Verse. 3785 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْاَخْضَرِ نَارًا فَاِذَاۗ اَنْتُمْ مِّنْہُ تُوْقِدُوْنَ۝۸۰
Allathee jaAAala lakum mina alshshajari alakhdari naran faitha antum minhu tooqidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذي جعل لكم» في جملة الناس «من الشجر الأخضر» المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب «نارا فإذا أنتم منه توقدون» تقدحون وهذا دال على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفأ النار، ولا النار تحرق الخشب.

80

Tafseer

الرازي

تفسير : ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه، وهي كحرارة جارية فيه فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه، فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تحضرون حيث منه توقدون، وإن استبعدتم خلق جسمه فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فإن الله خلق السموات والأرض فبان لطف قوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} نبّه تعالى على وحدانيته، ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يشاهدونه من إخراج المحرِق اليابس من العود النديّ الرطب. وذلك أن الكافر قال: النطفة حارة رطبة بطبع الحياة فخرج منها الحياة، والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياةٰ فأنزل الله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} أي إن الشجر الأخضر من الماء والماء بارد رطب ضد النار وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار؛ فهو القادر على إخراج الضد من الضد، وهو على كل شيء قدير. ويعني بالآية ما في المَرْخ والعَفَار، وهي زنادة العرب؛ ومنه قولهم: في كل شجر نار وٱسْتَمجَد المَرْخُ والعَفَار؛ فالعَفَار الزَّنْد وهو الأعلى، والمَرْخ الزَّنْدة وهي الأسفل؛ يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار. وقال: {مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ} ولم يقل الخضراء وهو جمع، لأنه رده إلى اللفظ. ومن العرب من يقول: الشجر الخضراء؛ كما قال عز وجل: {أية : مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ }تفسير : [الواقعة: 52 ـ 53]. ثم قال تعالى محتجاً {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} أي أمثال المنكرين للبعث. وقرأ سلاّم أبو المنذر ويعقوب الحضرمي: «يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ» على أنه فِعْل. {بَلَىٰ} أي إن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم؛ فالذي خلق السموات والأرض يقدر على أن يبعثهم. {وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } وقرأ الحسن بٱختلاف عنه «الْخَالِقُ». قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } قرأ الكسائي «فَيَكُونَ» بالنصب عطفاً على «يقول» أي إذا أراد خلق شيءٍ لا يحتاج إلى تعب ومعالجة. وقد مضى هذا في غير موضع. {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} نزّه نفسه تعالى عن العجز والشرك. وملَكوتُ وَمَلَكُوتَي في كلام العرب بمعنى ملك. والعرب تقول: جَبَرُوتَي خيرٌ مِن رَحَمُوتَي. وقال سعيد عن قتادة: «مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ» مفاتح كل شيء. وقرأ طلحة بن مصرِّف وإبراهيم التيمي والأعمش، «مَلَكَةُ»، وهو بمعنى ملكوت إلا أنه خلاف المصحف. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي تردّون وتصيرون بعد مماتكم. وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ السُّلَميّ وزِرّ بن حُبيش وأصحاب عبد الله «يَرْجعُونَ» بالياء على الخبر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ } في جملة الناس {مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ } المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب {نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } تقدحون، وهذا دال على القدرة على البعث، فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفىء النار، ولا النار تحرق الخشب.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ} الذي قدر على إخراج النار من الشجر مع ما بينهما من التضاد قادر على البعث. قيل تُقدح النار من كل شجر إلا العناب وقيل الشجر محمد صلى الله عليه وسلم والنار الهدى والنور الذي جاء به {تُوقِدُونَ} تقتبسون الدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا} بدل من الموصول الاول وعدم الاكتفاء بعطف الصلة للتأكيد ولتفاوتهما فى كيفية الدلالة. والشجر من النبت ماله ساق. والخضرة احد الالوان بين البياض والسواد وهو الى السواد اقرب فلهذا سمى الاسود اخضر والاخضر اسود. وقيل سواد العراق للموضع الذى تكثر فيه الخضرة ووصف الشجر بالاخضر دون الخضراء نظرا الى اللفظ فان لفظ الشجر مذكر ومعناه مؤنث لانه جمع شجرة كثمر وثمرة والجمع مؤنث لكونه بمعنى الجماعة. والمعنى خلق لاجلكم ومنفعتكم من الشجر الاخضر كالمرخ والعفار نارا والمرخ بالخاء المعجمة شجر سريع الورى والعفار بالعين المهملة كسحاب شجر آخر تقدح منه النار. قال الحكماء لكل شجر نار الا العناب فمن ذلك يدق القصار الثوب عليه ويتخذ منه المطرقة والعرب تتخذ زنودها من المرخ والعفار وهما موجدان فى اغلب المواضع من بوادى العرب يقطع الرجل منهما غصنين كالمسواكين وهما اخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو انثى فتنقدح النار باذن الله تعالى وذلك قوله تعالى {فاذا انتم منه توقدون} اذا للمفاجأة والجار متعلق بتوقدون والضمير راجع الى الشجر [والايقاد: آتش افروختن] اى تشعلون النار من ذلك الشجر لا تشكون فى انها تخرج منه كذلك لا تشكون فى ان الله يحيى الموتى ويخرجهم من القبور للسؤال والجزاء من الثواب والعقاب فان من قدر على احداث النار واخراجها من الشجر الاخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفية كان اقدر على اعادة الغضاضة الى ما كان غضا فطرأ عليه اليبوسة والبلى وعلم منه ان الله تعالى جامع الاضداد ألا يرى انه جمع الماء والنار فى الخشب فلا الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب. ويقال ان الله تعالى خلق ملائكة نصف ابدانهم من الثلج ونصفها من النار فلا الثلج يطفئ النار ولا النار تذيب الثلج. وفى الآية اشارة الى شجر اخضر البشرية ونار المحبة فمصباح القلوب انما يوقد منه. قال بعض الكبار ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما تنحدر من معارف القلب آثار الى الجوارح فكذلك قد ترتفع من احوال الجوارح التى هى من عالم الشهادة آثار الى القلب والحاصل انه ينقدح الظاهر بالاعمال فيحدث منها نور يتنور به البال ويزيد الحال شعر : ادخلوا الابيات من ابوابها واطلبوا الاغراض من اسبابها تفسير : نسأل الله الدخول فى الطريق والوصول الى منزل التحقيق

