٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ} قال ٱبن عباس: الإنسان هو عبد الله بن أُبَيّ. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وائل السَّهْمي. وقال الحسن: هو أُبَيّ بن خلف الجُمَحي. وقاله ابن إسحاق، ورواه ٱبن وهب عن مالك. {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} وهو اليسير من الماء؛ نطف إذا قطر. {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ} أي مجادل في الخصومة مبين للحجة. يريد بذلك أنه صار بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً خصيماً مبيناً. وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فقال: يا محمد أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رَم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم ويبعثك الله ويدخلك النار»تفسير : فنزلت هذه الآية.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» تفسير : ونزلت هذه الآيات من آخر يس: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ} إلى آخرهن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء، ففته بيده، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، يميتك الله، ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم» تفسير : قال: ونزلت الآيات من آخر يس، ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، فذكره، ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما. وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم، ففته، وذكر نحو ما تقدم، وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبي ابن سلول إنما كان بالمدينة، وعلى كل تقدير، سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل، أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ} للجنس يعم كل منكر للبعث {أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ} أي: أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة؟ فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين؛ كماقال عز وجل: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [المرسلات: 20 ــــ 22] وقال تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} تفسير : [الإنسان: 2] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة، أليس بقادر على إعادته بعد موته؟ كما قال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا أبو المغيرة، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن ابن ميسرة عن جبير بن نفير عن بشر بن جحاش قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟» تفسير : ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان به، ولهذا قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ} أي: استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السمٰوات والأرض للأجسام والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ولهذا قال عز وجل: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة رضي الله عنهما: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن رجلاً حضره الموت، فلما يئس من الحياة، أوصى أهله: إذا أنا مت، فاجمعوا لي حطباً كثيراً جزلاً، ثم أوقدوا فيه ناراً، حتى إذ أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فامتحشت، فخذوها فدقوها، فذروها في اليم، ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه، ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله عز وجل له» تفسير : فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، وكان نباشاً، وقد أخرجاه في "الصحيحين" من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة، منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر في يوم رائح، أي: كثير الهواء، ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر، فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا هو رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك، وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر له. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ} أي: الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضراً نضراً ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطباً يابساً توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد، لايمنعه شيء. قال قتادة في قوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ} يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه، وقيل: المراد بذلك شجر المرخ والعفار، ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي المثل: لكل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَٰنُ } يعلم، وهو العاصي بن وائل {أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } منيٍّ إلى أن صيّرناه شديداً قوياً {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } شديد الخصومة لنا {مُّبِينٌ } بيّنها في نفي البعث؟.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أو لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نفطةٍ} فيه قولان: أحدهما: أنها نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يجادله في بعث الموتى، قاله عكرمة ومجاهد والسدي. الثاني: أنها نزلت في العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أيحيي اللَّه هذا بعدما أرمّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نعم ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم" تفسير : فنزلت هذه الآيات فيه، قاله ابن عباس. {فإذا هو خصيمٌ مبينٌ} أي مجادل في الخصومة مبين للحجة، يريد بذلك أنه صار بعد أن لم يكن شيئاً خصيماً مبيناً، فاحتمل ذلك أمرين: أحدهما: أن ينبهه بذلك على نعمه عليه. الثاني: أن يدله بذلك على إحياء الموتى كما ابتدأه بعد أن لم يكن شيئاً. قوله عز وجل: {وضَرب لنا مثلاً ونَسي خلقه} وهو من قدمنا ذكره ويحتمل وجهين: أحدهما: أي ترك خلقه أن يستدل به. الثاني: سها عن الاعتبار به. {قال مَن يُحْيِ العظَامَ وهي رَميمٌ} استبعاداً أن يعود خلقاً جديداً. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبه بما فيه دليل لأولي الألباب. {قل يحييها الذي أنشأها أول مَرَّة} أي من قدر عل إنشائها أول مرة من غير شيءٍ فهو قادرعلى إعادتها في النشأة الثانية من شيء. {وهو بكل خَلقٍ عليم} أي كيف يبدىء وكيف يعيد. قوله عز وجل: {الذي جَعَلَ لكم مِنَ الشجر الأخضر ناراً} الآية أي الذي جعل النار المحرقة في الشجر الرطب المَطفي وجمع بينهما مع ما فيهما من المضادة، لأن النار تأكل الحطب، وأقدركم على استخراجها هو القادر على إعادة الموتى وجمع الرفات. ويحتمل ذلك منه وجهين: أحدهما: أن ينبه الله تعالى بذلك على قدرته التي لا يعجزها شيء. الثاني: أن يدل بها على إحياء الموتى كما أحييت النار بالإذكاء. قال الكلبي: كل الشجر يقدح منه النار إلا العناب. وحكى أبو جعفر السمرقندي عن أحمد بن معاذ النحوي في قوله تعالى {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر} يعني به إبراهيم، {ناراً} أي نوراً يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {فإذا أنتم منه توقِدون} أي تقتبسون الدين.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية قال فيها ابن جبير: إنها نزلت بسبب أن المعاصي بن وائل السهمي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم ففته وقال: يا محمد من يحيي هذا؟ وقال مجاهد وقتادة: إن الذي جاء بالعظم النخر أمية بن خلف، وقاله الحسن ذكره الرماني، وقال ابن عباس: الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي ابن سلول. قال القاضي أبو محمد: وهو وهم ممن نسبه إلى ابن عباس لأن السورة والآية مكية بإجماع ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسم أبي هو الذي خلط على الرواة، لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره، من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وحياله، وقال من يحيى هذا يا محمد؟ ولأبي مع النبي صلى الله عليه وسلم مقامات ومقالات إلى أن قتله يوم أحد بيده بالحربة بجرح في عنقه، وروي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي حين فت العظم "الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم" تفسير : ثم نزلت الآية مبينة ومقيمة للحجة في أن الإنسان نطفة ثم يكون بعد ذلك خصيماً مبيناً هل هذا إلا إحياء بعد موت وعدم حياة، وقوله {ونسي} يحتمل أن يكون نسيان الذهول ويحتمل أن يكون نسيان الترك، و"الرميم" البالي المتفتت، وهو الرفات ثم دلهم تعالى على الاعتبار بالنشأة الأولى، ثم عقب ذلك تعالى بدليل ثالث في إيجاد النار في العود الأخضر المرتوي ماء، وهذا هو زناد العرب والنار موجودة في كل عود غير أنها في المتخلخل المفتوح المسام أوجد، وكذلك هو المرخ والعفار، وأعاد الضمير على الشجر مذكراً من حيث راعى اللفظ فجاء كالتمر والحصا وغيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ} أُبي بن خلف جادل في البعث، أو العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففته بيده ثم قال يا محمد: أيحيي هذا الله بعد ما بلى. قال: نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم فنزلت "ع" {خَصِيمٌ} مجادل {مُّبِينٌ} حجة، يجوز أن يذكِّره بذلك نعمه، أو يدله به على قدرته على البعث.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ} الآية، والصحيحُ في سببِ نزولِ الآيةِ هو ما رَوَاهُ ابنُ وَهَبْ عَنْ مَالِكٍ؛ وقالهُ ابنُ إسْحَاقٍ وغيرهُ أن أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ؛ جاء بعَظْمٍ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحِيَالَهُ، وقَالَ: مَنْ يُحْيِي هذا يا محمد؛ ولاَبِيٍّ هذا مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَقَامَاتٌ ومَقَالاَتٌ إلى أن قَتَلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِيدهِ يومَ أحُدٍ؛ طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ في عنقه. وقوله: {وَنَسِىَ خَلْقَهُ} يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ نسيانَ الذُّهُولِ، ويحتملُ أنْ يكُونَ نسيانَ التَّرْكِ، والرَّمِيمُ: البالي المُتَفَتِّتُ، وهو الرُّفَاتُ، ثم دلَّهُم سبحانه عَلى الاعْتِبَارِ بالنَّشْأَةِ الأولى، ثم عَقَّبَ تعالى بدليل ثَالثٍ في إيجادِ النَّارِ في العُودِ الأخْضَرِ المُرْتَوِي ماءً، وهذا هو زِنَادُ العَرَبِ، والنارُ موجودةٌ في كل عودٍ غَيْرَ أَنَّها في المُتَخَلخِلَ المَفْتُوحِ المَسَامِّ أَوْجَدُ، وكذلك هو المَرْخُ والعَفَار، وجمعَ الضميرَ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ في قوله: {مِثْلَهُم}؛ من حيثُ إن السمواتِ والأَرْضَ متضمِّنةٌ مَنْ يَعْقِلُ من الملائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ؛ هذا تأويلُ جماعةٍ، وقيل: {مِثْلَهُم} عائدٌ على الناسِ، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَاماً} تفسير : [يس:71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ}، قيل: المراد بالإنسان حديث : أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ خَاصَمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار تفسير : . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} تفسير : [المجادلة:1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} أي جَدِلٌ بالباطل "مبين" بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن النطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: "خَصِيمٌ" أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى): {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} قرأ زيد بن علي: "ونَسِيَ خَالِقَهُ" بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: "ونَسِيَ خلقه" أي بَدْءَ أمره {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقيس. وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً إعرابه كقوله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم:28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن "باغية". فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون كقولهم: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [السجدة:10] {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} تفسير : [المؤمنين:82] {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: "نَسِيَ خَلْقَهُ" أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء)، ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذيـ(ن) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} أي جعل قدرتنا كقدرتهم "ونسيَ خَلْقَهُ" العجيب وبدأه الغريب. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئاً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيور وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} هذه قراءة العامة، وقرىء الخَضْرَاء اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: {أية : نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} تفسير : [القمر:20] {أية : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة:7]، وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَضْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ} أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال {أَوَلَيْسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج "يَقْدر" فعلاً مضارعاً، والضمير في مثلهم قيل: عائد على الناس لأنهم هم المخاطبون وقيل: على السموات والأرض لتضمنهم مَنْ يعقل، ثم قال: "بَلَىٰ" (أي قل بلى) هو قادر على ذلك {وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و"بَلَى" جواب "للَيْسَ" وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً، والعامة على "الخَلاَّقُ" صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ "الخَالِقُ" اسم فاعل. قوله: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. تقدم الخلاف في "فيكون" نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرىء مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرىء مُلْكُ. والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على "تُرْجَعُونَ" مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليٍّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله "سُبْحَانَ" والتسبيحُ التنزيه، والملكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت، والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام - : "حديث : اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس" تفسير : . وقال عليه (الصلاة) والسلام: "حديث : لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات" تفسير : ، وعن عائشة قالت:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: حديث : إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس تفسير : وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرِينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيلِ اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَرِبَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقينٍ وألفَ رَأْفَةٍ ونُزِعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّتفسير : ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيضٍ قُرىءَ عنْدَه سورةُ يس نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيُصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيْه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأَ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيمُوت وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياضِ الأنْبِيَاءِ، حَتَّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان، تفسير : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مَنْ قَرَأ سُورة يس فِي لَيْلَةٍ أصْبَحَ مَغْفُوراً لَهُ"تفسير : . وعن أنس ين مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ تفسير : . وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا أنَه "مَنْ قَرَأَ يس حِين يُصْبِحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُصْبِح".
