٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : لما تقررت الوحدانية والإعادة وأنكروها وقالوا: بأن غير الله آلهة، قال تعالى وتنزه عن الشريك: {ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ } وكل شيء ملكه فكيف يكون المملوك للمالك شريكاً، وقالوا: بأن الإعادة لا تكون، فقال: {وإليه ترجعون} رداً عليهم في الأمرين، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله: سبحان، أي سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السموات والأرض تسبيح الذي {فَسُبْحَـٰنَ } علم للتسبيح، والتسبيح هو التنزيه، والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام، ومن قال هو فعلول جعلوه ملحقاً به. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس» تفسير : وقال الغزالي فيه: إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه، فجعله قلب القرآن لذلك، واستحسنه فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام. ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين فابتداؤها بيان الرسالة بقوله: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يس: 3] ودليلها ما قدمه عليها بقوله: {أية : وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يس: 2] وما أخره عنها بقوله: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً } تفسير : [يس: 6] وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله: {فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } إشارة إلى التوحيد، وقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } إشارة إلى الحشر، وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه، ومن حصل من القرآن هذا القدر فقد حصل نصيب قلبه وهو التصديق الذي بالجنان. وأما وظيفة اللسان التي هي القول، فكما في قوله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } تفسير : [الأحزاب: 70] وفي قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً } تفسير : [فصلت: 33] وقوله تعالى: {أية : بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ } تفسير : [إبراهيم: 27] {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الفتح: 26] {أية : وَإِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10] إلى غير هذه مما في غير هذه السورة ووظيفة الأركان وهو العمل، كما في قوله تعالى: {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تفسير : [البقرة: 110] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا... وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ } تفسير : [الإسراء: 32، 33] وقوله: {أية : وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } تفسير : [المؤمنون: 51] وأيضاً مما في غير هذه السورة، فلما لم يكن فيها إلا أعمال القلب لا غير سماها قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى تلقين يس لمن دنا منه الموت، وقراءتها عند رأسه، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية، لكن القلب يكون قد أقبل على الله ورجع عن كل ما سواه، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوة قلبه، ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة وهي شفاء له وأشرار كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمها إلا الله ورسوله، وما ذكرناه ظن لانقطع به، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَسُبْحَٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ } مُلْك، زيدت الواو والتاء للمبالغة: أي القدرة على {كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تُردّون في الآخرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} خزائنه، أو ملكه وفيه مبالغة.
القشيري
تفسير : أي بقدرته ظهورُ كلِّ شيء: فلا يحدث شيء - قَلَّ أو كَثُرَ- إلا بإبداعه وإنشائه، ولا يبقى منها شيءٌ إلا بإبقائه، فمنه ظهور ما يُحْدِث، وإليه مصير ما يخلق.
اسماعيل حقي
تفسير : {فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ} الملكوت والرحموت والرهبوت والجبروت مصادر زيدت الواو والتاء فيها للمبالغة فى الملك والرحمة والرهبة والجبر. قال فى المفردات الملكوت مختص بملك الله تعالى والملك ضبط الشئ والتصرف فيه بالامر والنهى اى فاذا تقرر ما يوجب تنزهه تعالى وتنزيهه اكمل ايجاب من الشئون المذكورة كالانشاء والاحياء وان ارادته لا تتخلف عن مراده ونحو ذلك فنزهوا الله الذى بيده اى تحت قدرته وفى تصرف قبضته ملك كل شئ وضبطه وتصرفه عما وصفوه تعالى به من العجز وتعجبوا مما قالوه فى شأنه تعالى من النقصان: وبالفارسية [بس وصف كنيد به باكى وبى عيبى آنكسى راكه بدست اقتدار اوست بادشاهى همه جيز] {واليه} لا الى غيره اذ لا مالك سواه على الاطلاق {ترجعون} تردون بعد الموت فيجازيكم باعمالكم وهو وعد للمقرين ووعيد للمنكرين: يعنى [وعده دوستانست ووعيد دشمنان اينانرا شديد العقابست وآنانرا] طوبى لم وحسن مآب فالخطاب للمؤمنين والكافرين. وفى التأويلات النجمية اثبت لكل شئ ملكوتا وملكوت الشئ ما هو الشئ به قائم ولو لم يكن للشئ ملكوت يقوم به لما كان شئ والملكوتات قائمة بيد قدرته {واليه ترجعون} بالاختيار اهل القبول وبالاضطرار اهل الرد عصمنا الله من الرد بفضله وسعة كرمه اهـ. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كنت لا اعلم ما روى فى فضل يس وقراءتها كيف خصت به فاذا انه لهذه الآية وفى الحديث "حديث : اقرأوا سورة يس على موتاكم" تفسير : قال الامام وذلك لان الانسان حينئذ ضعيف القوة وكذا الاعضاء لكن القلب يكون مقبلا على الله تعالى بكليته قاذا قرئ عليه هذه السورة الكريمة تزداد قوة قلبه ويشتد تصديقه بالاصول فيزداد اشراق قلبه بنور الايمان وتتقوى بصيرته بلوامع العرفان انتهى. يقول الفقير اغناه الله القدير وايضا ان المشرف على النزع يناسبه خاتمة السورة اذ الملكوت الذى هو الروح القائم هو به وسر الفائض عليه من ربه يرجع الى اصله حينئذ وينسلخ عن عالم الملك وقتئذ واليه الاشارة بالقول المذكور لابن عباس رضى الله عنهما وفى الحديث "حديث : ان لكل شئ قلبا وقلب القرآن يس" شعر : خدايت لشكرى داده زقرآن بس آنكه قلب آن لشكر زيس تفسير : قيل انما جعل يس قلب القرآن اى اصله ولبه لان المقصود الا هم من انزال الكتب بيان انهم يحشرون وانهم جميعا لديه محضرون وان المطيعين يجازون باحسن ما كانوا يعملون ويمتاز عنهم المجرمون وهذا كله مقرر فى هذه السورة بابلغ وجه واتمه. ونقل عن الغزالى انه انما كانت قلب القرآن لان الايمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهذا المعنى مقرر فيها بابلغ وجه فشابهت القلب الذى يصح به البدن. وقال ابو عبد الله القلب امير على الجسد وكذلك يس امير على سائر السور موجود فيه كل شئ. ويجوز ان يقال فى وجه شبهه بالقلب انه لما كان القلب غائبا عن الاحساس وكان محلا للمعانى الجليلة وموطنا للادراكات الخفية والجلية وسببا لصلاح البدن وفساده شبه الحشر به فانه من عالم الغيب وفيه يكون انكشاف الامور والوقوف على حقائق المقدور وبملاحظته واصلاح اسبابه تكون السعادة الابدية وبالاعراض عنه وافساد اسبابه يبتلى بالشقاوة السرمدية. وقال النسفى يمكن ان يقال فى كونه قلب القرآن ان هذه السورة ليس فيها الا تقرير الاصول الثلاثة الوحدانية والرسالة والحشر وهو الذى يتعلق بالقلب والجنان واما الذى باللسان والاركان ففى غير هذه السورة فلما كان فيها اعمال القلب لا غير سماها قلبا. وآخر الحديث المذكور "حديث : من قرأها يريد بها وجه الله غفر الله له واعطى من الاجر كأنما قرأ القرآن ثنتين وعشرين مرة وايما مسلم قرئ عنده اذا نزل به ملك الموت يس نزل بكل حرف منها عشرة املاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه وايما مسلم قرأ يس وهو فى سكراته لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة يشربها وهو على فراشه ويقبض روحه وهو ريان ويمكث فى قبره وهو ريان ولا يحتاج الى حوض من حياض الانبياء حتى يدخل الجنة وهوريان" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان فى القرآن لسورة تشفع لقارئها ويغفر لسامعها تدعى فى التوراة المعمة" قيل يا رسول الله وما المعمة قال "تعم صاحبها بخير الدارين وتدفع عنه اهاويل الآخرة وتدعى الدافعة والقاضية" قيل يا رسول الله وكيف ذلك قال "تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضى له كل حاجة" تفسير : وفى الحديث "حديث : من قرأها عدلت له عشرين حجة ومن سمعها كان له ثواب صدقة الف دينار فى سبيل الله ومن كتبها ثم شربها ادخلت جوفه الف دواء والف نور والف بركة والف رحمة ونزع منه كل داء وغل" تفسير : وفى الحديث "حديث : من قرأ سورة يس فى ليلة اصبح مغفورا له " تفسير : وعن يحيى بن كثير قال بلغنا انه من قرأ يس حين يصبح لم يزل فى فرح حتى يمسى ومن قرأها حين يمسى لم يزل فى فرح حتى يصبح وفى الحديث "حديث : اقرأوا يس فان فيها عشر بركات ما قرأها جائع الا شبع وما قرأها عار الا اكتسى وما قرأها اعزب الا تزوج وما قرأها خائف الا أمن وما قرأها مسجون الا فرج وما قرأها مسافر الا اعين على سفره وما قرأها رجل ضلت له ضالة الا وجدها وما قرئت عند ميت الا خفف عنه وما قرأها عطشان الا روى وما قرأها مريض الا برئ" وفى الحديث "يس لما قرئت له" تفسير : وفى الحديث "حديث : من دخل المقابر وقرأ سورة يس خفف عنهم يؤمئذ وكان له بعدد من فيها حسنات " تفسير : وفى ترجمة الفتوحات [وجون ببالين محتضر حاضر شوى سوره يس بخوان شيخ اكبر قدس سره ميفرما يدكه وقتى بيمار بودم ودرين مرض مراغشيانى شد بحدى كه مرا از جمله مردكان شمردند دران حالت قومى ديدم منظر هاى كريه وصورتهاى قبيح ميخواستند كه بمن اذيتى رسانند وشخصى ديدم بغايت خوب روى باقوت تمام وازوى بوى خوش مى آمد آن طائفه را ازمن دفع كرد وتابدان حدكه ايشانرا مقهور كردانيد واورا برسيدم توكيستى كفت من سوره يس ام ازتو دفع ميكنم جون ازان حالت بهوش آمدم بدر خودرا ديدم كه ميكريست وسوره يس ميخواند دران لحظه ختم كرد اورا از آنجه مشاهده كرده بودم خبر دادم وبعد ازان بمدتى از رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمن رسيدكه (اقرأوا على موتاكم يس). قال الامام اليافعى قد جاء فى الحديث "حديث : ان عمل الانسان يدفن معه فى قبره فان كان العمل كريما اكرم صاحبه وان كان لئيما آلمه" تفسير : اى ان كان عملا صالحا آنس صاحبه وبشره ووسع عليه قبره ونورّه وحماه من الشدائد والاهوال وان كان عملا سيئا فزع صاحبه وروّعه واظلم عليه قبره وضيقه وعذبه وخلى بينه وبين الشدائد والاهوال والعذاب والوبال كما جاء فى المثنوى شعر : در زمانه مرترا سه همره اند آن يكى وافى واين يك غد رمند آن يكى ياران وديكر رخت ومال وآن سوم وافيست وان حسن الفعال مال نايد باتو بيرون از قصور يار آيد ليك آيد تابكور جون ترا روز اجل آيد به بيش يار كويد از زبان حال خويش تابد نيجا بيش همره نيستم بر سر كورت زمانى بيستم فعل تو وافيست زوكن ملتحد كه در آيد باتو در قعر لحد بس بيمير كفت بهر اين طريق باو فاتر از عمل نبود وفيق كربود نيكوابد يارت شود وربود بد در لحد مارت شود تفسير : وعن بعض الصالحين فى بعض بلاد اليمن انه لما دفن بعض الموتى وانصرف الناس سمع فى القبر صوتا ودقا عنيفا ثم خرج من القبر كلب اسود فقال له الشيخ الصالح ويحك أى شئ انت فقال انا عمل الميت قال فهذا الضرب فيك ام فيه قال فى وجدت عنده سورة يس واخواتها فحالت بينه وبينى وضربت وطردت. قال اليافعى قلت لما قوى عمله الصالح غلب عمله الصالح وطرد عنه بكرم الله ورحمته ولو كان عمله القبيح اقوى لغلبه وافزعه وعذبه نسأل الله الكريم الرحيم لطفه ورحمته وعفوه وعافتيه لنا ولا حبابنا ولا خواننا المسلمين اللهم اجب دعانا بحرمة سورة يس
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وقرئ "ملكة كل شيء" و "مملكة كل شيء" واعلم أن المَلَكة كالملكوت في المعنى، كما أن المملكة كالملك فيه. وقرئ "ترجعون" - بضم التاء وفتحها -. فسبحان - تقديس لذاته تعالى عن مباشرة الأجسام في فاعليته وإيجاده للأشياء، وعن استعماله القوى والآلات في صانعيته للموجودات، وتنزيه له عما يوصفه الجاهلون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قاله الملحدون، و "الفاء" للتفريع على ما ثبت في الآية السابقة من كيفية صنعه وإبداعه، حيث بيّن فيها أن إيجاده لشيء عين إرادته. وقوله تعالى: {أية : كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس:82] فيتفرع عنه تقديس الله عن القصور من الكمال والفتور في الأفعال، لأنه الذي بيده ملكوت الأشياء، وله التصرف بموجبات (بمواجب) مشيته وقضايا حكمته فيما شاء، وإليه رجوع كل شيء، لأنه الغاية الأصلية لكل ظلّ وفيء. حكمة قرآنية فيها اشارات ربانية أولاها: الإشارة إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن وصمة التغير والتجدد في نسبة الأفعال الحاصلة من مصادرها بالإنفعال إليه تعالى، وإبطال ما ارتكز في أوهام أقوام من أهل الكلام "إن الفاعل ليس إلاّ ما هو علة التغير" واشترط عندهم في مفهوم الفاعلية سبق الزمان موجوداً أو موهوماً. وأما الإبداع المحض من غير اشتراط سبق زماني للفاعل بالذات على مجعوله، ولا اقترانه بعدم المجعول وهو التأييس (التأسيس) المطلق له من ليس ساذج غير زماني، فقوم لا يسمون مثل هذا التأييس (التأسيس) المطلق "فعلاً"، لاشتراطهم انتقال الفاعل من حالة إلى حالة، وسبق العدم الزماني فيه، وهو وهم باطل، إنما حداهم إليه حسبانهم إن حدوث العالم منه تعالى لا يتمشى إلاّ بهذا الوجه. وقد أوضحنا هذه المسألة بما لا توقف لها على نسبة التغير إليه سبحانه، وفي القرآن تنبيهات بليغة على أن فعله تعالى ليس إلاّ الإبداع الصرف والتأييس (التأسيس) المحض، من غير مباشرة ولا تغير وانفعال وتكثر، وقوله: {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} إشارة إلى تفريع الحكم السابق بأن فعله ليس إلاّ بأمره المطلق وإرادته المطلقة، الخالية عن شوب قصور ووصمة حدوث وفتور. الاشارة الثانية الإشعار إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن أن يكون افتقار الممكن إليه في الحدوث فقط من جهته لا في البقاء، كما ذهب إليه أيضاً أوهام هؤلاء القاصرين من المتكلمين، لما رأوا أن الابن يبقى بعد الأب، والبناء يبقى بعد البنّاء، والسخونة تبقى بعد النار، ولم يتفطنوا أن هذه الأمور ليست عللاً بالحقيقة، فوقعوا في الغلط بسبب "أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات". وقد برهن في الحكمة الحقّة، على أن جسماً من الأجسام - ولا أحد جزئيه - لا يكون علة لجسم آخر ولا لأحد جزئيه، وعلى أن علة كل جسم لا يكون إلاّ ما هو بريء عن مخالطة الأجسام والمواد. وأما مثل البنّاء فحركته علة لحركة لِبَنٍ مّا، ثم سكونه علة لسكونه، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع مادة، وذلك الإجتماع علّة لشكل ما، ثم انحفاظ ذلك فلما تقتضيه طبيعة الأرضية التي في اللَّبِنات، وهي مما أفادها الله بقوّته التي تمسك السماء والأرض أن تزولا، ومن أسمائه تعالى "الحافظ" و "القابض". وكذلك النار علة لتسخين عنصرٍ ما، لا أن تفيد السخونة، بل أن تبطل البرودة التي كانت مانعة من حصول السخونة في الماء من جهة واهب الصور، وأما حدوث السخونة واستحالة الماء إلى النار، فبالجاعل المفيد الذي يكسو العناصر صورها، وقد عرفت أنها لا يصح أن تكون جسماً أو جسمانياً، وأما الأسباب السابقة فهي مُعِدّات ومُغيّرات وعلل بالعرض. وقد ثبت وتقرر أن العلة يجب أن تكون متقدمة على المعلول بالذات لا بالزمان، فكيف تكون نار علة لوجود نار أخرى، ولا نار أحق أن تكون علة لنار متقدمة عليها بالذات من نار أخرى، وكذا الحكم في سببيّة إنسان - كالأب - لإنسان - كالابن. وبالجملة، كل ماهيّة نوعية لا تكون واجبة الوجود، لم يكن لها بدّ من علّة خارجة عن النوع، ولا تكون علتها إلاّ ما يتساوى نسبته إلى جميع أفراده، ولا تحتاج في إيجاده إلى أمر خارج عنه وعمّا ينتهي إليه في سلسلة الحاجة من زمان أو حركة، فكل ما سوى الله تعالى - سواء كان جوهراً أو عرضاً، أو حركة أو زماناً، موجوداً أو موهوماً - فهي مفتقرة إليه، فائضة من لدنه، ففعله لا يكون إلاّ الأمر والابداع والتأييس (التأسيس) والإختراع. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وباطنه، وما به قوام حقيقته وذاته، فيكون مثل هذا المبدع الحق والجاعل المطلق، علة الحدوث والهيئة دون بقاء الذات وقوام الماهية - تعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً -. الاشارة الثالثة إن قوله: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}، مع قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يدلاّن على أن ذاته المقدسة عن وصمة القصور والفتور، كما أنه فاعل لجميع الممكنات كذلك غاية لها، فهو أول الأشياء وآخرها، ومبدأُها وتمامها، فالوجود كما صدر منه على الترتيب الصدوري والنظام النزولي، كذا ورد عليه ورجع إليه بالترتيب الصعودي والنظام العروجي على التعاكس في السلسلتين. فكان أولاً عقولاً مجردة، ثم نفوساً منطبعة، ثم صوراً منوعة، ثم صوراً مجسمّة، ثم هيولى - هي نهاية تدبير الأمر لقوله: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}تفسير : [السجدة:5] فيكون الحادث أولاً من الهيولى جسماً مطلقاً، ثم نوعاً بسيطاً، ثم مركباً، ثم نباتاً، ثم حيواناً، ثم إنساناً ذا نفس مجردة على مراتبها، ثم ذا عقل مفارق على درجاتها في الصعود، إلى أن ينتهي إلى الحق المعبود، فوقع الإبتداء من العقل والإنتهاء إلى العاقل، وبينهما أمور متفاضلة. اعلم أنّا كما أفادنا النظر في الوجود اثبات فاعل له، كذلك أفادنا إثبات غاية له، فكما لا يجوز أن يكون الممكن موجوداً إلاّ بموجد يفيد وجوده لإفتقار ماهيّته إلى مرجّح، كذلك لا يجوز أن يكون موجوداً إلاّ لغاية يتم بها وجوده لقصور وجوده عن درجة التمامية الأخيرة. وكما أن سلسلة الأسباب الفاعلية لا بدّ وأن تنتهي إلى فاعل لا فاعل له، وإلاّ لم يكن شيء منها فاعلاً ولا موجوداً، لأنها على ذلك الفرض يكون الكل على حكم الوسط - وهذا خلف -، فكذلك سلسلة الأسباب الغائية لا يجوز أن تذهب إلى لا نهاية، بأن تكون لكل غاية غاية من غير انتهاء إلى غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلاً، وإلاّ لم يكن لشيء من الأشياء غاية أصلاً - وهو خرق الفرض -. فثبت وتبيّن أن للممكنات كلها فاعل أول لا يكون له فاعل أصلاً، وثبت وتبيّن أيضاً أن لها غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلاً، ثم يجب أن تكون هذه الغاية هي بعينها ما فرضناه فاعلاً، لاستحالة تعدد الواجب تعالى، لأن كلاً منهما موصوف بالمفارقة الكليّة عن وصف الإمكان والقصور، والمفارقة الكلية تقتضي سلب الماهيّة، ويستحيل وجود شيئين كل منهما لا ماهيّة له، فالله هو الأول والآخر، ليس كمثله شيء، منه ابتداء ملكوت كل شيء وأمره، وإليه يرجع كمال وجوده وغايته إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور، أَلاَ إلى الله تصير الأمور. خاتمة في موضع نزول هذه السورة وعدد آياتها وبيان فضلها أما موضع النزول: فهي مكة بالإتفاق، قال ابن عباس: إلاَّ آية منها: وهي قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله}تفسير : [يس:47] - الآية. نزلت بالمدينة. وأما عدد آياتها: فهي ثلاث وثمانون آية كوفي، واثنتان وثمانون عند الباقين. واختلافها آية واحدة هي "يس"، كوفي. وأما فضلها: أُبَيُّ بن كعب، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "حديث : من قرأ سورة يس، يريد بها وجه الله عزّ وجلّ، غَفَر الله له، وأُعطِيَ من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيّما مريض قرئت عنده سورة يس، نزل عليه بعدد كل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً، ويستغفرون له، ويشهدون قبضه، ويتبعون جنازته، ويصلّون عليه، ويشهدون دفنه، وأيما مريض قرأها وهو في سكرات الموت، أو قُرِئت عنده، جاءه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فسقاه إياها، وهو على فراشه، فيشرب فيموت ريّان، ويبعث ريان. ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء، حتى يدخل الجنة وهو ريّان ". تفسير : وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "حديث : سورة يس، تدعى في التوراة المعمة، قيل: وما المعمة؟ قال: تعم صاحبها خير الدنيا والآخرة، وتكابد عنه بلوى الدنيا، وتدفع عنه أهاويل الآخرة، وتدعى المدافعة القاضية، تدفع عن صاحبها كل شر وتقضي له كل حاجة، ومن قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف يقين، وألف بركة وألف رحمة، ونزعت منه كل داء وعلة ". تفسير : وعن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "حديث : إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس ". تفسير : وعنه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "حديث : من دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفّف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات ". تفسير : وروى أبو بصير، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: "حديث : إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس، فمن قرأ يس في نهاره قبل أن يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي، ومن قرأها في ليله قبل أن ينام، كان في ليله من المحفوظين والمرزوقين حتى يصبح، ووكّل به ألف ملك يحفظونه من كل شيطان رجيم، ومن كل آفة، وان مات في نومه، أدخَله الله الجنة، وحَضَر غسله ثلاثون ألف ملك، كلهم يستغفرون له ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له، فإذا أُدخِلَ لحْدَه، كانوا في جوف قبره، يعبدون الله وثواب عبادتهم له، وفُسِحَ له في قبره مدّ بصره، وأَمِنَ من ضغطة القبر، ولم يزل في قبره نور ساطع إلى عنان السماء، إلى أن يخرجه الله من قبره. فإذا أخرجه، لم تزل ملائكة الله معه يُشَيّعونَه، ويُحَدِّثونه، ويضحكون في وجهه، ويُبَشْرونه بكل خير، حتى يجوزوا به الصراط والميزان، ويوقفوه من الله موقفاً لا يكون عند الله خَلْقٌ أقربُ منه إلاّ ملائكة الله المقربون، وأنبياؤه المرسلون، وهو مع النبيين واقف بين يدي الله، لا يحزنُ مع مَنْ يحزن، ولا يهتمّ مع مَن يهتمّ، ولا يجزع مع من يجزع، ثم يقوله الرب تعالى: "إشْفَعْ عبدي أُشَفِّعْكَ في جميع ما تَشْفَعْ. وسَلْني عبدي أُعطِكَ جميعَ ما تسأل". فَيَسأَلُ فيُعطى، وَيَشْفَع فيُشَفَّعْ، ولا يحاسَبُ فيمن يحاسَب، ولا يَذلِ مع من يذلِ، ولا يُبْكَتُ بخطيئته، ولا بشيء من سوء عمله، ويعطى كتاباً منشوراً، فيقول الناس بأجمعهم سبحان الله، ما كان لهذا العبد خطيئة واحدة، ويكون من رفقاء محمد (صلى الله عليه وآله) ". تفسير : وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إثني عشر اسماً، خمسة منها في القرآن: محمد وأحمد وعبدالله ويس ون. فهذا يا حبيبي آخر ما قصدنا ترقيمه وحاولنا تفهيمه من الصنائع العلمية والعملية القرآنية، والذخائر العقلية البرهانية، المتعلقة بآيات هذه السورة الكريمة، ولمعات هذه الدرة اليتيمة، لتكون وسيلة لمن اهتدى في ظلمات البر والبحر، وخلص من دياجير الظلم والجور، وغلبة المضِلّين، وكثرة أنواع الشياطين، وخمول الحق وأهله، وانقطاع طُرُقه وسُبُله. فأنت أيها الرفيق الشفيق، المؤمن الموقن بحقيقة هذه الأسرار، الحريص على اقتفاء هذه الآثار، كنتَ بين أهل زمانك وأقرانك، وأعداء إيمانك، وجحدة ايقانك، كقادح زناد في ليلة ظلماء، ذات رياح عاصفة، وظلمات متراكمة، وأهوية باردة، يريد استضاءةً بنوره في طريق قد نفدت أَدِلَّتها، واندَرَسَتْ معالمها، وذهبت دلائلها، فلم يبقَ إلاّ طرقٌ وعرة، وعلامات داثرة، يصعب السلوك فيها، والقصد إليها، إلاّ على أصحاب اقتفاء الآثار الخفية، بمعرفة قد سبقت عندهم وخفيّت على الذين يريدون اطفاء نور الله بأفواههم، بذهابها وإزالتها، لئلا ترتفع حجة الله من أرضه وتنمحي آثار حكمته. فلما أوراك الزناد بنوره، ودلّك الدليل بظهوره، وصلت إلى بقعة من بقاع الجنة، وروضة من رياضها، التي فيها تبدل الأرض غيرَ الأرض، والسموات مطويات يوم العرض، فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بَيعٌ عن ذكر الله، تراهم ركّعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود. والحمد لله الملك المعبود، والصلاة على محمد صاحب المقام المحمود، وآله الهادين إلى سبيل المعرفة والشهود.
