٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
79
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ } مخلوق {عَلِيمٌ } مجملاً ومفصلاً قبل خلقه وبعد خلقه.
الخازن
تفسير : {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} أي خلقها أول مرة وابتدأ خلقها {وهو بكل خلق} أي من الابتداء والإعادة {عليم} أي يعلم كيف يخلق لا يتعاظمه شيء من خلق المبدأ أو المعاد {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} قال ابن عباس رضي الله عنهما هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ بالراء والخاء المعجمة والأخرى العفار بالعين المهملة فمن أراد النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتخرج منهما النار بإذن الله تعالى, تقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر منها وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر ناراً وقال الحكماء في كل شجر نار إلا العناب {فإذا أنتم منه توقدون} أي تقدحون فتوقدون النار من ذلك الشجر ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} أي هو القادر على ذلك {وهو الخلاق} يعني يخلق خلقاً بعد خلق {العليم} أي بجميع ما خلق {إنما أمره إذا أراد شيئاً} أي إحداث شيء وتكوينه {أن يقول له كن} أن يكونه من غير توقف {فيكون} أي فيحدث ويوجد لا محالة {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} أي هو مالك كل شيء والمتصرف فيه {وإليه ترجعون} أي تردون بعد الموت والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما كان موطناً يتشوف فيه السامع لهذا الكلام إلى جوابه، استأنف قوله مخاطباً من لا يفهم هذه المجادلة حق فهمها غيره: {قل} أي لهذا الذي ضرب هذا المثل جهلاً منه في قياسه من يقدر على كل شيء على من لا يقدر على شيء، وأعاد فعل الإحياء نصاً على المراد دفعاً للتعنت ودلالة على الاهتمام فقال: {يحييها} أي من بعد أن بليت ثاني مرة، ولفت القول إلى وصف يدل على الحكم فقال: {الذي أنشأها} أي من العدم ثم أحياها {أول مرة} أي فإن كل من قدر على إيجاد شيء أول مرة فهو قادر على إعادته ثاني مرة، وهي شاهدة بأن الحياة تحل العظم فيتنجس بالموت مما يحكم بنجاسة ميتته {وهو بكل خلق} أي صنع وتقدير ممكن أن يخلق من ذلك ومن غيره ابتداء وإعادة {عليم *} أي بالغ العلم، فلا يخفى عليه أجراء ميت أصلاً وإن تفرقت في البر والبحر، ولا شيء غير ذلك، فالآية من بديع الاحتباك: الإحياء أولاً دال على مثله ثانياً، والإنشاء ثانياً دال على مثله أولاً، و {أول مرة} في الثاني دال على "ثاني مرة" في الأول، فهو على كل شيء قدير كما برهن عليه في سورة طه، فهو يوجد المقتضيات لكل ممكن يريده، ويرفع الموانع فيوجد في الحال من غير تخلف أصلاً، فقد بلغ هذا البيان في الدلالة على البعث الجسماني والروحاني معاً النهاية التي ليس وراءها بيان، بعد أن وطأ له في هذه السورة نفسها بما لا يحتمل طعناً بقوله: {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} {من بعثنا من مرقدنا} {فإذا هم جميع لدينا محضرون} {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}. ولما كان مآل هذا المثل الذي علق الإنكار فيه بالرميم استبعاد تمييز الشيء - إذا صار تراباً واختلط بالتراب - عن غيره من التراب، وصف نفسه المقدس بإخراج الشيء الذي هو أخفى ما يكون من ضده، وذلك بتمييز النار من الخشب الذي فيه الماء ظاهر بأيدي العجزة من خلقه، فقال معيداً للوصول تنبيهاً على التذكير بالموصوف ليستحضر ما له من صفات الكمال فيبادر إلى الخضوع له من كان حياً: {الذي جعل لكم} أي