البقاعي
تفسير : ولما أثبت سبحانه بهذا الدليل قدرته على ما هدد به أولاً من التحويل من حال إلى أخرى، فثبتت بذلك قدرته على البعث، وختم بإحاطة العلم الملزوم لتمام القدرة، أتبع ذلك دليلاً أبين من الأول فقال عاطفاً على {ألم يروا}: {أولم ير} أي يعلم علماً هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر. ولما كان هذا المثل الذي قاله هذا الكافر لا يرضاه حمار لو نطق، أشار إلى غباوته بالتعبير بالإنسان الذي هو - وإن كان أفطن المخلوقات لما ركب فيه سبحانه من العقل - تغلب عليه الإنس بنفسه حتى يصير مثلاً فقال: {الإنسان} أي جنسه منهم ومن غيرهم وإن كان الذي نزلت فيه واحداً {أنا خلقناه} بما لنا من العظمة {من نطفة} أي شيء يسير حقير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا أباه من تراب وأمه من لحم وعظام {فإذا هو} أي فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة المطفة وهي أنه {خصيم} أي بالغ الخصومة {مبين *} أي في غاية البيان عما يريده حتى أنه ليجادل من أعطاء العقل والقدرة في قدرته، أنشد الأستاذ أبو القاسم القشيري في ذلك: شعر : أعلمـه الرمـايــة كل يـوم فلمـا اشتــد ساعــده رمانــي تفسير : ولما كان التقدير: فبعد - مع أنا تفردنا بالإنعام عليه - عيرنا وخاصم - بما خلقناه له من اللسان وآتيناه من البيان - رسلنا وجميع أهل ودنا، عطف عليه قوله مقبحاً إنكارهم البعث تقبيحاً لا يرى أعجب منه، ولا أبلغ ولا أدل على التمادي، في الضلال والإفراط في الجحود وعقوق الأيادي: {وضرب} أي هذا الإنسان؛ وسبب النزول أبي بن خلف الجمحي الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بأحد مبارزة، فهو المراد بهذا التبكيت بالذات وبالقصد الأول {لنا} أي على ما يعلم من عظمتنا {مثلاً} أي آلهته التي عبدها لكونها لا تقدر على شيء مكابراً لعقله في أنه لا شيء يشبهنا {ونسي} أي هذا الذي تصدى على نهاية أصله لمخاصمة الجبار، وأبرز صفحته لمجادلته، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول، وأن بكون بمعنى الترك {خلقه} أي خلقنا لهذا المخاصم الدال على كمال قدرتنا، وأن آلهته التي أشرك بها لا تقدر على شيء, فافترق الحال الذي جمعه بالمثل أيّ افتراق, وصارا مقولاً له: يا قليل الفطنة! أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟ ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بالإخبار عن استحالته لأن يقدر أحد على إحياء الميت كما أن معبوداته لا تقدر على ذلك فقال: {قال} أي على سبيل الإنكار: {من يحيي}. ولما كانت العظام أصلب شيء وأبعده عن قبول الحياة لا سيما إذا بليت وأرفتت قال: {العظام وهي} ولما أخبر عن المؤنث باسم لما بلي من العظام غير صفة، لم يثبت تاء التأنيث فقال: {رميم *} أي صارت تراباً يمر مع الرياح.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والاسمعيلي في معجمه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده، فقال يا محمد: أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال: "نعم. يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم. فنزلت الآيات من آخر يس، {أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} إلى آخر السورة" ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "حديث : جاء عبد الله بن أُبيّ وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكسره بيده، ثم قال: يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يبعث الله هذا ويميتك، ثم يدخلك جهنم. قال الله {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : جاء أُبيّ بن خلف وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكسره بيده، ثم قال: يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث الله هذا ويميتك، ثم يدخلك جهنم. قال الله {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : جاء أُبيّ بن خلف الجمحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم نخر فقال: أتعدنا يا محمد إذا بليت عظامنا، فكانت رميماً أن الله باعثنا خلقاً جديداً، ثم جعل يفت العظم ويذره في الريح فيقول: يا محمد من يحيي هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم. يميتك الله، ثم يحييك، ويجعلك في جهنم، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه}" . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مالك قال: جاء أُبيّ بن خلف بعظم نخرة، فجعل يفته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ فأنزل الله {أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} إلى قوله {وهو بكل شيء عليم}. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشام جاء بعظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذراه فقال: من يحيي العظام وهي رميم؟ فقال الله: يا محمد {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وضرب لنا مثلاً...} قال: أُبيّ بن خلف: جاء بعظم فقال: يا محمد أتعدنا انا إذا متنا. فكنا مثل هذا العظم البالي في يده، ففته وقال: من يحيينا إذا كنا مثل هذا؟ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وضرب لنا مثلاً...} قال: حديث : نزلت في أُبيّ بن خلف جاء بعظم نخر، فجعل يذره في الريح فقال: أنّى يحيي الله هذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. يحيي الله هذا، ويدخلك النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة} قال: "حديث : نزلت في أُبيّ بن خلف؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عظم قد دثر، فجعل يفته بين أصابعه ويقول: يا محمد أنت الذي تحدث أن هذا سيحيا بعد ما قد بلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم. ليميتن الآخر، ثم ليحيينه، ثم ليدخلنه النار" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: "حديث : جاء أُبيّ بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم حائل، فقال: يا محمد أني يحيي الله هذا؟ فأنزل الله {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه} فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقها قبل أن تكون أعجب من إحيائها وقد كانت" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: إن الناس يحاسبون بأعمالهم، ومبعوثون يوم القيامة، أنكروا ذلك انكاراً شديداً. فعمد أُبيّ بن خلف إلى عظم حائل قد نخر، ففته ثم ذراه في الريح، ثم قال: يا محمد إذا بليت عظامنا إنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟ فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من استقباله اياه بالتكذيب والأذى في وجهه وجداً شديداً، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة...} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه. وفي قوله {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر...} . قال: هذا مثل قوله {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} قال: ليس من كلام العرب أهون ولا أخف من ذلك. فأمر الله كذلك.
ابو السعود
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ} كلام مستأنفٌ مسوق لبـيان بطلانِ إنكارِهم البعثِ بعد ما شاهدوا في أنفسِهم أوضحَ دلائلهِ وأعدلَ شواهده كما أن ما سبق مسوق لبـيان بطلانِ إشراكهم بالله تعالى بعدما عاينُوا فيما بأيديهم ما يوجب التَّوحيدَ والإسلامَ وأما ما قيلَ من أنَّه تسليةٌ ثانيةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بتهوينِ ما يقولونَهُ بالنِّسبةِ إلى إنكارِهم الحشرَ فكَلاَّ والهمزةُ للإنكارِ والتَّعجيبِ والواوُ للعطفِ على جملةٍ مقدَّرةٍ هي مستتبعة للمعطوفِ كما مرَّ في الجملة الإنكارية السابقةِ أي ألم يتفكر الإنسانُ ولم يعلم علماً يقينياً أنا خلقناهُ من نطفةٍ الخ أو هي عين الجملة السابقةِ أعيدتْ تأكيداً للنكيرِ السَّابقِ وتمهيداً لإنكارِ ما هو أحقُّ منه بالإنكارِ والتَّعجيبِ لما أنَّ المنكرَ هناك عدمُ علمهِم بما يتعلَّقُ بخلقِ أسبابِ معايشهم وهٰهنا عدمُ علمهم بما يتعلَّق بخلقِ أنفسهم. ولا ريبَ في أن علمَ الإنسانِ بأحوالِ نفسهِ أهمُّ وإحاطته بها أسهلُ وأكملُ، فالإنكارُ والتَّعجيبُ من الإخلالِ بذلك أدخلُ كأنَّه قيل ألم يعلمُوا خلقَه تعالى لأسبابِ معايشهم ولم يعلمُوا خلقَه تعالى لأنفسِهم أيضاً مع كونِ العلمِ بذلك في غايةِ الظُّهور ونهايةِ الأهميةِ على معنى أنَّ المنكر الأول بعيدٌ قبـيحٌ والثاني أبعدُ وأقبحُ ويجوزُ أنْ تكونَ الواوُ لعطفِ الجملةِ الإنكاريَّةِ الثَّانيةِ على الأُولى على أنَّها متقدِّمة في الاعتبارِ وأنَّ تقدمَ الهمزةِ عليها لاقتضائها الصَّدارة في الكلامِ كما هو رأيُ الجمهورِ وإيرادُ الإنسانِ موردَ الضَّميرِ لأنَّ مدارَ الإنكارِ متعلِّقٌ بأحوالهِ من حيثُ هو إنسانٌ كما في قوله تعالى: { أية : أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} تفسير : [سورة مريم: الآية 67] وقولُه تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} أي شديدُ الخُصومةِ والجدالِ بالباطلِ. عطفٌ على الجملةِ المنفيَّةِ داخلٌ في حيِّزِ الإنكارِ والتَّعجيبِ كأنَّه قيل أولم يَرَ أنَّا خلقناهُ من أخسِّ الأشياءِ وأمهنِها ففاجأ خصومتنا في أمرٍ يشهدُ بصحَّتهِ وتحقُّقهِ مبدأُ فطرته شهادةً بـيِّنةً. وإيرادُ الجملةِ الاسميَّةِ للدِّلالةِ على استقرارِه في الخُصومةِ واستمرارِه عليها. رُوي « حديث : أنَّ جماعةً من كفَّارِ قُريشٍ منهم أُبـيُّ بن خَلَفٍ الجُمحيُّ وأبُو جهلٍ والعاصِ بنُ وائلٍ والوليدُ بنُ المغيرة تكلَّموا في ذلكَ فقال لهم أبـيُّ بنُ خلفٍ: ألا ترون إلى ما يقولُ محمدٌ: "إنَّ اللَّهَ يبعثُ الأمواتَ" ثم قال: واللاَّتِ والعُزَّى لأَصيرنَّ إليه ولأخصِمنَّه وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتُّه بـيدِه ويقولُ: يا محمَّدُ أترى الله يُحيـي هذا بعدما رُمَّ قال صلى الله عليه وسلم: "نعم ويبعثُك ويُدخلكَ جهنَّم" » تفسير : فنزلتْ. وقيل معنى قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} تفسير : [سورة يونس: الآية 77] فإذا هُو بعدما كانَ ماءً مَهيناً رجلٌ مميِّزٌ منطيقٌ قادرٌ على الخصامِ مبـينٌ مُعرِبٌ عمَّا في نفسِه فصيحٌ، فهو حينئذٍ معطوفٌ على خلقنا غيرُ داخلٍ تحت الإنكار والتَّعجيبِ بل هو من مُتمَّماتِ شواهدِ صحَّةِ البعثِ.