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : فإن المنكر للمعاد لمّا مثّل لإثبات مدعاه من استحالة أن يبعث الإنسان بمثال يتعجب به، وذلك هو تكوّن الإنسان من العظم البالي، فضرب الله مثالاً آخر في مقابلة مثاله، بكون تكوّن ما يتكوّن منه أعجب وأبعد في نظر العقل مما يتعجب هو منه، ومع ذلك فهو أمر معلوم مشاهد لا يمكن لأحد إنكاره، فذكر من بدائع خلقه وعجائب فطرته، مثال انقداح النار من الشجر الأخضر، وهو أمر عجيب الشأن كثيراً، فإن النار مضادة للماء بكلتا كيفيتيه، لحرارتها وبرودته، ويبوستها ورطوبته، فينطفي عند وصوله إليها، فكيف تتولد هي منه. فلو قيل لأحد: إن الشجر الرطب المطفي للنار يتولد منه نار محرقة له، وأن النار تنقدح من الشجر الأخضر، وأنها من الزناد التي توري بها الأعراب وأهل البوادي، كما أذعن به ابتداء، فالمرخ والعفار من الأشجار لها هذه الخاصية، يقطع منهما غصنتان مثل السِواكين، وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيتخذ الرجل وقوده منهما ويسحق "المرخ" وهو الذكر على "العفار" وهي أنثى فتنقدح له النار بإذن الله. وقيل: في كل شجر نار، إذا احتاج الإنسان حك بعضه ببعض فيخرج منه النار، وفي أمثال العرب: "في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار". وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلاّ وفيها نار إلاّ العنّاب. قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصّارين. و"الأخضر" بالتذكير، لأنه محمول على اللفظ - وقرئ "الخضراء" حملا على المعنى، ونحوه قوله تعالى: {أية : مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ}تفسير : [الواقعة:52 - 54] فالذي خلق بقدرته النار المحرقة من الشجرة الرطبة، فبأن يكون قادراً على خلق الإنسان مما بقي منه أحرى، ولإذعان العقول به أوْلىٰ. توضيح تنبيهي وتمثيل تفصيلي إن أكثر أعداء الأنبياء وخصماء الأولياء هم جهلة الطبيعيين وأوساخ الدهريين، ومن يحذو حذوهم - كالأطباء والمتشبهين بالحكماء، المتشبّثين بذيل الفلاسفة - عادتهم أن يأخذوا في طلب العلة واللِّمِيَّة لكل شيء، وجعلوا مدار امتيازهم عن العوام وآحاد أهل الإسلام أن يعترضوا منكرين لكل شيء، لم يعلموا أن خصوصيات المواد الجزئية ليس في وسع العقول البشرية - ما دامت في كورة الطبيعة - أن تقيم الحجة على كل منها، بل لها بعد الإطلاع على كليات المعارف الإعتقادية، قبول الخصوصيات التي لم يقمّ بين يديها دليل على استحالتها عند سماعها عمن لا يشغل سره غير الحق، ولا يتمجمج لسانه بالباطل، أو التوقف فيها إذا لم يترجح فيها جانب على جانب لديه. فالجاهل من الطبيعي ومن يحذو حذوه، يأخذون في طلب علة كل شيء خاصية كالطبيعة التي لسقمونيا لاسهال الصفراء، وطبيعة افتيمون لإسهال السوداء، بما ليس في عناصره ومواده ذاك، وكذا الطبيعة المقناطيسية لجذب الحديد، وكما أنهم يطلبون العلة في آحاد البسائط، ويريدون أن تكون العلة مستفادة من عنصر الشيء، ولا يحيلونها إلى الأمور الإلهية التي تنبعث منها أسباب كل شيء ومبادئه، بل يطلبون أن يخيل لهم كل قوة وكل طبيعة حتى تصير مرتسمة في أذهانهم من غير ارتياض لهم في العقليات، ولا مكاشفات ذوقية لهم في السمعيات، ولم يعلموا أن غاية ما يمكن أن يعطى من السبب في وجود الطبائع وترتب آثارها العجيبة، من جذب المقناطيس، وتورّي المرخ والعفار، وسُمِّية البيش وترياقية الجدوار أمور ثلاثة: أحدها: الفاعل - وهو تدبير الصانع وجوده وعدله وإعطائه كل شيء بموجب الحكمة والجود ما يليق اعطائه إياه، والصانع أعطى الهيولى التي أبدعها من الصور ما كان يجب في حكمته وجوده على التقسيم والتقسيط، الذي كان يقتضيه تقديره وعدله. والثاني: القابل - وهو أن يقال إن القابل كان مستعداً لهذا الضرب من التخليق والتصوير، وكان استعداد ما يحصل له في حال البساطة قبل التركيب استعداداً آخر، وما يحصل له بعد التركيب وتلاحق الأمور به بحسب أنحاء التركيب وأنواع التمزيج استعداً آخر. والثالث: الغاية - وهو الغرض الحكمي في صنع الصانع ما صنع لأجله، وله