Verse. 3789 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَالصّٰۗفّٰتِ صَفًّا۝۱ۙ
Waalssaffati saffan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والصافات صفّا» الملائكة تصف نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به.

1

المنزل السادس

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } بإدغام التاء فيما يليه، وكذلك في قوله: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } والباقون بالإظهار، وقال الواحدي رحمه الله: إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس، ولامدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وإدغام الأنقص في الأزيد حسن، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص، وأيضاً إدغام التاء في الزاي في قوله: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد، وأيضاً حسن إدغام التاء في الذي في قوله: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، والله أعلم. المسألة الثانية: في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن يتكون صفات ثلاثة لموصوف واحد، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة، أما على التقدير الأول ففيه وجوه الأول: أنها صفات الملائكة، وتقديره أن الملائكة يقفون صفوفاً. إما في السموات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } تفسير : [الصافات: 165] وقيل إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم، ويحتمل أيضاً أن يقال معنى كونهم صفوفاً أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة أو في الذات والعلية وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك يشبه الصفوف. وأما قوله: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } فقال الليث: يقال زجرت البعير فأنا أزجره زجراً إذا حثثته ليمضي، وزجرت فلاناً عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وللإنسان كالنهي، إذا عرفت هذا فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه الأول: قال ابن عباس يريد الملائكة الذي وكلوا بالسحاب يزجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع الثاني: المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجراً الثالث: لعل الملائكة أيضاً يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر والإيذاء، وأقول قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء آخر وهو عالم الأرواح وذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله، ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام، واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام وتقدر على التصرف فيها وقوله: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها تقوى على التأثير في عالم الأجسام إذا عرفت هذا فقوله: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } إشارة إلى وقوفها صفاً صفاً في مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع وهي الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات الصمدية وقوله تعالى: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل، وذلك لما ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس، وأن هذه الأرواح البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القول إلى الفعل في المعارف الإلهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ونظيره قوله تعالى: {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [النحل: 2] وقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 192، 193] وقوله تعالى: {أية : فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } تفسير : [المرسلات: 5] إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاماً وفوق التام والمراد بكونه تاماً أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولاً بالفعل والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على غيره، ومن المعلوم أن كونه كاملاً في ذاته مقدم على كونه مكملاً لغيره، إذا عرفت هذا فقوله: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة وقوله تعالى: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر الأرواح البشرية وقوله تعالى: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة البشرية، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة، قال أبو مسلم الأصفهاني: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة، والجواب من وجهين الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات والثاني: أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوي، أما التأنيث في اللفظ فلا، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة في هذا الوجه الثاني: أن تحمل هذه الصافات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الأرض وبيانه من وجهين الأول: أن قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } المراد الصفوف الحاصلة عند أداء الصلوات بالجماعة وقوله: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة وقوله: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة وقيل: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } إشارة إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت، روى أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بيوت أصحابه في الليالي فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا؟ فقال: المعبود سميع عليم وسأل عمر: لم تقرأ هكذا؟ فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان الوجه الثاني: في تفسير هذه الألفاظ الثلاث في هذه الآية أن المراد من قوله: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى والمراد من قوله: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات، والمراد من قوله تعالى: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب في العمل بشرائع الله الوجه الثالث: في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقوله: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } تفسير : [الصف: 4] وأما (الزاجرات زجراً) فالزجرة والصيحة سواء، والمراد منه رفع الصوت بزجر الخيل، وأما (التاليات ذكراً) فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله تعالى بالتهليل والتقديس الوجه الرابع: في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله: (والصافات صفاً) المراد آيات القرآن فإنها أنواع مختلفة بعضها في دلائل التوحيد وبعضها في دلائل العلم والقدرة والحكمة وبعضها في دلائل النبوة وبعضها في دلائل المعاد وبعضها في بيان التكاليف والأحكام وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة، وهذه الآيات مرتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصاً واقفين في صفوف معينة قولوه: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة وقوله: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر والخير وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9] وقال: {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يس: 1، 2] قيل الحكيم بمعنى الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة صفات لشيء واحد وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل المراد بقوله: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } الطير من قوله تعالى: {أية : وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ } تفسير : [النور: 41] (والزاجرات) كل ما زجر عن معاصي الله (والتاليات) كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه وجه آخر وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية، أما الجسمانية فإنها مرتبة على طبقات ودرجات لا تتغير ألبتة، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء والماء محفوف بالهواء، والهواء محفوف بالنار، ثم هذه الأربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى، وأما الجواهر الروحانية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصريف وإليه الإشارة بقوله: {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } فإنا قد بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك، والثاني الإدراك والمعرفة والاستغراق في معرفة الله تعالى والثناء عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف في الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19] لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } ثم ذكر في المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر في هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه، فهذه احتمالات خطرت بالبال، والعالم بأسرار كلام الله تعالى ليس إلا الله. المسألة الثالثة: للناس في هذا الموضع قولان الأول: قول من يقول المقسم به ههنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء، واحتجوا عليه بوجوه الأول: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله فكيف يليق بحكمة الله أن يحلف بغير الله والثاني: أن الحلف بالشيء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } تفسير : [الشمس: 5 - 7]، والقول الثاني: قول من يقول إن القسم واقع بأعيان هذه الأشياء واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللفظ فالعدول عنه خلال الدليل والثاني: أنه تعالى قال: {وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } فعلق لفظ القسم بالسماء، ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء، فلو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز الثالث: أنه لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم من الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها، لا سيما إذا حملنا هذه الألفاظ على الملائكة فإنه تكون الحكمة في القسم بها التنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها، والله أعلم، فإن قيل ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أوعند الكافر والأول باطل لأن المؤمن مقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل التقديرات الثاني: أنه تعالى حلف في أول هذه السورة على أن الإله واحد، وحلف في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق فقال: {أية : وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً } تفسير : إلى قوله: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ * وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ } تفسير : [الذاريات: 1 - 6] وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء، والجواب من وجوه الأول: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها فذكر القسم تأكيداً لما تقدم لا سيما والقرآن إنما أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب والوجه الثاني: في الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقيني في كون الإله واحداً، وهو قوله تعالى: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ } وذلك لأنه تعالى بين في قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد، فههنا لما قال: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } أردفه بقوله: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ } كأنه قيل قد بينا أن النظر في انتظام هذا العالم دل على كون الإله واحداً فتأملوا في ذلك الدليل ليحصل لكم العلم بالتوحيد الوجه الثالث: في الجواب أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة، والله أعلم. المسألة الرابعة: أما دلالة أحوال السموات والأرض على وجود الإله القادر العالم الحكيم، وعلى كونه واحداً منزهاً عن الشريك فقد سبق تقريرها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً وأما قوله تعالى: {وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ } فيحتمل أن يكون المراد مشارق الشمس قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً وكذلك المغارب فإنه تطلع الشمس كل يوم من مشرق وتغرب كل يوم في مغرب، ويحتمل أن يكون المراد مشارق الكواكب لأن لكل كوكب مشرقاً ومغرباً، فإن قيل لم أكتفى بذكر المشارق؟ قلنا لوجهين الأول: أنه اكتفى بذكر المشارق كقوله: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] والثاني أن الشرق أقوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر الشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ } تفسير : [البقرة: 258]. المسألة الخامسة: احتج الأصحاب بقوله تعالى: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد، قالوا: لأن أعمال العباد موجود فيما بين السموات والأرض، وهذه الآية دالة على أن كل ما حصل بين السموات والأرض فالله ربه ومالكه، فهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله، وإن قالوا: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا الوصف إنما يليق بما يكون حاصلاً في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك، قلنا: إنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السموات والأرض فهي أيضاً حاصلة بين السماء والأرض.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } هذه قراءة أكثر القرّاء. وقرأ حمزة بالإدغام فيهنّ. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة؛ نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. «وَالصَّافَّاتِ» قسم؛ الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصَّافَّات و «الزَّاجِرَاتِ» عطف عليه. {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد بـ «ـالصَّافَّاتِ» وما بعدها إلى قوله: {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة في قول ٱبن عباس وٱبن مسعود وعِكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. تُصَفّ في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل: تصفّ أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفاً. وقال الحسن: «صَفًّا» لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل: هي الطير؛ دليله قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} تفسير : [الملك: 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصفّ في الصلاة. «وَالصَّافَّاتِ» جمع الجمع؛ يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافّات. وقيل: الصّافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفًّا في الصلاة أو في الجهاد؛ ذكره القشيري. «فَالزَّاجِرَاتِ» الملائكة في قول ٱبن عباس وٱبن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدّي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي زواجر القرآن. {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى؛ قاله ٱبن مسعود وٱبن عباس والحسن ومجاهد وٱبن جُبير والسّدي. وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع؛ لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل: هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [النمل: 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات؛ لأن بعض الحروف يتبع بعضاً؛ ذكره القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتَّاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود؛ كقوله:شعر : يَالَهْفَ زَيَّابَةَ للحارثِ الصـ ـابِح فالغَانِم فالآيِبِ تفسير : كأنه قال: الذي صَبَّحَ فغَنِم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، وٱعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلِّقين فالمقصِّرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات؛ قاله الزمخشري. «إِنَّ إِلَهٰـَكُمْ لَوَاحِدٌ» جواب القسم. قال مقاتل: وذلك أن الكفار بمكة قالوا ٱجعل الآلهة إلٰهاً واحداً، وكيف يسع هذا الخلق فرد إلٰه! فأقسم الله بهؤلاء تشريفاً. ونزلت الآية. قال ٱبن الأنباري: وهو وقف حسن، ثم تبتدىء {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على معنى هو رب السموات. النحاس: ويجوز أن يكون «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» خبراً بعد خبرٍ، ويجوز أن يكون بدلاً من «وَاحِدٌ». قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على «لَوَاحدٌ». وحكى الأخفش: «رَبَّ السَّمَوَاتِ ـ وَرَبَّ الْمَشَارِقِ» بالنصب على النعت لاسم إن. بيّن سبحانه معنى وحدانيّته وألوهيته وكمال قدرته بأنه «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» أي خالقهما ومالكهما {وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} أي مالك مطالع الشمس. ٱبن عباس: للشمس كل يوم مشرق ومغرب؛ وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلثمائة وخمس وستين كوّة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوّة منها، وتغيب في كوّة، لا تطلع في تلك الكوّة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: ربّ لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وٱبن الأنباري في كتاب الرد عن عكرمة؛ قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصَّلْت «حديث : آمن شعرهُ وكفر قلبُه»تفسير : قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله:شعر : والشمسُ تطلُعُ كلَّ آخِرِ ليلةٍ حمراءَ يُصبحُ لوْنُها يتَورَّدُ ليست بطالعةٍ لَهُم في رِسْلِهَا إلاَّ مُعَذَّبةً وَإلاَّ تُجْلَدُ تفسير : ما بالُ الشمس تُجْلَد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف مَلَك، فيقولون لها ٱطلعي ٱطلعي، فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقلّ لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدّها عن الطلوع فتطلعُ بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خَرّت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدّها عن السجود فتغرُب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها»تفسير : لفظ ٱبن الأنباري. وذكر عن عكرمة عن ٱبن عباس قال: صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أميّة بن أبي الصَّلْت في هذا الشعر:شعر : زُحَلٌ وثَوْرٌ تحتَ رِجلِ يَمينِهِ والنّسر للأخرى وليثٌ مُرْصِدُ والشمسُ تَطلعُ كلّ آخرِ ليلةٍ حمراء يصبِحُ لونُها يَتَورَّدُ ليست بطالعة لهم في رِسْلِها إلاّ مُعذَّبةً وإلاّ تُجْلَدُ تفسير : قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما ٱضطره الرويّ إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودلّ بذكر المطالع على المغارب؛ فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]. وخصّ المشارق بالذكر؛ لأن الشروق قبل الغروب. وقال في سورة «الرحمن»: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } تفسير : [الرحمن: 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدّم في «يس» والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها مائة واثنتان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا * فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً * فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية، على مراتب باعتبارها تفيض عليهم الأنوار الإِلهية، منتظرين لأمر الله الزاجرين الأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور به فيها، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخير، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين آيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأولياءه، أو بطوائف الأجرام المرتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }تفسير : [الأنبياء: 20] أو بنفوس العلماء الصافين في العبادات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه، أو بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد الزاجرين الخيل، أو العدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو والعطف لاختلاف الذوات، أو الصفات والفاء لترتيب الوجود كقوله :شعر : يا لهف زيابة للحارث الصـ ـابح فالغانم فالآيب تفسير : فإن الصف كمال والزجر تكميل بالمنع عن الشر، أو الإِشاقة إلى قبول الخير والتلاوة إفاضته أو الرتبة كقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : رحم الله المحلقين فالمقصرين»تفسير : غير أنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاءات فيما يليها لتقاربها فإنها من طرف اللسان وأصول الثنايا. {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } جواب للقسم والفائدة فيه تعظيم المقسم به وتأكيد المقسم عليه على ما هو المألوف في كلامهم، وأما تحقيقه فبقوله تعالى. {رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَ&#1649لأرضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ } فإن وجودها وانتظامها على الوجه الأكمل مع إمكان غيره دليل على وجود الصانع الحكيم ووحدته على ما مر غير مرة، {وَرَبُّ } بدل من واحد أو خبر ثان أو خبر محذوف وما بينهما يتناول أفعال العباد فيدل على أنها من خلقه، و {ٱلْمَشَـٰرِقِ } مشارق الكواكب أو مشارق الشمس في السنة وهي ثلاثمائة وستون مشرقاً،تشرق كل يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل إنها مائة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال. {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاءَ ٱلدُّنْيَا } القربى منكم. {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } بزينة هي {ٱلْكَوٰكِبِ } والإِضافة للبيان، ويعضده قراءة حمزة ويعقوب وحفص بتنوين «زينة» وجر {ٱلْكَوٰكِبِ } على إبدالها منه، أو بزينة هي لها كأضوائها وأوضاعها، أو بأن زينا {ٱلْكَوٰكِبِ } فيها على إضافة المصدر إلى المفعول فإنها كما جاءت اسماً كالليقة جاءت مصدراً كالنسبة ويؤيده قراءة أبي بكر بالتنوين، والنصب على الأصل أو بأن زينتها {ٱلْكَوٰكِبِ } على إضافته إلى الفاعل وركوز الثوابت في الكرة الثامنة وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينها وبين السماء الدنيا أن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة .{وَحِفْظاً } منصوب بإضمار فعله، أو العطف على «زينة» باعتبار المعنى كأنه قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظاً. {مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } خارج من الطاعة برمي الشهب. {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأعْلَىٰ } كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم، ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، ولا علة للحفظ على حذف اللام كما في جئتك أن تكرمني ثم حذف أن وأهدرها كقوله:شعر : ألا أيهـذا الـزاجـري أحضـر الـوغـى تفسير : فإن اجتماع ذلك منكر والضمير لـ {كُلٌّ } باعتبار المعنى، وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإِصغاء مبالغة لنفيه وتهويلاً لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي «وحفص» بالتشديد من التسمع وهو طلب السماع و {ٱلْمَلأِ ٱلأعْلَىٰ } الملائكة وأشرافهم. {وَيُقْذَفُونَ } ويرمون. {مِن كُلّ جَانِبٍ } من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده. {دُحُوراً } علة أي للدحور وهو الطرد أو مصدر لأنه والقذف متقاربان، أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر، وهو ما يطرد به ويقويه القراءة بالفتح وهو يحتمل أيضاً أن يكون مصدراً كالقبول أو صفة له أي قذفاً دحوراً. {وَلَهُمْ عَذَابُ } أي عذاب آخر. {وَاصِبٌ } دائم أو شديد وهو عذاب الآخرة. {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } استثناء من واو {يَسْمَعُونَ } ومن بدل منه، والخطف الاختلاس والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة ولذلك عرف الخطفة، وقرىء «خَطِفَ » بالتشديد مفتوح الخاء ومكسروها وأصلهما اختطف. {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ } أتبع بمعنى تبع، والشهاب ما يرى كأن كوكباً انقض، وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين إن صح لم يناف ذلك إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك ولا في قوله{أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِين} تفسير : [الملك: 5] فإن كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث كما ذكر في بعض الأوقات رجماً لشياطين تتصعد إلى قرب الفلك للتسمع، وما روي أن ذلك حدث بميلاد النبي عليه الصلاة والسلام إن صح فلعل المراد كثرة وقوعه، أو مصيره {دُحُوراً }. واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحترق به لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأساً، ولا يقال إن الشيطان من النار فلا يحترق، لأنه ليس من النار الصرف كما أن الإِنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها. {ثَاقِبٌ } مضيء كأنه يثقب الجو بضوئه.