متاعاً واستبصاراً {من الشجر الأخضر} الذي تشاهدون فيه الماء {ناراً} بأن يأخذ أحدكم غصنين كالسواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار - وهو أنثى - فتخرج النار! قال أبو حيان: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شجر إلا وفيه نار إلا العناب - انتهى. ولذلك قالوا في المثل المشهور: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار {فإذا أنتم} أي فيتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنكم {منه} أي الشجر الموصوف بالخضرة بعينه {توقدون *} أي توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى، ما هو بخيال ولا سحر بل حقيقة ثابتة بينة، وكأنه قدم الجار لكثرة إيقادهم منه، إيقادهم من غيره لذلك ولعظمته عدماً. ولما كان ذلك من غير كلفة عليهم، قدم الجار تخصيصاً له وعداً لغيره كالمعدوم، فالذي قدر على تمييز النار من الماء والخشب وخبء النار فيهما لا النار تعدو على الخشب فتحرقه ولا الماء يعدو على النار فيطفئها قادر على تمييز تراب العظام من تراب غيرها، ونفخ الروح كما نفخ روح النار في الحطب المضاد له بالمائية. ولما كان التقدير: أليس الذي قدر على ذلك بقادر على ما يريد من إحياء العظام وغيرها، عطف عليه ما هو أعظم شأناً منه تقديراً على الأدنى بالأعلى فقال: {أوليس الذي خلق} أي أوجد من العدم وقدر {السماوات والأرض} أي على كبرهما وعظمتهما وعظيم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع، وأثبت الجار تحقيقاً للأمر وتأكيداً للتقرير فقال: {بقادر} أي بثابت له قدرة لا يساويها قدرة، ومعنى قراءة رويس عن يعقوب بتحتانية مفتوحة وإسكان القاف من غير ألف ورفع الراء أنه يجدد تعليق القدرة على سبيل الاستمرار {على أن يخلق} ولفت الكلام إلى الغيبة إيذابناً بأنهم صاروا بهذا الجدل أهلاً لغاية الغضب فقال: {مثلهم} أي مثل هؤلاء الأناسي أي يعيدهم بأعيانهم كما تقول: مثلك كذا أي أنت، وعبر به إفهاماً لتحقيرهم وأن إحياء العظام الميتة أكثر ما يكون خلقاً جديداً، بل ينقص عن الاختراع بأن له مادة موجودة، وعبر بضمير الجمع لأنه أدل على القدرة، قال الرازي: والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء مقدراً بتقدير الإرادة والعلم واقعاً على وفقهما وإن كانت صفات الله تعالى أعلى من أن يطمحها نظر عقل، وتلحقها العبارات اللغوية، ولكن غاية القدرة البشرية واللغة العربية هذا. ولما كان الجواب بعد ما مضى من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة الاعتراف، قال سبحانه مقرراً لما بعد النفي إشارة إلى أنه تجب المبادرة إليه، ولا يجوز التوقف فيه ومن توقف فهو معاند: {بلى} أي هو قادر على ذلك {وهو} مع ذلك أي كونه عالماً بالخلق {الخلاق} البالغ في هذه الصفة مطلقاً في تكثير الخلق وتكريره بالنسبة إلى كل شيء ما لا تحيط به الأوهام، ولا تدركه العقول والأفهام، ولم ينازع أحد في العلم بالجزئيات بعد كونها، كما نازعوا في القدرة على إيجاد بعض الجزئيات، فاكتفى فيه بصيغة فعيل فقيل: {العليم *} أي البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة، فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماضٍ ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب. ولما تقرر ذلك، أنتج قوله مؤكداً لأجل إنكارهم القدرة على البعث: {إنما أمره} أي شأنه ووصفه {إذا أراد شيئاً} أي إيجاد شيء من جوهر أو عرض أيّ شيء كان {أن يقول له كن} أي أن يريده؛ ثم عطف على جواب الشرط على قراءة ابن عامر والكسائي بالنصب، واستأنف على قراءة غيره بالرفع بقوله: {فيكون *} أي من غير مهلة أصلاً على وفق ما أراد. ولما كان ذلك، تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال: {فسبحان} أي تنزه عن كل شائبة نقص تبزها لا تبلغ أفهامكم كنهه، وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال: {الذي بيده} أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره {ملكوت كل شيء} أي ملكه التام وملكه ظاهراً وباطناً. ولما كان التقدير: فمنه تبدؤون، عطف عليه قوله: {وإليه} أي لا إلى غيره من التراب أو غيره، ولفت القول إلى خطابهم استصغاراً لهم وإحتقاراً فقال: {ترجعون *} أي معنى في جميع أموركم وحساً بالبعث لينصف بينكم، فيدخل بعضاً النار وبعضاً الجنة، ونبهت قراءة الجماعة بالبناء للمفعول على غاية صغارهم بكون الرجوع قهراً وبأسهل أمر، وزادت قراءة يعقوب بالبناء للفاعل بأن انقيادهم في الرجوع من شدة سهولته عليه كأنه ناشئ عن فعلهم بأنفسهم اختياراً منهم، فثبت أنه سبحانه على كل شيء قدير، فثبت قطعاً أنه حكيم، فثبت قطعاً أنه لا إله إلا هو، وأن كلامه حكيم، وثبت بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد بالعقاب، فثبت أنه أرسل الرسل للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه، فثبت أنه أرسل هذا النبي الكريم لما أيده به من المعجزات، وأظهره على يده من الأدلة الباهرات، فرجع آخر السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها، واتصل في كلا الأمرين مفصلها بموصلها، والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد تبكيتا لذلك الانسان المنكر بتذكير ما نسيه من فطرة الدالة على حقيقة الحال وارشاده الطريقة للاستشهاد بها {يحييها} اى تلك العظام {الذى أنشأها} اوجدها {اول مرة} اى فى اول مرة ولم تكن شيئا فان قدرته كما هى لاستحالة التغير فيها والمادة على حالها فى القابلية اللازمة لذاتها وهو من النصوص القاطعة الناطقة بحشر الاجساد استدلالا بالابتداء على الاعادة وفيه رد على من لم يقل به وتكذيب له {وهو} اى الله المنشئ {بكل خلق عليم} مبالغ فى العلم بتفاصيل كيفيات الخلق والايجاد انشاء واعادة محيط بجميع الاجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الاشخاص اصولها وفروعها واوضاع بعضا من بعض من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق فيعيد كلا من ذلك على النمط السابق مع القوى التى كانت قبل. وفى بحر العلوم بليغ العلم بكل شئ من المخلوقات لا يخفى عليه شئ من الاجزاء المتفتتة واصولها وفروعها فاذا اراد ان يحيى الموتى يجمع اجزاءهم الاصلية ويعيد الارواح اليها ويحيون كما كانوا احياء وهو معنى حشر الاجساد والارواح وبعث الموتى. قال القاضى عضد الدين فى المواقف هل يعدم الله الاجزاء البدنية ثم يعيدها او يفرقها ويعيد فيها التأليف والحق انه لم يثبت ذلك ولا نجزم فيه نفيا ولا اثباتا لعدم الدليل على شئ من الطرفين وقوله تعالى {أية : كل شئ هالك الا وجهه} تفسير : لا يرجح احد الاحتمالين لان هلاك الشئ كما يكون باعدام اجزائه يكون ايضا بتفريقها وابطال منافعها انتهى. فالجسم المعاد هو المبتدأ بعينه اى بجميع عوارضه المشخصة سواء قلنا ان المبتدأ قد فنى بجميع اعضائه وصار نفيا محضا وعدما صرفا ثم انه تعالى اعاده باعادة اجزائه الاصلية وصفاته الحالية فيها او قلنا ان المبتدأ قد فنى بتفرق اجزائه الاصلية وبطلان منافعها ثم انه تعالى الف بين الاجزاء المتفرقة وضم بعضها الى بعض على النمط السابق وخلق فيها الحياة. واعلم ان المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الاكثرون كقولهم {أية : ءَإذا ضللنا فى الارض ائنا