Verse. 3783 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَّ نَسِيَ خَلْقَہٗ۝۰ۭ قَالَ مَنْ يُّـحْيِ الْعِظَامَ وَہِىَ رَمِيْمٌ۝۷۸
Wadaraba lana mathalan wanasiya khalqahu qala man yuhyee alAAithama wahiya rameemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وضرب لنا مثلا) في ذلك (ونسي خلقه) من المني وهو أغرب من مثله (قال من يحيي العظام وهي رميم) أي بالية ولم يقل رميمة بالتاء لأنه اسم لا صفة، وروي أنه أخذ عظما رميما ففتته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أترى يحيي الله هذا بعد ما بلي ورم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم ويدخلك النار".

78

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتة فركبنا فيه الحياة. أي جوابه من نفسه حاضر؛ ولهذا قال عليه السلام: «حديث : نعم ويبعثك الله ويدخلك النار» تفسير : ففي هذا دليل على صحة القياس؛ لأن الله جل وعز ٱحتج على منكري البعث بالنشأة الأولى. {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي بالية. رَمَّ العظمُ فهو رَميمٌ ورِمَام. وإنما قال رميم ولم يقل رميمة؛ لأنها معدولة عن فاعلة، وما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه؛ كقوله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً }تفسير : [مريم: 28] أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة عن باغية. وقيل: إن هذا الكافر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله! فنزلت: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من غير شيء فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عَجْم الذَّنَب. ويقال عَجْبُ الذَّنَب بالباء. {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} أي كيف يبدىء ويعيد. الثانية: في هذه الآية دليل على أن في العظام حياة وأنها تنجس بالموت. وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا حياة فيها. وقد تقدّم هذا في «النحل». فإن قيل: أراد بقوله {مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ} أصحاب العظام، وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة، موجود في الشريعة. قلنا: إنما يكون إذا ٱحتيج لضرورة وليس هاهنا ضرورة تدعو إلى هذا الإضمار، ولا يفتقر إلى هذا التقدير، إذ الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له؛ فإن الإحساس الذي هو علامة الحياة موجود فيه؛ قاله ٱبن العربي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } في ذلك {وَنَسِىَ خَلْقَهُ } من المنيِّ، وهو أغرب من مثله {قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } أي بالية؟ ولم يقل رميمة بالتاء لأنه اسم لا صفة. وروي أنه أخذ عظماً رميماً ففتته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أترى يُحْيي الله هذا بعد ما بَلِيَ وَرَمَّ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : نعم ويدخلك النار ".