القشيري
تفسير : أي شَدَدْنا أسْرَهم، وجمعنا نَشْرَهم، وسَوَّينا أعضاءهم، ورَكَّبْنَا أجزاءهم، وأودعناهم العقل والتمييزَ... ثم إنه {خَصِيمٌ مُّبِينٌ}: ينازعنا في خطابه، ويعترض علينا في أحكامنا بِزَعْمِه واستصوابه، وكما قيل: شعر : أُعَلِّمُه الرمـــايةَ كُــــلَّ يــــومٍ فلــــمَّــا اشتـــدَّ ســاعِـــدُه رمــــانــي
اسماعيل حقي
تفسير : {أولم ير الانسان انا خلقناه من نطفة} كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان انكارهم البعث بعد ما شاهدوا فى انفسهم اوضح دلائله واعدل شواهده كما ان ما سبق مسوق لبيان بطلان اشراكهم بالله بعد ما عاينوا فيما بايديهم ما يوجب التوحيد والاسلام. والهمزة للانكار والتعجيب والواو للعطف على مقدر والرؤية قلبية والنطفة الماء الصافى ويعبر بها عن ماء الرجل ـ روى ـ حديث : ان جماعة من كفار قريش منهم ابىّ بن خلف ووهب بن حذافة بن جمح وابو جهل والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة اجتمعوا يوما فقال ابىّ بن خلف ألا ترون الى ما يقول محمد ان الله يبعث الاموات ثم قال واللات والعزى لاذهبن اليه ولا خصمنه واخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويقول يا محمد ان الله يحيى هذا بعدما رمّ قال عليه السلام "نعم ويبعثك ويدخلك جهنم" تفسير : فنزلت ردا عليه فى انكاره البعث لكنها عامة تصلح ردا لكل من ينكره من الانسان لان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وفى الارشاد وايراد الانسان موضع المضمر لان مدار الانكار متعلق باحواله من حيث هو انسان كما فى قوله تعالى {أية : أو لا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} تفسير : والمعنى ألم يتفكر الانسان المنكر للبعث ايا من كان ولم يعلم علما يقينيا انا خلقناه من نطفة: وبالفارسية [آيا نديد وندانست ابىّ وغيروا آنراكه ما بيافريديم اورا از آبى مهين در قرارى مكين جهل روز اوراد در طور نطفه نكه داشتيم تامضغة كشت مصطفى عليه السلام كفت "حديث : ان خلق احدكم يجمع فى بطن امه اربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله عز وجل اليه ملكا باربع كلمات فيقول اكتب اجله ورزقه وانه شقى او سعيد" تفسير : آنكه تقطيع هيكل او صورت شخص او در ظهور آورديم واورا كسوت بشريت بوشانيديم وازان قرار مكين باين فضاى رحيب آورديم واز بستان برازخون اورا شير صافى داديم وبعقل وفهم وسمع وبصر ودل وجان اورا بياراستيم وبقبض وبسط ومشى وحركات اورا قوت داديم وجون ازان نطفه باين رتب رسانيديم وسخن كوى ودليركشت] {فاذا هو} [بس أنكاء او] {خصيم} شديد الخصومة والجدال بالباطل {مبين} اى مبين فى خصومته او مظهر للحجة وهو عطف على الجملة المنفية داخل في حيز الانكار والتعجيب كأنه قيل أولم ير أنا خلقناه من اخس الاشياء وامهنها ففاجأ خصومتنا فى امر يشهد بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة فهذا حال الانسان الجاهل الغافل ونعم ما قيل شعر : اعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رمانى اعلمه القوافى كل حين فلما قال قافية هجانى تفسير : وما قيل شعر : لقد ربيت جروا طول عمرى فلما صار كلبا عض رجلى تفسير : قال السمرقندى العامل فى اذا المفاجأة معنى المفاجأة وهو عامل لا يظهر استغنى عن اظهاره بقوة ما فيها من الدلالة عليه ولا يقع بعدها الا الجملة المركبة من المبتدأ والخبر وهو فى المعنى فاعل لان معنى {فاذا هو خصيم مبين} فاجأه خصومة بينة كما ان معنى قوله {أية : اذا هم يقنطون} تفسير : فاجأهم قنوطهم او مفعول اى فاجأ الخصومة وفاجأوا القنوط يعنى خاصم خالقه مخاصمة ظاهرة وقنطوا من الرحمة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسانُ أَنَّا خَلقناه من نُطفةٍ} مَذِرة، خارجة من الإحليل، الذي هو قناة النجاسة، {فإِذا هو خَصِيم مبين} بيّن الخصومة، أي: فهو على مهانة أصله، ودناءة أوله، يتصدّى لمخاصمة ربه، ويُنكر قدرته على إحياء الميت بعدما رمّت عظامه. وهي تسلية ثانية له صلى الله عليه وسلم، وتهوين ما يقولونه في جانب الحشر، وهو توبيخ بليغ؛ حيث عجّب منه، وجعله إفراطاً في الخصومة بيّناً فيها. رُوي أن أَبيّ بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بالٍ، ففتَّه بيده، وقال: يا محمد؛ أتُرى الله يحيي هذا بعدما رمّ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم"تفسير : فنزلت الآية. {وضَرَبَ لنا مثلاً} أمراً عجيباً، بأن جَعَلنا مثل الخلق العاجزين، فنعجز عما عجزوا عنه؛ من إحياء الموتى، {ونَسِيَ خَلْقَه} من المنيّ المهين، فهو أغرب من إحياء العظم الرميم. و "خلقه": مصدر مضاف للمفعول، أي: خلقنا إياه، {قال مَن يحيي العظامَ وهي رميمٌ} بالٍ مفتت، وهو اسم لما بَلِيَ من العظام، لا صفة، ولذلك لم يؤنّث. وقد وقع خبراً لمؤنث، وقيل: صفة بمعنى مفعول، من: رممته، فيكون كقتيل وجريح. وفيه دليل على أن العظم تحله الحياة، فإذا مات صار نجساً، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تحلّه الحياة، فهو طاهر كالشعر والعصب. {قُل يُحْييها الذي أنشأها} خلقها {أولَ مرة} أي: ابتداء، {وهو بكل خَلْقٍ} مخلوق {عليمٌ} لا يخفى عليه أجزاؤه، وإن تفرقت في البر أو البحر، فيجمعه، ويُعيده كما كان. ثم ذكر برهان إحيائه الموتى بقوله: {الذي جعل لكم من الشَّجَرِ الأخضر} كالمَرْخ والعَفَار، {ناراً فإِذا أنتم منه تُوقِدُون} تقدحون، ولا تشكون أنها نار خرجت منه، فمَن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر، مع ما فيه من المائية، المضادة للنار، كان أقدر على إيجاد الحياة والغضاضة فيما غضا ويبس، وهي الزناد عند العرب، وأكثرها من المَرْخ والعَفار، وفي أمثالهم: "في كلّ شجر نار، واستمجد المرخُ والعفار" أي: استكثر في هذين الصنفين. وكان الرجل يقطع منهما غصنين مثل السوَاكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ ـ وهو ذكر ـ على العفار ـ وهي أنثى ـ فينقدح النار بإذن الله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ليس من الشجر شجرة إلا وفيها نار، إلا العناب؛ لمصلحة الدقّ للثياب. والمرخُ ـ ككتف: شجر سريع الورى. قاله في الصحاح. وهو المسمى عندنا بالكُلخ. وفي القاموس: عَفار كسحاب: شجر يتخذ منه الزناد. قال ابن عطية: النار موجودة في كل عود، غير أنها في المتحلحَل، المفتوح المسام، أوجد، وكذلك هو المَرْخ والعَفار. هـ. {أَوَليس الذي خلق السماواتِ والأرضَ} مع كبر جرمهما، وعظم شأنهما {بقادرٍ على أن يَخْلُقَ مِثْلَهم} مثل أجسامهم في الصِّغر والحقارة، بالإضافة إلى السموات والأرض، أو: أن يعيدهم مثل ما كانوا عليه في الذات والصفات؛ لأن المعاد مثل المبْدأ، بل أسهل، {بَلى} أي: قُل: بَلى هو قادر على ذلك، {وهو الخلاَّقُ} كثير الخلق والاختراع، {العليمُ} بأحوال خلقه، أو: كثير المخلوقات والمعلومات. {إِنما أمْرُهُ} شأنه {إِذا أراد شيئاً} بكونه {أن يقولَ له كُن فيكون} فيحدث، أي: فهو كائن موجود، لا محالة. وهو تمثيل لتأثير قدرته في الأشياء، بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور، من غير امتناع وتوقف، من غير أن يحتاج إلى كاف ولا نون، وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد، كأنه يقول: كما لا يثقل عليكم قول "كن"، فكذلك لا يصعب على الله إنشاؤكم وإعادتكم. قال الكواشي: ثم أومأ إلى كيفية خلقه الأشياء المختلفة في الزمان المتحد، وذلك ممتنع على غيره، فقال: {إِنما أمره...} الآية، فيحدث من غير توقف، فمَن رفع "فيكونُ"، فلأنه جملة من مبتدأ وخبر، أي: فهو يكون. ومَن نصب فللعطف على "يقول". والمعنى: أنه ليس ممن يلحقه نصَب ولا مشقة، ولا يتعاظمه أمر، بل إيجاد المعدومات، وإعدام الموجودات، عليه أسرع من لمح البصر هـ. {فسبحان} تنزيهاً له مما وصفه به المشركون، وتعجيب مما قالوا، {الذي بيده ملكوتُ} أي: ملك {كُلِّ شيءٍ} والتصرُّف فيه على الإطلاق. وزيادة الواو والتاء؛ للمبالغة، أي: مالك كلّ شيء، {وإِليه تُرجَعُون} بالبعث للجزاء والحساب. الإشارة: أَوَلَمْ ير الإنسان أنَّا خلقناه من نطفة مهينة، فإذا هو خصيم لنا في تدبيرنا واختيارنا، ويُنازعنا في مُرادنا من خلقنا، ومرادنا منهم: ما هم عليه. فاستحي أيها الإنسان أن تُخاصم الله في حكمه، أو تنازعه في تقديره وتدبيره، وسلِّم الأمور لمَن بيده الخلق والأمر. بكى بعضُ الصالحين أربعين سنة على ذنب أذنبه. قيل له: وما هو؟ قال: (قلت لشيء كان: ليته لم يكن). فارْضَ بما يختاره الحق لك، جلاليًّا كان أو جماليًّا ولا تختر من أمرك شيئاً، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. وكل مَن اهتم بأمر نفسه، واشتغل بتدبير شؤونها، فقد ضرب لله مثلاً، بأن أشرك نفسه معه، ونَسِي خلقه، ولو فكر في ضعف أصله، وحاله، لاستحيا أن يُدبِّر لنفسه مع ربه، وفي الإشارات عن الله تعالى: أيها العبد لو أَذِنْتُ لك أن تدبر لنفسك لكنت تستحيي مني أن تدبر لها، فكيف وقد نهيتك عن الندية!. وكما قَدَرَ على إحياء العظام الرميمة، يَقْدر على إحياء القلوب الميتة، ومَن قَدَرَ على استخراج النار من محل الماء، يقدر على استخراج العلم من الجهل، واليقظة من الغفلة، ومَن كان أمره بين الكاف والنون، بل أسرع من لحظ العيون، ينبغي أن يُرجع إليه في جميع الشؤون. قال القشيري: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، فلا يحدث شيء ـ قلَّ أو كثر ـ إلا بإبداعه وإنشائه، ولا يبقى منها شيء إلا بإبقائه، فمنه ظهر ما يحدث، وإليه يصير ما يخلق. هـ. قال النسفي: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قرأ يس يريد بها وجه الله غفر اللهُ له، وأُعطي من الأجر كمَن قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة" تفسير : وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه، وسلَم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لما أشار إلى مخاصمة أعداء الدين لسيد المرسلين، وتكذيبهم إياه في ما أتى به من الآيات البيّنات، وما أنذر به من أمور الآخرة والقيامة والبعث والحشر، وذكر ما يتسلّى به الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأراد أن يشير إلى تقبيح إنكارهم للحق، ومخاصمتهم للرسول، وتكذيبهم للبعث بأبلغ وجه وأشنع صورة، وأول دليل على غيّهم وضلالهم، وتمادي كفرهم وإصرارهم، وأعدل شاهد على جحودهم للنعم والأيادي، وعقوقهم بر المنعم عليهم وإحسانه، وتغلغلهم في الخسة والدناءة، وتوغلهم في المذلة والرداءة، حيث قرر ذلك بأن عنصرهم الذي خلقهم منه أخسّ شيء وأمهنه، وهو النطفة القذرة المذِرة المنتنة، الخارجة من الأحليل - الذي هو قناة النجاسة -. ولقد كرر الله ذكر النطفة التي منها بدء خلقة الإنسان في مواضع كثيرة من القرآن، ليتفكر أنه من أي شيء خلقه الله، ولئلا ينسى ذاته ويغفل عن شكر منعمه وخالقه المعبود، الذي خلقه من أوهن مادة وأنجس طينة، وشرّفه بكسوة هذا الوجود، وصوره في أحسن صورة وتقويم، فقال: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}تفسير : [عبس:17 - 22]. وقال في موضع آخر: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}تفسير : [الروم:20] وقال أيضاً: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة:37] إلى غير ذلك من الآيات. فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز، ليس بمجرد سماع لفظها ترك التفكر في معناها، بل لينظر الإنسان إلى النطفة التي منها بدء خلقه، فيعلم أنها مادة قذرة لو تُركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وتفتتّت، وتفكر في أنها كيف أخرجها ربها رب الأرباب من بين الصلب والترائب، ولولا عنايته وَجُوده في حق هذا المولود، فمن الذي أخرجها ونقلها في أطوارها، ثم في أنه كيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما، بل كيف جمع بين الأجداد والجدات وألقى المحبة بينهم والألفة في قلوبهم، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى هذا الإجتماع. ثم كيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعها في الرحم، ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بدم الحيض وغذاه حتى نما وتربّى وكبر، وكيف جعل النطفة - وهي بيضاء - علقةً حمراء، ثم كيف جعلها مضغة، ثم كيف قسّم أجزاء النطفة - وهي متشابهة ومتساوية - إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم، ثم كيف ركّب من اللحم والعظم والأعصاب والعروق وغيرها من الأعضاء الظاهرة المتشكلة بأشكال مختلفة، فدوّر الرأس، وشق السمع والبصر وسائر المنافذ، ثم مدّ اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع، وقسّم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء، كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مشخص لعمل معين، ثم كيف قسّم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام: فركّب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لفائدة معينة بحيث لو فقدت طبقة منها أو زالت عن موضعها وَوَصْفِها لعطلت العين. فلو ذهبنا نَصِف في آحاد هذه الأعضاء وأقسامها، وأقسام أقسامها، وفوائدها وغاياتها، لانقضت الأعمار دون وصف عشر عشير من الأعشار. فقد عجب الله تعالى من حال من كان أوله وأصله على هذه المهانة والخسة، ثم يتصدى لمخاصمة من ربّاه وأنماه وأعطاه كسوة بعد كسوة، وصورة غبّ صورة، وحرسه عن الآفات، وصانه عن المفسدات والمهلكات، وأخرجه من ظلمات ثلاث إلى فضاء العالم ورزقه من الطيبات، ورقّاه من طور إلى طور ومن حال إلى حال، إلى أن كمل عقله وصار مكملاً، فيتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز المجادلة للعزيز القهار، راكباً متن الباطل، متلبساً لباس اللجاج والعناد، ذاهباً طريق الجاهلية الأولى، ناكصاً على عقبيه، راجعاً إلى المنزل الأدنى. فهذا غاية شدة السفاهة والقباحة، ونهاية الخسة والوقاحة، حيث خاصم مثل هذا الخسيس الأدنى لمثل ذلك العلي الأعلى، بعد سبق هذه العطايا المتوافرة والنِعم المتكاثرة، في أمر الهداية إلى طريق السعادة، وإنذار رسول مبلّغ مرسل من قبله من أعلى علّيين إلى هذا الذليل المهين، الواقع في أسفل السافلين، ليهديه ويرشده هذا الناصح ويهذّبه ويخلصه من مهوى الشياطين، ويُنَجّيه من عذاب أليم، ويعرج به إلى الدرجات العلى في جوار رب العالمين، فيكذّب رسوله ويؤذيه ويستهزئ به، ويمده في طغيانه وجهله وعناده واستكباره وإنكاره ليوم الدين. فما أعجب هذا الطغيان! وما أشنع هذا الكفران! وما أنزل صاحبه في مهوى الخسة والهوان! وما أبعده من رحمة الغفور الرحمان!. نكتة فرقانية في كرامة نَبوية ومما يخطر بالبال في سياق هذه الآية واتصالها بما سبق، إنه قد سلّى سبحانه في الآية السابقة لرسوله (صلى الله عليه وآله) من مخاصمة أعدائه، وتكذيبهم إياه، واعلانهم مخاصمته، وإضمارهم معاداته، بأنّا نعلم ذلك، ومن علم بما يصل إلى حبيبه من خصمائه وأعدائه من الأذى والجفاء - ظاهرة وباطنة، إعلاناً وأسراراً - وهو قادر على مجازاتهم وتعذيبهم وإيلامهم، فمعلوم ثابت أنه يجازيهم بأبلغ الجزاء ويعاقبهم بأشد العقاب. ثم ما اكتفى بهذه التسلية العظيمة التي جرت بها عادة المحبيّن في تسلية محبوبيهم من خصومة الأعادي، حتى جعل خصوم الحبيب خصومه، وأخذ موبخاً لهم في هذه الخصومة، مقبحاً لهم بأبلغ وجه وآكده، فإن قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ}، إنما وقع موقع الأمر العجيب في الرّكاكة والقبح إذا كانت خصومته مقيسة إلى من خلقه من أصله الخسيس، وربّاه وقوّاه إلى أن صار رجلاً مميزاً منطقياً، فإذا هو بعد ما كان ماءاً مهيناً صار خصيماً مبيناً - يفعل الخصومة مع خالقه وربه -. فإذا كانت خصومته في أمر المعاد مع خالقه الذي خلقه من أخس المواد، وشرّفه على جملة المكوّنات من الحيوان والنبات والجماد، وكان مبتدء الكلام في مخاصمتهم وتكذيبهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد دلّ السياق على أن الخصومة مع الرسول (صلى الله عليه وآله)، هي بعينها الخصومة مع الله، وكان على وزان قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح:10] ونظائر ذلك.
الجنابذي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} قذرة جماد من اضعف الاشياء {فَإِذَا هُوَ} رجل قادر قوىّ ناطق {خَصِيمٌ} يعنى ذو عقل وعلم ونطق وقدرة وقوّة على الدّفع {مُّبِينٌ} ظاهر او مظهر.