لفى خلق جديد} تفسير : وقولهم {أية : ائذا متنا وكنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون} تفسير : ومن قال {أية : من يحيى العظام وهى رميم} تفسير : قاله على طريق الاستبعاد فابطل الله استبعادهم بقوله {ونسى خلقه} اى نسى انا خلقناه من تراب ثم من نطفة متشابهة الاجزاء ثم جعلنا له من ناصيته الى قدمه اعضاء مختلفة الصور وما اكتفينا بذلك حتى اودعناه ما ليس من قبيل هذه الاجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحق الاكرام فان كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محلا للحياة اصلا ويستبعدون اعادة النطق والعقل الى محل كانا فيه. ومنهم من ذكر شبهة وان كانت فى آخرها تعود الى مجرد الاستبعاد وهى على وجهين. الاول انه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود فاجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله {قل يحيها الذى انشأها اول مرة} يعنى انه كما خلق الانسان ولم يك شيئا مذكورا كذلك يعيده وان لم يبق شيئا مذكورا. والثانى ان من تفرقت اجزاؤه فى مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه فى ابدان السباع وبعضه فى حواصل الطيور وبعضه فى جدران المنازل كيف يجتمع وابعد من هذه انه لو اكل انسان انسانا وصارت اجزاء المأكول داخلة فى اجزاء الآكل فان اعيدت اجزاء الآكل لا يبقى للمأكول اجزاء تتخلق منها اعضاؤه وان اعيدت الاجزاء المأكولة الى بدن المأكول واعيد المأكول باجزائه لا تبقى للآكل اجزاء يتخلق منها فابطل الله هذه الشبهة بقوله {وهو بكل خلق عليم}. ووجهه ان فى الآكل اجزاء اصلية واجزاء فضلية وفى المأكول ايضا كذلك فاذا اكل انسان انسانا صارت الاجزاء الاصلية للمأكول فضلة بالنسبة الى الآكل والاجزاء الاصلية للآكل وهى ما كان قبل الاكل هى التى تجمع وتعاد مع الآكل والاجزاء المأكولة مع المأكول والله بكل خلق عليم يعلم الاصل من الفضل فيجمع الاجزاء الاصلية للآكل ويجمع الاجزاء الاصلية للمأكول وينفخ فيه الروح وكذلك يجمع الاجزاء المتفرقة فى البقاع المتباعدة بحكمته وقدرته. قال بعض الافاضل لما كان تمسكهم بكون العظام رميمة من وجهين. احدهما اختلاط اجزاء الابدان والاعضاء بعضها مع بعض فكيف يميز اجزاء بدن من اجزاء رميمة يابسة جدا مع ان الحياة تستدعى رطوبة البدن. اشار الى جواب الاول بقوله {وهو بكل خلق عليم} فيمكنه تمييز اجزاء الابدان والاعضاء. والى جواب الثانى بقوله
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قل يا محمد، لهذا المتعجب من الإعادة: إن المحيي لهذه العظام، المعيد لها يوم القيامة، هو الذي أنشأها أول مرة من المادة الترابية ثم المنوية، والتراب أبعد مناسبة إلى الصورة الإنسانية، وكذا النطفة الذائبة الواهنة الأساس، أبعد استعداداً في قبول التقويم من العظم الرميم، فمن قدر على اختراع شيء أولاً فهو على اعادته أقدر، وإنشاؤه عليه ثانياً أسهل وأيسر وهو بكل خلق عليم، سواء كان ابتدائياً أو إعادياً، فيعلم به قبل أن يخلقه أنه إذا خلقه كيف يكون، ويعلم به قبل أن يعيده أنه إذا أعاده كيف يكون، فيكون قادراً عليه. اشارة لا يعبد أن يكون المراد من قوله: وهو بكل خلق عليم، أن مجرد علمه تعالى بوجه الخير في كل شيء، هو السبب الداعي لوجود ذلك الشيء، ومن جملة الأشياء المعلومة له تعالى، إعادة الإنسان، فتكون لا محالة واقعة، لكون علمه تعالى فعلياً. اشارة أخرى يحتمل أن يراد أن أحياء العظام وردها إلى ما كانت غضّة رطبة ذات حياة وحسّ بعد موتها ويبسها وتفتّتها وإن كان بعيداً عن استعدادها واستحقاقها في نظر العقول البشرية، إلاّ أن