ابو السعود

تفسير : فقولُه تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} معطوفٌ حينئذٍ على الجُملة المنفيَّةِ داخلٌ في حيِّز الإنكارِ والتَّقبـيحِ، وأمَّا على التَّقديرِ الأوَّلِ فهو عطفٌ على الجملة الفُجائيَّةِ، والمعنى ففاجأ خصومتنا وضربَ لنا مَثَلاً أي أوردَ في شأنِنا قصَّةً عجيبةً في نفس الأمرِ هي في الغرابةِ والبُعدِ عن العقولِ كالمَثَلِ، وهي إنكارُ إحيائنا العظامَ أو قصَّةً عجيبةً في زعمه واستبعدَها وعدَّها من قبـيلِ المَثَلِ وأنكرَها أشدَّ الإنكارِ وهي إحياؤُنا إيَّاها وجعلَ لنا مَثَلاً ونظيراً من الخلقِ وقاسَ قُدرتنا على قُدرتهِم ونفى الكلَّ على العمومِ. وقوله تعالى: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي خلقَنا إيَّاهُ على الوجهِ المذكورِ الدَّالِّ على بُطلانِ ما ضربه. إمَّا عطفٌ على ضربَ داخلٌ في حيِّزِ الإنكارِ والتَّعجيبِ أو حالٌ من فاعله بإضمارِ قَدْ أو بدونه. وقولُه تعالى: {قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ ضربهِ المثلَ كأنَّه قيل أيَّ مَثَلٍ ضربَ أو ماذا قال فقيل قال: {مَن يُحيي ٱلْعِظَـٰمَ} منكِراً له أشدَّ النَّكيرِ مؤكِّداً له بقوله تعالى: {وَهِىَ رَمِيمٌ} أي باليةٌ أشدَّ البلى بعيدةٌ من الحياةِ غاية البُعدِ فالمَثَلُ على الأوَّلِ هو إنكارُ إحيائهِ تعالى للعظامِ فإنَّه أمرٌ عجيبٌ في نفسِ الأمرِ حقيقٌ لغرابتهِ وبُعدهِ من العقولِ بأنْ يُعدَّ مثلاً ضرورةَ جزمِ العقول ببطلانِ الإنكارِ ووقوعِ المنكرِ لكونهِ كالإنشاءِ بل أهونُ منه في قياسِ العقلِ، وعلى الثَّاني هو إحياؤُه تعالى لها فإنَّه أمرٌ عجيبٌ في زعمهِ قد استبعدَهُ وعدَّه من قبـيلِ المثل وأنكرَهُ أشدَّ الإنكارِ مع أنَّه في نفسِ الأمرِ أقربُ شيءٍ من الوقوعِ لما سبقَ من كونه مثلَ الإنشاءِ أو أهونَ منه، وأما على الثَّالثِ فلا فرقَ بـين أنْ يكون المَثَلُ هو الإنكارَ أو المنكرَ. وعدمُ تأنيثِ الرَّميمِ مع وقوعهِ خبراً للمؤنَّثِ لأنَّه اسمٌ لما بَلِيَ من العظامِ غير صفة كالرُّفاتِ، وقد تمسَّك بظاهرِ الآيةِ الكريمةِ من أثبتَ للعظمِ حياةً وبنى عليه الحكم بنجاسةِ عظمِ الميتةِ، وأما أصحابُنا فلا يقولونَ بحياته كالشَّعرِ ويقولون المرادُ بإحياءِ العظامِ ردُّها إلى ما كانتْ عليهِ من الغضاضةِ والرُّطوبةِ في بدنٍ حيَ حسَّاسٍ {قُلْ} تبكيتاً له بتذكيرِ ما نسيَه من فطرته الدالَّةِ على حقيقةِ الحال وإرشاده إلى طريقةِ الاستشهادِ بها {يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} فإنَّ قدرتَهُ كما هي لاستحالةِ التَّغير فيها والمادَّةُ على حالِها {وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلمِ بتفاصيلِ كيفيَّاتِ الخلقِ والإيجادِ إنشاءً وإعادةً محيطٌ بجميعِ الأجزاءِ المتفتتة المتبدِّدةِ لكلِّ شخصٍ من الأشخاصِ أصولها وفروعها وأوضاعِ بعضها من بعضٍ من الاتِّصالِ والانفصالِ والاجتماعِ والافتراقِ فيعيدُ كلاًّ من ذلك على النَّمطِ السَّابقِ مع القُوى التي كانتْ قبلُ. والجملةُ إما اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمونِ الجوابِ أو معطوفةٌ على الصِّلةِ. والعدولُ إلى الجُملةِ الاسميَّةِ للتَّنبـيهِ على أنَّ علمَه تعالى بما ذُكر أمرٌ مستمرٌّ ليسَ كإنشائهِ للمنشآتِ. وقولُه تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} بدلٌ من الموصول الأوَّلِ. وعدمُ الاكتفاءِ بعطف صلتهِ على صلتهِ للتَّأكيدِ ولتفاوتهما في كيفيَّةِ الدِّلالةِ. أي خلقَ لأجلكم ومنفعتِكم منه ناراً، على أنَّ الجعلَ إبداعيٌّ. والجارَّانِ متعلِّقانِ به قُدِّما على مفعوله الصَّريحِ مع تأخُّرهما عنه رتبةً لما مرَّ من الاعتناء بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ. ووصفُ الشَّجرِ بالأخضرِ نظراً إلى اللَّفظِ. وقد قُرىء الخضراءِ نظراً إلى المَعْنى. وهو المَرخُ والعفارُ يقطعُ الرَّجلُ منهما عُصيَّتينِ مثل السِّواكينِ وهما خَضْراوانِ يقطرُ منهما الماءُ فيسحقُ المرخَ وهو ذكرٌ على العفارِ وهو أُنثى فتنقدحُ النَّارُ بإذنِ الله تعالى وذلك قولُه تعالى: {فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ} فمن قدرَ على إحداثِ النَّارِ من الشَّجرِ الأخضرِ مع ما فيهِ من المائيَّةِ المُضادَّةِ لها بكيفيَّتهِ كان أقدرَ على إعادةِ الغضاضةِ إلى ما كان غضًّا فطرأ عليه اليبوسةُ والبِلى.