الأعقم
تفسير : {أولم ير الانسان أنَّا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيمٌ مبين} بعد أن كان نطفة {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام} {قل} يا محمد {يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} يريد المرخ والغَفَّار والعرب تقول: في كل شجر نار، والمفسرون على أن كل شجر نار الا العناب، وروي في العجائب والغرائب عن أحمد بن أبي معاذ النحوي: من الشجر الأخضر يعني ابراهيم، ناراً أي نوراً وهو محمد (عليهما السلام) {فإذا أنتم منه توقدون} تقبسون منه النار والله أعلم بهذا الخبر {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} يعني خلق هذه الأشياء أعجب من إعادة الاحياء {وهو الخلاق العليم} لذاته ومخلوقاته {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} يعني إذا أراد فعل شيء فعله {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} يعني هو مالك كل شيء {واليه ترجعون} إلى حكمه وجزائه.
اطفيش
تفسير : {أولم ير الانسان} اولم يعلم والانسان الانسان المطلق وقيل المراد العاص بن وايل وقيل ابي بن خلف الجمحي روى أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بال ففته بيده فقال اترى الله يحيي هذا بعد ما رم قال عليه الصلاة والسلام نعم ويبعثك ويدخلك النار فنزلت الآية. وروي أن جماعة من كفار قريش منهم ابي بن خلف والعاص بن وائل وأبوجهل والوليد بن المغيرة تكلموا في احياء الموتى فقال ابي الا ترون إلى ما يقول محمد إن الله يبعث الأموات ثم قال واللات والعزى لأسيرن إليه ولاخصمنه وأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويقول يا محمد اترى ان الله يحيي هذا بعد ما رم فقال صلى الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك النار ولأبي هذا مقالات مع النبي صلى الله عليه وسلم وما زال حتى قتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم احد طعنه بحربة في عنقه. {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم} مجادل بالباطل. {مبين} بين الخصومة معرب عما في نفسه فصبح فما اقبحه اذ خلق من نطفة نجسة منتنة خرجت من احليل وتعجب مع هذا من نفسه وبرز لمحاربة الجبار جل جلاله بانكار البعث الذي أخبر به او ما اقبحه اذ خلق من ذلك الماء الخسيس وجعل شريفا مكرما بفضل من الله مع دناءة اصله وقابل ذلك بالعقوق والتكذيب للبعث مع أنه قد كان معدوما فأوجده فما يقولونه يهون بالنسبة الى انكارهم البعث.
اطفيش
تفسير : {أو لم يَرَ الإنسانُ أنَّا خلقناه من نُطْفةٍ} عطف على أو لم يَروا، أو استئناف، والاستفهام تعجيب وإنكار، والتقدير ألم يتفكر الانسان ولم يعلم أنا خلقناه من نطفة ولما حذف المقدر أظهر الانسان، ويجوز التكرير للتهوين هكذا، ألم يتفكر الانسان، ولم يعلم الانسان، أنا خلقناه، فان المذموم كلما ذكر اسمه ازداد ذما بذكره، وأكد الانكار والتعجب بقوله: {فاذا هو خَصيمٌ} مبالغ فى الجدال بالباطل، والصحيح أن المراد متكلم مفصح بالكلام بعد ما كان ماء مهينا {مُبينٌ} ظاهر أن ذلك منه جدال بالباطل، وجاهر به لا يخفى ولا يكنى، والمراد بالإنسان جنس الكافر، ولو نزلت الى آخر السورة فى العاصى بن وائل، جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم ففته بيده فقال: يا محمد أيحيى الله تعالى هذا بعد ما أرم؟ قال: "حديث : نعم يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم" تفسير : وقيل: قائل ذلك أبى بن خلف الذى قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بحربة، كما وعده أنه سيقتله، وما أصابت منه كثيرا فقالوا: لا بأس، فقال قد وعدنى بالقتل: لو تَفَل علىَّ لقتلنى، واختاره بعض وهو رواية عن ابن عباس وعنه أبو جهل، وعنه عبد الله بن أبى. وفيه أن مشركى المدينة يلاينون بالتوحيد، وينافقون بالشرك، ولا يجاهرون به عناداً وخصاماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا السورة والآية مكية، لكن لا مانع من أن ابن عباس عقل القصة مع صغر سنة، والظاهر أنهم كلهم قالوا، فنزلت فيهم، أو قاله بعضهم فنزلت فيه ولم يرتدع الآخرون فقالوه بعده.
الالوسي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به كما أن ما سبق مسوق لبيان بطلان إشراكهم بالله عز وجل بعدما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيد والإسلام، وقيل: إنه تسلية له عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ }تفسير : [يس: 76] وذلك بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وليس بشيء. والهمزة للإنكار والتعجب والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة للمعطوف كما مر في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ }تفسير : [يس: 71] الخ أي ألم يتفكر الإنسان ولم يعلم أنا خلقناه من نطفة أو هي عين تلك الجملة أعيدت تأكيداً للنكير السابق وتمهيداً لإنكار ما هو أحق منه بالإنكار لما أن المنكر عين علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم، ولا ريب في أن علم الإنسان بأحوال نفسه أهم وإحاطته بها أسهل وأتم فالإنكار والتعجيب من الإخلال بذلك [أدخل] كأنه قيل ألم يعلموا خلقه تعالى لأسباب معايشهم ولم يعلموا خلقه تعالى لأنفسهم أيضاً مع كون العلم بذلك في غاية الظهور ونهاية الأهمية. ويشير كلام بعض الأجلة إلى أن العطف على {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } السابق والجامع ابتناء كل منهما على التعكيس فإنه تعالى خلق للإنسان ما خلق ليشكر فكفر وجحد المنعم والنعم وخلقه سبحانه من نطفة قذرة ليكون منقاداً متذللاً فطغى وتكبر وخاصم. وإيراد الإنسان مورد الضمير لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. وقوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } أي مبالغ في الخصومة والجدال الباطل {مُّبِينٌ } ظاهر متجاهر في ذلك عطف على الجملة المنفية داخل في حيز الإنكار والتعجيب كأنه قيل: أولم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة. وإيراد الجملة اسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها. وفي «الحواشي الخفاجية» أن تعقيب الإنكار بالفاء وإذا الفجائية على ما يقتضي خلافه مقو للتعجيب. والمراد بالإنسان الجنس، والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقاً، نعم نزلت الآية في كافر مخصوص، أخرج جماعة منهم الضياء في "المختارة" عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته بيده فقال: يا محمد أيحي الله تعالى هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث الله تعالى هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم فنزلت الآيات {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ } إلى آخر السورة، وفي رواية ابن مردويه عنه أن الجائي القائل ذلك أبـي بن خلف وهو الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالحربة، وروي ذلك عن أبـي مالك ومجاهد وقتادة والسدي وعكرمة وغيرهم كما في «الدر المنثور»، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه أبو جهل بن هشام، وفي أخرى عنه أيضاً أنه عبد الله بن أبـي، وتعقب ذلك أبو حيان بأن نسبة ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهم لأن السورة والآية مكية بإجماع ولأن عبد الله بن أبـي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، وحكي عن مجاهد وقتادة أنه أمية بن خلف، والذي اختاره وادعى أنه أصح الأقوال أنه أبـي بن خلف ثم قال: ويحتمل أن كلاً من هؤلاء الكفرة وقع منه ذلك. وقيل معنى قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فإذا هو بعدما كان ماءً مهيناً رجل مميز/ منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في ضميره فصيح فهو حينئذٍ معطوف على {خَلَقْنَـٰهُ } والتعقيب والمفاجأة ناظران إلى خلقه، و {مُّبِينٌ } متعد والكلام من متممات شواهد صحة البعث فقوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ...}.
