Verse. 3781 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُہُمْ۝۰ۘ اِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّوْنَ وَمَا يُعْلِنُوْنَ۝۷۶
Fala yahzunka qawluhum inna naAAlamu ma yusirroona wama yuAAlinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا يحزنك قولهم» لك: لست مرسلا وغير ذلك «إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون» من ذلك وغيره فنجازيهم عليه.

76

Tafseer

الرازي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه. وقوله تعالى: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون ذلك تهديداً للمنافقين والكافرين فقوله: {مَا يُسِرُّونَ } من النفاق {وَمَا يُعْلِنُونَ } من الشرك والثاني: ما يسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفر بك الثالث: ما يسرون من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة. ثم إنه تعالى لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } تفسير : [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس. فقال: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } قيل إن المراد بالإنسان أبيّ بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظماً بالياً وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ويدخلك جهنم، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } تفسير : [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الكل في الحكم فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر فهذه الآية رد عليه إذا علمت عمومها فنقول فيها لطائف: اللطيفة الأولى: قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تفسير : [يس: 71] معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ } كلام أعم من قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم، فإن الإنسان قد يغفل عن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن (لا يغفل) هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون. فقال: إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه، فما باله أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة، فإن سائر النعم بعد وجوده وقوله: {مِن نُّطْفَةٍ } إشارة إلى وجه الدلالة، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو، وكذلك الحال في كل عضو، ولما كان خلقه عن نطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار بقوله تعالى: {أية : يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ } تفسير : [الرعد: 4]. وقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه، وذلك لأن النطفة جسم، فهب أن جاهلاً يقول إنه استحال وتكون جسماً آخر، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب فقوله: {خَصِيمٌ } أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان النطق لأنه أعلى أحوال الناطق، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله: {مُّبِينٌ } إشارة إلى قوة عقله، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه، لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ } إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله: {خصيم مبين} إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } إلى أن قال تعالى: {أية : ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر } تفسير : [المؤمنون: 14] فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاماً إشارة إلى التغيرات في الجسم وقوله: {ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر } إشارة إلى ما أشار إليه بقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } أي ناطق عاقل. ثم قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ } إشارة إلى بيان الحشر وفي هذه الآيات إلى آخر السورة غرائب وعجائب نذكرها بقدر الإمكان إن شاء الله تعالى، فنقول المنكرون للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة واكتفى بالاستبعاد وادعى الضرورة وهم الأكثرون، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم في كثير من المواضع بلفظ الاستبعاد كما قال: {أية : وَقَالُواْ أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلقٍ جديد } تفسير : [السجدة: 10] {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [الصافات: 16] {أية : أَئنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدّقِينَ } تفسير : [الصافات:52] { أية : إئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} تفسير : [الصافات: 53] إلى غير ذلك فكذلك ههنا قال: {قَالَ مَن يُحيِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } على طريق الاستبعاد فبدأ أولاً بإبطال استبعادهم بقوله: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ } أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء، ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل الذيـ(ن) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلاً، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه، ثم إن استبعادهم كان من جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا: {مَن يُحيِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في المعيد من القدرة والعلم فقال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } أي جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين أحدهما: أنه بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود، وأجاب عن هذه الشبهة. بقوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئاً مذكوراً وثانيها: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع؟ وأبعد من هذا هو أن إنساناً إذا أكل إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأكول، إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء. فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة: {وهو بكل خلق عليم} ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية، وفي المأكول كذلك، فإذا أكل إنسان إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل. {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع، المبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة.