الجنابذي
تفسير : {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} قد مضى فى سورة هودٍ عند قوله تعالى: {أية : مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} تفسير : [هود:56] ما يغنى عن بيان هذه الكلمة، وهكذا مضى بيان اجمالىّ لها فى سورة المؤمنون عند نظير الآية {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قد مضى مكرّراً هذه الكلمة.
اطفيش
تفسير : {فسبحان الذي بيده ملكوت} ملك وقيل خزائن. {كل شيء} تنزيه له تعالى عما يصفه المشركون وعما ضربوا له مثلا وتعجيب مما قالوا فيه كيف يقولون ذلك في مالك الأشياء كلها المتصرف فيها كما تقتضيه الحكمة والواو والتاء زائدتان للمبالغة مع فتح اللام وقرىء ملكة ومملكة وملك واصل المعنى واحد. {وإليه ترجعون} بالبعث للجزاء بالخير والشر وذلك وعد ووعيد وهو مبني للمفعول من المتعدي او من ارجع بالهمزة مرتد رجع اللازم وقرأ يعقوب بفتح التاء وكسر الجيم. اللهم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والسورة اخز النصارى وأهنهم واكسر شكوتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
اطفيش
تفسير : {سُبْحان الَّذي بيَده مَلكوت} ملك كما قرىء به {كل شيءٍ} تنزيه عن العجز، وعن أن يكون له شريك، والواو والتاء للمبالغة، كالرغبوت والرهبوت {وإليْهِ} وحده {تُرجَعون} للجزاء بأجسامكم الأولى، وفيه وعيد للكفار، سواء قلنا: الخطاب لهم أو للعموم. والله، أعلم وهو المستعان الموفق. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } تنزيه له عز وجل مما وصفوه به تعالى وتعجيب عما قالوا في شأنه عز شأنه، والفاء جزائية أي إذا علم ذلك فسبحان أو سببية لأن ما قبل سبب لتنزيهه سبحانه، والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت فهو الملك التام، وفي تعليق سبحان بما في حيزه إيماء إلى أن كونه تعالى مالكاً للملك كله قادراً على كل شيء مقتضٍ للتسبيح، وفسر الملكوت أيضاً بعالم الأمر والغيب فتخصيصه بالذكر قيل لاختصاص التصرف فيه به تعالى من غير واسطة بخلاف عالم الشهادة. وقرأ طلحة والأعمش {ملكة} على وزن شجرة أي بيده ضبط كل شيء، وقرىء {مملكة} على وزن مفعلة وقرىء {ملك}. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لا إلى غيره تعالى وهذا وعد للمقرين ووعيد للمنكرين فالخطاب عام للمؤمنين والمشركين، وقيل هو وعيد فقط على أن الخطاب للمشركين لا غير توبيخاً لهم ولذا عدل عن مقتضى الظاهر وهو وإليه يرجع الأمر كله ففيه دلالة على أنهم استحقوا غضباً عظيماً. وقرأ زيد بن علي {ترجعون} مبنياً للفاعل. هذا ما لخص من كلامهم في هذه الآيات الكريمة وفيها دلالة واضحة على المعاد الجسماني وإيماء إلى دفع بعض الشبه عنه، وهذه المسألة من مهمات مسائل الدين وحيث إن هذه السورة الكريمة قد تضمنت من أمره ماله كانت عند أجلة العلماء الصدور قلب القرآن لا بأس بأن يذكر في إتمام الكلام فيها ما للعلماء في تحقيق أمر ذلك فأقول طالباً من الله عز وجل التوفيق إلى القول المقبول: اعلم أولاً أن المسلمين اختلفوا في أن الإنسان ما هو؟ فقيل هو هذا الهيكل المحسوس مع أجزاء سارية فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم وهي جسم لطيف نوارني مخالف بالحقيقة والماهية للأجسام التي منها ائتلف هذا الهيكل وإن كان لسريانه فيه بشبهه صورة ولا نعلم حقيقة هذا الجسم وهو الروح المشار إليها بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى }تفسير : [الإسراء: 85] عند معظم السلف الصالح وبينه وبين البدن علاقة يعبر عنها بالروح الحيواني وهو بخار لطيف إذا فسد وخرج عن الصلاحية لأن يكون علاقة تخرج الروح عن البدن خروجاً اضطرارياً وتزول الحياة، وما دام باقياً على الوجه الذي يصلح به لأن يكون علاقة تبقى الروح والحياة، وهذا الجسم المعبر عنه بالروح على ما قال الإمام القرطبـي في "التذكرة" مما له أول وليس له آخر بمعنى أنه لا يفنى وإن فارق البدن المحسوس، وذكر فيها أن من قال إنه يفنى فهو ملحد. وقيل هو هذا الهيكل المحسوس مع النفس الناطقة التي هي جوهر مجرد بل هو الإنسان حقيقة على ما صرح به بعضهم، وإلى إثبات هذا الجوهر ذهب الحليمي والغزالي والراغب وأبو زيد الدبوسي ومعمر من قدماء المعتزلة وجمهور متأخري الإمامية وكثير من الصوفية وهو الروح الأمرية وليست داخلة البدن ولا خارجة عنه فنسبتها إليه نسبة الله سبحانه وتعالى إلى العالم وهي بعد حدوثها الزماني عندهم لا تفنى أيضاً. ورد هذا المذهب ابن القيم في كتاب "الروح" بما لا مزيد عليه. وكما اختلفوا في ذلك اختلفوا في أن البدن هل يتفرق بعد الموت فقط أم يتفرق وتعدم ذاته؟ بكل قال بعض، ولعل من قال بالثاني استثنى عجب الذنب لصحة خبر/ استثنائه من البلى، وكل هؤلاء المختلفين اتفقوا على القول بالحشر الجسماني إلا أن منهم من قال بالحشر الجسماني فقط بمعنى أنه لا يحشر إلا جسم إذ ليس وراء الجسم عندهم جوهر مجرد يسمى بالنفس الناطقة، ومنهم من قال بالحشر الجسماني والحشر الروحاني معاً بمعنى أنه يحشر الجسم متعلقاً به أمر ليس بجسم هو النفس الناطقة وكل من أصحاب هذين القولين منهم من يقول بأن البدن إذا تفرق تجمع أجزاؤه يوم القيامة للحشر وتقوم فيها الروح أو تتعلق كما في الدنيا بل القيام أو التعلق هناك أتم إذ لا انقطاع له أصلاً بعد تحققه فالحشر عند هؤلاء يجمع الأجزاء المتفرقة وعود قيام الروح أو تعلقها إليها، والمراد بالأجزاء الأجزاء الأصلية وهي أجزاء البدن حال نفخ الروح فيه في الدنيا لا الذرة التي أخذ عليها العهد يوم {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ }تفسير : [الأعراف: 172] كما قيل: والله تعالى قادر على حفظها من التحلل والتبدل وكذا على حفظها من أن تكون أجزاء بدن آخر وإن تفرقت في أقطار الأرض واختلطت بالعناصر. وقيل: يجوز أن تكون الأجزاء الأصلية يقبضها الملك بإذن الله تعالى عند حضور الموت فلا يتعلق بها الأكل ولا تختلط بالتراب ولا يحصل منها نماء أو حيوان؛ وهو مجرد احتمال لا دليل عليه بل مخالف لقوله سبحانه: {أية : قَالَ مَنْ يَحْيَىٰ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 78-79] فإنه ظاهر في أن المحشور أجزاء رميمة مخلوطة بالتراب، ويجوز أن تكون الأجزاء الأصلية هي الأجزاء الترابية التي ينثرها الملك في الرحم على المني كما ورد في الحديث الصحيح وهو لا ينثر تراباً واحداً مرتين ويحشر البدن بعد الجمع على أكمل حالاته كما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : يحشر الناس حفاة عراة غرلاً»تفسير : ثم يزاد في إجساد أهل الجنة فيكون أحدهم كآدم عليه السلام طولاً وعرضاً، وكذا يزاد في أجساد أهل النار خلافاً للمعتزلة حتى أن سن أحدهم لتكون كجبل أحد، وجاء كل من الزيادتين في الحديث فالمقطوع أو المجذوع مثلاً لا يحشر إلا كاملاً كما كان قبل القطع أو الجذع ومن خلق في الدنيا بأربع أيد مثلاً يحشر على ما هو المعتاد المعروف في بني نوعه وكذا من خلق بلا يد أو رجل مثلاً، والقول بأنه يلزم تعذيب جسد لم يعص وترك تعذيب جسد عصى ناشيء عن غفلة عظيمة إذ المعذب إنما هو الروح وهو الذي عصى ولا يعقل العصيان والتعذيب لنفس الجسد وحرقه بالنار