وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن مَوْضُوعِهَا والكلام عن التئامِهِ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ سفينة نوح عليه السلام، حمل فيها من كل زوجين اثنين ‏ {‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏} ‏ قال‏:‏ السفن التي في البحور، والأنهار التي يركب الناس فيها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله ‏ {‏حملنا ذريتهم في الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ سفينة نوح ‏ {‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏} ‏ قال‏:‏ هذه السفن مثل خشبها وصنعتها‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه ‏{‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏}‏ قال‏:‏ هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏}‏ قال‏:‏ يعني السفن الصغار، وقال‏:‏ الحسن رضي الله عنه‏:‏ هي الابل‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏}‏ يعني الإِبل خلقها الله تعالى كما رأيت، فهي سفن البر، يحملون عليها، ويركبونها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه في قوله {‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏} ‏ قالا‏:‏ الإِبل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وخلقنا لهم من مثله ما يركبون‏}‏ قال‏:‏ الأنعام‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم‏}‏ لا مغيث لهم يستغيثون به‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فلا صريخ لهم‏}‏ قال‏:‏ لا مغيث لهم وفي قوله ‏ {‏ومتاعاً إلى حين‏} ‏ قال‏:‏ إلى الموت‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم‏} ‏ قال‏:‏ من الوقائع التي قد خلت فيمن كان قبلكم، والعقوبات التي أصابت عادا، وثموداً والأمم ‏ {‏وما خلفكم‏}‏ قال‏:‏ من أمر الساعة‏.‏ وفي قوله ‏{‏وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله‏}‏ ‏.‏ قال‏:‏ نزلت في الزنادقة كانوا لا يطعمون فقيراً، فعاب الله ذلك عليه وعيّرهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم‏} ‏ قال، ما مضى وما بقي من الذنوب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أنطعم من لو يشاء الله أطعمه‏} ‏ قال‏:‏ اليهود تقوله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إسماعيل عن أبي خالد رضي الله عنه في قوله {‏أنطعم من لو يشاء الله أطعمه‏}‏ قال‏:‏ يهود تقوله‏

القشيري

تفسير : الإشارة إلى حَمْلِ الخَلْقِ في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم أمواجها بفنونٍ من التغيير والتأثير. فكَمْ من عبدٍ غرق في اشتغاله في ليلة ونهاره، لا يستريح لحظةً من كَدِّ أفعاله، ومقاساةِ التعب في أعماله، وجَمْع ماله. فَجَرَّه ذلك إلى نسيان عاقبته ومآلِه، واستيلاء شُغْلِه بوَلَدِه وعيالِه على فِكْرِه وبالِه - وما سَعْيُه إلاَّ في وَبَالِه! وكم من عِبْدٍ غرق في لُجَّةِ هواه، فجَرَّتْه مُناه إلى تَحمُّلِ بلواه، وخسيسٍ من أمر مطلوبه ومُبْتَغَاه.. ثم لا يَصَلُ قط إلى منتهاه، خَسِرَ دنياه وعقباه، وبَقِيَ عن مولاه! ومن أمثال هذا وذاك ما لا يُحْصَى، وعلى عقلِ مَنْ فكَّرَ واعتبر لا يَخْفَى. أمَّا إذا حفظ عبداً في سفينة العناية أفرده - سبحانه - بالتحرُّرِ من رِقِّ خسائس الأمور. وشَغَلَه بظاهره بالقيام بحقِّه، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربِّه، ورقَّاه إلى ما قال: "أنا جليسُ مَنْ ذكرني".. وقُلْ في عُلُوِّ شأنِ مَنْ هذه صفته.. ولا حَرَجَ!

اسماعيل حقي

تفسير : {وآية لهم} اى علامة عظيمة لاهل مكة على كمال قدرتنا وهو خبر مقدم لقوله {انا حملنا ذريتهم} [الحمل: برداشتن]. قال فى القاموس ذرأ كجعل خلق الشئ كثر ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين انتهى. قال الراغب الذرية اصلها الصغار من الاولاد وان كان يقع على الصغار والكبار فى المتعارف ويستعمل فى الواحد والجمع واصله الجمع انتهى ويطلق على النساء ايضا لا سيما مع الاختلاط مجازا على طريقة تسمية المحل باسم الحال لانهم مزارع الذرية كما فى حديث عمر رضى الله عنه حجوا بالذرية يعنى النساء وفى الحديث نهى عن قتل الزرارى يعنى النساء والمعنى انا حملنا اولادهم الكبار الذين يبعثونهم الى تجاراتهم {فى الفلك} [در كشتى] وهو ههنا مفرد بدليل وصفه بقوله {المشحون} اى المملوء منهم ومن غيرهم والشحناء عداوة امتلأت منها النفوس كما فى المفردات او حملنا صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم: يعنى [برد اشتيم فرزندان خرد وزنان ايشانرا كه آنانرا قوت سفر نيست برخشكى] وتخصيص الذرية بمعنى الضعفاء الذين يستصحبونهم فى سفر البحر مع ان تسخير البحر والفلك نعمة فى حق انفسهم ايضا لما ان استقرارهم فى السفن اشق واستمساكهم فيها اعجب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وآية لهم أنَّا حَمَلْنا ذُريتَهُم} أولادهم، الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم، أو صبيانهم ونسائهم الذين يستصحبونهم؛ فإن الذرية تقع عليهن؛ لأنهن مزارعها. وتخصيصهم؛ لأن استقرارهم في السفن أشق، وتماسكهم فيها أعجب، أو خصهم؛ لضعفهم عن السفر، فالنعمة فيهم أظهر. فحملناهم {في الفلك المشحونِ}: المملوء، والظاهر: أن الضمير في "ذريتهم" للجنس. كأنه قال: ذُريات جنسهم ونوعهم. قال ابن عباس وجماعة: يريد بالذُريَّات المحمولين: أصحابَ نوح في السفينة، ويريد بقوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}: السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإياها عنى بقوله: {وإن نشأ نُغرقهم...