البيضاوي

تفسير : {فَلاَ يَحْزُنكَ} فلا يهمنك، وقرىء بضم الياء من أحزن. {قَوْلُهُمْ} في الله بالإِلحاد والشرك، أو فيك بالتكذيب والتهجين. {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فنجازيهم عليه وكفى ذلك أن تتسلى به، وهو تعليل للنهي على الاستئناف ولذلك لو قرىء {أَنَاْ} بالفتح على حذف لام التعليل جاز. {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ} تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر، وفيه تقبيح بليغ لإِنكاره حيث عجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بينا ومنافاة لجحود القدرة على ما هو أهون مما عمله في بدء خلقه، ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفاً مكرماً بالعقوق والتكذيب. روي «أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بال يفتته بيده وقال: أترى الله يحيـي هذا بعد ما رم، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : نعم ويبعثك ويدخلك النار فنزلتتفسير : وقيل معنى {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً مميز منطيق قادر على الخصام معرب عما في نفسه. {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} أمراً عجيباً وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، أو تشبيهه بخلقه بوصفه بالعجز عما عجزوا عنه. {وَنَسِىَ خَلْقَهُ} خلقنا إياه. {قَالَ مَن يُحيِيِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ} منكراً إياه مستبعداً له، والرميم ما بلي من العظام، ولعله فعيل بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسماً بالغلبة ولذلك لم يؤنث، أو بمعنى مفعول من رممته. وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء. {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} فإن قدرته كما كانت لامتناع التغير فيه والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. {وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها، فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتبددة أصولها وفصولها ومواقعها وطريق تمييزها، وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق وإعادة الأعراض والقوى التي كانت فيها أو إحداث مثلها. {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ} كالمرخ والعفار. {نَارًا} بأن يسحق المرخ على العفار وهما خضراوان يقطر منهما الماء فتنقدح النار. {فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ} لا تشكون فإنها نار تخرج منه، ومن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيتها كان أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضاً فيبس وبلي، وقرىء من «الشجر الخضراء» على المعنى كقوله {أية : فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ }تفسير : [الدخان: 45] {أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} مع كبر جرمهما وعظم شأنهما. {بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} في الصغر والحقارة بالإِضافة إليهما، أو مثلهم في أصول الذات وصفاتها وهو المعاد، وعن يعقوب «يقدر». {بَلَىٰ} جواب من الله تعالى لتقرير ما بعد النفي مشعر بأنه لا جواب سواه. {وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ} كثير المخلوقات والمعلومات. {إِنَّمَا أَمْرُهُ} إِنَّمَا شأنه. {إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن} أي تكون. {فَيَكُونُ} فهو يكون أي يحدث، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعاً لمادة الشبهة، وهو قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، ونصبه ابن عامر والكسائي عطفاً على {يِقُولُ}. {فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْءٍ} تنزيه عما ضربوا له، وتعجيب عما قالوا فيه معللاً بكونه مالكاً للأمر كله قادراً على كل شيء. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وعد ووعيد للمقرين والمنكرين، وقرأ يعقوب بفتح التاء. وعن ابن عباس رضي الله عنه: كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا أنه بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس، وأيما مسلم قرأها يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له، ويشهدون غسله ويشيعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلاَ يُحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } لك: لَسْتَ مُرْسَلاً وغير ذلك {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } من ذلك وغيره فنجازيهم عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا يحزنك قولهم} الفاء لترتيب النهى على ما قبله والنهى وان كان بحسب الظاهر متوجها الى قولهم لكنه فى الحقيقة متوجه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى له عن التأثر منه بطريق الكناية على ابلغ وجه وآكده فان النهى عن اسباب الشئ ومباديه المؤدية اليه نهى عنه بالطريق البرهانى وابطال للسبيية. وقد يوجه النهى الى المسبب ويراد النهى عن السبب كما فى قوله لا ارينك ههنا يريد به نهى مخاطبه عن الحضور لديه والمراد بقولهم ما ينبئ عنه ما ذكر من اتخاذهم الاصنام آلهة فان ذلك مما لا يخلو عن التفوه بقولهم هؤلاء آلهتنا وانهم شركاء الله تعالى فى المعبودية وغير ذلك مما يورث الحزن كذا فى الارشاد. قال ابن الشيخ الفاء جزائية اى اذا سمعت قولهم فى الله ان له شريكا وولدا وفيك انك كاذب شاعر وتألمت من اذائهم وجفائهم فتسل باحاطة علمى بجميع احوالهم وبانى اجازيهم على تكذيبهم اياك واشراكهم بى {انا نعلم ما يسرون وما يعلنون}. قال فى الارشاد تعليل صريح للنهى بطريق الاستئناف بعد تعليله بطريق الاشعار فان العلم بما ذكر مستلزم للمجازاة قطعا اى نعلم بعلمنا الحضورى عموم ما يضمرون فى صدورهم من العقائد الفاسدة ومن العداوة والبغض وجميع ما يظهرون بألسنتهم من كلمات الكفر والشرك بالله والانكار للرسالة فنجازيهم على جميع جناياتهم الخافية والبادية شعر : بآشكار نهان هرجه كفتى وكردى جزا دهد بتو داناى آشكار ونهان تفسير : وتقديم السر على العلن اما للمبالغة فى بيان شمول علمه تعالى لجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرون اقدم منه بما يعلنون مع استوائهما فىالحقيقة فان علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شئ فى نفسه علم بالنسبة اليه تعالى وفى هذا المعنى لا يختلف الحال بين الاشياء البارزة والكامنة واما لان مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن اذ ما من شئ يعلن الا وهو او مباديه مضمر فى القلب قبل ذلك فتعلق علمه بحالته الاولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة. وفى الاية اشارة الى ان كلام الاعداء الصادر من العداوة والحسد جدير ان يحزن قلوب الانبياء مع كمال قوتهم وانهم ومتابعيهم مأمورون بعدم الالتفات وتطييب القلوب فى مقاساة الشدائد فى الله بان لها ثمرات كريمة عند الله وللحساد مطالب بها عند الله كما قال {انا نعلم ما يسرون} من الحسد والضغائن {وما يعلنون} من العداوة والطعن وانواع الجفاء واذا علم العبد ان المه آت من الحق هان عليه ما يقاسيه لا سيما اذا كان فى الله كما فى التأويلات النجمية. قال بعض الكبار ليخفف ألم البلاء علمك بان الله هو المبتلى شعر : هرجه ازجانان مى آيد صفا باشد مرا تفسير : هذا. قال فى برهان القرآن قوله {فلا يحزنك قولهم انا نعلم} وفى يونس {أية : ولا يحزنك قولهم ان العزة لله جميعا} تفسير : تشابها فى الوقف على قولهم فى السورتين لان الوقف عليه لازم وان فيهما مكسور فى الابتداء لا فى الحكاية ومحكى القول فيهما محذوف ولا يجوز الوصل لان النبى صلى الله عليه وسلم منزه عن ان يخاطب بذلك انتهى. قال فى بحر العلوم قوله {انا} الخ تعليل للنهى على الاستئناف ولذلك لو قرئ انا بفتح الهمزة على حذف لام التعليل جاز وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لبيك ان الحمد والنعمة لك" تفسير : كسر ابو حنيفة وفتح الشافعى وكلاهما تعليل انتهى. وفى الكواشى وزعم بعضهم ان من فتح {انا} بطلت صلاته وكفر وليس كذلك لانه لا يخلو اما ان يفتحها تعليلا فمعناه كالمكسورة او يفتحها بدلا من قولهم وليس بكفر ايضا لجواز ان يخاطب هو صلى الله عليه وسلم والمراد غيره نحو {أية : لئن اشركت ليحبطن عملك} تفسير : بل ان اعتقد ان محمدا عليه السلام يحزن لعلمه تعالى سرهم وعلانيتهم فقد كفر او يفتحها معمولة قولهم عند من يعمل القول بكل حال وليس بكفر ايضا انتهى كلامه باجمال