ابن عاشور
تفسير : لما أُبطلت شبه المشركين في إشراكهم بعبادة الله وإحالتهم قدرته على البعث وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم في إنبائه بذلك إبطالاً كليّاً، عطف الكلام إلى جانب تسفيه أقوال جزئية لزعماء المكذبين بالبعث توبيخاً لهم على وقاحتهم وكفرهم بنعمة ربهم وهم رجال من أهل مكة أحسب أنهم كانوا يموهون الدلائل ويزينون الجدال للناس ويأتون لهم بأقوال إقناعية جارية على وفق أفهام العامة، فقيل أريد بــــ{الإِنسان} أُبيّ بن خلف. وقيل أريد به العاصي بنُ وائل، وقيل أبو جهل، وفي ذلك روايات بأسانيد، ولعل ذلك تكرر مرات تولى كلُّ واحد من هؤلاء بعضها. قالوا في الروايات: جاء أحد هؤلاء الثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده عَظْم إنسان رميم ففتّه وذرَاه في الريح وقال: يا محمد أتزعم أن الله يُحيي هذا بعد ما أَرَمَّ (أي بَلِيَ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم. فالتعريف في {الإنْسانُ} تعريف العهد وهو الإِنسان المعيّن المعروف بهذه المقالة يومئذٍ. وقد تقدم في سورة مريم (66) أن قوله تعالى: { أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً } تفسير : نزل في أحدِ هؤلاء، وذُكر معهم الوليد بن المغيرة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } تفسير : في سورة القيامة (3). ووجه حمل التعريف هنا على التعريف العهدي أنه لا يستقيم حملها على غير ذلك لأن جعله للجنس يقتضي أن جنس الإِنسان ينكرون البعث، كيف وفيهم المؤمنون وأهلُ الملل، وحملها على الاستغراق أبعد إلا أن يراد الاستغراق العُرفي وليس مثل هذا المقام من مواقعه. فأما قوله تعالى في سورة النحل (4) : { أية : خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين } تفسير : فهو تعريف الاستغراق، أي خلق كلَّ إنسان لأن المقام مقام الاستغراق الحقيقي. والمراد بخَصِيمٌ في تلك الآية: أنه شديد الشكيمة بعد أن كان أصله نطفة، فالجملة معطوفة على جملة { أية : أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم } تفسير : [يس:71] الآية. والاستفهام كالاستفهام في الجملة المعطوففِ عليها. والرؤية هنا قلبية. وجملة {أَنَّا خَلَقْناهُ} سادّة مسدّ المفعولين كما تقدم في قوله تعالى: { أية : أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عَمِلت أيدينا أنْعاماً } تفسير : [يس: 71]. و«إذا» للمفاجأة. ووجه المفاجأة أن ذلك الإِنسان خلق ليعبد الله ويعلم ما يليق به فإذا لم يجر على ذلك فكأنه فاجأ بما لم يكن مترقباً منه مع إفادة أن الخصومة في شؤون الإِلهية كانت بما بادرَ به حين عقَل. والخصيم فعيل مبالغة في معنى مفاعل، أي مخاصم شديد الخصام. والمبين: من أبان بمعنى بان، أي ظاهر في ذلك. وضرب المثل: إيجاده، كما يقال: ضَرب خيمة، وضَرب ديناراً، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما } تفسير : في سورة البقرة (26). والمَثل: تمثيل الحالة، فالمعنى: وأظهر للناس وأتى لهم بتشبيه حال قدرتنا بحال عجز الناس إذ أحال إحياءنا العظام بعد أن أرَمَّت فهو كقوله تعالى: { أية : فلا تضربوا للَّه الأمثال } تفسير : [النحل:74]، أي لا تُشَبِّهوه بخلقه فتجعلوا له شركاء لوقوعه بعد { أية : ويعبدون من دون اللَّه ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئا } تفسير : [النحل:73]. والاستفهام في قوله: {من يحيي العظام} إنكاري. و{من} عامة في كل من يسند إليه الخبر. فالمعنى: لا أحد يحيي العظام وهي رميم. فشمل عمومه إنكارهم أن يكون الله تعالى محيياً للعظام وهي رميم، أي في حال كونها رميماً. وجملة {قال مَن يُحيي العِظامَ} بيان لجملة {ضرب لنا مثلاً} كقوله تعالى: { أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم } تفسير : [طه:120] الآية، فجملة {قال يا آدم} بيان لجملة وسوس. والنسيان في قوله: {ونَسِيَ خلقه} مستعار لانتفاء العلم من أصله، أي لعدم الاهتداء إلى كيفية الخلق الأول، أي نسي أننا خلقناه من نطفة، أي لم يهتد إلى أن ذلك أعجب من إعادة عظمه كقوله تعالى: { أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لَبْس من خلق جديد } تفسير : [ق:15]. وذكر النطفة هنا تمهيد للمفاجأة بكونه خصيماً مبيناً عقب خلقه، أي ذلك الهيِّنُ المنشأ قد أصبح خصيماً عنيداً، وليبني عليه قوله بعد: {ونَسِيَ خَلْقَهُ} أي نسي خلقه الضعيف فتطاول وجاوز، ولأن خلقه من النطفة أعجب من إحيائه وهو عَظْم مجاراة لزعمه في مقدار الإِمكان، وإن كان الله يحيي ما هو أضعف من العظام فيحيي الإِنسان من رَماده، ومن ترابه، ومن عَجْب ذَنَبه، ومن لا شيء باقياً منه. والرميم: البالي، يقال: رَمَّ العظمُ وأَرَمَّ، إذا بَلِي فهو فعيل بمعنى المصدر، يقال: رمّ العظمُ رميماً، فهو خبر بالمصدر، ولذلك لم يطابق المخبر عنه في الجمعية وهي بِلىً. وأُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول له {يحييها الذي أنشأها} أمر بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل استفهام القائل على خلاف مراده لأنه لما قال: {من يُحيي العظامَ وهي رميمٌ} لم يكن قاصداً تطلب تعيين المحيي وإنما أراد الاستحالة، فأجيب جواب مَن هو متطلبٌ علماً. فقيل له: {يُحييهَا الذي أنشأها أوَّلَ مرةٍ}. فلذلك بني الجواب على فعل الإِحياء مسنداً للمُحيي، على أن الجواب صالح لأن يكون إبطالاً للنفي المراد من الاستفهام الإِنكاري كأنه قيل: بل يحييها الذي أنشأها أول مرة. ولم يُبنَ الجواب على بيان إمكان الإِحياء وإنما جعل بيانُ الإِمكان في جعل المسند إليه موصولاً لتدل الصلة على الإِمكان فيحصل الغرضان، فالموصول هنا إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو يحييها، أي يحييها لأنه أنشأها أول مرة فهو قادر على إنشائها ثاني مرة كما أنشأها أول مرة. قال تعالى: { أية : ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } تفسير : [الواقعة: 62]، وقال: { أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } تفسير : [الروم:27]. وذيل هذا الاستدلال بجملة {وهو بكل خلققٍ علِيمٌ} أي واسع العلم محيط بكل وسائل الخلق التي لا نعلمها: كالخلق من نطفة، والخلق من ذرة، والخلق من أجزاء النبات المغلقة كسُوس الفول وسُوس الخشب، فتلك أعجب من تكوين الإِنسان من عظامه. وفي تعليق الإِحياء بالعظام دلالة على أن عظام الحيّ تحلّها الحياة كلحمه ودمه، وليست بمنزلة القصب والخشب وهو قول مالك وأبي حنيفة ولذلك تنجس عظام الحيوان الذي مات دون ذكاة. وعن الشافعي: أنّ العظم لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت. قال ابن العربي: وقد اضطرب أرباب المذاهب فيه. والصحيح ما ذكرناه، يعني أن بعضهم نسب إلى الشافعي موافقة قول مالك وهو قول أحمد فيصير اتفاقاً وعلماء الطب يثبتون الحياة في العظام والإِحساسَ. وقال ابن زُهر الحكيم الأندلسي في كتاب «التيسير»: إن جالينوس اضطرب كلامه في العظام هل لها إحساساً والذي ظهر لي أن لها إحساساً بطيئاً.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 4].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أو لم ير الإنسان: أي المنكر للبعث كالعاصي بن وائل السهمي، وأبيّ بن خلف. أنا خلقناه من نطفة: أي من منيّ إلى أن صيرناه رجلا قويا. فإذا هو خصيم مبين: أي شديد الخصومة بيّنها في نفي البعث. وضرب لنا مثلا: أي في ذلك، إذ أخذ عظما وفته أمام رسول الله وقال أيحيي ربك هذا؟ ونسي خلقه: أي وأنه مخلوق من ماء مهين وأصبح رجلا يخاصم فالقادر على الخلق الأول قادر على الثاني. من يحيي العظام وهي رميم: أي وقد رمّت وبليت. من الشجر الأخضر نارا: أي من شجر المرخ والعفار يحك أحدهما على الآخر فتشتعل النار. بقادر على أن يخلق مثلهم: أي مثل الأناسي. بلى: أي قادر على ذلك إذ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. إذا أراد شيئا: أي خلق شيء وإيجاده. بيده ملكوت: أي ملك كل شيء، زيدت التاء للمبالغة في كبر الملك واتساعه. وإليه ترجعون: أي تردون بعد الموت وذلك في الآخرة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء تلك العقيدة التي يتوقف عليها غالباً هداية الإِنسان وإصلاحه فقال تعالى ردّا على العاصي بن وائل السهميّ وأبي بن خلف حيث جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم ففته وذراه وقال أتزعم يا محمد أن الله يبعث هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم يميتك ثم يحييك ثم يحشرك إلى جهنم ونزلت هذه الآيات {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ} أي أينكر البعث وهو يعلم أنا خلقناه من نطفة أي من ماء مهين وسويناه رجلا فإِذا هو خصيم لنا أي مخاصم يرد علينا ويشرك بنا وينكر إحياءنا للأموات وبعثهم يوم القيامة فكيف يعمى هذا العمى ويجهل هذا الجهل القبيح، إذ القادر على البدء قادر عقلا على الإِعادة وهي أهون عليه. وقوله {وَضَرَبَ لَنَا} أي هذا المنكر للبعث مثلا أي جعل لنا مثلا وهو إنكاره علينا قدرتنا على البعث حيث جعل إعادتنا للخلق أمرا عجبا وغريبا إذ قال {مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي قد رمّت وبليت. ونسي خلقه من ماء حقير وكيف جعله الله بشرا سويا يجادل ويخاصم فلو ذكر أصل نشأته لخجل أن ينكر إحياء العظام وهي بالية رميم؟ ولما قال من يحيى العظام وهي رميم؟. وقوله تعالى {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهذا هو القياس العقلي الجلي الواضح إذ بالبداهة أن من أوجد شيئا من العدم قادر على إيجاد مثله. وقوله {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ} أي مخلوق عليم فالعلم والقدرة إذا اجتمعا كان من السهل إيجاد ما أُعدم بعد أن كان موجوداً فأُعدم لا سيما أن الموجود من العدم هو المخبر بالإِعادة وبقدرته عليها. هذا برهان قطعي وثاني برهان في قوله {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} أي النار وتشعلونها، ووجه الاستدلال أن البعث لو كان مستحيلا عقلا وما هو بمستحيل بل هو واجب الوقوع لكان على الله غير مستحيل لأن الله تعالى قد أوجد من المستحيل ممكنا وهو النار من الماء، إذ الشجر الأخضر ماء سار في أغصان الشجرة. ومع هذا يوجد منها النار، فكان هذا برهانا عقليا يسلم به العقلاء ولا ينازعون فيه أبدا، وبرهان ثالث وهو في قوله {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}؟ ووجه البرهنة فيه أننا ننظر إلى السماوات السبع وما فيها من خلق عجيب وإلى الأرض وما فيها كذلك وننظر إلى الإنسان فنجده لا شيء إذا قوبل بالسماوات والأرض فنحكم بأن من خلق السماوات والأرض على عظمها قادر من باب أولي على خلق الإِنسان مرة أخرى بعد موته وبلاه وفنائه. ولذا أجاب تعالى عن سؤاله بنفسه فقال {بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} أي الخلاق لكل ما أراد خلقه العليم بكل مخلوقاته لا يخفى عليه شيء منها، وبرهان رابع في قوله {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} ووجه الاستدلال أن من كان شأنه في إيجاد ما أراد إيجاده أن يقول له كن فهو يكون. لا يستنكر عليه عقلا أن يحيي الأموات بكلمة كونوا أحياء فيكونون كما طلب منهم. وأخيرا ختم هذا الرد المقنع بتنزيه نفسه عن العجز فقال {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي ملك كل شيء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أحببتم أم كرهتم أيها الآدميون منكرين كنتم للبعث أم مقرين به مؤمنين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بإيراد أربعة براهين قاطعة. 2- مشروعية استعمال العقليات في الحجج والمجادلة. 3- تنزيه الله تعالى عن العجز والنقص وعن الشريك والولد وسائر النقائص. 4- تقرير أن الله تعالى بيده وفي تصرفه وتحت قهره كل الملكوت فلذا لا يصح طلب شيء من غيره إذ هو المالك الحق وغيره لا ملك له.