لكل مادة من المواد يتصور بينها وبين أيّة صورة شريفة أو خسيسة تراد، أموراً متوسطة متلاحقة متفاوتة في القرب والبعد إلى تلك الصورة، ويكون لحوق تلك الأمور واحداً بعد آخر، مقرباً لها من الفاعل الواهب للصور، وطريقاً منها مؤدياً إلى قبول القدرة من خالق القوى والقدر، تسلكه وتنتقل إليه من درجة إلى درجة، حتى تصل إلى مرتبة يشتد بها الإستعداد لقبول تلك الصورة، وتتقرب بها من المعطي الجواد، فلكل شيء طريق خاص إلى الله تعالى إذا سلكه يصل إلى رحمته وفيض وجوده، إذ وجوده منبع كل الكمالات والخيرات - ولكل وجهة هو موليّها -. فقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، أي أنه سبحانه عالم بكيفية خلق كل شيء، وبالطريق التي يتهيّأ بها وجوده، فيسبب أسبابه من تلك الطرق، فيوجده بعد تحصيل أسبابه، ففيه إشارة إلى إحاطة علمه بطرق تأدية الأشياء إلى ما قدّر لها في القضاء السابق، فيعلم طريق كل أحد إلى سعادته وخيره، وطريق كل أحد إلى شقاوته وضره، إلاّ أن الأول منوط بتوفيقه وتسديده، والثاني مترتب على ما كسبته أيدي الناس عند انحرافهم عن الصراط بمتابعة الناس والوسواس. اشارة أخرى هي أن الإنسان لا يحيط علمه بجميع وجوه المناسبات بين الأشياء، فلو اجتمع العقلاء وجمعوا عقولهم في أن يدركوا جهة المناسبة بين المغناطيس وجذبه للحديد لَمَا قدروا على ادراكها، فعلم أن في الطبيعة عجائب غريبة، وللقوى العالية الفعالة والقوى السافلة المنفعلة اجتماعات واتفاقات على أسياء نادرة، فلكل معلول أسباب خفيّة لا يعلمها إلاّ الله. والإنسان لجهله بوجود الأسباب ووجوه المناسبات بين كلّ حادث وسببه، أخذ يتعجب من حدوث الآثار الغريبة عن بعض الأشياء، لكونها غير معهودة الحصول عنده عن هذه الأشياء - كما في هذه المسألة -، فان المعهود عنده حصول الإنسان من مادة منويّة حاصلة من فضول رطوبات الأبوين، ولم يعهد عنده حصول الإنسان مرة ثانية من عظامه الرميمة، فليستبعد غاية الاستبعاد ويتعجب غاية التعجب، على أن أكثر الأشياء لو قطع النظر عن تكرر مشاهدة الإنسان حدوثها، يكون حالها هذا الحال: منها: حدوث الإنسان بعينه عن هذه الأسباب، فإن أحداً لو لم يكن رأى تولد الإنسان، وحكي له كيفيّة تولده عن الأبوين بعد اجتماعهما وانفصال شيء قليل المقدار من أحدهما في جوف الآخر، ثم خروجه بعد تسعة أشهر من مسلك ضيق شخصاً متكثّر الأعضاء، مختلف الأشكال، ذا حواس مختلفة وحركات متفننة، مبائن الحقيقة لتلك الرطوبة في جميع صفاته سوى الجسميّة، ثم بعد خروجه اهتدائه بمصّ الضّرع وبكائه أن منع منه ساعة، ففيه شهوة وغضب، ومحبّة وخصومة، وكذا سائر صفاته وآثاره المعلومة وغير المعلومة، فلا يكاد أن يذعن به. فهكذا حال المنكر للبعث، وتعجبه عن إعادة الإنسان مرة أخرى في دار القيامة، فالله تعالى نبّه على أن تعجبه إنما يكون لجهله بوجه المناسبة بين كل مادة وما يخلق منها، فقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ}تفسير : [يس:77 - 78] إشارة إلى أن التعجب في تولده ابتداءاً أكثر من التعجب في إعادته ثانياً، ففي كون الإنسان موضع التعجب بحسب خلقته من النطفة أولاً، أليق وأولى من كونه كذلك بحسب نشوّه الأخروي من أعضائه البالية ثانياً. وقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}: إشارة إلى أن جهة الإرتباط بين كل مادة وما يطرء عليها من الصور، لا يعلمها إلاّ هو، فيجب على المكلف أن يؤمن بما أخبر به الصادق المصدّق عن ربه. ومما يؤيد هذا الوجه ويؤكده، تعقيب هذه الآية بما يتلوها وهو قوله سبحانه: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس:80].