السلمي

تفسير : قال عز وعلا: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [الآية: 78]. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: ضرب الأمثال فى القرآن إعلامًا لصحة الطرق للموحدين على حِدَّةٍ والعاملين على حِدَةٍ ليعلموا أن قليلاً من روائح نفحاته خير من كثير توحيدهم ومعاملاتهم. وقال فى قوله {مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أى من يُحيى القلوب الميتة بالقسوة والإعراض عنه فيردها إلى التفويض والتسليم والتوكل والإقبال عليه.

القشيري

تفسير : مَهَّد لهم سبيل الاستدلال، وقال إن الإعادة في معنى الإبداء، فأي إشكالٍ بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ وإنَّ الذي قدر على خَلْقِ النارِ في الأغصان الرَّطبة من المرْخ والعَفَار قادرٌ على خَلْقِ الحياةِ في الرِّمة البالية، ثم زاد في البيان بأن قال: إن القدرة على مِثْلِ الشيء كالقدرة عليه لاستوائهما بكلِّ وجه، وإنه يحيي النفوسَ بعد موتها في العرصة كما يُحْيي الإنسانَ من النطفة، والطيرَ من البيضة، ويحيي القلوبَ بالعرفان لأهل الإيمان كما يميت نفوسَ أهل الكفر بالهوى والطغيان.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} ان فى خلق الانسان وجوه الحسان من علامات قدرته اكثر مما يكون فى الكون لان الكونين والعالمين فى الانسان معجون وفيه علمه معلوم ولو عرف نفسه فقد عرف ربه لان الخليقة مراة الخليقة تجلت فى الخليقة لاهل المعرفة ورب قلب ميت يحيى بجماله بعد موت جهالته واحياوه بمعرفته قال الواسطى ضرب الامثال فى القرأن اعلاما نصحة الطرق الموحدين على حدة وللعالمين على حدة ليعلموا ان قليلا من روائح نفحاته خير من كثير توحيدهم ومعاملاتهم وقال فى قوله من يحيى العظام وهى رميم من يحيى القلوب الميتة بالقسوة والاعراض عنه فيردها الى التفويض والتسليم والتوكل والاقبال عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وضرب لنا مثلا} عطف على الجملة الفجائية اى ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلا اى اورد فى شأننا قصة عجيبة فى نفس الامر وهى فى الغرابة والبعد عن العقول كالمثل وفى انكار احيانا العظام ونفى قدرتنا عليه. قال ابن الشيخ المثل يستعار للامر العجيب تشبيها له فى الغرابة بالمثل العرفى الذى هو القول السائر ولا شك ان نفى قدرة الله على البعث مع انه من جملة الممكنات وانه تعالى على كل شئ قدير من اعجب العجائب {ونسى خلقه} عطف على ضرب داخل فى حيز الانكار والتعجيب والمصدر مضاف الى المفعول اى خلقنا اياه من النطفة اى ترك التفكر فى بدء خلقه ليدله ذلك على قدرته على البعث فانه لا فرق بينهما من حيث ان كلا منهما احياء موات وجماد. وقال البقلى فى خلق الانسان والوجوه الحسان من علامات قدرته اكثر مما يكون فى الكون لان الكونين والعالمين فى الانسان مجموعون وفيه علمه معلوم لو عرف نفسه فقد عرف ربه لان الخليقة مرآة الحقيقة تجلت الحقيقة فى الخليقة لاهل المعرفة ورب قلب ميت احياه بجمالته بعد موته بجهالته {قال} استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عن حكاية ضرب المثل كأنه قيل أى مثل ضرب او ماذا قال فقيل قال {من يحيى العظام} منكرا له اشد النكير مؤكدا له بقوله {وهى رميم} اى بالية اشد البلى بعيدة من الحياة غاية البعد حيث لاجلد عليها ولا لحم ولا عروق ولا اعصاب يقال رمّ العظم يرم رمة بكسر الراء فيهما اى بلى فهو رميم وعدم تأنيث الرميم مع وقوعه خبرا للمؤنثة لانه اسم لما بلى من العظام غير صفة كالرفات. وقد تمسك بظاهر الآية الكريمة من اثبت للعظم حياة وبنى عليه الحكم بنجاسة عظم الميت وهو الشافعى ومالك واحمد واما اصحابنا الخنفية فلا يقولون بنجاسته كالشعر ويقولون المراد باحياء العظام ردها الى ما كانت عليه من الغضاضة والرطوبة فى بدن حى حساس. واختلفوا فى الآدمى هل يتنجس بالموت. فقال ابو حنيفة يتنجس لانه دموى الا انه يطهر بالغسل كرامة له وتكره الصلاة عليه فى المسجد. وقال الشافعى واحمد لا يتنجس به ولا تكره الصلاة عليه فيه وعن مالك خلاف والاظهر الطهارة واما الصلاة عليه فى المسجد فالمشهور من مذهبه كراهتها كقول ابى حنيفة

