٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقرير الكلام أن يقال إن هؤلاء المنكرين أقروا بأنه تعالى قادر على تكوين أشياء أصعب من إعادة الحياة إلى هذه الأجساد، وقد تقرر في صرائح العقول أن القادر على الأشق الأشد يكون قادراً على الأسهل الأيسر، ثم مع قيام هذه الحجة البديهية بقي هؤلاء الأقوام مصرين على إنكار البعث والقيامة وهذا في موضع التعجب الشديد فإن مع ظهور هذه الحجة الجلية الظاهرة كيف يعقل بقاء القوم على الإصرار فيه. فأنت يا محمد تتعجب من إصرارهم على الإنكار وهم في طرف الإنكار وصلوا إلى حيث يسخرون منك في قولك بإثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، فهذا هو المراد من قوله: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ }. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي {عَجِبْتَ } بضم التاء والباقون بفتحها قال الواحدي: والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش وقراءة أهل الكوفة واختيار أبي عبيدة، أما الذين قرأوا بالفتح فقد احتجوا بوجوه الأول: أن القراءة بالضم تدل على إسناد العجب إلى الله تعالى وذلك محال، لأن التعجب حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء ومعلوم أن الجهل على الله محال والثاني: أن الله تعالى أضاف التعجب إلى محمد صلى الله عليه وسلم في آية أخرى في هذه المسألة فقال: {أية : وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا تراباً} تفسير : [الرعد: 5]، والثالث: أنه تعالى قال: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } والظاهر أنهم إنما سخروا لأجل ذلك التعجب فلما سخروا منه وجب أن يكون ذلك التعجب صادراً منه، وأما الذين قرأوا بضم التاء، فقد أجابوا عن الحجة الأولى من وجوه الأول: أن القراءة بالضم لا نسلم أنها تدل على إسناد التعجب إلى الله تعالى، وبيانه أنه يكون التقدير قل يا محمد (بل عجبت ويسخرون) ونظيره قوله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } تفسير : [مريم: 38] معناه أن هؤلاء ما تقولون فيه أنتم هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله تعالى: {أية : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 175] الثاني: سلمنا أن ذلك يقتضي إضافة التعجب إلى الله تعالى فلم قلتم إن ذلك محال؟ ويروى أن شريحاً كان يختار القراءة بالنصب ويقول العجب لا يليق إلا بمن لا يعلم، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: إن شريحاً يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم، وكان يقرأ بالضم وتحقيق القول فيه أن نقول: دل القرآن والخبر على جواز إضافة العجب إلى الله تعالى، أما القرآن فقوله تعالى: أية : {وإن تعجب فعجب قولهم} تفسير : [الرعد: 5] والمعنى إن تعجب يا محمد من قولهم، فهو أيضاً عجب عندي، وأجيب عنه أنه لا يمتنع أن يكون المراد وإن تعجب فعجب قولهم عندكم، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عجب ربكم من إلكم وقنوطكم، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة» تفسير : وإذا ثبت هذا فنقول العجب من الله تعالى خلاف العجب من الآدميين كما قال: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأنفال: 30] وقال: {أية : سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } تفسير : [التوبة: 79] وقال تعالى: {أية : وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] والمكر والخداع والسخرية من الله تعالى بخلاف هذه الأحوال من العباد، وقد ذكرنا أن القانون في هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض. وكذلك ههنا من تعجب من شيء فإنه يستعظمه فالتعجب في حق الله تعالى محمول على أنه تعالى يستعظم تلك الحالة إن كانت قبيحة فيترتب العقاب العظيم عليه، وإن كانت حسنة فيترتب الثواب العظيم عليه، فهذا تمام الكلام في هذه المناظرة، والأقرب أن يقال القراءة بالضم إن ثبتت بالتواتر وجب المصير إليها ويكون التأويل ما ذكرناه وإن لم تثبت هذه القراءة بالتواتر كانت القراءة بفتح التاء أولى، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَل } للانتقال من غرض إلى آخر، وهو الإِخبار بحاله وبحالهم {عَجِبْتَ } بفتح التاء خطاباً للنَّبي صلى الله عليه وسلم أي من تكذيبهم إياك {وَ} هم {يَسْخَرُونَ} من تعجبك.
ابن عبد السلام
تفسير : {بل عجبتُ} أنكرت، أو حلوا محل من يتعجب منه لأن الله ـ تعالى ـ لا يتعجب إذ التعجب بحدوث العلم بما لم يعلم وبالفتح عجبت يا محمد من القرآن حين أُعطيته، أو من الحق الذي جاءهم فلم يقبلوه {وَيَسْخَرُونَ} من الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم، أو من القرآن إذا تلي عليهم.