ليس تعذيباً له نفسه وإلا لكان حرق الخشب تعذيباً له بل هو وسيلة إلى تعذيب الروح وهذا كما لو جعل شخص في صندوق حديد مثلاً ووضع في النار أو لف في ثوب وضرب بالسياط حتى تخرق الثوب فالروح بمنزلة هذا الشخص والجسد بمنزلة الصندوق أو الثوب، وعلى القول بأن لكل شيء حياة لائقة به لا يلزم التعذيب أيضاً إذ ليس كل حي تؤلمه النار، واعتبر ذلك بالسمند وبالنعمامة وكذا بخزنة جهنم وحياتها وعقاربها والعياذ بالله عز وجل. ومنهم من يقول: إن البدن يعدم لا أنه تتفرق أجزاؤه فقط ثم يعاد للحشر بعينه، ومنهم من يقول يعدم ثم يخلق يوم القيامة مثله فتقوم فيه الروح أو تتعلق به. واستدل للقول الأول بقوله تعالى: {أية : قَالَ مَنْ يَحْيَىٰ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ }تفسير : [يس: 78ـ79] فإنه ظاهر في أن العظام لا تعدم ذواتها في الخارج ولا يكاد يفهم من الرميم أكثر من تفرق الأجزاء وكأن المنكرين استبعدوا جمعها فأشير إلى دفع استبعادهم بأن الإنشاء أبعد وقد وقع ثم دفع ما عسى يتوهم من أن اختلاط الأجزاء بعد تفرقها وعودها إلى عناصرها يوجب عدم تميزها فلا يتيسر جمعها بقوله سبحانه: {أية : وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }تفسير : [يس: 79] ثم أشير إلى دفع ما يتوهم من أن الإنشاء كان تدريجياً نقلت فيه الأجزاء من حالة إلى حالة حتى حصل استعدادها للحياة ومناسبتها للروح ولا كذلك ما يكون/ يوم القيامة فلا مناسبة بين الأجزاء التي تجمع وبين الروح والحياة فلا يلزم من صحة الإنشاء صحة الحشر بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً }تفسير : [يس: 80] وحيث كان هذا معروفاً بينهم يشاهده الكبير والصغير منهم أشار سبحانه إلى الدفع به وإلا فإنشاؤه تعالى لما يكون بالتولد من الحيوان كالفأر والذباب دافع لذلك. ومن الناس من زعم أن ما يكون قبيل الساعة من الزلازل وإنزال مطر كمني الرجال ونحو ذلك لتحصيل استعداد للروح في تلك الأجزاء، وهو مما لا يحتاج إلى التزامه، وكذا استدل لذلك القول بما أرشد إليه إبراهيم عليه السلام حين قال: {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }تفسير : [البقرة: 260] وبقوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ }تفسير : [القيامة: 3ـ4] إلى غير ذلك من الآيات وفي الأخبار ما يقتضيه أيضاً. واستدل لدعوى أن البدن يعدم ذاتاً في القول الثاني بقوله سبحانه: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }تفسير : [القصص: 88] وقوله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }تفسير : [الرحمٰن: 26] ورد بأنه يجوز أن يكون التفرق هلاكاً بل قال بعض المحققين: إن معنى الآية كل شيء ليس بموجود في الحال في حد نفسه إلا ذات الواجب تعالى بناء على أن وجود الممكن مستفاد من الغير فلا وجود فيه مع قطع النظر عن الغير بخلاف وجود الواجب تعالى فإنه من ذاته سبحانه بل عين ذاته، ويقال نظير ذلك في الآية الثانية لو سلم دخول البدن في عموم من. واستدل لدعوى أنه يخلق يوم القيامة مثله في القول الثالث بقوله تعالى: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ }تفسير : [يس: 81] وأجيب بأن المراد مثلهم في الصغر والقماءة على ما سمعت فيما تقدم، ولا يراد أنه تعالى قادر على أن يخلق يوم القيامة مثل أبدانهم التي كانت في الدنيا ويعيد أرواحهم إليها إذ لا يكاد يفهم هذا من الآية ولا داعي لالتزام القول بأن الحشر بخلق مثل البدن السابق وإن قيل بأن ذلك البدن تعدم ذاته في الخارج. ومن الناس من توهم وجوب التزامه إن قيل بذلك لاستحالة إعادة المعدوم. واستدل على الاستحالة بأنه لو أعيد لزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه وهو محال. ورد بناء على أن الوقت ليس من المشخصات المعتبرة في الوجود بأنا لا نسلم أن التخلل هٰهنا محال لأن معناه أنه كان موجوداً زماناً ثم زال عنه الوجود في زمان آخر ثم اتصف بالوجود في الزمان الثالث وهو في الحقيقة تخلل العدم وقطع الاتصال بين زماني الوجود ولا استحالة فيه لوجود الطرفين المتغايرين بالذات إنما المحال تخلل العدم بين ذات الشيء ونفسه بمعنى قطع الاتصال بين الشيء ونفسه بأن يكون الشيء موجوداً ولم يكن نفسه موجوداً ثم يوجد نفسه وهٰهنا ليس كذلك فإن الشيء وجد مع نفسه في الزمان الأول ثم اتصف مع نفسه بالعدم في الزمان الآخر ثم اتصف بالوجود مع نفسه في الزمان الثالث فلم يتحقق قطع الاتصال بين الشيء ونفسه في زمان من الأزمنة وهل هذا إلا كلبس شخص ثوباً معيناً ثم خلعه ثم لبسه. واستدل أيضاً بأنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه لجاز إعادته مع مثله من كل وجه واللازم باطل لأن المتماثلين إما أن يكون أحدهما معاداً دون الآخر وذلك باطل مستلزم للتحكم والترجيح بلا مرجح، وإما أن يكونا معادين وهو أيضاً باطل مستلزم لاتحاد الإثنين، وإما أن لا يكون شيء منهما معاداً وهو أيضاً باطل مستلزم خلاف المفروض إذ قد فرض كون أحدهما معاداً، وفيه أنه لا يتم إلا بإثبات فقدان الذات وبطلان الهوية فيما بين الوجودين السابق واللاحق فإنه مدار لزوم التحكم، ويجوز أن يقال: الشيء إذا عدم في الخارج بقي في نفس الأمر بحسب وجوده الذهني فيحفظ وحدته الشخصية بحسب ذلك الوجود كما لو كان متميزاً ثابتاً في العدم ثبوتاً منفكاً عن الوجود الخارجي كما/ ذهب إليه المعتزلة وموافقوهم، وزعم أن وحدته الشخصية غير محفوظة في الذهن إذ لا وحدة بدون الوجود ولا وجود بدون التشخص سواء كان وجوداً خارجياً أو ذهنياً، والهوية الذهنية إنما تكون موجودة في الذهن بمشخصاتها الذهنية وهي بتلك المشخصات ليست هوية خارجية وإلا لزم اتصاف الهوية الخارجية بالعوارض المختصة بالوجود الذهني وهو ضروري البطلان بل بشرط تجريدها عنها، وقولهم باتحادها معها بمعنى أنها بعد التجريد عينها فليست إياها مطلقاً بالفعل يتجه عليه أنه ليس معنى تجريد الهوية عن مشخصاتها جعلها خالية عنها في الواقع بل معناه قطع النظر عنها وعدم اعتبارها ولا يلزم من عدم اعتبارها اعتبار عدمها فضلاً عن عدمها في الواقع وقطع النظر لا يمنع من الاتحاد في الواقع، والقول بأن قولنا: هذا معاذ وهذا مبدأ قضية شخصية خارجية يتوقف صدقها على وجود الموضوع في الخارج لا ذهنية يكفي في صدقها وجود الموضوع في الذهن فقط فلا بد من انحفاظ الوحدة في الخارج ولا يكفي انحفاظها في الذهن يتجه عليه أن صدق الحكم الذهني كاف في اندفاع التحكم فتدبر. وقيل: كما أن المعدوم موجود في الذهن كذلك المبتدأ المفروض موجود فيه أيضاً فليست نسبة الموجود الثاني إلى المعدوم السابق أولى من نسبته إلى المبتدأ المفروض. وتعقب بأن فيه بحثاً، أما على مذهب الفلاسفة فلأن صورة المعدوم السابق مرتسمة في القوى المنطبعة للأفلاك عندهم بناء على أن صور جميع الحوادث الجسمانية منطبعة فيها بزعمهم فله صورة خيالية جزئية محفوظة الوحدة الشخصية بعد عدمه بخلاف المستأنف فإنه ليس له تلك الصورة قبل وجوده بصورته الجزئية فإذا وجد بتلك الصورة الجزئية كان معاداً وإذا وجد بالصورة الكلية كان مستأنفاً، وأما على مذهب الأشاعرة من المتكلمين فلأن للمعدوم أيضاً صورة جزئية حاصلة بتعلق صفة البصر من الموجد