Verse. 3747 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَخَلَقْنَا لَہُمْ مِّنْ مِّثْلِہٖ مَا يَرْكَبُوْنَ۝۴۲
Wakhalaqna lahum min mithlihi ma yarkaboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وخلقنا لهم من مثله» أي مثل فلك نوح وهو ما عملوه على شكله من السفن الصغار والكبار بتعليم الله تعالى «ما يركبون» فيه.

42

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: من حيث اللغة فقوله لهم يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية، أي حملنا ذريتهم وخلقنا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يكون عائداً إلى العباد الذين عاد إليهم قوله: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ } تفسير : [يس: 41] وهو الحق لأن الظاهر عود الضمائر إلى شيء واحد. المسألة الثانية: {مِنْ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون صلة تقديره وخلقنا لهم مثله، وهذا على رأي الأخفش، وسيبويه يقول: من لا يكون صلة إلا عند النفي، تقول ما جاءني من أحد كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } تفسير : [ق: 38]، وثانيهما: هي مبينة كما في قوله تعالى: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [الأحقاف: 31] كأنه لما قال: {خَلَقْنَا لَهُم } والمخلوق كان أشياء قال من مثل الفلك للبيان. المسألة الثالثة: الضمير في {مّثْلِهِ } على قول الأكثرين عائد إلى الفلك فيكون هذا كقوله تعالى: {أية : وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوٰجٌ } تفسير : [ص: 58] وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم ويؤيد هذا هو أنه تعالى قال: {أية : وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ } تفسير : [يس: 43] ولو كان المراد الإبل على ما قاله بعض المفسرين لكان قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } فاصلاً بين متصلين، ويحتمل أن يقال الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور تقديره أن يقال: وخلقنا لهم من مثل ما ذكرنا من المخلوقات في قوله: {أية : خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [يس: 36] وهذا كما قالوا في قوله تعالى: {أية : لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } تفسير : [يس: 35] أن الهاء عائد إلى ماذكرنا، أي من ثمر ما ذكرنا، وعلى هذا فقوله: {خَلَقْنَا لَهُم} فيه لطيفة، وهي أن ما من أحد إلا وله ركوب مركوب من الدواب وليس كل أحد يركب الفلك فقال في الفلك حملنا ذريتهم وإن كان ما حملناهم، وأما الخلق فلهم عام وما يركبون فيه وجهان أحدهما: هو الفلك الذي مثل فلك نوح ثانيهما: هو الإبل التي هي سفن البر، فإن قيل إذا كان المراد سفينة نوح فما وجه مناسبة الكلام؟ نقول ذكرهم بحال قوم نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يهلكوا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ } أي مثل فلك نوح، وهو ما عملوه من شكله من السفن الصغار والكبار بتعليم الله تعالى {مَا يَرْكَبُونَ } فيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ} خلقنا مثل سفينة نوح من السفن ما يركبونه "ع"، أو السفن الصغار خلقها كالكبار، أو سفن الأنهار كسفن البحار، أو الإبل تركب في البر كما تركب السفن في البحر "ح" والعرب يشبهون الإبل بالسفن.