الخازن
تفسير : {بل عجبت} قرىء بالضم على إسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو كالتعجب من الآدميين لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء وتعظيمه والعجب من الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة فإن كانت قبيحة فيترتب عليها العقاب وإن كانت حسنة فيترتب عليها الثواب, وقيل قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث "حديث : عجب ربكم من شاب ليست له صبوة" تفسير : وفي حديث آخر "حديث : عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم" تفسير : ، وقوله من إلكم الإل أشد القنوط وقيل هو رفع الصوت بالبكاء. وسئل الجنيد رحمه الله تعالى عن هذه الآية فقال إن الله لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله ولما عجب رسوله قال: {أية : وإن تعجب فعجب قولهم} تفسير : [الرعد: 5] أي هو كما تقوله وقرئ بفتح التاء على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك وقيل عجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن وسخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى {بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون} أي وإذا وعظوا لا يتعظون {وإذا رأوا آية} قال ابن عباس يعني انشقاق القمر {يستسخرون} أي يستهزئون. وقيل يستدعي بعضهم بعضاً إلى أن يسخر {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي بيِّن {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون} أي صاغرون {فإنما هي زجرة واحدة} أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث {فإذا هم ينظرون} يعني أحياء.
ابن عادل
تفسير : قوله: "بَلْ عَجِبْتَ" قرأ الأَخَوَانِ بضم التاء والباقون بفتحها، فالفتحُ ظاهر وهو ضمير الرسول أو كل من يصح منه ذلك. وأما الضم فعلى صرفه للمخاطب أي قُلْ يا محمد بل عَجِبْتُ أنا، أو على إسناده للباري تعالى على ما يليق به. وقد تقدم هذا في البقرة وما ورد منه في الكتابِ والسنة. وعن شُرَيْحٍ أنه أنكرها وقال: اللَّهُ لا يَعْجَبُ فبلغت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فقال: إنَّ شريحاً كان مُعْجَباً برأيه قرأها مَنْ هو أعلم (منه)؛ يعني عبد اللَّهِ بن مسعود وابن عباس. والعَجَبُ من الله ليس كالتَّعَجُّب من الآدميين كما قال: {أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} تفسير : [التوبة:79] وقال: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة:67]. فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه والعُجْب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذَّمِّ وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث: "حديث : عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ" تفسير : ، وقوله: "حديث : عَجِبَ رَبُّكُمْ مِن إِلِّكُمْ وقُنُوطِكِمْ وسُرْعَةِ إجَابتِهِ إيَّاكُمْ" تفسير : . وسُئِلَ جُنَيْدٌ من هذه الآية فقال: إن الله لا يعجب من شيء ولكن اللَّهَ وافق رسولَه لمَّا عِجِبَ رسولُهُ وقال: {أية : إِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} تفسير : [الرعد:5] أي هو كما تقوله. قوله: "وَيَسْخُرُونَ" يجوز أن يكون استئنافاً وهو الأظهر. وأن يكون حالاً. والمعنى أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك، وقالد قتادة: عَجِبَ نَبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه ولم يؤمنوا عجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فقال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} وَإِذَاَ ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ أي إذا وَعِظُوا بالقرآن لا يَتَّعِظُونَ. وقرأ (جَنَاحُ) بن حبيش "ذُكِرُوا" مخففاً، "وإذا رأوا آية" قال ابن عباس ومقاتل: يعني انْشِقَاقَ القمر "يَسْتَسْخِرُون" يسخرون ويستهزئون، وقيل: يستدعي بعضُهم عن بعض السخرية وقرىء "يستستخرون" بالحاء المهملة. {وَقَالُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} (أي سحر بَيِّن) يعني إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها لاعتقادهم أنها من باب السحر. فصل قال ابن الخطيب: والذي عندي في هذا الباب أن يقال: القوم كانوا يَسْتَبْعِدُون الحَشْر والقيامة وبقولون من مات وصار تراباً وتفرقت أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه؟ وبقوا في هذا الاستبعاد إلى حيث كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك ولا طريق إلى إزالة هذا الاستبعاد إِلاَّ من وجهين: أحدهما: أن يذكر لهم الدليل على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم: هل تعلمون أن القادر على الأصعب الأشق يجب أن يكون قادراً على الأسهل. فهذا الدليل وإن كان جَلِيًّا قويًّا إلا أن (ذكر) أولئك المنكرين إذا عرض على قلوبهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها وإذا ذكروا لم يتذكروها لشدة بلادتهم وجهلهم فلا جَرَمَ لم ينتفعوا بهذا الدليل. والطريق الثاني: أن يثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسالته بالمعجزات ثم يقول: لما ثبت بالمعجزة كوني رسولاً صادقاً من عند الله فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حَقٌّ ثم إنّ أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضاً لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على أنها سِحْرٌ وسَخِرُوا منها واسْتَهْزَأُوا بها. وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهذا بيان للسَّبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط (بتراب) الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم. فهذا الإنسان كيف يعقل عَوْدُه بعينه حيًّا ثانياً؟!. ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال: قُلْ (لَهُمْ) يا محمد "نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُون" أي نعم تبعثون وأنتم صاغرون، والدخور أشد الصغار وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه (أمر) ممكن وإذا ثبت الجواب القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بأخبار المخبر الصادق فلما قامت المعجزات على صدق محمد - عليه (الصلاة و) السلام - كان واجب الصدق فكان مجرد قوله: "نَعَمْ" دليلاً قاطعاً على الوقوع. قوله: {أَوَ آبَآؤُنَا} قرأ ابنُ عَامر وقالون: بسكون الواو على أنها "أَوْ" العاطفة المقتضية للشك والباقون بفتحها على أنها همزة استفهام دخلت على واو العطف، وهذا الخلاف جار أيضاً في "الواقعة" وتقدم مثل هذا في الأعراف في قوله: {أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الأعراف:98]، فمن فتح الواو أجاز في: "آبَاؤُنَا" وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفاً على محل إن واسمها. والثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير المستتر في: "لَمَبْعُوثُونَ". واستغني بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكنها تعين فيما الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم الفاصل، وقد أَوْضَحَ هذا الزمخشريُّ حيث قال: "أو آباؤنا" معطوف على محل إنَّ واسمها أو على الضمير في: "لَمَبْعُوثُونَ"، والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام. قال أبو حيان: أما قوله معطوف على محل "إنّ" واسمها فمذهب سيبويه خلافه، فإن قولك: "إنَّ زَيْداً قَائِمٌ وعمرو" وعمرو فيه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، وأما قوله: أو على الضمير في لمبعوثون (الخ.....فلا يجوز أيضاً؛ لأن همزة الاستفهام لا تدخل إلى على الجمل لا على المفرد؛ لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملاً في المفرد بواسطة حرف العطف وهمزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فقوله: {أَوَ آبَاؤُنَا} مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا. قلت: أما الرد الأول: فلا يلزم لأنه لا يُلْتَزَمُ مذهب سيبويه، وأما الثاني: فإن الهمزة مؤكدة للأولى فهي داخلة في الحقيقة على الجملة إلا أنه فصل بين الهمزتين بإنّ واسْمِهَا وخبرها. ويدل على هذا ما قاله هو في سورة الواقعة فإنه قال: دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في لمبعوثون) من غير تأكيد بنحن؟ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله: {أية : مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148] لفصل (لا) المؤكدة بالنفي انتهى. فلم يذكر هنا غير هذا الوجه وتشبيهه بقوله لفصل (لا) المؤكدة للنفي لأن لا مؤكدة للنفي المتقدم بما إلا أن هذا مشكلٌ بأن الحرف إذا كرر للتأكيد لم يُعَدْ في الأمر العام إلا بإعادة ما اتصل به أولاً أو بضميره. وقد مضى القول فيه. وتحصل في رفع "آباؤنا" ثلاثة أوجه: العطف على محل "إنّ" واسمها، والعطف على الضمير المستكن في "لمبعوثون". والرفع على الابتداء والخبر مضمر، والعامل في "إذا" محذوف أي: أَنُبْعَثُ إذَا مِتْنَا. هذا إذا جعلتها ظرفاً غير متضمن لمعنى الشرط، فإن جعلتها شرطية كان جوابها عاملاً فيها أي إذا متنا بُعِثْنَا أوْ حُشِرْنَا. وقرىء "إذَا" دون استفام، وقد مضى القول فيه في الرعد. قوله: "وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ" جملة حالية العامل فيها الجملة القائمة مقامها "نَعَمْ" أي تبعثون وأنتم صاغرون أذلاَّء. قال أبو حيان: وقرأ ابن وَثّاب "نِعِمْ" بكسر العين وتقدم أن الكسائي قرأها كذلك حيث وقَعتْ. وكلامه هنا موهم أن ابن وثاب منفردٌ بها.
القشيري
تفسير : حقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادَةُ بحدوث مثله. وتَقرأ {عَجِبْتَ} بالفتح خطاباً بالرسول صلى الله عليه وسلم - وبالضم فكأن الحقّ يقول ذلك مِنْ قبلَ نفسه بل عجبتُ، وَيقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء، إما في القدر، أو الإكثار في الذمِّ أو في المدح.