الطوسي

تفسير : قرأ رويس {يقدر} بالياء وجعله فعلا مستقبلا. وقرأ الكسائي وابن عباس {فيكون} نصباً عطفاً على {أن نقول.... فيكون} الباقون بالرفع بتقدير، فهو يكون. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التسلية له عن تكذيب قومه إياه، فقال {فلا يحزنك قولهم} وضم الياء نافع، وحزن وأحزن لغتان. والحزن ألم القلب بما يرد عليه مما ينافي الطبع، ومثله الغم، وضده السرور والفرح والمعني في صرف الحزن عن النبي صلى الله عليه وآله في كفر قومه هو أن ضرر كفرهم عائد عليهم، لانهم يعاقبون به دون غيرهم. ثم قال {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} أي ما يظهرونه وما يبطنونه فنجازي كلاً منهم على قدره لا يخفى علينا شيء منها. ثم قال منبهاً لخلقه على الاستدلال على صحة الاعادة والنشأة الثانية، فقال {أولم ير الإنسان} ومعناه أولم يعلم {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} ومعناه إنا نقلناه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظم ومن العظم إلى أن جعلناه خلقاً سوياً وجعلنا فيه الروح وأخرجناه من بطن أمه وربيناه ونقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله وصار متكلماً خصيماً عليماً، فمن قدر على جميع ذلك كيف لا يقدر على الاعادة، وهي أسهل من جميع ذلك؟! ولا يجوز أن يكون خلق الانسان ولا خالق له، ولا أن يكون واقعاً بالطبيعة، لانها في حكم الموات في أنها ليست حية قادرة، ومن كان كذلك لا يصح منه الفعل ولا أن يكون كذلك بالاتفاق لان المحدث لا بد له من محدث قادر وإذا كان محكماً فلا بد من كونه عالماً. وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر، لان الله تعالى أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الأولى، وأنه يلزم من أقر بالأولى أن يقر بالثانية. ثم حكى تعالى عن بعض الكفار انه {ضرب لنا} أي ضرب لله {مثلا ونسي خلقه} كيف كان في الابتداء {فقال من يحيي العظام وهي رميم} فقال قتادة، ومجاهد: كان القائل ابي بن خلف. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وابل السهمي. وقال ابن عباس: هو عبد الله بن أبي ابن سلول. وقال الحسن: جاء أمية إلى النبي صلى الله عليه وآله بعظم بال قد بلي، فقال يا محمد أتزعم ان الله يبعث هذا بعدما بلي!. قال: نعم، فنزلت الآية. والرميم هو البالي، فقال الله تعالى في الرد عليه {قل} يا محمد لهذا المتعجب من الاعادة {يحييها الذي أنشأها أول مرة} لأن من قدر على الاختراع لما يبقى من غير تغيير عن صفة القادر، فهو على اعادته قادر لا محالة {وهو بكل خلق عليم} أي عالم بكل جنس من أجناس الخلق. ثم وصف نفسه فقال {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} فبين أن من قدر على ان يجعل في الشجر الاخضر الذي هو في غاية الرطوبة ناراً حامية مع تضاد النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض وهو المزح والعفار وغير ذلك من انواع الشجر فيخرج منه النار وينقدح، فمن قدر على ذلك لا يقدر الاعادة؟! ثم نبههم على دليل آخر فقال {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} ومعناه من قدر على اختراع السموات والارض كيف لا يقدر على أمثاله؟! وقد ثبت أن من شأن القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس مثله وجنس ضده. ودخول الباء في خبر (ليس) لتأكيد النفي. ثم قال تعالى مجيباً عن هذا النفي فقال {بلى وهو الخلاق العليم} أي هو خالق لذلك عالم بكيفية الاعادة. ثم قال تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} والمعنى بذلك الاخبار عن سهولة الفعل عليه وانه إذا اراد فعل شيء فعله بمنزلة ما يقول للشيء كن فيكون في الحال، وهو مثل قول الشاعر: شعر : وقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب تفسير : وإنما اخبر عن سرعة دمعه دون ان يكون قبولا على الحقيقة. {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} ومعناه تنزيهاً له عن نفي القدرة على الاعادة وغير ذلك مما لا يليق به الذي يقدر على الملك، وفيه مبالغة {وإليه ترجعون} يوم القيامة الذي لا يملك فيه الأمر والنهي سواه، فيجازيكم على قدر اعمالكم من الطاعات والمعاصي بالثواب والعقاب.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قرئ "فلا يحزنك" - بفتح الياء - من "حزنه" وبضمها من "أحزنه". وقرئ "أنّا" - بفتح الهمزة - ولا ضير فيه كما توهم، لأنه إما على حذف لام التعليل، وهو شائع في القرآن والحديث، وقياس مُطّرد في الكلام دائر على ألسنة الفصحاء، وعلى هذا يكون معناه ومعنى "أنا" - بالكسر - واحداً، وكذلك في التلبية من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الحمد والنعمة لك" تفسير : روى بعضهم الكسر في "ان" وبعضهم الفتح فيها، والمعنى لا يتغير، لأن كلاهما تعليل، وإما على أن يكون بدلاً من: "قولهم" كأنه قيل: "فلا يحزنك أنا نعلم ما يُسِرون ما يعلنون"، وهذا المعنى محتمل مع الكسر أيضاً إذ جعلت الجملة مفعولة للقول. وعلى أي الوجهين - من الكسر والفتح - فالمعنى المختار؛ هو أنه لا يحزنك قولهم، ولا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنّا عالمون بما يُسِرون من عداوتهم وما يُعلنون من انكارهم، فنحن مجازون إياهم عليهما، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد لأعدائه، ويستحضر في نفسه صورة حاله في الدنيا وحالهم في الآخرة حتى ترتفع عنه الهموم، أو يتصور صورة حاله في الآخرة وحالهم في الدنيا كيلا ترهقه الأحزان. فتعلق الحزن بكون الله عالماً وعدم تعلقه لا يدوران على كسر "ان" وفتحها كما توهم، وإنما يدوران على التقدير، فإن فتحت "أن" فتقدر معنى التعليل ولا تقدر البدل، وإذا كسرتها فتقدر التعليل ولا تقدر المفعولية، حتى تنجو من المعنى المعطى للكفر باعتقادك، على أن نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الحزن على كونه تعالى عالماً بسرهم وعلانيتهم، ليس مما يوجب شيئاً نكراً، ولكن من قبيل قوله: {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} تفسير : [القصص:86] {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [يونس:105] {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ}تفسير : [القصص:88].