تعالى شأنه وليس تلك الصورة للمستأنف وجوده فإنها وإن كانت جزئية حقيقية أيضاً إلا أنها لم تترتب على تعلق صفة البصر، ولا شك أن المترتب على تعلق صفة البصر أكمل من غير المترتب عليه فبين الصورتين تمايز واضح، وإذا انخفظ وحدة الموجود الخارجي بالصورة الجزئية الخيالية لنا فانحفاظها بالصورة الجزئية الحاصلة له سبحانه بواسطة تعلق البصر بالطريق الأولى، والقول بأن نسبة الصورة الخيالية وما هو بمنزلتها إلى كل من المعاد والمستأنف سواء أيضاً فتكون الوحدة المحفوظة نوعية لا شخصية يلزم عليه أن لا تكون الصورة الخيالية جزئية بل كلية وهو خلاف ما صرحوا. واستدل أيضاً بأنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه لما حصل القطع بحدوث شيء إذ يجوز أن يكون لكل ما نعتقده حادثا وجود سابق يعدم تارة ويعاد أخرى واللازم باطل باتفاق العقلاء. وتعقب بأن التجويز العقلي لا ينكر إلا أن الأصل عدم الوجود السابق وبه يحصل نوع من العلم، ولعل ذلك من قبيل علمنا بأن جبل أحد لا ينقلب ذهباً مع تجويز العقل انقلابه وبالجملة أدلة استحالة إعادة المعدوم غير سليمة من القوادح كما لا يخفى على من راجع المطولات من كتب الكلام، وقد أشير فيما تقدم من الآيات إلى دفع شبهة عدم انخفاظ الوحدة الشخصية بقوله تعالى: {أية : وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }تفسير : [يس: 79]. والذي يترجح من هذه المذاهب أن الحشر بجمع الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره وهي إما أجزاء عنصرية أكثرها ترجع إلى التراب وتختلط به كما تختلط سائر الأجزاء بعناصرها أو أجزاء ترابية فقط على ما سمعت فيما تقدم غير بعيد، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه إذ حديث العناصر الأربعة وتركب البدن منها لا سيما حديث عنصر النار لم يصح فيه/ شيء من الشارع صلى الله عليه وسلم ولم يذكر في كتب السلف بل هو شيء ولع فيه الفلاسفة، على أن أصحاب الفلسفة الجديدة نسمعهم ينكرون كرة النار التي قال بها المتقدمون فالأجزاء الأصلية بعد أن تتفرق وتصير تراباً يجمعها الله تعالى حيث كانت وهو سبحانه بها عليم {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }تفسير : [الملك: 14] وهذا إن ضم إليه القول بإعادة الصورة التي هي جزء جوهري من الجسم عند القائلين بتركبه منها ومن الهيولى أو العوارض المختصة بالأنواع التي هي جزء من أفراداً النوع كالصورة النوعية الجوهرية كما هو مذهب النافين لتركب الجسم من الهيولى والصورة من المتكلمين يتوقف القول به على جواز إعادة المعدوم وإذا لم يضم إليه ذلك بل اكتفي بالقول بجمع الأجزاء الأصلية العنصرية وتشكليها بشكل مثل الشكل الأول وتحليتها بعوارض مشابهة للعوارض السابقة لم يتوقف القول به على ذلك أصلاً والمغايرة في الشكل وعدم اتجاد العوارض بالذات مما لا يضر في كون المحشور هو المبدأ شرعاً وعرفاً، ولا يلزم على ذلك التناسخ المصطلح كما لا يخفى. وفي "أبكار الأفكار" للآمدي بعد التفصيل المشبع بذكر الآيات والأحاديث الدالة على وقوع المعاد الجسماني والأدلة السمعية في ذلك لا يحويها كتاب ولا يحصرها خطاب وكلها ظاهرة في الدلالة على حشر الأجساد ونشرها مع إمكان ذلك في نفسه فلا يجوز تركها من غير دليل لكن هل الإعادة للأجسام بإيجادها بعد عدمها أو بتأليف أجزائها بعد تفرقها؟ فقد اختلف فيه، والحق إمكان كل واحد من الأمرين والسمع موجب لأحدهما من غير تعيين، وبتقدير أن تكون الإعادة للأجسام بتأليف أجزائها بعد تفرقها فهل تجب إعادة عين ما تقضي ومضى من التأليفات في الدنيا أو أن الله تعالى يجوز أن يؤلفها بتأليف آخر؟ فذهب أبو هاشم إلى المنع من إعادتها بتأليف آخر مصيراً منه إلى أن جواهر الأشخاص متماثلة وإنما يتميز كل واحد من الأجزاء بتعيينه وتأليف الخاص فإذا لم يعد ذلك التأليف الخاص به فذلك الشخص لا يكون هو العائد بل غيره وهو مخالف حينئذ لما ورد به السمع من حشر أجساد الناس على صورهم، ومذهب من عداه من أهل الحق أن كل واحد من الأمرين جائز عقلاً ولا دليل على التعيين من سمع وغيره، وما قيل من أن تعيين كل شخص إنما هو بخصوص تأليفه غير مسلم بل جاز أن يكون بلونه أو بعض آخر مع التأليف. ومذهب أبـي هاشم أنه لا تجب إعادة غير التأليف من الأعراض فما هو جوابه عن غير التأليف فهو جواب لنا في التأليف وما ورد من حشر الناس على صورهم ليس فيه ما يدل على إعادة عين ما تقضى من التأليف ولا مانع أن يكون الإعادة بمثل ذلك التأليف لا عينه اهـ. وزعم الإمام إجماع المسلمين على المعاد بجمع الأجزائية بعد افتراقها وليس بذاك لما سمعت من الخلاف في كيفيته وهو مذكور في "المواقف" وغيره. ومسألة إعادة الأعراض أكثر خلافاً من مسألة إعادة الجواهر فذهب معظم أهل الحق إلى جواز إعادتها مطلقاً حتى أن منهم من جوز إعادتها في غير محالها. والمعتزلة اتفقوا على جواز إعادة ما كان منها على أصولهم باقياً غير متولد واختلفوا في جواز إعادة ما لا بقاء له كالحرارة والأصوات والإرادات فذهب الأكثرون منهم إلى المنع من إعادتها وجوزها الأقلون كالبلخي وغيره. وذهب إلى عدم جواز إعادة المعدوم مطلقاً من المسلمين أبو الحسن البصري وبعض الكرامية. ومن الناس من خص المنع فيما عدم ذاتاً ووجوداً وجوز فيما عدم وجوداً. وإلى القول بالمعاد الجسماني ذهب اليهود والنصارى على ما نص/ عليه الدواني لكن ذكر الإمام في "المحصل" أن سائر الأنبياء سوى نبينا صلى الله عليه وسلم لم يقولوا إلا بالمعاد الروحاني. وقال المحقق الطوسي في «تلخيصه»: أما الأنبياء المتقدمون على نبينا صلى الله عليه وسلم فالظاهر من كلام أممهم أن موسى عليه السلام لم يذكر المعاد البدني ولا أنزل عليه في التوراة لكن جاء ذلك في كتب الأنبياء الذين جاؤا بعده كحزقيل وشعيا عليهما السلام ولذا أقر اليهود به، وأما الإنجيل فالأظهر أن المذكور فيه المعاد الروحاني وهو مخالف لما سمعت عن الإمام، ويخالفهما ما قاله حجة الإسلام الغزالي في كتابه الموسوم "بالمضنون به على غير أهله" من أن في التوراة أن أهل الجنة يمكثون في النعيم خمسة عشر ألف سنة ثم يصيرون ملائكة وأن أهل النار يمكثون بها كذا وأزيد ثم يصيرون شياطين فإنه ظاهر في أن موسى عليه السلام ذكر المعاد الجسماني ونزل عليه في التوراة، والحق أن الأناجيل مملوأة مما يدل ظاهراً على الإنسان يحشر نفساً وجسماً وأما التوراة فليس ما ذكر فيها على سبيل التصريح على ما نقل لي بعض المطلعين من مسلمين أهل الكتاب على ذلك وأنكره الفلاسفة الإلهيون وقالوا بالمعاد الروحاني فقط، وهذا الإنكار مبني إما على زعم استحالة إعادة المعدوم وفيه ما فيه أو على استحالة عدم تناهي الأبعاد فإن منهم من قال: الإنسان قديم بالنوع والنفوس الناطقة غير متناهية كالأبدان فلو قيل بالحشر الجسماني يلزم اجتماع الأبدان الغير المتناهية في الوجود إذ لا بد لكل نفس من بدن مستقل فيلزم بعد غير متناه لتجتمع فيه تلك الأبدان الغير المتناهية. وقال بعضهم: إن الإنسان افراده غير متناهية والعناصر متناهية فأجزاؤها لا تفي بتلك الأبدان فكيف تحشر. وتعقب بأن القدم النوعي للإنسان وعدم التناهي لأفراده مما لا يتم لهم عليه برهان. وقال ابن الكمال: بناء استحالة