القطان
تفسير : أولم ير: أولم يعلم. الخصم: الشديد الخصومة والجدل. رميم: البالي من كل شيء. ملكوت: الملك التام، كالجبروت والرحموت. في آخر هذه السورة الكريمة يَرِدُ ختامها بالأدلة على قدرة الله تعالى على إعادة الخلق، فانه تعالى خَلَق للانسان النعمَ التي لا تحصَى ليشكر، فكفر وجحد.... ألا يَستدل من أنكرَ البعثَ بسهولة المبدأ! وأنا خلقناه من العدَم من شيء لا يُرى بالعين المجردة لصغرها فاذا هو يخاصم ويجادل! ثم ضرب مثلا ينكر به قدرتنا على إحياء العظام بعد ان تبلى، ونسيَ أنا خلقناه من العدم!... {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} قال مجاهد وعكرمة وعمرو بن الزبير وقتادة: حديث : جاء أُبَيّ بن خلف (وهو من كبار مشركي مكة) الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده عظم يفتُّه بيده ويذروه في الهواء ويقول: أتزعم يا محمد ان الله يبعث هذا؟ فقال الرسول الكريم: "نعم، يُميتك الله ثم يبعثك ثم يحشُرك الى النار"تفسير : ونزلت هذه الآية. ثم أمر الله تعالى رسوله الكريم ان يقول لهم: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} فالذي خلق هذا الخلق من البدء قادرٌ على إحيائه بعد موته. ثم ذكر دليلاً ثانيا يبطل إنكارهم فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ان من جعل لنا النار من الشجر الأخضر قادرٌ على ما يريد، لا يمنعه شيء. ثم جاء بدليل ثالث على قدرته أعجبَ من سابقَيه فقال: {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} فإن خلْقَ هذا الكون الكبير العجيب لهو أعظمُ واكبر من خلق الانسان واعادته، كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [غافر:57]. ثم بين ما هو كالنتيجة لما سلف من تقرير واسع قدرته، واثبات عظيم سلطانه فقال: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. فالله سبحانه وتعالى يخلق كل ما يريد بلا كلفة ولا جهد، وليس هناك صعوبة، وليس هناك قريب ولا بعيد، فعندما يأمر بالشيء يكون بلا توقف ولا تردد. وعندما اثبت لنفسه القدرة التامة والسلطة العامة نزّه نفسه عما وصفوه به، فقال: {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فتنزيهاً للذي بيدِه مقاليدُ كل شيء، وبقدرته مُلْكُ كل شيءٍ، واليه المرجع والمصير.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانُ} {خَلَقْنَاهُ} (77) - جَاءَ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي يَدِهِ عَظْمٌ رَمِيمٌ، أَخَذ َيَفُتُّه وَيَذْرُوه بِيدَيهِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: أَتَزْعمُ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ يُمِيتُكَ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يَبْعَثُكَ، ثُمَّ يَحْشُرُكَ إِلَى النَّارِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والتي تَلِيهَا. وَالآيَةُ عَامَّةٌ فِيهَا رَدٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ والنُّشُورَ. وَفِيهَا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَوَ لَمْ يَسْتَدِلَّ كُلُّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ بِالبَدْءِ عَلَى الإِعَادَةِ؟ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ حَقِيرَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا شَيْئاً يُذْكَرُ، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَراً سَوِيّاً، فَأَخَذَ يُخَاصِمُ رَبَّهُ، وَيُنْكِرُ قُدْرَتَهُ عَلَى إِحْيَاءِ العِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ بَالِيَةٌ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ} [يس: 77] بمعنى يعلم لأن الإنسان لم يَرَ عملية الخَلْق في نفسه، فإنْ قلتَ: فمَنِ الذي أعلمه؟ ومَنِ الذي عرَّفه أن الله هو الخالق؟ قالوا: عرف الإنسانُ هذه الحقيقة؛ لأن في الكون كمالاً لم يدَّعه أحدٌ من الخَلْق، ثم فوجئت الدنيا برسول الله يخبر بأن الله تعالى هو الخالق، ولم يعارض أحد، فهذه إذن دَعْوى ليس لها معارض ولا مناهض، مع أن الإنسان كثيراً ما يدَّعي ما ليس له، لكن هذه الدعوى بالذات لا يستطيع أحد أن يدعيها لنفسه. والقاعدة أن الدعوى تثبت لصاحبها ما لم يَقُمْ لها معارض، وإلا لو أن هذه الدعوى لم تسلم للخالق عز وجل، فأين الخالق؟ لماذا لم يعارضها، ولماذا لم يطالب بحقه في الخَلْق؟ إما أنه جَبُنَ عن المواجهة، أو أنه لم يَدْرِ بهذه الدعوى، وفي كلتا الحالتين لا يستحق أن يكون إلهاً. ونلحظ على سياق هذه الآيات أن الحق سبحانه قال في الآيات السابقة: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} تفسير : [يس: 71] وهنا قال: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ} [يس: 77] فخاطب الإنسان، ولم يخاطب الجماعة، قالوا: لأن هذه الآية حديث : نزلت في أُبَيِّ بن خلفٍ حين أمسك بعظم بَالٍ، وراح يُفتِّته أمام رسول الله ويقول: أتزعم أن ربك يحيي هذا مرةً أخرى؟ قال: "نعم يُحييك، ويُدخلك النار""تفسير : ، أو يُراد بالإنسان مطلق الإنسان، فهي لكل مُكذِّب بالبعث ممَّنْ هم على شاكلة أُبيٍّ. وقوله سبحانه: {مِن نُّطْفَةٍ} [يس: 77] العلم التجريبي لم يصل إلى شيء في مسألة الخَلْق هذه إلا مؤخراً، يحاول على استحياء كشف بعض أسرار خَلْق الإنسان مما لم نكُنْ نعرف عنها شيئاً من قبل، والنطفة هي الجوهر والميكروب أو الجرثومة الفعَّالة التي تسبب الإخصاب حين تصل إلى البويضة، وهذه النطفة تسبح في سائل هو المني وتعيش فيه؛ لذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ} تفسير : [القيامة: 37]. وقد أثبت العلم التجريبي الحديث أن النطفة هي المسئولة عن تحديد الذكورة أو الأنوثة، والبويضة ما هي إلا وعاء فقط. إذن: لا دَخْلَ للمرأة في هذه المسألة، بدليل قول الله تعالى: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [القيامة: 37-39] أي: من النطفة، وقلنا: إن من العجيب أن المرأة العربية قديماً فطنَتْ إلى هذه الحقيقة التي لم يتوصّل إليها العلم إلا حديثاً. أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذه، المسألة: "حديث : إذا غلب ماءُ الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا غلب ماء المرأة نزع الولد إلى أمه" تفسير : فهموا من هذا الحديث أن تحديد الذكورة أو الأنوثة يتوقف على الماء الذي يسبق، لكن حين نتأمل اللفظ نفسه، فكلمة (غلب) تدل على الغلبة والسباق، والسباق لا يكون إلا لعناصر تخرج من نقطة واحدة، وتنطلق في اتجاه واحد، إذن: فهما غير متقابلين، فمعنى يغلب يعني يسبق. وقلنا: إنهم الآن تنبهوا إلى أن البويضة حين تخرج من المرأة تُحدث تغييراً كيماوياً في تكوين المرأة يُسبِّب ارتفاعاً في درجة الحرارة وتغيُّراً في المزاج وفي نبضات القلب؛ لذلك اخترعوا ساعة تقيس هذه التغييرات، وتعرف بها المرأة موعد نزول البويضة. والنطفة ميكروب متنَاهٍ في الصِّغر؛ لا يُرَى إلا بالمجهر، ورحم الله العقاد الذي قال كلمةً موجزة تصور هذا الصِّغَر، فقال: إن أنسال العالم كله - يعني النطف التي كوَّنتهم - يمكن أن توضع في نصف كُسْتبان الخياطة. فسبحان الخالق الذي يُخرِج من هذه النطفة المتناهية الصِّغر إنساناً كاملاً، ويُنشىء منها العظام الصلبة والعضلات نصف الصلبة والرَّخْوة، وأنشأ منها الغضاريف والأعصاب والدم السائل والمخ .. الخ. هذا في الجسم المادي، والأعجب منه ما يحتويه هذا الجسم من العقل الذي يفهم، واللسان الذي ينطق ويتذوق، والعين التي ترى، واليد التي تبطش، والأنف الذي يشم، والأنامل التي تلمس، والرِّجْل التي تسعى. هذه كلها من النطفة، هذا الميكروب الذي لا يُرى بالعين المجردة، هذه النطفة التي عبَّر عنها القرآن بالماء المهين، مهين لأن الإنسان يتبوله ويخرج من مجرى البول، ويُلقى فى دورات المياه مع القاذورات، وإن أصاب ملابسك لا بُدَّ أن تُغسل. ومن هذا الماء المهين يُخْلق الإنسان، بل ويصل إلى أعلى مراتب الطغيان والجبروت، كيف؟ قالوا: لأن الإنسانَ له صفات حسنة في ذاته، ومواهب يحب أن يظهرها، فإنْ كان مع أحبابه أعجبه شكله الجميل أو ماله أو ذكاؤه .. الخ، فيحاول أن يُبيِّن هذه المواهب لهم، فإذا عُودِي كانت له مواهب أخرى في أعدائه، ومع العدو يُجنِّد الإنسان كل مواهبه لينتصر على عدوه، هذه مواهب في الغضب وفي الخصومة والجدال. لذلك قال أحدهم: شعر : وكم مِنْ نِعْمَةٍ لله فِيَّ حَمَدْتُها يُجَمِّعُها فيَّ مَواهِبُ ثلاث أولاَهُما لِنَفسي وثانيتهما لأحْبَابي وأصْحَابي وثالثهما لخصْمي تفسير : هذا كله معنى {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس: 77] يعني: بعد أنْ خلق الإنسان من هذه النطفة ومن هذا الماء المهين فوجئنا بأنه {خَصِيمٌ} [يس: 77] يعني: عدو لدود {مُّبِينٌ} [يس: 77] يعني: يبين عن مواهب العداء عنده إبانةً واضحة، والإنسان لا يكون مُبيناً لغيره إلا إذا بَانَ الشيء في نفسه هو؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالمدرس الفاشل هو الذي لا يستطيع أن ينقل المعلومة لتلاميذه؛ لأن المعلومة غير واضحة عنده، ولو كانت المعلومة واضحة في ذهنه لاستطاع أنْ ينقلها بأيِّ أسلوب. إذن: المعنى {مُّبِينٌ} [يس: 77] يُحسِن الإبانة عَمَّا في نفسه؛ لذلك تقول: أبنتُ لك لأنها بانت عندي، وأعلمتُك لأنها عُلِمت عندي، وأفهمتُك لأنني فهمتُ، فهما إذن موهبتان، والإنسان ترتقي مواهبه ويجند كل صفاته في الخصومة لا يدخر شيئاً منها، ففي الخصومة يُظهِر ما عنده من المال أو الشجاعة أو الحيلة .. الخ. وعجيبٌ أن هذا كله كامن في النطفة، وعجيبٌ أيضاً أن ينقل الإنسانُ هذه الخصومةَ من ذات نفسه، ومن خصومته لأعدائه إلى خصومة ربه وخالقه. لذلك قال تعالى بعدها مُصوِّراً هذه الخصومة لا مع أُبَيٍّ سبب نزول الآيات، إنما مع كل مَنْ هو على شاكلة أُبَيٍّ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم لما بالغ الكفرة المنكرون المصرون في إنكار البعث