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} فى الله او فيك او فى خلافة خليفتك والاخير هو المراد لانّه غاية الرّسالة {إِنَّا نَعْلَمُ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فلا تبال بما قالوا فانّا قادرون وسامعون لاقوالهم وعالمون بما ينوون ويستحقّون.

الهواري

تفسير : قوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي: إنك شاعر وإنك ساحر وإنك كاهن وإنك مجنون وإنك كاذب {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} أي: من عداوتهم لك {وَمَا يُعْلِنُونَ} من كفرهم بما جئتهم به، فنعصمك منهم ونذلّهم لك. ففعل الله ذلك بهم. قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي: وقد علم أنا خلقناه، أي: فكما خلقناه فكذلك نعيده. {قَالَ: مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي: وهي رفات. ذكروا عن مجاهد قال: حديث : أتى أبيّ بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم نخر ففتّه بيده فقال: يا محمد، أيحيي الله هذا وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:نعم ويحييك الله بعد موتك ثم يدخلك النار. تفسير : فأنزل الله: {قُلْ} يا محمد {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ} أي: خلقها {أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} وهو كقوله: (أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)تفسير : [الملك: 14] أي: بلى. قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}. فكل عود يُزنَد منه النار فهو من شجرة خضراء. قال: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. قال: {فَسُبْحَانَ} ينزّه نفسه {الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير الحسن: ملك كل شيء، وبعضهم يقول: خزائن كل شيء. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {فلا يحزنك} وقرىء بفتح الياء وضم الزاي. {قولهم} قول كفار مكة في تكذيبك وذمك والإضرار بك وفي الاشراك بالله ومعصيته وينبغي الوقف هنا لئلا يتوهم أن مقولة ما بعد وإنما المقول محذوف أي قولهم انك شاعر مجنون ونحو ذلك. {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} ما يخفون وما يظهرون مطلقا فلا تخفي علينا معاصيهم واعتقاداتهم فيجازيهم عليها وقيل ما يسرون من التكذيب وما يعلنون من عبادة الأصنام وشتمك فتجازيهم وتمنعك وذلك تعليل جملي للقهر عن الأحزان ولذلك لو قرأ قارىء أنا بفتح الهمزة والتشديد للنون لم تفسد صلاته لأن المعنى لم يتغير إلا ان تعمد فإنها تفسد ومن تعمد ذلك ولم يطلع على قراءة بالفتح فهو عاص لتقدمه الى ما لم يكن عنده علم أن أحدا من السلف قرأ به هذا ما ظهر لي فدع غيره فانه اللائق.

اطفيش

تفسير : {فلا يحْزنُك} عطف على الاسمية قبلها عطف إنشاء على إخبار، وفعلية على اسمية، أو جواب شرط، أى إذا كان حالهم مع ربهم، هذا الرد عليهم، واعداد النار لهم ولآلهتهم، قيل: وأيضا كان رأيهم عبادتا مع أنا لا نفع فيها فلا يحزنك {قَولهُم} أن لله شركاء، وأنك شاعر وكاذب ونحو ذلك، والنهى فى اللفظ من نهى الغائب، وهو قولهم نهى قولهم عن أن يؤثر فيه صلى الله عليه وسلم حزنا، والمراد نهيه صلى الله عليه وسلم أن يتأثر بالحزن لذلك القول، كأنه قيل: لا تحزن بقولهم، وذلك أبلغ من هذا، لأنه نهى عن أن يأتيه حزن فضلا عن أن يؤثر فيه، وعلل النهى تعليلا جمليا مستأنفا بقوله: {إنَّا نعْلمُ ما يُسرون وما يُعْلنون} علمه تعالى كناية عن عقابهم، أو مجاز مرسل لعلاقة السببية واللزوم، فلعلمه بما فعلوا يعاقبهم، وهو حكيم اقتضت أنه لا بد يعاقبهم، وأنه لا يخلف عنهم الوعيد، ولا عن رسوله الوعد، والانتقام منهم حسن يلتذ صلى الله عليه وسلم به،واطلاق العلم على نفس ما يخفونه من الإشراك والمعاصى بالقلب، والجارحة أولى من إطلاقه على نفس الاخفاء والاعلان لأن العقاب على حبات الخردل من نفس ما عملوا، بل نفس الاخفاء والإعلان أيضا مما عملوا، فما موصول اسمى لا مصدرية، ولو أمكنت وقدم الإسرار، لأن المشركين يتوهمون أنه تعالى لا يعلمه ولأن الخفاء دائما متقدم على الإظهار، ولو بتقدم عزم القلب ولطريق الاهتمام باصلاح السر. وزعم بعض أنه قدم تلويحا الى أن علم السر عنده تعالى كأنه أقدم من علم العلن، ومفعول القول محذوف، ومر تقديره وأجيز أن يكون هو قوله: {إنا نعلم} إلخ على التهكم، أو على تشديد التحريض على اعتقاد ذلك، حتى كأنهم اعتقدوه مع بعدهم عنه، ومع البعد عن العمل بمقتضاه، كما شدد على الترك مع البعد عن الفعل فى قوله تعالى: " أية : ولا تكونن من المشركين" تفسير : [الأنعام: 14] إذا كان خطابا له صلى الله عليه وسلم، وهذا كلام على الجواز، وأعمل بالوقف على قولهم وبحذف المقول، ويجوز الوصل مع عدم اعتقاد أن مقولهم انا نعلم إلخ.

