Verse. 3799 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

فَاسْتَفْتِہِمْ اَہُمْ اَشَدُّ خَلْقًا اَمْ مَّنْ خَلَقْنَا۝۰ۭ اِنَّا خَلَقْنٰہُمْ مِّنْ طِيْنٍ لَّازِبٍ۝۱۱
Faistaftihim ahum ashaddu khalqan am man khalaqna inna khalaqnahum min teenin lazibin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاستفتهم» استخبر كفار مكة تقريرا أو توبيخا «أهم أشد خلقا أم من خلقنا» من الملائكة والسماوات والأرضين وما فيهما وفي الإتيان بمن تغليب العقلاء «إنا خلقناهم» أي أصلهم آدم «من طين لازب» لازم يلصق باليد: المعنى أن خلقهم ضعيف فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن المؤدي إلى هلاكهم اليسير.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان النظم اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصد الأقصى من هذا الكتاب الكريم إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوة وإثبات القضاء والقدر. فنقول إنه تعالى افتتح هذه السورة بإثبات ما يدل على وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب، فلما أحكم الكلام في هذا الباب فرع عليها إثبات القول بالحشر والنشر والقيامة. واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتعلق بطرفين أولهما إثبات الجواز العقلي وثانيهما إثبات الوقوع أما الكلام في المطلوب الأول فاعلم أن الاستدلال على الشيء يقع على وجهين أحدهما: أن يقال إنه قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق منه فوجب أيضاً أن يقدر عليه والثاني: أن يقال إنه قدر عليه في إحدى الحالتين والفاعل والقابل باقيين كما كانا، فوجب أن تبقى القدرة عليه في الحالة الثانية والله تعالى ذكر هذين الطريقين في بيان أن القول بالبعث والقيامة أمر جائز ممكن. أما الطريق الأول: فهو المراد من قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } والتقدير كأنه تعالى يقول: استفت يا محمد هؤلاء المنكرين أهم أشد خلقاً من خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق هذا القسم أشق وأشد في العرف من خلق القسم الأول، فلما ثبت بالدلائل المذكورة في إثبات التوحيد كونه تعالى قادراً على هذا القسم الذي هو أشد وأصعب، فبأن يكون قادراً على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى في آخر يس {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يس: 81] وقوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [غافر: 57] وأما الطريق الثاني: فهو المراد من قوله: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } والمعنى أن هذه الأجسام قابلة للحياة إذ لو لم تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام، ولولا كونه تعالى قادراً على هذا المعنى لما حصلت الحياة في المرة الأولى، ولا شك أن قابلية تلك الأجسام باقية وأن قادرية الله تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه القادرية من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث والقيامة أمر ممكن، ولما بين تعالى إمكان هذا المعنى بهذين الطريقين بين وقوعه بقوله؛ {أية : قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دٰخِرُونَ } تفسير : [الصافات: 18] وذلك لأنه ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل ظهور المعجزات عليه والصادق إذا أخبر عن أمر ممكن الوقوع وجب الاعتراف بوقوعه فهذا تقرير نظم هذه الآية وهو في غاية الحسن، والله أعلم. المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ هذه الآية، أما قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ } يعني أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة كونه تعالى خالقاً للسموات والأرض وما بينهما فاستفت هؤلاء المنكرين وقل لهم {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } أم هذه الأشياء التي بينا كونه تعالى خالقاً لها ولم يحك عنهم أنهم أقروا أن خلق هذه الأشياء أصعب لأجل أن ظهور ذلك كالمعلوم بالضرورة فلا حاجة أن يحكى عنهم صحة أن الأمر كذلك. ثم قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } يعني أنا لما قدرنا على خلق الحياة في ذواتهم أولاً وجب أن نبقى قادرين على خلق الحياة فيهم ثانياً، لما بينا أن حال القابل وحال الفاعل ممتنع التغير. وفيه دقيقة أخرى وهي أن القوم قالوا كيف يعقل تولد الإنسان لا من النطفة ولا من الأبوين؟ فكأنه قيل لهم إنكم لما أقررتم بحدوث العالم واعترفتم بأن السموات والأرض وما بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فلا بد وأن تعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين؟ فإذا عقلتم ذلك واعترفتم به فقد سقط قولكم الإنسان كيف يحدث من غير النطفة ومن غير الأبوين، وأيضاً قد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من الطين اللازب ومن قدر على خلق الحياة في الطين اللازب فكيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات. وأما كيفية خلق الإنسان من الطين اللازب فهي مذكورة في السورة المتقدمة، واعلم أن هذا الوجه إنما يحسن إذا قلنا المراد من قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } هو أنا خلقنا أباهم آدم من طين لازب، وفيه وجوه أخر وهو أن يكون المراد أنا خلقنا كل إنسان من طين لازب، وتقريره أن الحيوان إنما يتولد من المني ودم الطمث والمني يتولد من الدم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغذاء، والغذاء إما حيواني وإما نباتي أما تولد الحيوان الذي صار غذاء فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان، فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن كل الخلق متولدون من الطين اللازب، وإذا ثبت هذا فنقول إن هذه الأجزاء التي منها تركب هذا الطين اللازب قابلة للحياة والله تعالى قادر عليها، وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصحة في كل الأوقات وهذه بيانات ظاهرة واضحة، وأما اللازب فقيل اللاصق، وقيل اللزج وقيل الحتد، وأكثر أهل اللغة على أن الباء في لازب بدل من الميم يقال لازب ولازم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي سلهم يعني أهل مكة؛ مأخوذ من ٱستفتاء المفتى. {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} قال مجاهد: أي من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدلّ على ذلك أنه أخبر عنهم «بمَن» قال سعيد بن جبير: الملائكة. وقال غيره: «مَنْ» الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشدّ خلقاً منهم. نزلت في أبي الأشد بن كَلَدَة، وسمي بأبي الأشد لشدّة بطشه وقوّته. وسيأتي في «البلد» ذكره. ونظير هذه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ} تفسير : [النازعات: 27]. {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي لاصق؛ قاله ٱبن عباس. ومنه قول عليّ رضي الله عنه:شعر : تَعَلَّمْ فَإنّ الله زادكَ بَسطةً وأخلاقَ خيرٍ كلُّها لكَ لاَزِبُ تفسير : وقال قتادة وٱبن زيد: معنى «لاَزِبٍ» لازق. الماوردي: والفرق بين الّلاصق والّلازق أن الّلاصق: هو الذي قد لُصق بعضه ببعض، واللاّزق: هو الذي يلتزق بما أصابه. وقال عِكرمة: «لاَزِبٍ» لزج. سعيد بن جبير: أي جيد حرّ يلصق باليد. مجاهد: «لاَزِب» لازم. والعرب تقول: طينٌ لازِب ولازِم، تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم: لاتب ولازِم. على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت؛ تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازبٍ، وهو أفصح من لازم. قال النابغة:شعر : ولا تَحْسَبُونَ الخيَر لا شَرَّ بعدَهُ ولا تَحْسَبُونَ الشرَّ ضربةَ لاَزِبِ تفسير : وحكى الفرّاء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازِم. واللاتِب الثابت؛ تقول منه: لَتَب يَلْتُب لَتْباً ولُتُوباً، مثل لَزَب يَلْزُب بالضم لزوباً؛ وأنشد أبو الجرّاح في اللاتب:شعر : فإن يَكُ هذا من نَبيذٍ شِربْتُهُ فإنِّي من شربِ النَّبيذِ لَتَائِبُ صُدَاعٌ وَتَوْصيمُ العِظَامِ وفَتْرَةٌ وغَمٌّ مع الإشْرَاقِ في الْجَوفِ لاَتِبُ تفسير : والّلاتب أيضاً: الّلاصق مثل الّلازب، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال السدي والكلبي في الّلازب: إنه الخالص. مجاهد والضحاك: إنه المنتن. قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح التاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شُرَيح وأنكر قراءة الضم وقال: إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بضم التاء. وٱختارها أبو عبيد والفرّاء، وهي مروية عن عليّ وٱبن مسعود؛ رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: «بَلْ عجِبْتُ» بضم التاء. ويروى عن ٱبن عباس. قال الفرّاء في قوله سبحانه: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحبّ إليّ؛ لأنها عن علي وعبد الله وٱبن عباس. وقال أبو زكريا الفراء: العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد؛ وكذلك قوله: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة: 15] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفي هذا بيان الكسر لقول شُرَيْح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شَقِيق بن سَلَمة قال: قرأها عبد الله يعني ٱبن مسعود «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب مَن لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فقال: إن شريحاً كان يعجبه رأيه، إن عبد الله كان أعلم من شُرَيح وكان يقرؤها عبد الله «بَلْ عَجِبْتُ». قال الهرويّ: وقال بعض الأئمة: معنى قوله {بَلْ عَجِبْتَ} بل جازيتهم على عجبهم؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق؛ فقال: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [صۤ: 4]، وقال: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [صۤ: 5]، {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [يونس: 2] فقال تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ} بل جازيتهم على التعجُّب. قلت: وهذا تمام معنى قول الفرّاء وٱختاره البيهقي. وقال عليّ بن سليمان: معنى القراءتين واحد، التقدير: قل يا محمد بل عجبت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. النحاس: وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي: والأول أصح. المهدوي: ويجوز أن يكون إخبار اللَّهِ عن نفسه بالعجب محمولاً على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين؛ كما يُحْمَل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه ـ على ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازاً وٱتساعاً. قال الهرويّ: ويقال معنى «عَجبَ رَبُّكُم» أي رضي وأثاب؛ فسّماه عجباً وليس بعجب في الحقيقة؛ كما قال تعالى: {أية : وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنفال: 30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم، ومثله في الحديث: «حديث : عَجبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وقُنوطكم»تفسير : . وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيماً. فيكون معنى قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} أي بل عَظُم فعلهم عندي. قال البيهقي: ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : عَجَب ربك من شاب ليست له صَبْوة»تفسير : وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل»تفسير : قال البيهقي: وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يُعجِّب ملائكته من كرمه ورأفتِه بعباده، حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة. وقيل: معنى «بَلْ عَجِبْتُ» بل أنكرت. حكاه النقاش. وقال الحسين بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب. وقد جاء في الخبر «حديث : عجب ربكم من إِلّكم وقُنوطكم»تفسير : . {وَيَسْخُرُونَ} قيل: الواو واو الحال؛ أي عجبت منهم في حال سخريتهم. وقيل: تم الكلام عند قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} ثم ٱستأنف فقال: {وَيَسْخُرُونَ} أي مما جئت به إذا تلوتَه عليهم. وقيل: يسخرون منك إذا دعوتَهم. قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ} أي وُعظوا بالقرآن في قول قتادة. {لاَ يَذْكُرُونَ} لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير: أي إذا ذُكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا. {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} أي معجزة {يَسْتَسْخِرُونَ} أي يسخرون في قول قتادة. ويقولون إنها سحر. وٱستسخر وسخر بمعنًى مثل ٱستقر وقرّ، وٱستعجب وعجب. وقيل: {يَسْتَسْخِرُونَ} أي يستدعون السخرى من غيرهم. وقال مجاهد: يستهزئون. وقيل: أي يظنون أن تلك الآية سخرية. {وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع. {أَإِذَا مِتْنَا} أي أنبعث إذا متنا؟. فهو ٱستفهام إنكار منهم وسخرية {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } أي أوَ تبعث آباؤنا. دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. وقرأ نافع: «أَوْ آبَاؤُنَا» بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة «الأعراف». في قوله تعالى: {أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الأعراف: 98].