اسماعيل حقي
تفسير : {بل عجبت ويسخرون}. قال سعدى المفتى اضراب عن الامر بالاستفتاء اى لا تستفتهم فانهم معاندون ومكابرون لا ينفع فيهم الاستفتاء وانظر الى تفاوت حالك وحالهم انت تعجب من قدرة الله تعالى على خلق هذه الخلائق العظيمة ومن قدرته على الاعادة وانكارهم للبعث وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث. وقال قتادة عجب نبى الله من هذا القرآن حين انزل وضلال بنى آدم وذلك ان النبى عليه السلام كان يظن ان كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه ولم يؤمنوا عجب من ذلك النبى عليه السلام فقال الله تعالى {بل عجبت ويسخرون} والسخرية الاستهزاء والعجب والتعجب حالة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشئ ولهذا قال بعض الحكماء العجب ما لايعرف سببه ولهذا قيل لا يصح على الله التعجب اذهو علام الغيوب لا يخفى عليه خافية. والعجب فى صفة الله تعالى قد يكون بمعنى الانكار الشديد والذم كما فى قراءة بل عجبت بضم التاء وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضى كما فى حديث "حديث : عجب ربكم من شاب ليست له صبوة ونخوة " تفسير : وفى فتح الرحمن هى عبارة عما يظهره الله فى جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجب منه انتهى. وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال ان الله تعالى لا يعجب من شئ ولكن الله وافق رسوله فقال {أية : وان تعجب فعجب قولهم} تفسير : اى هو كما تقوله. وفى المفردات بل عجبت ويسخرون اى عجبت من انكارهم البعث لشدة تحققك بمعرفته ويسخرون بجهلهم. وقرأ بعضهم بل عجبت بضم التاء وليس ذلك اضافة التعجب الى نفسه فى الحقيقة بل معناه انه مما يقال عنده عجبت او تكون عجبت مستعارة لمعنى انكرت نحو {أتعجبين من امر الله} انتهى
الجنابذي
تفسير : {بَلْ عَجِبْتَ} قرئ بالخطاب وبالتّكلّم، والاضراب عن الامر باستفتائهم بمعنى انّه لا ينبغى الاستفتاء لعدم الحاجة اليه بل ينبغى التّعجّب منهم ومن حالهم، وادّاه بالماضى المتحقّق للاشعار بشدّة اقتضاء المقام ذلك كأنّه قد وقع {وَيَسْخَرُونَ} والحال انّهم يسخرون منك او من الله او من توحيد الله او ممّن يوحّد الله.
اطفيش
تفسير : {بل عجبت} يا محمد من اعراضهم عن الحق كان صلى الله عليه وسلم يظن أن كل من سمع القرآن يؤمن به ولما سمعه المشركون لم يؤمنوا فعجب من ذلك ومن تكذيبهم اياه ويل للانتقال من غرض إلى آخر وهو تعجبك وسخريتهم كما قال. {ويسخرون} من تعجبك وتصديقك واثباتك للبعث ولقدرة الله وقيل المعنى انك يا محمد عجبت بما اعطيت من القرآن وسررت به وعددته شيئا عظيما والمشركون لا يعدونه شيئا وانما يتخذونه مسخرة وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء، اما على اضمار القول أي بل قل يا محمد عجبت فما بعد هذا مستأنف أو اما على أن التعجب من الله والتعجب منه سبحانه وتعالى بمعنى استعظام الامر استعظم الله ما اتاه محمد او استعظم انكارهم. قال الحسن ابن الفضل: التعجب من الله انكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب عبر عن الاستعظام بالعجب لأن الاستعظام لازم للتعجب في الجملة فإن التعجب روعة تعتري الانسان عند استعظام الشيء فعبر بالملزوم عن اللازم وأما التعجب على اصله فحال عن الله لأنه عن جهل وقد يوصف الله بالعجب على معنى الرضا كقوله صلى الله عليه وسلم يعجب الله من الشاب ليست له صبوة وفي رواية يعجب ربكم من شاب ليست له صبوة وقد يوصف به على معنى الانكار ورد في الحديث عجب ربكم من آلكم وقنوطكم وسرعة اجابته لكم والال أشد القنوط وهو بضم الهمزة ويطلق على الطعن ويجوز تقدير مضاف في قراءة الضم أي بل عجب رسولي وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول إن الله لا يعجب وانما يعجب من لا يعلم. فقال النجعي: ان شريحا كان يعجبه علمه وعبدالله اعلم يريد عبدالله بن مسعود وكان يقرأ بالضم وقد قال الجنيد كقول شريح سئل عن الآية فقال ان الله لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله ويجوز ان يحمل الضم على تجبيل العجب وفرضه.