الخلق والأمر، تعالى عما يصفه الجاهلون - وعن خلو فعله عن داع وغاية كما زعمه الأكثرون - علواً كبيراً. فهذه الأمور غاية ما تصل إليه أفهام العقول، وأما ما وراء ذلك فمما يقصر الإدراك البشري عن إدراكه، ولا يمكن الوصول إليه بطور العقل النظري إلاّ بمتابعة الأنبياء والإقتداء بآثارهم، والاقتباس من مشكاة أنوارهم، والعجب من هؤلاء إذ هم لا يتعجبون من النار كيف تفرّق المجتمع، وكيف تحيل أجساماً كثيرة إلى مثل طبيعتها في ساعة، ولا يشتغلون بالبحث عن علته وغايته، ما يجيبون عنه إذا سئلوا ذلك أن يقولوا: لأن النار حارة. ثم السؤال عائد في النار لِمَ تفعل هذا؟ فيكون منتهى الجواب للطبيعي أن يقول: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل ذلك الفعل. ثم إن سئلوا بعد هذا أنه لِمَ كان هذا الجسم حاراً دون البارد؟ لم يكن جوابهم إلاّ الجواب الإلهي، إن إرادة الصانع هكذا، ثم يتعجبون من حكايات الأنبياء ومعجزاتهم وأخبارهم عن خواص بعض الأشياء، وإنذارهم بالأمور الأخروية وما يترتب على كل فعل إنساني، من الثواب للمحسن، والعقاب للمسيء ويشتغلون في كل حكم بالبحث عن علته وطلب اللميّة له، ولا يقتنعون بجواب المجيب الإلهي، من أن خاصية هذا الشيء ترتب الأثر الفلاني عليه، وأن سبب وجوده على هذا الوجه إرادة الصانع بجهات فاعلية عند حصول الأسباب المستندة إليه تعالى. كما أن سبب كون السماء سماء والأرض أرضاً ارادته وعلمه الأزلي بكيفية نظام العالم، ويسخرون ممن يجيب بهذا الجواب. وليس هذا الجواب قاصراً عن الجواب الأول الذي سبق ذكره، وليس ما يتعجب المنكر للمعاد من احياء العظام الميتة البالية، بأعجب من إذابة النار الحديد والحجر في ساعة قصيرة، لكن الناس تعجبوا عما استندروه، وحملهم التعجب على طلب العلة فيما تعجبوا عنه، ولم يعرض لهم طلب اللمّ فيما كثرت مشاهدتهم له، وإن كان المشاهد أعجب. وفي المركبات العنصرية ما حكمه أعجب من الأمور النادرة، فإن حركة البدن الثقيل إلى فوق وإلى جوانب مختلفة بمجرد إرادة النفس، أعجب من كل عجيب يندر وجوده، ومع ذلك فكم من إنسان لا يتعجب عنها أصلاً لعدم تنبّه قلبه، وأخذ يتعجب من مثل المغناطيس في جذبها الحديد، بل من حركات المشعبذين. وهؤلاء المتفلسفة لما لم يعرفوا الأصول، وأخذوا يتعجبون من النادر ينكرون أمور الوحي وما ينتمي إليه، حيث لم تضطرهم المشاهدة إلى الإقرار إلاّ في دار القرار، وهناك لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً. فهؤلاء أعند المعاندين للحق، وأعدى الأعداء لله ولرسوله، حيث أنكروا الوحي ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، بل الرؤيا والكهانة والوهم والفراسة وكثيراً مما يقرب منها، وذلك لأنهم ليسوا من أهل الحِرَف والصنائع المدنية لتكون درجتهم درجة العوام، أو يكون في وجودهم منفعة يعود إلى أهل المدينة الفاضلة، ولا أنهم من أهل السلامة والتسليم والتقليد ليكونوا محشورين في زمرة من تشبهوا بهم من أهل السعادة الأخروية، ولا لهم قوة الإرتقاء إلى الأمور العالية وتحقيق الحقائق الإلهية ليتحققوا بالمعارف الدينية والأحكام الأخروية. وأما المحققون من الحكماء، ففرقة موجبة لوجود ما ورد في الوحي أو التنزيل وما أخبر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير تأويل، لما أمعنوا في البحث والتحقيق إمعاناً قوياً وبحثاً مستقصى، وفرقة مجوزون لجميع ذلك لما كادت درجتهم أن تبلغ درجة أولئك الفاضلين ولم تبلغها بعد، والمشهورون من أهل الدرج الأولى قليل عددهم - ويوشك أن يكون من أعرفه منهم في هذه الألف سنة بعد انقراض زمن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم ولهم الأدعية الإلهية - لا يزيد عددهم عن أوائل مراتب العدد دون الثواني. ولهذا نحن نكره أن يشتغل الناس بهذه العلوم الربانية إلاّ على نهج التقليد والتسليم إيماناً بالغيب، فإن المستعدين لها قليل، والمستفرغين مجهودهم في سبيلها أقل، والصابرون الواصلون بعد الفراغ أندر كثيراً مثل الكبريت الأحمر، ولهذا السبب وقع المنع في شريعتنا المطهّرة عن البحث عن سر القدر، وعن ماهية الروح التي من عالم الأمر وما يجري مجرى هذين. والله نسأل أن يعصمنا من الضلال، وأن يحرسنا عن التردّي إلى مهوى النكال، وأن يسلك بنا سواء السبيل، ويحفظنا عن التشبيه والتعطيل، والله ولي الفضل والنعمة ومعطي الفيض والرحمة. فالغرض أن الله سبحانه مثّل على المنكرين للمعاد وارتجاع النفوس الآدمية إلى الأبدان وعودها إلى كِلاية الأجساد بأمثلة ثلاثة، كل واحد منها أعجب وأشكل عند العقول البحثية من أمر المعاد: أحدها: مثال تعلق النفس بالبدن، فإنه أمر مشكل عجيب، فإنها كيف تعلقت به، وهي ليست حالّة فيه حلول الأعراض في محالّها، ولا حلول الصور في المواد، فإنها جوهر قائم بنفسه، تتوارد عليه الكيفيات النفسانية من العلوم والأخلاق، وهو يعرف ذاته، ويعرف خالقه ويعرف كثيراً من المعقولات الكليّة من غير حاجة له فيها إلى البدن، ولا إلى شيء من الحواس، لأن شيئاً من هذه المعارف ليس محسوساً، ومن استغنى عن شيء في وجود فعله أو انفعاله فيكون مستغنياً عن ذلك الشيء في وجود ذاته على طريق الأوْلىٰ، فلا يكون وجود النفس في البدن وجود عرض في موضوعه ولا صورة في مادتها. والإنسان في حال حياة البدن يمكن أن يتصور نفسه غافلاً عن المحسوسات كلها، وعن الأبدان والأبعاد والأجرام كلها، وهو في تلك الحالة عارف بنفسه وذاته، ومن كان ذا قدم راسخ في معرفة الباري وعبوديته، فربما يغفل عما سوى الله، ويجد ذاته كرشحة من بحر غير متناهي الفسحة، أو لمعة من نور غير متناهي الشدة، والتجرد لذكر الله على الدوام في بداية السلوك، يفضي بالسالك إلى هذه الحالة، حتى أن لا يحضر في شعوره من المحسوسات والمعقولات سوى الحق الأول تعالى مجده، ولا يشعر بنفسه، ولا بعدم شعوره بنفسه، ولا يشعر بشعوره بالحق، بل يكون شاعراً بالحق فقط، فإن الشعور بالشعور، بالحق حجاب وغفلة عن الحق، وملاحظة الوصال فراق، فالمعنى المتجرد لمعرفة الحق كيف يكون محتاجاً إلى البدن. فعلم أن تعلقها بالبدن ليس تعلق الحالِّ بالمحلّ، وليس أيضاً تعلقها به تعلق المحل بالحالّ وهو ظاهر، ولا أيضاً تعلّقها به تعلّق العلة بالمعلول، ولا المعلول بالعلة - وإلاّ لما وجد أحدهما بدون الآخر - ولا تعلق أحد المضافين الحقيقيّين بالآخر، لأن لكل منهما ذاتاً على حِدة، والمتضايفان ليسا كذلك - لما حقق في مقامه -، ولا أيضاً تحريكها للبدن كتحريك الدافع للشيء بالدفع، ولا تحريك الجاذب للشيء بالجذب، ولا تحريك الحامل كالسفينة للساكن فيها، ولا المركوب للراكب، ولا الحامل للشيء على عاتقه، لأن النفس مجردة، والمجرد يستحيل عليه هذه الحالات الوضعية. فهذا التعلق الذي للنفس بالبدن أمر مشكل لا يعلمه أحد إلاّ بهداية الله وتوفيقه، فأشار سبحانه إليه بقوله: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} تفسير : [يس:78] - إلى قوله - {أية : وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس:79]. والمثال الثاني: مثال توقّد النار من الشجر الأخضر، وهو أيضا أمر عجيب أعجب من تعلّق النفس بالبدن مرة ثانية عند جمهور الأنام بل الخواص، للتضاد الواقع بين الماء والنار، فكيف يكون أحدهما سبباً للآخر - وطبيعة السبب لا بد وأن تكون قريبة من طبيعة المسبَّب - وإليه الإشارة بقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ}. فإن قيل: أن توقّد النار من هذا الشجر، ليس إلاّ بعد السحق والحركة الشديدة، والحركة تحيل جوهر الماء الذي فيه إلى الهواء، ثم إلى النار، وليس أن الشجر الرطب - بما هو رطب - يتولد منه النار. قلنا: لا نسلم ذلك، فإن تولد النار منه أمر محسوس، وانقلابه إلى الهواء ثم إلى النار غير معلوم، لا بد له من برهان، ولا سبيل لنا إليه، ثم هبّ إنه كذلك، فليس التعجّب من توليد الحركة - وهي أمر ضعيفة الوجود بالقوة، شبيهة بالعدم - الصورة الهوائية والنارية من الشجر الأخضر الذي يتقطّر منه الماء بأقل من توليد نفس الشجر لها. والمثال الثالث: خلق مجموع السمٰوات والأرض، فإن وجود الشيء المكاني عن غير المكاني، وتحقق الزماني عن غير الزماني، أعجب العجائب، والله سبحانه مما قد برهن على وجوده وعلى كونه خالق السموات والأرض، ومكوّن الكائنات من غير مكان، وموجد الزمانيات في غير زمان، فأبدع الكل بقدرته إبداعاً واخترعها على مشيّته اختراعاً، فهو الأول بلا أوليّة والمبدء بلا ابتداء، كما أنه الآخر بلا آخرية والمنتهى بلا نهاية، وهو أيضاً مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، فأمثال هذه المتناقضات لفظاً متفقات في حقه تعالى معنى، فجلال الله فوق الأوهام والعقول فضلاً عن الأزمنة والأمكنة. فإيجاده للسماء والأرض وما فيهما من عجائب المكّونات من البسائط والمركبات بمجرد ارادته وأمره بوجود كل منها من غير مادة سابقة، أو حركة لاحقة، أعجب من كل عجيب، فالله سبحانه حيث هو قادر على هذا الخلق العظيم الشأن، القويم البنيان، مع ما فيه من الأنوار الشديدة الضياء، والهياكل العظيمة البهاء، والأشخاص الرفعية المكان، السريعة الدوران، الحثيثة الطوفان، عشقاً وشوقاً إلى مبدعها ومشوّقها ومحركها العزيز المنان، وموجدها من كتم العدم إلى منصّة الوجود والوجدان، والشهود والعرفان، بمجرد قوله الذي إذا قال لشيء "كن" فيكون، فهو بأن يكون قادراً على إنشاء النشأة الثانية للإنسان أخلق وأحرى عند الأذهان السليمة عن آفة الجهل والطغيان، ومرض الجحود والكفران، وإليه الإشارة في قوله سبحانه: {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} [يس:81].

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} هو الشّجر المرخ يؤخذ منه عودان فيسحق باحدهما الآخر فيوقد النّار، ويسمّى العود الاعلى زنداً والاخرى السّفلى زندة {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} ابتداءً فكيف بهم اعادةً {بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ} شأنه الخلق كثيراً ابتداءً واعادةً {ٱلْعَلِيمُ} بكلّ ما يلزم خلق الخلق فى الابتداء او الاعادة، عن الصّادق (ع): وامّا الجدال بالّتى هى احسن فهو ما امر الله به نبيّه (ص) ان يجادل به من جحد البعث بعد الموت واحياءه له فقال حاكياً: وضرب لنا مثلاً ونسى خلقه (الآية) فأراد من نبيّه (ص) ان يجادل المبطل الّذى قال: كيف يجوز ان يبعث هذه العظام وهى رميم؟! قال: قل يحييها الّذى انشأها اولّ مرّةٍ افيعجز من ابتدأه لا من شيءٍ ان يعيده بعد ان يبلى بل ابتداؤه اصعب عندكم من اعادته ثمّ قال: الّذى جعل لكم من الشّجر الاخضر ناراً اى اذا اكمن النّار الحارّة فى الشّجر الاخضر الرّطب ثمّ يستخرجها فعرّفكم انّه على اعادة من بلى اقدر ثمّ قال: او ليس الّذى خلق السّماوات والارض بقادرٍ (الآية) اى اذا كان خلق السّماوات والارض اعظم وابعد فى اوهامكم وقدركم ان تقدروا عليه من اعادة البالى، فكيف جوّزتم من الله خلق هذا الاعجب عندكم والاصعب لديكم ولم تجوّزوا منه ما هو اسهل عندكم من اعادة البالى.