الحشر الجسماني على استحالة عدم تناهي الأبعاد وهم سبق إليه وهم بعض أجلة الناظرية وليس الأمر كما توهم فإن حشر الأجساد اللازم على تقدير وقوع المعاد الجسماني هو حشر المكلفين من المطيع المستحق للثواب والعاصي المستحق للعقاب لا حشر جميع أفراد البشر مكلفاً كان أو غيره فإنه ليس من ضروريات الدين لأن الأخبار فيه لم تصل إلى حد التواتر ولم ينعقد عليه الإجماع وقد نبه عليه المحقق الطوسي في "التجريد" حيث قال: والسمع دل عليه ويتأول في المكلف بالتفريق، وقال الشارح: يعني لا إشكال في غير المكلفين فإنه يجوز أن ينعدم بالكلية ولا يعاد وأما بالنسبة إلى المكلفين فإنه يتأول العدم بتفريق الأجزاء. وفي «تلخيص المحصل» أيضاً حيث قال: وقال القائلون بإمكان إعادة المعدوم أن الله تعالى يعدم المكلفين ثم يعيدهم ونبه على ذلك أيضاً الآمدي في "أبكار الأفكار" حيث قرر الخلاف في إعادة المكلف ولا خفاء في أن عدم تناهي جميع أفراد البشر لا يستلزم عدم تناهي المكلفين منهم ليحتاج أمر حشرهم إلى الأبعاد الغير المتناهية اهـ. والحق الطعن في قولهم بالقدم النوعي وعدم تناهي أفراد الإنسان وبرهان التطبيق متكفل عندنا بإبطال الغير المتناهي اجتمعت أجزاؤه في الوجود أم لم تجتمع ترتب أم لم تترتب، وأما قصر الحشر على المكلفين دون غيرهم من المجانين والصغار والذين لم تبلغهم الدعوة ونحوهم فليس بشيء، والأخبار في ذلك كثيرة ولعلها من قبيل المتواتر المعنوي على أنها لو لم تكن كذلك لا داعي إلى عدم اعتبارها والقول بخلاف ما تدل عليه كما لا يخفى. وذهب القدماء من الفلاسفة الطبيعيين إلى عدم ثبوت شيء من الحشر الجسماني والحشر الروحاني، ويحكى ذلك عن التناسخية ما عدا اليهود والتناسخ عندهم غير مستمر بل يقع للنفس الواحدة ثلاث مرات على ما قيل./ وحكي عن جالينوس التوقف في أمر الحشر فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس هل هي المزاج الذي ينعدم عند الموت فيستحيل إعادتها أو هي جوهر باقي بعد فساد البنية فيمكن المعاد؟ والمشركون في شك منه مريب ولذا ترى كلامهم مضطرباً فيه، والمسلمون مجمعون على وقوعه إلا أنهم مختلفون كما سمعت في كيفيته وكذا هم مختلفون في وجوبه سمعاً أو عقلاً، فأهل السنة على وجوبه سمعاً مطلقاً، والمعتزلة على أنه للمكلفين واجب عقلاً لوجوب الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية عندهم وكل من الأمرين يتوقف على الحشر، وفيه نظر والله تعالى أعلم. وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على تقرير مطالب علية وتضمنت أدلة جليلة جلية ألا ترى أنه تعالى أقسم على كونه صلى الله عليه وسلم أكمل الرسل وأن طريقه أوضح السبل وأشار سبحانه إلى أن المقصود ما ذكر بقوله تعالى: {أية : لّتُنذِرَ }تفسير : [يس: 6] الخ ثم بينه إجمالاً أنه اتباع الذكر وخشية الرحمن بالغيب وتممه بضرب المثل مدمجاً فيه التحريض على التمسك بحبل الكتاب والمنزل عليه وتفضيلهما على الكتب والرسل والتنبيه عليه ثانياً بأنه عبادة من إليه الرجعى وحده ثم أخذ في بيان المقدمات بذكر الآيات وأوثر منها الواضحات الدالة على العلم والقدرة والحكمة والرحمة وضمن فيه أن العبادة شكر المنعم وتلقي النعمة بالصرف في رضاه والحذر من الركون إلى من سواه ثم في بيان المتمم بذكر الوعد والوعيد بما ينال في المعاد وأدرج فيه حديث من سلك ومن ترك وذكر غايتهما ولخص فيه أن الصراط المستقيم هو عبادة الله تعالى بالإخلاص عن شائبتي الهوى والرياء حيث قدم على الأمر بعبادته تعالى التجنب عن عبادة الشيطان وضمن فيه أن أساسها التوحيد وكما أنه ذكر الآيات لئلا يكون الكلام خطابياً في المقدمات ختم بالبرهان على الإعادة ليكون على منواله في المتممات وجعل سبحانه ختام الخاتمة أنه عز وجل لا يتعاظمه شيء ولا ينقص خزائنه عطاء وأنه لا يخرج عن ملكته من قربه قبول أو بعده إباء تحقيقاً لكل ما سلف على الوجه الأتم، ولما كان كلاماً صادراً عن مقام العظمة والجلال وجب أن يراعى فيه نكتة الالتفات في قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83] ليكون إجمالاً لتوضيح التفصيل كذا قرره صاحب «الكشف» والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل. ومن باب الإشارة: قيل إن قوله سبحانه: {أية : يس }تفسير : [يس: 1] إشارة إلى سيادته عليه الصلاة والسلام على جميع المخلوقات فالسيد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة وهي هٰهنا جميع الخلق فكأنه قيل: يا سيد الخلق وتوليته عليه الصلاة والسلام عليهم لأنه الواسطة العظمى في الإفاضة والإمداد؛ وفي الخبر "الله تعالى المعطي وأنا القاسم" فمنزلته صلى الله عليه وسلم من العالم بأسره بمنزلة القلب من البدن فما ألطف افتتاح قلب القرآن بقلب الأكوان وفي السين بيناتها وزبرها أسرار لا تحصى وكذا في مجموع {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ }تفسير : [يس: 1ـ2] قد يكون إشارة إليه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر الصوفية أنه يشار به إلى الإنسان الكامل وكذا الكتاب المبين وعلى ذلك جاء قول الشيخ الأكبر قدس سره: شعر : أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح الأواني تفسير : ولا أحد أكمل من النبـي عليه الصلاة والسلام. وطبق بعضهم قصة أهل أنطاكية على ما في الأنفس بجعل القرية إشارة إلى القلب وأصحابها إشارة إلى النفس وصفاتها والإثنين إشارة إلى الخاطر الرحماني والإلهام الرباني والثالث المعزز به إشارة إلى الجذبة والرجل الجائي من أقصى المدينة إشارة إلى الروح، وطبق كثيراً من آيات هذه السورة/ على هذا الطرز. وقيل: في قوله سبحانه: أية : {طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ }تفسير : [يس: 19] إنه إشارة إلى استعدادهم السيء الذي طار بهم عنقاء مغربة: شعر : إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم تفسير : وقيل: في {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } في قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلاْرَائِكِ }تفسير : [يس: 55ـ56] إنه إشارة إلى طائفة من المؤمنين كان الغالب عليهم في الدنيا طلب الجنة ولذا أضيفوا إليها وهم دون أهل الله تعالى وخاصته الذين لم يلتفتوا إلى شيء سواه عز وجل فأولئك مشغولون بلذائذ ما طلبوه وهؤلاء جلساء الحضرة المشغولون بمولاهم جل شأنه المتنعمون بوصاله ومشاهدة جماله وفرق بين الحالين وشتان ما بين الفريقين، ولذا قيل: "أكثر أهل الجنة البله" فافهم الإشارة. والشيطان في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}تفسير : [يس: 60] إشارة إلى كل ما يطاع ويذل له غير الله عز وجل كائناً ما كان وعداوته لما أنه سبب الحجاب عن رب الأرباب. وفي قوله تعالى: {أية : فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }تفسير : [يس: 76] إشارة إلى أنه لا ينبغي الاكتراث بأذى الأعداء والالتفات إليه فإن الله تعالى سيجازيهم عليه إذا أوقفهم بين يديه، هذا ونسأل الله تعالى أن يحفظنا من شر الأشرار وأن ينور قلوبنا بمعرفته كما نور قلوب عباده الأبرار ونصلي ونسلم على حبيبه قلب جسد الأعيان وعلى آله وصحبه ما دامت سورة يس قلب القرآن.
ابن عاشور
تفسير : الفاء فصيحة، أي إذا ظهر كل ما سمعتم من الدلائل على عظيم قدرة الله وتفرده بالإِلهية وأنه يعيدكم بعد الموت فينشأ تنزيهه عن أقوالهم في شأنه المفضية إلى نقص عظمته لأن بيده الملك الأتم لكل موجود. والملكوت: مبالغة في الملك (بكسر الميم) فإن مادة فعلوت وردت بقلة في اللغة العربية. من ذلك قولهم: رَهبوت ورحَموت، ومن أقوالهم الشبيهة بالأمثال «رَهبوت خير من رحموت» أي لأن يرهبَك الناسُ خير من أن يرحموك، أي لأن تكونَ عزيزاً يُخشى بأسك خير من أن تكون هيّناً يَرقّ لك الناس، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } تفسير : في سورة الأنعام (75). وجملة {وإليهِ تُرجعُونَ} عطف على جملة التسبيح عطفَ الخبر على الإِنشاء فهو مما شملته الفصيحة. والمعنى: قد اتضح أنكم صائرون إليه غير خارجين من قبضة ملكه وذلك بإعادة خلقكم بعد الموت. وتقديم {إليه} على {تُرْجَعُونَ} للاهتمام ورعاية الفاصلة لأنهم لم يكونوا يزعمون أن ثمة رجعة إلى غيره ولكنهم ينكرون المعاد من أصل.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَسُبْحَانَ} (83) - تَنَزَّهَ اللهُ رَبُّنَا الذِي بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الأُمُورِ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ. وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً. مَلَكُوتُ - المُلْكُ التَّامُّ العَظِيمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عرفنا في الآية السابقة أن الحق سبحانه إذا قال كُنْ انفعلتْ له الأشياء وأطاعت، أما إنْ قالها الإنسان فلن يستجيب له شيء، وقلنا: إذا ورد لله تعالى وَصْف يُوصف به البشر، فعلينا أنْ نأخذه في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] إذن: طبيعي أنْ تختم هذه الآيات والسورة كلها بقوله تعالى {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [يس: 83] يعني: تنزيهاً له عن أن يُشبهه أحد، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وكلمة {مَلَكُوتُ} [يس: 83] من ملك، وهذه المادة الميم واللام والكاف تُستخدم على معان أربعة: الأول: نقول مالك، وهو كل مَنْ ملَك شيئاً ولو كان يسيراً، فلو كان لا يملك إلا الثوب الذي يلبسه يُسمَّى مالك. الثاني: نقول مَلِك وهو الذي يملك مَنْ مَلَك أي: يملك أنْ يتصرف فيه وفي إدارة حركته، الثالث: كلمة المُلْك وهي أن يترقى الملك في أمور ظاهرة يعرفها الناس، الرابع: كلمة الملكوت ويُراد بها الملْك المستور غير الظاهر، وهو أقوى وأعمّ من المُلْك. وقد يكون الشيء من عالم الملكوت، ثم يصير إلى عالم المُلك مثل الأشياء التي كانت غيباً واكتشفها الإنسان أو ابتكرها، فصارت مشهودة، وهناك أشياء تظل دائماً في عالم الملكوت لا نعرف شيئاً عنها إلا في الآخرة، وهذا النوع هو الذي يُكذِّبون به، ومن ذلك قوله تعالى في شأن سيدنا إبراهيم: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 75]. نعم، يُطلعه الله على عالم الملكوت، لأنه لما أطلعه على عالم الملْك وابتلاه نجح في الابتلاء بتفوق، نجح في كل مراحل حياته، نجح وهو شيخ كبير في مسألة ذَبْح ولده إسماعيل، نجح لما أُلْقِي في النار؛ لذلك صار أهلاً لأنْ يُطلِعه الله على أسرار الكون، وعلى عالم الملكوت، كما لو أن في أولادك ولداً صالحاً ترى فيه مخايل النجابة، فتصطفيه بشيء تفضله به عن باقي الأولاد، كذلك مَنْ يحسن العبودية لله تعالى يحسن الله له العطاء. ومن ذلك ما قَصَّه علينا القرآن في سورة الكهف من قصة العبد الصالح الذي رافقه نبي الله موسى وتعلَّم منه، والذي قال الله فيه {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65] هذا العبد الصالح لم يكُنْ نبياً، ولم ينزل عليه الوحي، ومع ذلك تعلَّم منه النبي، لماذا؟ لأنه أخذ ما جاء به الرسول وطبَّقه على نفسه، فلما علم الله منه أنه مأمون على مناهج الله وعلى أسراره زاده وأعطاه من علمه اللَّدُنيِّ، وكشف له من أسرار الملكوت. ألاَ ترى أن سيدنا موسى - عليه السلام - غضب منه حينما خرق السفينة، وتعمد أنْ يعيبها، وهي لمساكين فقراء، هذا هو عالم الملْك الذي اطَّلع عليه العبد الصالح، أما علمه بعالم الملكوت ففي قوله: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79] فأطلع العبدَ الصالح على بعض عالم الملكوت، كما أطلع إبراهيم عليه السلام على ملكوت السماء. وكلمة (ملكوت) تحمل معنى المبالغة، مثل: رحموت وجبروت ورهبوت، فهي إذن للمبالغة في الملْك، لكن نلحظ عند علماء القراءات أن أحدهم يقرأ: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4] فيقول (مَلِكِ يوم الدين) بدون صيغة المبالغة، قالوا: لأن الكلام عن يوم الدين، وفي هذا اليوم الملْك كله لله وليس لأحد مُلْك، ولا حتى الثوب الذي يرتديه. ومن ذلك أيضاً قولنا في الأذان الله أكبر فذكر الصفة (أكبر) دون مبالغة، ولم يذكر الاسم (الكبير)، فكيف يتأتَّى ذلك في شعار الصلاة، التي هي عماد الدين، ونأتي بالصفة دون الاسم؟ قالوا: لأن الأذان يأخذ الناس من أعمالهم للاستجابة لنداء ربهم، والعمل له اعتباره في الإسلام؛ لأنه مهمة الإنسان في الحياة، وبه يتوصَّل إلى طاعة الله؛ لذلك يُقدِّره الدين ولا يحتقره. ومعنى (الله أكبر) أن العمل كبير ومهم، لكن الله أكبر ونداء ربِّك أهم، أما كبير فهي اسم من أسماء الله. ومعنى كبير أن ما دونه صغير؛ لذلك أتى في الأذان بالوصف لا بالاسم. فقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [يس: 83] أي: ما تراه وما لا تراه من الملك، وما خَفِي عنك، ثم توصَّلْتَ إليه بالعلم واكتشفته، والذي لا تراه من الملك إلى أنْ يخبر الله به أحد عباده: {أية : عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن: 26-27]. والتحقيق أن المغيبات والأسرار المطمورة في الكون لا يكتشفها الإنسان إنما تُكْشف له، وقلنا: إن كل سِرٍّ في الكون أراد الله أنْ يُظهره له عمر وميلاد، فإنْ صادف ميلادُه بحثَكَ ظهر على يديك، وإلا أظهره الله لك مصادفة في موعده إذا لم تبحث عنه؛ لذلك يقولون: إن سبعة وتسعين بالمائة من مكتشفات الحياة ظهرت لنا مصادفة. ويقول سبحانه في آية الكرسي: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255] فالإنسان لا يحيط إلا بعلم الشيء اليسير من علم الله، ولا يحيط بهذا اليسير إلا بعلمه تعالى وإذنه، حين يأذن بميلاد الشيء وظهوره. وقوله سبحانه: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83] أي: يوم القيامة، فكونوا على ذِكْرٍ لهذه الحقيقة، فمَنْ لم يؤمن بنعمة الخَلْق ترهبه نعمة الإعادة والمرجع، فأنتم ما خُلِقْتم عبثاً، ولمن تُتْرَكُوا سُدىً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} معناه مَلِكَهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):