ابو السعود

تفسير : {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ} ممَّا يماثلُ الفُلكَ {مَا يَرْكَبُونَ} من الإبل فإنها سفائنُ البرِّ أو ممَّا يُماثل ذلك الفُلكَ من السُّفنِ والزَّوارقِ وجعلها مخلوقةً لله تعالى مع كونِها من مصنوعاتِ العبادِ ليس لمجرَّدِ كون صُنعِهم بأقدارِ الله تعالى وإلهامِه بل لمزيدِ اختصاصِ أصلِها بقُدرته تعالى وحكمته حسبما يُعرب عنه قولُه عزَّ وجلَّ: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} تفسير : [سورة هود: الآية 37] والتَّعبـيرُ عن مُلابستهم بهذه السُّفنِ بالرُّكوبِ لأنَّها باختيارهم كما أنَّ التَّعبـيرَ عن مُلابسة ذُرِّيَّتهم بفُلكِ نوحٍ عليه السَّلامُ بالحَملِ لكونِها بغير شعورٍ منهم واختيارٍ. {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} الخ من تمامِ الآيةِ فإنَّهم معترفون بمضمونِه كما ينطقُ به قولُه تعالى: { أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} تفسير : [سورة لقمان: الآية 32] وقُرىء نُغرِّقهم بالتَّشديدِ وفي تعليق الإغراقِ بمحض المشيئةِ إشعار بأنَّه قد تكامل ما يُوجب إهلاكَهم من معاصيهم ولم يبقَ آلاَّ تعلُّقُ مشيئته تعالى به أي إنْ نشأْ نغرقهم في اليمِّ مع ما حملناهم فيه من الفُلك فحديثُ خَلْقِ الإبل حينئذٍ كلامٌ جيء به في خلالِ الآيةِ بطريق الاستطرادِ لكمالِ التَّماثلَ بـين الإبلِ والفُلكِ فكأنَّها نوعٌ منه أو مع ما يركبون من السُّفنِ والزَّوارقِ {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي فلا مُغيثَ لهم يخرجهم من الغَرَق ويدفعه عنهم قبل وقوعِه وقيل: فلا استغاثةَ لهم من قولِهم أتاهم الصَّريخُ {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} أي ينجُّون منه بعد وقوعِه وقوله تعالى {إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا وَمَتَاعاً} استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ العللِ الشَّاملةِ للباعث المتقدِّمِ والغاية المتأخِّرةِ أي لا يُغاثون ولا يُنقذون لشيءٍ من الأشياءِ إلا لرحمةٍ عظيمةٍ من قبلنا داعيةٍ إلى الإغاثةِ والانقاذِ وتمتيع بالحياة مترتِّب عليهما ويجوزُ أنْ يُرادَ بالرَّحمةِ ما يُقارن التَّمتيعَ من الرَّحمةِ الدُّنيويَّةِ فيكون كلاهما غايةً للإغاثةِ والانقاذِ أي لنوعٍ من الرَّحمةِ وتمتع {إِلَىٰ حِينٍ} أي إلى زمانٍ قُدِّر فيه آجالُهم كما قيل: [الوافر] شعر : ولم أسلمْ لكي أبقَى ولكن سَلِمتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ} بـيانٌ لإعراضِهم عن الآياتِ التَّنزيليةِ بعد بـيانِ إعراضِهم عن الآياتِ الآفاقيةِ التي كانُوا يشاهدونَها وعدم تأمُّلِهم فيها أيْ إذَا قيل لهم بطريقِ الإنذارِ بما نزل من الآيات أو بغيره اتَّقوا {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} من الآفاتِ والنَّوازلِ فإنَّها محيطة بكم أو ما يصيبكم من المكاره مِن حيثُ تحتسبون ومن حيثُ لا تحتسبون أو من الوقائع النَّازلةِ على الأُمم الخالية قبلكم والعذاب المعدِّ لكم في الآخرة أو من نوازل السَّماءِ ونوائب الأرض أو من عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرةِ أو ما تقدَّم من الذُّنوبِ وما تأخَّر. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} إمَّا حال من واوِ واتَّقوا أو غايةٌ له أي راجين أنْ تُرحموا أو كي تُرحموا فتنجُوا من ذلك لما عرفتُم أنَّ مناط النَّجاةِ ليس إلاَّ رحمةَ الله تعالى. وجوابُ إذا محذوف ثقةً بانفهامِه من قوله تعالى:

اسماعيل حقي

تفسير : {وخلقنا لهم من مثله} مما يماثل الفلك {ما يركبون} من الابل فانها سفائن البر فتعريف الفلك للجنس لان المقصود من الآية الاحتجاج على اهل مكة ببيان صحة البعث وامكانه. استدل عليه اولا باحياء الارض الميتة وجعلها سببا لتعيشهم. ثم استدل عليه بتسخير الرياح والبحار والسفن الجارية فيها على وجهه يتوسلون بها الى تجارات البحر ويستحصبون من يهمهم حمله من النساء والصبيان كما قال تعالى {أية : وحملناكم فى البر والبحر}. تفسير : وقيل تعريفه للعهد الخارجى والمراد فلك نوح عليه السلام المذكور فى قوله {أية : واصنع الفلك باعيننا ووحينا} تفسير : فيكون المعنى انا حملنا ذريتهم اى اولاده الى يوم القيامة فى ذلك الفلك المشحون منهم ومن سائر الحيوانات التى لا تعيش فى الماء ولولا ذلك لما بقى للآدمى نسل ولا عقب وخلقنا لهم من مثله اى مما يماثل ذلك الفلك فى صورته وشكله من السفن والزوارق: وبالفارسية [جون زورق وصندل وناو]. فان قلت فعلى هذا لم لم يقل حملناهم وذريتهم مع ان انفسهم محمولون ايضا. قلت اشارة الى ان نعمة التخليص عامة لهم ولاولادهم الى يوم القيامة ولو قيل حملناهم لكان امتنانا بمجرد تخليص انفسهم من الغرق وجعل السفن مخلوقة لله تعالى مع كونها من مصنوعات العباد ليس لمجرد كونها صنعتهم باقدار الله تعالى والهامه بل لمزيد اختصاص اهلها بقدرته تعالى وحكمته حسبما يعرب عنه قوله تعالى {أية : واصنع الفلك باعيننا ووحينا} تفسير : والتعبير عن ملابستهم بهذه السفن بالركوب لانها باختيارهم كما ان التعبير عن ملابسة ذريتهم بفلك نوح بالحمل لكونها بغير شعور منهم واختيار واما قوله تعالى فى سورة المؤمنين {أية : وعليها وعلى الفلك تحملون} تفسير : فبطريق التغليب وجعل بعضهم المعنى الثانى اظهر لانه اذا اريد بمثل الفلك الابل لكان قوله {وخلقناهم} الخ فاضلا بين متصلين لان قوله {وان نشأ نغرقهم} متصل بالفلك واعتذر عنه فى الارشاد بان حديث خلق الابل فى خلال الآية بطريق الاستطراد لكمال التماثل بين الابل والفلك فكأنها نوع منه. وقيل المراد بالذرية الآباء والاجداد فان الذرية تطلق على الاصول والفروع لانها من الذرء بمعنى الخلق فيصلح الاسم للاصل والنسل لان بعضهم خلق من بعض فالآباء ذريتهم لان منهم ذرأ الابناء. وفيه ان الذرية فى اللغة لم تقع الا على الاولاد وعلى النساء كما ذكر اللهم الا ان يراد ذرية ابيهم ادم عليه السلام وهم الاصول والفروع الى قيام الساعة والعلم عند الله تعالى [كفتند سه جيزر الله تعالى راند بكمال قدرت خويش شتران در صحرا وميغ در هوا وكشتى در دريا] وفهم من الامتنان بالحمل جواز ركوب البحر الا من دخول الشمس العقرب الى آخر الشتاء فانه لا يجوز ركوبه حينئذ لانه من الالقاء الى التهلكة كما فى شرح حزب البحر للشيخ الزروقى قدس سره