البيضاوي

تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ } فاستخبرهم والضمير لمشركي مكة أو لبني آدم. {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يعني ما ذكر من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب، و {مِنْ } لتغليب العقلاء ويدل عليه إطلاقه ومجيئه بعد ذلك، وقراءة من قرأ «أم من عددنا»، وقوله: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم كعاد وثمود، وإن المراد إثبات المعاد ورد استحالته والأمر فيه بالإِضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء، وتقريره أن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام بعد، وقد علموا أن الإِنسان الأول إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم وشاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك، وإما لعدم قدرة الفاعل ومن قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإِضافة إليها سيما ومن ذلك بدؤهم أولاً وقدرته ذاتية لا تتغير. {بَلْ عَجِبْتَ } من قدرة الله تعالى وإنكارهم للبعث. {وَيَسْخُرُونَ } من تعجبك وتقريرك للبعث، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء أي بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي أن تعجبت منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها. أو عجبت من أن ينكر البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يجوزه. والعجب من الله تعالى إما على الفرض والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإِنسان عند استعظامه الشيء، وقيل إنه مقدر بالقول أي: قال يا محمد بل عجبت. {وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، أو إذا ذكر لهم ما يدل على صحة الحشر لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم. {وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً } معجزة تدل على صدق القائل به. {يَسْتَسْخِرُونَ } يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها. {وَقَالُواْ إِن هَـٰذَا } يعنون ما يرونه. {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر سحريته. {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } أصله انبعث إذا متنا فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإِنكار، وإشعاراً بأن البعث مستنكر في نفسه وفي هذه الحالة أشد استنكاراً، فهو أبلغ من قراءة ابن عامر بطرح الهمزة الأولى وقراءة نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية. {أَوَ ءَابَاؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } عطف على محل {إِن } واسمها، أو على الضمير في «مبعوثون» فإنه مفصول منه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم، وسكن نافع برواية قالون بن عامر والواو على معنى الترديد. {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دٰخِرُونَ } صاغرون، وإنما اكتفى به في الجواب لسبق ما يدل على جوازه وقيام المعجز على صدق المخبر عن وقوعه، وقرىء «قال» أي الله أو الرسول وقرأ الكسائي وحده « نِعْمَ» بالكسر وهو لغة فيه. {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } جواب شرط مقدر أي إذا كان ذلك فإنما البعثة {زَجْرَةٌ } أي صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها وأمرها في الإِعادة كأمر {كُنْ } في الإِبداء ولذلك رتب عليها. {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم. {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } اليوم الذي نجازى بأعمالنا وقد تم به كلامهم وقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } جواب الملائكة، وقيل هو أيضاً من كلام بعضهم لبعض والفصل القضاء، أو الفرق بين المحسن والمسيء. {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أمر الله للملائكة، أو أمر بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف. وقيل منه إلى الجحيم. {وَأَزْوٰجُهُمْ } وأشباههم عابد الصنم مع عبدة الصنم وعابد الكوكب مع عبدته كقوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً }تفسير : [الواقعة: 7] أو نساءهم اللاتي على دينهم أو قرناءهم من الشياطين. {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنام وغيرها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، وهو عام مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } الآية، وفيه دليل على أن {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } هم المشركون. {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } فعرفوهم طريقاً ليسلكوها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث: أيهما أشد خلقاً، هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: (أم من عددنا) فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقاً منهم، وإذا كان الأمر كذلك، فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا؛ كما قال عز وجل: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} قال مجاهد وسعيد ابن جبير والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة: هو اللزج الجيد، وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد، وقوله عز وجل: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} أي: بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف أمرك؛ من شدة تكذيبهم، ويسخرون مما تقول لهم من ذلك. قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم وسخر ضلاّل بني آدم {وَإِذَا رَأَوْاْ ءَايَةً} أي: دلالة واضحة على ذلك، {يَسْتَسْخِرُونَ} قال مجاهد وقتادة: يستهزئون، { وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } يستبعدون ذلك، ويكذبون به {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ} أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون تراباً وعظاماً، وأنتم داخرون، أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87] وقال {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}تفسير : [غافر:60]. ثم قال جلت عظمته: { فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} أي: فإنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم قيام بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، والله تعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ } استخبر كفار مكة. تقريراً أو توبيخاً {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ } من الملائكة والسموات والأرضين وما فيهما؟ وفي الإِتيان بمن تغليب العقلاء {إِنَّا خَلَقْنَٰهُم } أي أصلهم آدم {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ } لازم يلصق باليد، المعنى: أن خلقهم ضعيف فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن المؤدّي إلى إهلاكهم اليسير.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فاستفتهم أهم أشد خلقاً} فيه وجهان: أحدهما: فسلهم قال قتادة، مأخوذ من استفتاء المفتي. الثاني: فحاجِّهم أيهم أشد خلقاً، قاله الحسن. {أم مَنْ خلقنا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من السموات والأرض والجبال، قاله مجاهد. الثاني: من الملائكة، قاله سعيد بن جبير. الثالث: من الأمم الماضية فقد هلكوا وهم أشد خلقاً منهم، حكاه ابن عيسى. {إنَّاخلقناهم مِن طينٍ لازبٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لاصق، قاله ابن عباس منه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: شعر : تعلم فإن الله زادك بسطة وأخلاق خير كلها لك لازب تفسير : الثاني: لزج، قاله عكرمة. الثالث: لازق، قاله قتادة. والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق هو الذي يلزق بما أصابه. الرابع: لازم، والعرب تقول طين لازب ولازم، وقال النابغة: شعر : ولا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب تفسير : نزلت هذه الآية في ركانة بن زيد بن هاشم بن عبد مناف وأبي الأشد ابن أسيد بن كلاب الجمحي. قوله عز وجل: {بل عجبت ويسخرون} وفي {عجبت} قراءتان: إحداهما: بضم التاء، قرأ بها حمزة والكسائي، وهي قراءة ابن مسعود، ويكون التعجب مضافاً إلى الله تعالى، وإن كان لا يتعجَّبُ من شيء لأن التعجب من حدوث العلم بما لم يعلم، واللَّه تعالى عالم بالأشياء قبل كونها. وفي تأويل ذلك على هذه القراءة وجهان: أحدهما: يعني بل أنكرت حكاه النقاش. الثاني: هو قول علي بن عيسى أنهم قد حلّوا محل من يتعجب منه. والقراءة الثانية: بفتح التاء قرأ بها الباقون، وأضاف التعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال: بل عجبت يا محمد، قاله قتادة. وفيما عجبت منه قولان: أحدهما: من القرآن حين أعطيه، قاله قتادة. الثاني: من الحق الذي جاءهم به فلم يقبلوه، وهو معنى قول ابن زياد. وفي قوله {وتسخرون} وجهان: أحدهما: من الرسول إذا دعاهم. الثاني: من القرآن إذا تلي عليهم. قوله عز وجل: {وإذا ذكِّروا لا يذكرون} فيه وجهان: أحدهما: وإذا ذكروا بما نزل من القرآن لا ينتفعون، وهو معنى قول قتادة. والثاني: وإذا ذكروا بمن هلك من الأمم لا يبصرون، وهو معنى ما رواه سعيد. قوله عز وجل: {وإذا رأوا آيةً يَسْتَسْخِرُونَ} وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنه انشقاق القمر، قاله الضحاك. الثاني: ما شاهدوه من هلاك المكذبين، وهو محتمل. وفي قوله {يستسخِرون} وجهان: أحدهما: يستهزئون، قاله مجاهد. الثاني: هو أن يستدعي بعضهم من بعض السخرية بها لأن الفرق بين سخر واستسخر كالفرق بين علم واستعلم. وقيل إن ذلك في ركانة بن زيد وأبي الأشد بن كلاب. قوله عز وجل: {فانما هي زجرةٌ واحدةٌ} أي صيحة واحدة، قاله الحسن: وهي النفخة الثانية وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر. {فإذا هم ينظرون} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: البعث الذي كذبوا به. الثاني: ينظرون سوء أعمالهم. الثالث: ينتظرون حلول العذاب بهم، ويكون النظر بمعنى الانتظار.

ابن عطية

تفسير : الاستفتاء نوع من أنواع السؤال وكأنه سؤال من يهتبل بقوله ويجعل حجة، وكذلك هي أقوالهم في هذا الفصل لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن خلق من سواهم من الملائكة والجن والسماوات والأرض والمشارق وغير ذلك هو أشد من هؤلاء المخاطبين، وبأن الضمير في {خلقنا} يراد به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما وفي مصحف ابن مسعود "أم من عددنا" يريد من {الصافات} وغيرها {أية : والسماوات والأرض وما بينهما} تفسير : [الصافات: 1]، وكذلك قرأ الأعمش "أمَن" مخففة الميم دون {أم}، ثم أخبر تعالى إخباراً جزماً عن خلقه لآدم الذي هو أبو البشر وأضاف الخلق من الطين إلى جميع الناس من حيث الأب مخلوق منه، وقال الطبري: خلق آدم من تراب وماء ونار وهواء وهذا كله إذا خلط صار طيناً لازباً، واللازب أي يلزم ما جاوره ويلصق به، وهو الصلصال كالفخار، وعبر ابن عباس وعكرمة عن "اللازب" بالجر الكريم الجيد وحقيقة المعنى ما ذكرناه، يقال ضربة لازم وضربة لازب بمعنى واحد، وقرأ جمهور القراء "بل عجبتَ" بفتح التاء، أي عجبت يا محمد عن إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله، وقرأ حمزة والكسائي "بل عجبتُ" بضم التاء، ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب والنخعي وطلحة وشقيق والأعمش وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب، ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل" تفسير : ، وقوله عليه السلام "حديث : يعجب الله من الشاب ليست له صبوة" تفسير : ، فإنما هي عبارة عما يظهره تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجبين منه، فمعنى هذه الآية بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها للناظرين،وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجباً، وروي عن شريح أنه أنكر هذه القراءة وقال إن الله تعالى لا يعجب، وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال إن شريحاً كان معجباً بعلمه وإن عبد الله أعلم منه، وقال مكي وعلي بن سليمان في كتاب الزهراوي: هو إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه كأن المعنى قل بل عجبت، وقوله {يسخرون} أي وهم يسخرون من نبوءتك والحق الذي عندك، وقوله تعالى {وإذا رأوا آية يستسخرون}، يريد بالآية العلامة والدلالة، وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من المشركين من أهل مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل خال وهو يرعى غنماً له وهو أقوى أهل زمانه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا ركانة أرأيت إن صرعتك أتؤمن بي؟" تفسير : قال: نعم، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلف فيه العلماء وألفاظ الحديث، فلما فرغ من ذلك كله لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال: يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه، وقوله {يستسخرون} معناه يطلبون أن يكونوا ممن يسخر، ويجوز أن يكون بمعنى يسخرون كقوله تعالى: {أية : واستغنى الله} تفسير : [التغابن: 6] فيكون فعل واستفعل بمعنى، وبـ"يسخرون" فسره مجاهد وقتادة، وفي بعض القراءات القديمة "يستسحرون" بالحاء غير منقوطة، وهذه عبارة عما قال ركانة لأنه استسحر النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ "مُتنا" بضم الميم أبو جعفر وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو عمرو والعامة، وقرأ بكسر الميم الحسن والأعرج وشيبة ونافع، وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة أيضاً "أوْ آباؤنا" بسكون الواو وهي "أو" التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الجمهور "أوَ آباؤنا" بفتح الواو وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ثم أمره تعالى أن يجيب تقريرهم بـ {نعم} وأن يزيدهم في الجواب أنهم مع البعث في صغار وذلة واستكانة، وقرأ ابن وثاب "نعِم" بكسر العين، و"الداخر" الصاغر الذليل وقد تقدم غير مرة ذكر القراءات في قوله {أئذا} على الخبر والاستفهام وما يلحقها من مد وتركه وإظهار همز وتسهيله.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَاسْتَفْتِهِمْ} فحاجهم، أو سلهم من استفتاء المفتي {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} السماوات والأرض والجبال، أو السموات والملائكة، أو الأمم الماضية هلكوا وهم أشد خلقاً من هؤلاء {طِينٍ لاَّزِبٍ} " خلق آدم من ماء وتراب ونار "، أو لزج، أو لاصق، أو لازق وهو الذي لزق بما أصابه واللاصق الذي يلصق بعضه ببعض، أو اللازب واللازم بمعنى قيل نزلت في ركانة بن عبد يزيد وأبي الأشد بن [أسيد بن كلاب الجحمي].

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} أي: فلا يُمْكِنُهُمْ أن يقولوا إلا أنَّ خَلْقَ مَنْ سواهُم من الأمَمِ والملائِكَة، والجنِّ والسَّمواتِ والأرضِ والمشارِق والمغارِبِ وغير ذلك ـــ هو أشَدُّ مِنْ هؤلاءِ المخاطَبِينَ، وبأن الضمير في {خَلَقْنَآ} يرادُ به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ويُؤَيِّدُه ما في مصحف ابن مسعود «أُمْ مَنْ عَدَدْنَا»؛ وكذلك قرأَ الأَعْمَشُ. وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍ} أي: خلقُ أصلِهم وهو آدم ـــ عليه السلام ـــ، واللاّزِبُ: اللازمُ: يَلْزَمُ ما جاورَهُ ويَلْصَقُ به، وهُوَ الصَّلْصَالُ، {بَلْ عَجِبْتَ} يا محمدُ مِنْ إعْرَاضِهِم عن الحق، وقرأ حمزةُ والكسائي ـــ «بل عَجِبْتُ» بضمِ التاء ـــ؛ وذلك على أن يكونَ تَعَالَى هو المُتَعَجِّبُ ومعنَى ذَلِكَ مِن اللَّه تعالى: أنه صِفًةُ فِعْلٍ، ونحوُه قولهُ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: «حديث : يَعْجَبُ اللَّهُ مِنَ الشّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ»تفسير : فإنَّما هِي عِبَارَةٌ عَمَّا يُظْهِرُهُ اللَّه ـــ تعالى ـــ في جِانِبِ المُتَعَجَّبِ مِنْهُ من التعظيمِ أو التحقير حَتَّى يصيرَ الناسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنه، قال الثعلبي: قال الحسينُ بن الفضل: التعجبُ من اللَّهِ إنكارُ الشيء، وتعظيمهُ؛ وهو لغة العرب، انتهى. وقوله: {وَيَسْخَرُونَ} أي: وهمْ يَسْخَرُونَ من نُبُوَّتِكَ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أهم أشدّ خلقاً أم من خلقنا‏} قال‏:‏ السموات، والأرض، والجبال‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أم من خلقنا‏} ‏ قال‏:‏ أم من عددنا عليك من خلق السموات والأرض قال الله تعالى {أية : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏}تفسير : ‏[غافر: 57‏]‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏أهم أشدّ خلقاً أم من عددنا‏".‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏أم من خلقنا‏}‏ قال‏:‏ من الأموات والملائكة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏من طينٍ لازب‏} ‏ قال‏:‏ ملتصق‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أن نافع بن الأزرق سأله قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏من طين لازب‏}‏ قال‏:‏ الملتزق قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت النابغة وهو يقول‏: شعر : فلا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏من طين لازب‏} ‏ قال‏:‏ اللزب الجيد‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏من طين لازب‏}‏ قال‏:‏ لازج‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏من طين لازب‏}‏ قال‏:‏ اللازب، والحمأ، والطين واحد‏.‏ كان أوله تراباً، ثم صار حمأ منتناً، ثم صار طيناً لازباً فخلق الله منه آدم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ‏ {‏اللازب‏}‏ الذي يلزق بعضه إلى بعض‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ اللازب الذي يلزق باليد‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏طين لازب‏}‏ قال‏:‏ لازم منتن‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ‏"‏بل عجبت ويسخرون‏"‏ بالرفع‏.‏ وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق الأعمش عن شقيق بن سلمة عن شريح رضي الله عنه أنه كان يقرأ هذه الآية ‏"‏بل عجبت ويسخرون"‏ بالنصب، ويقول إن الله لا يعجب من الشيء، إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش‏:‏ فذكرت ذلك لإِبراهيم النخعي رضي الله عنه، فقال‏:‏ إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبدالله بن مسعود رضي الله عنه كان أعلم منه، كان يقرأها {‏بل عجبت‏}‏ ‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ‏{‏بل عجبت‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏بل عجبت ويسخرون‏} ‏ قال‏:‏ عجبت من كتاب الله ووحيه ‏{‏ويسخرون‏}‏ بما جئت به‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏بل عجبت‏} قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏"‏حديث : عجبت بالقرآن حين أنزل، ويسخر منه ضلال بني آدم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بل عجبت‏}‏ قال‏:‏ عجب محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلالة ‏{‏ويسخرون‏} ‏ يعني أهل مكة ‏{‏وإذا ذكروا لا يذكرون‏}‏ أي لا ينتفعون، ولا يبصرون {‏وإذا رأوا آية يستسخرون‏} ‏ أي يسخرون منه ويستهزؤون‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يستسخرون‏} ‏ قال‏:‏ يستهزؤون‏.‏ وفي قوله ‏{‏فإنما هي زجرة‏} ‏ قال‏:‏ صيحة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏فإنما هي زجرة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ نفخة واحدة، وهي النفخة الآخرة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏هذا يوم الدين‏} ‏قال‏:‏ يدين الله فيه العباد بأعمالهم ‏ {‏هذا يوم الفصل‏} يعني يوم القيامة‏.

ابو السعود

تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ} فاستخبر مُشركي مكَّة {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} أي أقوى خِلقةً وأمتنُ بنيةً أو أصعبُ خَلْقاً وأشقُّ إيجاداً {أَم مَّنْ خَلَقْنَا} من الملائكةِ والسَّماءِ والأرضِ وما بـينهما. والمشارقُ والكواكبُ والشُّهبُ الثَّواقبُ ومن لتغليبِ العُقلاءِ على غيرِهم ويدلُّ عليه إطلاقُه. ومجيئُه بعد ذلك لا سيَّما قراءةُ مَن قرأ أمْ مَن عددنا. وقولُه تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ} فإنَّه الفارقُ بـينهم وبـينها لا بـينهم وبـين من قبلهم من الأممِ كعادٍ وثمود، ولأنَّ المرادَ إثباتُ المعادِ وردُّ استحالتهم. والأمرُ فيه بالإضافةِ إليهم وإلى مَن قبلهم سواء. وقُرىء لازمٍ ولاتبٍ {بَلْ عَجِبْتَ} أي من قُدرة الله تعالى على هذه الخلائقِ العظيمة وإنكارِهم للبعث {وَيَسْخُرُونَ} من تعجُّبكَ وتقريرك للبعث. وقُرىء بضمِّ التَّاءِ، على معنى أنَّه بلغ كمالُ قدرتي وكثرةُ مخلوقاتي إليَّ حيث عجبتُ منها، وهؤلاءِ لجهلهم يسخرونَ منها. أو عجبتُ من أنْ ينكرُوا البعثَ ممَّن هذه أفاعيلُه ويسخرُوا ممَّن يجوزُه. والعجبُ من اللَّهِ تعالى إمَّا على الفرضِ والتَّخيـيلِ، أو على معنى الاستعظامِ اللاَّزمِ له فإنَّه رَوعةٌ تعتري الإنسانَ عند استعظامِ الشَّيءِ. وقيل إنَّه مقدَّرٌ بالقولِ أي قُل يا محمدُ بل عجبتُ {وَإِذَا ذُكّرُواْ} أي ودأبُهم المستمرُّ أنَّهم إذا وُعظوا بشيءٍ من المواعظِ. {لاَ يَذْكُرُونَ} لا يتَّعظون، وإذَا ذُكر لهم ما يدلُّ على صحَّةِ البعثِ لا ينتفعُون به لغايةِ بلادتهم وقصورِ فكرهم {وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً} أي معجزةً تدلُّ على صدقِ القائلِ به {يَسْتَسْخِرُونَ} يُبالغون في السُّخريةِ، ويقُولون إنَّه سحرٌ أو يستدعي بعضُهم من بعضٍ أنْ يسخرَ منها {وَقَالُواْ إِن هَـٰذَا} أي ما يَرونه من الآياتِ الباهرةِ {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} ظاهرٌ سحريَّتهُ {أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً} أي كان بعضُ أجزائِنا تُراباً وبعضُها عظاماً. وتقديمُ التُّرابِ لأنَّه منقلبٌ من الأجزاءِ الباديةِ. والعاملُ في إذا ما دلَّ عليه مبعوثونَ في قوله تعالى: {أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ} أي نُبعث لا نفسه لأنَّ دونَه خطوباً لو تفرَّدَ واحدٌ منها لكفى في المنعِ. وتقديمُ الظَّرفِ لتقويةِ الإنكارِ للبعث بتوجيههِ إلى حالةٍ منافيةٍ له غايةَ المُنافاة وكذا تكريرُ الهمزةِ في أئنا للمبالغةِ والتَّشديدِ في ذلك وكذا تحليةُ الجملةِ بأنْ واللاَّمِ لتأكيدِ الإنكارِ لا لإنكارِ التَّأكيدِ كما يُوهمه ظاهرُ النَّظمِ الكريمِ فإنَّ تقديمَ الهمزةِ لاقتضائها الصَّدارة كما في مثلِ قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 44 و 76. وسورة آل عمران: الآية 65 وغيرهما] على رأي الجمهورِ، فإنَّ المعنى عندَهُم تعقيبُ الإنكارِ لا إنكارُ التَّعقيبِ كما هُو المشهورُ. وقُرىء بطرحِ الهمزةِ الأُولى وبطرحِ الثَّانيةِ فَقَطْ.

القشيري

تفسير : عَرّفهم عَجْزَهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم أنها إلى الطين اللازب.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاستفتهم} خطاب للنبى عليه السلام والضمير لمشركى مكة [والاستفتاء: فتواى خواستن] والفتيا والفتوى الجواب عما يشكل من الاحكام يقال استفتيته فافتانى بكذا. قال بعضهم الفتوى من الفتى وهو الشاب القوى وسمى الفتوى فتوى لان المفتى يقوى السائل فى جواب الحادثة وجمعه فتاوى بالفتح والمراد بالاستفتاء هنا الاستخبار كما فى قوله تعالى فى قصة اهل الكهف {أية : ولا تستفت فيهم منهم احدا} تفسير : وليس المراد سؤال الاستفهام بل التوبيخ. والمعنى فاستخبر يا محمد مشركى مكة توبيخا واسألهم سؤال محاجة {أهم} [آيا ايشان] {اشد خلقا} اقوى خلقة وامتن بنية او اصعب على الخالق خلقا او اشق ايجادا {ام من} اى ام الذى {خلقنا} من الملائكة والسماء والارض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب والشياطين المردة ومن لتغليب العقلاء على غيرهم {انا خلقناهم} اى خلقنا اصلهم وهو آدم وهم من نسله {من طين لازب} لاصق يلصق ويعلق باليد لا رمل فيه. قال فى المفردات اللازب الثابت الشديد الثبوت ويعبر باللازب عن الواجب فيقال ضربة لازب اهـ والباء بدل من الميم والاصل لازم مثل مكة وبكة كما فى كشف الاسرار والمراد اثبات المعاد ورد استحالتهم وتقريره ان استحالة المعاد اما لعدم قابلية المادة ومادتهم الاصلية هى الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائى الى الجزء الارضى وهما باقيان قابلان الانضمام بعد واما لعدم قدرة الفاعل وهو باطل فان من قدر على خلق هذه الاشياء العظيمة قادر على ما يعتد به بالاضافة اليها وهو خلق الانسان واعادته سيما ومن الطين اللازب بدأهم وقدرته ذاتية لا تتغير فهى بالنسبة الى جميع المخلوقات على السواء [بس هركاه خورشيد قدرت ازافق ارادت طلوع نمايد ذرات مقدورات درهواى ابداع وفضاى اختراع بجلوه در آيند] قدس سره شعر : كاينك زعدم سوى وجود آمده ايم تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بامرش وجود ازعدم نقش بست كه داند جزاو كردن ازنيست هست دكرره بكتم عدم در برد واز آنجا بصحراى محشر برد تفسير : وفى الآية اشارة الى انه تعالى اودع فى الطينة الانسانية خصوصية لزوب ولصوق يلصق بكل شئ صادفة فصادف قوما الدنيا فلصقوا بها وصادف قوما الآخرة فلصقوا بها وصادف قوما نفحات الطاف الحق فلصقوا بها فاذابتهم وجذبتهم عن انانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه اليها فطوبى لعبد لم يتعلق بغير الله تعالى: قال الحافظ شعر : غلام همت آنم كه زير جرخ كبود زهر جه رنك تعلق بذيرد آزادست

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَاسْتَفْتِهِمْ} أي: فاستخبر كفّار مكّة {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} أي: أقوى خلقاً وأعظم، أو: أصعب خلقاً وأشقه. {أَم مَّنْ خَلَقْنَا} يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشُهب الثواقب؟ وجيء بـ "مَنْ" تغليباً للعقلاء. ويدلّ عليه قراءة مَن قرأ: (أم من عددنا) بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإنَّ مَن قدرَ على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: {إِنا خلقناهم من طين لازب} لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم مَن جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف؛ لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خُلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقاً آخر؟ حيث قالوا: {أية : أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً}تفسير : [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعدُ؛ من ذكر إنكارهم البعث. {بل عَجِبْتَ} من تكذيبهم إيَّاك، وإنكارهم البعث، {ويَسْخَرون} هم منك، ومن تعجُّبك، أو: مِن أمر البعث، قال الكواشي: ولَمَّا لم تؤثِّر فيهم البراهين، أَمَرَ نبيَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجُّبك. هـ. قال قتادة: لَمَّا نزل القرآنُ عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سَمِعَه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجَّب من ذلك. هـ. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في رُكانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. هـ. وقرأ الأخوان "عجبتُ" بضم التاء، أي: استعظمت. والعجَبُ: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء؛ لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى مُحال، ومعناه: التعجُّب لغيره، أي: كل مَن يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عجب الله من شاب ليست له صبوة"تفسير : .وهو عبارة عما يُظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبتُ ويسخرون. {وإِذا ذُكِّروا لا يذْكُرون} أي: ودأبهم أنهم إذا وُعظوا بشيء لا يتعظون به. {وإِذا رَأَوْا آيةً} معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، {يَسْتَسْخِرُونَ} يُبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضاً أن يسخر منها، {وقالوا إِن هذا} ما هذا {إِلا سحر مبينٌ} ظاهر سحريته، {أَإِذَا مِتنا وكنا تُراباً وعظاماً أئِنا لمبعُوثُون} أي: أَنُبعث إذا كنا تُراباً وعظاماً؟ {أوَ آبَاؤُنا الأولون} فمن فتح الواو عطف على محلّ "إِنّ" واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أَوَيُبعث أيضاً آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبْعد وأبطل. ومَن سَكَّن فَمِنْ عطفِ أحد الشيئين، أي: أيُبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. {قُلْ نَعَم} تُبعثون {وأنتم داخرون} صاغرون. {فإِنما هي زَجْرَةٌ واحدة} أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يُفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبلَ والغنمَ: إذا صاح عليها، {فإِذا هم} أحياء {ينظرون} إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحلُّ بهم. {وقالوا يا ويلنا} الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، {هذا يومُ الدينِ} اليوم الذي يُدانُ فيه العباد، ويُجازون بأعمالهم. {هذا يومُ الفصلِ} أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، {الذي كنتم به تُكذِّبون} يحتمل أن يكون قوله: {هذا يوم الدين} من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون {يا ويلنا هذا يوم الدين} من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جواباً لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالَمان، عالَم في غاية الضعف والخِسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالَم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفَحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمُد الوجود بأسره. فمَن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرّم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. هـ. ومَن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يُظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقّق بوصفه مدَّه اللهُ بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...}

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصما {بل عجبت} بضم التاء. الباقون بفتحها. قال ابو علي: من فتح التاء أراد: بل عجبت يا محمد من إنكارهم البعث او من نزول الوحي على قلبك وهم يسخرون، ومن ضم قال: معناه إن إنكار البعث مع بيان القدرة على الابتداء وظهور ذلك من غير استدلال عجيب عندك. وقال قوم: إن ذلك اخبار من الله عن نفسه بأنه عجيب، وذلك كما قال {وإن تعجب فعجب قولهم}. وهذا غير صحيح، لان الله تعالى عالم بالاشياء كلها على تفاصيلها، وإنما يعجب من خفي عليه اسباب الاشياء، وقوله {فعجب قولهم} معناه عندكم. وقرأ ابن عامر {إذا} على الخبر. الباقون على الاستفهام على أصولهم في التحقيق والتخفيف والفصل وقرأ {إنا} على الخبر اهل المدينة والكسائي ويعقوب. وقرأ الباقون بهمزتين على أصولهم في التحقيق والتليين والفصل. وقرأ اهل المدينة وابن عامر {أو آباؤنا} بسكون الواو - هنا وفي الواقعة - إلا أن ورشاً على اصله في إلقاء حركة الهمزة على الواو. الباقون بفتح الواو. وهذا خطاب من الله تعالى لنبيه يأمره بأن يستفتي هؤلاء الكفار وهو أن يسألهم أن يحكموا بما تقتضيه عقولهم، ويعدلوا عن الهوى واتباعه، فالاستفتاء طلب الحكم {أهم أشد خلقاً أم من خلقنا} يعني من قبلهم من الامم الماضية والقرون الخالية، فانه تعالى قد أهلك الأمم الماضية الذين هم اشد خلقاً منهم لكفرهم، ولهم مثل ذلك إن أقاموا على الكفر. وقيل: المعنى أهم اشد خلقاً منهم بكفرهم، وهم مثل ذلك أم من خلقنا من الملائكة والسموات والارضين، فقال: أم من خلقنا، لأن الملائكة تعقل، فغلب ذلك على ما لا يعقل من السموات، والشدة قوة الفتل وهو بخلاف القدرة والقوة. وكل شدة قوة، وليس كل قوة شدة، واشد خلقاً ما كان فيه قوة يمنع بها فتله إلى المراد به. ثم اخبر تعالى انه خلقهم من طين لازب. والمراد انه خلق آدم من طين، وإن هؤلاء نسله وذريته، فكأنهم خلقوا من طين، ومعنى {لازب} لازم فأبدلت الميم باء، لأنها من مخرجها، يقولون: طين لازب وطين لازم قال النابغة: شعر : ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب تفسير : وبعض بني عقيل يبدلون من الزاي تاء. فيقولون: لاتب، ويقولون: لزب، ولتب، ويقال: لزب يلزب لزوباً. وقال ابن عباس: اللازب الملتصق من الطين الحر الجيد. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقال مجاهد: معناه لازق: وقيل: معناه من طين علك خلق آدم منه ونسب ولده اليه. وقوله {بل عجبت ويسخرون} فمن ضم التاء اراد أن النبي صلى الله عليه وآله أمره الله أن يخبر عن نفسه انه عجب من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلالة. قال المبرد: وتقديره قل بل عجبت. ومن فتح التاء أراد ان الله تعالى خاطبه بذلك. والعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب في: ما لم تجر به العادة، يقال: عجب يعجب عجباً وتعجب تعجباً. والمعنى في الضم على ما روي عن علي عليه السلام وابن مسعود ليس على انه بعجيب كما يعجب، لأن الله تعالى عالم بالاشياء على حقائقها، وإنما المعنى انه يجازي على العجب كما قال {أية : فيسخرون منهم سخر الله منهم} {أية : ومكروا ومكر الله} تفسير : ويجوز أن يكون المعنى قد حلوا محل من يعجب منهم. والفتح على عجب النبي صلى الله عليه وآله {ويسخرون} معناه يهزؤن بدعائك إياهم إلى الله. والنظر في دلائله وآياته. {وإذا ذكروا} بآيات الله وحججه وخوفوا بها {لا يذكرون} أي لا يتفكرون، ولا ينتفعون بها {وإذا رأوا آية} من آيات الله تعالى {يستسخرون} أي يسخرون وهما لغتان. وقيل: معناه يطلب بعضهم من بعض أن يسخروا ويهزؤا بآيات الله، فيقولون ليس هذا الذي تدعونا اليه من القرآن وتدعيه أنه من عند الله {إلا سحر مبين} أي ظاهر بين. وحكى انهم يقولون ايضاً {آئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون} بعد ذلك ومحشورون ومجازون؟! {أو آباؤنا الأولون} الذين تقدمونا بهاه الصفة، واللفظ لفظ الاستفهام والمراد بذلك التهزّي والاستبعاد لأن يكون هذا حقيقة وصحيحاً. فمن فتح الواو فلأنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} لهم {نعم} الامر على ذلك، فانكم تحشرون وتسألون وتجازون على اعمالكم من الطاعات بالجنة والثواب، وعلى المعاصي بالنار والعقاب فيها {وأنتم داخرون} أي صاغرون أذلاء - وهو قول الحسن وقتادة والسدي - وقيل: الداخر الصاغر الذليل اشد الصغر والصاغر الذليل لصغر قدره. ثم قال ايضاً وقل لهم {فإنما هي زجرة واحدة} فقال الحسن: يعني النفخة الثانية. والزجرة الصرفة عن الشيء بالمخافة، فكأنهم زجروا عن الحال التي هم عليها إلى المصير إلى الموقف للجزاء والحساب {فإذا هم ينظرون} أي يشاهدون ذلك ويرونه. وقيل: معناه فاذا هم أحياء ينتظرون ما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه، ويقولون معترفين على نفوسهم بالعصيان {يا ويلنا هذا يوم الدين} اي يوم الجزاء والحساب. و (الويل) كلمة يقولها القائل إذا وقع في الهلكة، ومثله يا ويلتى، ويا حسرتى، ويا عجبا. وقال الزجاج: والمعنى في جميع ذلك ان هذه الأشياء حسن نداؤها على وجه التنبيه والتعظيم على عظم الحال، والمعني يا عجب اقبل ويا حسرة اقبلي فانه من اوانك واوقاتك، ومثله قوله {أية : يا ويلتى أألد وأنا عجوز}تفسير : وقوله {أية : يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله}.

الجنابذي

تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} من الملائكة والجنّ والسّماوات والارض وما بينهما والمشارق والكواكب والشّهب {إِنَّا خَلَقْنَاهُم} من اضعف شيءٍ يعنى {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} اى لازق فهم اضعف من اكثر المخلوق بحسب المادّة واصغر بحسب الصّورة واهون بحسب القوّة وهم يشركون بنا ويعصون، وغيرهم مع قوّتهم وعظمهم يوحّدوننا ويطيعوننا.

الأعقم

تفسير : {فاستفتهم} أي استخبرهم {أهم أشد خلقاً}، قيل: أراد كفار مكة، وقيل: نزلت في أيام الأسد بن كلدة، قيل: هذا سؤال تقرير، وقيل: سؤال توبيخ {أمّن خلقنا} يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والكواكب والشهب الثاقب والشياطين، وقيل: أراد الأمم الماضية، وقيل: أهلكناهم بذنوبهم {إنَّا خلقناهم من طين لازب} أي لازم يعني آدم (عليه السلام) {بل عجبت} من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة وهم يسخرون منك ومن تعجبك، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث {وإذا ذكروا لا يذكرون} إذا وعظوا لا يتعظون {وإذا رأوا آية} من آيات الله كانشقاق القمر وغيره {يستسخرون} يبالغون في السخريَّة {وقالوا إن هذا} القرآن وسائر ما يذكره الرسول {إلا سحر مبين} {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون} {أو آباؤنا الأولون} أي كيف يبعث آباؤنا بعد أن صاروا تراباً {قل نعم وأنتم داخرون} صاغرون، والمعنى تبعثون وأنتم داخرون صاغرون {فإنما هي} جواب شرط مقدر تقديره إذا كان ذلك فما هي إلا {زجرة واحدة} وهي النفخة الثانية، والزجرة الصيحة من قولك زجر الراعي الابل والغنم إذا صاح عليها {فإذا هم ينظرون} إحياء، وقيل: ينظرون إلى ما نزل بهم، وقيل: ينظر بعضهم إلى بعض: {وقالوا يا ويلنا} يدعون بالويل لما عاينوا من العذاب {هذا يوم الدين} يوم الجزاء والحساب، هذا من كلام الكفرة بعضهم لبعض إلى قوله: {احشروا الذين} أو يكون من كلام الملائكة بعضهم لبعض {هذا يوم الفصل} أي يوم يفصل الله بين عباده {الذي كنتم به تكذبون} يعني يكذبون الرسل {احشروا الذين ظلموا} الناس أو ظلموا الرسل بالتكذيب {وأزواجهم} أشباههم، وقيل: أتباعهم، وقيل: أزواجهم المشركات {وما كانوا يعبدون} {من دون الله} في الدنيا مثل الأصنام، وقيل: الشياطين الذين أطاعوهم {فاهدوهم}، قيل: ادعوهم، وقيل: دلوهم {إلى صراط الجحيم}، قيل: طريق النار {وقفوهم إنهم مسؤولون}، قيل: هذه مساءلة توبيخ، وقيل: عن قول لا إلا إلاَّ الله، وقيل: عن خطاياهم، وقيل: عن جميع أحوالهم وأفعالهم {ما لكم لا تناصرون} يقال لهم توبيخا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً في دفع العذاب؟ {بل هم اليوم مستسلمون}، قيل: خاضعين عن ابن عباس، وقيل: منقادين {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون}، قيل: الاتباع والمتبوعون، وقيل: الانس على الجن {إنكم كنتم تأتوننا} أي من جهة النصيحة، وقيل: انتم صدتمونا {عن اليمين} أي أصحاب الجنة، وقيل: عن طريق الجنة {قالوا} الرؤساء مجيبين {بل لم تكونوا مؤمنين} {وما كان لنا عليكم من سلطان} أي قوة تكرهكم على الكفر {بل كنتم قوماً طاغين} أي جاوزتم الحد في العصيان {فحقّ علينا قول ربنا} أي وجب علينا {إنا لذائقون} {فأغويناكم إنا كنا غاوين} فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {فَاسْتَفْتِهِمْ} يعني المشركين {أَهُم أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} يعني السماء في تفسير مجاهد. وقال الحسن: أم السماء والأرض. وقال في آية أخرى: (أية : ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ) تفسير : [النازعات: 27-30] وقال: (أية : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) تفسير : [غافر: 57] يقول: فاسألهم، على الاستفهام، أي: فحاجّهم بذلك، {أية : ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ}تفسير : [النازعات: 27]؛ في قول مجاهد. وفي قول الحسن: أم السماء والأرض. أي: إنهما أشد خلقاً منهم. قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} واللازب: الذي يلصق باليد، في تفسير بعضهم. واللاصق واللازق واحد. وهي لغة. وقال مجاهد: لازب أي: لازم، وهو واحد. وهو الطين الحرّ في تفسير بعضهم، يعني خلق آدم. وكان أول خلقه تراباً، ثم كان طيناً. قال: (أية : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ) تفسير : [غافر: 67]، وقال: (أية : مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) تفسير : [الرحمن: 14]، وهو التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة. وقال: {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} وقال: (أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) تفسير : [الحجر:26، 28،33] يعني الطين المنتن. قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} يا محمد أن أعطيت هذا القرآن {وَيَسْخَرُونَ} هم، يعني المشركين. {وَإِذَا ذُكِّرُوا} أي: بالقرآن {لاَ يَذْكُرُونَ} قال: {وَإِذَا رَأَوْا ءَايَةً} أي: وإذا تليت عليهم آية {يَسْتَسْخِرُونَ} أي: من السخرية.

اطفيش

تفسير : {فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا} أطلب منهم أن يفتوك ويخبروك يعني الكفار او كفار مكة اهم اشد خلقا ام من خلقنا من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب والشياطين المردة كما يدل عليه قوله بعد هذه الأشياء فاستفتهم بالفاء المعقبة وقوله ام من خلقنا مطلقا من غير تقييد وقراءة ابن مسعود والاعمش ام من عددنا وكذا في مصحف ابن مسعود وقراءة بعض عددنا بالتشديد ومن لتغليب العقلاء وقيل المراد ام من خلقنا من الأمم الماضية وليس بملايم والاستفهام للتقرير والتوبيخ والاستفهام ولو خرج عن اصله إلى توبيخ او تقرير او غيرهما فهو على شبه من الاصل ولذلك قال استفتهم واشدية الخلق اما بمعنى قوة الجسم كما قال بعض نزلت في ابي الاشد بن كلدة كني بذلك لقوته وشدة بطشه واما بمعنى صعوبة الايجاد والانشاء فهو رد على انكار البعث. {إنا خلقناهم من طين لازب} خلقناهم من طين لاصق بخلق ابيهم منه وهذه شهادة عليهم بالضعف والرخاوة ورد على انكارهم البعث من اين استنكروا ان يخلقوا من تراب مثله إذ قالوا ائذا كنا ترابا مع بقاء الماء والتراب على قبول الامضمام مع اعترافهم بخلق آدم منه وشاهدوا تولد الحيوانات واعترافهم بحدوث العالم والقادر على ذلك قادر على البعث وهم اضعف واقل واهون وقد ابداهم اولا وقدرة الله باقية لانها ذاتية وفي الآية دلالة ايضا على المراد بمن خلقنا الملائكة وما ذكر معها فان الخلق من الطين فارق بينهم وبين من ذكر من الملائكة والسماوات والأرض وما ذكر معها لابينهم وبين الأمم الماضية لأن المراد الرد على انكار البعث والأمر في اثباته بالنسبة إليهم وإلى الأمم سواء وقرىء من طين لابث والمعنى واحد وزعم بعضهم ان لازب معناه منتن.

اطفيش

تفسير : {فاسْتَفْتهم} اذا كان لنا ما ذكر من الخلق، أو اذا عرفت فاستخبر للتبكيت بالتقرير أو الإنكار مشركى مكة، كأبى الأشد وفيه نزلت {أهُم أشدُّ خَلقاً} أقوى بينة، أو أصعب إيجاداً {أم من خَلقْنا} من الملائكة والسماوات، والأرض والكواكب، والشياطين والشهب، وعبر بمن تغليبا للملائكة والشياطين لعقلهم على غيرهم، ومن معطوف على هم ففى أشد ضميرها، وأشد خبرهما {إنَّا خلقْناهم مِنْ طين} تراب وماء، وهما فى الآية معجونان. {لازبٍ} ملتصق بما مسه أو بعضه ببعض، ولا يصح فى اللغة ما قيل انه الجيد، وانما هو من خارج لشدة عجنه وجودته، كما يقال من آية أخرى أنه منتن، وهذا رد عليهم بأنهم ضعاف، لأنهم من الطين بخلق أبيهم منه، الطين ضعيف، وقد خلق ما هو أقوى وخلق الضعيف أسهل فى عقولهم وهما عند الله سواء، وبأنهم من طين بخلق أبيهم، فلا يعجزه أن يخلقهم عند البعث، واحياء ما بقى من أعضائهم، وإكمالها أسهل فى عقولهم، والكل عند الله سواء.

الالوسي

تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ } أي فاستخبرهم، وأصل الاستفتاء الاستخبار عن أمر حدث، ومنه الفتى لحداثة سنه، والضمير لمشركي مكة، قيل: والآية نزلت في أبـي الأشد بن كلدة الجمحي وكني بذلك لشدة بطشه وقوته واسمه أسيد، والفاء فصيحة أي إذا كان لنا من المخلوقات ما سمعت أو إذا عرفت ما مر فاستخبر مشركي مكة واسألهم على سبيل التبكيت {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } أي أقوى خلقة وأمتن بنية أو أصعب خلقاً وأشق إيجاداً {أَم مَّنْ خَلَقْنَا } من الملائكة والسمٰوات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشياطين والشهب الثواقب. وتعريف الموصول عهدي أشير به إلى ما تقدم صراحة ودلالة وغلب العقلاء على غيرهم والاستفهام تقريري، وجوز أن يكون انكارياً، وفي مصحف عبد الله {أَم مَّنْ عددنا} وهو مؤيد لدعوى العهد بل قاطع بها. وقرأ الأعمش {أمن} بتخفيف الميم دون أم جعله استفهاماً ثانياً تقريرياً فمن مبتدأ خبره محذوف أي أمن خلقنا أشد. {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } أي ملتصق كما أخرج ذلك ابن جرير وجماعة عن ابن عباس، وفي رواية أخرى بلفظ ملتزق وبه أجاب ابن الأزرق وأنشد له قول النابغة: شعر : فلا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب تفسير : قيل: والمراد ملتزق بعضه ببعض، وبذلك فسره ابن مسعود كما أخرجه ابن أبـي حاتم ويرجع إلى حَسَنِ العجن جَيِّدِ التخمير، وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه يلزق باليد إذا مس بها وقال الطبري: خلق آدم من تراب وماء وهواء ونار وهذا كله إذا خلط صار طيناً لازباً يلزم ما جاوره، واللازب عليه بمعنى اللازم وهو قريب مما تقدم، وقد قرىء {لازم} بالميم بدل الباء و {لاتب} بالتاء بدل الزاي والمعنى واحد. وحكي في/ "البحر" عن ابن عباس أنه عبر عن اللازب بالجر أي الكريم الجيد، وفي رواية أنه قال: اللازب الجيد. وأخرج عبد بن حيمد وابن المنذر عن مجاهد أنه قال: لازب أي لازم منتن، ولعل وصفه بمنتن، مأخوذ من قوله تعالى: {أية : مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تفسير : [الحجر: 26] لكن أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال: اللازب والحمأ والطين واحد كان أوله تراباً ثم صار حمأ منتناً ثم صار طيناً لازباً فخلق الله تعالى منه آدم عليه السلام. وأياً ما كان فخلقهم من طين لازب إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة أو احتجاج عليهم في أمر البعث بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السلام تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا منه مرة ثانية حيث قالوا: {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ }تفسير : [الصافات: 16] ويعضد هذا على ما في "الكشاف" ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث.

ابن عاشور

تفسير : الفاء تفريع على قوله: {أية : إنَّا زيَّنا السَّماء الدنيا بزينةٍ الكواكب}تفسير : [الصافات:6] باعتبار ما يقتضيه من عظيم القدرة على الإِنشاء، أي فسَلْهُم عن إنكارهم البعث وإحالتِهم إعادةَ خلقهم بعد أن يصيروا عظاماً ورفاتاً، أخَلْقُهم حينئذٍ أشدّ علينا أم خلق تلك المخلوقات العظيمة؟ وضمير الغيبة في قوله: {فَاستفتِهِم} عائد إلى غير مذكور للعلم به من دلالة المقام وهم الذين أحالوا إعادة الخلق بعد الممات. وكذلك ضمائر الغيبة الآتية بعده وضمير الخطاب منه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي فسَلْهم، وهو سؤال محاجة وتغليط. والاستفتاء: طلب الفَتوى بفتح الفاء وبالواو، ويقال: الفُتْيَا بضم الفاء وبالياء. وهي إخبار عن أمر يخفَى عن غير الخواصّ في غرض مَّا. وهي: إمّا إخبار عن علم مختص به المخبِر قال تعالى: {أية : يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات}تفسير : [يوسف:46] الآية، وقال: {أية : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}تفسير : [النساء:176]، وتقدم في قوله: {أية : الذي فيه تستفتيان }تفسير : في سورة [يوسف: 41]. وإمَّا إخبار عن رأي يطلب من ذي رأي موثوق به ومنه قوله تعالى:{أية : قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري}تفسير : في سورة [النمل: 32]. والمعنى: فاسألهم عن رأيهم فلما كان المسؤول عنه أمراً محتاجاً إلى إعمال نظر أطلق على الاستفهام عنه فعل الاستفتاء. وهمزة: {أهُم أشدُّ خَلْقاً}للاستفهام المستعمل للتقرير بضعف خلق البشر بالنسبة للمخلوقات السماوية لأن الاستفهام يؤول إلى الإقرار حيث إنه يُلجىء المستفهم إلى الإِقرار بالمقصود من طرفي الاستفهام، فالاستفتاء في معنى الاستفهام فهو يستعمل في كل ما يستعمل فيه الاستفهام. و {أشدّ} بمعنى: أصعب وأعسر. و {خَلْقاً} تمييز، أي أخلقهم أشدّ أم خَلْق من خلقنا الذي سمعتم وصفه. والمراد بــــ {مَن خَلَقْنا} ما خَلَقَه الله من السماوات والأرض وما بينهما الشامل للملائكة والشياطين والكواكب المذكورة آنفاً بقرينة إيراد فاء التعقيب بعد ذكر ذلك، وهذا كقوله تعالى: {أية : أأنتم أشد خلقاً أم السماء}تفسير : [النازعات:27] ونحوه. وجيء باسم العاقل وهو {مَن} الموصولة تغليباً للعاقلين من المخلوقات. وجملة {إنا خلقناهم من طين لازب} في موضع العلة لما يتولد من معنى الاستفهام في قوله: {أهم أشد خلقاً أم من خلقنا} من الإِقرار بأنهم أضعف خلقاً من خلق السماوات وعوالمها احتجاجاً عليهم بأن تأتِّي خلقهم بعد الفناء أهون من تَأتي المخلوقات العظيمة المذكورة آنفاً ولم تكن مخلوقة قبلُ فإنهم خلقوا من طين لأن أصلهم وهو آدم خلق من طين كما هو مقرر لدى جميع البشر فكيف يحيلون البعث بمقالاتهم التي منها قولُهم: {أية : أإذَا مِتنا وكنا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثونَ}تفسير : [الصافات:16]. والطينُ: التراب المخلوط بالماء. واللازب: اللاصق بغيره ومنه أطلق على الأمر الواجب «لازب» في قول النابغة:شعر : ولا يحسبون الشر ضَربةَ لازب تفسير : وقد قيل: إن باء لازب بدل من ميم لازم، والمعنى: أنه طين عتيق صار حَمْأة. وضمير {إنَّا خلقناهُم}عائد إلى المشركين وهو على حذف مضاف، أي خلقنا أصلهم وهو آدم فإنه الذي خلق من طين لازب، فإذا كان أصلهم قد أنشىء من تراب فكيف ينكرون إمكان إعادة كل آدمي من تراب.

الشنقيطي

تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة برهانين من براهين البعث، التي قدمنا أنها يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث. الأول: هو المراد بقوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} لأنّ معنى (فاستفتهم): استخبرهم والأصل في معناه: اطلب منهم الفتوى: وهي الإخبار بالواقع فيما تسألهم عنه أهم أشدّ خلقاً أي أصعب إيجاداً واختراعاً، أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم، وهي ما تقدّم ذكره من الملائكة المعبر عن جماعاتهم بالصافات، والزاجرات، والتاليات، والسماوات، والأرض، والشمس والقمر، ومردة الشياطين كما ذكر ذلك كله في قوله تعالى: {أية : رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} تفسير : [الصافات: 5ـ7]. وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة، ومردة الجن والسماوات، والأرض، والمشارق، والمغارب، والكواكب، أشد خلقاً منا، لأنها مخلوقات عظام أكبر، وأعظم منا فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت، لأن من المعلوم بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما قادر على أن يخلق الأصغر الأقل كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، كخلق الإنسان خلقاً جديداً بعد الموت. وقال تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [يس: 81] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 99] وقال تعالى في النازعات موضحاً الاستفتاء المذكور في آية الصافات هذه: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات: 27ـ33]. وقد علمت أن وجه العبارة بمن التي هي للعالم في قوله تعالى: {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} عن السماوات والأرض والكواكب هو تغليب ما ذكر معها من العالم كالملائكة على غير العالم، وذلك أسلوب عربي معروف. وأما البرهان الثاني: فهو في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} لأن من خلقهم أولاً من طين، وأصله التراب المبلول بالماء لا يشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا تراباً، لأن الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جداً كقوله تعالى: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 79] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ} تفسير : [الروم: 27] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذين البرهانين وغيرهما، من براهين البعث في سورة البقرة والنحل والحج وغير ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} اللازب: هو ما يلزق باليد مثلاً إذا لاقته، وعبارات المفسرين فيه تدور حول ما ذكرنا، والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد، ومنه في اللازب قول علي رضي الله عنه: شعر : تَعَلَّم فإنّ الله زادكَ بَسطةً وأخلاقَ خيرٍ كُلُّها لَك لازِب تفسير : وقول نابغة ذبيان: شعر : ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب تفسير : فقوله: ضربة لازب: أي شيئاً ملازماً لا يفارق، ومنه في اللاتب قوله: شعر : فإن يك هذا من نبيذ شربته فإني من شرب النبيذ لتائب صداع وتوصيم العظام وفترة وغم مع الإشراق في الجوف لاتب تفسير : والبرهانان المذكوران على البعث يلقمان الكفار حجراً في إنكارهم البعث المذكور بعدهما قريباً منهما في قوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} تفسير : [الصافات: 15ـ19].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فاستفتهم: أي استخبر كفار مكة تقريرا وتوبيخا. أهم أشد خلقا أم من خلقنا: أي خلقهم في ذواتهم وإعادتهم بعد موتهم، أم من خلق تعالى من الملائكة والسماوات والأرض وما فيها من سائر المخلوقات. من طين لازب: أي يلصق باليد. بل عجبت ويسخرون: أي عجبت يا نبي الله من إنكارهم للبعث، وهم يسخرون من دعوتك إلى الإِيمان به. وإذا ذكروا لا يذكرون: أي وإذا وعظوا لا يتعظون. وإذا رأوا آية يستسخرون: أي إذا رأوا حجة من الحجج التي تحمل الآيات القرآنية تقرر البعث والتوحيد والنبوة يسخرون أي يستهزئون. قل نعم وأنتم داخرون: أي قل لهم يا رسولنا نعم تبعثون وأنتم صاغرون أذلاء. فإنما هي زجرة واحدة: أي صيحة تزجرهم وهي نفخة إسرافيل في الصور النفخة الثانية. هذا يوم الدين: أي يوم الحساب والجزاء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والبعث والجزاء وقوله تعالى فاستفتهم أي استخبرهم واطلب جوابهم أي بقولك آنتم أشد خلقا أي في ذواتكم وفي إحيائكم بعد مماتكم أم من خلقه الله من الملائكة والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما؟ والجواب معلوم وهو أن خلق غيرهم من العوالم أشد خلقاً إذاً فكيف ينكرون البعث بدعوى استحالة وجوده لصعوبته قال تعالى {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي خلقنا أباهم آدم من طين لازب أي لاصق يلصق باليد ثم خلقناهم بطريق التناسل أفيعجزنا إعادة خلقهم مرة أخرى والجواب لا. لا وقوله تعالى {بَلْ عَجِبْتَ} أي من تكذيبهم بالبعث لوضوح الأدلة على إمكانه ووجوب وجوده {وَيَسْخَرُونَ} أي وهم يسخرون من ذلك أي يستهزئون من قولك بالبعث وإمكانه. وقوله تعالى {وَإِذَا ذُكِّرُواْ} أي بالآيات لعلهم يذكرون فيؤمنون ويوحدون لا يذكرون لقساوة قلوبهم وظلمة ذنوبهم بالشرك والمعاصي. وقوله {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} أي يسخرون ويستهزئون {وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ما هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القول والعمل إلا سحر مبين أي بَيِّنٌ ظاهر وهم في ذلك كاذبون قطعا للفرق بين السحر الذي هو تخيل باطل وبين الحق الثابت عقلا ووحيا من دقائق الشرع وأصول الدين من الإِيمان بالله واليوم الآخر وقوله {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} هذا قول المكذبين من المشركين يقولونه متعجبين مستبعدين للبعث قال تعالى ردّا عليهم قل يا رسولنا لهم {نَعَمْ} تبعثون أحياء {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} أي صاغرون ذليليون وأمر إعادتكم لا يتطلب أكثر من أن ينفخ إسرافيل في الصور فإذا أنتم أحياء تخرجون من قبوركم {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ} أي صيحة {وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ} قيام {يَنظُرُونَ} ويقولوا أي عند قيامهم من قبورهم {يٰوَيْلَنَا} أي يا هلاكنا احضر هذا أوان حضورك أي يدعون على أنفسهم بالهلاك لشدة ما شاهدوا من هول القيامة كقول أحدهم ياليتها كانت القاضية. وقولهم هذا يوم الدين اعتراف منهم بالبعث والجزاء ولكن في وقت ما هو بنافع لهم الاعتراف فيه أي هذا يوم الحساب والجزاء فيقال لهم {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} الذي يفصل الله تعالى فيه بين عباده فيما كانوا فيما يختلفون فيحكم بينهم بالعدل، وقوله تعالى {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} فيه توبيخ لهم أي هذا يوم البعث الذي كنتم تكذبون به وتقولون مستبعدين له أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو أباؤنا الأولون أي وآباؤنا الأولون أيضا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أصل خلق الإِنسان وهو الطين اللازب أي اللاصق باليد. 2- بيان موقفين متضادين الرسول يعجب من كفر المشركين وتكذيبهم والمشركون يسخرون من دعوته إياهم إلى الإِيمان وعدم التكذيب بالله ولقائه. 3- تقرير البعث وبيان طريقة وقوعه. 4- عدم الانتفاع بالإِيمان عند معاينة العذاب.

القطان

تفسير : فاستفْتهم: اسألهم. أشد خلْقا: أصعب خلقا. لازِب: لازم ثابت، لاصق. اذا ذُكّروا لا يذكرون: اذا وُعظوا لا يتعظون. آية: معجزة. يستسخرون: يسخرون، يستهزئون. داخرون: صاغرون. زجرة واحدة: صيحة واحدة. يا ويلنا: يا هلاكنا. يوم الفصل: يوم الحساب بين الناس. فاهدوهم: دُلّوهم. الى صراط الجحيم: الى طريق الجحيم. قِفوهم: احبسوهم في الموقف. لا تَناصرون: لا تتناصرون، لا ينصر بعضكم بعضا. اسأل أيها الرسول هؤلاء المنكرين للبعث: أهُمْ اصعبُ خلقا أم السماواتُ والأرض وما في هذا الكون الكبير! لقد خلقنا كل ذلك من لا شيء، وخلقناهم من طين لاصقٍ بعضُه ببعض، فأين هم من خلق هذا الكون العجيب! {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ} بل عجبتَ أيها النبيّ من إنكارهم للبعث وهم يسخَرون من تعجّبك ويستهزئون. واذا وُعظوا ودعوا الى عبادة الله لا يتّعظون. واذا رأوا برهاناً على قدرة الله بالغوا في السخرية والاستهزاء وقالوا: ما هذا الذي نراه إلا سحر ظاهر، وخدعة من الخدع. أئذا مِتنا وصرنا تراباً وعظاماً سنُبعث مرة أُخرى من قبورنا، وكذلك يُبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا من قرون قديمة!؟ {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} قل لهم ايها النبي: نعم ستبعثون جميعا وأنتم أذلاء صاغرون. فانما البعثة صيحة واحدة فاذا هم أحياء ينظرون الى ما كانوا يوعدون، وعند ذلك يقولون: يا ويلنا هذا هو يوم القيامة الذي يفصَل فيه بين الناس، والذي كنتم به تكذِّبون. ويقول الله للملائكة: اجمعوا الذين ظلموا انفسهم بالكفر، وأزواجَهم وجميع من على شاكلتهم وما كانوا يعبدون من الاصنام وغيرها من دون الله - فقودوهم الى طريق جهنم، مقرهم الأخير. {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} عما كاناو يعملون في الدنيا من كفر والحاد وفساد. ويقال لهم {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ؟} لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا تفعلون! ولكنهم لا يستطيعون عمل شيء وينقادون مستسلمين لأمر الله. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: بل عجبتُ بضم التاء. والباقون: بل عبجتَ بفتح التاء. وقرأ ابن عامر: إذا متنا بهمزة واحدة، والباقون: أإذا متنا بهمزتين على الاستفهام. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب: إنا لمبعوثون بهمزة واحدة والباقون: أإنا لمبعوثون. وقرأ ابن عامر أوْ آباؤنا الأولون: بسكون الواو.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَلَقْنَاهُم} (11) - فَسَلْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلاَءِ المُنْكِرِينَ لِلبَعْثِ والنُّشُورِ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْعَبُ خَلْقاً وَإِيْجَاداً (أَشَدُّ خَلْقاً)؟ هُمْ أَمِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَوَالِمَ وَمَخْلُوقَاتٍ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ تَعَالَى؟ وَبِمَا أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ أَصْعَبُ خَلْقَاً مِنْهُمْ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الأَمْرَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلِمَاذَا يُنْكِرُونَ البَعْثَ وَهُمْ يُشَاهِدُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرُوا؟ مَعَ أَنَّهُمْ هُمْ قَدْ خُلِقُوا مِنْ شَيءٍ ضَعِيفٍ مَهِينٍ، إِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ طِينٍ لَزِجٍ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتصِقَ بِاليَدِ (طِينٍ لاَزِبٍ)، فَلِمَاذَا يَسْتَبْعِدُونَ إِعَادَةَ خَلْقِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى؟ طِينٍ لاَزِبٍ - لَزِجٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَوْ بِاليَدِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} [الصافات: 11] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، يعني: سَلْهم، واستفتى طلب الفتوى؛ لأن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، والفتوى من الفُتوَّة، فحين يكون الإنسان بصدد شيء، يريد أن ينفذه، ولا يعرف فيه طريق الحق والصواب يذهب إلى مَنْ هو أعلم منه يستفتيه. يعني: يطلب منه الفتوى أو الفتوَّة، والقوى الدافعة له على العمل، فكأنه كان ضعيفاً وأراد أن يَقْوَى برأي غيره. فكأن الحق - سبحانه وتعالى - استأمنهم أنْ يُفتوا، وأنْ يجيبوا هم؛ لأنه سبحانه واثق من أن الخصوم لن يجدوا إلا قَوْلة الحق ينطقون بها؛ لذلك لم يأتِ سبحانه بالمراد إخباراً، إنما أتى به إقراراً منهم وشهادة؛ لأن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أمَّا الإقرار فلا يستطيع أحد إنكاره؛ لذلك قالوا: الإقرار سيد الأدلة. ومضمون السؤال {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} [الصافات: 11]؟ يعني: أهم وأعظم وأشدّ خَلْقاً من السماء والأرض، ثم لم يَأْت بالجواب لوضوحه، ولن يكون إلا أنّ خَلْق السماء والأرض أشدُّ من خَلْقهم وأعظم؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. فإنْ أردتَ أنْ تُدلِّل على هذه المسألة فتأمل خَلْقك وخَلْق السماوات والأرض، فالسماء والأرض مع أنهما يخدمانك، إلا أنهما أطول عمراً منك وأبقى، فهما منذ خلقهما الله باقيان لم يزولا، أما الإنسان فيموت وهو طفل، ويموت وهو شاب، ويموت وهو شيخ، يموت ويترك التركة باقيةً تتوارثها الأجيال. إذن: هما أشدّ وأقوى؛ لأنهما مخلوقان خلقة دائمة، وأقوى من ناحية أنهما محكومان باختيارهما حين قالتا: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]. فاختارا أن تكونا مُسخَّرتين قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. وقلنا: إن هناك فَرْقاً بين قدرة النفس على تحمُّل الأمانة وقدرتها على الأداء، فقد تتحمل الأمانة وتنوى أداءها، لكن لا تضمن نفسك عند الأداء، فربما تغيَّرتْ الظروف، أو طرأ عليك ما يحول بينك وبين أدائها؛ لذلك امتنعت السماوات والأرض عن حَمْل الأمانة، وخرجت عن مرادها لمراد ربها، فكانت مُسخَّرة. إذن: فهي أيضاً مُخيَّرة إلا أنها اختارتْ بكلمة واحدة منسحبة على الزمن كله، أما الإنسان فاختار أنْ يكون مختاراً ينفذ أو لا ينفذ. ثم إن السماء والأرض وما بينهما وما فيهما من مخلوقات وكواكب وأجرام وأفلاك تسير وفق نظام دقيق مُحكَم، لا يشذ ولا يتخلف أبداً: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 5-6]. وقال: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. أما الإنسان فيتخبط في الحياة، ويخالف منهج ربه، وينحرف عن الطريق الذي رُسِمَ له. إذن: أيّهما أعظم خَلْقاً، وأشدّ تكويناً، وأصحّ أداءً؟ لا يسع هؤلاء الكفار رغم كفرهم إلا أنْ يقولوا: السماوات والأرض أشدُّ وأعظم من خَلْق الإنسان. ومثال ذلك حين سألهم الله {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 38] لأن هذه كلها حقائق لا تُنكر، حتى من الكفار. ثم يسوق لهم الحق سبحانه دليلاً على صِدْق هذه المسألة، فيقول: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11] يعني: هذا أصلهم، فأين هم من خَلْق السماوات والأرض؟ ومعنى {لاَّزِبٍ} [الصافات: 11] يعني: طين متماسك بعضه ببعض، فهو وَسَط بين السيولة والصلابة، يعني: أشبه ما يكون بطين الصَّلْصَال الذي نوزعه على التلاميذ في المدارس، والطين تراب وُضِع عليه الماء، فإنْ زاد الماء صار الطين لَيِّناً يسيل من يدك، وإنْ قَلَّ الماء جَفَّ وتصلَّبَ. لذلك وقف المستشرقون عند مراحل التكوين الإنساني يعترضون: من أيِّ شيء خَلِق الإنسان، والقرآن قال {أية : مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] و {أية : مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5] و {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 33] و {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} تفسير : [الرحمن: 14]. وقد غاب عنهم أن هذه مراحل للشيء الواحد كما قلنا، فالماء يُوضَع على التراب فيصير طيناً، ولو تُرِك هذا الطين إلى أنْ يعطن أو يتعفن يصير حمأ مسنوناً، فإنْ تُرِك حتى يجفَّ يصير صَلْصالاً. الحق سبحانه يُحدِّثنا هنا عن الخَلْق الأول للإنسان {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11]؛ لأن آدم عليه السلام خُلِق من الطين ثم خُلِقت بعده حواء، والقرآن قَصَّ علينا قصة خَلْق آدم، لكن اكتفى في خَلْق حواء بقوله تعالى: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء: 1]. قالوا: {مِنْهَا} يعني من جنس تكوينها، فيصح أن تكون حواءُ قد خُلِقت مثل آدم من الطين، أو خُلِقَتْ من ضلع من أضلاعه، وفي كلتا الحالتين تعود إلى أصل الطين، والله تعالى يخلق ما يشاء، وسبق أنْ بيَّنا طلاقة القدرة في عملية خَلْق الإنسان، وأنها استوعبت كُلُّ الصور العقلية لهذه العملية، فالله سبحانه يخلق من لا أب ولا أم، ويخلق من أب بلا أم، ويخلق من أم بلا أب، وقد يجتمع الأب والأم ولا يحدث بينهما إنجاب. يقول الحق سبحانه: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 49-50]. إذن: خُلِق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من الطين، وخُلِقَتْ من جنسه زوجه، ثم جاءت الذرية من آدم بعد أنْ فارق الطينية وصار إنساناً، فنحن وإنْ جئنا من نسل إنسان، إلا أنه يعود في أصله إلى الطين، فإنْ قُلْتَ: أين الطينية، وقد تشكَّل شكلاً آخر غير الطين، بدليل أنه إذا استحم بالماء لا يذوب كما يذوب الطين وتتفكك جزئياته. نقول: لا بُدَّ أن يرد الإنسان الأصل أو الفرع إلى الأصل الأول وهو الطين؛ لأن الإنسان يتوالد ويتكاثر بواسطة الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى، فمن أين يأتي هذا وهذه؟ من الدم، والدم نتيجة الغذاء، والغذاء مصدره الأرض والطين. إذن: سنؤول لا محالة إلى الطين، لكن من الطين مرة بواسطة، ومرة بدون واسطة. والحق سبحانه نبّهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. فنحن لم نشاهد عملية الخَلْق، إنما أخبرنا الله بها، فعلمنا أن الإنسان خُلِق من الطين الذي مَرَّ بهذه المراحل، حتى نفخ الله فيه الروح، ودبَّتْ فيه الحياة، هذا كله لم نشاهده، لكن شاهدنا الموت الذي ينقض الحياة، وعلينا نحن أن نأخذ مما نشاهده دليلاً على صدق الغيب الذي أخبرنا الله به ولم نشاهده. ونحن نعلم أن نَقْضَ الشيء يأتي على عكس بنائه، فالذي يهدم عمارة مثلاً من عدة أدوار يبدأ بالدور الأخير، كذلك يأتي الموت عكس الحياة، فأول شيء، تخرج الروح، ومعلوم أنْ نَفْخَ الروح في الإنسان هى آخر مرحلة في مراحل الخَلْق، فإذا ما فارقتْ الروحُ الجسدَ عاد إلى أصله، حيث يرمّ الجسد وتمتص الأرض ما فيه من الماء، ثم يتحلل الباقي ويعود إلى التراب الذي جاء منه. ثم آخر، هو أن الإنسان الذي خُلِق من الطين وقوامه الغذاء الذي يخرج من الطين، لما حَلَّل العلماء جسمَ الإنسان وجدوه مُكوِّناً من 16 عنصراً. أولها: الأوكسجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النتروجين.. الخ. وهي نفس العناصر المكوِّنة للتربة الزراعية الخِصْبة التي تعطينا القوت، إذن: يكون هذا دليلاً على صِدْق الحق - تبارك وتعالى - في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11].

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} [الآية: 11]. يعني: السماوات والأَرض والجبال. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَّزِبٍ} [الآية: 11]. قال: يعني: لازم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا قيس بن الربيع، قال: نا سماك بن حرب عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول في قوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} [الآية: 22]. قال: الصالح من الصالح والطالح من الطالح. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَزْوَاجَهُمْ} [الآية: 22]. قال: يعني أَشباههم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} معناه فسَلْهُمْ. وقوله تعالى: {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} معناه لاَزمٌ لاَزقٌ. واللازبُ من الطينِ اللزجُ. ويقال: الجَيدُ.

الجيلاني

تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي: المشركين المتخذين الشياطين أولياء آلهة من دوننا، واستخبرهم يا أكمل الرسل على سبب التبكيت والتعبير تنصيصاً على غيهم، وتصريحاً بكفرهم واستحقاقهم العذاب المؤبد والنكال المخلد {أَهُمْ} أي: آلهتهم وشياطينهم {أَشَدُّ خَلْقاً} أي: إيجاداً وتأثيراً {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} وأظهرنا بمقتضى قدرتنا الكاملة من المخلوقات المذكورة التي هي الملائكة الصافات، والسماوات المطبقات، والكواكب المتفاوتة في التأثيرات فيها،ت والأرض وما عليها من المركبات والمواليد، وبينهما من الممتزجات وغير ذلك من الاستعدادات القابلة لشروق شمس الذات، سيما {إِنَّا خَلَقْنَاهُم} وقدرنا وجوده هؤلاء المتخذين لغيرنا أرباباً أولاً {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11] لاصق منتن مهين لازم النتن و الهوان، ثم ربيناهم بانواع التربية إلى أن سويناهم رجالاً عقلاء؛ ليعترفوا بتوحيدنا وبألوهيتنا وربوبيتنا، ويواظبوا على شكر نعمتنا، فعكسوا الأمر واتخذوا أولياء من دوننا، واعتقدوهم آلهة سوانا، وبالجملة: انقلبوا خاسرين. أو المعنى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} وسلهم؛ أي: المشركين {أَهُمْ} في أنفسهم {أَشَدُّ خَلْقاً} وأعظم مخلوقاً {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} من المخلوقات المذكورة سابقاً مع أنهم لم يتخذوا إلهاً سوانا، ولم يعبدوا غيرنا، هؤلاء الحمقى كيف اتخذوا من دوننا أولياء، ويسمونهم آلهة شفعاء، مع أنهم أضعف بالنسبة إليهم، مخلوقين من أدون الأشياء وأرذلها؟! {إِنَّا خَلَقْنَاهُم} وقدرنا وجودهم {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: 11] مسترذل منتن تستكرهه الطبائع. ومهما سمعت يا أكمل الرسل قولهم وإنكارهم للتوحيد وإشراكهم بالله أدون الأشياء مع ضعف خلقهم، وتأملت حالهم واستبعدت منهم هذا {بَلْ عَجِبْتَ} أنت - أو "عَجبت" أنا على القراءتين - منهم أمثال هذا، مع أنهم مجبولون على فطرة الدراية والشعور، مرهون لهم العقل المفاض المشير لهم إلى التوحيد وتصديق البعث والحشر وجميع الأمور الأخروية {وَ} هم {يَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] بكل متى سمعوا منك الأخبار والآيات الواردة في أمر البعث والحشر. بل {وَ} هم من شدة قسوتهم وعمههم في سكرتهم {إِذَا ذُكِّرُواْ} ووعظوا بالإنذارات والتخويفات الشديدة المتعلقة للآخرة {لاَ يَذْكُرُونَ} [الصافات: 13] أي: لا يتأثرون ولا يتعظون. {وَ} لا يقتصرون على عدم القبول والتذكر بل {إِذَا رَأَوْاْ} أي: علموا وسعموا {آيَةً} معجزة نازلة في شأن البعث والنشور {يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 14] بها، ويستهزئون بك يا أكمل الرسل عناداً واستكباراً. {وَقَالُوۤاْ} من شدة بغضهم وضغينتهم معك يا أكمل الرسل ومع كتابك: {إِن هَـٰذَآ} أي: ما هذا الذي جاء مفترياً إلى ربه {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصافات: 15] أي: سحرية ما جاء به ظاهر، وهو في نفسه ساحر ماهر، لكن مضمون كلامه زور وباطل. {أَ} نبعث ونحيى {ءِذَا مِتْنَا} وانفصل عنَّا روحنا، سيما {وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً} بالية رميمة {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [الصافات: 16] بعدما صرنا كذلك. {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} [الصافات: 17] الأقدمون يبعثون ويحشرون {أية : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}تفسير : [المؤمنون: 36-37]. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في إنكار البعث، واستحالة نشأة النشور: {نَعَمْ} تبعثون أيها الضالون المنكرون، وإلى ربكم تحشرون، وعن أعمالكم تسألون، وعليها تحاسبون، وإلى جهنم تساقون {وَأَنتُمْ} حينئذ {دَاخِرُونَ} [الصافات: 18] صاغرون ذليلون مهانون. وكيف تنكرون قدرتنا على البعث وقيام الساعة؟! {فَإِنَّمَا هِيَ} أي: الساعة والبعث بعدما تعلقت مشيئتنا {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي: صيحة واحدة منشرة لهم عن قبورهم، زاجرة لهم نحو المحشر زجر الراعى الصائح للغنم، وبعدما سمع الأموات الصيحة؛ أي: النفخة الثانية في الصور {فَإِذَا هُمْ} قيام {يَنظُرُونَ} الصافات: 19] حيارى سكارى تائهين والهين. {وَقَالُواْ} بعدما قاموا كذلك متحسرين متمنين الهلاك والويل: {يٰوَيْلَنَا} وهلاكنا أدركنا {هَـٰذَا} اليوم {يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الصافات: 20] والجزاء الذي وعدنا الله به على ألسنة رسله كتبه في النشأة الأولى، فنحن قد كنا ننكره ونكذبه ونستهزئ بمن جاء به وأخبر عنه عناداً ومكابرة، فالآن نُبتلى به، يا حسرتنا على ما فرطنا في ترك الإيمان به وتصديق مخبره. وبعدما قالوا ما قالوا، قيل لهم من قبل الحق على سبيل التقريع والتعبير إظهاراً لكمال القدرة: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} والقضاء بالعدل {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (*)} أيها الضالون المنكرون المصرون على التعب والعناد.

همام الصنعاني

تفسير : 2509- حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَّزِبٍ} (لازق): [الآية: 11].