} الخ. وأما إطلاق الذرية على الآباء، فقال ابن عطية: لا يُعرف لغة، وإنما المراد بالذرية الجنس، أو حقيقة ما تقدّم. وعليه يكون قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} يراد به الإبل؛ فإنها سفن العرب. {وإِن نشأ نُغْرِقُهم} إذا ركبوا سفن البحر، {فلا صَرِيخَ لهم} فلا مغيث، أو: لا مستغيث لهم، وهو أبلغ، أي: لم تبقَ لهم قدرة على الاستغاثة. {ولا هم يُنْقَذُونَ} ينجون من الموت، {إِلا رحمةً منا ومتاعاً إلى حينٍ} أي: لا ينقذون إلا لرحمة منا، لتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل. فهما مفعولان له. وقال بعضهم: الاستثناء راجع لثلاث جمل: "نغرقهم"، "فلا صريخ لهم"، "ولا هم يُنقذون". الإشارة: إذا عامت أفكار العارفين، في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، تلاطمت عليها أمواج الدهش من كبرياء الله، فإن سبق لها سابق عناية الاعتدال؛ أوت إلى سفينة الشريعة، بعد ركوبها في فلك الحقيقة، وإليه الإشارة في قوله: {حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}. وإن لم تسبق له عناية، غَرِقَ في بحر الزندقة والإلحاد، كما قال تعالى: {وإن نشأ نُغرقهم فلا صريخ لهم} من شيخ كامل، ولا هم يُنقذون إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين الكمال، فيعتدل. قال القشيري: الآية إشارة إلى حَمْلِ الخَلْقِ في سفينة السلامة، في بحار التقدير، عند تلاطم أمواجها، بفنونٍ من التغيير والتأثير، وكم من عبدٍ غرق في أشغاله، في ليله ونهاره، لا يستريح لحظةً في كَدِّ أفعاله، ومقاساة التعب من أعماله، وجَمْعِ ماله، بنسيان عاقبته ومآلِه. ثم قال في قوله تعالى: {وإِن نشأ نُغرقهم}: لولا صفة جُوده وفَضْله؛ لَحَلَّ بهم من البلاء ما حَلَّ بأمثالهم، لكنه لحُسْنِ إفضاله، حفظهم في جميع أحوالهم. هـ. ثم ذكر كفرهم لهذه النعم، فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ...}

الطوسي

تفسير : قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب {ذرياتهم} على الجمع. الباقون {ذريتهم} على التوحيد. يقول الله تعالى ممتناً على خلقه بضروب نعمه، ودالا لهم على وحدانيته بأن حمل ذريتهم في الفلك المشحون. وقيل: معنى {حملنا ذريتهم} أي قويناهم وهديناهم، كما يقول القائل: حملني فلان إذا اعطاه ما يحمل عليه او هداه إلى ما يحمل عليه. ومن جمع {ذرياتهم} فلأن كل واحد له ذرية. ومن وحد فلأنه لفظ جنس يدل على القليل والكثير، فالحمل منع الشيء أن يذهب إلى جهة السفل، يقال: حمله حملا، فهو حامل والشيء محمول. و (الذرية) فعلية من الذر. وقيل: هو مشتق من (الذرء) الذي هو الخلق. وقد بيناه في ما مضى والفلك السفن، لأنها تدور في الماء، ومنه الفلكة لأنها تدور بالمغزل والفلك لانه يدور بالنجوم، وفلك ثدي المرأة إذا استدار و {المشحون} المملؤ يقال: شحنت الثغر بالرجال أشحنه شحناً إذا ملأته، ومنه الشحنة، لانه يملأ بهم البلد، وإنما خص الذرية - وهم الصبيان والنساء - باللفظ، لأنهم لا قوة لهم على السفر كما يقوى الرجال، فسخر الله لهم السفن بما جعلها على الماء وعدل الريح ليمكن الحمل في البحر، وجعل الأبل في البر. وقال قتادة والضحاك: المعني بقوله {حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} سفينة نوح. و {خلقنا لهم من مثله ما يركبون} قال ابن عباس، وهو قول مجاهد: ان المراد به الأبل وهي سفن البر. وقوله {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} معناه إنا لو شئنا إذا حملناهم في السفن أن نغرقهم فعلنا {فلا صريخ لهم} أي لا مغيث لهم ولا صارخ بالاستغاثة قال الشاعر: شعر : كنا إذا ما اتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الطنابيب تفسير : أي لا شيء اعانته إلا الجد في نصرته، والطنبوب عظم الساق. وقيل: معنى الصريخ المعين عند الصراخ بالاستغاثة، وكأنه قال: لا معين لهم يعينهم عند ذلك {ولا هم ينقذون} أي ولا يخلصون ايضاً من الغرق إذا اردناه. وقوله {إلا رحمة منا} معناه إلا أن نرحمهم رحمة منا ونمتعهم {متاعاً} ويحتمل إلا لرحمة منا، فيكون مفعولا له، و {إلى حين} أي إلى وقت ما قدرناه لاهلاكهم وتقضي آجالهم، ونخلصهم في الحال من اهوال البحر. وقوله {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم} قال قتادة: معناه ما بين أيديكم من عذاب الله لمن خلا قبلكم اتقوا مثله باجتناب معاصيه {وما خلفكم} من أمر الساعة {لعلكم ترحمون} لكي ترحموا عند ذلك وحذف الجواب، كأنه إذا قيل: لهم هذا اعرضوا. وقال مجاهد: معنى {ما بين أيديكم} هو ما يأتي من الذنوب اجتنبوه في المستقبل {وما خلفكم} يعني ما مضى من ذنوبكم تلافوه بالتوة لترحموا.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : "الذُّرِيَّة"، كما أطلق على الأولاد أُطلق على الآباء لأنها مأخوذة من "ذَرَءَ الله" أي: خلقها، فَيُسَمَّى الأولاد ذريةً لأنهم خُلِقوا من الآباء، وسُمّي الآباء ذرية، لأن الأولاد خُلِقُوا منهم، والمراد ها هنا الآباء إن كانت "الفلك" يعني به سفينة نوح (عليه السلام) لا المطلق، وإنما سميت بها، لأنها تدور في الماء كما تدور "الفَلَكَةُ" في المغزل، ويدور الفَلَكُ بالنجوم، أي من جملة الآيات العظيمة للناس، الدالة على قدرة الله وحكمته وعنايته لهم، أنه حمل آبائهم وأجدادهم الذين هؤلاء من نسلهم في الفلك المشحون - يعني سفينة نوح -، المملوءة من الناس والدواب والوحش والطير، وسائر ما يحتاج إليه مَنْ فيها، فَسَلِموا من الغرق، فانتشر منهم بَشَر كثير. قيل: أن الحواريين قالوا لعيسى (عليه السلام): "لو بعثتَ لنا رجلاً شهد السفينة يحدثنا عنها" فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفّاً من ذلك التراب فقال: "أتدرون من هذا؟" قالوا: "الله ورسوله أعلم" فقال: "هذا كعب بن حام". فقال: فَضَرَبَ الكثيبَ بعصاه فقال: "قُمْ بإذن الله"، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، فقال له عيسى (عليه السلام): "أَهَلَكْتَ؟" قال: "لا مُتُّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فَمِن ثمَّ شِبْتُ". قال: "حدِّثْنا عن سفينة نوح" قال: "كان طولها ألفَ ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة للدواب والوحش، وطبقة للإنس، وطبقة للطيَّر" ثم قال: "عد بإذن الله كما كنت" فعاد تراباً. وقيل: "الذُّرِّية" بمعنى النسل كما هو الأصل، ومعنى حَمْلِ الله ذرّياتهم فيها، أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وهم في أصلابهم هم وذريّاتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. وقيل: اسم الذرية تقع على النساء لأنهنّ مزارعها، وفي الحديث: "أنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء، وقيل: الذرية هم النساء والصبيان. "والفُلْك" هي السفن الجارية في البحار، وخَصَّ الذرية بالحَمْل في الفُلْك لضعفهم، وعدم قوتهم كالرجال على المشي في السفر، فسخّر الله لهم السفن للحمل في البحر، والإبل للمركوب في البر، فعلى هذا يكون معنى قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس:42].