ابن كثير

تفسير : قال سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: { وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا} وهي الملائكة، { فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْراً} هي الملائكة، { فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً} هي الملائكة، وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس. قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعل لنا ترابها طهوراً إذا لم نجد الماء» تفسير : وقد روى مسلم أيضاً وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم ابن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟» تفسير : قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» تفسير : وقال السدي وغيره: معنى قوله تعالى: { فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْراً} أنها تزجر السحاب، وقال الربيع بن أنس { فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْراً} مازجر الله تعالى عنه في القرآن، وكذا روى مالك عن زيد بن أسلم: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً} قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً } تفسير : [المرسلات:5-6]. وقوله عز وجل: { إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلاهو رب السموات والأرض، {وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: من المخلوقات، {وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ} أي: هو المالك المتصرف في الخلق؛ بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات تبدو من المشرق وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه، وقد صرح بذلك في قوله عز وجل: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ} تفسير : [المعارج: 40] وقال تعالى في الآية الآخرى: { أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17] يعني: في الشتاء والصيف للشمس والقمر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلصَّٰفَّٰتِ صَفًّا } الملائكة تصف نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } قرأ أبو عمرو، وحمزة، وقيل: حمزة فقط، بإدغام التاء من الصافات في صاد صفاً، وإدغام التاء من الزاجرات في زاي زجراً، وإدغام التاء من التاليات في ذال ذكراً، وهذه القراءة قد أنكرها أحمد بن حنبل لما سمعها. قال النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاثة جهات: الجهة الأولى أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الدال، ولا من أخواتهن. الجهة الثانية أن التاء في كلمة، وما بعدها في كلمة أخرى. الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة. وقال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طرف اللسان. وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك، والواو للقسم، والمقسم به: الملائكة: الصافات، والزاجرات، والتاليات. والمراد بـ {الصافات}: التي تصفّ في السماء من الملائكة كصفوف الخلق في الدنيا، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. وقيل: إنها تصفّ أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وقال الحسن: صفاً كصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل: المراد بالصافات هنا: الطير كما في قوله: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ } تفسير : [الملك: 19] والأوّل أولى، والصفّ: ترتيب الجمع على خطّ كالصفّ في الصلاة. وقيل: الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفاً في الصلاة، أو في الجهاد، ذكره القشيري. والمراد بـ {الزاجرات} الفاعلات للزجر من الملائكة، إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدّي، وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ، والنصائح. وقال قتادة: المراد بالزاجرات: الزواجر من القرآن، وهي كل ما ينهى، ويزجر عن القبيح، والأوّل أولى. وانتصاب {صفا} و {زجراً} على المصدرية لتأكيد ما قبلهما. وقيل: المراد بالزاجرات: العلماء؛ لأنهم هم الذين يزجرون أهل المعاصي. والزجر في الأصل: الدفع بقوّة، وهو هنا قوّة التصويت، ومنه قول الشاعر:شعر : زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم تفسير : ومنه زجرت الإبل، والغنم: إذا أفزعتها بصوتك، والمراد بـ {ٱلتَّالِيَات ذِكْراً } الملائكة التي تتلو القرآن كما قال ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، والسدّي. وقيل: المراد: جبريل وحده، فذكر بلفظ الجمع تعظيماً له مع أنه لا يخلو من أتباع له من الملائكة. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله، وكتبه. وقيل: المراد: آيات القرآن، ووصفها بالتلاوة، وإن كانت متلوّة كما في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [النمل: 76]. وقيل: لأن بعضها يتلو بعضاً، ويتبعه. وذكر الماوردي: أن التاليات هم: الأنبياء يتلون الذكر على أممهم، وانتصاب {ذكراً} على أنه مفعول به، ويجوز أن يكون مصدراً كما قبله من قوله {صفاً}، و{زجراً}. قيل: وهذه الفاء في قوله: {فالزاجرات}، {فالتاليات} إما لترتب الصفات أنفسها في الوجود، أو لترتب موصوفاتها في الفضل، وفي الكلّ نظر. وقوله: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } جواب القسم، أي: أقسم الله بهذه الأقسام إنه واحد ليس له شريك. وأجاز الكسائي فتح "إن" الواقعة في جواب القسم {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون بدلاً من {لواحد}، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. قال ابن الأنباري: الوقف على {لواحد} وقف حسن، ثم يبتدىء {ربّ السماوات، والأرض} على معنى: هو ربّ السماوات، والأرض. قال النحاس: ويجوز أن يكون بدلاً من {لواحد}. والمعنى في الآية: أن وجود هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح الدلائل على وجود الصانع، وقدرته، وأنه ربّ ذلك كله، أي: خالقه، ومالكه. والمراد بما بينهما: ما بين السماوات، والأرض من المخلوقات. والمراد بـ {ٱلْمَشَـٰرِقِ } مشارق الشمس. قيل: إن الله سبحانه خلق للشمس كل يوم مشرقاً، ومغرباً بعدد أيام السنة، تطلع كل يوم من واحد منها، وتغرب من واحد، كذا قال ابن الأنباري، وابن عبد البرّ. وأما قوله في سورة الرحمٰن: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } تفسير : [الرحمٰن: 17] فالمراد بالمشرقين: أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار، وكذلك في المغربين. وأما ذكر المشرق، والمغرب بالإفراد، فالمراد به: الجهة التي تشرق منها الشمس، والجهة التي تغرب منها، ولعله قد تقدّم لنا في هذا كلام أوسع من هذا. {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } المراد بالسماء الدنيا: التي تلي الأرض، من الدنوّ، وهو: القرب، فهي أقرب السمٰوات إلى الأرض. قرأ الجمهور {بزينة الكواكب} بإضافة زينة إلى الكواكب. والمعنى: زيناها بتزيين الكواكب، أي: بحسنها. وقرأ مسروق، والأعمش، والنخعي، وحمزة بتنوين {زينة}، وخفض {الكواكب} على أنها بدل من الزينة: على أن المراد بالزينة الاسم لا المصدر. والتقدير بعد طرح المبدل منه: إنا زينا السماء بالكواكب، فإن الكواكب في أنفسها زينة عظيمة؛ فإنها في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بتنوين "زينة"، ونصب "الكواكب" على أن الزينة مصدر، وفاعله محذوف. والتقدير: بأن الله زين الكواكب بكونها مضيئة حسنة في أنفسها، أو تكون الكواكب منصوبة بإضمار أعني، أو بدلاً من السماء بدل اشتمال، وانتصاب {حفظاً} على المصدرية بإضمار فعل، أي: حفظناها حفظاً، أو على أنه مفعول لأجله، أي: زيناها بالكواكب للحفظ، أو بالعطف على محل زينة كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء. {وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } أي: متمرّد خارج عن الطاعة يرمى بالكواكب، كقوله: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5]. وجملة {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } مستأنفة لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم. وقال أبو حاتم: أي: لئلا يسمعوا، ثم حذف "إن" فرفع الفعل، وكذا قال الكلبي، والملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها، وسمى الكلّ منهم أعلى بإضافته إلى ملإ الأرض، والضمير في {يسمعون} إلى الشياطين. وقيل: إن جملة {لا يسمعون} صفة لكل شيطان، وقيل: جواباً عن سؤال مقدّر كأنه قيل: فما كان حالهم بعد حفظ السماء عنهم؟ فقال: {لاَ يَسْمَعُونَ إِلا ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } قرأ الجمهور "يسمعون" بسكون السين، وتخفيف الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص عنه بتشديد الميم، والسين، والأصل يتسمعون، فأدغم التاء في السين، فالقراءة الأولى تدلّ على انتفاء سماعهم دون استماعهم، والقراءة الثانية تدلّ على انتفائهما، وفي معنى القراءة الأولى قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } تفسير : [الشعراء: 212] قال مجاهد: كانوا يتسمعون، ولكن لا يسمعون. واختار أبو عبيدة القراءة الثانية، قال: لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، وتقول: تسمعت إليه {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ * دُحُوراً } أي: يرمون من كلّ جانب من جوانب السماء بالشهب إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع، وانتصاب {دحوراً} على أنه مفعول لأجله. والدحور: الطرد، تقول: دحرته دحراً، ودحوراً: طردته. قرأ الجمهور {دحوراً} بضم الدال، وقرأ عليّ، والسلمي، ويعقوب الحضرمي، وابن أبي عبلة بفتحها. وروي عن أبي عمرو: أنه قرأ "يقذفون" مبنياً للفاعل، وهي قراءة غير مطابقة لما هو المراد من النظم القرآني، وقيل: إن انتصاب {دحوراً} على الحال، أي: مدحورين، وقيل: هو جمع داحر نحو قاعد، وقعود، فيكون حالاً أيضاً. وقيل: إنه مصدر لمقدّر، أي: يدحرون دحوراً. وقال الفراء: إن المعنى: يقذفون بما يدحرهم، أي: بدحور، ثم حذفت الباء، فانتصب بنزع الخافض. واختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل المبعث، أو بعده؟ فقال بالأوّل طائفة. وبالآخر آخرون. وقالت طائفة بالجمع بين القولين: إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رمياً يقطعها عن السمع، ولكن كانت ترمى وقتاً، ولا ترمى وقتاً آخر، وترمى من جانب، ولا ترمى من جانب آخر، ثم بعد المبعث رميت في كلّ وقت، ومن كلّ جانب حتى صارت لا تقدر على استراق شيء من السمع إلا من اختطف الخطفة، فأتبعه شهاب ثاقب، ومعنى {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ }: ولهم عذاب دائم لا ينقطع، والمراد به: العذاب في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب. وقال مقاتل: يعني: دائماً إلى النفخة الأولى، والأوّل أولى. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الواصب: الدائم. وقال السدّي، وأبو صالح، والكلبي: هو الموجع الذي يصل وجعه إلى القلب، مأخوذ من الوصب، وهو: المرض، وقيل: هو الشديد، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } هو من قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ }، أو من قوله: {وَيَقْذِفُونَ }. وقيل: الاستثناء راجع إلى غير الوحي لقوله: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } تفسير : [الشعراء: 212] بل يخطف الواحد منهم خطفة مما يتفاوض فيه الملائكة، ويدور بينهم مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض. والخطف: الاختلاس مسارقة، وأخذ الشيء بسرعة. قرأ الجمهور {خطف} بفتح الخاء، وكسر الطاء مخففة، وقرأ قتادة، والحسن بكسرهما، وتشديد الطاء، وهي لغة تميم بن مرّ، وبكر بن وائل. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الخاء، وكسر الطاء مشددة. وقرأ ابن عباس بكسرهما مع تخفيف الطاء، وقيل: إن الاستثناء منقطع {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } أي: لحقه، وتبعه شهاب ثاقب: نجم مضيء، فيحرقه، وربما لا يحرقه فيلقي إلى إخوانه ما خطفه، وليست الشهب التي يرجم بها هي من الكواكب الثوابت بل من غير الثوابت، وأصل الثقوب: الإضاءة. قال الكسائي: ثقبت النار تثقب ثقابة، وثقوباً: إذا اتقدت، وهذه الآية هي كقوله: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } تفسير : [الحجر: 18]. {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا } أي: اسأل الكفار المنكرين للبعث أهم أشدّ خلقاً، وأقوى أجساماً، وأعظم أعضاء، أم من خلقنا من السماوات، والأرض، والملائكة؟ قال الزجاج: المعنى: فاسألهم سؤال تقرير أهم أشدّ خلقاً، أي: أحكم صنعة أم من خلقنا قبلهم من الأمم السالفة؟ يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقاً من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمنهم من العذاب؟ ثم ذكر خلق الإنسان، فقال: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } أي: إنا خلقناهم في ضمن خلق أبيهم آدم من طين لازب، أي: لاصق، يقال:لزب يلزب لزوباً: إذا لصق. وقال قتادة، وابن زيد: اللازب: اللازق. وقال عكرمة: اللازب: اللزج. وقال سعيد بن جبير: اللازب: الجيد الذي يلصق باليد. وقال مجاهد: هو اللازم، والعرب تقول: طين لازب، ولازم تبدل الباء من الميم، واللازم: الثابت كما يقال: صار الشيء ضربة لازب، ومنه قول النابغة:شعر : ولا تحسبون الخير لا شرّ بعده ولا تحسبون الشرّ ضربة لازب تفسير : وحكى الفراء عن العرب: طين لاتب بمعنى: لازم، واللاتب الثابت. قال الأصمعي: واللاتب اللاصق مثل اللازب. والمعنى في الآية: أن هؤلاء كيف يستبعدون المعاد، وهم مخلقون من هذا الخلق الضعيف، ولم ينكره من هو مخلوق خلقاً أقوى منهم، وأعظم، وأكمل، وأتمّ. وقيل: اللازب هو: المنتن قاله مجاهد، والضحاك. قرأ الجمهور {أم من خلقنا} بتشديد الميم، وهي: أم المتصلة، وقرأ الأعمش بالتخفيف، وهو استفهام ثان على قراءته. قيل: وقد قرىء لازم، ولاتب، ولا أدري من قرأ بذلك. ثم أضرب سبحانه عن الكلام السابق، فقال: {بَلْ عَجِبْتَ } يا محمد من قدرة الله سبحانه {وَيَسْخُرُونَ } منك بسبب تعجبك، أو ويسخرون منك بما تقوله من إثبات المعاد. قرأ الجمهور بفتح التاء من {عجبت} على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة، والكسائي بضمها. ورويت هذه القراءة عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، واختارها أبو عبيد، والفراء. قال الفراء: قرأها الناس بنصب التاء، ورفعها، والرفع أحبّ إليّ؛ لأنها عن عليّ، وعبد الله، وابن عباس. قال: والعجب أن أسند إلى الله، فليس معناه من الله كمعناه من العباد. قال الهروي: وقال بعض الأئمة: معنى قوله: {بَلْ عَجِبْتَ } بل جازيتهم على عجبهم؛ لأن الله أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الخلق كما قال: {أية : وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } تفسير : [صۤ: 4] وقالوا: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } تفسير : [صۤ: 5] {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } تفسير : [يونس: 2] وقال عليّ بن سليمان: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قل: يا محمد: بل عجبت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. قال النحاس: وهذا قول حسن، وإضمار القول كثير. وقيل: إن معنى الإخبار من الله سبحانه عن نفسه بالعجب أنه ظهر من أمره، وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين. قال الهروي: ويقال: معنى عجب ربكم، أي: رضي ربكم وأثاب، فسماه عجباً، وليس بعجب في الحقيقة، فيكون معنى {عجبت} هنا: عظم فعلهم عندي. وحكى النقاش: أن معنى {بل عجبت}: بل أنكرت. قال الحسن بن الفضل: التعجب من الله: إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب، وقيل: معناه: أنه بلغ في كمال قدرته، وكثرة مخلوقاته إلى حيث عجب منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها، والواو في {وَيَسْخُرُونَ } للحال، أي: بل عجبت، والحال أنهم يسخرون، ويجوز أن تكون للاستئناف. {وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } أي: وإذا وعظوا بموعظة من مواعظ الله، أو مواعظ رسوله لا يذكرون، أي: لا يتعظون بها،ولا ينتفعون بما فيها. قال سعيد بن المسيب، أي: إذا ذكر لهم ما حلّ بالمكذبين ممن كان قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا {وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً } أي: معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَسْتَسْخِرُونَ } أي: يبالغون في السخرية. قال قتادة: يسخرون، ويقولون: إنها سخرية، يقال: سخر، واستسخر بمعنى: مثل قرّ واستقرّ، وعجب واستعجب. والأوّل أولى، لأن زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى. وقيل: معنى {يستسخرون}: يستدعون السخرى من غيرهم. وقال مجاهد: يستهزئون {وَقَالُواْ إِن هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي: ما هذا الذي تأتينا به إلا سحر واضح ظاهر {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً } الاستفهام للإنكار، أي: أنبعث إذا متنا؟، فالعامل في "إذا" هو ما دلّ عليه {أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ }، وهو أنبعث، لأنفس مبعوثون، لتوسط ما يمنع من عمله فيه، وهذا الإنكار للبعث منهم هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل، وما نزل عليهم، واستهزءوا بما جاءوا به من المعجزات، وقد تقدّم تفسير معنى هذه الآية في مواضع. {أَوَ ءابَاؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } هو مبتدأ، وخبره محذوف، أي: أو آباؤنا الأوّلون مبعوثون، وقيل: معطوف على محل إن واسمها، وقيل: على الضمير في {مبعوثون} لوقوع الفصل بينهما، والهمزة للإنكار داخلة على حرف العطف، ولهذا قرأ الجمهور بفتح الواو، وقرأ ابن عامر، وقالون بسكونها على أن، "أو" هي العاطفة، وليست الهمزة للاستفهام. ثم أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب عنهم تبكيتاً لهم، فقال: {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دٰخِرُونَ } أي: نعم تبعثون، وأنتم صاغرون ذليلون. قال الواحدي: والدخور أشدّ الصغار، وجملة {وأنتم داخرون} في محل نصب على الحال. ثم ذكر سبحانه: أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، فقال: {فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } الضمير للقصة، أو البعثة المفهومة مما قبلها، أي: إنما قصة البعث، أو البعثة زجرة واحدة، أي: صيحة واحدة من إسرافيل بنفخه في الصور عند البعث: {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } أي يبصرون ما يفعل الله بهم من العذاب. وقال الحسن: هي: النفخة الثانية، وسميت الصيحة زجرة؛ لأن المقصود منها الزجر، وقيل: معنى {ينظرون}: ينتظرون ما يفعل بهم. والأوّل أولى. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } قال: الملائكة {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً } قال: الملائكة {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } قال: الملائكة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وعكرمة مثله. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أنه كان يقرأ "لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ " مخففة، وقال: إنهم كانوا يتسمعون، ولكن لا يسمعون. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {عَذابٌ وَاصِبٌ } قال: دائم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه أيضاً: إذا رمي الشهاب لم يخط من رمي به، وتلا {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } قال: لا يقتلون بالشهاب، ولا يموتون، ولكنها تحرق وتخبل وتجرح في غير قتل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {مِن طين لاَّزِبٍ } قال: ملتصق. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } قال: اللزج الجيد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: اللازب، والحمأ، والطين واحد: كان أوّله تراباً، ثم صار حمأ منتناً، ثم صار طيناً لازباً، فخلق الله منه آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: اللازب: الذي يلصق بعضه إلى بعض. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود: أنه كان يقرأ "بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ" بالرفع للتاء من عجبت.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {والصافات صفّاً} فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الملائكة، قاله ابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. الثاني: أنهم عبّاد السماء، قاله الضحاك ورواه عن ابن عباس. الثالث: أنهم جماعة المؤمنين إذا قاموا في صفوفهم للصلاة، حكاه النقاش لقوله تعالى {أية : صفّاً كأنهم بنيان مرصوص} تفسير : [الصف: 4]. ويحتمل رابعاً: أنها صفوف المجاهدين في قتال المشركين. واختلف من قال الصافات الملائكة في تسميتها بذلك على ثلاثة أقاويل: أحدها: لأنها صفوف في السماء، قاله مسروق وقتادة. الثاني: لأنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله تبارك وتعالى بما يريد، حكاه ابن عيسى. الثالث: لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم، قاله الحسن. قوله عز وجل: {فالزاجرات زجراً} فيه ثلاثة أقاول: أحدها: الملائكة، قاله ابن مسعود ومسروق وقتادة وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: آيات القرآن، قاله الربيع. الثالث: الأمر والنهي الذي نهى الله تعالى به عباده عن المعاصي، حكاه النقاش. ويحتمل رابعاً: أنها قتل المشركين وسبيهم. واختلف من قال إن الزاجرات الملائكة في تسميتها بذلك على قولين: أحدهما: لأنها تزجر السحاب، قاله السدي. الثاني: لأنها تزجر عن المعاصي قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {فالتاليات ذكراً} أي فالقارئات كتاباً، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الملائكة تقرأ كتب الله تعالى، قاله ابن مسعود والحسن وسعيد بن جبير والسدي. الثاني: ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم السالفة، قاله قتادة. الثالث: الأنبياء يتلون الذكر على قومهم، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {إنَّ إلهكم لواحد} كل هذا قَسَم أن الإِله واحد، وقيل إن القسم بالله تعالى على تقدير ورب الصافات ولكن أضمره تعظيماً لذكره. ثم وصف الإله الواحد فقال: {رب السموات والأرض وما بينهما} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خالق السموات والأرض وما بينهما، قاله ابن إسحاق. الثاني: مالك السموات والأرض وما بينهما. الثالث: مدبر السموات والأرض وما بينهما. {ورب المشارق} فيه وجهان: الأول: قال قتادة: ثلاثمائة وستون مشرقاً، والمغارب مثل ذلك، تطلع الشمس كل يوم من مشرق، وتغرب في مغرب، قاله السدي. الثاني: أنها مائة وثمانون مشرقاً تطلع كل يوم في مطلع حتى تنتهي إلى آخرها ثم تعود في تلك المطالع حتى تعود إلى أولها، حكاه يحيى بن سلام، ولا يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها، وخص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب.

ابن عطية

تفسير : أقسم تعالى في هذه الآية بأشياء من مخلوقاته واختلف الناس في معناها، فقال ابن مسعود ومسروق وقتادة: هي الملائكة التي تصف في السماء في عبادة الله وذكره صفوفاً وقالت فرقة: أراد كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير والجماعات الصافات. قال القاضي أبو محمد: واللفظ يحتمل أن يعم هذه المذكورات كلها، ومما أقسم به عز وجل {الزاجرات} واختلف الناس في معناها أيضاً فقال مجاهد والسدي: هي الملائكة التي تزجر السحاب وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، وقال قتادة: {الزاجرات} هي آيات القرآن المتضمنة النواهي الشرعية، وقوله {فالتاليات ذكراً} معناه القارئات، وقال مجاهد والسدي: أراد الملائكة التي تتلو ذكره، وقال قتادة: أراد بني آدم الذين يتلون كتبه المنزلة وتسبيحه وتكبيره ونحو ذلك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال، وهي قراءة ابن مسعود ومسروق والأعمش، وقرأ الباقون وجمهور الناس بالإظهار، وكذلك في كلها، قال أبو حاتم: والبيان اختيارنا وأما الحاملات وقرا والجاريات يسراً، فلا يجوز فيها الإدغام لبعد التاء من الحرفين، ثم بين تعالى المقسم عليه أنه توحيده وأنه واحد أي متحد في جميع الجهات التي ينظر فيها المفكر، ثم وصف تعالى نفسه بربوبيته جميع المخلوقات، وذكر {المشارق} لأنها مطالع الأنوار والعيون بها أكلف، وفي ذكرها غنية عن ذكر المغارب إذ معادلتها لها مفهومة عند كل ذي لب، وأراد تعالى مشارق الشمس وهي مائة وثمانون في السنة فيما يزعمون من أطول أيام السنة إلى أقصرها، ثم أخبر تعالى عن قدرته من تزيين السماء بالكواكب وانتظم في ذلك التزيين أن جعلها {حفظاً} وحرزاً من الشياطين المردة وهم مسترقو السمع، وقرأ جمهور القراء "بزينةِ الكواكب" بإضافة الزينة إلى "الكواكب"، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم "بزينةٍ الكواكبِ" بتنوين "زينة" وخفض "الكواكبِ" على البدل من الزينة وهي قراءة ابن مسعود ومسروق بخلاف عنه وأبي زرعة ابن عمر وابن جرير وابن وثاب وطلحة، وقرأ أبو بكر عن عاصم "بزينةٍ" بالتنوين "الكواكبَ" بالنصب وهي قراءة ابن وثاب وأبي عمرو والأعمش ومسروق، وهذا في الإعراب نحو قوله عز وجل: {أية : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة} تفسير : [البلد: 14]. وحكى الزهراوي قراءة "بزينةٍ" بالتنوين "الكواكبُ" بالرفع، و"المارد" المتجرد للشر ومنه شجرة مرداء لا ورق عليها، ومنه الأمرد وخص تعالى السماء الدنيا بالذكر لأنها التي تباشر بأبصارنا وأيضاً فالحفظ من الشيطان إنما هو فيه وحدها، {وحفظاً} نصب على المصدر وقيل مفعول من أجله والواو زائدة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالصَّآفَّاتِ} الملائكة صُفُوفاً في السماء، أو في الصلاة عند ربهم "ح" أو صافة أجنحتها في الهواء قائمة حتى يأمرها الله ـ تعالى ـ بما يريد، أو هم عباد السماء أو جماعة المؤمنين صافِّين في الصلاة والقتال.