اطفيش
تفسير : {بَلْ عجبْتَ} يا محمد، أو مطلق من يصلح للعجب عجب اذعان واستعظام للدلائل، أو عجبت من انكارهم البعث مع وضوحها، والاضراب عما يفيده الاستفتاء من طلب اقرارهم، أى لا يقرون، بل أنت وأصحابك تذعنون، أو عن استفتائهم، أى لا تستفتهم فانهم لا يعجبون عجب إثبات، لأنهم معاندون، بل مثلك يعجب هذا الاعجاب {ويسْخَرُون} من عجبك عجب اثبات، لقدره الله، الواو حالية على تقدير وهم يسخرون، أو عاطفة.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وجوز أن يكون لكل من يقبله. و {بل} للإضراب إما عن مقدر يشعر به {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ }تفسير : [الصافات: 11] الخ أي هم لا يقرون ولا يجيبون بما هو الحق بل مثلك ممن يذعن ويتعجب من تلك الدلائل أو عن الأمر بالاستفتاء أي لا تستفتهم فإنهم معاندون لا ينفع فيهم الاستفتاء ولا يتعجبون من تلك الدلائل بل مثلك ممن يتعجب منها {وَيَسْخُرُونَ } أي وهم يسخرون منك ومن تعجبك ومما تريهم من الآيات، وجوز أن يكون المعنى بل عجبت من إنكارهم البعث مع هذه الآيات وهم يسخرون من أمر البعث، واختير أن يكون المعنى بل عجبت من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإنكارهم البعث وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث، وزعم بعضهم أن المراد بمن خلقنا الأمم الماضية وليس بشيء إذ لم يسبق لهذه الأمم ذكر وإنما سبق الذكر للملائكة عليهم السلام وللسمٰوات والأرض وما سمعت مع أن حرف التعقيب مما يدل على خلافه، ومن قال كصاحب "الفرائد" عليه جمهور المفسرين سوى الإمام ووجهه بأنه لما احتج عليهم بما هم مقرون به من كونه رب السمٰوات والأرض ورب المشارق وألزمهم بذلك وقابلوه بالعناد قيل لهم: فانتظروا الإهلاك كمن قبلكم لأنكم لستم أشد خلقاً منهم فوضع موضعه {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً }تفسير : [الصافات: 11] وقوله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم }تفسير : [الصافات: 11] تعليل لأنهم ليسوا أشد خلقاً أو دليل لاستكبارهم المنتج للعناد. وأيده بدلالة الإضراب واستبعاد البعث بعده لدلالته على أنه غير متعلق بما قبل الإضراب فقد ذهب عليه أن اللفظ خفي الدلالة على ما ذكر من العناد واستحقاق الإهلاك كسالف الأمم؛ وتعليل نفي الأشدية بما علل ليس بشيء لوضوح أن السابقين أشد في ذلك، وكم من ذلك في الكتاب العزيز، وأما الإضراب فعن الاستفتاء إلى أن مثلك ممن يذعن ويتعجب من تلك الدلائل ولذا عطف عليه {وَيَسْخُرُونَ } وجعل ما أنكروه من البعث من بعض مساخرهم قاله صاحب "الكشف" فلا تغفل. وقرأ حمزة والكسائي وابن سعدان وابن مقسم {عجبت} بتاء المتكلم ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود والنخعي وابن وثاب وطلحة وشقيق والأعمش. وأنكر شريح القاضي هذه القراءة وقال: إن الله تعالى لا يعجب من شيء وإنما يعجب من لا يعلم، وإنكار هذا القاضي مما أفتى بعدم قبوله لأنه في مقابل بينة متواترة، وقد جاء أيضاً في الخبر "عجب ربكم من الكم وقنوطكم". وأولت القراءة بأن ذلك من باب الفرض أي لو كان العجب مما يجوز عليّ لعجبت من هذه الحال أو التخييل فيجعل تعالى كأنه لإنكاره لحالهم يعدها أمراً غريباً ثم يثبت له سبحانه العجب منها، فعلى الأول تكون الاستعارة/ تخييلية تمثيلية كما في قولهم: قال الحائط للوتد لم تشقني فقال سل من يدقني، وعلى الثاني تكون مكنية وتخييلية كما في نحن لسان الحال ناطق بكذا والمشهور في أمثاله الحمل على اللازم فيكون مجازاً مرسلاً فيحمل العجب على الاستعظام وهو رؤية الشيء عظيماً أي بالغاً الغاية في الحسن أو القبح، والمراد هنا رؤية ما هم عليه بالغاً الغاية في القبح، وليس استعظام الشيء مسبوقاً بانفعال يحصل في الروع عن مشاهدة أمر غريب كما توهم ليقال: إن التأويل المذكور لا يحسم مادة الإشكال. وقال أبو حيان: يؤول على أنه صفة فعل يظهرها الله تعالى في صفة المتعجب منه من تعظيم أو تحقير حتى يصير الناس متعجبين منه فالمعنى بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم وجعلتها للناظرين فيها وفيما اقترن بها من شرعي وهداي متعجباً. وقال مكي وعلي بن سليمان: ضمير {عَجِبْتَ } للنبـي عليه الصلاة والسلام والكلام بتقدير القول أي قل بل عجبت، وعندي لو قدر القول بعد بل كان أحسن أي بل قل عجبت، والذي يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس عند الجهل بالسبب ولذا قيل: إذ ظهر السبب بطل العجب وهو في الله تعالى بمعنى يليق لذاته عز وجل هو سبحانه أعلم به فلا يعينون المراد والخلف يعينون.
ابن عاشور
تفسير : {بَلْ} للإِضراب الانتقالي من التقرير التوبيخي إلى أن حالهم عجب. وقرأ الجمهور {بَلْ عَجِبْتَ} بفتح التاء للخطاب. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المخاطبِ بقوله: {أية : فَاستَفْتِهِم}تفسير : [الصافات:11]. وفعل المضيّ مستعمل في معنى الأمر وهو من استعمال الخبر في معنى الطلب للمبالغة كما يستعمل الخبر في إنشاء صيغ العقود نحو: بِعت. والمعنى: اعجَبْ لهم. ويجوز أن يكون العجب قد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى إعْراضهم وقلة إنصافهم فيكون الخبر مستعملاً في حقيقته. ويجوز أن يكون الكلام على تقدير همزة الاستفهام، أي بل أعجبت. والمعنى على الجميع: أن حالهم حرية بالتعجب كقوله تعالى: {أية : وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا تراباً أإنا لفي خلق جديد}تفسير : في سورة [الرعد: 5]. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {بَلْ عَجِبْتُ} بضم التاء للمتكلم فيجوز أن يكون المراد: أن الله أسند العجب إلى نفسه. ويُعرَف أنه ليس المراد حقيقةَ العجب المستلزمة الروعة والمفاجأة بأمر غير مترقب بل المراد التعجيب أو الكناية عن لازمه، وهو استعظام الأمر المتعجب منه. وليس لهذا الاستعمال نظير في القرآن ولكنه تكرر في كلام النبوءة منه قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله ليعجب من رجلين يَقتُل أحدهُما الآخرَ يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد»تفسير : رواه النسائي بهذا اللفظ. يعني ثم يسلم القاتل الذي كان كافراً فيقاتل فيستشهد في سبيل الله. وقولُه في حديث الأنصاري وزوجه إذ أضافا رجلاً فأطعماه عشاءهما وتركا صبيانهما «عجِب الله من فعالكما». ونزل فيه {أية : ويؤثرون على أنفسهم}تفسير : [الحشر: 9]. وقوله: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل». وإنما عدل عن الصريح وهو الاستعظام لأن الكناية أبلغ من التصريح، والصارف عن معنى اللفظ الصريح في قوله: {عَجِبْتُ} ما هو معلوم من مخالفته تعالى للحوادث. ويجوز أن يكون أطلق {عجبت} على معنى المجازاة على عَجبهم لأن قوله: {أية : فاستفتهم أهم أشدُّ خلقاً}تفسير : [الصافات:11] دلّ على أنهم عجبوا من إعادة الخلق فتوعدهم الله بعقاب على عَجبهم. وأطلق على ذلك العقاب فعل {عجبت} كما أطلق على عقاب مكرهم المكرُ في قوله: {أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}تفسير : [آل عمران: 54]. والواو في {ويَسْخَرُونَ} واو الحال، والجملة في موضع الحال من ضمير {عَجِبْتَ} أي كان أمرهم عجباً في حال استسخارهم بك في استفتائهم. وجيء بالمضارع في {يسخرون} لإِفادة تجدد السخرية، وأنهم لا يرعوُون عنها. والسخرية: الاستهزاء، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : فحاق بالذين سخروا منهم}تفسير : في سورة [الأنعام: 10]. والتذكير بأن يذكروا ما يغفلون عنه من قدرة الله تعالى عليهم، ومن تنظير حالهم بحال الأمم التي استأصلها الله تعالى فلا يتعظوا بذلك عناداً فأطلق {لاَ يَذْكُرُونَ} على أثر الفعل، أي لا يحصل فيهم أَثَر تذكُّر ما يذكَّرون به وإن كانوا قد ذَكروا ذلك. ويجوز أن يراد لا يذكرون ما ذكروا به، أي لشدة إعْراضهم عن التأمل فيما ذكِّروا به لاستقرار ما ذُكّروا به في عقولهم فلا يذكرون ما هم غافلون عنه، على حد قوله تعالى: {أية : أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام}تفسير : [الفرقان:44]. و {وإذَا رَأوْا ءَايَةً} أي خارق عادة أظهره الرسول صلى الله عليه وسلم دالاً على صدقه لأن الله تعالى لا يغير نظام خلقته في هذا العالم إلا إذا أراد تصديق الرسول لأن خرق العادة من خالق العادات وناظم سنن الأكوان قائم مقام قوله: صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني. وقد رأوا انشقاق القمر، فقالوا: هذا سحر، قال تعالى: {أية : اقتربت الساعة وانشقّ القمر وإن يروا آية يُعرِضوا ويقولوا سحر مستمر}تفسير : [القمر: 1، 2]. و {يَسْتَسْخِرُونَ} مبالغة في السخرية فالسين والتاء للمبالغة كقوله: {أية : فاستجاب لهم ربهم}تفسير : [آل عمران: 195] وقوله: {أية : فاستمسِك بالذي أوحي إليك}تفسير : [الزخرف: 43]. فالسخرية المذكورة في قوله: {ويسخرون} سخرية من محاجّة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالأدلة. والسخرية المذكورة هنا سخرية من ظهور الآيات المعجزات، أي يزيدون في السخرية بمن ظنّ منهم أن ظهور المعجزات يحول بهم عن كفرهم، ألا ترى أنهم قالوا: {أية : إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}تفسير : [الفرقان: 42].