صدر المتألهين الشيرازي

حديث : روي أن جماعة من كفار قريش منهم أُبَيّ بن خلف الجمحي وأبو لهب والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال واحد منهم: "ألا ترون إلى ما يقول محمد، أن الله يبعث الأموات؟ - ثم قال: - واللاتِ والعُزىّ لأَصِيرَنَ إليه وَلأَخْصِمنّه" وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتّه بيده ويقول: "يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رَمّ؟" قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "نعم - ويبعثكم ويدخلك جهنم" . تفسير : واختلفوا في القائل، فقيل هو أُبَيّ بن خلف - عن قتادة ومجاهد، وهو المروي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، وقيل: القائل هو العاص بن وائل السهمي - عن سعيد بن جبير - وقيل: أُميّةُ بن خلف - عن الحسن -. وتسمية الله قوله: {مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} مثلاً يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه ضرب المثل في انكاره البعث بالعظم البالي، وفتّه بيده، ويتعجب ممن يقول: "إن الله يحييه" ونسي خلقه، أي ترك النظر والتدبر في خلق نفسه، إذ خلق من نطفة، فإن النطفة الذائبة ليست في وهنها وبُعْدها عن الحياة أقل من العظم البالي في بُعْده عنه. وثانيها: أن كونه مثلاً لأجل ما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكارهم قدرة الله على إحياء الموتى بعد تسليمهم انشاءَه ابتداءاً. وثالثها: لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما سلّم من شمول قدرته تعالى بدليل النشأة الأولى. ورابعها: لاشتماله على ما يوجب تشبيهه تعالى بخلقه في العجز من احياء شيء وإيجاد ماهية، فإن قدرته سارية في جميع الأشياء، فإذا قيل: "من الذي يحيي العظام الرميم" كان ذلك تعجيزاً لله وتشبيهاً له بخلقه في اتصافهم بالعجز عن ذلك. و "الرميم": اسم لما بلي من العظام، غير صفة كالرّمة والرُّفات ولذا لم يؤنث مع كونه وقع خبر المؤنث. تبيان في هذه الآية إشارة إلى أن معرفة النفس الإنسانية أساس الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن قوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} يدل على أن جحود الجاحد للحق إنما نشأ من نسيان ذاته وخلقه، فهو بمنزلة عكس لقوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الحشر:19] تأمل. وَهْمٌ وتنوير ومن الفقهاء من استدل بهذه الآية على أن الحياة سارية في العظام، ولولا أن الحياة تحلّها لما صحّ: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس:79]، ففرّع عليه أن عظام الميتة نجسة، لأن الموت يؤثر فيها من قِبَل أنها مما تحلّه الحياة. وهذا الاستدلال فاسد، لأن معنى إحياء العظام الرميم ليس تصيير العظام - بما هي عظام - أحياء، بل إحياؤها انبات أعضاء قابلة للحياة عليها، والغرض إثبات الإعادة للإنسان وصيرورته حياً بعد موته ورمّ عظامه، وليس الإنسان عظماً كما ليس لحماً وعَصَباً، بل مجموعاً مركباً من العظم واللحم وغيرهما. ومعنى حلول الحياة في اللحم دون العظم - كما قيل - ليس أن اللحم بنفسه حيوان دون العظم، بل معناه أن بعض قوى الحيوان كالقوة اللمسيّة وغيرها سارية في اللحم بتوسط الروح البخارية والعصب الحامل إياها، وليست هي سارية في العظم، ولهذا إذا انقطعت الحياة عن الحيوان وفارقت نفسه، تلاشت الأعضاء النافذة فيها قوّة الحياة قريباً، وتغيّرت فوراً دون العظم والشعر وغيرهما.