الالوسي

تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } فصيحة أي إذا كان هذا حالهم مع ربهم عز وجل فلا تحزن بسبب قولهم عليك هو شاعر أو إذا كان حالهم يوم القيامة ما سمعت فلا تحزن بسبب قولهم على الله سبحانه إن له شركاء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً أو عليك هو شاعر أو على الله تعالى وعليك ما لا يليق بشأنه عز وجل وشأنك، والاقتصار في بيان قولهم عليه صلى الله عليه وسلم بأنه وحاشاه شاعر لأنه الأوفق بما تقدم من قوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ }تفسير : [يس: 69] وقد يعمم فيشمل جميع ما لا يليق بشأنه عليه الصلاة والسلام من الأقوال، وتفسير الشرط الذي أفصحت عنه الفاء بما ذكرنا أولاً هو المناسب لما روي عن الحسن وقتادة في معنى قوله تعالى: {أية : وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ }تفسير : [يس: 75] وبما ذكرنا ثانياً هو المناسب لما ذكر بعد في معنى ذلك. وقيل التقدير على الأول إذا كانوا في هذه المرتبة من سخافة العقول حيث اتخذوا رجاء النصر آلهة من دون الله عز وجل لا يقدرون على نصرهم والذب عنهم بل هم يذبون عن تلك الآلهة فلا تحزن بسبب قولهم عليك ما قالوا ولعل الأول أولى. وأياً ما كان فالنهي وإن كان بحسب الظاهر متوجهاً إلى قولهم لكنه في الحقيقة كما أشرنا إليه متوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر من الحزن بطريق الكناية على أبلغ وجه وآكده كما لا يخفى. وقرأ نافع {فَلاَ يَحْزُنكَ } بضم الياء وكسر الزاي من أحزن المنقول من حزن اللازم وجاء حزنه وأحزنه. {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } تعليل صريح للنهي بطريق الاستئناف بعد تعليلة بطريق الإشعار بناءً على التقدير الثاني في الشرط فإنّ العلم بما ذكر مجاز عن مجازاتهم عليه أو كناية عنها للزومها إياه إذ علم الملك القادر الحكيم بما جرى من عدوه الذي تقتضي الحكمة الانتقام منه مقتض لمجازاته والانتقام منه، وهو على التقدير الأول قيل استئناف بياني وقع جواب سؤال مقدر كأنه قيل: يا رب فإذا كان حالهم معك ومع نبيك ذلك فماذا تصنع بهم؟ فقيل: {إِنَّا نَعْلَمُ } الخ أي نجازيهم بجميع جناياتهم، وقيل هو تعليل لترتيب النهي على الشرط فتأمل، و (ما) موصلة والعائد محذوف أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك ونحو ذلك والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها، وجوز أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم والمفعول محذوف أو الفعلان منزلان منزلة اللازم والمتبادر الأول وهو الأولى. وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث إن علم السر عنده تعالى كأنه أقدم من علم العلن، وقيل: لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة، وقيل: للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر ولأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان. وشاع أن الوقف على {قَوْلُهُمْ } متعين، وقيل: ليس به/ لأنه جوز في {إِنَّا نَعْلَمُ } الخ كونه مقول القول على أن ذلك من باب الإلهاب والتعريض كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }تفسير : [الأنعام: 14] أو على أن المراد فلا يحزنك قولهم على سبيل السخرية والاستهزاء إنا نعلم الخ، ومنه يعلم أنه لو قرأ قارىء أنا نعلم بالفتح وجعل ذلك بدلاً من {قَوْلُهُمْ } لا تنتقض صلاته ولا يكفر لو اعتقد ما يعطيه من المعنى كما لو جعله تعليلاً على حذف حرف التعليل، والحق أن مثل هذا التوجيه لا بأس بقبوله في درء الكفر، وأما أمر الوقف فالذي ينبغي أن يقال فيه أنه على {قَوْلُهُمْ} كالمتعين.