الجنابذي

تفسير : باصناف ا لحيوان او باصناف الاجناس، والذّرّيّة من الّذّر بمعنى النّشر، او من الذّرء بمعنى الخلق، او بمعنى التّكثير تطلق على ولد الرّجل وعلى نسل الثّقلين وعلى النّساء، يستوى فيها المفرد والجمع وقد تجمع والمراد بها ذرّيّة الموجودين باعتبار حمل آبائهم ولم يقل: حملنا انفسهم، لانّ حمل الذّرّيّة يستلزم حملهم فهو يفيد حملهم مع الامتنان عليهم بحمل ذرّيّاتهم ونسائهم، والمراد بالفلك سفينة نوحٍ (ع)، او المراد بالذّرّيّة الآباء لانّها من الذّرء بمعنى الخلق، والمراد بالفلك سفينة نوحٍ كما قيل، او المراد بالذّريّة الاولاد والنّساء، والمراد بالفلك السّفن الجارية، والامتنان بحمل الذّرّيّة والنّساء لانّهم ضعفاء لا يقدرون على السّير فى البحر بنحوٍ آخر ولا على السّير فى البرّ بالمشى، والقرينة على ذلك قوله {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ المَشْحُونِ} يعني نوحاً وبنيه الثلاثة: سام وحام ويافث؛ منهم ذرية الخلق بعدما غرق قوم نوح. والمشحون: الموقَر بحمله مما حمل نوح معه في السفينة. قال: {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ} أي: من مثل الفلك {مَا يَرْكَبُونَ} يعني الإِبل. ويقال: إنها سُفُن البَرّ. وقال في آية أخرى: (أية : وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) تفسير : [الزخرف: 12]. قال: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي: فلا مغيث لهم {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} أي: من العذاب {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} أي: إلى يوم القيامة، ولم نهلكهم بعذاب الاستئصال، وسيهلك كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى.

اطفيش

تفسير : {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} آية خبر ومصدر حملنا مبتدأ ولهم نعت آية والذريات الاولاد والمراد أولادهم الذين يبعثونهم في التجارة او صبيانهم أو نساؤهم فان اسم الذرية يطلق عليهن لانهن مزارع الذرية وفي حديث نهي عن قتل الذراري يعني النساء وذلك انهم قد يستصحبون من نسائهم او صبيانهم ما يريدون او ما دعت اليه الحاجة او المراد الصبيان والنساء معا وتخصيص الصبيان والنساء او احدهما بالذكر لان تماسكهم في الفلك اعجب وادل على قدرة الله والفلك السفينة والمشحون المملوء وقيل الفلك المشحون سفينة نوح عليه السلام ومعنى حمل ذرياتهم فيها ان ذرياتهم التي قضاها الله ان ستخرج من اصلابهم اذا وجدوا محمولة فيها في صلب نوح وبنية سام وحام ويافث وخص الذرية لان حملها ابلغ في الامتنان وادخل في التعجب والضمير في لهم وذرياتهم للناس مطلقا وكذا في ضمائر الغيبة قبلهما واذا قلنا لاهل مكة فذرياتهم وذريات سائر العرب في صلب سام وممن قال الفلك سفينة نوح عليه السلام ابن عباس وجماعة وقيل الضمير في ذرياتهم ضمير الجنس كأنه قيل ذريات جنسهم او نوعهم وقرىء ذريتهم بالافراد وفتح التاء.