الجنابذي

تفسير : {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} هو قوله من يحيى العظام بعد اخذها وتفتيتها {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} من نطفة بلا سبق اثرٍ منه والحال انّ احياءه بعد بقاء روحه وسائر آثاره من المادّة والبدن المثالىّ والنّفس الحيوانيّة والنّفس الانسانيّة والرّوح والعقل اسهل {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} من دون اثرٍ منها {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} فيعلم ما بقى منها ممّا ذكرنا ويعلم كيفيّة وصلها وفصلها ووضعها فى مواضعها. اعلم، انّ الانسان له بدن طبيعىّ هو مركب لبدنه المثالىّ وله بدن مثالىّ هو مركب لنفسه الحيوانيّة وهى مركب لنفسه الانسانيّة وهى مركب لروحه وعقله، والباقى منه هو عقله وروحه ونفسه الانسانيّة ونفسه الحيوانيّة وبدنه المثالىّ والفانى منه هو بدنه الطّبيعىّ وهو مادّة معتبرة فى الانسان بنحو الابهام، وانّما التّشخّص والتّحصّل له ليس الاّ بتلك المراتب الباقية، الا ترى انّ بدنه الطّبيعىّ من اوّل استقرار نطفته الى آخر عمره فى الفناء والانحلال والبتّة لا يبقى منه شيءٌ الى آخر عمره ومع ذلك هو هو من غير تبدّلٍ لشخصيّته وتحصّله، وذلك لما كرّرنا ذكره انّ شيئيّة الشّيء هى فعليّته الاخيرة وما - سوى فعليّته الاخيرة مأخوذة بنحو الاجمال فى شخصيّته، وفى الاخبار اشعارٌ بما ذكر فانّه ورد عنهم (ع): انّ اجزاءه الاصليّة تبقى مستديرةً عند صدره يعنى انّ اجزاءه الغير الاصليّة غير معتبرة فيه بنحو التّفصيل، وعن الصّادق (ع): انّ الرّوح مقيمة فى مكانها، روح المحسن فى ضياءٍ وفسحةٍ وروح المسيء فى ضيقٍ وظلمةٍ، والبدن يصير تراباً كما منه خلق، وما تقذف به السّباع والهوامّ من اجوافها ممّا اكلته ومزّقته كلّ ذلك فى التّراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّةٍ فى ظلمات الارض، ويعلم عدد الاشياء ووزنها، وانّ تراب الرّوحانيّين بمنزلة الذّهب فى التّراب، فاذا كان حين البعث امطرت الارض مطر النّشور فتربوا الارض ثمّ تمخض مخض السّقاء فيصير تراب البشر كمصير الذّهب من التّراب اذا غسل بالماء، والزّبد من اللّبن فيجمع تراب كلّ قالب الى قالبه فينتقل باذن الله القادر الى حيث الرّوح فتعود الصّور باذن المصوّر كهيئتها وتلج الرّوح فيها فاذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً، وعنه (ع) فى نزول الآية قال: جاء اُبىّ بن خلف فاخذ عظماً بالياً من حائطٍ ففتّه ثمّ قال: يا محمّد (ص) اذا كنّا عظاماً ورفاتاً ائنّا لمبعوثون خلقاً؟ فنزلت {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً...}.

اطفيش

تفسير : {وضرب لنا مثلا} كلاما عجيبا كالمثل في انكار البعث وهو نفيه القدرة عنا على حياة الموتى وتشبيهنا بخلقنا بوصفنا بالعجز عما عجزوا عنه. {ونسي خلقه} ذهل عن خلقنا اياه من نطفة او تركه وبين الله ذلك المثل بقوله. {قال من يحيي العظام وهي رميم} بالية ولم يقل رميمة لأن فعيلا الذي بمعنى فاعل يجوز تذكيره مع المؤنث اذا كان المؤنث مذكورا أو علامته وهنا مذكور وهو قوله هي الراجح للعظام بمعنى الجماعة وقيل لم يقل رميمة لأنه اسم لا وصف وهو غير مقبول فإنه وصف وقيل رميم بمعنى مرمومة من رميم المتعدي وعلى هذا أيضا انت للعلة المذكورة اولا والواو للحال والاستفهام انكاري.