اطفيش

تفسير : {الذي} نعت الذى أو بدل منه ولم يقل عليم، وجعل لكم عطفا على أنشأها للفصل للتأكيد بذكر الذى، ولتفاوت الجعل الأول والثانى {جَعَل لكُم من الشَّجر الأخْضر} أى الطرى متعلقان بجعل، وله مفعول واحد لأنه بمعنى خلق أو أنشأ قدما على قوله: {ناراً} على طريق الاهتمام بالمقدم والتشويق الى المؤخر، وليقرب ذكر نار الى لفظ الايقاد، وأل للجنس، وكل شجر فيه نار إلا أن العفار والمرخ أكثر نارا وأسرع، وقيل خصت بهما، والنار من الشجر الأخضر أمر عجيب إذ تولدت النار من الماء مع تضادهما، والقادر على ذلك قادر على إحياء الموتى بسحق المرخ على العفار، وهما أخضران فيقطر منهما الماء فتقدح النار باذن الله، والمرخ ذكر والعفار أنثى وعكس فى الصحيح، واستثنى بعضهم العناب وقال: لا نار فيه، وشاهدت خروج النار من العرجون الطرى، أو قرب خروجها فجرب ذلك بحكه بعود أو حديد فتشتد حرارة موضع الحك، وتلك النار التى ذكرت تحدث عند الحك، وليست كامنة فى العود الأخضر، وقوله: {من الشجر} لا ينافى ذلك فانها تخرج منه عند الحك {فاذا أنتُم منْهُ تُوقِدون} النار.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً } بدل من الموصول الأول وعدم الاكتفاء بعطف صلته على صلته للتأكيد ولتفاوتهما في كيفية الدلالة، والظرفان متعلقان بجَعَلَ قدما على {نَارًا } مفعوله الصريح للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. و {ٱلاْخْضَرِ } صفة الشجر وقرىء (الخضراء)، وأهل الحجاز يؤنثون الجنس المميز واحده بالتاء مثل الشجر إذ يقال في واحده شجرة، وأهل نجد يذكرونه إلا ألفاظاً استثنيت في كتب النحو، وذكر بعضهم أن التذكير لرعاية اللفظ والتأنيث لرعاية المعنى لأنه في معنى الأشجار والجمع تؤنث صفته، وقيل لأنه في معنى الشجرة وكما يؤنث صفته يؤنث ضميره كما في قوله تعالى: {أية : لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ}تفسير : [الواقعة: 52ـ53]. والمشهور أن المراد بهذا الشجر المرخ والعفار يتخذ من المرخ وهو ذَكَرُ الزند الأعلى ومن العفار بفتح العين وهو أنثى الزندة السفلى ويسحق الأول على الثاني وهما خضراوان يقطر منهما الماء فتنقدح النار بإذن الله تعالى، وكون المرخ بمنزلة الذَكَرِ والعفار بمنزله الأنثى هو ما ذكره الزمخشري وغيره واللفظ كالشاهد له، وعكس الجوهري. وعن ابن عباس والكلبـي في كل شجر نار إلا العناب قيل ولذا يتخذ منه مدق القصارين، وأنشد الخفاجي لنفسه: شعر : أيا شجر العناب نارك أوقدت بقلبـي وما العناب من شجر النار تفسير : واشتهر العموم وعدم الاستثناء ففي المثل (في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار) أي استكثرا من/ النار من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى واسع كثير، ومنه رجل ماجد أي مفضال، واختار بعضهم حمل الشجر الأخضر على الجنس وما يذكر من المرخ والعفار من باب التمثيل، وخصا لكونهما أسرع ورياً وأكثر ناراً كما يرشد إليه المثل ومن إرسال المثل المرخ والعفار لا يلدان غير النار. {فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ } كالتأكيد لما قبله والتحقيق له أي فإذا أنتم من ذلك الشجر الأخضر توقدون النار لا تشكون في أنها نار حقيقة تخرج منه وليست كنار الحباحب، وأشار سبحانه بقوله تعالى: {ٱلَّذِى } الخ إلى أن من قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيته فإن الماء بارد رطب والنار حارة يابسة كان جل وعلا أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضاً فيبس وبلي. ثم إن هذه النار يخلقها الله تعالى عند سحق إحدى الشجرتين على الأخرى لا أن هناك ناراً كامنة تخرج بالسحق و {مّنَ ٱلشَّجَرِ } لا يصلح دليلاً لذلك، وفي كل شجر نار من مسامحات العرب فلا تغفل، وإياك واعتقاد الكمون.

ابن عاشور

تفسير : بدل من { أية : الذي أنشأها } تفسير : [يس:79] بدلاً مطابقاً، وإنما لم تعطف الصلة على الصلة فيكتفى بالعطف عن إعادة اسم الموصول لأن في إعادة الموصول تأكيداً للأول واهتماماً بالثاني حتى تستشرف نفس السامع لتلقّي ما يرِدُ بعده فيفطن بما في هذا الخلق من الغرابة إذ هو إيجاد الضد وهو نهاية الحرارة من ضده وهو الرطوبة. وهذا هو وجه وصف الشجر بالأخضر إذ ليس المراد من الأخضر اللون وإنما المراد لازمه وهو الرطوبة لأن الشجر أخضر اللون ما دام حياً فإذا جفّ وزالت منه الحياة استحال لونه إلى الغُبرة فصارت الخضرة كناية عن رطوبة النبت وحياته. قال ذو الرمة: شعر : ولما تمنَّتْ تأكل الرِّمَّ لم تَدَعْ ذَوابل مما يجمعون ولا خضرا تفسير : ووصف الشجر وهو اسم جمع شجرة وهو مؤنث المعنى بــــ {الأخْضَرِ} بدون تأنيثٍ مراعاة للفظ الموصوف بخلوّه عن علامة تأنيث وهذه لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز فيقولون: شَجَر خضراء على اعتبار معنى الجمع، وقد جاء القرآن بهما في قوله: { أية : لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم } تفسير : [الواقعة: 52ــــ54]. والمراد بالشجر هنا: شجر المَرْخ (بفتح الميم وسكون الراء) وشجر العَفَار (بفتح العين المهملة وفتح الفاء) فهما شجران يقتدح بأغصانهما يؤخذ غصن من هذا وغصن من الآخر بمقدار المِسواك وهما خضْرَاوَانِ يقطر منهما الماء فيسحق المَرْخ على العَفار فتنقدح النار، قيل: يجعل العَفار أعلى والمَرْخ أسفل، وقيل العكس لأن الجوهري وابن السيد في «المخصص» قالا: العَفار هو الزّند وهو الذكَر والمَرْخ الأنثى وهو الزندة. وقال الزمخشري في «الكشاف»: المَرْخ الذكر والعَفَار الأنثى، والنار هي سِقط الزَّنْد، وهو ما يخرج عند الاقتداح مشتعلاً فيوضع تحته شيء قابل للالتهاب من تبن أو ثوب به زيت فتخطف فيه النار. والمفاجأة المستفادة مِن {فإذا أنتم منه تُوقِدُونَ} دالة على عجيب إلهام الله البشر لاستعمال الاقتداح بالشجر الأخضر واهتدائهم إلى خاصيته. والإيقاد: إشعال النار يقال: أَوقد، ويقال: وَقَد بمعنى. وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإِفادة تكرر ذلك واستمراره.

د. أسعد حومد

تفسير : (80) - وَهُوَ تَعَالَى الذِي بَدَأ خَلْقَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ مِنْ مَاءٍ حَتَّى صَارَ خَضِراً نَضِراً، ثُمَّ أَعَادَه حَطَباً يَابِساً تُوقَدُ بِهِ النَّارُ، وَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ بَعْثَ الشَّجَرِ اليَابِسِ أَخْضَرَ نَضِراً، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا يُرِيدُ، لاَ يَمْنَعُهُ شَيءٌ. وَقِيلَ إِنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ شَجَرُ المرخِ والعَفَارِ، الذِي يَنْبُتُ فِي أَرْضِ الحِجَازِ فَيَأتِي مَنْ أَرَادَ قَدْحَ نَارٍ وَلَيْسَ مَعَهُ زِنَادٌ فَيَأْخُذُ مِنْهُ عُودَيْنِ أَخْضَرَينَ وَيَقْدَحُ أَحَدَهُمَا بِالآخَرِ فَتَتَوَّلَّدُ النَّارُ بَيْنَهُمَا كَالزَّنَادِ سَوَاءً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه يسوق لهم دليلاً آخر على طلاقة قدرته، فإن كنتم تُكذِّبون بالبعث، فانظروا إلى هذه الآية المادية التي تشاهدونها، فالذي يُحيي العظام التي رَمَّتْ هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً تُوقِدونها، فيشتعل العود الأخضر، والخضرة دليل الرطوبة والمائية، فكيف تأتي النار من الماء، هذه آية يروْنَها في البيئات العربية كل يوم، ومعلوم أن الحطب هو أول وقود عرفه الإنسان واستخدمه بسلام؛ لأنه أصْفَى وقود، وهو صِحيٌّ لا يلوث البيئة، ولا يضر بها، ولك أنْ تقارن بين وقود الحطب ووقود البترول مثلاً، لتعرف الفَرْق.