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وَخَلَقْنا لهم، من مثل الفُلْكِ مطلقاً ما يركبون من الإبل التي هي سفائن البر، وعلى الوجه الأول معناه: وخلقنا لهم من مثل ذلك الفلك المشحون وصورته من السفن والزوارق، التي عُمِلت بعد سفينة نوح (عليه السلام)، ما يركبون فيها كما ركب فيه. انظر كيف روعِيَتْ المناسبة اللفظية والمعنوية أولاً بين لفظي "الفلك"، و "الفلك" في الآيتين القرينتين. أما المناسبة اللفظية فهي ظاهرة، أما المناسبة المعنوية فمنها ما نقلناه أوَّلاً في تفسير الفَلَك - بفتحتين -، ومنها ما ذكرناه ثانياً في تفسير الفُلْك - بالضم -. ومنها: أنه لا بُدَّ لحركة كل منهما، بل لحركة كل من الثلاثة من محرك نفساني ذي إدراك ونُطْق، أما في الأخيرين فظاهر مشهور للعامة، وأما في الفَلَك بمعنى السماء، فهو أيضاً مبيَّن مكشوف للخاصة. ومنها: أنه لا بُدَّ لِحَرَكَة كلٍ منها إلى محرك ملاصق هو طبيعة أو صورة، فيحتاج كل منهما إلى المُحَرِّكين المباشِرين للتحريك: أحدهما: المحرّك المدبِّر المفارِق - من نَفْس فَلَكي أو إنساني - وثانيهما: المحرك المباشر من طبيعة طائعة مجبورة، أو كارهة مقسورة. ومنها: أنها تحتاج فوق المحرِّكَين المذكورَيْن، إلى محرِّك آخر مباين مفارق، هو من رياح رحمة الله، وبوارق ألطافه الخاصة والعامة، العقلية والحسية، فإن النفوس الفَلَكيَّة، كما بُرْهِنَ في الحكمة، لا تُحَرِّك الأفلاك حركة دائمة إلاّ بإمداد العقول القادسة، التي هي بوارق لطف الله، وجهات جوده ورحمته، بتجَدُّدِ اشراقاتها، وتوارُدِ رياح رَحَمَاتها، كما في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}تفسير : [الرعد:12]. وكذا النفوس الإنسانية، التي هي عمّال السفائن، لا تنفع دقائق حِيَلِها وتدابيرها، في جَرْي السفن من دون هبوب الرياح من رحمة الله المالكة لجهات حركاتها، كما قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [الأعراف:57] وكذا الحال في "فَلَكَة المغزل" فاعْرِفْه. ثم انظر كيف تحققت المشابهة ثانياً، بين "الفُلْك المشحون" و "ما يركبون"، أي: مراكب البحار، ومراكب البراري في الشكل والهيئة، ثم الخِلْقَة والطبيعة، ثم القوائم والأعمدة، ثم الجَرْيُ والحركة، ثم الآلات من الطناب والحبال والأعصاب وغير ذلك، مما يحتاج بيانه إلى التفصيل، ويؤدي ذكره إلى التطويل، فاقْضِ العَجَبَ حامداً لله، مثنياً عليه في خلقه تعالى هذه المخلوقات العجيبة، والعظيمة المنافع، ثم في إخباره تعالى عنها، وعن منافعها بأوْجَزِ عِبَارَة وأنور إشارة. تلويح تأويلي واْعلَمْ أصْلَحَكَ الله، أن مثلك في هذه الدار، وبحر الهيولى الموّاجة بما فيها من الصُّوَرِ والآثار، مثل السفينة في البحر، المُحْكَمَة الآلة، المُتْقَنَة الأداة خَلَقَها الله بِحِكُمَتِه، وسخَّرها لك بعنايته، وأجْراها برياح عنايته، فإنها لا يتهيأ لها السير إلاّ بِهُبُوبِ الرياح المحرِّكة إياها إلى الجهات، فإذا سكنت الريح، وقفت السفينة عن ذلك الجَرْي، ولا ينقص شيء من آلاتها إلاّ ذهابُ الرياح، كذلك جسد الإنسان إذا فارقته النفس وانقطعت عنه الإفاضة، لا يُتهيأ له تلك الحركة، ولم يُعْدَم من الله ولا ذهب من أعضائه شيء، إلاّ ذهابُ الريح وانقطاع الفَيْضِ عنه فقط. ومعلوم بالبرهان، أن الريح ليس من جوهر السفينة ولا السفينة حاملة لها، بل هي محرِّكة لها، ولا تقدر السفينة ومَنْ عليها على استرجاع الريح بعد ذهابها، بحيلة يعملونها أو صنعة يصنعونها، كذلك الروح الذي من أمر ربه، ليس من جوهر الجسم ولا الجسم حامل للروح، ولا يقدر أحد من العالَم على استرجاع النفس إذا فارقت. فإذا تَحَقَّقَ ذلك، وَثَبَتَ أن جسمك كسفينة مُعَدَّة لهبوب الرياح بها، وورودها عليها، عُلِمَ أن هلاك السفينة إذا هلكت من أحد الحالين: إما بفساد جُرْمِها، وانحلال تركيبها فيدخلها الماء، ويكون ذلك سبباً لغرقها وهلاك من فيها إن غفلوا عنها، ولم يتداركوا بالإصلاح لها والتفقد لحالها، كهلاك البدن من غَلَبةِ أحَدِ العناصر، ودخول الرطوبة المعفّنة في البدن من بحر