ابن عاشور

تفسير : {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ}. فرّع على قوله: { أية : واتَّخذوا من دُونِ الله ءَالِهَةً } تفسير : [يس:74] صرفُ أن تحزن أقوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أي تحذيره من أن يحزِن لأقوالهم فيه فإنهم قالوا في شأن الله ما هو أفظع. و{قولهم} من إضافة اسم الجنس فيعم، أي فلا تحزنك أقوالهم في الإِشراك وإنكار البعث والتكذيب والأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولذلك حذف المقول، أي لا يحزنك قولهم الذي من شأنه أن يحزنك. والنهي عن الحزن نهي عن سببه وهو اشتغال بال الرسول بإعراضهم عن قبول الدين الحق، وهو يستلزم الأمر بالأسباب الصارفة للحزن عن نفسه من التسلّي بعناية الله تعالى وعقابه من ناووه وعادوه. {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. تعليل للنهي عن الحزن لقولهم. والخبر كناية عن مؤاخذتهم بما يقولون، أي إنا محصون عليهم أقوالهم وما تسرّه أنفسهم مما لا يجهرون به فنؤاخذهم بذلك كله بما يكافئه من عقابهم ونصرِك عليهم ونحو ذلك. وفي قوله: {ما يُسِرُّونَ وما يُعلنون} تعميم لجعل التعليل تذييلاً أيضاً. و«إنّ» مغنية عن فاء التسبب في مقام ورودها لمجرد الاهتمام بالتأكيد المخبر بالجملة ليست مستأنفة ولكنها مترتبة. وقرأ نافع {يُحزِنكَ} بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه إذا أدخل عليه حزناً. وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي من حَزَنه بفتح الزاي بمعنى أحزنه وهما بمعنى واحد. وقدم الإِسرار للاهتمام به لأنه أشدّ دلالة على إحاطة علم الله بأحوالهم، وذكر بعده الإِعلان لأنه محل الخبر، وللدلالة على استيعاب علم الله تعالى بجزئيات الأمور وكلياتها. والوقف عند قوله: {ولا يحزنك قولهم} مع الابتداء بقوله: {إنَّا نعلم} أَحسنُ من الوصل لأنه أوضح للمعنى، وليس بمتعيّن إذ لا يخطر ببال سامع أنهم يقولون: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولو قالوه لما كان مما يحزن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ينهى عن الحزن منه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 76- فلا يحزنك قولهم فى الله بالإلحاد وفيك بالتكذيب، إنا نعلم ما يُخفون وما يُعلنون، فنجازيهم عليه. 77- أجحد الإنسان وجود الله وقدرته. ولم ير أنا خلقناه - بعد العدم - من نطفة مهينة؟ فإذا هو شديد الخصومة، مبين لها، معلن عنها. 78- وساق لنا هذا الخصيم المبين مثلاً ينكر به قدرتنا على إحياء العظام بعد أن تبلى، ونسى خلقنا إياه بعد أن لم يكن، قال - منكراً مستبعداً قدرتنا على ذلك -: من يُحيى العظام وهى رميم؟ 79- قل - يا محمد -: يُحييها الذى أنشأها أول مرة، ففى استطاعة من بدأ أن يُعيد، وهو عظيم العلم بكل ما خلق، فلا يعجزه جمع الأجزاء بعد تفرقها. 80- الذى خلق لكم من الشجر الأخضر - بعد جفافه ويبسه - ناراً.