اطفيش

تفسير : {وضرَبَ لَنا مَثَلا} عطف على ألم ير الانسان لا على مدخول لم لأنها لا تدخل على الماضى، أو عطف على الاسمية قبلها، والمثل جعلهم البعث بعد الموت قصة غريبة أو عجيبة تنكر، أو المراد بالمثل أنهم قاسوا الله تعالى القادر على غيره فى العجز عن أحياء الموتى، ويشبههم من أهل التوحيد من يقول بأن الله تعالى يبعثهم بأجسام أخر غير التى فنيت ولم تبق، والقرآن يرده، وترده الأحاديث، فالصواب أنه يحيى ما بقى من الجسد، ويعيد ما فنى ويجيبه وذلك كله بمرة {ونَسِيَ خلْقَه} أى نسى خلقنا خلقنا إياه من نطفة، أى تركت تذكره والاحتجاج به على نفسه وغيره، أو شبه تركه بالنسيان. {قال} الانسان فى ضرب المثل منكرا لاحياء الموتى {مَنْ يُحيي العظامَ وهَي رميمٌ} بال بلى شديداً وهو بمعنى فاعل من رم اللازم لا المتعدى، وأفرد مذكراً ولم يقل رميمة لأنه على وزن المصدر من الأصوات والسير، والمصدر يصلح لذلك، ولأنه محمول على فعيل بمعنى مفعول كامرأة كحيل، ولغلبة استعماله على غير موصوف قل: عظم رميم، وكثر ذكره بلا ذكر لعظم، فجرى مجرى الأسماء كرجل، ويقال كل اسم مشتق عدل به عن وزنه فانه يعدل عن أحواله بمعنى فاعل أو مفعول، وقيل لأن العظام بوزن المفرد وهو مصدر فاعل بفتح العين مصدر نحو: قاتل قتالا، وما دل على نفار ونحوه، ومفردات كثيرة ككتاب، وقيل: لأنه غير وصف كالرمات والرمة، وإن كان من رم المتعدى، أى أبلاه الله أو أبلته الأرض فلا اشكال لأنه ككحيل بمعنى مكحولة.