النسفي

تفسير : {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } أقسم سبحانه وتعالى بطوائف الملائكة، أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة. فالزاجرات الحساب سوقاً أو عن المعاصي بالإلهام، فالتاليات لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها وهو قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد؛ أو بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه. أو بنفوس الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد وتتلو الذكر مع ذلك. و {صَفَّا } مصدر مؤكد وكذلك {زَجْراً } والفاء تدل على ترتيب الصفات في التفاضل فتفيد الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو على العكس. وجواب القسم {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } قيل: هو جواب قولهم {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً }تفسير : [ص: 5] {أية : رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب {وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ } أي مطالع الشمس وهي ثلثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب منها ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما{أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } تفسير : [الرحمن: 17] فإنه أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، وأما {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [المزمل: 9] فإنه أراد به الجهة فالمشرق جهه والمغرب جهة. {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءض ٱلدُّنْيَا } القربى منكم تأنيث الأدنى {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } حفص وحمزة على البدل من {زينة} والمعنى إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب، {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } أبو بكر على البدل من محل {بزينة} أو على إضمار أعني أو على إعمال المصدر منوناً في المفعول، {بِزِينَة ٱلْكَوٰكِبِ } غيرهم بإضافة المصدر إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وأصله بزينةٍ الكواكبُ أو على إضافته إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها وأصله {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبَ} لقراءة أبي بكر {وَحِفْظاً } محمول على المعنى لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين كما قال {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ }تفسير : [الملك: 5] أو الفعل المعلل مقدر كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان قد زيناها بالكواكب، أو معناه حفظناها حفظاً {مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } خارج من الطاعة. والضمير في {لاَ يَسَّمَّعُونَ } لكل شيطان لأنه في معنى الشياطين، {يَسَّمَّعون} كوفي غير أبي بكر، وأصله «يتسمعون» والتسمع تطلب السماع يقال: تسمع فسمع أو فلم يسمع. وينبغي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمعوا. وقيل: أصله لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في «جئتك أن تكرمني» فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها كما في قوله: شعر : > ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى تفسير : وفيه تعسف يجب صون القرآن عن مثله، فإن كل واحد من الحذفين غير مردود على انفراده ولكن اجتماعهما منكر. والفرق بين «سمعت فلاناً» يتحدث و «سمعت إليه يتحدث» و «سمعت حديثه» و «إلى حديثه»، أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى بـ «إلى» يفيد الإصغاء مع الإدراك {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } أي الملائكة لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض {وَيُقْذَفُونَ} يرمون بالشهب {مِن كُلِّ جَانِبٍ} من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للإستراق {دُحُوراً } مفعول له أي ويقذفون للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى فكأنه قيل: يدحرون أو قذفاً {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } دائم من الوصوب أي أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب وقد أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع. و «من» في {إِلاَّ مَنْ } في محل الرفع بدل من الواو في {لا يسمعون} أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي {خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } أي سلب السلبة يعني أخذ شيئاً من كلامهم بسرعة {فَأَتْبَعَهُ } لحقه {شِهَابٌ } أي نجم رجم {ثَاقِبٌ } مضيء. {فَٱسْتَفْتِهِمْ } فاستخبر كفار مكة {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } أي أقوى خلقاً من قولهم شديد الخلق وفي خلقه شدة، أو أصعب خلقاً وأشقه على معنى الرد لإنكارهم البعث، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون {أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما. وجيء بـ «من» تغليباً للعقلاء على غيرهم ويدل عليه قراءة من قرأ «أم من» عددنا بالتشديد والتخفيف. {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ } لاصق أو لازم وقرىء به، وهذا شهادة عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا أئذا كنا تراباً؟ وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث {بَلْ عَجِبْتَ } من تكذيبهم إياك {وَيَسْخُرُونَ } هم منك ومن تعجبك، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث، {بَلْ عَجِبْتَ } حمزة وعلي أي استعظمت، والعجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء فجرد لمعنى الاستعظام في حقه تعالى لأنه لا يجوز عليه الروعة، أو معناه قل يا محمد بل عجبتُ {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. {وَإِذَا رَأَوْاْ ءَايَةً } معجزة كانشقاق القمر ونحوه {يَسْتَسْخِرُونَ } يستدعي بعضهم بعضاً أن يسخر منها أو يبالغون في السخرية. {وَقَالُواْ إِن هَـٰذَا } ما هذا {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر {أَءِذَا } استفهام إنكار {مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } أي أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً {أوَ آبَاؤُنَا} معطوف على محل «ان» واسمها، أو على الضمير في { مَّبْعُوثُونَ } والمعنى أيبعث أيضاً آباؤنا على زيادة الاستبعاد يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل. {أَو آباؤنا} بسكون الواو: مدني و شامي أي أيبعث واحد منا على المبالغة في الإنكار {ٱلأَوَّلُونَ } الأقدمون {قُلْ نَعَمْ } تبعثون {نِعْم} علي وهما لغتان {وَأَنتُمْ دٰخِرُونَ } صاغرون {فَإِنَّمَا هِىَ } جواب شرط مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي إلا {زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } و «هي» لا ترجع إلى شيء إنما هي مبهمة موضحها خبرها، ويجوز فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية. والزجرة الصيحة من قولك زجر الراعي الإبل أو الغنم إذا صاح عليها {فإذاهم} أحياء بصراء {هُمْ يَنَظُرُونَ } إلى سوء أعمالهم أو ينتظرون ما يحل بهم {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا } الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } أي اليوم الذي ندان فيه أي نجازي بأعمالنا {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلال {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } ثم يحتمل أن يكون {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } إلى قوله {ٱحْشُرُواْ } من كلام الكفرة بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } من كلام الكفرة و {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } من كلام الملائكة جواباً لهم. {ٱحْشُرُواْ } خطاب الله للملائكة {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا {وَأَزْوٰجَهُمْ } أي وأشباههم وقرناءهم من الشياطين أو نساءهم الكافرات، والواو بمعنى «مع» وقيل: للعطف. وقرىء بالرفع عطفاً على الضمير في {ظَلَمُواْ } {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي الأصنام {فَٱهْدُوهُمْ } دلوهم، عن الأصمعي: هديته في الدين هدىً وفي الطريق هداية {إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } طريق النار {وَقِفُوهُمْ} احبسوهم {إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} عن أقوالهم وأفعالهم { مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ } أي لا ينصر بعضكم بعضاً، وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا متناصرين في الدنيا. وقيل: هو جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر نحن جميع منتصر، وهو في موضع النصب على الحال أي ما لكم غير متناصرين {بَلْ هُمْ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } منقادون أو قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله عن عجر وكلهم مستسلم غير منتصر. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي التابع على المتبوع {يَتَسَآءَلُونَ } يتخاصمون {قَالُواْ } أي الأتباع للمتبوعين {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } عن القوة والقهر إذ اليمين موصوفة بالقوة وبها يقع البطش أي أنكم كنتم تحمولننا على الضلال وتقسروننا عليه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {والصافات صفاً} قال ابن عباس هم الملائكة يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة (م) عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف" تفسير : لفظ أبي داود, وقيل هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد وقيل أراد بالصافات الطير تصف أجنحتها في الهواء {فالزاجرات زجراً} يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه وقيل هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبيح {فالتاليات ذكراً} يعني الملائكة يتلون ذكر الله تعالى وقيل هم قرَّاء القرآن وهذا كله قسم أقسم الله عز وجل بهذه الأشياء وقيل فيه إضمار تقديره ورب الصافات والزاجرات والتاليات وجواب القسم قوله تعالى: {إن إلهكم لواحد} وذلك أن كفار مكة قالوا أجعل الآلهة إلهاً واحداً فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على شرف ذواتها وكمال مراتبها والرد على عبدة الأصنام في قولهم ثم وصف نفسه فقال تعالى: {رب السموات والأرض وما بينهما} يعني أنه المالك القادر العالم المنزه عن الشريك. وقوله {ورب المشارق} قيل أراد والمغارب فاكتفى بأحدهما قال السدي المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً وكذلك المغارب فإن الشمس تطلع كل يوم في مشرق وتغرب في مغرب. فإن قلت قد قال في موضع آخر رب المشرق ورب المغربين وقال رب المشرق والمغرب فكيف وجه الجمع بين هذه الآيات. قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب وأراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وبالمغربين مغرب الصيف ومغرب الشتاء وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي وقيل كل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب وقيل أراد مشارق الكواكب. قوله تعالى: {إنا زينا السماء الدنيا} يعني التي تلي الأرض وهي أدنى السموات إلى الأرض {بزينة الكواكب} قال ابن عباس بضوء الكواكب لأن الضوء والنور من أحسن الصفات وأكملها ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس, وقيل زينتها أشكالها المتناسبة والمختلفة في الشكل كشكل الجوزاء وبنات نعش وغيرها. وقيل إن الإنسان إذا نظر في الليلة المظلمة إلى السماء ورأى هذه الكواكب الزواهر مشرقة متلألئة على سطح أزرق نظر غاية الزينة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {والصافات صفاً} وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس {بزينة} منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل {الكواكب} بالنصب: أبو بكر وحماد. الباقون: بالجر {لا يسمعون} بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم. {بل عجبت} بالضم: حمزة وعلي وخلف. الآخرون: بالفتح على الخطاب {آيذا} بالمد والياء {إنا} بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد. الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" {أو آباؤنا} مثل {أو أمن أهل القرى} [الأعراف: 98] وكذلك في "الواقعة" {لا تناصرون} بالتشديد البزي وابن فليح {أئنا} {أئنك} {أئفكا} مثل {ائنكم} في "الأنعام" {ينزفون} بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الآخرون: بفتح الزاي {لترديني} بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل. الوقوف: {صفا} ه لا {زجراً} ه لا {لواحد} ه ط {المشارق} ه ط {الكواكب} ه لا {مارد} ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي. وعليه بحث يجيء في التفسير {واصب} ه لا {ثاقب} ه ج {خلقنا} ط {لازب} ه {ويسخرون} ه ص {لا يذكرون} ه ص {يستسخرون} ه ص{مبين} ه ج {لمبعوثون} ه لا {الأوّلون} ه ط {داخرون} ه {ينظرون} ه {الدين} ه {تكذبون} ه {يعبدون} ه لا {الجحيم} ه {مسؤولون} ه لا لأن المسؤول عنه قوله {ما لكم لا تناصرون} ه {مستسلمون} ه {يتساءلون} ه {اليمين} ه {مؤمنين} ه ج {سلطان} ج للعدول مع اتفاق الجملتين {طاغين} ه {لذائقون} ه {غاوين} ه {مشتركون} ه {بالمجرمين} ه {يستكبرون} ه {مجنون} ه ط {المرسلين} ه {الأليم} ه ج {تعملون} ه لا {المخلصين} ه {معلوم} ه {فواكه} ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف {مكرمون} ه لا {النعيم} ه لا {متقابلين} ج {معين} ه لا {للشارين} ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً {ينزفون} ه {عين} ط {مكنون} ج {يتساءلون} ه {قرين} ه {المصدّقين} ه {لمدينون} ه {مطلعون} ه {الجحيم} ه {لتردين} ه {المحضرين} ه {بميتين} ه لا {بمعذبين} ه {العظيم} ه {العالمون} ه {الزقوم} ه {للظالمين} ه {الجحيم} ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة {الشياطين} ه {البطون} ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار {حميم} ه {الجحيم} ه ج {ضالين} ه لا للعطف مع اتصال المعنى {يهرعون} ه {الأوّلين} ه {منذرين} ه {المنذرين} ه لا {المخلصين} ه {المجيبون} ه ز {العظيم} ه ز {الباقين} ه ز {في الآخرين} ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية {العالمين} ه {المحسنين} ه {المؤمنين} ه {الآخرين} ه. التفسير: إنه سبحانه بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله سبحانه، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف. قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟ وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير. ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة. وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله تعالى. والصف ترتيب الشيء على نسق. الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين. قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة. والزجر سوق السحاب. قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب. وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم. والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء. والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية. الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها. أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله {أية : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً}تفسير : [الصف: 4] والزجرة والصيحة سواء. والمراد رفع الصوت بزجر الخيل. وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله. يحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء. الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات. وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر. والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه. ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: شعر : الصابح فالغانم فالآيب تفسير : كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب. مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة. وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله {أية : والطير صافات} تفسير : [النور: 41] والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله. أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى. وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه. والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل. ثم إنه سبحانه لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال {رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق} فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها. وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81]. ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان. والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة. ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله تعالى الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر. وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع {الكواكب} بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة. ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء. ومن قرأ باتنوين {زينة} وجر {الكواكب} فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين {زينة} ونصب {الكواكب} فعلى أنه بدل من محل {بزينة} أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة. قوله {وحفظاً} فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين. وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب. وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم. تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً. قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد صلى الله عليه وسلم بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم. قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه. وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟ وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟ والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر. فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه. ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله. والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق. والضمير في قوله {لا يسمعون} لكل شيطان لأنه في معنى الجمع. والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى. وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي. قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون. لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع. قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا. ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: شعر : ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى تفسير : ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات. قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن". والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات. وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة. وعنه: الكتبة من الملائكة. والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً. وقوله {من كل جانب} أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب. وقيل: من كل الجوانب. {دحوراً} أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً. ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله {أية : مذموماً مدحوراً} تفسير : [الإسراء: 18] {ولهم} أي للشياطين {عذاب واصب} دائم وقد مر في النحل في قوله {أية : وله الدين واصباً}تفسير : [النحل: 52] يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع {إلا من خطف} في محل الرفع بدلاً من الواو في {لا يسمعون} أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة. وقيل: وثب وثبة. وقيل: الاستثناء منقطع خبره {فأتبعه} أي أتبعه ورمى في أثره {شهاب ثاقب} مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا. وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون. وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك. وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة. وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية. أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله {فاستفتهم} أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم. وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية. والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله {خلقنا} إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون. وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله {إنا خلقناهم من طين لازب} أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر. وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن. ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله تعالى باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها. وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة. ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال {بل عجبت} من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث {و} هم {يسخرون} من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه. ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء. وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء. وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت. سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله تعالى غير منكر. سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه تعالى محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية {أية : وإن تعجب فعجب قولهم} تفسير : [الرعد: 5]. عند من يرى أن العجب من الله. وقد جاء في الحديث "حديث : يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة"تفسير : . وقال أيضاً: "حديث : عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته"تفسير : . والألّ التضرع. ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون. {وإذا رأوا آية} بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات {يستسخرون} يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر. فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث. قوله {أو آباؤنا} من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في {مبعوثون} وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟ يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد. وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله سبحانه بقوله {قل نعم} تبعثون {وأنتم داخرون} صاغرون أذلاء. وإذا كان كذلك {فإنما هي} أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره {زجرة} واحدة يعني صيحة النفخة الثانية {فإذا هم ينظرون} أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم. {وقالوا يا ويلنا} الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله {تكذبون} يقوله الكفرة فيما بينهم. وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله {يا ويلنا} ثم قال الله أو الملائكة {هذا يوم الدين} الجزاء والحساب {هذا يوم الفصل} القضاء والفرق بين المحسن والمسيء {احشروا الذين ظلموا} بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم. وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم {وأزواجهم} أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب. وقيل: قرناءهم من الشياطين. وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم. {وما كانوا يعبدون من دون الله} من الأصنام {فاهدوهم} ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم {إلى صراط الجحيم} وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك {وقفوهم} اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر {ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون} قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله. وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة. ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم {قالوا} لرؤسائهم {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً. كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح. فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله. قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير. ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور. الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم. الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم. الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال. وكما أن الضمير في {قالوا} الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في {قالوا} الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة. والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا. {وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً} مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس {أية : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم} تفسير : [إبراهيم: 22] {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون} قال مقاتل: أراد قوله: {أية : لأملأن جهنم}تفسير : [الأعراف: 18] والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب. قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع {فأغويناكم إنا كنا غاوين} أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله {فحق علينا قول ربنا} هذا تفسير أهل السنة. وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: {بل لم تكونوا مؤمنين} أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة {فأغويناكم} فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا. وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله {فإنهم} جميعاً {يومئذ} أي يوم القيامة {في العذاب مشتركون} كما كانوا مشتركين في الغواية. ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء {إنا كذلك} أي مثل ذلك الفعل {نفعل} بكل مجرم أي كافر بدليل قوله {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر {يستكبرون} و"إذا" ظرفه. {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} عنوا محمداً صلى الله عليه وسلم بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله {بل جاء} متلبساً {بالحق وصدّق المرسلين} وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم {فحق علينا قول ربنا} ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً {إنكم لذائقوا العذاب الأليم} ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال {وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون} فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه. والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل. قال جار الله {إلا عباد الله} استثناء منقطع أي لكن عباد الله {المخلصين أولئك لهم رزق} قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف. ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله {إنكم} للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم. قوله {معلوم} قيل: أي معلوم الوقت كقوله {أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}تفسير : [مريم: 62] وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر. وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم. وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع. ثم فسر ذلك الرزق بأنه {فواكه} فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة. وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور. وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال {وهم مكرمون} إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم. وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال {في جنات النعيم على سرر متقابلين} وقد مر في "الحجر". ثم وصف مشروبهم. قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً. عن الأخفش: شعر : كل كأس في القرآن فهي الخمر تفسير : وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء. وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب. وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه. واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء. وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن. {ولذة} إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث. اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول. يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله {ولا هم عنها ينزفون} أي يسكرون. وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر. يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله. والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء. وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف. وعن بعضهم أن معنى قوله {ولا هم عنها ينزفون} هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار. والأوّلون حملوه على المبالغة. ثم وصف منكوحهم بقوله {وعندهم قاصرات الطرف} أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله {أية : عرباً} تفسير : [الواقعة: 37] والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين. ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور. ثم عطف على قوله {يطاف} قوله قوله {فأقبل} وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله تعالى في الأخبار. ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار. والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة. قال بعضهم: شعر : وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام تفسير : وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية {قال قائل منهم} أي من أهل الجنة {إني كان لي قرين} جليس أو شريك في الدنيا {يقول أئنك لمن المصدقين} أي بيوم الدين {أئنا لمدينون} لمجزيون من دان يدين إذا جزى. وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "حديث : الكيس من دان نفسه"تفسير : وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله {أية : واضرب لهم مثلاً رجلين} تفسير : [الآية: 32] {قال} يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة {هل أنتم مطلعون} إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها. عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار {فاطلع} على أهل النار فرأى قرينه {في سواء الجحيم} وسطها {قال} لقرينه {تالله إن كدت لتردين} "إن" مخففة واللام فارقة. والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي. والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح {أية : فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم} تفسير : [الأعراف: 79] إلى آخر الآية والله أعلم. ثم شكر الله تعالى على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن. وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً {أفما نحن بميتين} وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب. وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله سبحانه واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول. أفيدوم هذا لي؟ وإن كان على يقين من دوامه. وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً. احتج نفاة عذاب القبر بقوله {إلا موتتنا الأولى} فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين. وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا. وقوله {إن هذا لهو الفوز العظيم} يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله {لمثل هذا فليعمل العاملون} ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق {خير نزلاً أم شجرة الزقوم} قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل. فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم. ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك. وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة. وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله {إنا جعلناها فتنة للظالمين} وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله تعالى وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم} تفسير : [التوبة: 125] وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله {أية : يوم هم على النار يفتنون}تفسير : [الذاريات: 13] وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر. وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم. وذكر بقية أوصاف الشجرة منها {إنها تخرج في أصل الجحيم} اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر. ومنها {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً. وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم. الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح. الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين. الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة. ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به. ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله {فإنهم لآكلون منها} أي من طلعها {فمالؤن منها البطون} أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله سبحانه في قوله {أية : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه}تفسير : [الكهف: 29] والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة {أية : ومزاجه من تسنيم}تفسير : [المطففين: 27] وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم. ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير. قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله {ثم إن مرجعهم} أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار. وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها. وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار. وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم. ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد. والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى. ثم اراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم إجمالاً بقوله {ولقد ضل قبلهم} أي قبل قومك {أكثر الأوّلين} ثم استثنى من قوله {ولقد ضل} أو {من المنذرين} المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة. ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح عليه السلام لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله {أية : رب انصرني بما كذبون}تفسير : [المؤمنون: 26] أو قوله {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] واللام الداخلة على {نعم} جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في {فلنعم} دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة. والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب. وفي قوله {هم الباقين} بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا. روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث. فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي {سلام على نوح} ومعنى {في العالمين} أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة. ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن. ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً. وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال {ثم أغرقنا الآخرين} أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح. التأويل: {والصافات} إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر {فالزاجرات} هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله {فالتاليات ذكراً} هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات. رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع. السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية {طين لازب} أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: {وقفوهم إنهم مسؤولون} للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام. فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف. والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "حديث : إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم اي رب. ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا! وكذا!؟ فيقول: نعم. ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته"تفسير : {إلا موتتنا الأولى} وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار. {لمثل هذا فليعمل العاملون} بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) شعر : على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ تفسير : ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم} وفي قوله {كأنه رؤوس الشياطين} دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين {سلام على نوح في العالمين} أنه تعالى سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم". وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله سبحانه وتعالى.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفًّا} الآية، أقْسَمَ تعالى في هذه الآية بأشْيَاءَ مِنْ مخلوقاتِه، قالَ ابنُ مسعودٍ وغيرُه: «الصافات» هي الملائكة تَصُفُّ في السماءِ في عبادةِ اللَّه عز وجل. وقالت فرقة: المرادُ: صفوفُ بني آدم في القتال في سبيل اللَّهِ، قال * ع *: واللفظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هذه المذكوراتِ كلَّها، قال مجاهد: «وَالزاجِرات» هي الملائكة تَزْجُرُ السحابَ وغير ذلك من مخلوقاتِ اللَّه تعالى، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن، و«التاليات ذِكْراً» معناه: القارئات، قال مجاهد: أراد الملائكة التي تَتْلُو ذِكره، وقال قتادة: أراد بني آدم الذين يَتْلُونَ كُتُبَهُ المنزلةَ وتسبيحَه وتكبيرَه ونحوَ ذلك، والمُقْسَمُ عليه: قولهُ: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}. وقوله: {مَّارِدٍ} قال العراقيُّ: مَارِدٌ سُخِطَ عَلَيْهِ، وهكذا {أية : مَّرِيدٍ} تفسير : [الحج:3] انتهى؛ وهَذَا لَفْظُهُ، والمَلأ الأعلى: أهلُ السَّمَاءِ الدنيا فما فوقها، وسُمِّيَ الكُلُّ منهم أعْلٰى؛ بالإضَافَةِ إلى ملإ الأرْضِ الذي هو أسفلُ، والضمير في {يَسَّمَّعُونَ} للشياطين، وقرأ حمزة، وعاصم في رواية حفص: «لا يَسَّمَّعُونَ»، ـــ بشد السين والميم ـــ، بمعنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فينتفي على قراءة الجمهورِ سَمَاعُهُمْ، وإن كانوا يستمعون؛ وهو المعنى الصحيحُ، ويعْضُدُه قولهُ تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }تفسير : [الشعراء:212] {وَيَقْذِفُونَ} معناه: يُرْجَمُونَ، والدَّحُورُ: الإصْغار والإهانَةُ، لأن الدَّحْرَ هو الدَّفْعُ بِعُنْفٍ، وقال البخاريُّ: {وَيَقْذِفُونَ} يُرْمَوْنَ و{دُحُوراً} مُطْرَدِين، وقال ابن عباسٍ: «مدحوراً» مَطْرُوداً، انتهى، والوَاصِبُ: الدائم؛ قاله مجاهد وغيره، وقال أبو صالح: الواصبُ: المُوجِعُ، ومنه الوَصَبُ، والمعنى: هذه الحالُ هي الغالبةُ على جميع الشياطين إلا مَنْ شَذَّ فَخَطَفَ خَبَراً أو نَبَأً، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} فأحرقَه، والثَّاقِبُ، النافِذُ بضوئه وشعاعِه المنير؛ قاله قتادة وغيره.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} قرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء من "الصَّافَّاتِ" و "الزَّاجِرَاتِ" و"التَّالِيَاتِ" في صاد "صفاً" وزاي "زجراً" وذال "ذكراً"، وكذلك فعلا في {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} تفسير : [الذاريات:1] وفي {أية : فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً } تفسير : [المرسلات:5]، وفي {أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} تفسير : [العاديات:1] بخلافٍ عن خَلاَّدٍ في الأخيرين وأبو عمرو جار على أصله في إدغام المتقاربين كما هو المعروف من أصله، وحمزة خارج عن أصله. والفرق بين مذهبيهما أن أبا عمرو يجيز الروم وحمزة لا يجيزه وهذا كما اتفقا في إِدْغَام {أية : بَيَّتَ طَآئِفَةٌ} تفسير : [النساء:81] وإن كان ليس من أصل حمزة إدغام مثله. وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك. قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طَرَف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصّفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص. وأيضاً إدغام التاء في الزاي في قوله: {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وأيضاً حَسُنَ إدغام التاء في الذال في قوله: {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} لاتفاقهما في أنهما من طَرَفِ اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار فلاختلاف المَخَارج ومفعول "الصَّافَّاتِ" "والزَّاجِرَاتِ" غير مراد إذ المعنى الفاعلات لذلك. وأعرب أبو البقاء "صَفًّا" مفعولاً به على أنه قد يقع على المصفوف. وهذا ضعيف، وقيل: وهو مراد والمعنى والصافات أنفسها وهم الملائكة، أو المجاهدون أو المصلون أو الصافات أجنحتها وهي الطير، كقوله: {أية : وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} تفسير : [النور: 41] والزاجرات: السحاب أو العصاة إن أريد بهم العلماء، والزجر الدفع بقوة وهو قوة التصويت وأنشد: شعر : 4189- زَجْر أبِي عُرْوَةَ السِّبَاعَ إِذَا أشْفَق أَنْ يَخْتَلِطْنَ بالغَنَم تفسير : وَزَجرت الإبِلَ والغَنَمَ إذَا فَزِعَتْ مِنْ صَوْتِكَ. وأما "والتَّالِيَاتِ" فيجوز أن يكون "ذكراً" مفعوله، والمراد بالذكر القرآن وغيره من تسبيح وتحميدٍ، ويجوز أن يكون "ذكراً" مصدراً أيضاً من معنى التَّالِيَاتِ، وهذا أوفق لما قبله. قال الزمخشري: الفاء في "فالزاجرات" (وفي) فالتاليات إما أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله: شعر : 4190- يَا لَهْفَ زيَّابَة لِلْحَارِث الصْـ صَابِحِ فَالغَانِمِ فَالآيِب تفسير : أي الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله (صلى الله عليه وسلم): "حديث : رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فَالمُقَصِّرِينَ" تفسير : فأما هنا فإن وجدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، فإذا كان الموحد الملائكة فيكون الفضل للصف ثم للزجر، ثم للتلاوة وعلى العكس وإن ثَلَّثْتَ الموصوف فترتب في الفضل، فيكون "الصافات" ذوات فضل والزاجرات أفضل (و التاليات أبهر فضلاً أو على العكس يعني بالعكس في الموضعين أنك ترتقي من أفضل) إلى فاضل إلى مفضول أو تبدأ بالأدنى ثم بالفاضل ثم بالأفضل. والواو في هذه للقسم، والجواب قوله: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}. وقد ذكر الكلام في الواو (و) الثانية والثالثة هي للقسم أو للعطف. فصل قال ابن عباس والحسن وقتادة: والصَّافَّات صفًّا هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ"؟ قُلْنَا: وَكَيْفَ تصفُّ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ: "يُتمُّونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ تفسير : . وقيل: هم الملائكة تصُفُّ أجْنِحَتَهَا في الهواء واقفة حتى يأمر(ها) الله بما يريد، وقيل: هي الطير لقوله تعالى "والطّير صَافَّاتٍ" "فالزاجرات زجراً" يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبيح "فالتاليات ذكراً" هم الملائكة يتلون ذكر الله وقيل: هم جماعة قُرَّاء القرآن، وهذا كله قسم، وقيل: فيه إضمار، أي ورَبِّ الصّافّاتِ والزاجرات والتاليات. فصل قال أبو مسلم الأصفهاني لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مُشْعِرَةٌ بالتأنيث والملائكة مبرأون عن هذه الصفة، وأجيب بوجهين: الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة، ثم يجمع على صافات. والثاني: أنهم مبرأون عن التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة. فصل اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين: أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لِنَهْيِهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بغير الله تعالى ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى ومما يؤكِّد هذا أنه تعالى صرح به في قوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} تفسير : [الشمس:5-7] الثاني: أن المقسم به هو هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلافُ الدليل وأما قوله تعالى: {وَمَا بَنَاهَا} فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف عليه القسم بالباء في السماء ولو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التَّكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز وأيضاً لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذَوَاتِهَا. فإن قيل: ذكر الحَلِف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو عند الكافر. والأول باطل لأن المؤمن مُقرٌّ به من غير حلف. والثاني: باطل لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا الحلف عديم الفائدة على كلّ تقدير. الثالث: أنه تعالى أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق فقال: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} تفسير : [الذاريات:1] إلى قوله: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} تفسير : [الذاريات:5، 6]. وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لايليق بالعقلاء. فالجواب: من وجوه: الأول: أنه قَر‍َّر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيداً لم تقدم لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب. الثاني: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى: {إن إلهكم لواحد} ذكر عقيبه ما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحداً وهو قوله تعالى: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} وذلك لأنه تعالى بين في قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الانبياء:22] أنَّ انتظام أحوال السماوات والأرض يدل على أن الإلهَ واحدٌ فههنا لما قال: {إنَّ إلهكم لواحد} أردفه: {رَبُّ السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق} كأنه قيل: بيَّنَّا أن النظر في انتظام هذه العالم يدل على كون الإله واحداً فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد. الثالث: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم: بأنها آلهة فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والرَّكَاكَة إلى حيث يكفي في إبطاله مثلُ هذه الحُجَّة. قوله: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ} يجوز يكون خبراً ثانياً، وأن يكون بدلاً من "لَوَاحِدٌ" وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وجمع المشارق والمغارب باعتبار جميع السنة فإن للشمس ثلثمائةٍ وستين مشرِقاً وثلثمائة وستين مغرباً، وأما قوله: "المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ" فباعتبار الصَّيْفِ والشِّتَاءِ، وقيل: المراد بالمشارق مشارق الكواكب، لأن لكل كوكب مشرقاً ومغرباً، (وقيل: كل موضع شرقت عليه الشمس فو مشرق وكل موضع غربت عليه الشمس فهو مغرب كأنه أراد رب جميع ما شرقت عليه الشمسُ وغربت). فإن قيل: لم اكتفى بذكر المشارق؟. فالجواب: من وجهين: الأول: أراد المشارق والمغارب كما قال في موضع آخر: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} تفسير : [المعارج:40] وأنه اكتفى بذكر المشارق كقوله: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل:81]. والثاني: أن الشروق قوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر المشرق بينهما على كثرة إحسان الله تعالى على عباده. ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - بالمشرق فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ} تفسير : [البقرة:258]. فصل دَلّ قوله تعالى: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد، لأن أَعْمَالَ العباد موجودة فيما بين السموات والأرض وهذه الأية دلت على أن كل ما حصل بين السموات والأرض فاللَّه ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله. فإن قيل: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلاً في حَيِّزٍ وجهةٍ والأعراض ليست كذلك. قلنا: إنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي أيضاً حاصلة بين السموات والأرض.

البقاعي

تفسير : قال تعالى: {والصافات} أي الجماعات من الملائكة والمصلين والمجاهدين المكملين أنفسهم بالاصطفاف في الطاعة، فهو صفة لموصوف محذوف مؤنث اللفظ، وعدل عن أن يقول: "الصافين" القاصر على الذكور العقلاء ليشمل الجماعات من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش وغيرها، إشارة إلى أنه لا يؤلف بين شيء منها ليتحد قصده إلا واحد قهار، وأنه ما اتحد قصد شيء منها إلا استوى صفة، ولا اعتدل صفة إلا اتحد زجره وهو صياحه، ولا اتحد زجره إلا اتحد ما يذكره بصوته، ولا اتحد منه ذلك إلا نجح قصده واتضح رشده بدليل المشاهدة، وأدلها أن الصحابة رضي الله عنهم لما اتحد قصدهم في إعلاء الدين وهم أضعف الأمم وأقلها عدداً لم يقم لهم جمع من الناس الذين لا نسبة لهم إليهم في قوة ولا كثرة، ولم ينقص صفهم، وجرح القلوب وأبارها زجرهم، وشرح الصدور وأنارها ذكرهم، كما أشار إليه تعالى آخر هذه السورة بقوله {وإن جندنا لهم الغالبون} وكذا غير الآدميين من الحيوانات كما يرى من الفار والجراد إذا أراد الله تعالى اتحاد قصده في شيء فإنه يغلب فيه من يغالبه، ويقهر من يقاويه أو يقالبه، فبان أن الخير كله ما أريد بالقسم، واتحد جداً بالمقسم عليه والتأم والتحم به أيّ التحام، وانتظم معناهما كل الانتظام. ولما كان التأكيد بالمصدر أدل على الوحدة المرادة قال: {صفاً *} وهو ترتيب الجمع على خط. ولما كان توحد القصد موجباً للقوة المهيئة للزجر، وكان تكميل الغير مسبباً عن تكميل النفس، ومرتباً عليه، وأشرف منه لو تجرد عن التكميل، وكان التكميل إنما يتم أمره ويعظم أثره مع الهيبة "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد" قال عاطفاً بالفاء: {فالزاجرات} أي المنتهرات عقب الصف كل من خرج عن أمر الله {زجراً} أي انتهاراً بالمواعظ وغيرها تكميلاً لغيرهم. ولما كانت الإفاضة مسببة عن حسن التلقي المسبب عن تفريغ البال المسبب عن هيبة المفيد، وكان فيض التلاوة أعظم الفيض قال: {فالتاليات} أي التابعات استدلالاً على قولهم وفعلهم وتمهيداً لعذرهم وتشريفاً لقدرهم، وتكميلاً لغيرهم: {ذكراً} أي موعظة وتشريفاً وتذكيراً من ذكر ربهم إفاضة على غيرهم من روح العلم وإدغام التاء في الصاد والزاي والذال إشارة إلى أن ذلك مع هوله وعظمه قد يخفى عن غير من يريد الله إطلاعه عليه، فقد قطعت الصيحة قلوب الكفرة من ثمود وغيرهم، ولم تؤثر فيمن آمن منهم، وقد كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي به من القرآن والصحابة رضي الله عنهم حوله لا يستمعون شيئاً منه - والله الموفق {إن إلهكم} أي الذي اتخذتم من دونه آلهة {لواحد *} أي فإن التفرق لا يأتي بخير، لما يصحبه من العجز البعيد جداً عن الكمال الذي لا تكون الإلهية أصلاً إلا معه، فإليه لا إلى غيره ترجعون ليفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وهو الذي أنزل هذا الكتاب بعزته ورحمته وحرسه من اللبس وغيره بما سيذكر من كبريائه وعظمته ولو لم يكن واحداً لاختل أمر هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة، وما يترتب عليها، فاختل نظام هذا الوجود الذي نشاهده كما نشاهد في أحوال الممالك عند اختلاف الملوك في تغيير العوائد ونسخ الشرائع التي كان من قبلها أطدها وجميع ما له من الآثار والخصائص، ونحن نشاهد هذا الوجود على ما أحكمه سبحانه وتعالى لا يتغير شيء منه عن حاله الذي حده له، فعلمنا أنه واحد لا محالة متفرد بالعظمة، لا كفوء له من غير شك. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد وما يهتدي الموفق باعتبار بعضه، ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك بجملته لواحد، وإن رغم أنف المعاند والجاحد، أتبعها تعالى بالقسم علة وحدانيته فقال تعالى {والصافات} - الآية إلى قوله تعالى {إن إلهكم لواحد} إلى قوله {ورب المشارق} ثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى {إنا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب} إلى قوله {شهاب ثاقب} ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه {إنا خلقناهم من طين لازب} ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا، والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب، وأخذ كل بذنبه، وتخليص رسل الله وحزبه، وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائهم وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعتدين إلى ختم السورة - انتهى. ولما ثبت أنه واحد، أنتج وصفه بقوله: {رب} أي موجد ومالك وملك ومدبر {السماوات} أي الأجرام العالية {والأرض} أي الأجرام السافلة {وما بينهما} أي من الفضاء المشحون من المرافق والمعاون بما تعجز عن عدة القوى، وهذا - مع كونه نتيجة ما مضى - يصلح أن يكون دليلاً عليه لما أشار إليه من انتظام التدبير الذي لا يتهيأ مع التعدد كما أن المقسم به هنا إشارة إلى دليل الوحدانية أيضاً بكونه على نظام واحد دائماً في الطاعة التي أشير إليها بالصف والزجر والتلاوة، فسبحان من جعل هذا القرآن معجز النظام، بديع الشأن بعيد المرام. ولما كان السياق للإفاضة بالتلاوة وغيرها، وكانت جهة الشروق جهة الإفاضة بالتجلي الموجد للخفايا الموجب للتنزه عن النقائص، وكان الجميع أليق بالاصطاف الناظر إلى القهر بالأئتلاف قال: {ورب المشارق *} أي الثلاثمائة والستين التي تجلى عليكم كل يوم فيها الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة على كر الدهور والأعوام، والشهور والأيام، على نظام لا ينحل، ومسير لا يتغير ولا يختل، وذكرها يدل قطعاً على المغارب لأنها تختلف بها، وأعاد الصفة معها تنبيهاً على وضوح دلاتها بما فيها مما السياق من الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف، وللدلالة على البعث بالآيات بعد الغياب. ولما كانت المشارق تقتضي الفيض والإظهار، أتبع ذلك نتيجته بما من شأنه الشروق والغروب ولو بمجرد الخفاء والظهور، فقال مؤكداً مع لفت الكلام إلى التكلم في مظهر العظمة تنبيهاً على أن فعلهم فعل من ينكر ما للنجوم من الزينة وما تدل عليه من عظمته سبحانه وتعالى، وفخم التعبير عن الزينة بتضعيف الفعل لمثل ذلك: {إنا زينا} أي بعظمتنا التي لا تدانى {السماء} ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات، وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال: {الدنيا} أي التي هي أدنى السماوات إليكم. ولما أشير إلى أن الصف زينة في الباطن باتحاد القصد كما أنه زينة في الظاهر بحسن الشكل وبديع الرصف، زيد في التنبيه على ذلك بإعادة ما فهم من "زينا" في قوله: {بزينة الكواكب *} أي بالزينة التي للنجوم النيرة البراقة المتوقدة الثابتة في محالها - قارة أو مارة - المرصعة في السماء ترصيع المسامير الزاهرة كزهر النور المبثوث في خضرة الرياض الناضرة، فهي مع عدم التنوين والخفض إضافة بيانية كثوب خز، ومن نوّن الزينة فإن خفض الكواكب فعلى البدل، أي بالكواكب التي هي زينة، وإن نصب فعلى المدح بتقدير أعني، أو على أنه بدل اشتمال من السماء، أي كواكبها، إما بكونها فيما دونها من الجو فبظن أنها فيها، أو يكونها فيها من جانبها الذي يلينا، أو بكونها تشف عنها وإن كان بعضها فيما هو أعلى منها، وزينتها انتظامها وارتسامها على هذا النظم البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ما بين صغار وكبار، منها ثوابت ومنا سيارة وشوارق وغوارب - إلى غير ذلك من الهيئات التي لا تحصى، ولا حد لها عند العباد العجزة فيستقصى. ولما كان كون الشيء الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في العظمة، قال دالاً بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن الزينة بالنجوم أمر مقصود لا اتفاقي: {وحفظاً} أي زيناها بها للزينة وللحفظ {من كل شيطان} أي بعيد عن الخير محترق. ولما كان القصد التعميم في الحفظ من كل عاتٍ سواءٍ كان بالغاً في العتو أو لا قال: {مارد *} أي مجرد عن الخير عاتٍ في كل شر سواء كان بالغاً في ذلك أقصى الغايات أو كان في أدنى الدرجات كضارب وضراب.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه ‏ {‏والصافات صفا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة ‏ {‏فالزاجرات زجرا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة ‏ {‏فالتاليات ذكراً‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنه،‏ مثله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن مسروق رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال في الصافات، والمرسلات، والنازعات هي الملائكة‏.‏ وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏والصافات صفاً، فالزاجرات زجراً‏} ‏ قال‏:‏ هم الملائكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فالزاجرات زجراً‏} ‏ قال‏:‏ ما زجر الله عنه في القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فالتاليات ذكرا‏ً}‏ قال‏:‏ الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن، من عند الله إلى الناس‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏والصافات صفا‏ً} ‏ قال‏:‏ الملائكة صفوف في السماء ‏{‏فالزاجرات زجرا‏ً} ‏ قال‏:‏ ما زجر الله عنه في القرآن ‏ {‏فالتاليات ذكراً‏}‏ قال‏:‏ ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم السالفة {‏إن إلهكم لواحد‏}‏ قال‏:‏ وقع القسم على هذا‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ورب المشارق‏} ‏ قال‏:‏ المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً ‏{‏والمغارب‏} ‏ ثلاثمائة وستون مغرباً في السنة قال ‏"‏والمشرقان‏"‏ مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، ‏"‏والمغربان‏"‏ مغرب الشتاء، ومغرب الصيف‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال ‏ {‏المشارق‏} ‏ ثلاثمائة وستون مشرقاً ‏{‏والمغارب‏}‏ مثل ذلك، تطلع الشمس كل يوم من مشرق، وتغرب في مغرب‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ورب المشارق‏}‏ قال‏:‏ عدد أيام السنة، كل يوم مطلع، ومغرب‏.

ابو السعود

تفسير : (سورة الصافات مكية وآياتها مائة واثنتان وثمانون آية) {بِسْمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيم} {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا} إقسامٌ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ بطوائِفَ الملائكةِ الفاعلاتِ للصُّفوفِ على أنَّ المرادَ إيقاعُ نفسِ الفعلِ من غيرِ قصدٍ إلى المفعولِ أو الصَّافَّاتُ أنفسُها أي النَّاظمات أنفسَها أي النَّاظمات لها في سلك الصُّفوفِ بقيامها في مقاماتِها المعلومةِ حسبما ينطقُ به قولُه تعالى: { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [سورة الصافات: الآية 164] وعلى هذينِ المعنيـينِ مدارُ قوله تعالى: { أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ} تفسير : [سورة الصافات: الآية 165] وقيل الصَّافاتُ أقدامها في الصَّلاةِ وقيل أجنحتها في الهواءِ {فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً} أي الفاعلاتِ للزَّجرِ أو الزَّاجراتِ لما نيطَ بها زَجرُه من الأجرامِ العلويَّةِ والسُّفليَّةِ وغيرِها على وجهٍ يليقُ بالمزجورِ. ومن جُملة ذلك زجرُ العبادِ عن المعاصي وزجرُ الشَّياطينِ عن الوسوسةِ والإغواءِ وعن استراقِ السَّمعِ كما سيأتي، وصفًّا وزَجْراً مصدرانِ مؤكِّدانِ لما قبلهما أي صفًّا بديعاً وزَجْراً بليغاً، وأمَّا ذِكراً في قولهِ تعالى: {فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً} فمفعولُ التَّالياتِ ذكراً عظيمَ الشَّأنِ من آياتِ اللَّهِ تعالى وكتبهِ المنزَّلةِ على الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وغيرِها من التَّسبـيحِ والتَّقديسِ والتَّحميدِ والتَّمجيدِ وقيل هو أيضاً مصدرٌ مؤكِّد لما قبلَه فإنَّ التِّلاوةَ من بابِ الذِّكرِ ثم إنَّ هذه الصِّفاتِ إنْ أُجريتْ على الكلِّ فعطفُها بالفاءِ للدِّلالةِ على ترتُّبها في الفضلِ إمَّا بكونِ الفضلِ للصَّفِ ثمَّ للزَّجرِ ثمَّ للتِّلاوةِ أو على العكسِ، وإن أُجريت كلُّ واحدة منهنَّ على طوائفَ معيَّنةٍ فهو للدِّلالةِ على ترتُّبِ الموصوفاتِ في مراتب الفضل بمعنى أنَّ طوائفَ الصَّافَّاتِ ذواتُ فضل والزَّاجراتُ أفضلُ والتَّالياتُ أبهرُ فضلاً أو على العكس. وقيل المرادُ بالمذكوراتِ نفوسُ العلماءِ العمَّالِ الصَّافَّاتُ أنفسَها في صفوف الجماعاتِ وأقدامها في الصَّلواتِ الزَّاجراتُ بالمواعظ والنَّصائحِ التَّالياتُ آياتِ الله تعالى الدَّارساتُ شرائعه وأحكامَه. وقيل طوائفُ الغُزاة الصَّافَّات أنفسَهم في مواطنِ الحروبِ كأنَّهم بنيانٌ مرصوصٌ. أو طوائفُ قُوَّادِهم الصَّافَّاتُ لهم فيها الزَّاجراتُ الخيلَ للجهادِ سوقاً والعدوَّ في المعارك طَرْداً التَّالياتُ آياتِ اللَّهِ تعالى وذكره وتسبـيحَه في تضاعيفِ ذلك. والكلامُ في العطفِ ودلالتهِ على ترتُّبِ الصِّفاتِ في الفضلِ أو ترتُّب موصوفاتِها فيه كالذي سلفَ، وأمَّا الدِّلالةُ على التَّرتُّبِ في الوجودِ كما في قوله: [السريع] شعر : يا لهفَ زبَّانةَ للحٰرثِ الصابحِ فالغانمِ فالآيبِ تفسير : فغيرُ ظاهرةٍ في شيءٍ من الطَّوائفِ المذكورة، فإنَّه لو سُلِّم تقدُّمُ الصَّفِ على الزَّجرِ في الملائكةِ والغزاةِ فتأخُّرُ التِّلاوةِ عن الزَّجرِ غيرُ ظاهرٍ. وقيل الصَّافَّاتُ الطَّيرُ من قوله تعالى: { أية : وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ} تفسير : [سورة النور: الآية 41] والزَّاجراتُ كلُّ ما يزجرُ عن المعاصِي، والتّاليات كُّل مَن يتلُو كتابَ اللَّهِ تعالى. وقيل الزَّاجراتُ القوارعُ القُرآنيةُ. وقُرىء بإدغامِ التَّاءِ في الصَّادِ والزاي والذَّالِ.

القشيري

تفسير : افتتح اللَّهُ هذه السورة بالقَسَم بالصافات، وهم الملائكة المصطفَّةُ في السماء وفي الهواء، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق - سبحانه - من المكان يلازمونه، والأمر يعانقون؛ يُسَبِّحونه ويُقَدِّسونه، وبما يأمرهم به يطيعونه.

البقلي

تفسير : {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} والقلوب المتالفة فى مقام المحبة صفَّت بنعت الاقبال الى جمال الازل وهى قلوب المحبين وايضا صفوف العقول المقدسة صفَّت فى مقام العبودية لمشاهدة الربوبية هى عقول العارفين وايضا الارواح العاشقة صفت فى حظائر القدس فى مقام الانس وهى طيور الله فى بساتين الله وهى ارواح الموحدين {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} الهامات الحق التى تاتى على خواطر اهل الحق {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} الملائكة التى تلم على قلوب الحاضرين فى الحضرة يوحى الله فاقسم الحق بهذه النيرات انه تعالى واحد لا انقسام فى ذاته ولا افتراق فى صفاته لا يكون وحدانيته من حيث العدد ولاالوهيته من حيث المدد فاظهر وحدانيته بنعت التجلى والظهور للوحدانيين بقوله {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} ثم اوضح طرق الدليل اليه بقوله {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} المشارق مطالع قلوب العارفين التى تطلع منها انوار الحق للارواح والعقول ثم بين انه تعالى زين سماء الظاهر بالكواكب وزين سماء الارواح بنجم المعارف ونور الكواشف بقوله {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} من نور معرفة العارفين ينزجر الشياطين المتمردة ولا يطيقون القاء الخواطر الردية قال ابن عطا زين قلوب اوليائه بكواكب المعرفة وهى الانوار الظاهرة قال الحسين فى قوله ان الهكم لو احدد لهم على الوحدانية ليكونوا وجدانى الذات ليصلحوا المعرفة الواحد فمن لم يتحد باسقاط كل الخلائق عنه لا يصلح لمعرفة الواحد وقال ايضا الواحد لا يعرفه الا الاحاد من العباد.

اسماعيل حقي

تفسير : {والصافات صفا} الواو للقسم والصافات جمع صافة بمعنى جماعة فالصافات بمعنى الجماعات الصافات ولو قيل والصافين وما بعدها بالتذكير لم يحتمل الجماعات. والصف ان يجعل الشئ على خط مستقيم كالناس والاشجار: وبالفارسية [رسته كردن] تقول صففت القوم من باب ردّ فاصطفوا اذا اقمتم على خط مستو لاداء الصلاة او لاجل الحرب. اقسم الله سبحانه بالملائكة الذين يصفون للعبادة فى السماء ويتراصون فى الصف اى بطوائف الملائكة الفاعلات للصفوف على ان المراد ايقاع نفس الفعل من غير قصد الى المفعول واللاتى يقفن صفا صفا فى مقام العبودية والطاعة: وبالفارسية [وبحق فرشتكان صف بركشيده در مقام عبوديت صف بركشيدنى] او الصافات انفسها اى الناظمات لها فى سلك الصفوف بقيامها فى مواقف الطاعة ومنازل الخدمة وفى الحديث "حديث : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم" قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال "يتمون الصفوف المقدّمة ويتراصون فى الصف" تفسير : [التراص: نيك در يكديكر بايستادن]. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه اذا اراد ان يفتح بالناس الصلاة قال استووا تقدم يا فلان تأخر يا فلان ان الله عز وجل يرى لكم بالملائكة اسوة يقول والصافات صفا: يعنى [خداى تعالى مى نمايد برشمارا به بملائكه اقتدا كويد] والصافات صفا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ترد الملائكة صفوفا صفوفا لا يعرف كل ملك منهم من الى جانبه لم يلتفت منذ خلقه الله تعالى. وفى القاموس والصافات صفا الملائكة المصطفون فى الهواء يسبحون ولهم مراتب يقومون عليها صفوفا كما يصطف المصلون انتهى. وقال بعضهم الصافات اجنحتها فى الهواء منتظرة لامر الله تعالى فيما يتعلق بالتدبير وقيل غير ذلك وقوله تعالى فى اواخر هذه السورة {أية : وانا لنحن الصافون} تفسير : يحتمل الكل. قال بعض الكبار الملائكة على ثلاثة اصناف مهيمون فى جلال الله تعالى تجلى لهم فى اسمه الجليل فهيمهم وافناهم عنهم فلا يعرفون نفوسهم ولا من هاموا فيه وصنف مسخرون ورأسهم القلم الا على سلطان عالم التدوين والتسطير وصنف اصحاب التدبير للاجسام كلها من جميع الاجناس كلها وكلهم صافون فى الخدمة ليس لهم شغل غيرما امروا به وفيه لذتهم وراحتهم. وفى الآية بيان شرف الملائكة حيث اقسم بهم وفضل الصفوف وقد صح ان الشيطان يقف فى فرجة الصف فلا بد من التلاصق والانضمام والاجتماع ظاهرا وباطنا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والصافات صفاً فالزاجرات زَجْراً فالتاليات ذكراً} أقسم بطوائف الملائكة، الصافِّين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقاً إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرُّض لهم. {فالتاليات ذكراً} لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تُعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجُّد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و {صفاً}: مصدر مؤكد، وكذلك {زجراً}، والفاء تدلُّ على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: {إِنَّ إِلهكم لواحدٌ} لا شريك معه يستحق أن يُعبد، {وربُّ السماواتِ والأرضِ} وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو {ربُّ السماوات والأرض وما بينهما وربُّ المشارق} أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب. تُشرق الشمس كلّ يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: {أية : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: {أية : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}تفسير : [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب؛ لأن المشارق تدل عليها. {إِنا زَيَّنا السماءَ الدنيا} القُربى منكم، تأنيث الأدنى، {بزينة الكواكب} بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومَن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومَن قرأ بالنصب فعلى إضمار "أعني"، أو: بدل من محل "بزينة" أي: زيَّنَّا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منوناً في المفعول، أي: بتزيُّن الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكُوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. هـ. {وحِفْظاً} من الشياطين، كما قال: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلْشَّيَاطِينِ} تفسير : [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظاً {من كل شيطانٍ ماردٍ} خارج عن الطاعة، فيُرمي بالشهب. {لا يسَّمَّعون إِلى الملأ الأعلى}: استئناف؛ لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان؛ لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكلٍّ باعتبار المعنى؛ لأنه في معنى شياطين، وتعدية {يسمعون} بإلى لتضمُّنه معنى الإصغاء؛ مبالغة في نفيه، وتهويلاً لما يمنعهم عنه. ومَن قرأ بالتشديد فأصله: "يتَسمَّعون" فأدغم. والتسمُّع: طلب السماع. يقال: تسمّع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة؛ لأنهم في السموات العُلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل؛ لأنهم سكان الأرض {ويُقْذَفُون} يُرمون بالشُهب، {مِن كل جانبٍ} من جميع جوانب السماء، من أيّ جهة صعدوا للاستراق. {دُحُوراً} مفعول له، أي: ويُقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدراً له، فكأنه قيل: ويُقذفون قذفاً، {ولهم عذابٌ} آخر {واصبٌ} دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا؛ لأنه دائم الوجوب؛ لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائماً، {إِلا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ} "مَنْ": بدل من ضمير "يسمعون"، أي: لا يتسمّع الشياطين إلا الشيطان الذي خَطِفَ الخطفةَ، أي: اختلس شيئاً من كلام الملائكة بسرعة، {فَأَتْبَعه شِهَابٌ ثاقبٌ} أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحِّد في ربوبيته؛ إذ هو ربُّ كل شيء، ربُّ سموات الأرواح، وربُّ أرض النفوس والأشباح، وربُّ مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب؛ لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: {إِنا زَيَّنا السماءَ الدنيا...} إلخ، قال القشيري: زيَّن السماء بالنجوم، وزيَّن قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. هـ. وقوله تعالى: {وحِفظاً من كل شيطان مارد} قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قَرُبَ منها الشيطان رَجَمَهَا بنجوم معارفهم، إلا مَن خَطِفَ الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يُلْقِيَ شيئاً من وساوسه؛ تَذَكَّروا، فإذا هم مُبْصِرون. هـ. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليًّا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشُّهب؛ كي لا يسترق السمع منها، فقلبُ المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : . والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولّى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم ردّ على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ...}

الطوسي

تفسير : ادغم ابو عمرو - إذا أدرج - التاء في الصاد، والتاء في الزاي، والتاء في الذال في قوله {والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً} لقرب مخرجهما إذا كانا من كلمتين، وافقه حمزة في جميع ذلك. الباقون بالاظهار لأن قبل التاء حرفاً ساكناً، وهو الالف، لأن مخارجها متغايرة. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر {بزينة الكواكب} ولذلك كان يجوز أن يقرأ برفع الكواكب غير أنه لم يقرأ به أحد، ولو قرئ به لجاز. وقرأ ابو بكر عن عاصم {بزينة} منوناً {الكواكب} نصباً على معنى تزييننا الكواكب. الباقون {بزينة} منوناً {الكواكب} خفضاً على البدل، وهو بدل الشيء من غيره، وهو بعينه، لأن الزينة هي الكواكب، وهو بدل المعرفة من النكرة، ومثله قوله {أية : لنسفعاً بالناصية ناصية} تفسير : فابدل النكرة من المعرفة. وقرأ الكسائي وحمزة وخلف وحفص عن عاصم {لا يسمعون} بالتشديد، وأصله لا يتسمعون، فأدغم التاء في السين. الباقون بالتخفيف لان معنى سمعت إلى فلان وتسمعت إلى فلان واحد. وإنما يقولون تسمعت فلاناً بمعنى أدركت كلامه بغير (إلى). ومن شدّد كرّر، لئلا يشتبه. قال ابن عباس: كانوا لا يتسمعون ولا يسمعون. هذه اقسام من الله تعالى بالأشياء التي ذكرها، وقد بينا أن له تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لخلقه أن يحلفوا إلا بالله. وقيل إنما جاز أن يقسم تعالى بهذه الأشياء، لأنها تنبئ عن تعظيمه بما فيها من القدرة الدالة على ربها. وقال قوم: التقدير: ورب الصافات، وحذف لما ثبت من أن التعظيم بالقسم لله. وجواب القسم قوله {إن إلهكم لواحد} وقال مسروق وقتادة والسدي: إن الصافات هم الملائكة مصطفون في السماء يسبحون الله. وقيل: صفوف الملائكة في صلاتهم عند ربهم - ذكره الحسن - وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله بما يريد، كما قال {أية : وإنا لنحن الصافون} تفسير : وقال ابو عبيدة: كل شيء من السماء والأرض لم يضم قطريه فهو صاف، ومنه قوله {أية : والطير صافات} تفسير : إذا نشرت أجنحتها، والصافات جمع الجمع، لأنه جمع صافة. وقوله {فالزاجرات زجراً} قال السدي ومجاهد: هم الملائكة يزجرون الخلق عن المعاصي زجراً يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد، كما يوصل مفهوم اغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف، وقيل: إنها تزجر السحاب في سوقها. وقال قتادة: {الزاجرات زجراً} آيات القرآن تزجر عن معاصي الله تعالى، والزجر الصرف عن الشيء لخوف الذم والعقاب، وقد يكون الصرف عن الشيء بالذم فقط على معنى انه من فعله استحق الذم. وقوله {فالتاليات ذكراً} قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - قال مجاهد والسدي: هم الملائكة تقرأ كتب الله. وقال قتادة: هو ما يتلى في القرآن. وقال قوم: يجوز أن يكون جماعة الذين يتلون القرآن. وإنما قال {فالتاليات ذكراً} ولم يقل تلوا، كما قال {فالزاجرات زجراً} لأن التالي قد يكون بمعنى التابع تقول: تلوت فلاناً إذا تبعته بمعنى جئت بعده، ومنه قوله {أية : والقمر إذا تلاها} تفسير : فلما كان مشتركاً، بينه بما يزيل الابهام، وكل هذه اقسام على أن الآله الذي يستحق العبادة واحد لا شريك له. وقوله {رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق} معناه إن إلهكم الذي يستحق العبادة واحد وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما من سائر الاجناس من الحيوان والنبات والجماد {ورب المشارق} ومعناه ويملك التصرف فيها، والمشارق هي مشارق الشمس، وهي مطالعها بعدد ايام السنة ثلاثمائة وستون مشرقاً وثلاثمائة وستون مغرباً، ذكره السدي. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال {إنا زينا السماء الدنيا} والتزيين التحسين للشيء وجعله صورة تميل اليها النفس، فالله تعالى زين السماء الدنيا على وجه يمتع الرائي لها، وفي ذلك النعمة على العباد مع ما لهم فيها من المنفعة بالفكر فيها والاستدلال على صانعها. والكواكب هي النجوم كالبدر والسماء بها زينة قال النابغة. شعر : بانك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبق منهن كوكب تفسير : وقوله {وحفظاً من كل شيطان مارد} معناه وحفظناها حفظاً. والحفظ المنع من ذهاب الشيء، ومنه حفظ القرآن بالدرس المانع من ذهابه. والمارد الخارج إلى الفساد العظيم، وهو وصف للشياطين وهم المردة، واصله الانجراد، ومنه الأمرد، والمارد المتجرد من الخير، وقوله {لا يسمعون} من شدّد أراد لا يتسمعون وأدغم التاء في السين، ومن خفف أراد ايضاً لا يتسمعون في المعنى {إلى الملأ الأعلى} يعني الملائكة الذين هم في السماء وقوله {ويقذفون من كل جانب} معناه يرمون بالشهب من كل جانب إذا ارادوا الصعود إلى السماء للاستماع {دحوراً} أي دفعا لهم بعنف، يقال: دحرته دحراً ودحوراً، وانما جاز أن يريدوا استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون، وانهم يحرقون بالشهب، لانهم تارة يسلمون إذا لم يكن من الملائكة هناك شيء لا يجوز أن يقفوا عليه، وتارة يهلكون كراكب البحر في وقت يطمع في السلامة. وقوله {ولهم عذاب واصب} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: معناه إن لهم مع ذلك ايضاً عذاباً دائماً يوم القيامة، ومنه قوله تعالى {أية : وله الدين واصباً}تفسير : أي دائماً قال ابو الأسود: شعر : لا ابتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر اجمع واصبا تفسير : اي دائما. وقوله {إلا من خطف الخطفة} لما اخبر الله تعالى أن الشياطين لا يستمعون إلى الملأ الأعلى ولا يصغون اليهم أخبر انهم متى راموا رموا من كل جانب دفعاً لهم على اشد الوجوه. ثم قال {إلا من خطف الخطفة} أي استلب السماع استلاباً، والخطفة الاستلاب بسرعة، فمتى فعل أحدهم ذلك {اتبعه شهاب ثاقب} قال قتادة: والشهاب كالعمود من نار، وثاقب مضى كأنه يثقب بضوئه يقال أثقب نارك واستثقبت النار إذا استوقدت وأضاءت، ومنه قولهم: حسب ثاقب أي مضى شريف، قال ابو الأسود: شعر : أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار اوقدت بثقوب تفسير : أي بحيث يضئ ويعلو.

الجنابذي

تفسير : اقسم تعالى بأصناف الملائكة فانّ الملائكة اصنافٌ، صنفٌ يقال لهم المقرّبون والمهيّمون والقيام لا ينظرون وهم العقول الطّوليّة بلسان الفلاسفة، وصنفُ يقال لهم الارواح وارباب الانواع وارباب الطّلسمات واليهم الاشارة فى الاخبار بقولهم (ع): انّ فى العرش لديكاً اذا صاح صاحت الدّيكان فى الارض، وانّ فى العرش لثوراً وهم العقول العرضيّة بلسان الفلاسفة وهم صفوف عند الله، ولكونهم صفوفاً سمّوهم العقول العرضيّة اقسم الله تعالى بهم، وقيل: المراد مطلق الملائكة والانبياء ومن صفّ لله وعبده، وقيل: المراد بهم الملائكة تصفّ انفسها صفوفاً فى السّماء كصفوف المؤمنين فى الصّلٰوة، او تصفّ اجنحتها فى الهواء اذا ارادت النّزول الى الارض، وقيل: المراد المؤمنون يقومون مصطفّين فى الصّلٰوة وفى الجهاد، وصنف يقال لهم النّفوس الكلّيّة والنّفوس الجزئيّة وهنّ المدبّرات امراً وهم الملائكة ذووا الاجنحة، وهم الملائكة الّذين يدبّرون الطّبائع والمواليد ويزجرون الطّبائع بقسرها على خلاف طبيعتها، بفصلها عن احيازها، ووصلها بغير اجناسها، وحبسها مع غير جنسها، كما فى المواليد، وحركتها على خلاف طبائعها كما فى الفلكيّات، ويزجرون المكلّفين من الجنّة والنّاس كما ورد انّ لكلّ انسانٍ ملكاً يزجره، وقيل: هم الملائكة الموكّلة بالسّحاب تزجرها وتسوقها، وقيل: المراد زواجر القرآن وآياته النّاهية، وقيل: المراد المؤمنون يصيحون عند قراءة القرآن لانّ الزّجرة الصّيحة، وصنف من الملائكة ينزلون على الانبياء والاوصياء (ع) باحكام العباد وهم الملائكة الموكّلون على العلوم والوحى، وهم التّالون ذكراً عظيماً على الانبياء (ع)، او المراد الملائكة النّازلة على المؤمنين بالبشارة بعد ظهور السّكينة عليهم، والسّكينة هى الذّكر العظيم فيكون التّالى من التّلو، وقيل: المراد الملائكة الّذين يتلون كتاب الله الّذى كتبه لملائكته وفيه ذكر الحوادث فيزيدون يقيناً بوجود المخبر على وفق الخبر، وقيل: المراد المؤمنون يقرؤن القرآن فى الصّلٰوة.

الأعقم

تفسير : {والصافات صفَّاً}، قيل: لما قال كفار مكة أجعل الآلهة إلهاً واحدا أقسم الله بهذه الأشياء إن إلههم لواحد، قيل: الصافات الملائكة تصف صفوفاً في السماء كصف المؤمنين للصلاة، وقيل: تصف أجنحتها في الهواء، وقيل: هم المؤمنون يقومون مصطفين في الصلاة {فالزاجرات زجراً}، قيل: هم الملائكة يزجرون السحاب ويسوقونه، وقيل: يزجر عن معاصي الله، وقيل: هم المؤمنون يرفعون أصواتهم، قال جار الله: ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال وصفوف الجماعات والزاجرات بالمواعظ {فالتاليات ذكراً}، قيل: القارئات، وقيل: جبريل والملائكة يتلون كتاب الله، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: هم المؤمنون يتلون القرآن {إن إلهكم لواحد} جواب القسم، أي من يحق له العبادة والإِلهية {رب السماوات والأرض وما بينهما} أي خالقهما وما بينهما من الخلق {ورب المشارق} أي خالق مطالع الشمس والقمر والنجوم، وقيل: مشارق الشمس وهي ثلاثمائة وستون مشرقاً وثلاثمائة وستون مغرباً بعدد أيام السنة {إنا زيَّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب} يعني زيّن السماء بالكواكب {وحفظاً من كل شيطان مارد} أي خبيث خالي عن الخير، ومتى قيل: ما وجه الحفظ؟ قالوا: منعهم من الفساد باستراق السمع {لا يسمعون} أي لئلا يسمعون {إلى الملأ الأعلى} أي إلى كلام الأعلى وهم الملائكة {ويقذفون} أي يرمون {من كل جانب} أي من جوانب السماء أو من جوانبهم {دحوراً} أي طرداً {ولهم عذاب واصب}، قيل: دائم، وقيل: شديد {إلاَّ من خطف الخطفة} أصلها الخطف وهو أخذ الشيء بسرعة، وما خطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حيَّة {فأتبعه شهاب ثاقب}، قيل: مضيء، وقيل: نافذ.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {وَالصَّآفَّاتِ صَفّاً} يعني صفوف الملائكة ذكروا عن عطاء قال: ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد. ذكروا عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أطّت السماء، أي: صوّتت، وحقّ لها أن تئط، ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد ". تفسير : قال: {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً} أي: الملائكة تزجر السحاب، منهم صاحب الصور. قال في آية أخرى: (أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ) تفسير : [النازعات: 13] قال: {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً} يعني الملائكة تتلو الوحي الذي تأتي به الأنبياء. أقسم بهذا كله. {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ}. ذكر بعضهم فقال: لها ثلاثمائة وستون مشرقاً وثلاثمائة وستون مغرباً. وقال بعضهم: هي ثمانون ومائة منزلة، تطلع كل يوم في منزلة، حتى تنتهي إلى آخرها، ثم ترجع في تلك الثمانين ومائة، فتكون ثلاثمائة وستين، فهي كل يوم في منزلة. وقال بعضهم في قوله: (أية : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) تفسير : [الرحمن: 17] قال: لها مشرق في الشتاء ومشرق في الصيف، ومغرب في الشتاء ومغرب في الصيف. وقوله: (أية : رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) تفسير : [المزمل: 9] أي: ربّ المشرق كله وربّ المغرب كله.

اطفيش

تفسير : قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما هي الملائكة يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة والعبادة وجمع المؤنث السالم باعتبار الجماعات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم! قالوا وكيف يصفون عند ربهم؟ قال يتمون الصفوف المتقدمة أي حرصا عليها ويترامون في الصفوف أي المتأخرة إذ لم يجدوا مدخلا في المتقدمة تفسير : وقيل المراد الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله بما يريد وقيل اراد الطير تصف أجنحتها في الهواء وقالت فرقة أراد بني آدم الصافين للقتال في سبيل الله وقيل طوائف الاجرام المترتبة كالصفوف المرصوصة وقيل نفوس العلماء وفائدة الاقسام بذلك وبما يأتي تعظيما وتأكيد المقسم عليه الذي هو الجواب وهو ان الهكم لواحد وقيل التقدير ورب والصافات والزاجرات والتاليات اقسم برب هذه الأشياء وادغم ابوعمرو وحمزة تاء الصافات في الصاد بعدها وتاء الزاجرات بعدها وتاء التاليات في الذال بعدها للقرب بينها وما بعدها فإنها من اللسان واصول الثنايا وكذا في الذاريات ذروا وكذا في الملقيات ذكرا والمغيرات ضبحا والعاديات صبحا بالادغام في ذلك من غير اشارة وهو الادغام الكبير لكن الادغام الكبير في مذهب ابي عمرو وغيره في مذهب حمزة وقد مر بيانه.

اطفيش

تفسير : {والصَّافات} والملائكة الصافات، جمع جماعة صافة أو طائفة صافة، فالتأنيث لتأنيث الطائفة أو الجماعة ودون ذلك أن يكون لتأنيث كل فرد بتأويل نفس أو ذات، ولا مفعول به له لم يتعلق غرض الكلام به، أى الواقعات صفوفا، كقولك: فلان معط، تريد أنه غير شحيح لا أنه يعطى فلانا، أو كذا أو له مفعول به حذف ليشمل أنواعا، أو يحتملها، أى الصافات أنفسها للعبادة، أو الصافات أقدامها للصلاة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: " حديث : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم"تفسير : ؟ قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: "حديث : يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون فى الصف"تفسير : ، أو الصافات الملائكة تصف أجنحتها فى الهواء منتظرات لأمر الله تعالى، أو حيث يؤمرون بالصف على مراتبهم فى القرب من الله منزلة " أية : وما منا إلا له مقام معلوم" تفسير : [الصافات: 164] وكذا لم يذكر الملائكة ليحتمل الكلام غيرها معها كصفوف الإنس والجن فى القتال، والصلاة والطير كما قال الله عز وجل: " أية : والطير صافات"تفسير : [النور: 41] وأما أن يفسر بالطير وحدها فلا لبعدها عن المقام، ولأنها غير عاقلة وما بعد ذلك للعاقل على التفسير الراجح. {صفا} مفعول مطلق، وليس مفعولا به للصافات أى الصافات صفوفها، لأنه مفرد مجرد من أل والاضافة فى الاثبات، فالأصل أن لا يستعمل فى جماعة.

الالوسي

تفسير : إقسام من الله تعالى بالملائكة عليهم السلام كما روي عن ابن عباس وابن مسعود ومسروق ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي، وأبى أبو مسلم ذلك وقال: لا يجوز حمل هذه اللفظ وكذا ما بعد على الملائكة لأن اللفظ مشعر بالتأنيث والملائكة مبرؤن عن هذه الصفة، وفيه أن هذا في معنى جمع الجمع فهو جمع صافة أي طائفة أو جماعة صافة، ويجوز أن يكون تأنيث المفرد باعتبار أنه ذات ونفس والتأنيث المعنوي هو الذي لا يحسن أن يطلق عليهم وأما اللفظ فلا مانع منه كيف وهم المسمون بالملائكة، والوصف المذكور منزل منزلة اللازم على أن المراد إيقاع نفس الفعل من غير قصد إلى المفعول أي الفاعلات للصفوف أو المفعول محذوف أي الصافات أنفسها أي الناظمات لها في سلك الصفوف بقيامها في مقاماتها المعلومة حسبما ينطق به قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }تفسير : [الصافات: 164] وذلك باعتبار تقدم الرتبة والقرب/ من حظيرة القدس أو الصافات أنفسها القائمات صفوفاً للعبادة، وقيل: الصافات أقدامها للصلاة، وقيل: الصافات أجنحتها في الهواء منتظرات أمر الله تعالى، وقيل: المراد بالصافات الطير من قوله تعالى: {أية : وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ }تفسير : [النور: 41] ولا يعول على ذلك. و {صَفَّا } مصدر مؤكد وكذا {زَجْراً } في قوله تعالى: {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة المكية ـ كسابقتها ـ قصيرة الفواصل، سريعة الإيقاع، كثيرة المشاهد والمواقف، متنوعة الصور والظلال، عميقة المؤثرات، وبعضها عنيف الوقع، عنيف التأثير. وهي تستهدف ـ كسائر السور المكية ـ بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله. ولكنها ـ بصفة خاصة ـ تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى. وتقف أمام هذه الصورة طويلاً؛ وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى.. تلك هي الصورة التي كانت جاهلية العرب تستسيغها، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله ـ سبحانه ـ وبين الجن. وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزاوج بين الله ـ تعالى ـ والجنة ولدت الملائكة. ثم تزعم أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله! هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة؛ تكشف عن تهافتها وسخفها. ونظراً لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة: {والصافات صفاً. فالزاجرات زجراً. فالتاليات ذكراً}.. ويتلوها حديث عن الشياطين المردة، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة كي لا يقربوا من الملأ الأعلى. ولا يتسمعوا لما يدور فيه؛ ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة! كذلك يشبه ثمار شجرة الزقوم التي يعذب بها الظالمون في جهنم بأنها كرؤوس الشياطين في معرض التقبيح والتفظيع! وفي نهاية السورة تأتي الحملة المباشرة على تلك الأسطورة المتهافتة: {أية : فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون؟ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون؟ ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله وإنهم لكاذبون. اصطفى البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون؟ أفلا تذكرون؟ أم لكم سلطان مبين؟ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون.. سبحان الله عما يصفون! }.. تفسير : وإلى جانب علاج هذه الصورة الخاصة من صور الشرك الجاهلية تتناول السورة جوانب العقيدة الأخرى التي تتناولها السور المكية. فتثبت فكرة التوحيد مستدلة بالكون المشهود: {إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق}.. وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذبين في ثنايا مشهد من مشاهد القيامة: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون. إنا كذلك نفعل بالمجرمين. إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون؛ ويقولون: أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون؟ بل جاء بالحق وصدق المرسلين. إنكم لذائقو العذاب الأليم. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون}.. كذلك تتناول قضية البعث والحساب والجزاء. {وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين. أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون؟ قل نعم وأنتم داخرون}.. ثم تعرض بهذه المناسبة مشهداً مطولاً فريداً من مشاهد القيامة الحافلة بالمناظر والحركات والانفعالات والمفاجآت! وتعرض لقضية الوحي والرسالة الذي ورد من قولهم: {أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون؟} والرد عليهم: {بل جاء بالحق وصدق المرسلين}.. وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم تعرض سلسلة من قصص الرسل: نوح وإبراهيم وبنيه. وموسى وهارون. وإلياس. ولوط. ويونس. تتكشف فيها رحمة الله ونصره لرسله وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل: {أية : ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين. ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين. إلا عباد الله المخلصين }.. تفسير : وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم خاصة مع ابنه إسماعيل. قصة الذبح والفداء وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله في أروع صورها وأعمقها وأرفعها؛ وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء. والمؤثرات الموحية التي تصاحب عرض موضوعات السور وقضاياها، تتمثل بشكل واضح في: مشهد السماء وكواكبها وشهبها ورجومها: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحوراً وله عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب}.. وفي مشاهد القيامة ومواقفها المثيرة، ومفاجآتها الفريدة، وانفعالاتها القوية. والمشاهد التي تحويها هذه السورة ذات طابع فريد حقاً سنلمسه عند استعراضه تفصيلاً في مكانه من السورة. وفي القصص ومواقفه وإيحاءاته. وبخاصة في قصة إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل ـ عليهما السلام، وترتفع المؤثرات الموحية هنا إلى الذروة التي تهز القلوب هزاً عميقاً عنيفاً. ذلك إلى الإيقاع الموسيقي في السورة وهو ذو طابع مميز يتفق مع صورها وظلالها ومشاهدها ومواقفها وإيحاءاتها المتلاحقة العميقة. ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة أشواط رئيسية: الشوط الأول يتضمن افتتاح السورة بالقسم بتلك الطوائف من الملائكة: والصافات صفاً. فالزاجرات زجراً. فالتاليات ذكراً على وحدانية الله رب المشارق، مزين السماء بالكواكب. ثم تجيء مسألة الشياطين وتسمعهم للملأ الأعلى ورجمهم بالشهب الثاقبة. يتلوها سؤال لهم: {أهم أشد خلقاً} أم تلك الخلائق: الملائكة والسماء والكواكب والشياطين والشهب؟ للتوصل من هذا إلى تسفيه ما كانوا يقولونه عن البعث، وإثبات ما كانوا يستبعدونه ويستهزئون بوقوعه. ومن ثم يعرض ذلك المشهد المطول للبعث والحساب والنعيم والعذاب. وهو مشهد فريد.. والشوط الثاني يبدأ بأن هؤلاء الضالين لهم نظائر في السابقين، الذين جاءتهم النذر فكان أكثرهم من الضالين. ويستطرد في قصص أولئك المنذرين من قوم نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس؛ وكيف كانت عاقبة المنذرين وعاقبة المؤمنين. والشوط الثالث يتحدث عن تلك الأسطورة التي مر ذكرها. أسطورة الجن والملائكة. ويقرر كذلك وعد الله لرسله بالظفر والغلبة: {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون}.. تفسير : وينتهي بختام السورة بتنزيه الله سبحانه والتسليم على رسله والاعتراف بربوبيته: {أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين}.. تفسير : وهي القضايا التي تتناولها السورة في الصميم.. والآن نأخذ في التفصيل: {والصافات صفاً، فالزاجرات زجراً، فالتاليات ذكراً، إن إلهكم لواحد. رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق}.. والصافات والزاجرات والتاليات.. طوائف من الملائكة ذكرها هنا بأعمالها التي يعلمها. والتي يجوز أن تكون هي الصافات قوائمها في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله. والزاجرات لمن يستحق الزجر من العصاة في أثناء قبض أرواحهم مثلاً أو عند الحشر والسوق إلى جهنم أو في أية حالة وفي أي موضع. والتاليات للذكر.. القرآن أو غيره من كتب الله أو المسبحات بذكر الله. يقسم الله سبحانه بهذه الطوائف من الملائكة على وحدانيته: {إن إلهكم لواحد}.. ومناسبة هذا القسم ـ كما أسلفنا ـ هو تلك الأسطورة التي كانت شائعة في جاهلية العرب من نسبة الملائكة إلى الله، واتخاذهم آلهة بما أنهم ـ بزعمهم ـ بنات الله! ثم يعرف الله عباده بنفسه في صفته المناسبة للوحدانية: {رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق}.. وهذه السماوات والأرض قائمة حيال العباد؛ تحدثهم عن الخالق البارئ المدبر لهذا الملكوت الهائل؛ الذي لا يدعي أحد أنه يملك خلقه وتدبيره؛ ولا يملك أحد أن يهرب من الاعتراف لخالقه بالقدرة المطلقة والربوبية الحقة. {وما بينهما}.. من هواء وسحاب، وضوء، ونور، ومخلوقات دقيقة يعرف البشر شيئاً منها الحين بعد الحين، ويخفى عليهم منها أكثر مما يكشف لهم! والسماوات والأرض وما بينهما من الضخامة والعظمة والدقة والتنوع والجمال والتناسق بحيث لا يملك الإنسان نفسه أمامها ـ حين يستيقظ قلبه ـ من التأثر العميق، والروعة البالغة، والتفكر الطويل. وما يمر الإنسان بهذا الخلق العظيم من غير ما تأثر ولا تدبر إلا حين يموت قلبه، فيفقد التأثر والاستجابة لإيقاعات هذا الكون الحافل بالعجائب. {ورب المشارق}.. ولكل نجم مشرق، ولكل كوكب مشرق، فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السماوات الفسيحة.. وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه الأرض التي نعيش عليها كذلك. فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة ـ كما تتوالى المغارب ـ فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس كان هناك مشرق على هذا القطاع، وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة الأرضية. حتى إذا تحركت الأرض كان هناك مشرق آخر على القطاع التالي ومغرب آخر على القطاع المقابل له وهكذا.. وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم؛ ولكن خبرهم بها الله في ذلك الزمان القديم! وهذا النظام الدقيق في توالي المشارق على هذه الأرض. وهذا البهاء الرائع الذي يغمر الكون في مطالع المشارق.. كلاهما جدير بأن يوقع في القلب البشري من التأثرات الموحية، ما يهتف به إلى تدبر صنعة الصانع المبدع، وإلى الإيمان بوحدانية الخالق المدبر، بما يبدو من آثار الصنعة الموحدة التي لا اختلاف في طابعها الدقيق الجميل. تلك هي مناسبة ذكر هذه الصفة من صفات الله الواحد في هذا المقام. وسنرى أن ذكر السماء وذكر المشارق له مناسبة أخرى فيما يلي هذه الآيات من السورة. عند الحديث عن الكواكب والشهب والشياطين والرجوم.. {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب، وحفظاً من كل شيطان مارد، لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب؛ دحوراً ولهم عذاب واصب، إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب}. بعدما مس في مطلع السورة شطر الأسطورة الخاص بالملائكة، عاد يمس هنا شطرها الثاني وهو الخاص بالشياطين. وكانوا يزعمون أن بين الله وبين الجنة نسباً. وبعضهم كانوا يعبدون الشياطين على هذا الأساس. وعلى أساس أن الشياطين يعرفون الغيب لاتصالهم بالملأ الأعلى.. وبعد ذكر السماوات والأرض وما بينهما وذكر المشارق.. إما مشارق النجوم والكواكب. وإما المشارق المتوالية على قطاعات الأرض. وإما هذه وتلك وأنوارها وأضوائها.. يجيء ذكر الكواكب: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب}.. ونظرة إلى السماء كافية لرؤية هذه الزينة؛ ولإدراك أن الجمال عنصر مقصود في بناء الكون؛ وأن صنعة الصانع فيه بديعة التكوين جميلة التنسيق؛ وأن الجمال فيه فطرة عميقة لا عرض سطحي؛ وأن تصميمه قائم على جمال التكوين كما هو قائم على كمال الوظيفة سواء بسواء. فكل شيء فيه بقدر، وكل شيء فيه يؤدي وظيفته بدقة؛ وهو في مجموعه جميل. والسماء. وتناثر الكواكب فيها، أجمل مشهد تقع عليه العين. ولا تمل طول النظر إليه. وكل نجمة توصوص بضوئها وكل كوكب يوصوص بنوره؛ وكأنه عين محبة تخالسك النظر؛ فإذا أنت حدقت فيها أغمضت وتوارت؛ وإذا أنت التفت عنها أبرقت ولمعت! وتتبع مواقعها وتغير منازلها ليلة بعد ليلة وآناً بعد آن متعة نفسية لا تملها النفس أبداً! ثم تقرر الآية التالية أن لهذه الكواكب وظيفة أخرى، وأن منها شهباً ترجم بها الشياطين كي لا تدنو من الملأ الأعلى: {وحفظاً من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب}.. فمن الكواكب رجوم تحفظ السماء من كل شيطان عات متمرد وتذوده عن الاستماع إلى ما يدور في الملأ الأعلى؛ فإذا حاول التسمع تلقفته الرجوم من كل جانب، فتدحره دحراً، وله في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع. ولقد يخطف الشيطان المارد خطفة سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهاب يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقاً. ونحن لا نعرف كيف يتسمع الشيطان المارد؛ ولا كيف يخطف الخطفة؛ ولا كيف يرجم بالشهاب الثاقب. لأن هذه كلها غيبيات تعجز طبيعتنا البشرية عن تصور كيفياتها؛ ومجالنا فيها هو تصديق ما جاء من عند الله فيها. وهل نعلم عن شئ في هذا الكون إلا القشور؟! والمهم أن هذه الشياطين التي تمنع من الوصول إلى الملأ الأعلى، ومن التسمع لما يدور فيه هي التي يدعي المدعون أن بينها وبين الله نسباً، ولو كان شيء من هذا صحيحاً لتغير وجه المعاملة. ولما كان مصير الأنسباء والأصهار ـ بزعمهم ـ هو المطاردة والرجم والحرق أبداً! وبعد ذكر الملائكة. وذكر السماوات والأرض وما بينما. وذكر الكواكب التي تزين السماء الدنيا. وذكر الشياطين المردة والقذائف التي تلاحقها.. يكلف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يسألهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق؟ وإذا كانت هذه الخلائق أشد وأقوى ففيم يدهشون لقضية البعث ويسخرون منها، ويستبعدون وقوعها، وهي لا تقاس إلى خلق تلك الخلائق الكبرى: {فاستفتهم أهم أشد خلقاً أم من خلقنا؟ إنا خلقناهم من طين لازب. بل عجبت ويسخرون. وإذا ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون: وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين. أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون؟}. فاستفتهم واسألهم إذا كانت الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما والشياطين والكواكب والشهب كلها من خلق الله. فهل خلقهم هم أشد وأصعب من خلق هذه الأكوان والخلائق؟ ولا ينتظر منهم جواباً، فالأمر ظاهر؛ إنما هو سؤال الاستنكار والتعجيب من حالهم العجيب. وغفلتهم عما حولهم، والسخرية من تقديرهم للأمور. ومن ثم يعرض عليهم مادة خلقهم الأولى. وهي طين رخو لزج من بعض هذه الأرض، التي هي إحدى تلك الخلائق: {إنا خلقناهم من طين لازب}.. فهم قطعاً ليسوا أشد خلقاً من تلك الخلائق! وموقفهم إذن عجيب. وهم يسخرون من آيات الله، ومن وعده لهم بالبعث والحياة. وسخريتهم هذه تثير العجب في نفس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم في موقفهم سادرون: {بل عجبت ويسخرون. وإذا ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستسخرون}.. وحق لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعجب من أمرهم. فإن المؤمن الذي يرى الله في قلبه كما يراه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرى آيات الله واضحة هذا الوضوح، كثيرة هذه الكثرة، يعجب ـ لا شك ـ ويدهش كيف يمكن أن تعمى عنها القلوب؟ وكيف يمكن أن تقف منها هذا الموقف العجيب! وبينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعجب منهم هذا العجب، إذا هم يسخرون من القضية الواضحة التي يعرضها عليهم، سواء في وحدانية الله، أو في شأن البعث والنشور. وإذا هم مطموسون لا تتفتح قلوبهم للتذكير. وإذا هم يتلقون آيات الله بالسخرية الشديدة، والتعجيب ممن يريهم إياها، واستدعاء أسباب السخرية وطلبها طلباً كما يوحي لفظ {يستسخرون}! ومن ذلك وصفهم القرآن بأنه سحر، وعجبهم مما يعدهم به من البعث: {وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين. أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون؟}.. لقد غفلوا عن آثار قدرة الله فيما حولهم، وفي ذات أنفسهم. غفلوا عن آثار هذه القدرة في خلق السماوات والأرض وما بينهما؛ وفي خلق الكواكب والشهب؛ وفي خلق الملائكة والشياطين؛ وفي خلقهم هم أنفسهم من طين لازب.. غفلوا عن آثار القدرة في هذا كله ووقفوا يستبعدون على هذه القدرة أن تعيدهم إذا ماتوا وصاروا تراباً وعظاماً، هم وآباءهم الأولين! وما في هذا البعث والإعادة من غريب على تلك القدرة ولا بعيد؛ لمن يتأمل هذا الواقع ويتدبره أقل تدبر؛ في ضوء هذه المشاهدات التي تحيط بهم في الآفاق وفي أنفسهم. وإذ كانوا لا يتدبرون هذه المشاهدات في هوادة ويسر، وفي طمأنينة وهدوء. فهو يوقظهم إذن بشدة وعنف، على مشهدهم في الآخرة مبعوثين. ويصور لهم ذلك المشهد وهم فيه يضطربون: {قل: نعم وأنتم داخرون}.. نعم ستبعثون أنتم وآباؤكم الأولون. ستبعثون وأنتم داخرون، ذلولون، مستسلمون. غير مستعصين ولا متأبين.. نعم.. ثم يدخل في استعراض ذلك كيف يكون. وإذا هم أمام مشهد من المشاهد المطولة المتعددة الجوانب. المتنوعة الأساليب. المزدحمة بالمناظر الحية والحركات المتتابعة. يلتقي فيها الوصف بالحوار. فتسير على نسق الحكاية فترة، ثم تنتقل إلى نسق الحوار أخرى. ويتخلل عرض الأحداث والحركات تعليقات وتعقيبات عليها. وبذلك يستكمل المشهد كل سمات الحياة: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون}.. هكذا في ومضة خاطفة بمقدار ما تنبعث صيحة واحدة. تسمى {زجرة} للدلالة على لون من الشدة فيها، والعنف في توجيهها، والاستعلاء في مصدرها.. {فإذا هم ينظرون}.. فجأة وبلا تمهيد أو تحضير. وإذا هم يصيحون مبهوتين: {وقالوا: يا ويلنا. هذا يوم الدين}.. وبينما هم في بهتتهم وبغتتهم إذا صوت يحمل إليهم التقريع من حيث لا يتوقعون: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون}..! وهكذا ينتقل السياق من الخبر إلى الخطاب موجهاً لمن كانوا يكذبون بيوم الدين. وإن هي إلا تقريعة واحدة حاسمة: ثم يوجه الأمر إلى الموكلين بالتنفيذ: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فأهدوهم إلى صراط الجحيم. وقفوهم إنهم مسؤولون}. احشروا الذين ظلموا ومن هم على شاكلتهم من المذنبين، فهم أزواج متشاكلون.. وفي الأمر ـ على ما فيه من لهجة جازمة ـ تهكم واضح في قوله: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم}.. فما أعجبها من هداية خير منها الضلال. وإنها لهي الرد المكافئ لما كان منهم من ضلال عن الهدى القويم. وإذ لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم! وها هم أولاء قد هدوا. هدوا إلى صراط الجحيم. ووقفوا على استعداد للسؤال. وها هو ذا الخطاب يوجه إليهم بالتقريع في صورة سؤال بريء! {ما لكم لا تناصرون؟}! ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً، وأنتم هنا جميعاً؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر المعين؟! ومعكم آلهتكم التي كنتم تعبدون! ولا جواب بطبيعة الحال ولا كلام! إنما يرد التعليق والتعقيب: {بل هم اليوم مستسلمون}.. عابدين. ومعبودين!!! ثم يعود السياق مرة أخرى إلى الحكاية، ويعرض مشهدهم يجادل بعضهم بعضاً: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين}.. أي كنتم توسوسون لنا عن يميننا ـ كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار غالباً ـ فأنتم مسؤولون عما نحن فيه. وعندئذ ينبري المتهمون لتسفيه هذا الاتهام، وإلقاء التبعة على موجهيه: {قالوا: بل لم تكونوا مؤمنين}.. فلم تكن وسوستنا هي التي أغوتكم بعد إيمان، وأضلتكم بعد هدى.. {وما كان لنا عليكم من سلطان}.. نرغمكم به على قبول ما نراه، ونضطركم إليه اضطراراً لا ترغبون فيه. {بل كنتم قوماً طاغين}.. متجاوزين للحق، ظالمين لا تقفون عند حد. {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون}.. فاستحققنا نحن وأنتم العذاب، وحق علينا الوعيد بأن نذوق العذاب. وقد انزلقتم معنا بسبب استعدادكم للغواية، وما فعلنا بكم إلا أنكم اتبعتمونا في غوايتنا: {فأغويناكم إنا كنا غاوين}.. وهنا يرد تعليق آخر، وكأنه حكم يعلن على رؤوس الأشهاد، يحمل أسبابه، ويعرض ما كان منهم في الدنيا مما حقق قول الله عليهم في الآخرة: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون. إنا كذلك نفعل بالمجرمين. إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون؛ ويقولون: أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون}. ثم يكمل التعليق متوجهاً فيه بالتأنيب والتقبيح لقائلي هذا الكلام المرذول: {بلى جاء بالحق وصدق المرسلين. إنكم لذائقو العذاب الأليم. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون. إلا عباد الله المخلصين}.. وعلى ذكر عباد الله المخلصين ـ الذين استثناهم من تذوق العذاب الأليم ـ يعرض صفحة هؤلاء العباد المخلصين في يوم الدين. ويعود العرض متبعاً نسق الإخبار المصور للنعيم الذي يتقلبون في أعطافه ـ في مقابل ذلك العذاب الأليم للمكذبين ـ: {أولئك لهم رزق معلوم. فواكه وهم مكرمون. في جنات النعيم. على سرر متقابلين. يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون. وعندهم قاصرات الطرف عين. كأنهن بيض مكنون...}. وهو نعيم مضاعف يجمع كل مظاهر النعيم. نعيم تستمتع به النفس ويستمتع به الحس. وتجد فيه كل نفس ما تشتهيه من ألوان النعيم. فهم ـ أولاً ـ عباد الله المخلصون. وفي هذه الإشارة أعلى مراتب التكريم. وهم ـ ثانياً ـ {مكرمون} في الملأ الأعلى. وياله من تكريم! ثم إن لهم {فواكه} وهم على {سرر متقابلين}. وهم يخدمون فلا يتكلفون شيئاً من الجهد في دار الراحة والرضوان والنعيم: {يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون}.. وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشراب، وتنفي عقابيله. فلا خمار يصدع الرؤوس، ولا منع ولا انقطاع يذهب بلذة المتاع! {وعندهم قاصرات الطرف عين} حور حييات لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن حياء وعفة، مع أنهن {عين} واسعات جميلات العيون! وهن كذلك مصونات مع رقة ولطف ونعومة: {كأنهن بيض مكنون}.. لا تبتذله الأيدي ولا العيون! ثم يمضي في الحكاية المصورة؛ فإذا عباد الله المخلصون هؤلاء ـ بعد ما يسرت لهم كل ألوان المتاع ـ ينعمون بسمر هادئ، يتذاكرون فيه الماضي والحاضر ـ وذلك في مقابل التخاصم والتلاحي الذي يقع بين المجرمين في أول المشهد ـ وإذا أحدهم يستعيد ماضيه، ويقص على إخوانه طرفاً مما وقع له: {قال قائل منهم: إني كان لي قرين. يقول: أإنك لمن المصدقين. أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمدينون؟}.. لقد كان صاحبه وقرينه ذاك يكذب باليوم الآخر، ويسائله في دهشة: أهو من المصدقين بأنهم مبعوثون فمحاسبون بعد إذ هم تراب وعظام؟! وبينما هو ماض في قصته يعرضها في سمره مع إخوانه، يخطر له أن يتفقد صاحبه وقرينه ذاك ليعرف مصيره. وهو يعرف بطبيعة الحال أنه قد صار إلى الجحيم. فيتطلع ويدعو إخوانه إلى التطلع معه: قال: {هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم}.. عندئذ يتوجه إلى قرينه الذي وجده في وسط الجحيم. يتوجه إليه ليقول له: يا هذا. لقد كدت توردني موارد الردى بوسوستك. لولا أن الله قد أنعم علي، فعصمني من الاستماع إليك: {قال: تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين}.. أي لكنت من الذين يساقون إلى الموقف وهم كارهون. وتثير رؤيته لقرينه في سواء الجحيم شعوره بجزالة النعمة التي نالها هو وإخوانه من عباد الله المخلصين. فيحب أن يؤكدها ويستعرضها، ويطمئن إلى دوامها، تلذذاً بها وزيادة في المتاع بها فيقول: {أفما نحن بميتين إلا موتتنا الاولى؟ وما نحن بمعذبين؟ إن هذا لهو الفوز العظيم}.. وهنا يرد تعليق يوقظ القلوب ويوجهها إلى العمل والتسابق لمثل هذا المصير: {لمثل هذا} النعيم الذي لا يدركه فوت، ولا يخشى عليه من نفاذ، ولا يعقبه موت، ولا يتهدده العذاب. لمثل هذا فليعمل العاملون.. فهذا هو الذي يستحق الاحتفال. وما عداه مما ينفق فيه الناس أعمارهم على الأرض زهيد زهيد حين يقاس إلى هذا الخلود. ولكي يتضح الفارق الهائل بين هذا النعيم الخالد الآمن الدائم الراضي؛ والمصير الآخر الذي ينتظر الفريق الآخر. فإن السياق يستطرد إلى ما ينتظر هذا الفريق بعد موقف الحشر والحساب الذي ورد في مطلع المشهد الفريد: {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم! إنا جعلناها فتنة للظالمين. إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. طلعها كأنه رؤوس الشياطين. فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون. ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم. ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم}.. أذلك النعيم المقيم خير منزلاً ومقاماً أم شجرة الزقوم؟ وما شجرة الزقوم؟ {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. طلعها كأنه رؤوس الشياطين}.. والناس لا يعرفون رؤوس الشياطين كيف تكون! ولكنه مفزعة ولا شك. ومجرد تصورها يثير الفزع والرعب. فكيف إذا كانت طلعاً يأكلونه ويملأون منه البطون؟! لقد جعل الله هذه الشجرة فتنة للظالمين. فحين سمعوا باسمها سخروا وقالوا: كيف تنبت شجرة في الجحيم ولا تحترق. وقال قائل منهم هو أبو جهل ابن هشام يسخر ويتفكه: "يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها لنزقمنها تزقماً!" ولكن شجرة الزقوم هذه شيء آخر غير ذلك الطعام الذي كانوا يعرفون! {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون}.. فإذا شاكت حلوقهم وهي كرؤوس الشياطين ـ وحرقت بطونهم ـ وهي تنبت في أصل الجحيم ولا تحترق لأنها من نوع الجحيم! ـ وتطلعوا إلى برد الشراب ينقع الغلة ويطفئ اللهيب. فإنهم لشاربون عليها ماء ساخناً مشوباً غير خالص: {ثم إن عليها لشوباً من حميم}.. وبعد هذه الوجبة يغادرون تلك المائدة عائدين إلى مقرهم المقيم. وياله من نزل! وياله من معاد! {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم}.. بذلك يختم المشهد الفريد. وينتهي الشوط الأول من السورة. وكأنما كان قطعة من الواقع المشهود.