الشنقيطي
تفسير : قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي: عجبت بالتاء المفتوحة وهي تاء الخطاب، المخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة والكسائي: بل عجبت بضم تاء المتكلم، وهو الله جل وعلا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم لهما بحكم الآيتين. وبذلك تعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى، فهي إذاً من آيات الصفات على هذه القراءة. وقد أوضحنا طريق الحق التي هي مذهب السلف في آيات الصفات، وأحاديثها في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الأعراف: 54] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - إِنَّكَ تَعجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ إِنْكَارِ هَؤُلاَءِ الكَفَرَةِ المُعَانِدِينَ لِلبَعْثِ، مَعَ تَضَافُرِ الأَدِلَّةِ وَالبَرَاهِينِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَى صِدْقِ رِسَالَتِكَ، وَهُمْ يَسْخَرُونَ مِنْ تَعَجُّبِكَ مِنْهُمْ، وَمِنْ تَأْكِيدِكَ صِحَّةَ قَوْلِكَ عَنْ حُدُوثِ البَعْثِ لاَ مَحَالَةَ. يَسْخَرُونَ - يَهْزَؤُونَ بِتَعَجُّبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى (بَلْ) إضراب عن الكلام السابق وبداية لكلام جديد (عَجِبْتَ) بالفتح أي: يا محمد. والعَجَبُ: هو استغراب وقوع شيء على خلاف نظائره، ومن ذلك قوله تعالى في العقائد: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 28]. يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم. لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا؛ لذلك قال تعالى مُخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: {أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ..} تفسير : [الرعد: 5]. يعني: وافق الله محمداً على أنْ يعجب. والمعنى: إنْ تعجب يا محمد فقولهم عَجَب. لكن عجب عند مَنْ؟ يجوز عجب عند رسول الله، ويجوز عجب عند الله تعالى، إذن: هل يعجب الله تعالى كما نعجب؟ قالوا: نعم، بدليل أن فى هذه الآية قراءةً بالضم (بل عجبتُ) بتاء المتكلم سبحانه، وبدليل ما ورد في الحديث الشريف: "حديث : تعجب ربك من شاب ليست له صَبْوة ". تفسير : لماذا؟ لأنه خرج على طبيعة التكوين الإنساني، أو قدر على نفسه وتحكم فيها، بحيث لم يفعل ما يفعله الشباب، فهذا شيء مستغرب منه، ومعنى تعجب الحق سبحانه من هذا أنه يستغرب منه هذا العمل؛ ليجازيه جزاءً مُستغرباً كذلك. وسبق أنْ قُلْنا: إذا وُجدت صفة مشتركة بيننا وبين الحق سبحانه، فعلينا أن نأخذها في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. وقوله: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. لذلك إياك أن تقول: الله خادع أو الله ماكر؛ لأن هناك فَرْقاً بين أسماء الله تعالى وأفعال وصف الله بها نفسه سبحانه. فالمكر مثلاً من أفعال البشر يُراد به خداع الخصم والتخييل عليه، لتستطيع أنت أنْ تنفذ إلى غَرَضك منه، وهذا المكر يقابله مَكْر مثله يشاكله أو أمكر منه. والمكر مأخوذ من قولهم شجرة ممكورة، وهي شجرة ذات عيدان ملفوفة بعضها على بعض، بحيث لا تستطيع أنْ تميِّزها، ولا أنْ تردَّ كل فرع فيها إلى أصله، كذلك المكر فيه لفٌّ وحيل لتستر سيئاتك عن خَصْمك، هذا في مكر البشر بعضهم ببعض، لكن إنْ مكر الله بك فلن ينجيك من مكره شيء؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54]. وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ} [الصافات: 13] يعني: بآيات أخرى وبراهين ترشدهم {لاَ يَذْكُرُونَ} [الصافات: 13] أي: يُعرضون عنها، ولا يلتفتون إليها، ويصرون على الإنكار {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} [الصافات: 14] أي: دليلاً جديداً {يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14] أي: يبالغون في السخرية. ففي الآية قبل السابقة قال: {وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] وهنا {يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14] هذا دليل على أن من هؤلاء المكذبين أناساً ترقُّ قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترقُّ قلوبهم تخفّ لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية؛ لأن الإباء يأتي على درجات، فواحد يأبى أنْ يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ويسخر منك. فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما {يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14] يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم، إذن: هناك فَرْق بين يسخرون ويستخسرون، حتى لا نقول كما يقول بعض المستشرقين: هذا تكرار في كلام الله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ} معناه استعظمتَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن خذلان أهل الحرمان بقوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ} [الصافات: 13]، يشير إلى أنهم نسوا الله غاية النسيان بحيث لا يذكرونه، {وَإِذَا ذُكِّرُواْ} يعني: الله {لاَ يَذْكُرُونَ} لا يتذكرون، {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} [الصافات: 14]؛ أي: رجلاً يكون آية من آيات الله {يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14]؛ يسخرون به ويعرضون عن الإيمان، ويقولون لما يأتي به: {إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} [الصافات: 15-17] يبعثون. قالوا: على وجهة الاستبعاد والمعرفة لهم مفقودة، والبصائر لهم مسدودة، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة، {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} [الصافات: 18] على وجه الفقر تبعثون، وبزجرةٍ واحدةٍ تحشرون، كما قال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ} [الصافات: 19] قيام {يَنظُرُونَ} [الصافات: 19]، حيارى كأنهم سكارى، {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الصافات: 20] دعوا بالويل على أنفسهم حين لا ينفعهم الويل؛ فيقال لهم: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} [الصافات: 21] الذي كذبتم به، وقد عاينتم {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 21-22]، يشير به إلى حشر النفوس ولعبادها {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الصافات: 22-23] من الهوى والدنيا والشيطان {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} [الصافات: 23]، فإنهم كانوا في الدنيا يهدون إلى هذا الصراط، وأنهم يحشرون على ما ماتوا عليه، وكذلك من أعان صاحب فترة في فترته أو صاحب زلة في زلته كان مشاركاً في عقوبته، واستحقاق طرده وإبعاده، كما أشركت النفوس والأجساد في الثواب والعقاب؛ لقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24]، فيه إشارة إلى أن للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام، وهو مسئول عن أداء حقوق ذلك المقام، فإن خرج عن عهدة جوابه بالصواب أذن في العبور وإلاَّ بقي موقوفاً رهيناً بأحواله إلى أن يؤدي حقوقه، فمن السؤال صعب وقوم يسألهم الملك، فالذين يسألهم الملائكة أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف، وأقوام لهم أعمال لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواص يسترهم الحق عن إطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة. وأقوام هم أرباب الزلات يختصهم الله برحمته فلا يفضحهم. ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بعين الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: إن أقواماً يسترهم بكنفه، عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله يُدني المؤمنين يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس، فيقول: أي عبدي تعرف ذنبك كذا وكذا، فيقول: نعم أي رب، ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنبك كذا وكذا، فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وقد غفرتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقين فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين"تفسير : ، حديث متفق على صحته. وأما الأغيار والأجانب فيقال لهم: {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] فإذا قرءوا كتابهم يقال لهم ما جزاء من عمل هذا؟ فيقول: جزاؤه النار، فيقال لهم: ادخلوها بحكمهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { بَلْ عَجِبْتَ } يا أيها الرسول وأيها الإنسان، من تكذيب من كذب بالبعث، بعد أن أريتهم من الآيات العظيمة والأدلة المستقيمة، وهو حقيقة محل عجب واستغراب، لأنه مما لا يقبل الإنكار، { و } أعجب من إنكارهم وأبلغ منه، أنهم { يَسْخَرُونَ } ممن جاء بالخبر عن البعث، فلم يكفهم مجرد الإنكار، حتى زادوا السخرية بالقول الحق. { و } من العجب أيضا أنهم { إِذَا ذُكِّرُوا } ما يعرفون في فطرهم وعقولهم، وفطنوا له، وألفت نظرهم إليه { لا يَذْكُرُونَ } ذلك، فإن كان جهلا فهو من أدل الدلائل على شدة بلادتهم العظيمة، حيث ذكروا ما هو مستقر في الفطر، معلوم بالعقل، لا يقبل الإشكال، وإن كان تجاهلا وعنادا، فهو أعجب وأغرب. ومن العجب [أيضا] أنهم إذا أقيمت عليهم الأدلة، وذكروا الآيات التي يخضع لها فحول الرجال وألباب الألباء، يسخرون منها ويعجبون. ومن العجب أيضا، قولهم للحق لما جاءهم: { إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } فجعلوا أعلى الأشياء وأجلها، وهو الحق، في رتبة أخس الأشياء وأحقرها. ومن العجب أيضا، قياسهم قدرة رب الأرض والسماوات، على قدرة الآدمي الناقص من جميع الوجوه، فقالوا استبعادا وإنكاراً: { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ }. ولما كان هذا منتهى ما عندهم، وغاية ما لديهم، أمر اللّه رسوله أن يجيبهم بجواب مشتمل على ترهيبهم فقال: { قُلْ نَعَمْ } ستبعثون، أنتم وآباؤكم الأولون { وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ } ذليلون صاغرون، لا تمتنعون، ولا تستعصون على قدرة اللّه. { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } ينفخ إسرافيل فيها في الصور { فَإِذَا هُمْ } مبعوثون من قبورهم { يَنْظَرُونَ } كما ابتدئ خلقهم، بعثوا بجميع أجزائهم، حفاة عراة غرلا وفي تلك الحال، يظهرون الندم والخزي والخسار، ويدعون بالويل والثبور. { وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ } فقد أقروا بما كانوا في الدنيا به يستهزءون. فيقال لهم: { هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } بين العباد فيما بينهم وبين ربهم من الحقوق، وفيما بينهم وبين غيرهم من الخلق.
همام الصنعاني
تفسير : 2508- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}: [الآية: 12]، قالَ عجبت من وحي الله وكتابه. {وَيَسْخَرُونَ}: [الآية: 12]، بما جئت به. 2511- عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وَائل، قالَ: قرأها شُرَيْح: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}، قال شُرَيْح: إن الله لاَ يَعْجَبُ من شيء، إنما يعجب من لا يَعْلَم! قَالَ: فذكرت ذلِكَ لإِبراهيم، فقال: كان عبد الله بن مسعودٍ يقرأ: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ}: [الآية: 12].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):