اطفيش
تفسير : {قل يحييها الذي أنشأها} خلقها. {أول مرة} فإن قدرة الله سبحانه دائمة لا تتغير فهو يوجد ما عدم بالكلية ويحييه ويحيي ما وجد باليا فان ما وجد باليا كالعظم باق على قبول القدرة لذاته وفي تسليم الله موت العظام حتى أجاب بأنه يحييها دليل على ان عظام الميتة بخسة فهي كانت حية فزالت حياتها بغير ذكاة شرعية فنجست وهذا مذهبنا. وقال ابوحنيفة انها لا تحلها الحياة فلا يؤثر فيها الموت فهي طاهرة اذا فردت عن اللحم والشحم وعن بلل الميتة كلها وأجزائها وأن احياءها في الآية عبارة عن ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حساس وهو مذهب بعضنا ويثبت الافراد بالغسل أو بالزمان ويرد ذلك انها تنكسر وتنجبر فلو كانت غير حية لم تنجبر وانها تنمو وتكثر وبعد من قال بموتها يعتبرها بالشجر والعصب عندنا نجس من الميتة وزعم ابو حنيفة انه طاهر وهو باطل والشعر والصوف والوبر كالعظم لا خفي انها حية لكن اجازت اصحابنا الاستنفاع بها وقالوا انها تطهر بالتتريب. وقال بعض منا طاهرة بلا تتريب الا ما تلي بلل الميتة ما اتصل باللحم والجلد وهذا التالي بنفسه يطهر بالغسل والتتريب وقيل ذلك كله ميتة. {وهو بكل خلق} من ابداء واعادة. {عليم} لا يتعاظمه ولا يجهل كيفيته إنما يقول لشيء كن فيكون فكل مخلوق برده كما كان بتركيبه وهيئته ولونه وأحواله كلها واستدل بذلك بقوله. {الذي} أي الذي او خبر ثان {جعل لكم} في جملة الناس. {من الشجر الأخضر نارا} كالمرخ والعفار وكل شجرة الا العناب مع مضادة الماء للنار واكثر ما تورى الاعراب النار من المرخ والعفار يسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو انثى فتقدح النار باذن الله تعالى مع انهما رطبان يقطران الماء وذكر الاخضر وافرد نظرا للفظ الشجر وقرىء الخضراء بتأنيث وافراد الجماعة. {فإذا أنتم منه توقدون} فمن قدر على اخراج النار من الماء والجمع بين الماء والنار في الخشب بدون ان تحرق النار الخشب ودون ان يطفىء الماء النار.
اطفيش
تفسير : {قُل يُحييها الَّذي أنشأها أول مَرةٍ} ومعلوم أن الإعادة أسهل من المبدىء فى الجملة والطباع، فلو قالوا به فى الله سبحانه لم يقل عنهم، وكفروا به أيضا لأن فيه نسبة بعض الصعوبة الى الله حاشاه، والأصل بقاء الموجود وهو القدرة، فلا دليل على زوالها، والقديم لا يتغير، والآية كالنص فى أن العظم تدخله الحياة، وإذا انقطع عن صاحبه، أو مات صاحبه مات فيحيا بعد موته، ولا يلزم من عدم حسها أنها ميتة، فبعض الحى يحس، وبعض لا يحس، كالقرن والشعر والسن، وقد قيل: إنها تحس حسا ضعيفا، وأما ما يظهر من حسها، فلما اتصل به، وكما تخرج من حيى أو تزداد فهى حية، ولو كانت ميتة لتعفنت، وما ذلك إلا لحلول الروح فيها، والتأويل بأصحاب العظام، أو بأن العظام اسم لأصحابها، أو بأن إحياءها ردها طرية خلاف الظاهر، ومجاز فهى نجسة كلحم الميتة، ومن قال: لا تحل فيها الحياة قال بطهارتها اذا زالت الرطوبة واللزوجة عنها، كجلد الميتة {وهُو} الله عز وجل {بكلِّ خلقٍ} مخلوق {عليمٌ} فلا تخفى عنه أجزاء الميت، ومواضع تركيبها واتصالها وقواتها كما كان قبل الموت.