الهيولى، من تهاون صاحبه به وغفلته عنه، فلا تبقى الروح معه إذا فسد مزاجه، وتعطّل نظامه، وتَعَوَّجَتْ نِسْبته، وضَعُفَتْ آلته، كما لا تبقى الريح للسفينة، والريح موجودة في هبوبها غير معدودة، كما أن الروح باقية ببقاء علَّتها في انعقاد معادها. وأما القسم الثاني: فهو أن يكون هلاك السفينة بقوة الريح العاصفة الهابّة الواردة منها على السفينة، ما ليس في وسع آلتها حملُها ولا القدرة عليها، فتضعف الآلة وتكسر السفينة، فإن كان من فيها عارفين بعلم السباحة، اطمأنت نفوسهم، ورضوا بقضاء الله فيهم، وَوَعَظَ بعضهم بعضاً، فنجوا عن ذلك من الهلاك في البحر. كذلك حال الحكماء العارفين بأحوال المبدء والمعاد، والكاملين في العلم والعمل، الناجين من غرق بحر الهيولى، العالمين بِعلم السباحة، بل الطيران في جوّ عالم القدس، بجناحي المعرفة والتقوى. فإذا علمت هذا فنقول لك: "الذرية" في قوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [يس:41] إشارة إلى الروح الإنسانية، و "الفلكِ المشحون" إشارة إلى البدن المخلوق كالسفينة، لأجل استكمال النفس وإخلاصها من هذه الدار، ومنزل الأشرار، لكونها في أول الفطرة أمراً ضعيفاً شبيهاً بالعدم، وعقلاً هيولانياً يكون كمالاته بالقوة، فيحتاج كالطفل إلى ما يكون له بمنزلة المهد. فَكَوْنُه "مشحوناً"، إشارة إلى كون البدن مملوءاً بالقوى المدركة والمُحَرِّكة، التي هي بمنزلة سكّان السفينة وعمّالها، ولكلٍّ منهم عمل خاص، وآلة مخصوصة لجريان السفينة. وقوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} إشارة إلى البدن المثالي البرزخي، الذي تتعلق به النفس، وتَرْكَبُ عليه، ما دامت تكون في عالم البرزخ عند القبر قبل البعث، كما ذهب إليه الأقدمون من الحكماء، ومال إليه كثير من الإسلاميين، ودلَّ عليه الكتابُ والسُّنة، وأيّدته الإمارات والشواهد، كانذارات النبوة والرؤيا الصالحة في حكايات الموتى وغيرهما، مما يؤدي بيانه إلى التطويل، وموعد ذكره مقام أَلْيَقُ من هذا في التنزيل. تنبيه عِرْفاني هذه الدنيا الفانية المهلكة، الداثرة الملهية، هي بعينها طريق إلى الآخرة في حق مَن عَرَفَها، وعَرَفَ درجاتِ العبد إلى الله سبحانه، إذ يعرف بنور البصيرة، أنها منزل من منازل السائرين إلى الله، وهي كجزيرة في البحر، أُعِدَّ فيها العَلَفُ والزاد وأسباب السفر إلى المقصود، فمن تَزَوَّدَ منها لآخرته، واقتصر منها على قدر الضرورة، فقد ربحت تجارته، وفاز بنعيم الآخرة، ومَن عَرَّجَ عليها، واشتغل بلذّاتها، هَلَكَ وخسر خسراناً مبيناً. ومثال ذلك، الخلق فيها، كَمَثَل قوم رَكِبوا في سفينة، فانتهت السفينة بهم إلى جزيرة، فأَمَرَهُم الملاّح بالخروج لقضاء الحوائج، وخّوفهم المقام واستعجال السفينة فتفرقوا فيها، فبادر بعضهم، وقضى حاجته ورجع إلى السفينة، فوجد مكاناً خالياً واسعاً. ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة وأنوارها، وطرائف أحجارها وأصنافها، وعجائب غياضها ونَغَمَات طيورها، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلاّ مكاناً ضيِّقاً. وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار، وأعجبه حُسْنُها، فلم يسمح لنفسه إلاّ بأن يستصحب شيئاً منها، فلم يجدْ في السفينة إلاّ مكاناً ضيِّقاً، وزادته الأحجار ثقلاً على ثقل، وضيقاً على ضيق، فلم يقدر على رميها، ولم يجد لها مكاناً فحملها على عنقه وهو ينوء تحت أعبائه. وَوَلج بعضهم الغياض، ونسي المركب، واشتغل بالتفرّج على تلك الأزهار، والتناول من تلك الثمار، وهو في تفرّجه غير خال من خوف السِّباع، والحذر من السَقَطَات والظلمات، فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها، فبقي على الساحل فافترسته السباع ومزَّقته الهَوَامّ. فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا، وأصنافهم بالنسبة إلى العُقْبى، فتأمَّلْهَا واستخرج وجه الموازنة إن كنت ذا بصيرة، والمطابقة بين هذه الآية والآية الآتية من قوله: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} [يس:43-44]:

الجنابذي

تفسير : من الدّوابّ لتيسير المشى فى البرّ لهؤلاء الضّعفاء.

اطفيش

تفسير : {وخلقنا لهم من مثله} اي من مثل الفلك. {ما يركبون} من الابل فلها سفن البر واذا قلنا الفلك سفينة نوح فمثله هو سائر السفن والزوارق إلى يوم القيامة في البحور والأنهار.

الالوسي

تفسير : {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } عليه بالإبل فإنها سفائن البر لكثرة ما تحمل وقلة كلالها في المسير، وإطلاق السفائن عليها شائع كما قيل:شعر : سفائن بر والسراب بحارها تفسير : وروي ذلك عن الحسن وعبد الله بن شداد، وفسره مجاهد بالأنعام الإبل وغيرها، وعن أبـي مالك وأبـي صالح وغيرهما وهي رواية عن ابن عباس أيضاً أن المراد بالفلك سفينة نوح عليه السلام على أن التعريف للعهد فما عبارة عما سمعت أيضاً عند بعض وعند آخرين هي السفن والزوارق التي كانت بعد تلك السفينة. واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام. وأجيب بأن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم، وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه أبلغ في الامتنان حيث تضمن بقاء عقبهم وأدخل في التعجب ظاهراً حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز لأنه كان الظاهر أن يقال حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم فذكر الذرية يدل على بقاء النسل وهو يستلزم سلامة أصولهم فدل بلفظ قليل على معنى كثير. وقال الإمام: يحتمل عندي أن التخصيص لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم أي لم يكن الحمل حملاً لهم وإنما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي حملنا ذريات جنسهم وهو كما ترى، وقيل: ضمير {لَهُمْ } لأهل مكة وضمير {ذُرّيَّتُهُم } للقرون الماضية الذين هم منهم وحكي ذلك عن علي بن سليمان وليس بشيء، وجوز الإمام كون الضميرين للعباد في قوله تعالى: { أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ }تفسير : [يس: 30] ولا يكون المراد في كل أشخاصاً معينين بل ذلك على نحو هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم على معنى قتل بعضهم بعضاً فالمعنى آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وفيه من البعد ما فيه. ورجح تفسير {مَا } بالإبل ونحوها من الأنعام دون السفن بأن المتبادر من الخلق الإنشاء والاختراع فيبعد أن يتعلق بما هو مصنوع العباد. وتعقب بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى عند أهل الحق وتبادر الإنشاء ممنوع وعليه يكون في الآية رد على المعتزلة كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }تفسير : [الصافات: 96] على تقدير كون (ما) موصولة، و {مِنْ } تحتمل أن تكون للبيان وأن تكون للتبعيض؛ وجوز زيادتها على نظر الأخفش ورأيه، والظاهر أن ضمير {لَهُمْ } الثاني عائد على ما عاد عليه ضمير الأول، وجوز عوده على الذرية، وجوز أيضاً عود ضمير {مّثْلِهِ } على معلوم غير مذكور تقديره من مثل ما ذكرنا من المخلوقات في قوله سبحانه: {أية : سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلارْضُ }تفسير : [يس: 36] وهو أبعد من العيوق، وأياً ما كان فلا يخفى مناسبة هذه الآية لقوله تعالى: {أية : كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }تفسير : [يس: 40] وإنما لم يؤت بها على أسلوب أخواتها بأن يقال وآية لهم الفلك حملنا ذريتهم فيه كما قال سبحانه: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا }تفسير : [يس: 33] {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يس: 37] لأنه ليس الفلك نفسه عجباً وإنما حملهم فيه هو العجب. وقرأ نافع وابن عامر والأعمش وزيد بن علي وأبان بن عثمان {ذرياتهم} بالجمع، وكسر زيد وأبان الذال.

د. أسعد حومد

تفسير : (42) - وَخَلَقَ اللهُ تَعَالَى لِلْعِبَادِ وَسَائِلَ نَقْلٍ أُخْرَى تُمَاثِلُ السُّفُنَ التي تَمْخُرُ عُبَابَ البِحَارِ. مِنْهَا الإِبل، وَحَيَوانَاتٌ الجَرِّ والنَّقْلِ.. كَالْخَيْلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ والفِيَلَةِ وغَيْرِهَا، وَمِنْهَا الوَسَائِلُ الحَدِيثَةُ مِنْ سُفُنٍ وَقُطُرٍ وَمَرْكَبَاتٍ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} معناه السّفنُ. وقال: الإِبلُ.