ابن عاشور

تفسير : القسم لتأكيد الخبر مَزيدَ تأكيد لأنه مقتضى إنكارهم الوحدانية، وهو قسم واحد والمقسم به نوع واحد مختَلف الأصناف، وهو طوائف من الملائكة كما يقتضيه قوله: {فالتَّالِيَاتِ ذِكْراً}. وعطف «الصِّفات» بالفاء يقتضي أن تلك الصفات ثابتة لموصوف واحد باعتبار جهة ترجع إليها وحدته، وهذا الموصوف هو هذه الطوائف من الملائكة فإن الشأن في عطف الأوصاف أن تكون جارية على موصوف واحد لأن الأصل في العطف بالفاء اتصال المتعاطفات بها لما في الفاء من معنى التعقيب ولذلك يعطفون بها أسماء الأماكن المتصلِ بعضها ببعض كقول امرىء القيس: شعر : بِسِقط اللِّوَى بين الدَّخول فَحَوْمَل فتُوضِحَ فالمقرةِ... البيت تفسير : وكقول لبيد: شعر : بمشارق الجبليين أو بمحجر فتضمنتها فَردَه فمرخاها فصدائق إن أيْمَنت فمظنة ............ البيت تفسير : ويعطفون بها صفاتِ موصوف واحد كقول ابن زيَّابة: شعر : يا لهف زيَّابة للحارث الــــ ــــصابح فالغَانم فالآيب تفسير : يريد صفات للحارث، ووصفه بها تهكماً به. فعن جماعة من السلف: أن هذه الصفات للملائكة. وعن قتادة أن «التاليات ذكراً» الجماعة الذين يتلون كتاب الله من المسلمين. وقسَمُ الله بمخلوقاته يُومىء إلى التنويه بشأن المقسم به من حيث هو دَالّ على عظيم قدرة الخالق أو كونه مشرّفاً عند الله تعالى. وتأنيث هذه الصفات باعتبار إجرَائها على معنى الطائفة والجماعة ليدل على أن المراد أصناف من الملائكة لا آحادٌ منهم. و {الصافات} جمع: صافة، وهي الطائفة المصطفّ بعضها مع بعض. يقال: صف الأمير الجيش، متعدياً إذا جعله صفاً واحداً أو صفوفاً، فاصطفوا. ويقال: فَصَفُّوا، أي صاروا مصطفِّين، فهو قاصر. وهذا من المطاوع الذي جاء على وزن فعله مثل قول العجاج: شعر : قد جَبر الدينَ الإِله فجَبَر تفسير : وتقدم قوله: {أية : فاذكروا اسم اللَّه عليها صَوافّ}تفسير : في سورة [الحج: 36]، وقوله: {أية : والطير صافات}تفسير : [النور: 41]. ووصف الملائكة بهذا الوصف يجوز أن يكون على حقيقته فتكون الملائكة في العالم العلوي مصطفّة صفوفاً، وهي صفوف متقدم بعضها على بعض باعتبار مراتب الملائكة في الفضل والقرب. ويجوز أن يكون كناية عن الاستعداد لامتثال ما يلقى إليهم من أمر الله تعالى قال تعالى، حكاية عنهم في هذه السورة {أية : وإنَّا لنحن الصَّافونَ وإنَّا لنحنُ المُسَبِحُونَ}تفسير : [الصافات: 166،165]. والزجرُ: الحث في نهي أو أمر بحيث لا يُترك للمأمور تباطؤ في الإِتيان بالمطلوب، والمراد به: تسخير الملائكة المخلوقاتِ التي أمرهم الله بتسخيرها خلقاً أو فعلاً، كتكوين العناصر، وتصريف الرياح، وإزجاء السحاب إلى الآفاق. و «التاليات ذكراً» المترددون لكلام الله تعالى الذي يتلقونه من جانب القدس لتبليغ بعضهم بعضاً أو لتبليغه إلى الرسل كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير}تفسير : [سبأ:23]. وبيّنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضَربت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنَّه سلسلة على صفوان فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق»تفسير : . والمراد بــــ«التاليات» ما يتلونه من تسبيح وتقديس لله تعالى لأن ذلك التسبيح لما كان ملقناً من لدن الله تعالى كان كلامهم بها تلاوة. والتلاوة: القراءة، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}تفسير : في [البقرة: 102]، وقوله: {أية : وإذا تليت عليهم آياته}تفسير : [الأنفال:2]. والذكر ما يتذكر به مِن القرآن ونحوه، وتقدم في قوله: {أية : وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر}تفسير : في سورة [الحجر: 6]. وما تفيده الفاء من ترتيب معطوفها يجوز أن يكون ترتيباً في الفضل بأن يراد أن الزجر وتلاوة الذكر أفضل من الصَّف لأن الاصطفاف مقدمة لها ووسيلة والوسيلة دون المتوسَّل إليه، وأن تلاوة الذكر أفضل من الزجر باعتبار ما فيها من إصلاح المخلوقات المزجورة بتبليغ الشرائع إن كانت التلاوة تلاوة الوحي الموحَى به للرسل، أو بما تشتمل عليه التلاوة من تمجيد الله تعالى فإن الأعمال تتفاضل تارة بتفاضل متعلقاتها. وقد جعل الله الملائكة قِسْماً وسَطاً من أقسام الموجودات الثلاثة باعتبار التأثير والتأثر. فأعظم الأقسام المؤثر الذي لا يتأثر وهو واجب الوجود سبحانه، وأدناها المتأثر الذي لا يُؤثر وهو سائر الأجسام، والمتوسط الذي يؤثر ويتأثر وهذا هو قسم المجرَّدات من الملائكة والأرواح فهي قابلة للأثر عن عالم الكبرياء الإِلهية وهي تباشر التأثير في عالم الأجسام. وجِهةُ قابليتها الأثر من عالم الكبرياء مغايِرةٌ لجهة تأثيرها في عالم الأجسام وتصرفها فيها، فقوله: {فالزاجِراتِ زَجْراً} إشارة إلى تأثيرها، وقوله: {فالتالِياتِ ذِكراً}إشارة إلى تأثرها بما يلقى إليها من أمر الله فتتلوه وتتعبّد بالعمل به. وجملة {إنَّ إلٰهَكُم لَواحِدٌ}جواب القسم ومناط التأكيد صفة «واحد» لأن المخاطبين كانوا قد علموا أن لهم إلٰهاً ولكنهم جعلوه عدة آلهة فأبطل اعتقادهم بإثبات أنه واحد غير متعدد، وهذا إنما يقتضي نفي الإِلٰهية عن المتعددين وأما اقتضاؤه تعيين الإِلٰهية لله تعالى فذلك حاصل بأنهم لا ينكرون أن الله تعالى هو الربّ العظيم ولكنهم جعلوا له شركاء فحصل التعدد في مفهوم الإِلٰه فإذا بطل التعدد تعيّن انحصار الإِلٰهية في ربّ واحد هو الله تعالى.

الشنقيطي

تفسير : أكثر أهل العلم على أن المراد بالصافات هنا، والزاجرات، والتاليات: جماعات الملائكة، وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون، وذلك في قوله تعالى عنهم: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} تفسير : [الصافات: 165ـ166] ومعنى كونهم صافين: أن يكونوا صفوفاً متراصين بعضهم جنب بعض في طاعة الله تعالى، من صلاة وغيرها. وقيل: لأنهم يصفون أجنحتهم في السماء، ينتظرون أمر الله، ويؤيد القول الأول حديث حذيفة الذي قدمنا في أول سورة المائدة في صحيح مسلم: وهو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت لنا تربتها طهوراً إذا لم نجد الماء"تفسير : ، وهو دليل صحيح على أن الملائكة يصفون كصفوف المصلين في صلاتهم، وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على أنهم يلقون الذكر على الأنبياء، لأجل الإعذار والإنذار به كقوله تعالى: {أية : فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً} تفسير : [المرسلات: 5ـ6]، فقوله: فالملقيات ذكراً كقوله هنا: فالتاليات ذكراً، لأن الذكر الذي تتلوه تلقيه إلى الأنبياء كما كان جبريل ينزل بالوحي، على نبيّنا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه على الجميع، وقوله: عذراً أو نذراً: أي لأجل الإعذار والإنذار، أي بذلك الذكر الذي تتلوه وتلقيه، والإعذار: قطع العذر بالتبليغ. والإنذار قد قدمنا إيضاحه وبيّنا أنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 1ـ2] وقوله في هذه الآية: {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} الملائكة تزجر السحاب، وقيل تزجر الخلائق عن معاص الله بالذكر الذي تتلوه، وتلقيه إلى الأنبياء. وممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي جماعات الملائكة: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة؛ كما قاله القرطبي وابن كثير وغيرهما، وزاد ابن كثير وغيره ممن قال به: مسروقاً والسدي والربيع بن أنس، وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء. واستأنس لذلك بقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الملك: 19] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} تفسير : [النور: 41] الآية. وقال بعض العلماء: المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم للصلاة، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} تفسير : [الصف: 4]. وقال بعض العلماء أيضاً المراد بالزاجرات زجراً، والتاليات ذكراً: جماعات العلماء العاملين يلقون آيات الله على الناس، ويزجرون عن معاص الله بآياته، ومواعظه التي أنزلها على رسله. وقال بعضهم: المراد بالزاجرات زجراً جماعات الغزاة يزجرون الخيل، لتسرع إلى الأعداء، والقول الأول أظهر وأكثر قائلاً، ووجه توكيده تعالى قوله: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} بهذه الأقسام، و "بإنَّ" و "اللام" هو أن الكفار أنكروا كون الإله واحداً إنكاراً شديداً وتعجبوا من ذلك تعجباً شديداً، كما قال تعالى عنهم: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : ، [ص: 5] ولما قال تعالى: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} أقام الدليل على ذلك بقوله: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ}، فكونه خالق السماوات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب، برهان قاطع على أنه المعبود وحده. وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده، أقامه على ذلك أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 163]، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متَّصلاً به: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164]. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلتُ: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت‌ُ: إمّا أن تدلّ على ترتب معانيها في الوجود كقوله: شعر : يا لهف زيابة للحارث الـ صابح فالغانم فالآئب تفسير : كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات. فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟ قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه. بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة، وجعلتهم جامعين لها فعطفها بالفاء يفيد ترتباً لها في الفضل، إما أن يكون الفضل للصف، ثم للزجر ثم للتلاوة. وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقوّاد الغزاة. وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلاً أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات الطير، وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية، وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر، فإن الموصوفات مختلفة. انتهى كلام الزمخشري في الكشاف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: كلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان، والقرطبي وغيرهما، ولم يتعقبوه، والظاهر أنه كلام لاتحقيق فيه، ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره: هل هو كذا أو على العكس، وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله، لأن من جزم بشيء ثم جوز فيه النقيضين دل ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به. والأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرد الترتيب الذَّكري والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذَّكري فقط، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات أسلوب عربي معروف جاء في القرآن في مواضع، وهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في القرآن العظيم قوله تعالى: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البلد: 11ـ17] الآية، فلا يخفى أن ثم حرف ترتيب وأن المرتب به الذي هو كونه من الذين آمنوا لا ترتب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذَّكري، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 153ـ154] الآية، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذِكْرِي. وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} تفسير : [البقرة: 199]. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله: شعر : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده تفسير : وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: {وَرَبُّ ٱلْمَشَارِق}، لم يذكر في هذه الآية إلا المشارق وحدها، ولم يذكر فيها المغارب. وقد بيّنا في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب": وجه اختلاف ألفاظ الآيات في ذلك. فقلنا فيه في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} تفسير : [البقرة: 115] ما لفظه أفرد في هذه الآية الكريمة المشرق والمغرب، وثناهما في سورة الرحمن في قوله تعالى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17] وجمعهما في سورة "سَأَلَ سَائِل" في قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} تفسير : [المعارج: 40] وجمع المشارق في سورة الصافات في قوله تعالى: {أية : رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} تفسير : [الصافات: 5]. والجواب: أن قوله هنا: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِب} المراد به جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك كما رُوي عن ابن عباس وغيره. قال ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما معنى ذلك: ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كلّ يوم. فتأويله إذا كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق وقطري المغرب إذا كان شروق الشمس كلّ يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده، وكذلك غروبها. انتهى منه بلفظه. وقوله: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17] يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، ومغربهما كما عليه الجمهور، وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما. وقوله: {أية : بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِب} تفسير : [المعارج: 40] أي مشارق الشمس ومغاربها كما تقدم. وقيل: مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أُقسم بطوائف من خلقى، تصطف بنفسها صفا مُحكماً فى مقام العبودية والانقياد. 2- فالمانعات للمتجاوز حدوده منعاً شديداً، يبقى النظام ويحفظ الأكوان. 3- فالتاليات للآيات يذكرون الله ذكراً بالتسبيح والتمجيد. 4- إن إلهكم المستوجب للعبادة لواحد لا شريك له فى ذات أو فعل أو صفة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والصافات صفا: أي الملائكة تصف أنفسها في الصلاة وأجنحتها في الهواء. فالزاجرات زجرا: أي الملائكة تزجر السحاب أي تسوقه حيث يأذن الله. فالتاليات ذكرا: أي فالجماعات التاليات للقرآن ذكرا. إن إلهكم لواحد: أي إن إلهكم المعبود الحق لكم أيها الناس لواحد. رب السماوات والأرض وما بينهما: أي هو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما أي خالقهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما. ورب المشارق: أي والمغارب وهي مشارق الشمس ومغاربها إذ للشمس كل يوم مشرق ومغرب. وحفظاً من كل شيطان مارد: أي وحفظناها حفظاً من كل شيطان مارد خارج عن الطاعة. لا يسمعون إلى الملأ الأعلى: أي لا يستمعون إلى الملائكة في السماوات العلا. ويقذفون من كل جانب دحوراً: يُرمون بالشهب من كل جوانب السماء دحورا أي إبعاداً لهم. عذاب واصب: أي دائم لا يفارقهم. إلا من خطف الخطفة: أي اختطف الكلمة من الملائكة بسرعة وهرب. فاتبعه شهاب ثاقب: أي كوكب مضيء ثاقب يثقبه أو يحرقه أو يخلبه أي يفسده. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} هذا قسم إلهي يؤكد به تعالى إلهيته على عباده فقد أقسم بالصافات والزاجرات والتاليات ذكرا أي قرآنا، وسواء قلنا أقسم بهذه المخلوقات إذ لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه وإنما الممنوع أن يقسم العبد بغير ربّه تعالى. أو قلنا أقسم تعالى بنفسه أي وربّ الصافات الخ فالقسم حاصل من أجل تقرير التوحيد، وهذا الإِقسام جار على عرف البشر في أنهم إذا أخبروا بشيء يشكون في صحته فيؤكد لهم المُخبر الخبر باليمين ليزيل الشك من نفوسهم. وقوله {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} هو المقسم عليه وهو أن إله البشرية كلها واحد وهو الله خالقها ورازقها وليس لها من إله غيره، وما عندها من آلهة فهي آلهة باطلة ويكفي في بطلانها أنها أصنام وصور وتماثيل وصلبان لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر. وقوله {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} تدليل على وحدانية الله تعالى إذ هو خالق السماوات والأرض وما بينهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما، وربّ المشارق أيضا والمغارب أي مشارق الشمس ومغاربها إذ كل يوم تشرق وتغرب في درجة معينة فالإله الحق هو الخالق للعوالم والمدبر لها لا الذي ينحته الرجل بيده ويقول هو إلهي زورا وباطلا. ألا فليتحرر المشركون من أسر الشيطان ويعبدوا الرحمن. وقوله تعالى {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} هذه مظاهر القدرة والعالم والحكمة إنه وحده تعالى زين السماء الدنيا أي القريبة من الأرض بزينة هي الكواكب المشرقة المنيرة. وقوله {وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} أي وحفظنا السماء حفظا تاما من كل شيطان عادٍ متمرد عن الطاعة. وقوله {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} أي لا يتسمعون إلى الملائكة في السماء حتى لا ينقلوا أخبار الغيب إلى أوليائهم من الكهان في الأرض. وقوله {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي ويرمى أولئك المردة من الشياطين من قبل الملائكة من كل جهة من جهات السماء دحورا أي لدحرهم وإبعادهم. وقوله تعالى {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} لأولئك المردة من الشياطين عذاب واصب موجع دائم وقوله {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} أي اختطف الكلمة بسرعة {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي كوكب مضيئ فثقبه فقتله أو أحرقه أو خبله أي أفسده، وبهذا حُمِيت السماء بالملائكة من دخول الشياطين إليها واستراق السمع. والحمد لله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الله تعالى يقسم ببعض مخلوقاته إما تنويها بعظمتها المقرر ضمنا لعظمة خالقها وإما بيانا لفضلها وإما لفتا لنظر العباد إلى ما فيها من الفوائد. 2- تقرير التوحيد وأنه لا إله إلا الله. 3- بيان الحكمة من وجود النجوم في السماء الدنيا. 4- بيان أن الشياطين حرموا من استراق السمع، ولم يبق مجال لكذب الشياطين على الناس بعد أن منعوا من استراق السمع.

القطان

تفسير : الصافات: جماعة الملائكة. فالزاجرات: من صِفات أعمال الملائكة. فالتاليات: من صفات أعمالهم ايضاً المشارق: مشارق الشمس وجميع الكواكب والنجوم، لأن الشمس تشرق كل يوم من جهة، وكذلك المغارب لم يذكرها اكتفاء بتعدُّد المشارق. السماء الدنيا: اقرب سماءٍ لنا. مارد: متمرد. الملأ: الجماعة يجتمعون على رأي، والمراد هنا الملائكة: يقذفون: يرجمون. دحورا: طرداً وابعادا. واصِب: دائم. خطف الخطفة: أخذ بسرعة على غِرة. الشهاب: الشعلة من النار، والنجم المضيىء المنقضّ من السماء. ثاقب: مضيىء. أقسَم الله سبحانه وتعالى بالملائكة المصطفّين في مقام العبودية، الذين يردعون الناسَ عن الشر، ويتلون آياتِه على الأنبياء أن الله المعبود واحدٌ، لا شريك له، هو رب السماوات والأرض وما بينهما، وربّ المشارق والمغارب. وانه زيّن السماءَ الدنيا التي نراها بالكواكب وجعل هذه الكواكب حفاظاً للسماء من كل شيطان متمرد، فلا يمكن للشياطين المتمرّدين التسمُّعُ الى ما يجري في عالم الملائكة، واذا أرادوا ذلك رُجموا من كل جانب، وطُردوا طرداً عنيفاً، ولهم عذاب شديدٌ دائم، الا من اختلس الكلمةَ من أخبار السماء فإننا نُتبعه بشهابٍ ثاقب يلحقه فيصيبه ويحرقه حرقا. اما كيف يتم هذا كله فإننا لا نعرفه.. فهو من الغيبيات التي تعجز طبيعتنا البشرية عن تصوّر كيفياتها، ونصدّق بها وبما جاء من عند الله. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: بزينةِ الكواكب بجر زينة والكواكب مضاف اليه. وقرأ ابو بكر: بزينةٍ الكواكبَ بنصب الكواكب وجر زينة منونا. والباقون: بزينةٍ الكواكبِ بتنوين زينة مجردا وخفض الكواكب على البدل. وقرأ الكسائي وحمزة وخلف وحفص: لا يَسَّمّعون بفتح السين والميم وتشديدهما. وقرأ الباقون: لا يسمعون باسكان السين وفتح الميم بدون تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّافَّاتِ} (1) - قَسَماً بِالمَلاَئِكَةِ الذِينَ يُتِمُّونَ صُفُوفَهُمْ، وَيَتَرَاصُّونَ فِيهَا وَهُمْ وَقُوفٌ فِي مَقَامِ العُبُودِيَّةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَكَيْفَ تَصُفُّ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّتفسير : ). (رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمْ).

الثعلبي

تفسير : {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} قال ابن عباس ومسروق والحسن وقتادة: يعني صفوف الملائكة في السماوات كصفوف الخلق في الدُّنيا للصلاة، وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها بما يريد، وقيل: هي الطير، دليله قوله: {أية : وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ}تفسير : [النور: 41] وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ}تفسير : [الملك: 19]. والصف: ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة والحرب. {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن. {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} يعني جبرائيل والملائكة تتلو كتب الله، عن مجاهد والسدي، وقيل: هي جماعة قرّاء القرآن، وهي كلها جمع الجمع، فالصافة جمع الصاف، والصافات جمع الصافة وكذلك أُختاها، وقيل: هو قسم بالله تعالى على تقدير: وربّ الصافات. {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} موضع القسم قال مقاتل: لأنّ كفار مكة قالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ فأقسم الله تعالى بهؤلاء: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}، وقرأ الأعمش وأبو عمرو وحمزة كلّهم بالإدغام، والباقون بالبيان. {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} أي مطالع الشمس؛ وذلك أنّ الله تعالى خلق للشمس ثلاثمئة وستين كوة في المشرق، وثلثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة تطلع كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها فهي المشارق والمغارب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي إملاءً قال: حدّثنا أبو العباس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي إملاءً قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرَّحْمن بن عمر بن منيع صدوق ثقة قال: حدّثنا ابن عليه عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة قال: قال ابن عباس: إنّ الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كوة تطلّع كل يوم في كوة ولا ترجع إلى تلك الكوة إلاّ ذلك اليوم من العام القابل، ولا تطلع إلاّ وهي كارهة، فتقول: ربّ لا تطلعني على عبادك؛ فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك أراهم. قال: أولم تسمعوا إلى ما قال أُمية بن أبي الصلت: حتى تجر وتجلد؟ قلت: يا مولاي وتجلد الشمس؟ قال: عضضت بهن أبيك، إنما اضطره الروي إلى الجلد. وقيل: وكل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق، وكل موضع غربت عليه فهو مغرب، كأنه أراد ربّ جميع ما شرقت عليه الشمس. {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} قرأ عاصم برواية أبي بكر (بزينة) منونة (الكواكب) نصباً، يعني بتزييننا الكواكب، وقيل: أعني الكواكب، وقرأ حمزة وعاصم في سائر الروايات (بزينة) منونة. {ٱلْكَوَاكِبِ} خفضاً على البدل، أي بزينة الكواكب. وقرأ الباقون {بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} مضافة. قال ابن عباس: يعني بضوء الكواكب. {وَحِفْظاً} أي وحفظناها حفظاً، أو وجعلناها أيضاً حفظاً، وذلك شائع في اللغة {مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ}: خبيث خال عن الخير. {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} كأنه قال: فلا يسمعون. قرأ أهل الكوفة {يَسَّمَّعُونَ} بالتشديد، أي يتسمعون، قال مجاهد: كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون، وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو اختيار أبي حاتم، {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} يعني الكتبة من الملائكة في السماء {وَيُقْذَفُونَ}، ويرمون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} من آفاق السماء. {دُحُوراً} يبعدونهم عن مجالس الملائكة، والدحر والدحور: الطرد والإبعاد، {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ}: دائم، نظيره قوله سبحانه: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً}تفسير : [النحل: 52]، وقال ابن عباس: شديد. الكلبي: موجع، وقيل: خالص. {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ}: مسارق فسمع الكلمة، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}: تبعه ولحقه كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقتل أو يحرق أو يحيل، وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه؛ طمعاً في السلامة ونيل المراد كراكب البحر. {فَٱسْتَفْتِهِمْ} فسلهم، يعني: أهل مكة {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} يعني: من الأُمم الخالية، وقد أهلكناهم بذنوبهم، وقيل: يعني السماوات والأرض وما بينهما. نزلت في أبي الأسد بن كلدة، وقيل: أُبيّ بن أسد، وسُمّي بالأسدين؛ لشدة بطشه وقوته، نظيرها: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] وقوله سبحانه {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ}تفسير : [النازعات: 27]. {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي جيد حر يلصق ويعلق، باليد ومعناه اللازم تبدل الميم كأنه يلزم اليد، وقال السدي: خالص. قال مجاهد والضحاك: [الرمل]. {بَلْ عَجِبْتَ} قرأ حمزة والكسائي وخلف (عجبتُ) بضم التاء - وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس على معنى أنهم قد حلّوا محل من تعجّب منهم، وقال الحسين بن الفضل: العجب من الله، إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب، وقد جاء في الخبر: عجب ربكم من إلّكم وقنوطكم والخبر الآخر: إنّ الله ليعجب من الشاب إذا لم يكن له صبوة ونحوها، وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي البغدادي يقول: سُئل جنيد عن هذه الآية فقال: إنّ الله لا يعجب من شيء، ولكنّ الله وافق رسوله لمّا عجب رسوله، فقال: ف {أية : تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ}تفسير : [الرعد: 5]. أي هو لما يقوله. وقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وهي قراءة شريح القاضي. قال: إنما يعجب من لا يعلم، والله عنده علم كلّ شيء، ومعناه، بل عجبت من تكذيبهم إياك. {وَيَسْخَرُونَ} وهم يسخرون من تعجبّك. {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ} وإذا وعظوا لا يتعظون. {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} يعني انشقاق القمر {يَسْتَسْخِرُونَ} يسخرون وقيل: يستدعي بعضهم بعضاً إلى أن يسخر. {وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا} يعني: وآباؤنا {أَوَ} بمعنى الواو {ٱلأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}: صاغرون. {فَإِنَّمَا هِيَ} يعني: النفخة والقيامة {زَجْرَةٌ}: صيحة {وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} أحياء. {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} أخبرني الحسن بن محمد المدني قال: حدّثنا محمد بن علي الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا عمّي أبو بكر قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن سماك، عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} قال: "حديث : ضرباءهم"تفسير : ، وقال ابن عباس: أشباههم. ضحاك ومقاتل: قرناءهم من الشياطين، كل كافر معه شيطانه في سلسلة. قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا، وقال الحسن: وأزواجهم المشركات. {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ} في الدنيا {فَٱهْدُوهُمْ}: فادعوهم، قاله الضحاك، وقال ابن عباس: دلّوهم، وقال ابن كيسان: فدلوهم، والعرب تسمي السائق هادياً، ومنه قيل: الرقية هادية السائق، قال امرؤ القيس: شعر : كأن دماء الهاديات بنحره عصارة حنا بشيب مرجّل تفسير : {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}: طريق النار.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا الأسلوب يُسمَّى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقْسِم يُقسِم على {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} [الصافات: 4] وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منَّا إنْ أقسمنا أَلاَّ نُقسِم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أنَّ الحق سبحانه يقسم بخَلْق من خَلْقه، فيُقسِم بالملائكة، ويُقسِم بالحيوان، ويُقسِم بالجبال، ويُقسِم بالفجر .. الخ. قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله ". تفسير : فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: {أية : ..ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} تفسير : [النساء: 1] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام. والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك. والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل. كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} تفسير : [المزمل: 5]. فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!! لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-5]. والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان. فهم يعرفون {ٱلضُّحَىٰ} [الضحى: 1] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} تفسير : [الضحى: 2] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟ لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر. إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً. هنا يقول تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} [الصافات: 1] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس: 3] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار. فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [القيامة: 1] أو: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} تفسير : [البلد: 1-4] وفي: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76]. وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك. ومعنى {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً} [الصافات: 1-3] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، حديث : لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان في استعراض الجنود في المعركة يُسوِّي الصفوف، فلما رأى رجلاً شَذَّ عن الصف وخرج عنه فشكَّه في بطنه ليستقيم في مكانه من الصَّف، وكان الرجل محباً لرسول الله، فقال: أوجعتني يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه بطني اقتصّ منها" فأقبل الرجل يُقبِّل رسول الله ويقول: والله يا رسول الله لقد أمَّلْتُ أن أستشهد، فأحببتُ أن يكون آخر عهدي بالحياة أنْ يمسَّ جسدي جسدك الشريف . تفسير : والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره. وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} تفسير : [طه: 64] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22]. وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الملك: 19]. صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} تفسير : [فاطر: 41]. إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم. ويقول عن الملائكة عموماً: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} تفسير : [الصافات: 165] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: {أية : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} تفسير : [الغاشية: 15]. بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} تفسير : [الصف: 4] معنى {أية : فِي سَبِيلِهِ} تفسير : [الصف: 4] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 122]. فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه. وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال. إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها. والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه. {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} [الصافات: 2] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: {أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} تفسير : [الجن: 9]. وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم. فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} تفسير : [الصافات: 6-9]. أما {فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً} [الصافات: 3] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله. آخرون فهموا {وَٱلصَّافَّاتِ} [الصافات: 1] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى {وَٱلصَّافَّاتِ} [الصافات: 1] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : سَوُّوا صفوفكم، فإنَّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" تفسير : وقال: "حديث : إن الله لا ينظر إلى الصّف الأعوج" تفسير : والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته. فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} [الصافات:1-2] ومعنى {فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً} [الصافات: 3] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 2-4]. هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} [الصافات: 4] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا أَبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أَحمد الهمذاني قال: نا إبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي، قال: نا آدم ابن أَبي إِياس، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} [الآية: 1]. قال: يعني الملائكة. {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} [الآية: 2]. قال: يعني الملائكة، {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} [الآية: 3]. قالك يعني الملائكة. أَنبا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيُقْذَفُونَ} قال: يرمون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} [الآية: 8]. يعني: من كل مكان. {دُحُوراً} [الآية: 9]. قال: يعني مطرودين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَاصِبٌ} [الآية: 9]. قال: يعني دائم.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {فَٱلزَّاجِرَاتِ} الزجر: الدفع عن الشيء بقوةٍ أو صياح، والزجرة: الصيحةُ من قولك: زجر الراعي الغنم إِذا صاح عليها فرجعت لصوته {مَّارِدٍ} عاتي متمرد {ثَاقِبٌ} محرق شديد النفاذ {وَاصِبٌ} دائم لا ينقطع {لاَّزِبٍ} ملتزق بعضه ببعض {مَّعِينٍ} شراب نابع من العيون {غَوْلٌ} الغول: كل ما يغتال العقل ويفسده قال أبو عبيدة: الغول ما يغتال العقل ويذهبه وأنشد قول ابن إياس: شعر : وما زالتِ الخمر تغتالنا وتذهب بالأول فالأول تفسير : {كَأْسٍ} قال أهل اللغة: العرب تقول للإِناء إِذا كان فيه خمر كأس، فإِذا لم يكن فيه خمر قالوا: إناء وقدح قال الشاعر: شعر : وكأسٍ شربتُ على لذةٍ وأُخرى تداويتُ منها بها تفسير : {يُنزَفُونَ} يسكرون يقال: نُزف الرجل فهو نزيف ومنزوف إذا سكر قال الشاعر: شعر : لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو لبئس النَّدامى كنتم آل أبجرا تفسير : التفسِير: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته، إظهاراً لعظم شأنها، وكبر فوائدها، وتنبيهاً للعباد على جلالة قدرها والمعنى: أقسم بهذه الطوائف من الملائكة، الصافات قوائمها في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفاً، وفي الحديث "حديث : ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف يا رسول الله؟ قال: يُتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف"تفسير : أقسم تعالى بالملائكة تنبيهاً على جلالة قدرهم، وكثرة عبادتهم، فهم مع عظيم خلقهم ورفعة شأنهم لا ينفكون عن عبادة الله، يصطفون للعبادة كاصطفاف المؤمنين في الصلاة، مع الخشوع والخضوع للعزيز الجبار، الذي دانت له الخلائق، وخضعت لجلال هيبته الرقاب، بما فيهم حَمَلة العرش والملائكة الأطهار {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} أي الملائكة التي تزجر السحاب، يسوقونه إلى حيث شاء الله، من الزجر بمعنى السوق والحث {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} وصفٌ ثالثٌ للملائكة الأبرار، إشادةً بذكر محاسنهم ومناقبهم العلوية أي وأقسمُ بالملائكة التالين لآيات الله على أنبيائه وأوليائه، مع التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} هذا هو المقسم عليه أي إِن إِلهكم الذي تعبدونه - أيها الناس - إله واحدٌ لا شريك له، قال مقاتل: إِن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ وكيف يسع هذا الخلق إله فرد؟ فأقسم الله بهؤلاء تشريفاً، ثم بيَّن تعالى معنى وحدانيته وألوهيته فقال {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي هو تعالى خالق السمٰوات والأرض ومالكهما وما بينهما من المخلوقات والموجودات، فإِن وجودهما وانتظامهما على هذا النمط البديع، من أوضح الدلائل على وجود الله ووحدانيته {وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} أي وهو رب مشارق الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف قال الطبري: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالة الكلام عليه ثم أخبر عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، بعد أن أخبر عن وحدانيته فقال {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} أي زينا السماء القريبة منكم بالكواكب المنيرة المضيئة، التي تبدو وكأنها جواهر تتلألأ {وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} أي وللحفظ من كل شيطان عاتٍ متمرد، خارج عن طاعة الله قال قتادة: خلقت النجومُ لثلاث: رجوماً للشياطين، ونوراً يُهتدى بها، وزينةً للسماء الدنيا وقال أبو حيان: خصَّ السماء الدنيا بالذكر لأنها هي التي تُشاهد بالأبصار، وفيها وحدها يكون الحفظ من الشياطين {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} أي لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي، وقيل المعنى: لئلا يتسمَّعوا إلى الملأ الأعلى {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي ويُرجمون بالشهب من كل جهةٍ يقصدون السماء منها {دُحُوراً} أي طرداً لهم عن السماع لأخبار السماء قال الطبري: أي مطرودين، من الدحر وهو الدَّفعُ والإِبعاد {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} أي ولهم في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} أي إلاَّ من اختلس شيئاً مسارقةً {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي فلحقه شهاب مضيءٌ، نافذ بضوئه وشعاعه فأحرقه قال المفسرون: قد يخطف الشيطان المارد خطفةً سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهابٌ يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقاً قال القرطبي: وليست الشهب التي يرجم بها الشياطين من الكواكب الثوابت، لأن الثابتة تجري ولا تُرى حركاتها، وهذه الشهب تُرى حركاتها {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي فسلْ يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} أي أيهم أقوى بُنيةً وأشد خلْقاً هل هم أم السمٰوات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي من طينٍ رخوٍ لزج لا قوة فيه قال الطبري: وإِنما وصفه باللزوب لأنه ترابٌ مخلوطٌ بماء، وكذلك خُلِق ابنُ آدم من ترابٍ وماء، ونار وهواء، والترابُ إِذا خُلط بماءٍ صار طيناً لازباً، والغرضُ من الآية إِقامةُ البرهان على إعادة الإِنسان، فالذي خلقه من العدم وخلق هذه الخلائق، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد الفناء {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} أي بل عجبتَ يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك ومما تقول لهم في ذلك قال أبو السعود: المعنى عجبتَ من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإِنكارهم للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ} أي وإِذا وُعظوا بالقرآن وخوّفوا به، لا يتعظون ولا يتدبرون {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} أي وإِذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة تدل على صدقك كانشقاق القمر، وتكليم الشجر والحجر، يبالغون في السخرية أو يدعون غيرهم للسخرية والاستهزاء {وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا سحر واضح بيِّن قال في البحر: والإِشارة بـ "هذا" إلى ما ظهر على يديه عليه السلام من الخارق المعجز {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} الاستفهام للإِنكار والاستهزاء أي أئذا أصبحت أجسادنا بالية، وتفتَّت أجزاؤها إلى تراب وعظام سوف نبعث؟ {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} أي أو آباؤنا الأولون كذلك سيُبعثون؟ قال الزمخشري: أي أيبعث أيضاً آباؤنا؟ وهذا زيادة في استبعاد الأمر، يعنون أنهم أقدم، فبعثُهم أبعدُ وأبطل {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} أي قل لهم نعم تُبعثون وأنتم صاغرون {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي وما هي إلا صيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور للقيام من القبور {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} أي فإِذا هم قيامٌ في أرض المحشر ينظر بعضهم إلى بعض قال القرطبي: الزجرةُ: الصيحةُ وهي النفخةُ الثانية، وسميت زجرة لأن مقصودها الزجر، كزجر الإِبل، والخيل عند السَّوق.. ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم أهوال القيامة فقال {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} أي يا هلاكنا وخسارتنا هذا هو يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي هذا يوم الفصل بين الخلائق الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به قال البيضاوي: الفصلُ: القضاءُ والتفريق بين المحسن والمسيء {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} أي اجمعوا الظالمين وأشباههم من العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه قال القرطبي: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق وقال ابن عباس: اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه المراد به أشباههم من العصاة {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي وما كانوا يعبدون من الأوثان والأصنام، وذلك زيادةً في تحسيرهم وتخجيلهم {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي لفظ {اهدوهم} تهكم وسخرية، فإِذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً وأنتم هنا جميعاً؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر "نحن جميعٌ منتصر" وأصل {تَنَاصَرُونَ} تتناصرون حذفت إحدى التاءين تخفيفاً، قال تعالى {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون والمعبودون {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون قال أبو السعود: وسؤالهم إنما هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال {قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إِنكم كنتم تأتوننا من قبل الحقِّ، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق الهدى قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوة والقدرة كقول الشاعر: شعر : إِذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ تلقَّاها عرابةُ باليمين تفسير : وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار غالباً {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإِيمان، بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرةً للإِيمان، قابلةً للكفر والعصيان {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة نقهركم بها على متابعتنا {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} أي بل كاف فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} أي فوجب علينا جميعاً وعيد الله لنا بالعذاب {إِنَّا لَذَآئِقُونَ} أي فإِنا لذائقو هذا العذاب لا محالة {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} أي فزينا لكم الباطل، ودعوناكم إلى الغيّ لأننا كنا على غيٍّ وضلال، قال تعالى مخبراً عن حالهم {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي فإِنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكنْ كما قال تعالى {أية : وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}تفسير : [الزخرف: 39] {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بيَّن تعالى السبب فقال {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} أي إِذا قيل لهم قولوا {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} يتكبَّرون ويتعظَّمون {وَيَقُولُونَ أَءِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}؟ أي ويقولون عندما يُدعون إلى التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعرٍ مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى رداً عليهم {بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي ليس الأمرَ كما يفترون بل جاءهم محمد بالتوحيد والإِسلام الذي هو الحقُّ الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل قبله قال أبو حيان: جمع المشركون بين إِنكار الوحدانية، وإِنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم "شاعر مجنون" فإِن الشاعر عنده من الفهم والحذق ما ينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنوناً لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ} أي إنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي لا تُعاقبون إلا جزاء مثل عملكم قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة.. ولمّا ذكر شيئاً من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئاً من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيباً وترهيباً فقال {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} الاستثناء منقطع أي لكنْ عباد الله المُخلَصين الموحدين، فإِنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يُجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.. ثم أخبر عن جزائهم فقال {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحاً ومساءً كما قال تعالى {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}تفسير : [مريم: 62] وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله: {فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ} أي فواكهُ متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معزَّزون مكرَّمون، وخصَّ الفواكه بالذكر لأن كل ما يؤُكل في الجنة إِنما هو على سبيل التفكه والتلذذ {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي في رياضٍ وبساتين يتنعمون فيها {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} أي على أسرَّة مكلَّلة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاءوا قال مجاهد: {مُّتَقَابِلِينَ} أي لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض تواصلاً وتحابباً {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأسٍ من الخمر من نهر جارٍ خارج من عيون الجنة قال الصاوي: وصف به خمر الجنة لأنه يجري كالماء النابع وقال ابن عباس: كل كأسٍ في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية {بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} أي هذه الخمر بيضاء ذات لذةً للشاربين، يلتذ بها من شربها قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا قال ابن كثير: نزَّه الله سبحانه خمر الجنة عن الآفات التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صُداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشُّرَّاب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خُمار يصدع الرءوس، ولا سكر ولا عربدة يُذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياءً وعفةً، قال ابن عباس: {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن {عِينٌ} أي وهنَّ مع العفة واسعات جميلات العيون قال الطبري: أي نُجل العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ما تكون من العيون {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} أي كأنهن اللؤلؤ المكنون في أصدافه قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى {أية : وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ}تفسير : [الواقعة: 22-23] وقال الحسن: {ٱلْمَكْنُونِ} المصون الذي لم تمسَّه الأيدي.. والغرضُ أنهنَّ مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدُّر في أصدافه، مع رقةٍ ولطفٍ ونعومة {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} لا تبتذله الأيدي ولا العيون، والعربُ تشبّه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولاً الرزق وهو ما تتلذذ به الأجسام، وثانياً الإِكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل وهو جنات النعيم، ثم لذة التآنس والاجتماع {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} وهو أتم للسرور وآنس، ثم ذكر المشروب وهو الخمر التي تدار عليهم بالكؤوس ولا يتناولونها بأنفسهم، ثم ختم باللذة الجسدية - أبلغ الملاذ - وهي التآنس بالنساء ثم أخبر تعالى عما يتحدث به أهل الجنة للأنس والسرور، وهم على موائد الشراب يتلذذون بكل ممتع، وينعمون بتجاذب أطراف الحديث فقال {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي جلسوا يتحدثون عما جرى لهم في الدنيا، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا وثمرة الإِيمان {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي قال قائل من أهل الجنة إني كان لي في الدنيا صديقٌ وجليس ينكر البعث {يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} أي يقول لي أتصدِّق بالبعث والجزاء؟ {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ}؟ أي هل إِذا متنا وأصبحنا ذراتٍ من التراب وعظاماً نخرة، أئنا لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد {قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ}؟ أي قال ذلك المؤمن لإِخوانه في الجنة: هل أنتم مطَّلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين؟ قال تعالى {فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أي فنظر فأبصر صاحبه الكافر في وسط الجحيم يتلظى سعيرها {قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} أي فخاطبه المؤمن شامتاً وقال له: واللهِ لقد قاربت أن تهلكني بإِغوائك {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} أي ولولا فضلُ الله عليَّ بتثبيتي على الإِيمان، لكنتُ معك في النار محضراً ومعذباً في الجحيم، ثم يخاطبه مستهزءاً ساخراً كما كان ذلك الكافر يستهزىء به في الدنيا {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}؟ أي هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتةً واحدة، وأنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساخر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الكافر، والتحدث بنعمة الله عليه قال تعالى {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي إن هذا النعيم الذي ناله أهل الجنة لهو الفوز العظيم {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُون} أي لمثل هذا الجزاء الكريم يجب أن يعمل العاملون ويجتهد المجتهدون. قال المفسرون: أشارت الآيات الكريمة إلى قصة شريكين كان لهما ثمانية آلاف درهم، فكان أحدهما يعبد الله ويقصِّر في التجارة والنظر إلى أمور الدنيا، وكان الآخر مقبلاً على تكثير ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، وكان كلما اشترى داراً أو جارية أو بستاناً أو نحو ذلك عرضه على المؤمن وفخر عليه بكثرة ماله، وكان المؤمن إِذا سمع ذلك يتصدَّق بنحوٍ من ذلك ليشتري له به قصراً في الجنة، فإِذا لقيه صديقه قال ما صنعت بمالك؟ قال: تصدقت به لله! فكان يسخر منه ويقول: أئنك لمن المصدِّقين؟ فكان أمرهما ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} لأن السخرية في مقابلة التعجب. 2- التأكيد بإِن واللام {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} ومقتضى الكلام يقتضيه لإِنكار المخاطبين للوحدانية. 3- الأسلوب التهكمي {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} وردت الهداية بطريق التهكم، لأن الهداية تكون إلى طريق النعيم لا الجحيم. 4- الإِيجاز بالحذف {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي قولوا لا إله إلا الله، وحذف لدلالة السياق عليه. 5- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ} والأصل إِنهم لذائقو وإِنما التفت لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم. 6- الكناية {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} كنَّى بذلك عن الحور العين لأنهن عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. 7- التشبيه المرسل والمجمل {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} حذف منه وجه الشبه فأصبح مجملاً. 8- مراعاة الفواصل وهو من المحسنات البديعية مثل {شِهَابٌ ثَاقِبٌ، عَذابٌ وَاصِبٌ، طِينٍ لاَّزِبٍ} إِلى آخره.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} أي الملائكة {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} أي الملائكة. {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} أي الملائكة. والتالي: القَارئ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} الآية هذه السورة مكية ومناسبة أولها لآخر يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته على إحياء الموتى وأنه هو منشئهم وإذا تعلقت إرادته بشىء كان ذكر تعالى وحدانيته إذ لا يتم ما تعلقت به الإِرادة وجوداً وعدماً إلا بكون المريد واحداً وأقسم تعالى بأشياء من مخلوقاته والصافات. قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفاً. {فَٱلزَّاجِرَاتِ} قال مجاهد: الملائكة تزجر السحاب وغيرها من مخلوقات الله تعالى. {فَٱلتَّٰلِيَٰتِ} القارئات قال مجاهد: الملائكة تتلو ذكره وذكر المشارق لأنها مطالع الأنوار والأبصار بها أللف وذكرها يغني عن ذكر المغارب إذ ذاك مفهوم من المشارق والمشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً وكذلك المغارب تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب ولا تطلع ولا تفرق في واحد يومين وقرأ الجمهور بزينة الكواكب بالإِضافة فاحتمل المصدر مضافاً للفاعل أي بأن زانت السماء الكواكب أو مضافاً للمفعول أي بأن زين الله الكواكب وقرىء: بزينة منوناً الكواكب بالخفض بدلاً من زينة وقرىء: بزينة منوناً الكواكب بالنصب فاحتمل أن تكون بزينة مصدراً والكواكب مفعولاً به واحتمل أن تكون الكواكب بدلاً من السماء أي زينا كواكب السماء. {وَحِفْظاً} مصدر منصوب بإضمار فعل تقديره وحفظناها حفظاً. {مَّارِدٍ} إسم فاعل وفي النساء مريداً للمبالغة وموافقة الفواصل هناك. {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} كلام منقطع اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يتسمعوا أو يسمعون وهم مقذوفون بالشهب مبعدون عن ذلك إلا من أمهل حتى خطف الخطفة واسترق استراقة فعندها تعاجله الملائكة بالشهاب الثاقب وقرىء: لا يسمعون مضارع سمع وتعدى بإِلى ضمن معنى لا ينتهون بالسمع إلى الملأ وقرىء: يسمعون مضارع تسمع أرادوا إدغام التاء في السين وسكنوا التاء وأبدلوها سيناً كما أبدلوها في الناس فقالوا النات واجتلبوا همزة الوصل لأنه لا يمكن الإِدغام إلا بسكون التاء فصار إسمع وصار المضارع يسمع بإِدغام التاء في السين. {وَيُقْذَفُونَ} يرجمون. {مِن كُلِّ جَانِبٍ} جهة يصعدون إلى السماء منها والمرجوم بها هي التي يراها الناس تنقض وليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها ودحوراً مصدر في موضع الحال أي مطرودين والواصب الدائم والثاقب هو النافذ بضوئه وشعاعه المنير. {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} الاستفتاء نوع من السؤال والهمزة في أهم وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي في الأصل لمعنى الاستفهام أي فاستخبرهم والضمير لمشركي مكة وقيل نزلت في أبي الأشد بن كلدة وكني بذلك لشدة بطشه وقوته وعادل في هذا الاستفهام التقريري في الأشدية بينهم وبين ما خلق من غيرهم من الأمم من الجن والملائكة والأفلاك والأرضين. {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} اللازب اللازم ما جاوره واللاصق به. {بَلْ عَجِبْتَ} خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وقرىء: عجبت وعجبت والظاهر أن ضمير المتكلم هو لله تعالى والعجب لا يجوز على الله تعالى. {وَيَسْخَرُونَ} حديث : روي أن ركانة رجلاً من المشركين من أهل مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل خال يرعى غنماً له وكان من أقوى الناس فقال له: يا ركانة أرأيت أن صرعتك أتؤمن بالله. قال: نعم فصرعه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها فلم يؤمن وجاء إلى أهل مكة فقال يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت فيه وفي نظرائه . تفسير : {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} الآية، قال الزمخشري: أو آباؤنا معطوف على محل ان واسمها أو على الضمير في مبعوثون والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى أيبعث أيضاً آباؤنا على زيادة الاستبعاد يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل "انتهى". أما قوله معطوف على محل ان واسمها فمذهب سيبويه خلافه لأن قولك أن زيداً قائم وعمرو مرفوع على الابتداء وخبره محذوف وأما قوله أو على الضمير في مبعوثون الخ فلا يجوز عطفه على الضمير لأن همزة الاستفهام لا تدخل إلا على الجمل لا على المفرد لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملاً في المفرد بوساطة حرف العطف وهمزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها وقوله أو آباؤنا مبتدأ خبره محذوف تقديره مبعوثون ويدل عليه ما قبله فإِذا قلت أقام زيد أو عمر وفعمر ومبتدأ محذوف الخبر واستفهامهم تضمن إنكاراً واستبعاداً فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بنعم. {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} أي صاغرون وهي جملة حالية العامل فيها محذوف تقديره نعم تبعثون وزادهم في الجواب ان بعثهم وهم ملتبسون بالصغار والذل وهي كناية عن البعثة أي فإِنما بعثتهم زجرة أي صيحة وهي النفخة الثانية لما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازاً. {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} أي ينظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به والظاهر أن قوله وقالوا: يا ويلنا من كلام بعض الكفار لبعض إلى آخر الجملتين أقروا بأنه يوم الجزاء وأنه يوم الفصل وخاطب به بعضهم بعضاً ويوم الدين يوم الجزاء والمعاوضة ويوم الفصل يوم الفرق بين فرق الهدى وفرق الضلال. {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} توبيخ لهم وتقريع. {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} الآية، هو خطاب من الله للملائكة أو خطاب الملائكة بعضهم لبعض أي اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات قاله ابن عباس: فاهدوهم أي عرفوهم وقودوهم إلى طريق النار حتى يسلكوها والجحيم طبقة من طبقات جهنم. {وَقِفُوهُمْ} وقوف توبيخ لهم. {إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} قال الجمهور عن أعمالهم وفي الحديث حديث : لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن خمس شبابه فيما أبلاه وعمره فيما أفناه وعن ماله كيف اكتسبه وفيما أنفقه وعن ما عمل فيما علم . تفسير : {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} جواب أبي جهل حين قال في بدر نحن جميع منتصر. {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله عن عجز فكل واحد مستسلم غير منتصر. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} هم جن وإنس وتساؤلهم على معنى التقريع والندم والسخط. {قَالُوۤاْ} أي قالت الإِنس للجن أو ضعفة الإِنس الكفرة لكبرائهم وقادتهم واليمين الجارحة وليست مرادة هنا فقيل استعيرت لجهة الخير أو للشدة والقوة. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} أي لزمنا قول ربنا أي وعيده لنا بالعذاب والظاهر أن قوله: إنا لذائقون اخبار منهم انهم ذائقون العذاب جميعهم الرؤساء والأتباع. {فَأَغْوَيْنَاكُمْ} دعوناكم إلى الغي وكانت فيكم قابلية له فغويتم. {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} فأردنا أن تشاركونا في الغي. {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ يتساءلون ويتراجعون في القول وهذا اخبار منه تعالى أنهم كما اشتركوا في الغي اشتركوا فيما ترتب عليه من العذاب. {إِنَّا كَذَلِكَ} أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بكل مجرم فيترتب على إجرامه عذابه ثم أخبر عنهم بأكبر إجرامهم وهو الشرك بالله تعالى واستكبارهم عن توحيده وإفراده بالألوهية ثم ذكر عنهم ما قدحوا به في الرسول صلى الله عليه وسلم وهو نسبته إلى الشعر وغير ذلك ثم أضرب تعالى عن كلامهم وأخبر بأنه عليه السلام جاء بالحق وهو الثابت الذي لا يلحقه إضمحلال فليس ما جاء به شعراً بل هو الحق الذي لا شك فيه ثم أخبر أنه صدق من تقدمه من المرسلين إذ هو عليه السلام وهم على طريقة واحدة في دعوى الأمم الضالة إلى التوحيد وترك عبادة غير الله تعالى.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلصَّافَّاتِ} أي: وحق الأسماء والصفات الإلهية الصافين حول الذات الأحدية المنتظرين لشئونه وتجلياته؛ إذ هو سبحانه في كل آن في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن {صَفَّا} [الصافات: 1] لا يتحولون منه أصلاً، بل هائمون دائمون والهِون مستغرقون، منتظرون بماذا يأمرهم ربهم من التدابير المخزونة في حضرة علمه ولوح قضاءه. ومتى تعقلت إرادته بمقدور من مقدوراته ومراداته المأمورة إياهم وحينئذ زاجرات {فَٱلزَّاجِرَاتِ} المدبرات على الفور لما يأمرهم الحق من التدبيرات المتعلقة بنظام الكائنات غيباً وشهادةً {زَجْراً} [الصافات: 2] أي: تدبيراً تاماً كاملاً، حسب المأمور والمقدور بلا فتور وقصور. وبعدما صدر أمره سبحانه، وجرى قضاءه بقوله: {أية : كُن}تفسير : [غافر: 68] فهم حينئذ التابعون لامتقال المأمور المقضي، بلا فترة وتسويف {فَٱلتَّٰلِيَٰتِ} التابعات لإنفاذ قضائه سبحانه القارئات المبلِّغات {ذِكْراً} [الصافات: 3] منه، ووحياً من لدنه سبحانه لمن أمرهم الحق بتليغه إياهم، وهم الأنبياء والرسل المؤيدون بالوحى والإلهام، المصطفون من بين البرايا بالخلافة والنيابة عن الله، المتحملون لأعباء النبوة والرسالة. يعني: وبحق هؤلاء الملائكة الذين هم من سدنة حضرة اللاهوت، وخَدَمَة عتبة جناب الرحموت، والمتظرون لما صدر عنه سبحانه من الأمور المتعلقة بالملك والملكوت {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ} الذي أظهركم وأبدعكم من كتم العدم، ولم تكونوا أيها العكوس المستهلكة في شمس الذات شيئاً مذكوراً، لا حساً ولا عقلاً ولا وهماً {لَوَاحِدٌ} [الصافات: 4] أحد صمد فرد وتر، ليس له شريك في الوجود ولا نظير في الظهور والشهود. فهو وحده بوحده ذاته وكمال أسمائه وصفاته {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} العلا {وَٱلأَرْضِ} السفلى {وَمَا بَيْنَهُمَا} من الكوائن والفواسد الممتزجة منهما إلى ما لا يتناهى، ولا مربي للمذكورات سواه، ولا مظهر للكائنات إلا هو {وَ} هو سبحانه {رَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} [الصافات: 5] أي: الاستعدادات القابلة لشروق شمس ذاته المتأثرة من أشعة أسمائه وصفاته. وبعدما ثبت استقلالنا وتوحيدنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا ولا هوتنا وجبروتنا {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا {زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} أي: القربى لكم أيها المكلفون، حيث ترون ما فيها {بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6] أي: بزينة هي الكواكب، أو البدل على كلا القراءتين بتنوين وبلا تنوين، تزييناً تبتهجون بها حين تنظرون إليها، وتتأثرون سعداً ونحساً إقبالاً وإدباراً. {وَ} جعلناها {وَحِفْظاً} أي: بعدما زينا السماء بها صيرناها صائنة حفظاً لها {مِّن} وصول {كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} [الصافات: 7] خراج عن إطاعة الله، مائل عن توحيده إياها. كي {لاَّ يَسَّمَّعُونَ} أي: مردة الشياطين ولا يصغون {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} أي: إلى الأذكار والاستغفار وسائر الأسرار الجارية على ألسن الملائكة، إذ هم؛ أي: الشياطين والجن أشبه المخلوقات إلى الملائكة، وإنما منعهم سبحانه عن الإصغاء إليهم؛ لأ،هم من كمال عداوتهم مع بني آدم يعكسون عليهم ما يسمعون، فيضلونهم به عن الصراط المستقيم، أو يدَّعون الألوهية والربوبية لأنفسهم، ويحتجون بما يسمعون من الملائكة ترويجاً وتغريراً، ويلبِّسون الأمر على ضعفة الأنام، فيحرِّفونهم عن جادة التوحيد والإسلام {وَ} لذلك {يُقْذَفُونَ} ويُطردون أولئك الماردون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات: 8] من جوابن السماوات وآفاقها. {دُحُوراً} طرداً بليغاً وزجراً شديداً {وَ} مع ذلك الطرد الزجر {لَهُمْ} أي: للشياطين {} في النشأة الأخرى {عَذابٌ وَاصِبٌ} [الصافات: 9] مؤبَّد دائم، لا ينفك عنهم في حين من الأحيان. {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} أي: يُطرد الماردون، ولا يسمعون إلا من اختطف واختلس من الملائكة الخطفة على سبيل المسارقة {فَأَتْبَعَهُ} أي: تبعه ولحقه على الفور حين اختطافه واختلاسه {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] أي: كوكب مضيء كجذوة النار، يثقب الجني فيقتله، أو يحرقه، أو يخبله. والقول بأن الشهب من الأمور الكائنة في الجو من الكواكب قول تخميني ابتدعه الفلاسفة من تلقاء نفوسهم، لا يعضده عقل، ولا يوافقه نقل. وأما قولهم في ضبط الحركات الفلكية والأجرام العلوية، وتقويم الكواكب والبروج، وتقدير الأشكال والصور إلى غير ذلك من الأمورم المؤدية إلى الحس رما يؤدي إلى اليقين، أمَّا في طبائع المكونات وحقائق الموجودات، وكيفية تراكيب الماهيات وغير ذلك من الأمور الحقيقية التي لا مجال للحس فيها ولا لعقل، ما هو إلا تخمين زائل وزور باطل؛ إذ لا يعرف كنه الأشياء إلا خالقها ومظهرها، لا يسع لأحد أن يتفوه عنها، وعن كيفيتها وكميتها وكمية التئامها على ما هي عليها والتركيبات الحقيقية. وهم؛ أي: مرادة الشياطين بمجرد تلك الخطفة المختلسة يضلون كثيراً من الناس إلى حيث يستبعدونهم، ويأمرونهم بالإطاعة والانقياد إلى أنفسهم، والعبادة إياهم باتخاذهم أولياء آلهة من دوننا جهلاً وعناداً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا} [الصافات: 1] يشير إلى صفوف الأرواح، وما أنهم لما خلقوا قبل الأجساد كانوا في أربع صفوف كان الصف الأول: أرواح الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة - وكان الصف الثاني: أرواح الكفار والمنافقين. {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} [الصافات: 2] في "الإلهامات الربانية": الزاجرات العوام عن المناهي والخواص عن رؤية الطاعات، والأخص عن الالتفات إلى الكونين. {فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً} [الصافات: 3]؛ هم {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35]. والمقسوم عليه {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} [الصافات: 4] فلا تتخذوا من دونه آلهة من الدنيا والهوى والشيطان، ومعنى كونه واحداً تفرده في صفة عن القسيم وتقدسه في وجوده عن الشبيه، وتنزهه في ملكه عن الشريك، واحد في جلاله أحد باستحقاق جماله، واحد في أفعاله أحد في كبريائه بنعت علائه ووصف سنائه، {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الصافات: 5] أرض النفوس، {وَمَا بَيْنَهُمَا} [الصافات: 5] من صفات النفوس وصفات القلوب، {وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} [الصافات: 5] مشارق القلوب تطلع منها شموس الشواهد، وأقمار الطوالع، ونجوم اللوامع. {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6]، يشير به إلى الرأس فإنه بالنسبة إلى البدن كالسماء المزين {بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} الحواس، وأيضاً زيَّن سماء الدنيا بالنجوم، وزيَّن قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، كما حفظ السماوات بأن جعل النجوم للشياطين رجوماً، كذلك زين القلوب بأنوار التوحيد فإذا قرب منها الشياطين رجموهم بنجوم معارفهم. كما قال: {وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} [الصافات: 7]؛ يعني من شياطين الإنس {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} [الصافات: 8]، وهم أرباب الحقائق. {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً} [الصافات: 8-9] يرمون كلماتهم الشريفة من كل جانب من جوانب أصحاب الأنفاس المطهرة؛ فيلقونها إلى أوليائهم من مدعي هذا الحديث، فمن دعواهم أكثر من معناهم على غير وجهها؛ فيفهمون هؤلاء منها ما يقرب إلى طبعهم وهواهم، ويتوهمون أنها من الحقائق والأسرار، فإنهم بهذه الخيالات الفاسدة والتمويهات الكاسدة، ساروا من أهل الأسرار وأرباب الحقائق، وبهذا الحسبان والتمني يخالفون الشريعة وشموس ما الحقيقة، فضلُّوا وأضلُّوا كثيراً فيستحقون بهذا الطرد والإبعاد. {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ* إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 9-10]، كذلك إذا اغتمَّ الشيطان من الأولياء أن بلغ إليهم شيئاً من وساوسه فإذا هم مبصرون. {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} [الصافات: 11] عرفهم عجزهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم إلى الطين اللازب، كما قال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11] يشير به إلى أنه تعالى أودع في طينة الإنسانية خصوصية لزوب ولصوق، وبكل شيء صادفه؛ فصادف قوم الدنيا فلصقوا بها، وصادف قوم الآخرة فلصقوا بها، وصادف قوم نفحات ألطاف الحق فلصقوا بها؛ فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه، بل عجبت إذا تحققت هذا المعنى، ويسخرون بهذا المحرومون عن هذه السعادة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا قسم منه تعالى بالملائكة الكرام، في حال عبادتها وتدبيرها ما تدبره بإذن ربها، على ألوهيته تعالى وربوبيته، فقال: { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا } أي: صفوفا في خدمة ربهم، وهم الملائكة. { فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا } وهم الملائكة، يزجرون السحاب وغيره بأمر اللّه. { فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا } وهم الملائكة الذين يتلون كلام اللّه تعالى. فلما كانوا متألهين لربهم، ومتعبدين في خدمته، ولا يعصونه طرفة عين، أقسم بهم على ألوهيته فقال: { إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ } ليس له شريك في الإلهية، فأخلصوا له الحب والخوف والرجاء، وسائر أنواع العبادة. { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ } أي: هو الخالق لهذه المخلوقات، والرازق لها، المدبر لها،فكما أنه لا شريك له في ربوبيته إياها، فكذلك لا شريك له في ألوهيته، وكثيرا ما يقرر تعالى توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، لأنه دال عليه. وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة، فيلزمهم بما أقروا به على ما أنكروه. وخص اللّه المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها، فلهذا قال: { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى } ذكر اللّه في الكواكب هاتين الفائدتين العظيمتين: إحداهما: كونها زينة للسماء، إذ لولاها، لكانت السماء جرما مظلما لا ضوء فيها، ولكن زينها فيها لتستنير أرجاؤها، وتحسن صورتها، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويحصل فيها من المصالح ما يحصل. والثانية: حراسة السماء عن كل شيطان مارد، يصل بتمرده إلى استماع الملأ الأعلى، وهم الملائكة، فإذا استمعت قذفتها بالشهب الثواقب { مِنْ كُلِّ جَانِبٍ } طردا لهم، وإبعادا عن استماع ما يقول الملأ الأعلى. { وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } أي: دائم، معد لهم، لتمردهم عن طاعة ربهم. ولولا أنه [تعالى] استثنى، لكان ذلك دليلا على أنهم لا يستمعون شيئا أصلا ولكن قال: { إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ } أي: إلا من تلقف من الشياطين المردة، الكلمة الواحدة على وجه الخفية والسرقة { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } تارة يدركه قبل أن يوصلها إلى أوليائه، فينقطع خبر السماء، وتارة يخبر بها قبل أن يدركه الشهاب، فيكذبون معها مائة كذبة يروجونها بسبب الكلمة التي سمعت من السماء. ولما بين هذه المخلوقات العظيمة قال: { فَاسْتَفْتِهِمْ } أي: اسأل منكري خلقهم بعد موتهم. { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا } أي: إيجادهم بعد موتهم، أشد خلقا وأشق؟. { أَمْ مَنْ خَلَقْنَا } من [هذه] المخلوقات؟ فلا بد أن يقروا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. فيلزمهم إذا الإقرار بالبعث، بل لو رجعوا إلى أنفسهم وفكروا فيها، لعلموا أن ابتداء خلقهم من طين لازب، أصعب عند الفكر من إنشائهم بعد موتهم، ولهذا قال: { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ } أي: قوي شديد كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ }.

همام الصنعاني

تفسير : 2501- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا}: [الآية: 1]، قال: هم الملائكة. 2502- {فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً}: [الآية: 2]، قال: كل زاجرة: زَجَرَ الله عنها في القرآن. 2503- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، أَنَّ ابن مسعود قال في قوله تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً}: [الآيات: 1-2-3]، قال: هُمْ الملائكة.