د. أسعد حومد

تفسير : (76) - فَلاَ يَحْزُنْكَ مَا يَقُولُهُ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ عَنْكَ: سَاحِرٌ وَشَاعِرٌ وَمَجْنُونٌ.. وَلاَ تَحْزَنْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللهِ وَبِآيَاتَهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يَقُولُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَمَا يُسِرُّونَهُ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَمَا يَخْفُونَهُ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ جَمِيعاً الجَزَاءَ الأَوْفَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُطيِّب خاطره، والتسلية لا تكون إلا من مُسلٍّ لمسَلَّىً، المسلِّي هو الذي أرسل المسلَّى، فلابد أن يجامله حتى في الشدة، وسنة الله في الرسل جميعاً أن الله ما أرسل رسولاً وخذله أبداً، وما كانت الشدة في رحلة وموكب الرسالات إلا تصفيةً لنفوس المؤمنين، وتمحيصاً لهم، وتصحيحاً للعقيدة، حتى لا يبقى إلا المؤمن الحق الذي يتحمل مسئولية الرسالة والدفاع عنها. لذلك يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يس: 76] لا تحزن يا محمد، والحزن: أسف النفس على عدم تحقيق ما يتمنى الإنسان وطُروء ما يفسد، فإنْ حَزن رسول الله وانقبضتْ نفسه، فمَنْ يُسلِّيه؟ ومَنْ يُخفِّف عنه؟ يُسلِّيه الذي أرسله؛ لأنه سبحانه يحصي عليهم كل شيء، ويعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون. {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [يس: 76]. لكن، ما الذي أسَرَّهُ هؤلاء؟ الذين واجهوا رسول الله كانوا قسمين: قسم واجهه بشجاعة، فأعلن بلسانه ما في قلبه من أنه لا يؤمن به، وهؤلاء هم الكَفَرة، وقسم آمن بلسانه وكتم الكفر في قلبه، وهؤلاء هم المنافقون، فمعنى {مَا يُسِرُّونَ} [يس: 76] أي: من النفاق {وَمَا يُعْلِنُونَ} [يس: 76] من الكفر. أو {مَا يُسِرُّونَ} [يس: 76] من الإيمان الحقيقي بك، وأنك رسول وأمين وصادق {وَمَا يُعْلِنُونَ} [يس: 76] من الكفر، بدليل قوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. بدليل أنهم لم يُكذِّبوا القرآن، ولم يعترضوا عليه، إنما اعتراضهم أنْ ينزل على محمد بالذات، لذلك قالوا كما حكى عنهم القرآن: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وبدليل أنهم كانوا يأتمنون رسول الله على ودائعهم وأماناتهم، هذا كله دليل على إيمانهم برسول الله، لكنهم مع ذلك أعلنوا كلمة الكفر خوفاً على السلطة الزمنية والمنزلة والسيادة والجبروت، وقد جاء الدين الجديد ليسلِبَ منهم هذا كله، ويُوقف تسلُّطهم على الضعفاء وعلى الفقراء. إذن: لا بُدَّ أن يصادموا رسول الله، وأن يقفوا في وجه دعوته، بكل قواهم رغم إيمانهم بصدقه في قرارة أنفسهم؛ لذلك كانوا في المدينة يستعدون لتنصيب ملك منهم فلما دخلها رسول الله واجتمع الناس عليه انفضَّتْ مملكتهم، وزالتْ قبل أن تُولد، ذهبت السلطات الزمنية التي كانت للكفار كما ذهبت السلطة من أيدي اليهود، وكانوا أهلَ العلم وأهلَ المال وأهلَ القتال، ذهب كل هذا يوم عَلَتْ كلمة الإسلام. أو: يُرادُ بما يُسِرُّون وما يعلنون أن عمل الإنسان حصيلة أمرين: شيء أو حاجة تختمر في النفس تُعَدُّ سِرّاً وعقيدة تدفعه إلى العمل فإنْ ترجمَتْ إلى عمل وبرزتْ للوجود صارتْ علانية، وعليه يكون المعنى: نعلم ما يُسِرُّون من عقائدهم الفاسدة، وما يعلنون من فِعْل القبائح. لكن أيمتنُّ الله بعلم الشيء دون فائدة من وراء هذا العلم؟ المسألة لا تنتهي بمجرد العلم، إنما لا بُدَّ أنْ يترتب على هذا العلم جزاءٌ يعاقب الكافر العاصي، ويُثيب المؤمن المطيع، إذن: تدبَّروا أمركم، واحذروا ما يترتب على هذا العلم من آثار؛ لأن علم الله ليس (فنطزية) علم ومعرفة. لذلك قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [يونس: 65] البعض فهم أن كلمة {أية : إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [يونس: 65] هي قول الكافرين، لكن كيف يقولها الكافر، ليتهم قالوا إنما قالها الله تذييلاً لقوله: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} تفسير : [يونس: 65] لماذا؟ لأن العزة لله جميعاً. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن آياته في الآفاق في الأرض وفي الشمس والقمر والفُلْك والدواب والأنعام يتكلم سبحانه عن آياته في النفس الإنسانية، فإذا كانت الآيات في الآفاق من حولهم لم تلفتهم إلى الله، فهذه هي آياته في ذات أنفسهم التي لا تفارقهم: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فلا يحزنك يا أيها الرسول، قول المكذبين، والمراد بالقول: ما دل عليه السياق، كل قول يقدحون فيه في الرسول، أو فيما جاء به. أي: فلا تشغل قلبك بالحزن عليهم { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فنجازيهم على حسب علمنا بهم، وإلا فقولهم لا يضرك شيئا.