الالوسي

تفسير : {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } معطوف حينئذٍ على الجملة المنفية داخل في حيز الإنكار، وأما على الأول فهو عطف على الجملة الفجائية، والمعنى ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلاً أي أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر هي في الغرابة كالمثل وهي إنكار إحيائنا العظام أو قصة عجيبة في زعمه واستبعدها وعدها من قبيل المثل وأنكرها أشد الإنكار وهي إحياؤنا إياها أو جعل لنا مثلاً ونظيراً من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم ونفي الكل على العموم. وقوله تعالى: {وَنَسِىَ خَلْقَهُ } أي خلقنا إياه على الوجه المذكور الدال على بطلان ما ضربه إما عطف على {ضرب} داخل في حيز الإنكار والتعجيب أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه، ونسيان خلقه بأن لم يتذكره على ما قيل وفيه دغدغة أو ترك تذكره لكفره وعناده أو هو كالناسي لعدم جريه على مقتضى التذكر. وقوله سبحانه: {قَالَ } استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية ضربه المثل كأنه قيل: أي مثل ضرب أو ماذا قال؟ فقيل: قال: {مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } منكراً ذلك ناكراً من أحوال العظام ما تبعد معه من الحياة غاية البعد وهو كونها رميماً أي بالية أشد البلى. والظاهر أن {رَمِيمٌ } صفة لا اسم جامد فإن كان من رم اللازم بمعنى بلي فهو فعيل بمعنى فاعل، وإنما لم يؤنث لأنه غلب استعماله غير جار على موصوف فالحق بالأسماء الجامدة أو حمل على فعيل بمعنى مفعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقال محي السنة: لم يقل رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن أخواته، ومثله {بَغِيّاً } في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَت أُمُّكِ بغياً } تفسير : [مريم: 28] أسقط الهاء منها لأنها كانت مصروفة عن باغية، وقال الأزهري: إن عظاماً لكونه بوزن المفرد ككتاب وقراب عومل معاملته فقيل رميم دون رميمة وذكر له شواهد وهو غريب، وإن كان من رم المتعدي بمعنى أبلي يقال رمه أي أبلاه؛ وأصل معناه الأكل كما ذكره الأزهري من رمت الإبل الحشيش فكان ما بلي أكلته الأرض فهو فعيل بمعنى مفعول، وتذكيره على هذا ظاهر للإجماع على أن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وفي "المطلع" الرميم اسم غير صفة كالرمة والرفات لا فعيل بمعنى فاعل أو مفعول ولأجل أنه اسم لا صفة لا يقال لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث؟ ولا يخفى أن له فعلاً وهو رم كما ذكره أهل اللغة وهو وزن من أوزان الصفة فكونه جامداً غير ظاهر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} إلى قوله:{وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}. قد بينا الآيات الموضحة له في سورة البقرة والنحل مع بيان براهين البعث.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْعِظَامَ} {يُحيِي} (78) - وَذَكَرَ أَمْراً عَجِيباً يَنْفِي بِهِ قُدْرَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الخَلْقِ، بَعْدَ أَنْ يَمُوتُوا، وَتَبْلَى عِظَامُهُمْ، وَتُصْبحَ رَمِيماً، فَقَالَ: مَنْ يُحْيي العِظَامَ حِينَما تُصْبحُ رَمِيماً؟ وَنَسِيَ هَذَا الإِنْسَانُ الخَصِيمُ خَلْقَ اللهِ لَهُ مِنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ مَهِينَةٍ، ثُمَّ جَعْلَهُ بَشَراً سَوياً. وَمَنْ فعَلَ ذَلِكَ لاَ يُعْجِزُهُ أَنْ يُعِيدَ الأَمْوَاتَ إِلَى الحَيَاةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تحدَّثنا عن ضرب المثل وقُلْنا: الضرب إيقاع جسم على جسم بعنف، ويُشترط فيه أن يكون الضاربُ أقوى من المضروب، وإلا كانت النتيجة عكسية، ومن ذلك قول الرافعي رحمه الله: شعر : أيَا هَازِئاً مِنْ صُرُوفِ القَدَرِ بِنْفسِكَ تَعْنُفُ لاَ بالقَدَرْ وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا ضَرَبْتَ العَصَا أَمْ ضَرَبْتَ الحَجَرْ؟ تفسير : كذلك ضَرْب المثل هو إيجاد شيء يُوقع على شيء، ليبين لك الأثر الحاسم الفعَّال، فحين تشكّ مثلاً في شيء يُوضِّحه لك بمثَلٍ لا تشك فيه، فيُقرِّبه إلى ذهنك، ومن ذلك قوله تعالى لما أراد أنْ يُوضِّح لنا بطلان الشرك، والفرق بينه وبين التوحيد، قال سبحانه: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. نعم، لا يستوي عبد يتنازعه عدة أسياد، وعبد مِلْك لسيد واحد، كذلك لا يستوي التوحيد والشرك. فقوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} [يس: 78] أي: أبيّ بن خلف، والمثل الذي ضربه أنْ أخذ عَظْماً قد بَلِي، وراح يُفتِّته أمام رسول الله وهو يقول: أتزعم يا محمد أن ربك سيحيي هذا، بعد أن صار إلى ما ترى؟ وإنْ كانت الآيات نزلت في أُبيٍّ، إلا أنها لا تقتصر عليه، إنما تشمل كل مُكذِّب بالبعث، مُنكر لهذه القضية. ومعنى {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس: 78] يعني: لو تذكَّر خَلْقه هو، وتأمل في ذات نفسه وجد الدليل على ما يُكذِّب به؛ لأن الله خلقك من العدم، فصار لك وجود، فإذا مِتَّ بقيتْ منك هذه البقايا التي تُفتِّتها منثورة في الأرض، ومعلوم بحسب ما تفهمه العقول أن الإيجاد من موجود أهون من الإيجاد من العدم {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. الحق سبحانه في هذه الآية يخاطبنا على قَدْر عقولنا ووَفق منطقنا، وإلاَّ فلا يُقال في حقه تعالى هَيِّن وأهون، ولا سهل وأسهل، هذا يُقال في حق البشر فحسب. وقوله: {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] حينما ألقى هذا السؤال على الكافرين المكذِّبين بالبعث يقولون: لا أحد يستطيع أنْ يُحيي الموتى، لماذا؟ لأنه يقيس المسألة على عَجْز القدرة في البشر، لا على طلاقة القدرة في الخالق سبحانه. والعجيب أن الله تعالى يُثبت للإنسان صفة الخَلْق، فيقول: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] والإنسان ينكر ويُكذِّب بقدرة الله في الخَلْق، فإذا كان ربك لم يَضِنّ عليك بأنك خالق، فلا تضنّ عليه بأنه أحسن الخالقين. وقلنا: إذا وجدتَ صفة لله تعالى ووصف بها البشر فلا بُدَّ أنْ تأخذها في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] فلله تعالى وجه لا كالأوجه، وله سبحانه يد لكن ليستْ كالأيدي.. وهكذا؛ لأن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله. الله موجود وأنت موجود، لكن وجودك ليس كوجوده، الله غني وأنت غني، لكن غِنَاك ليس كغِنَى الله، غَنِى الله ذاتيٌّ لا ينفصل عنه سبحانه، أما غناك فموهوب. الله خالق وأنت خالق، لكن فَرْقٌ بين خَلْقك وخَلْق الله، خَلْقك من موجود وخَلْقه تعالى من عدم، خَلْقك جامد لا حياة فيه، وخَلْق الله في حياة فينمو ويتغذى ويتكاثر .. الخ فأنت خالق، لكن ربك سبحانه أحسن الخالقين. إذن: لله تعالى صفات الكمال المطلق، يُفيض منها على خَلْقه فيعطيهم من صفاته تعالى، لكن تظل له سبحانه طلاقة القدرة. ومعنى {رَمِيمٌ} [يس: 78] قديمة بالية تتفتت. ثم يردُّ الحق سبحانه على هذا المكذِّب وأمثاله: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] ومعنى {أَنشَأَهَآ} يعني: من العدم، ولأنْ ينشئها من موجود أَوْلَى، وقوله {أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] في الرد على هذا المكذِّب يوحي بأن هناك مرة أخرى، وإحياءً آخر غير الأول {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] أي: بالخَلْق الأول وبالخَلْق الثاني، فالعلم بالخَلْق الأول أنْ يعطيه صفات ومواهبَ في ذاته، وأنْ يستعمره في الأرض، وأن يجعلَ له منهجاً ينظم حياته فيها. وبهذا المنهج أرشده إلى سبيل الخير، وحذَّره من سبُل الشر، وأوضح له الجزاء على هذا وذاك، وهو سبحانه عليم بالخَلْق الآخر في الآخرة. أي: يعلم كيف يجازيه على ما قدَّم. إذن: معنى {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] يعني: عليم كيف يُكلِّفه، وعليك كيف يجازيه، وعلى قَدْر التكليف يكون الجزاء. الفلاسفة المسلمون أحبوا أنْ يوضحوا لنا هذا المعنى، فقالوا: حينما أراد الله أن يخلق من العدم وقبل أنْ توجد السماء أو الأرض قال: اخرجى يا سماء كوني سماءً فكانت، وهكذا الأرض. إذن: قادريته سبحانه هي التي فعلت، ومقدورية الأشياء هي التي انفعلت، فما الذي انتهى من هذين العنصرين؟ إنهما باقيتان موجودتان: قادرية الفاعل سبحانه، ومقدورية الأشياء.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهِيَ رَمِيمٌ} معناه رُفاتٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] أولم يتفكروا في بدء خلقه، إنا أنشأناه من الذرة التي استخرجناها من صلب آدم، وهي أصغر من العظيم الرميم، ثم أودعناها في النطفة وهي في صلب أبيه مودعة، ثم أودعنا النطفة في رحم أمه والنطفة ميتة، ثم أنشأنا النطفة خلقاً آخر حيَّا، {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، الذي علم أن يخلق آدم من تراب بلا أب وأم، وأنه يخلق حواء بلا أم ويخلق عيسى بلا أب. {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} [يس: 80]؛ أي: من شجر أخضر البشرية نار المحبة {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80]، شجرة بشريتكم ومصباح قلوبكم. {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} [يس: 81]، بهذه الإشارات مهد سبيل الرشاد إلى الاستدلال، وقال: إن الإعادة في الابتداء، فإذا أقررتم بالابتداء فأي إشكال بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ ثم قال: الذي قدر على خلق النار في الأغصان الرطبة من المرخ والعفار قادر على خلق الحياة في الرمة البالية، ثم زاد في البيان بأن قال: إن القدرة على مثل الشيء كالقدرة عليه لاستوائها بكل وجه، وأنه يحيي النفوس بعد موتها في العرصة، كما يحيي الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، ويحيي القلب بالعرفان لأهل الإيمان كما يحيي نفوس أهل الكفر بالهوى والطغيان. وقوله: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، يشير إلى أن الإرادة الأزلية لما تعلقت بإيجاد المكونات تعلقت القدرة الأزلية على وفق الحكمة الزلية بالمقدورات إلى الأبد على وفق الإرادة بإشارة أمر: {كُن فَيَكُونُ} إلى الأبد ما شاء في الأزل، ثم نزه ذاته تعالى عن وصمة العجز عما يريد كينونته، وقال: {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [يس: 83]، أثبت لكل شيء ملكوتاً - ملكوت الشيء: ما هو الشيء به قائم - ولو لم يكن لشيء ملكوت يقوم به لما كان شيء، والملكوتيات قائمة بيد قدرته {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83]، فاختيار أهل القبول وما لاضطرار أهل الرد، عصمنا الله من الرد بفضله.

همام الصنعاني

تفسير : 2498- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ}: [الآية: 78]، قال: حديث : نزلت في أُبَي بن خَلَف: جاء بعظْمٍ نَخِرٍ، فجَعَلَ يذْرُوهُ في الريح، فقال: أيُحيي الله هذا؟ قال النبي صلى الله عليه سلم: نعم يُحيي الله هذا، ويُمتُكَ ويُدْخِلُكَ النَّار .