اطفيش

تفسير : آية خبر للمصدر، أى حملنا ذرياتهم فى الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون آية لهم باسكان ميم حملنا، ولام خلقنا، ورفعهما فى التقدير، والذرية الأولاد الصغار والكبار، ويطلق على الواحد ذكراً أو أنثى فصاعدا حقيقة فى كل ذلك فى الجمع فقط، كما قيل، والمراد هنا الصغار، وفسر بالنساء كما ورد فى الحديث نهى عن قتل الذرارى، وفسر بالنساء والصواب أنه الصغار وأما النهى عن قتل النساء ففى حديث آخر، نعم فى حديث آخر عن حنظلة الكاتب، كنا فى غزاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى امرأة مقتولة فقال: "حديث : هاه ما كانت هذه تقاتل الحقْ خالداً وقل لا تقتلن ذرية ولا عسيفا" تفسير : أى أجيراً. ووجه التفسير بهن ضعفهن، ومع ضعفهن يجاوزن البحر بالفلك وهذا امتنان، وكذا اذا فسر بالصغار لضعفهم، فإن صح حمل الذرية على النساء لغة، فالأولى أن المراد فى الآية الصغار والنساء، ثم إذا كان يطلق على الكبار فهم المراد، لأنهم يبعثونهم فى الفلك للتجر وذلك امتنان أو المراد الكبار والصغار والنساء لما ذكر من التجر والضعف واللفظ من الذرء بمعنى الخلق، قلبت الهمزة ياء فأدغمت فيها الياء، وقيل أصله ذروية قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء لاجتماعهما وسكون السابق منهما، وقيل: فعليه كقمرية، والفلك السفينة سميت لأنها تدور فى الماء، وليس من شرطها الدور والمشحون المملوء، أى مع امتلائه لا يغرق بما فيه، أو بوصفه بالشحن لأن ما خف من السفن مظنة للعب الريح به، وهم لا يسافرون بها خالية، وكون الفلك للجنس ظاهر لا يحتاج الى روايته عن ابن عباس، كما روى. اللهم إلا أن يراد بالرواية عنه رد ما قالت الشيعة: الذرية نطف علىّ وذريته فى الفلك أى فى البطن، وردها قيل: إنه سفينة نوح، وما قيل: إنه السفن والزوارق بعدها، والمحمول نطفهم فى أصلاب آبائهم المحمولين، والهاء فى لهم على كل حال للمشركين مطلقا، وقيل لأهل مكة، وقيل للعبادة فى قوله تعالى: " أية : يا حسرة على العباد " تفسير : [يس: 30] مع بعده، وأجيز رد الثانى للذرية، والمراد بما يركبون الإبل، كما شهر أنها مثل الفلك، وأنها سفائن البر كما قيل سفائن بر، والسحاب بحارها، ويبعد تفسيرها بالأنعام، لأن الغنم لا تحمل الانسان، والأولى تفسيرها بالابل والبغال والحمير والخيل والبقر، كما ذكر فى القرآن بالحمل، وسفن النار داخلة فى الفلك إذا كانت فى البحر، وما كان منها فى البر، فهى وأفعال صناعها مخلوقة لله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } أي أولادهم، قال الراغب: ((الذرية أصلها الصغار من الأولاد ويقع في التعارف على الصغار والكبار معاً ويستعمل للواحد والجمع وأصله للجمع، وفيه ثلاثة أقوال فقيل هو من ذرأ الله الخلق فترك همزته نحو برية وروية، وقيل: أصله ذروية، وقيل: هو فعلية من الذر نحو قمرية)) واستظهر حمله على الأولاد مطلقاً أبو حيان، وجوز غير واحد أن يحمل على الكبار لأنهم المبعوثون للتجارة أي حملناهم حين يبعثونهم للتجارة {فِى ٱلْفُلْكِ } أي السفينة سميت بذلك على ما في "مجمع البيان" لأنها تدور في الماء {ٱلْمَشْحُونِ } أي المملوء، وقيل: هو مستعمل على أصله وهم الأولاد الصغار الذين يستصحبونهم، وقيل: المراد به النساء فإنه يطلق عليهن، وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل الذراري وفسر بالنساء. وفي "الفائق" قال حنظلة الكاتب: "كنا في غزاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى امرأة مقتولة فقال: هاه ما كانت هذه تقاتل الحَقْ خالداً وقل لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً"، وهي نسل الرجل وأوقعت على النساء كقولهم للمطر سماء ويراد بالنساء اللاتي يستصحبونهن وتخصيص الذرية على هذين القولين بالذكر لأن استقرارهم/ وتماسكهم في الفلك أعجب، وقيل: تطلق الذرية على الآباء وعلى الأبناء قاله أبو عثمان. وتعقبه ابن عطية بأنه تخليط لا يعرف في اللغة، وقيل: الذرية النطف والفلك المشحون بطون النساء ذكره الماوردي ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه، والظاهر أنه لم يصح ذلك عنه رضي الله تعالى عنه وفي الآية ما يبعده وهو أشبه شيء بتأويلات الباطنية. والمراد بالفلك جنسه والوصف بالمشحون أقوى في الامتنان بسلامتهم فيه، وقيل: لأنه أبعد من الخطر، وإرادة الجنس مروية عن ابن عباس ومجاهد والسدى وفسر (ما) في قوله تعالى:{ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ...}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من عدّ آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفُلْك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها. وقد ذكَّر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان. ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جُعلت الآية نفس الحمل إدماجاً للمنة في ضمن العبرة فكأنه قيل: وآية لهم صنع الفُلك لنحمل ذرياتهم فيه فحملناهم. وأطلق الحَمل على الإِنجاء من الغرق على وجه المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية، أي أنجينا ذرياتهم من الغرق بحملهم في الفُلك حين الطوفان. والذريات: جمع ذرية وهي نسل الإِنسان. و{الفلك المشحون}: هو المعهود بين البشر في قصة الطوفان، وهو هنا مفرد بقرينة وصفه بالمفرد وهو {المَشْحُونِ} ولم يقل: المشحونة كما قال: { أية : وترى الفلك فيه مواخر } تفسير : [فاطر: 12] وهو فلك نوح فقد اشتهر بهذا الوصف في القرآن كما في سورة الشعراء (119) { أية : فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } تفسير : ولم يوصف غير فلك نوح بهذا الوصف. وتعدية {حَمَلْنَا} إلى الذريات تعدية على المفعولية المجازية وهو مجاز عقلي فإن المجاز العقلي لا يختص بالإِسناد بل يكون المجاز في التعليق فإن المحمول أصول الذريات لا الذريات وأصولها ملابسة لها. ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحاً بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع وأمره بحمل أزواج من الناس هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كله منزلة محمولين في الفلك المشحون في زمن نوح، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازاً في الكلام، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل: إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل، وهذا كالامتنان في قوله: { أية : إنّا لمّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة } تفسير : [الحاقة: 11، 12]. وضمير {ذُرَّيَاتَهُم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {لَهُمْ} أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر، فالمعنى: آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملاً لذرياتهم ما تسلسلت كما تقدم آنفاً. هذا هو تأويل هذه الآية قال القرطبي: وهي من أشكل ما في السورة، وقال ابن عطية: «قد خلط بعض الناس حتى قالوا: الذرية تطلق على الآباء وهذا لا يعرف من اللغة» وتقدم قوله: { أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } تفسير : في سورة الأعراف(172). وقرأ نافع وابن عامر {ذرياتهم} بلفظ الجمع. وقرأه الباقون بدون ألف بصيغة اسم الجمع، والمعنى واحد. وقد فهم من دلالة قوله: {أنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّاتَهُمْ} صريحاً وكناية أن هذه الآية مستمرة لكل ناظر إذ يشهدون أسفارهم وأسفار أمثالهم في البحر وخاصة سكان الشطوط والسواحل مثل أهل جُدة وأهل يُنْبُع إذ يسافرون إلى بلاد اليمن وبلاد الحبشة فيفهم منه: أنا حملنا ونحمل وسنحمل أسلافهم وأنفسهم وذرياتهم. وقد وصف طرفة السفن في معلّقته. وجملة {وخَلَقْنَا لهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يركَبُونَ} معترضة في خلال آية البحر اقتضتها مراعاة النظير تذكيراً بنعمة خلق الإِبل صالحة للأسفار فحُكيت آية الإِلهام بصنع الفلك من حيث الحكمة العظيمة في الإِلهام وتسخير البحر لها وإيجادها في وقت الحاجة لحفظ النوع، فلذلك لم يؤت في جانبها بفعل الخلق المختص بالإِيجاد دون صنع الناس. وحكيت آية اتخاذ الرواحل بفعل {خلقنا}، ونظير هذه المقارنة قوله تعالى: { أية : وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } تفسير : [الزخرف: 12]، فَمَا صدْق {مَا يَركَبُونَ} هنا هو الرواحل خاصة لأنها التي تشبه الفلك في جعلها قادرة على قطع الرمال كما جعل الفلك صالحاً لمخْر البحار، وقد سمت العرب الرواحل سفائن البرّ و{مِن} التي في قوله: {مِن مِثلِهِ} بيانية بتقديم البيان على المبين وهو جائز على الأصح، أو مؤكدة ومجرورها أصله حال من {ما} الموصولة في قوله: {ما يركَبُون}. والمراد المماثلة في العظمة وقوة الحمل ومداومة السير وفي الشكل. وجملة {وإن نَشَأْ نُغْرِقهُم} عطف على جملة {أنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّاتَهُم} باعتبار دلالتها الكنائية على استمرار هذه الآية وهذه المنة تذكيراً بأن الله تعالى الذي امتنّ عليهم إذا شاء جعل فيما هو نعمة على الناس نقمة لهم لحكمة يعلمها. وهذا جرى على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه لئلا يبطر الناس بالنعمة ولا ييأسوا من الرحمة. وقرينة ذلك أنه جيء في هذه الجملة بالمضارع المتمحّض في سياق الشرط لكونه مستقبلاً، وهذا كقوله تعالى: { أية : أفأمِنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً } تفسير : [الإسراء: 68ــــ69]. والصريخ: الصارخ وهو المستغيث المستنجد تقول العرب: جاءهم الصريخ، أي المنكوب المستنجد لينقذوه، وهو فعيل بمعنى فاعل. ويطلق الصريخ على المغيث فعيل بمعنى مفعول، وذلك أن المنجد إذا صرخ به المستنجد صرخ هو مجيباً بما يطمئن له من النصر. وقد جمع المعنيين قول سلامة بن جندل أنشده المبرد في «الكامل»: شعر : إنا إذا أتانا صارخ فزع كان الصُراخ له قَرع الظَنابيب تفسير : والظنابيب: جمع ظُنبوب وهو مسمار يكون في جُبة السنان. وقرع الظنابيب تفقد الأسنة استعداداً للخروج. والمعنى: لا يجدون من يستصرخون به وهم في لُجج البحر ولا ينقذهم أحد من الغرق. والإنقاذ: الانتشال من الماء. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {ولا هم يُنقَذُونَ} لإِفادة تقوّي الحكم وهو نفي إنقاذ أحدٍ إياهم. والاستثناء في قوله: {إلاَّ رَحْمَةً} منقطع فإن الرحمة ليست من الصريخ ولا من المنقذ وإنما هي إسعاف الله تعالى إياهم بسكون البحر وتمكينهم من السبح على أعواد الفلك. و {وَمَتاعاً} عَطف على {رَحْمَةً}، أي إلاّ رحمة هي تمتيع إلى أجل معلوم فإن كل حي صائر إلى الموت فإذا نجا من موته استقبلته موتة أخرى ولكن الله أودع في فطرة الإِنسان حبّ زيادة الحياة مع علمه بأنه لا محيد له عن الموت.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} تفسير : [النحل: 14] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وآية لهم: أي وعلامة لهم على قدرتنا على البعث. أنا حملنا ذريتهم: أي ذريّات قوم نوح الذين أهلكناهم بالطوفان. نجينا ذريّتهم لأنهم مؤمنون موحدون وأغرقنا آباءهم لأنهم مشركون. في الفلك المشحون: أي في سفينة نوح المملوءة بالأزواج من كل صنف. وخلقنا لهم من مثله: أي من مثل فلك نوح ما يركبون. فلا صريخ لهم: أي مغيث ينجيهم فيكف صراخهم. ومتاعا إلى حين: أي وتمتيعاً لهم بالطعام والشراب إلى نهاية آجالهم. اتقوا ما بين أيديكم: أي من عذاب الدنيا أي بالإِيمان والاستقامة. وما خلفكم: أي من عذاب الآخرة إذا أصررتم على الكفر والتكذيب. وما تأتيهم من آية: أي وما تأتيهم من آية أو من حجة من حجج القرآن وبيّنة من بيناته الدالة على توحيد الله وصدق الرسول إلا كانوا عنها معرضين غير ملتفتين إليها ولا مبالين. معنى الآيات: ما زال السياق في عرض الآيات الكونيّة للدلالة على البعث والتوحيد والنبوّة فقال تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ} أي أخرى غير ما سبق {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} اي حملنا ذريّة قوم نوح المؤمنين فأنجيناهم بإِيمانهم وتوحيدهم وأغرقنا المشركين فهي آية واضحة عن رضا الله تعالى عن المؤمنين الموحدين وسخطه على الكافرين المشركين المكذبين إن في هذا الإِنجاء للموحدين والإِغراق للمشركين آية وعبرة لو كان مشركو قريش في مكة يفقهون. وقوله تعالى {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} وهذه آية أخرى أيضا وهي أن الله أنجى الموحدين في فلك لم يسبق له مثيل ثم خلق لهم مثله ما يركبون إلى يوم القيامة ولو شاء عدم ذلك لما كان لهم فلك إلى يوم القيامة وآية أخرى {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} وهي قدرته تعالى على إغراق ركاب السفن الكافرين وإن فعلنا لم يجدوا صارخا ولا مغيثا يغيثهم وينجيهم من الغرق {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} اللهم إلا رحمتنا فإنها تنالهم فتنجيهم ليتمتعوا في حياتهم بما كانوا يتمتعون به إلى حين حضور آجالهم المحدودة لهم. وقوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي وإذا قيل لهؤلاء المكذبين بآيات الله المعرضين عن دينه المشركين به اتقوا ما بين أيديكم من العذاب حيث موجبه قائم وهو كفركم وعنادكم، وما خلفكم من عذاب الآخرة إذ مقتضيه موجود وهو الشرك والتكذيب رجاء أن ترحموا فلا تعذبوا أعرضوا كأنهم لم يسمعوا. وقوله {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ} كلام ربهم القرآن الكريم تحمل الحجج والبراهين على صحة ما يدعون إليه من الإِيمان والتوحيد إلا كانوا عنها معرضين تمام الإِعراض كأن قلوبهم قُدت من حجر والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فضل الله على البشرية في إنجاء ذريّة قوم نوح الكافرين ومنهم كان البشر وإلا لو أغرق الله الجميع المؤمنين الذريّة والكافرين الآباء لم يبق في الأرض أحد. 2- حماية الله تعالى للعباد ورعايته لهم وإلاّ لهلكوا أجمعين ولكن أين شكرهم؟ 