وتكذيبه، وجادلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وجه العناد والمكابرة، حتى أتى أُبي بن خلف، أتى بعظم بال، وفته عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال متعجباً على سبيل الإنكار مستبعداً: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً}تفسير : [المؤمنون: 82] كذلك إنا مخرجون مبعوثون {أية : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ}تفسير : [المؤمنون: 36]. رد الله سبحانه لمن أنكر قدرته على البعث فقال: {أَ} ينكر المنكر قدرتنا على إعادة الروح إلى الجمادات {وَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ} المجبول على الدارية والشعور، ولم يتذكر ولم يعلم {أَنَّا خَلَقْنَاهُ} وقدرنا وجوده أولاً {مِن نُّطْفَةٍ} مهينة، وهي أرذل من التراب {فَإِذَا هُوَ} اليوم بعدما سويناه رجلاً كاملاً في العقل والرشد {خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس: 77] ومجادل زعيم، ظاهر المراء والمجادلة معنا، منكراً لقدرتنا، مع أنه كان جماداً أرذل في غاية الرذالة والحقارة. {وَ} ما يستحقي منا ومن قدرتنا حتى {ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} موضحاً لنفي قدرتنا {وَ} قد {نَسِيَ خَلْقَهُ} أي: خلقنا إياه، ومن كمال نسيانه وضلاله {قَالَ} متعجباً على سبيل الإنكار: {مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ} البالية {وَ} الحال أنه {هِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] بالية في غاية البلى إلى حيث تتفتت أجزاؤها وتطيرت بالرياح. {قُلْ} يا أكمل الرسل في جوابهم بعدما بالغوا في الإنكار والاستبعاد: {يُحْيِيهَا} أي: العظام، ويعيد الروح إليها {ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ} أي: المحيي، القادر المقتدر على خلقها وإبرائها {أَوَّلَ مَرَّةٍ} من كتم العدم إنشاءً إبداعياً بلا سبق مادة ومدة {وَ} إن استبعدوا واستحالوا جميع الأجزاء المنبثة المفتتة، الممتزجة بعضها مع بعض إلى حيث يستحيل امتيازها وافتراقها أصلاً، قل: {هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ} ومخلوق من نقير وقطمير {عَلِيمٌ} [يس: 79] بعلمه الحضوري، لا يغيب عن حيطة علمه ذرة، ولا يشبته عليه شيء من معلوماته، فله سبحانه أن يميز أجزاء كل شخص شخص، ويركبها على الوجه الذي كان عليه في النشأة الأولى، ثم يعيد الروح عليه، فاصر حياً كما كان، وما ذلك على الله بعزيز. وكيف لا يقدر العليم الحكيم على امتياز أجزاء الأنام والتئامها وإعادة الروح إليها هو {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم} بمقضتى علمه وقدرته {مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ} الرطب الذي يتقاطر منه الماء {نَاراً} مع أن بين النار والماء من التضاد، وكيف تنكرون إخراج النار من الشجر الرطب {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80] حيناً كثيراً. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: شجرتان معروفتان يقال لأحدهما: المرخ، وللآخر: العفار، فمن أراد منهما النار، قطع منهما عضنين مثل السواكين، وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ على العفار، فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. ولهذا قال الحكماء: لكل شجر نار إلاَّ العناب. ثم أشار سبحانه أيضاً إلى كمال قدرته واختياره فقال: {أَ} ينكر المنكرون قدرتنا على البعث وحشر الموتى {وَلَـيْسَ} القادر المقتدر {ٱلَذِي خَلَقَ} وأوجد {ٱلسَّمَاواتِ} أي: العلويات وما فيها {وَٱلأَرْضَ} أي: السفليات وما عليها {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} ويعيدهم أحياء كما كانوا {بَلَىٰ} من قدر على خلق السماوت العلا والأرضين السفلى، قادر على بعث الموتى وحشرهم في النشأة الأخرى {وَ} كيف لا يقدر {هُوَ ٱلْخَلاَّقُ} المبالغ في تكثير الخلق والإيجاد، إبداء وإعادة {ٱلْعَلِيمُ} [يس: 81] بجميع المعلومات، أزلاً وأبداً على التفصيل بحيث لا يخرج عن حيطة حضوره ذرة من ذرائرها ما كان ويكون، بل الكل عنده ممتاز محفوظ. ولا تستبعدوا أيها الجاهلون بالله وبعلمه، وقدرته وسائر أوصافه الكاملة وأسمائه الشاملة أمثال هذا، بل هي بالنسبة إليه سبحانه سهل ويسير. وكيف لا يسهل عليه سبحانه أمثال هذا {إِنَّمَآ أَمْرُهُ} وشأنه {إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً} أي: تعلق إرادته بتكوين شيء من معلوماته ومقدوراته {أَن يَقُولَ لَهُ} بعد تعلق إرادته: {كُن} المؤدي لأمره وحكمه {فَيَكُونُ} [يس: 82] المأمور المحكوم بلا تراخ ومهلة، والتعقيب إنما نشأ من العبارة وإلا فلا تأخير ولا تعقيب في سرعة نفوذ قضائه سبحانه. وإياك ومحتملات الألفاظ، فإنها بمعزل عن أداء كيفية أمر الله وشأن حكمه وقضائه على وجهه، ومتى سمعت ما سمعت من كمال قدرة الله ومتانة حكمته وحيطة علمه وإرادته {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} وله التصرف بالاستقلال والاختيار في ملكه وملكوته؛ يعني: تنزه ذات من بيده مقاليد الملك والملكوت من أن يعجز عن إعادة الأموات أحياء بعدما أبدعهم عن العدم كذلك، ولم يكونوا حينئذ شيئاً مذكوراً، تعالى شأنه عما يقولون حقه علواً كبيراً {وَ} كيف لايقدر سبحانه على البعث والإحياء؛ إذ {إِلَيْهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا غير معه في الوجود ولا إله سواه موجود ومشهود {تُرْجَعُونَ} [يس: 83] رجوع الأمواج إلى الماء، والأضواء إلى الذكاء، سبحانه من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء. خاتمة السورة عليك أيها السالك المتدبر المتأمل في كيفية رجوع الكائنات إلى الوحدة الذاتية وإيناط المظاهر والمصنوعات إلى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي - أزال الله عن بصر بصيرتك سبل الحول، وأعانك على رفع الحجب وكشف العلل - أن تصفِّي باطنك عن الميل إلى الغير مطلقاً، بحيث يصير باطنك مملوءاً بمحبة الله، فتترسخ تلك المحبة فيه وتتمون إلى أن خفي عليك خواطرك وهواجس نفسك، ثم تسري من باطنك إلى ظاهرك، فيشغلك عن جميع مشتهياتك ومستلذاتك، ومتقضيات قواك وجوارحك، فيمتلئ منها ظاهرك وباطنك، فحينئذ لم يبق لك التفات إلى الغير مطلقاً، فصرت حيراناً، مدهوشاً، مستغرقاً بمطالعة وجهه الكريم، وبعدما صرت كذلك، جذبك الحق عنك وسترك عليك إن إبت فيه وفنيت، فحينئذ حق لك أن تقول بلسان استعدادك بعدما فنيت آثار رسومك في الله: إن لله وإنا إليه راجعون {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآيات الكريمات، فيها [ذكر] شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه، فقال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ } المنكر للبعث و الشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه، وهو ابتداء خلقه { مِنْ نُطْفَةٍ } ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم عقله واستتب، { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ } بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة، فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، وليعلم أن الذي أنشأه من العدم، قادر على أن يعيده بعد ما تفرق وتمزق، من باب أولى. { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا } لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق مستبعد على قدرة الخالق. فسر هذا المثل [بقوله]: { قَالَ } ذلك الإنسان { مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } أي: هل أحد يحييها؟ استفهام إنكار، أي: لا أحد يحييها بعد ما بليت وتلاشت. هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور، { وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }. هذا أيضا دليل ثان من صفات اللّه تعالى، وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم، علم أنه أعظم وأجل من إحياء اللّه الموتى من قبورهم. ثم ذكر دليلا ثالثا { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } فإذا أخرج [النار] اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هو في غاية الرطوبة، مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك. ثم ذكر دليلا رابعا فقال: { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } على سعتهما وعظمهما { بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } أي: [أن] يعيدهم [بأعيانهم]. { بَلَى } قادر على ذلك، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. { وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ } وهذا دليل خامس، فإنه تعالى الخلاق، الذي جميع المخلوقات، متقدمها ومتأخرها، صغيرها وكبيرها، كلها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق أراد خلقه. فإعادته للأموات، فرد من أفراد [آثار] خلقه، ولهذا قال: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا } نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء. { أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي: في الحال من غير تمانع. { فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء، الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له، وعبيد مسخرون ومدبرون، يتصرف فيهم بأقداره الحكمية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية. فإعادته إياهم بعد موتهم، لينفذ فيهم حكم الجزاء، من تمام ملكه، ولهذا قال: { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } من غير امتراء ولا شك، لتواتر البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على ذلك. فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور. تم تفسير سورة يس، فللّه [تعالى] الحمد كما ينبغي لجلاله، وله الثناء كما يليق بكماله، وله المجد كما تستدعيه عظمته وكبرياؤه، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):