الالوسي
تفسير : { قُلْ } تبكيتاً له بتذكير ما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال وإرشاده إلى طريقة الاستشهاد بها {يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا } أي أوجدها ورباها {أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي في أول مرة إذ لم يسبق لها إيجاد ولا شك أن الإحياء بعد أهون من الإنشاء قبل فمن قدر على الإنشاء كان على الإحياء أقدر وأقدر، ولا احتمال لعروض العجز فإن قدرته عز وجل ذاتية أزلية لا تقبل الزوال ولا التغير بوجه من الوجوه. وفي «الحواشي الخفاجية» كان الفارابـي يقول وددت لو أن أرسطو وقف على القياس الجلي في قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا } الخ وهو الله تعالى أنشأ العظام وأحياها أول مرة وكل من أنشأ شيئاً أولاً قادر على إنشائه وإحيائه ثانياً فيلزم أن الله عز وجل قادر على إنشائها وإحيائها بقواها ثانياً. والآية ظاهرة فيما ذهب إليه الإمام الشافعي قيل ومالك وأحمد من أن العظم تحله الحياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء وبنوا على ذلك الحكم بنجاسة عظم الميتة ومسألة حلول الحياة/ في العظم وعدمه مما اختلف فيه الفقهاء والحكماء، واستدل من قال منهما بعدم حلولها فيه بأن الحياة تستلزم الحس والعظم لا إحساس له فإنه لا يتألم بقطعه كما يشاهد في القرن، وما قد يحصل في قطع العظم من التألم إنما هو لما يجاوره، وقال ابن زهر في كتاب "التيسير": اضطرب كلام جالينوس في العظام هل لها إحساس أم لا؟ والذي ظهر لي أن لها حساً بطيئاً وليت شعري ما يمنعها من التعفن والتفتت في الحياة غير حلول الروح الحيواني فيها انتهى. وبعض من ذهب من الفقهاء إلى أن العظام لا حياة فيها بنى عليه الحكم بطهارتها من الميتة إذ الموت زوال الحياة فحيث لم تحلها الحياة لم يحلها الموت فلم تكن نجسة. وأورد عليهم هذه الآية فقيل المراد بالعظام فيها صاحبها بتقدير أو تجوز أو المراد بإحيائها ردها لما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس، ورجح هذا على إرادة صاحبها بأن سبب النزول لا بد من دخوله وعلى تلك الإرادة لا يدخل، ويدخل على تأويل إحيائها بإعادتها لما كانت عليه، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر، والظاهر مع الشافعية ومن الفقهاء القائلين بعدم نجاسة عظام الميتة من رأى قوة الاستدلال بالآية على أن العظام تحلها الحياة فعلل الطهارة بغير ما سمعت فقال: إن نجاسة الميتة ليست لعينها بل لما فيها من الرطوبة والدم السائل والعظم ليس فيه ذلك فلذا لم يكن نجساً، ومنع الشافعية كون النجاسة للرطوبة وتمام الكلام في الفروع. {وَهُوَ } عز وجل {بِكُلّ خَلْقٍ } أي مخلوق {عَلِيمٌ } مبالغ في العلم فيعلم جل وعلا بجميع الأجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الأشخاص أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من بعض من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق فيعيد كلاً من ذلك على النمط السابق مع القوى التي كانت قبل. والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما تقدم أو معطوفة على الصلة، والعدول إلى الاسمية للتنبيه على أن علمه تعالى بما ذكر أمر مستمر ليس كإنشائه للمنشآت.
د. أسعد حومد
تفسير : (79) - فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ مُذَكِّراً بِمَا نَسُوْهُ مِنْ خَلْقِهِمْ مِنْ عَدَمٍ: يُحْيي العِظَامَ الذِي أَنْشَأهَا وَخَلَقَها أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ عَدَمٍ، وَهُوَ العَلِيمُ بِالعِظَامِ، وَأَيْنَ تَفَرَّقَتْ فِي الأَرْضِ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : إِنَّ رَجُلاً حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ وآيَسَ مِنَ الحَيَاةِ، فَأَمَرَ بَنِيهِ أَنْ يَحْرِقُوهُ، ثُمَّ يَسْحَقُوهُ، ثُمَّ يَدرُوا نِصْفَه فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ فِي يَومٍ رَائِحٍ (شَدِيدِ الرِّيحِ)، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فَيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ. فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ فَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَمَا تَلاَهُ أَنْ غَفَرَ لَهُتفسير : ) (رواه الإِمَام أحمد).
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):