3- بيان إصرار كفار قريش وعنادهم الأمر الذي لم يسبق له مثيل. 4- الإِشارة بالمثلية في قوله {مِّن مِّثْلِهِ} إلى تنوع السفن من البوارج والغواصات والطربيدات الحربية.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآيَةٌ} (41) - وَمِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ أَنَّهُ جَعَلَ البَشَرَ يَرْكَبُونَ السُّفُنَ المُحَمَّلَةَ بالبَضَائِعِ، التي يَنْقُلُونَهَا مِن قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ آخَرَ، لِيَنْتَفِعَ بِهَا خَلْقُ اللهِ فِي الأَقْطَارِ التي لاَ تُنْتَجُ فِيهَا هَذَهِ المُنْتَجَاتُ، وَلِيَسْتَفِيدُوا مِنْهَا بِالتِّجَارَةِ والمُبَادَلَةِ. ذُرِّيَتَهُمْ - أَوْلاَدَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ. المَشْحُونِ - المَمْلُوءِ بِالبَضَائِعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ} [يس: 41] هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي: تدعوهم إلى الإيمان بالله؛ لذلك لما سُئِل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفتَ ربك بمحمد؟ أم عرفتَ محمداً بربك؟ فقال: عرفتُ ربي بربي، وجاء محمد فبلَّغني مراد ربي مني. ومعنى {ٱلْفُلْكِ} السفن {ٱلْمَشْحُونِ} المملوء. والمراد: سفينة سيدنا نوح - عليه السلام - وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع السفينة، ودلَّه على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ..} تفسير : [المؤمنون: 27]. فالسفن في حَدِّ ذاتها من آيات الله، ولو لم يُوحِ الله إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناسُ جميعاً صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أنْ تُطوِّرها وترقى بصناعتها، كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدلَ الإنسانُ قِلْع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحَلِّ الحديد والمعادن محلَّ الخشب والمسامير .. الخ. ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في تسيير السفن تظلّ السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو الكهرباء؛ لأن الريح لا يعني الهواء الذي يُسيِّر السفن فحسب، إنما الريح تعني القوة أيّاً كانت؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 46]. ويقول سبحانه: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..} تفسير : [الشورى: 33]. ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} [يس: 41] والآية تتحدث عن العرب الذين نزل القرآن مُخاطباً لهم، والذين حُمِلوا في السفينة هم آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟ قال القرآن: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} [يس: 41] والمراد: آباؤهم؛ لأن الذرية تُطلق أيضاً على الأب؛ لأن الذراري منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم. لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن كل واحد منا إلى أنْ تقوم الساعة فيه جزىء حَيٌّ من أبيه آدم لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعتَ الآباء وسلسلْتَ هذه السلسلة لقُلْتَ إنني من ميكروب حيٍّ جاء من أبي، وأبي من ميكروب حَيٍّ جاء من أبيه، وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتاً ما جئت. إذن: ففي كل مِنَّا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان. ووصف الحق سبحانه الفُلْكَ بأنه مشحون. يعني: مملوء؛ لأن سيدنا نوحاً لم يأخذ فيها المؤمنين ليُنجيهم من الغرق فحسب، إنما ليُوفِّر لهم سُبُل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش الناسُ على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟ لذلك قال سبحانه مخاطباً نبيه نوحاً: {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [هود: 40]. وقوله سبحانه: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس: 42] فمن بعد السفينة أخذها الناس نموذجاً، وصنعوا مثله، وطوَّروا في صناعته، فأنشأوا السفن والمراكب والزوارق وغيرها مما يُركَب في البحر. أو: خلقنا لهم من مثله ما يُركَب في البراري والصحراء، ومن ذلك يُسَمُّون الجمل مثلاً سفينة الصحراء. ثم يحذرنا الحق سبحانه أنْ نغترَّ بهذه المراكب؛ لأنها وسائل للنجاة، لأنه سبحانه إنْ أراد الهلاك أهلك، وكم رأينا سُفُناً عملاقة توفرت لها كل سُبُل الأمان والسلامة، ومع ذلك ابتلعتْها الأمواج بمَنْ فيها. وصدق الله: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} [يس: 43] فإياك حين تُرزَق بنعمة تخلصك من معطب أنْ تغرَّك النعمة فتحسب فيها الأمن والنجاة؛ لأنك لن تفلت من قبضة الله، ولا ينقذك أحد، ولا ينجيك شيء إنْ أراد بك الهلاك، وهل ترى بيدك شيئاً يُنجيك حين تهبُّ عاصفة، أو يعلو الموج فوق سفينتك كالجبال؟ إذن: آلاتك ووسائلك لا تُنجيك من قدري. ومعنى {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} [يس: 43] الصريخ هو الذي تستصرخه وتستنجد به لينقذك، ويأخذ بيدك، ويُخرِجك من المأزق الذي أنت فيه. ومن روائع العقائد التي استشفها أهل الإشراق والتنوير أنْ قالوا: الإنسان يصرخ ويستنجد بمَنْ هو أقرب منه: كأبيه: أو أمه، أو خادمه، أو جاره .. الخ. فإذا لم يجد؟ يقول: يا الله، لذلك نسمع بعضهم يقول عند المأزق: يا هُوْه. والمراد يا هُوَ يعني: يا الله؛ لأنه لا يوجد غيره ينقذ ويُغيث. ومن المواضع التي وردت فيها مادة صرخ قوله تعالى حكايةً عن الشيطان {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} تفسير : [إبراهيم: 22] والمُصْرِخ: هو الذي يُزيل الصراخ يعني: يسعفك، ويزيل عنك الشدة. وقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} [يس: 43] يعني: امتنع المصرخ، وامتنع عنهم أيضاً المنقذ الذي يتطوَّع فينقذهم، وهذا قَطْع للأمل في النجاة، فإنْ أراد اللهُ الإهلاكَ فلا سبيلَ للنجاة أبداً، إلا بإذنه تعالى ورحمته. لذلك يقول في الآية بعدها: {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} [يس: 44] رحمة تنجي من الغرق، ومعنى {وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} [يس: 44] أن هذه النجاة ليست صَكّاً بالسلامة الدائمة والبقاء المستمر، إنما هذه النجاة متاعٌ إلى حين، إلى أنْ يحلَّ الأجلُ ويُدركك الموت، فأنت إذنْ سلمتَ من الحِمام إلى الحِمام الذي لا بُدَّ منه. وأشبه بذلك قول الفخر الرازي: شعر : ولَوْ أنَّا إذَا مِتْنَا اسْتَرحْنَا لَكانَ الموْتُ رَاحةَ كُلِّ حَيّ ولكِنَّا إذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ونُسَأل بَعْدهَا عن كُلِّ شَيّ تفسير : وكلمة الحين تعني الفترة من الزمن بحسب ما تُقاس به، فمثلاً في: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17] الحين يعني: يوم وليلة، وفي قوله تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ..} تفسير : [إبراهيم: 25] الحين هنا يعني: سنة، وفي: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان: 1] يعني: مقدار مُحدَّد من الزمن. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} أيضاً {آيَةٌ} عظيمة منا إياهم {لَّهُمْ} أي: يتسدلون بها أيضاً على كمال قدرتنا، ويواظبون على شكر نعمتنا، وتلك الآية {أَنَّا} من كمال تربيتنا وتدبيرنا إياهم {حَمَلْنَا} أولاً عند طوفان نوح عليه السلام {ذُرِّيَّتَهُمْ} أي: آباءهم وأسلافهم، فإن اسم الذرية كما يطلق على الأبناء يطلق على الآباء أيضاً باعتبار أنهم كانوا أبناء لآباء أخر {فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} [يٍس: 41] المملوء منهم ومن سائر الحيوانات التي لا تعيش في الماء عناية منا إياهم وإبقاء لنسلهم. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ} أي: قدرنا وجعلنا لهم اليوم منا إياهم {مِّن مِّثْلِهِ} أي: سقنا من جنسة، وهو {مَا يَرْكَبُونَ} [يس: 42] في متجارهم وأسفارهم في البحر. {وَإِن نَّشَأْ} إفنائهم واستئصال نوعهم بالمرة {نُغْرِقْهُمْ} بالطوفان {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي: لا مغيث لهم حنيئذ ينصرهم وينجيهم من الغرق {وَلاَ هُمْ} بأنفسهم {يُنقَذُونَ} [يس: 43] وينجون من تلك المهلكة. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} أدركتهم وأنجتهم من الغرق {وَ} أملهناهم أيضاً بعد إنجائنا إياهم {مَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} [يس: 44] أي: تمتيعاً لهم ولأخلاقهم وذرياتهم إلى قيام الساعة كي نختبرهم، هل يصلون إلى ما جبلوا لأجله من المعرفة والتوحيد والهداية والإيمان مع أنا أرسلنا إليهم الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين؟!. {وَ} هم - أي: أسلافهم - مثل هؤلاء الضالين {إِذَا قِيلَ لَهُمُ} إصلاحاً لأحوالهم {ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} مما جرى على أسلافكم من الوقائع الهائلة والنوائب الشديدة السالفة، والواصلة إليهم بشئوم مفاسدهم وطغيانهم على الله وعلى أنبيائه ورسله بالخروج عن إطاعتهما وانقيادهما {وَ} احذروا عن {مَا خَلْفَكُمْ} من العذاب الموعود لعصاة العباد، المتمردين على ربقة العبودية وصراط التوحيد، الضالين عن جادة السلامة بترك مقتضيات الحدود الإلهية {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [يس: 45] من عند الله بتقواكم عن محارمه ومحظوراته. {وَ} هم أيضاً أمثالكم أيها المفرطون في الإعراض عن الحق في سبيله، بل {مَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ} مشيرة لهم إلى ما يعينهم ويليق بحالهم، رادعة عما لا يعنيهم {مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} الصادرة عن محض الحكمة والعدالة {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [يس: 46] مكذبين لها، مستهزئين بمن جاء بها أمثالكم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر بعد السير في الفلك بقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} [يس: 41]، يشير إلى حمل عباده في سفينة الشريعة خواضهم في بحر الحقيقة، دعواتهم في بحر الدنيا، فإن من نجا من تلاطم أمواج الهوى في بحر الدنيا، إنما نجا بحمله العناية في سفينة الشريعة، وكذلك من تلاطم أمواج الشبهات في بحر الحقيقة بحمله عواطف إحسان ربه في سفينة الشريعة، بملاحية أرباب الطريقة. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس: 42] وهو جناح من المشايخ الواصلين الكاملين، {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} [يس: 43] يعني: العوام في بحر الدنيا، والخواص في بحر الحقيقة بكسر سفينة الشريعة كما ركب كثر من المتمنين بحر الحقيقة بلا سفينة الشريعة، أو كسروا الشريعة أُغرِقوا فأُدخلوا ناراً {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} [يس: 43 - 44]، وهم المشايخ، فإنهم صورة رحمة الحق تعالى، {وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} أي: حين تدركهم العناية الربانية. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ} [يس: 45]، احذروا {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} [يس: 45] من الدنيا وما فيها من شهواتها ولذائذها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} [يس: 45] من الآخرة وما فيها من نعيمها وحورها وقصورها وأشجارها وأثمارها وأنهارها، وما تشتهي الأنفس وتَلذ الأعين فيها {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [يس: 45] بمشاهدة الجمال ومكاشفة الجلال وكمالات الوصال. {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} [يس: 46]، وهم الرجال البالغون الكاملون في الدين من أرباب الحقيقة وأهل اليقين {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [يس: 46]، هذا حال المسيئين في أودية الخذلان الموسومين بسمة الحرمان، فلا يأتيهم منه آية من آيات الله؛ لينجيهم من بحر الغفلة ويريحهم من تيه الحيرة إلا قابلوه بإعراضهم ونازعوه باعتراضهم. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله} [يس: 47]، من الأموال والأهالي في طلب الحق تعالى بالتجريد والتفريد، {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [يس: 47] به: {أَنُطْعِمُ} [يس: 47]، من أموالنا {مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] خيراً من أموالنا، {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 47] في طلب الحق وترك الدنيا، بل هذا قول الرجال البالغين لهؤلاء الذين لعب بهم الشيطان وأضلَّهم عن سبيل الرَّشاد، {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 47]، في طلب الدنيا وترك لقاء المولى، ومن غاية ضلالتهم وفرط جهالتهم، {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يس: 48]، يستعجلون تخوم الساعة ويستبطئون قيام القيامة، لا عن تصديق يزيحهم عن شكهم، أو خوف يمنعهم عن غيهم، ولكن تكذيباً لدعوة الرسل، وإنكاراً على أوضح السبل، واستبعاداً للنشر والحشر. قال الله تعالى: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [يس: 49]، بإنكار النشر والحشر أهل الإقرار به، {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50] أي: توصية بعضهم بعضاً في ترك الخصومة {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 50] للاستبصار.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ودليل لهم وبرهان، على أن اللّه وحده المعبود، لأنه المنعم بالنعم، الصارف للنقم، الذي من جملة نعمه { أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } قال كثير من المفسرين: المراد بذلك: آباؤهم. { وَخَلَقْنَا لَهُمْ } أي: للموجودين من بعدهم { مِنْ مِثْلِهِ } أي: من مثل ذلك الفلك، أي: جنسه { مَا يَرْكَبُونَ } به، فذكر نعمته على الآباء بحملهم في السفن، لأن النعمة عليهم، نعمة على الذرية. وهذا الموضع من أشكل المواضع عليَّ في التفسير، فإن ما ذكره كثير من المفسرين، من أن المراد بالذرية الآباء، مما لا يعهد في القرآن إطلاق الذرية على الآباء، بل فيها من الإيهام، وإخراج الكلام عن موضوعه، ما يأباه كلام رب العالمين، وإرادته البيان والتوضيح لعباده. وثَمَّ احتمال أحسن من هذا، وهو أن المراد بالذرية الجنس، وأنهم هم بأنفسهم، لأنهم هم من ذرية [بني] آدم، ولكن ينقض هذا المعنى قوله: { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } إن أريد: وخلقنا من مثل ذلك الفلك، أي: لهؤلاء المخاطبين، ما يركبون من أنواع الفلك، فيكون ذلك تكريرا للمعنى، تأباه فصاحة القرآن. فإن أريد بقوله: { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } الإبل، التي هي سفن البر، استقام المعنى واتضح، إلا أنه يبقى أيضا، أن يكون الكلام فيه تشويش، فإنه لو أريد هذا المعنى، لقال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَاهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون،ِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ، فأما أن يقول في الأول: وحملنا ذريتهم، وفي الثاني: حملناهم، فإنه لا يظهر المعنى، إلا أن يقال: الضمير عائد إلى الذرية، واللّه أعلم بحقيقة الحال. فلما وصلت في الكتابة إلى هذا الموضع، ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد اللّه تعالى، وذلك أن من عرف جلالة كتاب اللّه وبيانه التام من كل وجه، للأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة، وأنه يذكر من كل معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحواله، وكانت الفلك من آياته تعالى ونعمه على عباده، من حين أنعم عليهم بتعلمها إلى يوم القيامة، ولم تزل موجودة في كل زمان، إلى زمان المواجهين بالقرآن. فلما خاطبهم اللّه تعالى بالقرآن، وذكر حالة الفلك، وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك في غير وقتهم، وفي غير زمانهم، حين يعلمهم [صنعة] الفلك [البحرية] الشراعية منها والنارية، والجوية السابحة في الجو، كالطيور ونحوها، [والمراكب البرية] مما كانت الآية العظمى فيه لم توجد إلا في الذرية، نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها فقال: { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } أي: المملوء ركبانا وأمتعة. فحملهم اللّه تعالى، ونجاهم بالأسباب التي علمهم اللّه بها، من الغرق، و[لهذا] نبههم على نعمته عليهم حيث أنجاهم مع قدرته على ذلك، فقال: { وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ } أي: لا أحد يصرخ لهم فيعاونهم على الشدة، ولا يزيل عنهم المشقة، { وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ } مما هم فيه { إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } حيث لم نغرقهم، لطفا بهم، وتمتيعا لهم إلى حين، لعلهم يرجعون، أو يستدركون ما فرط منهم. { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } أي: من أحوال البرزخ والقيامة، وما في الدنيا من العقوبات { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأسا، ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال: { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } وفي إضافة الآيات إلى ربهم، دليل على كمالها ووضوحها، لأنه ما أبين من آية من آيات اللّه، ولا أعظم بيانا. وإن من جملة تربية اللّه لعباده، أن أوصل إليهم الآيات التي يستدلون بها على ما ينفعهم، في دينهم ودنياهم. { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ } أي: من الرزق الذي منَّ به اللّه عليكم، ولو شاء لسلبكم إياه، { قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا } معارضين للحق، محتجين بالمشيئة: { أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ } أيها المؤمنون { إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } حيث تأمروننا بذلك. وهذا مما يدل على جهلهم العظيم، أو تجاهلهم الوخيم، فإن المشيئة، ليست حجة لعاص أبدا، فإنه وإن كان ما شاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن، فإنه تعالى مكَّن العباد، وأعطاهم من القوة ما يقدرون على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أمروا به، كان ذلك اختيارا منهم، لا جبرا لهم ولا قهرا. { وَيَقُولُونَ } على وجه التكذيب والاستعجال: { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } قال اللّه تعالى: لا يستبعدوا ذلك، فإنه [عن] قريب { مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } وهي نفخة الصور { تَأْخُذُهُمْ } أي: تصيبهم { وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } أي: وهم لا هون عنها، لم تخطر على قلوبهم في حال خصومتهم، وتشاجرهم بينهم، الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت الغفلة. وإذا أخذتهم وقت غفلتهم، فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون { فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } أي: لا قليلة ولا كثيرة { وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ }.