٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال من قبل: {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الصافات: 71] وقال: {أية : فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } تفسير : [الصافات: 73] أتبعه بشرح وقائع الأنبياء عليهم السلام فالقصة الأولى: حكاية حال نوح عليه السلام وقوله: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } فيه مباحث: الأول: أن اللام في قوله: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } جواب قسم محذوف والمخصوص بالمدح محذوف، أي فلنعم المجيبون نحن. البحث الثاني: أنه تعالى ذكر أن نوحاً نادى ولم يذكر أن ذلك النداء في أي الوقائع كان؟ لا جرم حصل فيه قولان الأول: وهو المشهور عند الجمهور أنه نادى الرب تعالى في أن ينجيه من محنة الغرق وكرب تلك الواقعة والقول الثاني: أن نوحاً عليه السلام لما اشتغل بدعوة قومه إلى الدين الحق بالغوا في إيذائه وقصدوا قتله، ثم إنه عليه السلام نادى ربه واستنصره على كفار قومه، فأجابه الله تعالى ومنعهم من قتله وإيذائه، واحتج هذا القائل على ضعف القول الأول بأنه عليه السلام إنما دعا عليهم لأجل أن ينجيه الله تعالى وأهله، وأجاب الله دعاءه فيه فكان حصول تلك النجاة كالمعلوم المتيقن في دعائه، وذلك يمنع من أن يقال المطلوب من هذا النداء حصول هذه النجاة. ثم إنه تعالى لما حكى عن نوح أنه ناداه قال بعده: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } وهذه اللفظة تدل على أن تلك الإجابة كانت من النعم العظيمة، وبيانه من وجوه الأول: أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم والثاني: أنه أعاد صيغة الجمع في قوله: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } وذلك أيضاً يدل على تعظيم تلك النعمة. لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة والثالث: أن الفاء في قوله: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } يدل على أن حصول هذه الإجابة مرتب على ذلك النداء، والحكم المرتب على الوصف المناسب يقتضي كونه معللاً به، وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة، ثم إنه تعالى لما بين أنه سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال، بين أن الإنعام حصل في تلك الإجابة من وجوه الأول: قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } وهو على القول الأول الكرب الحاصل بسبب الخوف من الغرق، وعلى الثاني الكرب الحاصل من أذى قومه والثاني: قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } يفيد الحصر وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا، قال ابن عباس: ذريته بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك. النعمة الثالثة: قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } يعني يذكرون هذه الكلمة، فإن قيل فما معنى قوله: {فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } قلنا معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعاً أي لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم، ثم إنه تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } والمعنى أنا إنما خصصنا نوحاً عليه السلام بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوأة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسناً، ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً لله مؤمناً، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} من النداء الذي هو الاستغاثة؛ ودعا قيل بمسألة هلاك قومه. فقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26]. {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} قال الكسائي: أي «فَلَنِعْمَ الْمُجِيبونَ» له كنا. {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} يعني أهل دينه، وهم من آمن معه، وكانوا ثمانين على ما تقدّم. {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} وهو الغرق. {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ } قال ٱبن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات مَن معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه؛ فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ }. وقال سعيد بن المسيّب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلّهم من ولد نوح: فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة والترك (واللان) والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك. وقال قوم: كان لغير ولد نوح أيضا نسل؛ بدليل قوله: {أية : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}تفسير : [الإسراء: 3]. وقوله: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }تفسير : [هود: 48] فعلى هذا معنى الآية: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} دون ذرية من كفر فإنا أغْرَقنا أولئك. قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي تركنا عليه ثناءً حسناً في كل أمة، فإنه مُحبَّب إلى الجميع؛ حتى إن في المجوس من يقول إنه أفريدون. روي معناه عن مجاهد وغيره. وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما «وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ» يقال: «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ» أي تركنا عليه هذا الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس المبرّد. أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية؛ يعني يسلمون عليه تسليماً ويدعون له؛ وهو من الكلام المحكي؛ كقوله تعالى: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} تفسير : [النور: 1]. والقول الآخر أن يكون المعنى وأبقينا عليه؛ وتم الكلام ثم ٱبتدأ فقال: «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ» أي سلامة له من أن يذكر بسوء «في الآخِرِينَ». قال الكسائي: وفي قراءة ٱبن مسعود «سلاماً» منصوب بـ«تركنا» أي تركنا عليه ثناء حسناً سلاماً، وقيل: «في الآخِرِينَ» أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبيّ إلا أمر بالاقتداء به؛ قال الله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}تفسير : [الشورى: 13]. وقال سعيد بن المسيّب: وبلغني أنه من قال حين يمسي {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ } لم تلدغه عقرب. ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من نزل منزلاً فليقل أعوذ بكلمات اللّه التامَّاتِ من شر ما خلق فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل»تفسير : . وفيه عن أبي هريرة حديث : أن رجلاً من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي شيء» فقال: لدغتني عقرب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم تضرّك»تفسير : . قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } أي نبقي عليهم الثناء الحسن. والكاف في موضع نصب؛ أي جزاء كذلك. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا بيان إحسانه. قوله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } أي من كفر. وجمعه أُخر. والأصل فيه أن يكون معه «مِن» إلا أنها حذفت؛ لأن المعنى معروف، ولا يكون آخراً إلا وقبله شيء من جنسه. «ثمّ» ليس للتراخي ها هنا بل هو لتعديد النعم؛ كقوله: {أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البلد: 16-17] أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مفصلاً، فذكر نوحاً عليه الصلاة والسلام وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل، مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلما طال عليه ذلك، واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله تعالى لغضبه عليهم، ولهذا قال عز وجل: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} أي: فلنعم المجيبون له { وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} وهو التكذيب والأذى، { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقول: لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تبارك وتعالى: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ} قال: الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام، وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ} قال: سام وحام ويافث. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» تفسير : ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، به، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: وقد روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، والمراد بالروم ههنا هم الروم الأول، وهم اليونان المنتسبون إلى روما بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام. ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح عليه السلام ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة، فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر،وروي عن وهب ابن منبه نحو هذا، والله أعلم. وقوله تبارك وتعالى: { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يذكر بخير، وقال مجاهد: يعني: لسان صدق للأنبياء كلهم، وقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين. وقال الضحاك: السلام والثناء الحسن، وقوله تعالى: { سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ} مفسر لما أبقى عليه الذكر الجميل والثناء الحسن: أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى، ونجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك. ثم قال تعالى: { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: المصدقين الموحدين الموقنين، { ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلأَخَرِينَ} أي: أهلكناهم، فلم يبق منهم عين تطرف، ولا ذكر ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ نَادَٰنَا نُوحٌ } بقوله رب { أية : أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ } تفسير : [10:54] {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } له نحن: أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه أنه أرسل في الأمم الماضية منذرين: ذكر تفصيل بعض ما أجمله، فقال: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } واللام هي: الموطئة للقسم، وكذا اللام في قوله: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } أي: نحن، والمراد: أن نوحاً دعا ربه على قومه لما عصوه، فأجاب الله دعاءه، وأهلك قومه بالطوفان. فالنداء هنا هو: نداء الدعاء لله، والاستغاثة به، كقوله: {أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26]، وقوله: {أية : أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } تفسير : [القمر: 10] قال الكسائي: أي: فلنعم المجيبون له كنا {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } المراد بأهله: أهل دينه، وهم من آمن معه، وكانوا ثمانين، والكرب العظيم هو: الغرق، وقيل: تكذيب قومه له، وما يصدر منهم إليه من أنواع الأذايا {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } وحدهم دون غيرهم كما يشعر به ضمير الفصل، وذلك لأن الله أهلك الكفرة بدعائه، ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده. قال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند. والهند، والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالب، والترك، والخزر، ويأجوج، ومأجوج وغيرهم. وقيل: إنه كان لمن مع نوح ذرّية كما يدلّ عليه قوله: {أية : ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } تفسير : [الإسراء: 3]، وقوله: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [هود: 48]، فيكون على هذا معنى {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ }، وذرّيته وذرّية من معه دون ذرّية من كفر، فإن الله أغرقهم، فلم يبق لهم ذرّية. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ } يعني: في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من الأمم، والمتروك هذا هو قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ } أي: تركنا هذا الكلام بعينه، وارتفاعه على الحكاية، والسلام هو: الثناء الحسن، أي: يثنون عليه ثناءً حسناً، ويدعون له، ويترحمون عليه. قال الزجاج: تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر هو قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ }. قال الكسائي: في ارتفاع {سلام}، وجهان: أحدهما وتركنا عليه في الآخرين يقال: سلام على نوح. والوجه الثاني أن يكون المعنى: وأبقينا عليه، وتمّ الكلام، ثم ابتدأ، فقال: سلام على نوح، أي: سلامة له من أن يذكر بسوء في الآخرين. قال المبرد: أي: تركنا عليه هذه الكلمة باقية، يعني: يسلمون عليه تسليماً، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي كقوله: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا } تفسير : [النور: 1]، وقيل: إنه ضمن تركنا معنى: قلنا. قال الكوفيون: جملة {سلام على نوح في العالمين} في محل نصب مفعول {تركنا}، لأنه ضمن معنى قلنا. قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود "سلاماً" منصوب بتركنا، أي: تركنا عليه ثناءً حسناً، وقيل: المراد بالآخرين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. و{في العالمين} متعلق بما تعلق به الجار والمجرور الواقع خبراً، وهو على نوح، أي: سلام ثابت، أو مستمرّ، أو مستقرّ على نوح في العالمين من الملائكة، والجنّ، والإنس، وهذا يدل على عدم اختصاص ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } هذه الجملة تعليل لما قبلها من التكرمة لنوح بإجابة دعائه، وبقاء الثناء من الله عليه، وبقاء ذريته، أي: إنا كذلك نجزي من كان محسناً في أقواله، وأفعاله راسخاً في الإحسان معروفاً به، والكاف في {كذلك} نعت مصدر محذوف، أي: جزاء كذلك الجزاء {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا بيان لكونه من المحسنين، وتعليل له بأنه كان عبداً مؤمناً مخلصاً لله {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } أي: الكفرة الذين لم يؤمنوا بالله، ولا صدّقوا نوحاً. ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم، وبيّن: أنه ممن شايع نوحاً، فقال: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرٰهِيمَ } أي: من أهل دينه، وممن شايعه، ووافقه على الدعاء إلى الله، وإلى توحيده، والإيمان به. قال مجاهد: أي: على منهاجه، وسنّته. قال الأصمعي: الشيعة: الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد، وقال الفراء: المعنى: وإن من شيعة محمد لإبراهيم، فالهاء في شيعته على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكذا قال الكلبي. ولا يخفى ما في هذا من الضعف، والمخالفة للسياق. والظرف في قوله: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } منصوب بفعل محذوف، أي: اذكر، بما في الشيعة من معنى المتابعة. قال أبو حيان: لا يجوز؛ لأن فيه الفصل بين العامل، والمعمول بأجنبيّ، وهو: إبراهيم، والأولى أن يقال: إن لام الابتدء تمنع ما بعدها من العمل فيما قبلها، والقلب السليم المخلص من الشرك، والشك. وقيل: هو الناصح لله في خلقه، وقيل: الذي يعلم أن الله حقّ، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. ومعنى مجيئه إلى ربه يحتمل وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده، وطاعته. الثاني: عند إلقائه في النار. وقوله: {إِذْ قَالَ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } بدل من الجملة الأولى، أو ظرف لسليم، أو ظرف لجاء، والمعنى: وقت قال لأبيه آزر، وقومه من الكفار: أيّ شيء تعبدون {أَإِفْكا ءالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا } انتصاب "إفكاً" على أنه مفعول لأجله، وانتصاب {آلهة} على أنه مفعول {تريدون}، والتقدير: أتريدون آلهة من دون الله للإفك، و{دون} ظرف لـ {تريدون}، وتقديم هذه المعمولات للفعل عليه للاهتمام. وقيل: انتصاب "إفكاً" على أنه مفعول به لـ {تريدون}، و{آلهة} بدل منه، جعلها نفس الإفك مبالغة، وهذا أولى من الوجه الأوّل. وقيل: انتصابه على الحال من فاعل {تريدون} أي: أتريدون آلهة آفكين، أو ذوي إفك. قال المبرد: الإفك: أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي: ما ظنكم به إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، وما ترونه يصنع بكم؟ وهو تحذير مثل قوله: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الانفطار: 6] وقيل: المعنى: أيّ شيء توهمتموه بالله حتى أشركتم به غيره؟ {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ } قال الواحدي: قال المفسرون: كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بذلك لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم؛ لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، وأراد أن يتخلف عنهم، فاعتلّ بالسقم: وذلك أنهم كلفوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدلّ بها على حاله، فلما نظر إليها قال: إني سقيم، أي: سأسقم. وقال الحسن: إنهم لما كلفوه أن يخرج معهم تفكر فيما يعمل، فالمعنى على هذا: أنه نظر فيما نجم له من الرأي، أي: فيما طلع له منه، فعلم أن كلّ شيء يسقم {فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ }. قال الخليل، والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في الشيء يدبره: نظر في النجوم. وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تعتاده فيها الحمى. وقال الضحاك: معنى: {إني سقيم}: سأسقم سقم الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت، وهذا تورية، وتعريض كما قال للملك لما سأله عن سارّة: هي أختي يعني: أخوّة الدين. وقال سعيد بن جبير: أشار لهم إلى مرض يسقم، ويعدي، وهو: الطاعون، وكانوا يهربون من ذلك، ولهذا قال: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } أي: تركوه، وذهبوا مخافة العدوى {فَرَاغَ إِلَىٰ ءالِهَتِهِمْ } يقال: راغ يروغ روغاً، وروغاناً: إذا مال، ومنه طريق رائغ، أي: مائل. ومنه قول الشاعر:شعر : فيريك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلب تفسير : وقال السدّي: ذهب إليهم، وقال أبو مالك: جاء إليهم، وقال الكلبي: أقبل عليهم، والمعنى متقارب {فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ } أي: فقال إبراهيم للأصنام التي راغ إليها استهزاء، وسخرية: ألا تأكلون من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها، وخاطبها كما يخاطب من يعقل؛ لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. وكذا قوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ }، فإنه خاطبهم خطاب من يعقل، والاستفهام للتهكم بهم؛ لأنه قد علم أنها جمادات لا تنطق. قيل: إنهم تركوا عند أصنامهم طعامهم للتبرك بها، وليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم. وقيل: تركوه للسدنة، وقيل: إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئاً بها. {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } أي: فمال عليهم يضربهم ضرباً باليمين، فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أو هو مصدر لراغ، لأنه بمعنى: ضرب. قال الواحدي: قال المفسرون: يعني: بيده اليمنى يضربهم بها. وقال السدي: بالقوة، والقدرة؛ لأن اليمين أقوى اليدين. قال الفراء، وثعلب: ضرباً بالقوة، واليمين القوة. وقال الضحاك، والربيع بن أنس: المراد باليمين: اليمين التي حلفها حين قال: {أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 57] وقيل: المراد باليمين هنا: العدل كما في قوله: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } تفسير : [الحاقة: 44، 45] أي: بالعدل، واليمين كناية عن العدل كما أن الشمال كناية عن الجور، وأول هذه الأقوال أولاها. {فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } أي: أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون لما علموا بما صنعه بها، ويزفون في محل نصب على الحال من فاعل أقبلوا. قرأ الجمهور {يزفون} بفتح الياء من زف الظليم يزف إذا عدا بسرعة، وقرأ حمزة بضم الياء من أزف يزف، أي: دخل في الزفيف، أو يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي: أزففت الإبل، أي: حملتها على أن تزف. وقيل: هما لغتان، يقال: زف القوم، وأزفوا، وزفت العروس، وأزففتها، حكي ذلك عن الخليل. قال النحاس: زعم أبو حاتم: أنه لا يعرف هذه اللغة، يعني: يزفون بضم الياء، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء، وشبهها بقولهم: أطردت الرحل، أي: صيرته إلى ذلك، وقال المبرد: الزفيف: الإسراع. وقال الزجاج: الزفيف: أوّل عدو النعام. وقال قتادة، والسدّي: معنى يزفون: يمشون. وقال الضحاك: يسعون. وقال يحيـى بن سلام: يرعدون غضباً. وقال مجاهد: يختالون، أي: يمشون مشيء الخيلاء، وقيل: يتسللون تسللاً بين المشي، والعدو، والأولى تفسير يزفون بيسرعون، وقرىء "يزفون" على البناء للمفعول، وقرىء "يزفون" كيرمون. وحكى الثعلبي عن الحسن، ومجاهد، وابن السميفع: أنهم قرءوا "يرفون" بالراء المهملة، وهي: ركض بين المشي والعدو. {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } لما أنكروا على إبراهيم ما فعله بالأصنام، ذكر لهم الدليل الدال على فساد عبادتها، فقال مبكتاً لهم، ومنكراً عليهم: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } أي: أتعبدون أصناماً أنتم تنحتونها، والنحت: النجر، والبري، نحته ينحته بالكسر نحتاً، أي: براه، والنحاتة البراية، وجملة {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } في محل نصب على الحال من فاعل تعبدون، و «ما» في {وَمَا تَعْمَلُونَ } موصولة، أي: وخلق الذي تصنعونه على العموم ويدخل فيها الأصنام التي ينحتونها دخولاً أولياً، ويكون معنى العمل هنا: التصوير، والنحت، ونحوهما، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: خلقكم، وخلق عملكم، ويجوز أن تكون استفهامية، ومعنى الاستفهام: التوبيخ، والتقريع، أي: وأي شيء تعملون، ويجوز أن تكون نافية، أي: إن العمل في الحقيقة ليس لكم، فأنتم لا تعملون شيئاً، وقد طول صاحب الكشاف الكلام في رد قول من قال: إنها مصدرية، ولكن بما لا طائل تحته، وجعلها موصولة أولى بالمقام وأوفق بسياق الكلام. وجملة {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ } مستأنفة جواب سؤال مقدر كالجملة التي قبلها، قالوا هذه المقالة لما عجزوا عن جواب ما أورده عليهم من الحجة الواضحة، فتشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له حائطاً من حجارة، ويملؤوه حطباً ويضرموه، ثم يلقوه فيه، والجحيم: النار الشديدة الاتقاد: قال الزجاج، وكل نار بعضها فوق بعض، فهي: جحيم، واللام في الجحيم عوض عن المضاف إليه، أي: في جحيم ذلك البنيان، ثم لما ألقوه فيها نجاه الله منها، وجعلها عليه برداً وسلاماً، وهو معنى قوله: {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ } الكيد: المكر، والحيلة، أي: احتالوا لإهلاكه، فجعلناهم الأسفلين المقهورين المغلوبين؛ لأنها قامت له بذلك عليهم الحجة التي لا يقدرون على دفعها، ولا يمكنهم جحدها، فإن النار الشديدة الاتقاد العظيمة الاضطرام المتراكمة الجمار إذا صارت بعد إلقائه عليها برداً وسلاماً، ولم تؤثر فيه أقل تأثير كان ذلك من الحجة بمكان يفهمه كل من له عقل، وصار المنكر له سافلاً ساقط الحجة ظاهر التعصب واضح التعسف، وسبحان من يجعل المحن لمن يدعو إلى دينه منحاً، ويسوق إليهم الخير بما هو من صور الضير. ولما انقضت هذه الوقعة وأسفر الصبح لذي عينين، وظهرت حجة الله لإبراهيم، وقامت براهين نبوته، وسطعت أنوار معجزته {وَقَالَ إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى } أي: مهاجر من بلد قومي، الذين فعلوا ما فعلوا تعصباً للأصنام، وكفراً بالله، وتكذيباً لرسله إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه، أو إلى حيث أتمكن من عبادته {سَيَهْدِينِ } أي: سيهديني إلى المكان الذي أمرني بالذهاب إليه، أو إلى مقصدي. قيل: إن الله سبحانه أمره بالمصير إلى الشام، وقد سبق بيان هذا في سورة الكهف مستوفى، قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد، فقال: {رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } أي: ولداً صالحاً من الصالحين يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة هكذا قال المفسرون، وعللوا ذلك بأن الهبة قد غلب معناها في الولد، فتحمل عند الإطلاق عليه، وإذا وردت مقيدة حملت على ما قيدت به كما في قوله: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً } تفسير : [مريم: 53]، وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب الولد، فقوله: {فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } يدل على أنه ما أراد بقوله: {رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } إلا الولد، ومعنى حليم: أن يكون حليماً عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر، ويصير حليماً، لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } في الكلام حذف كما تشعر به هذه الفاء الفصيحة، والتقدير: فوهبنا له الغلام، فنشأ حتى صار إلى السن التي يسعى فيها مع أبيه في أمور دنياه. قال مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } أي: شبّ، وأدرك سعيه سعي إبراهيم. وقال مقاتل: لما مشى معه. قال الفراء: كان يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة. وقال الحسن: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. وقال ابن زيد: هو السعي في العبادة، وقيل: هو الاحتلام {قَالَ يَـابَنِى إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } قال إبراهيم لابنه لما بلغ معه ذلك المبلغ: إني رأيت في المنام هذه الرؤيا. قال مقاتل: رأى إبراهيم ذلك ثلاث ليال متتابعات. قال قتادة: رؤيا الأنبياء حقّ، إذا رأوا شيئاً فعلوه. وقد اختلف أهل العلم في الذبيح: هل هو إسحاق، أو إسماعيل؟ قال القرطبي: فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق، وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب، وابنه عبد الله، وهو الصحيح عن عبد الله بن مسعود، ورواه أيضاً عن جابر، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعمر بن الخطاب، قال: فهؤلاء سبعة من الصحابة. قال: ومن التابعين، وغيرهم: علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي برزة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمٰن بن سابط، والزهري، والسدّي، وعبد الله بن أبي الهذيل، ومالك بن أنس كلهم قالوا: الذبيح إسحاق، وعليه أهل الكتابين اليهود، والنصارى، واختاره غير واحد، منهم النحاس، وابن جرير الطبري، وغيرهما. قال: وقال آخرون: هو إسماعيل، وممن قال بذلك: أبو هريرة، وأبو الطفيل عامر ابن واثلة، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس أيضاً، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وعلقمة، وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة. قال ابن كثير في تفسيره: وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى يقال عن بعض الصحابة، وليس في ذلك كتاب، ولا سنّة، وما أظنّ ذلك تلقي إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ مسلماً من غير حجة، وكتاب الله شاهد، ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ذلك {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } ا هـ. واحتجّ القائلون بأنه إسحاق بأن الله عزّ وجلّ قد أخبرهم عن إبراهيم حين فارق قومه، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارّة، وابن أخيه لوط، فقال: {إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى سَيَهْدِينِ } أنه دعا، فقال: {رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ }، فقال تعالى: {أية : فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } تفسير : [مريم: 49]. ولأن الله قال: {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }، فذكر أنه في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم، وإنما بشر بإسحاق، لأنه قال: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ }، وقال هنا: {بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن يصير له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا إسحاق. قال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح ا هـ. وما استدلّ به الفريقان يمكن الجواب عنه، والمناقشة له. ومن جملة ما احتجّ به من قال إنه إسماعيل بأن الله وصفه بالصبر دون إسحاق كما في قوله: {أية : وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [الأنبياء: 85]، وهو: صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ } تفسير : [مريم: 54]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح، فوفى به، ولأن الله سبحانه قال: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً } فكيف يأمره بذبحه، وقد وعده أن يكون نبياً، وأيضاً فإن الله قال: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } تفسير : [هود: 71]، فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب، وأيضاً ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق لكان الذبح واقعاً ببيت المقدس، وكل هذا أيضاً يحتمل المناقشة {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } قرأ حمزة، والكسائي "ترى" بضم الفوقية، وكسر الراء، والمفعولان محذوفان، أي: انظر ماذا تريني إياه من صبرك، واحتمالك. وقرأ الباقون من السبعة بفتح التاء، والراء من الرأي، وهو: مضارع رأيت، وقرأ الضحاك، والأعمش، "ترى" بضم التاء، وفتح الراء مبنياً للمفعول، أي: ماذا يخيل إليك، ويسنح لخاطرك. قال الفراء في بيان معنى القراءة الأولى: انظر ماذا ترى من صبرك، وجزعك. قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره. وإنما قال العلماء ماذا تشير، أي: ما تريك نفسك من الرأي، وقال أبو عبيد: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة، وكذا قال أبو حاتم، وغلطهما النحاس وقال: هذا يكون من رؤية العين، وغيرها، ومعنى القراءة الثانية ظاهر واضح، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي، وامتثالها لازم لهم متحتم عليهم. {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ } أي: ما تؤمر به مما أوحي إليك من ذبحي، و"ما" موصولة، وقيل: مصدرية على معنى: افعل أمرك، والمصدر مضاف إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمراً، والأوّل أولى {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على ما ابتلاني به من الذبح، والتعليق بمشيئة الله سبحانه تبركاً بها منه {فَلَمَّا أَسْلَمَا } أي: استسلما لأمر الله، وأطاعاه، وانقادا له. قرأ الجمهور "أسلمنا"، وقرأ عليّ، وابن مسعود، وابن عباس "فلما سلما" أي: فوضا أمرهما إلى الله، وروي عن ابن عباس: أنه قرأ "استسلما" قال قتادة: أسلم أحدهما نفسه لله، وأسلم الآخر ابنه، يقال: سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم بمعنى واحد. وقد اختلف في جواب "لما" ماذا هو؟ فقيل: هو محذوف، وتقديره: ظهر صبرهما، أو أجزلنا لهما أجرهما، أو فديناه بكبش، هكذا قال البصريون. وقال الكوفيون: الجواب هو: {ناديناه}، والواو زائدة مقحمة، واعترض عليهم النحاس بأن الواو من حروف المعاني، ولا يجوز أن تزاد، وقال الأخفش: الجواب {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ }، والواو زائدة، وروي هذا أيضاً عن الكوفيين، واعتراض النحاس يرد عليه كما ورد على الأوّل {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } التلّ: الصرع والدفع، يقال: تللت الرجل: إذا ألقيته، والمراد أنه أضجعه: على جبينه على الأرض، والجبين: أحد جانبي الجبهة، فللوجه جبينان، والجبهة بينهما، وقيل: كبه على وجهه كيلا يرى منه ما يؤثر الرّقة لقلبه. واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه فيه، فقيل: هو مكة في المقام. وقيل: في المنحر بمنى عند الجمار. وقيل: على الصخرة التي بأصل جبل ثبير، وقيل: بالشام. {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } أي: عزمت على الإتيان بما رأيته. قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، وجعله مصدّقاً بمجرد العزم، وإن لم يذبحه؛ لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب استسلامهما لأمر الله، وقد فعلا. قال القرطبي: قال أهل السنّة: إن نفس الذبح لم يقع، ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل؛ لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء. قال: ومعنى: {صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } فعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك، هذا أصح ما قيل في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه؛ لأن معنى ذبحت الشيء: قطعته، وقد كان إبراهيم يأخذ السكين، فيمرّ بها على حلقه، فتنقلب كما قال مجاهد. وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءًا التأم، وقالت طائفة منهم السدّي: ضرب الله على عنقه صفيحة نحاس، فجعل إبراهيم يحزّ، ولا يقطع شيئاً. وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج، وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح، فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له: {قد صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: نجزيهم بالخلاص من الشدائد، والسلامة من المحن، فالجملة كالتعليل لما قبلها. قال مقاتل: جزاه الله سبحانه بإحسانه في طاعته، العفو عن ذبح ابنه. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَء ٱلْمُبِينُ } البلاء، والابتلاء: الاختبار، والمعنى: إن هذا هو الاختبار الظاهر حيث اختبره الله في طاعته بذبح ولده. وقيل: المعنى: إن هذا لهو النعمة الظاهرة حيث سلم الله ولده من الذبح، وفداه بالكبش، يقال: أبلاه الله إبلاءً وبلاء: إذا أنعم عليه والأوّلى أولى، وإن كان الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير، والشرّ، ومنه {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35]، ولكن المناسب للمقام المعنى الأول. قال أبو زيد: هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ولده. قال: وهذا من البلاء المكروه {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } الذبح: اسم المذبوح، وجمعه ذبوح كالطحن اسم للمطحون، وبالفتح المصدر، ومعنى عظيم: عظيم القدر، ولم يرد عظم الجثة، وإنما عظم قدره؛ لأنه فدى به الذبيح، أو لأنه متقبل. قال النحاس: العظيم في اللغة يكون للكبير، وللشريف، وأهل التفسير على أنه ها هنا للشريف، أي: المتقبل. قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. قال الزجاج: قد قيل: إنه فدي بوعل، والوعل: التيس الجبلي، ومعنى الآية: جعلنا الذبح فداء له، وخلصناه به من الذبح {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } أي: في الأمم الآخرة التي تأتي بعده، والسلام: الثناء الجميل. وقال عكرمة: سلام منا، وقيل: سلامة من الآفات، والكلام في هذا كالكلام في قوله {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقد تقدم في هذه السورة بيان معناه، ووجه إعرابه. {كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من انقاد لأمر الله. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: الذين أعطوا العبودية حقها، ورسخوا في الإيمان بالله، وتوحيده: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: بشرنا إبراهيم بولد يولد له، ويصير نبياً بعد أن يبلغ السن التي يتأهل فيها لذلك، وانتصاب {نبياً} على الحال، وهي: حال مقدرة. قال الزجاج: إن كان الذبيح إسحاق، فيظهر كونها مقدرة، والأولى أن يقال: إن من فسر الذبيح بإسحاق جعل البشارة. هنا خاصة بنبوته. وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه، ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال ليس بشرط، وإنما الشرط المقارنة للفعل، و {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } كما يجوز أن يكون صفة لنبياً، يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر فيه، فتكون أحوالاً متداخلة {وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ } أي: على إبراهيم، وعلى إسحاق بمرادفة نعم الله عليهما. وقيل: كثرنا ولدهما، وقيل: إن الضمير في {عليه} يعود إلى إسماعيل، وهو بعيد، وقيل: المراد بالمباركة هنا: هي: الثناء الحسن عليهما إلى يوم القيامة {وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ مُبِينٌ } أي: محسن في عمله بالإيمان، والتوحيد، وظالم لها بالكفر، والمعاصي لما ذكر سبحانه البركة في الذرية بيّن أن كون الذرية من هذا العنصر الشريف، والمحتد المبارك ليس بنافع لهم، بل إنما ينتفعون بأعمالهم لآبائهم، فإن اليهود، والنصارى، وإن كانوا من ولد إسحاق، فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال البين، والعرب، وإن كانوا من ولد إسماعيل، فقد ماتوا على الشرك إلا من أنقذه الله بالإسلام. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } يقول: لم يبق إلا ذرية نوح {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ } يقول: يذكر بخير. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } قال: حام، وسام، ويافث. وأخرج ابن سعد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن سمرة أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم»تفسير : . والحديثان هما من سماع الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال معروف، وقد قيل: إنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة فقط، وما عداه فبواسطة. قال ابن عبد البرّ: وقد روي عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب، وفارس، والروم، والخير فيهم، وولد يافث يأجوج، ومأجوج، والترك، والصقالبة، ولا خير فيهم، وولد حام القبط، والبربر، والسودان»تفسير : . وهو من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيـى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عنه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرٰهِيمَ } قال: من أهل دينه. وأخرج عبد بن حميد عنه في قوله: {إِنّى سَقِيمٌ } قال: مريض. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: مطعون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قال: يخرجون. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَقَالَ إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى } قال: حين هاجر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } قال: العمل. وأخرج الطبراني عنه أيضاً قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال لأبيه: إذا ذبحتني، فاعتزل لا أضطرب، فينتضح عليك دمي، فشده، فلما أخذ الشفرة، وأراد أن يذبحه نودي من خلفه {أَن يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } وأخرج أحمد عنه أيضاً مرفوعاً مثله مع زيادة. وأخرجه عنه موقوفاً. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه أيضاً في قوله: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرٰهِيمَ } قال: من شيعة نوح على منهاجه، وسننه {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } قال: شب حتى بلغ سعيه سعي أبيه في العمل {فَلَمَّا أَسْلَمَا } سلما ما أمر به {وَتَلَّهُ } وضع وجهه إلى الأرض. فقال: لا تذبحني، وأنت تنظر عسى أن ترحمني، فلا تجهز علي. وأن أجزع، فأنكص، فأمتنع منك. ولكن اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه، فلم تصل المدية حتى نودي: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فأمسك يده، قوله: {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } بكبش عظيم متقبل. وزعم ابن عباس: أن الذبيح إسماعيل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رؤيا الأنبياء وحي»تفسير : . وأخرجه البخاري، وغيره من قول عبيد بن عمير، واستدل بهذه الآية. وأخرج ابن جرير، والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق الشعبي، عن ابن عباس قال: الذبيح: إسماعيل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: الذبيح: إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك، وأبي الطفيل، عن ابن عباس قال: الذبيح: إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله: {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } قال: إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش. وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق الشاعر قال: رأيت أبا هريرة يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: إن الذي أمر بذبحه: إسماعيل. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال نبي الله داود: يا رب أسمع الناس يقولون: رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني رابعاً، قال: إن إبراهيم ألقي في النار، فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك»تفسير : . وفي إسناده الحسن بن دينار البصري، وهو متروك عن علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه. وأخرج الدارقطني في الأفراد، والديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الذبيح إسحاق»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الذبيح إسحاق»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه عن بهار، وكانت له صحبة، قال: إسحاق ذبيح الله. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: «حديث : يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: الذبيح: إسحاق. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: الذبيح: إسحاق. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الذبيح: إسحاق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } قال: أكبه على وجهه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: صرعه للذبح. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } قال: كبش أعين أبيض أقرن قد ربط بسمرة في أصل ثبير. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: فدي إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس: أن رجلاً قال: نذرت لأنحر نفسي، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ثم تلا {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }، فأمره بكبش، فذبحه. وأخرج الطبراني من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قال: إنما بشر به نبياً حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوّة عند مولده. وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحاق، أو إسماعيل؟ وما استدل به المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع، أو يتعين رجحانه تعيناً ظاهراً، وقد رجح كل قول طائفة من المحققين المنصفين كابن جرير، فإنه رجح أنه إسحاق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض مما سقناه ها هنا، وكابن كثير فإنه رجح أنه إسماعيل، وجعل الأدلة على ذلك أقوى، وأصح، وليس الأمر كما ذكره، فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن الذبيح إسحاق لم تكن فوقها، ولا أرجح منها، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. وما روي عنه، فهو إما موضوع، أو ضعيف جدًّا. ولم يبق إلا مجرّد استنباطات من القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، وهي محتملة، ولا تقوم حجة بمحتمل، فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، وفيه السلامة من الترجيح، بلا مرجح، ومن الاستدلال بما هو محتمل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} أي دعانا، ودعاؤه كان على قومه عند إياسه من إيمانهم، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد طول الاستدعاء لأمرين: أحدهما: ليطهر الله الأرض من العصاة. الثاني: ليكونوا عبرة يتعظ بها من بعدهم من الأمم. وقوله: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: فلنعم المجيبون لنوح في دعائه. الثاني: فلنعم المجيبون لمن دعا لأن التمدح بعموم الإجابة أبلغ. {ونجيناه وأهله} قال قتادة: كانوا ثمانية: نوح وثلاثة بنين ونساؤهم، أربعة [أي] رجال وأربعة نسوة. {من الكرب العظيم} فيه وجهان: أحدهما: من غرق الطوفان، قاله السدي. الثاني: من الأذى الذي كان ينزل من قومه، حكاه ابن عيسى. {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال ابن عباس: والناس كلهم بعد نوح من ذريته وكان بنوه ثلاثة: سام وحام ويافث، فالعرب والعجم أولاد سام، والروم والترك والصقالبة أولاد يافث والسودان من أولاد حام، قال الشاعر: شعر : عجوز من بني حام بن نوح كأن جبينها حجر المقام تفسير : قوله عز وجل: {وتركنا عليه في الآخرين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أبقى الله الثناء الحسن في الآخرين، قاله قتادة. الثاني: لسان صدق للأنبياء كلهم، قاله مجاهد. الثالث: هو قوله سلام عل نوح في العالمين، قاله الفراء.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَادَانَا} دعانا على قومه بالهلاك لما يئس من إيمانهم ليطهر الأرض منهم، أو ليكونوا عبرة لغيرهم ممن بعدهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد نادانا نوح} أي دعا ربه على قومه وقيل دعا ربه أن ينجيه من الغرق {فلنعم المجيبون} نحن أي دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي من الغم الذي لحق قومه وهو الغرق {وجعلنا ذريته هم الباقين} يعني أن الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام قال ابن عباس لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم, عن سمرة بن جندب "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال "هم سام وحام ويافث"" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وفي رواية أخرى سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم وقيل سام أبو العرب وفارس والروم وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك {وتركنا عليه في الآخرين} أي أبقينا له حسناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة {سلام على نوح في العالمين} أي سلام عليه منا في العالمين وقيل تركنا عليه في الآخرين أن يصلي عليه إلى يوم القيامة {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين, {إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين} يعني الكفار. قوله عز وجل: {وإن من شيعته} أي من شيعة نوح {لإبراهيم} يعني أنه على دينه وملته ومنهاجه وسنته {إذ جاء ربه بقلب سليم} أي مخلص من الشرك والشك وقيل من الغل والغش والحقد والحسد يحب للناس ما يحب لنفسه {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} استفهام توبيخ {أئفكاً آلهة دون الله تريدون} أي أتأفكون إفكاً وهو أسوأ الكذب وتعبدون آلهة سوى الله تعالى: {فما ظنكم برب العالمين} يعني إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} قال ابن عباس كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون ويتعاملون به لئلا ينكروا عليه, وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع فكانوا يدخلون على أصنامهم ويقربون لهم القرابين ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم وزعموا التبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه فقالوا لإبراهيم ألا تخرج معنا إلى عيدنا فنظر في النجوم فقال إني سقيم قال ابن عباس أي مطعون وكانوا يفرون من المطعون فراراً عظيماً وقيل مريض وقيل معناه متساقم وهو من معاريض الكلام وقد تقدم الجواب عنه في سورة الأنبياء وقيل إنه خرج معهم إلى عيدهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي {فتولوا عنه مدبرين} أي إلى عيدهم فدخل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الأصنام فكسرها وهو قوله تعالى: {فراغ} أي مال {إلى آلهتهم} ميلة في خفية {فقال} أي للأصنام استهزاء بها {ألا تأكلون} يعني الطعام الذي بين أيديكم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} الآية. لما قال: ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين وقال: "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين" أتبعه بشرح وقائع الأنبياءَ - عليهم (الصلاة و) السلام - فقال: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} أي نادى ربه أن ينجيه مَعَ من نَجْا من الغَرق، وقيل: نادى ربه أي اسْتَنْصَرهُ على كفار قومه، فأجاب الله دعاءه. قوله: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} جواب لقسم مقدر أي فوالله ومثله: شعر : 4217- لَعَمْرِي لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجدتُمَا ...................... تفسير : والمخصوص بالمدح محذوف تقديره أي نَحْنُ أجَبْنَا دُعَاءه وأهلكنا قومه. {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} واعلم أن هذه الإجابة كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه: أحدهما: أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم. وثانيها: أنه أعاد صيغة الجمع في قوله: فلنعم المجيبون (من ذلك أيضاً يدل على تعظيم تلك النعمة لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمة الإجابة. وثالثها: أن الفاء في قوله: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ}) يدل على أن محصول هذه الإجابة مرتب على ذلك النداء والحكم المرتب على الوصف المناسب يقتضي كونه معلّلاً به. وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة ثم إنه تعالى لما بين أنه نعم المجيب بين أن الإنعام حصل في تلك الإجابة بقوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}. والكرب: هو الخوف الحاصل من الغَرَقِ والكَرْب الحاصل من أذى قومه {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} وذلك يفيد الحصر وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فَنَوْا، قال ابن عباس: ذريته بنوه الثلاثة سام وحام ويافث. فسام أبو العرب وفارس، وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخَزر ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء وإلا ولدَه ونسَاءَهُمْ. قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي أبقينا له ثناءً حَسَناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة. قوله: {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ} مبتدأ وخبر، وفيه أوجه: أحدهما: أنه مفسر "لِتَرَكْنَا". والثاني: أنه مفسر لمفعوله، أي تركنا عليه ثناءً وهو هذا الكلام، وقيل: ثَمَّ قول مقدر أي فَقُلْنَا سلامٌ. وقيل: ضمن تركنا معنى قلنا، وقيل: سلط "تركنا" على ما بعده. قال الزمخشري: وتركنا عليه في الآخرين "هذه الكلمة" وهي "سَلاَمٌ عَلَى نَوحٍ" يعني يسلمون عليه تسليماً ويَدْعُونَ لَهُ، وهو من الكلام المحكيِّ كقولك: "قَرَأتُ سورة أَنْزَلْنَاهَا". وهذا الذي قاله قولُ الكوفيين جعلوا الجملة في محل نَصْبٍ مفعولاً بتركنا لا أنه ضمن معنى القول بل و على معناه بخلاف الوجه قبله. وهذا أيضاً من أقوالهم، وقرأ عبد الله "سلاماً" وهو مفعول به "بتَرَكْنَا" و "كَذَلِكَ" نعت مصدر أو حال من ضمير. كما تقدم تحريره. فصل المعنى: سلامٌ عليه في العالمين، وقيل: تركنا عليه في الآخرين أن يُصَلَّى عليه إلى يوم الدين {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي إنما خصَّصْنا نوحاً - عليه (الصلاة و) السلام - بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن تبقية ذِكْرِهِ الحَسَنِ في ألسنة العالمين لأجل كونه محسناً، ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} قال: أجابه الله تعالى. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في بيتي، فمر بهذه الآية {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} قال: "حديث : صدقت ربنا، أنت أقرب من دعي، وأقرب من يعطي، فنعم المدعي، ونعم المعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، وأنت ربنا، ونعم النصير ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} قال: من غرق الطوفان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال: فالناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام {وتركنا عليه في الآخرين} قال: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وجعلنا ذريته هم الباقين} يقول: لم يبق إلا ذرية نوح عليه السلام {وتركنا عليه في الآخرين} يقول: يذكر بخير. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال: سام، وحام، ويافث. وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم ". تفسير : وأخرج البزار وابن أبي حاتم والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فولد سام العرب، وفارس، والروم، والخير فيهم. وولد يافث يأجوج ومأجوج، والترك، والصقالبة، ولا خير فيهم. وأما ولد حام القبط، والبربر، والسودان ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال: "حديث : ولد نوح ثلاثة: فسام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم ". تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه. أن نوحاً عليه السلام اغتسل، فرأى ابنه ينظر إليه فقال: تنظر إلي وأنا أغتسل؟ حار الله لونك. فاسود فهو أبو السودان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وتركنا عليه في الآخرين} قال: لسان صدق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {وتركنا عليه في الآخرين} قال: هو السلام كما قال {سلام على نوح في العالمين} . وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه {وتركنا عليه في الآخرين} قال: الثناء الحسن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن من شيعته} قال: من أهل ذريته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإن من شيعته لإِبراهيم} قال: من شيعة نوح إبراهيم. على منهاجه وسننه {إذ جاء ربه بقلب سليم} قال: ليس فيه شك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإن من شيعته لإِبراهيم} قال: على دينه {إذ جاء ربه بقلب سليم} من الشرك {أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين} إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله {فنظر نظرة في النجوم} قال: رأى نجماً طالعاً فقال {إني سقيم} قال كايديني في النجوم قال: كلمة من كلام العرب، يقول الله عز دينه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فنظر نظرة في النجوم} قال: كلمة من كلام العرب، يقول إذا تفكر؛ نظر في النجوم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {فنظر نظرة في النجوم} قال: في السماء {فقال إني سقيم} قال: مطعون. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إني سقيم} قال: مريض. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله {إني سقيم} قال: مطعون. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {إني سقيم} قال: مطعون. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله {إني سقيم} قال: طعين، وكانوا يفرون من المطعون. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: أرسل إليه ملكهم فقال: إن غدا عيدنا فاخرج قال: فنظر إلى نجم فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي {فتولوا عنه مدبرين} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فتولوا عنه مدبرين} قال: فنكصوا عنه منطلقين {فراغ} قال: فمال {إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون} يستنطقهم منطلقين {ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين} أي فاقبل عليهم فكسرهم {فأقبلوا إليه يزفون} قال: يسعون {قال أتعبدون ما تنحتون} من الأصنام {والله خلقكم وما تعملون} قال: خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم {فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين} قال: فما ناظرهم الله بعد ذلك حتى أهلكهم {وقال إني ذاهب إلى ربي} قال: ذاهب بعمله، وقلبه، ونيته. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: خرج قوم إبراهيم عليه السلام إلى عيد لهم، وأرادوا إبراهيم عليه السلام على الخروج، فاضطجع على ظهره و {قال: إني سقيم} لا أستطيع الخروج، وجعل ينظر إلى السماء، فلما خرجوا أقبل على آلهتهم فكسرها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فأقبلوا إليه يزفون} قال: يجرون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {فأقبلوا إليه يزفون} قال: ينسلون. والزفيف النسلان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {يزفون} قال: يسعون. وأخرج البخاري في خلق أفعال العباد والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله صانع كل صانع وصنعته. وتلا عند ذلك {والله خلقكم وما تعملون} ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي قال {قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم} قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن حطباً لإِبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب حتى إن كانت الطير لتمر بها، فتحترق من شدة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء، والأرض، والجبال، والملائكة، إبراهيم يحرق فيك فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فاغيثوه، وقال إبراهيم عليه السلام حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض ولد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل فناداها {أية : يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} تفسير : [الأنبياء: 69]. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} قال: حين هاجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {رب هب لي من الصالحين} قال: ولداً صالحاً. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {فبشرناه بغلام حليم} قال: بولادة إسحق عليه السلام. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {فبشرناه بغلام حليم} قال: بشر بإسحاق قال: ولم يثن الله بالحلم على أحد إلا على إبراهيم، وإسحاق عليهما السلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله {فبشرناه بغلام حليم} قال: هو إسماعيل عليه السلام قال: وبشره الله بنبوة إسحاق بعد ذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الزهري عن القاسم رضي الله عنه في قوله {فبشرناه بغلام حليم} قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما هو إسحاق عليه السلام، وكان ذلك بمنى. وقال كعب رضي الله عنه: هو إسحاق عليه السلام، وكان ذلك ببيت المقدس. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله {فبشرناه بغلام حليم} قال: إسماعيل عليه السلام. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {فبشرناه بغلام حليم} قال: هو إسحاق عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه في قوله {فبشرناه بغلام حليم} قال: هو إسحاق عليه السلام.
القشيري
تفسير : لمَّا أَصَابه مِنْ الأذى مِنْ قومه حِين كذَّبوهُ، ولم يسمعوا منه ما كان يقول مِنَ حَديثنا.. رَجَعَ إلينا، فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وَكلمناه، وَنادانا فناديناه، وكان لنا فكَّنا له، وأجابنا فأجبناه.. فَلَنِعْمَ المجيبُ كان لنا ولنعمَ المجيبون كُنَّا له! {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}: شتان بين كَرْبِ نوحٍ وبيْن كَرْب أهله! شعر : وما يبكون مثلَ أخي ولكن أُعزِّي النَّفْس عنه بالتأَسي
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد نادينا نوح} نوع تفصيل لحسن عاقبة المنذرين بالكسر وسوء خاتمة المنذرين بالفتح. والنداء الدعاء بقرينة فلنعم المجيبون. والمعنى وبالله لقد دعانا نوح وهو اول المرسلين حين ئيس من ايمان قومه بعد ما دعاهم اليه احقابا ودهورا فلم يزدهم دعاؤه الا فرارا ونفورا فاجبناه احسن الاجابة حيث اوصلناه الى مراده من نصرته على اعدائه والانتقام منهم بابلغ ما يكون {فلنعم المجيبون} اى فوالله لنعم المجيبون نحن فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه والجمع دليل العظمة والكبرياء
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد نادانا} أي: دعانا {نوحٌ} حين أيس من قومه بقوله: {أية : أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} تفسير : [القمر: 10] أو: دعانا؛ لِنُنجيه من الغرق، {فَلَنِعْمَ المجيبون} أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لَنِعْمَ المجيبون نحنُ، فحذف القسم؛ لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع؛ دليل العظمة والكبرياء. {ونجيناه وأهلَه} ومَن آمن به وأولاده المؤمنين {من الكَرْبِ العظيم} وهو غمّ الغرق، أو: إذاية قومه، {وجعلنا ذريتَه هم الباقين} وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناسُ كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام ـ وهو أبو العرب وفارس والروم ـ وحام ـ وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ـ ويافث ـ وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج ـ وقد نظمه بعضهم، فقال: شعر : العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كَمَن من نسل حام نشا السودان شرقاً وغرباً، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه تفسير : {وتركنا عليه في الآخِرِين} أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخِرِين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، {سلامٌ على نوح}: مبتدأ وخبر، استئناف، {في العالمين} يعني: أنهم يُسلمون عليه تسليماً، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأنَّ الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلّمون عليه عن آخرهم. {إِنا كذلك نجزي المحسنين} فنُكرمهم ونُحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، {إِنه من عبادنا المؤمنين} علّل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً؛ ليريك جلاله محلّ الإيمان. {ثم أغرقنا الآخَرِين} أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحاً عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحداً ذكرك، فحملهما. فمَن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. هـ. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَن قال حين يُمسي وحين يُصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خَلَقَ، لم يضره شيء ". تفسير : الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أُعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} شروع فى بيان حال المنذرين والمنذرين تتميماً للتّهديد وتسليةً للرّسول (ص) يعنى نادينا بالدّعاء على قومه بعدما تمادوا فى التّكذيب والانكار والايذاء بقوله: ربّ لا تذر على الارض من الكافرين ديّاراً {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} يعنى فأجبناه فوالله لنعم المجيبون نحن.
الأعقم
تفسير : {ولقد نادانا نوح} يعني لما آيس من إيمان قومه دعى الله {فلنعم المجيبون} يعني أنه أسرع بالإِجابة {ونجيناه وأهله} وهم المؤمنون {من الكرب العظيم}، قيل: من أذى قومه، وقيل: هو الغرق {وجعلنا ذريته هم الباقين} بعد الغرق {وتركنا عليه في الآخرين} من الأمم هذه الكلمة وهي: {سلام على نوح في العالمين} {إنَّا كذلك نجزي المحسنين} نكافئهم بإحسانهم {إنه من عبادنا المؤمنين} {ثم أغرقنا الآخرين} يعني كفار قومه {وإن من شيعته لإِبراهيم} أي على منهاج نوح وهو ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما، ويجوز أن بين شريعتهما اتفاق في أكثر الأشياء، وعن ابن عباس: من أهل دينه وسنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلاَّ نبيان هود وصالح (عليهم السلام) وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة {إذ جاء ربه بقلب سليم} من جميع آفات القلوب، وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} فأراد به التوبيخ لعلمه بأنهم يعبدون الأصنام {أئفكاً آلهة دون الله تريدون} {فما ظنكم برب العالمين} يعني فما ظنكم بمن هو الحقيق بالعبادة؟ لأن من كان رباً للعالمين استحق عليكم أن تعبدوه حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام، أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء حتى جعلتم الأصنام له أنداداً، فما ظنكم بذلك؟ {فنظر نظرة في النجوم} في علم النجوم، أو في كتابها، أو في أحكامها {فقال إني سقيم} أي مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وقيل: سقيم بما أرى من أحوالكم القبيحة، في عبادة غير الله، وقيل: مات رجل فالتفت عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح، فقال الاعرابي: أصحيح من الموت في عنقه؟ وروي عن ابن عباس وجماعة أنه كان لهم عيدٌ وكانوا يقربون للأصنام قبل الخروج وإذا رجعوا أكلوه فدعوه ليأكل معهم {فقال إني سقيم} فتركوه {فتولوا عنه مدبرين} معرضين مولين {فراغ إلى آلهتهم} أي مال على رغمهم، قيل: كانت اثنين وسبعين صنماً أكثرهم من ذهب {فقال ألا تأكلون} {ما لكم لا تنطقون} استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها {فراغ عليهم ضرباً باليمين} ضرباً قوياً شديداً، وقيل: بسبب الحلف وهو قوله: {أية : وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} تفسير : [الأنبياء: 57] {فأقبلوا إليه يزفون} يسرعون من عيدهم إلى ابراهيم، وقيل: إلى بيت الأصنام بعد الفراغ من عيدهم وقالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فأجابهم، و{قال أتعبدون ما تنحتون} يعني كيف ترضون لأنفسكم أن تنحتون صنماً من خشب تعبدونه {والله خلقكم وما تعملون} يعني خلقكم وما تعملون من الأصنام، ولم يرد الأعمال، لأن المعبود هي الأصنام دون عملهم، ولأنه احتج عليهم، والعجب من المجبرة كيف هم يحرفون، {قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم} النار الشديدة الوقود، وقيل: كل نار على نار وجمر فوق جمر فهو جحيم، وذلك أن القوم لما عجزوا عن الحجة عدلوا إلى الوعيد تلبيساً على العوام.
اطفيش
تفسير : {ولقد نادانا نوح} في الدعاء على قومه ان ننصره عليهم ونهلكهم بعد يأسه من ايمانهم واخبار الله أنهم لا يؤمنون وقيل المراد دعاؤه ان ينجيه من الغرق الذي يصيب قومه وذلك تمثيل لاهلاك الامم بقصة نوح عليه السلام قيل من كتب ولقد نادانا نوح إلى سلام على نوح في العالمين في نحاس أو رصاص أو خشب سالم من السوس ويكتب متصلا بقوله في العالمين وعلى انبياء الله اجمعين مفصولا عنه وذلك ليلا في كانون الاول في حال طهارة كلما نقش حرفا نظر الى الكوكب الذي في وسط بنات نعش الكبرى ويقول نظرت السهي وكفيت شر الحية والعقرب والأفعى باذن الله فيخرج النقش كل ليلة نصف الليل تحت السماء واستقبل بنات نعش به ويقول عقدت العقرب وسمها والحية وشرها والثعبان كالعقد الذي اخذ به الميثاق من كل رطب ويابس وبالقدرة الازلية قدرة الهي العظيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. ثم يقرأ الايات وتلك الزيادة وذلك ثلاث ليال ويكون الشيء المعمول فيه بازرا في كفك الأيمن بارزا إلى السماء ويلف ذلك في شيء طاهر ينفعه ذلك فاذا رآي ملسوعا أو ملدوغا أو من سقي سما فليجعل الخاتم في ماء ويسقه اياه يشف بإذن الله. {فلنعم} لام الابتداء او لام جواب قسم محذوف. {المجيبون} نحن أي اجبناه احسن اجابة كما يجب وفي الجمع والقسم او التأكيد والتعبير بنعم دليل تعظيم الاجابة كما ان المجيب عظيم.
الالوسي
تفسير : { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} نوع تفصيل لما أجمل فيما قبل ببيان أحوال بعض المرسلين وحسن عاقبتهم متضمن لبيان سوء عاقبة بعض المنذرين كقوم نوح عليه السلام ولبيان حسن عاقبة بعضهم الذين أخلصهم الله تعالى أو أخلصوا دينهم على القراءتين كقوم يونس عليه السلام، وتقديم قصة نوح عليه السلام على سائر القصص غي عن البيان. ونداؤه عليه السلام يتضمن الدعاء على كفار قومه وسؤاله النجاة وطلب النصرة. واللام واقعة في جواب قسم محذوف، وكذا ما في قوله تعالى: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} والمخصوص بالمدح فيه محذوف والفاء/ فصيحة أي وتالله لقد دعانا نوح حين أيس من إيمان قومه بعد أن دعاهم أحقاباً ودهوراً فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً ونفوراً فأجبناه أحسن الإجابة فوالله لنعم المجيبون نحن فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه، والجمع للعظمة والكبرياء وفيه من تعظيم أمر الإجابة ما فيه؛ وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في بيتي فمر بهذه الآية {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } قال: صدقت ربنا أنت أقرب من دعي وأقرب من بغي فنعم المدعو ونعم المعطي ونعم المسؤل ونعم المولى أنت ربنا ونعم النصير».
ابن عاشور
تفسير : أتبع التذكير والتسلية من جانب النظر في آثار ما حلّ بالأمم المرسَل إليهم، وما أخبر عنه من عاقبتهم في الآخرَة، بتذكير وتسلية من جانب الإِخبار عن الرسل الذين كذّبهم قومهم وآذَوهم وكيف انتصر الله لهم ليزيد رسوله صلى الله عليه وسلم تثبيتاً ويُلْقِم المشركين تبْكيتاً. وذكر في هذه السورة ست قصص من قصص الرسل مع أقوامهم لأن في كل قصة منها خاصيةً لها شبَهٌ بحال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه وبحاله الأكمل في دعوته، ففي القِصص كلّها عبرة وأسوة وتحذير كما سيأتي تفصيله عند كل قصة منها، ويجمعها كلّها مقاومة الشرك ومقاومة أهلها. واختير هؤلاء الرسل الستة: لأن نوحاً القدْوة الأولى، وإبراهيم هو رسول الملة الحنيفية التي هي نواة الشجرة الطيبة شجرة الإِسلام، وموسى لشبه شريعته بالشريعة الإِسلامية في التفصيل والجمع بين الدين والسلطان، فهؤلاء الرسل الثلاثة أصول. ثم ذكر ثلاثة رسل تفرّعوا عنهم وثلاثتهم على ملّة رسل من قبلهم. فأما لوط فهو على ملة إبراهيم، وأما إلياس ويونس فعلى ملة موسى. وابتدى بقصة نوح مع قومه فإنه أول رسول بعثه الله إلى الناس وهو الأسوة الأولى والقدوة المثلى. وابتداء القصة بذكر نداء نوح ربه موعظة للمشركين ليحذروا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه تعالى بالنصر عليهم كما دعا نوح على قومه وهذا النداء هو المحكي في قوله: {أية : قال رب انصرني بما كذبون}تفسير : [المؤمنون:26]، وقوله: {أية : قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً}تفسير : الآيات من سورة [نوح: 21]. والفاء في قوله: {فلَنِعْمَ المُجِيبونَ} تفريع على {نادَانَا}، أي نادانا فأجبناه، فحذف المفرّع لدلالة {فلنعم المجيبون} عليه لتضمنه معنى فأجبناه جواب من يقال فيه: نعم المجيب. والمخصوص بالمدح محذوف، أي فلَنِعْم المجيبون نحن. وضمير المتكلم المشارَك مستعمل في التعظيم كما هو معلوم. وتأكيد الخبر وتأكيد ما فرع عليه بلام القسم لتحقيق الأمرين تحذيراً للمشركين بعد تنزيلهم منزلة من ينكر أن نوحاً دعا فاستجيب له. والتنجية: الإِنجاء وهو جعل الغير ناجياً. والنجاة: الخلاص من ضر واقع. وأطلقت هنا على السلامة من ذلك قبل الوقوع فيه لأنه لما حصلت سلامته في حين إحاطة الضر بقومه نُزلت سلامته منه مع قربه منه بمنزلة الخلاص منه بعد الوقوع فيه تنزيلاً لمقاربة وقوع الفعل منزلة وقوعه، وهذا إطلاق كثير للفظ النجاة بحيث يصح أن يقال: النجاة خلاص من ضر واقع أو متوقع. والمراد بأهله: عائلته إلاّ مَن حق عليه القول منهم، وكذلك المؤمنون من قومه، قال تعالى: {أية : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل}تفسير : [هود:40]. فالاقتصار على أهله هنا لقلة من آمن به من غيرهم، أو أريد بالأهل أهل دينه كقوله تعالى: {أية : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتّبعوه}تفسير : [آل عمران:68]. وأشعر قوله: {ونجَّيناهُ وأهلَهُ} أن استجابة دعاء نوح كانت بأن أهلك قومه. و {الكرب}: الحزن الشديد والغمّ. ووصفه بــــ {العظيم} لإِفادة أنه عظيم في نوعه فهو غمّ على غم. والمعنيّ به الطوفان، وهو كرب عظيم على الذين وقعوا فيه، فإنجاء نوح منه هو سلامته من الوقوع فيه كما علمت لأنه هول في المنظر، وخوف في العاقبة والواقع فيه موقِن بالهلاك. ولا يزال الخوف يزداد به حتى يغمره الماء ثم لا يزال في آلام من ضيق النفَس ورعدة القَرّ والخوف وتحقق الهلاك حتى يغرق في الماء. وإنجاء الله إياه نعمة عليه، وإنجاء أهله نعمة أخرى، وإهلاك ظالميه نعمة كبرى، وجُعل عمران الأرض بذريته نعمة دائمة لأنهم يدعون له ويُذكر بينهم مصالح أعماله وذلك مما يرحمه الله لأجله، وستأتي نعم أخرى تبلغ اثنتي عشرة. وضمير الفصل في قوله: {هُمُ الباقِينَ} للحصر، أي لم يبق أحد من الناس إلا من نجّاه الله مع نوح في السفينة من ذريته، ثُم مَن تناسل منهم فلم يبق من أبناء آدم غيرُ ذرية نوح فجميع الأمم من ذرية أولاد نوح الثلاثة. وظاهر هذا أن من آمن مع نوح من غير أبنائه لم يكن لهم نسل. قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا وُلده ونساءه. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة هود {أية : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلَك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل}تفسير : [هود:40]، وهذا جار على أن الطوفان قد عمّ الأرض كلها واستأصل جميع البشر إلا مَن حملهم نوح في السفينة وقد تقدم خبره في سورة هود. وعمومُ الطوفان هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة، ومن قالوا إن الطوفان لم يعمّ الأرض فإنما أقدموا على إنكاره من جهة قصر المدة التي حددت بها كتب الإِسرائيليين، وليس يلزم الاطمئنان لها في ضبط عُمر الأرض وأَحداثها وذلك ليس من القواطع، ويكون القصر إضافياً أي لم يبق من قومه الذين أرسل إليهم. وقد يقال: نسلّم أن الطوفان لم يعمّ الأرض ولكنه عم البشر لأنهم كانوا منحصرين في البلاد التي أصابها الطوفان ولئن كانت أدلة عموم الطوفان غير قطعية فإن مستندات الذين أنكروه غير ناهضة فلا تُترك ظواهر الأخبار لأجلها. وزاد الله في عداد كرامة نوح عليه السلام قوله: {وتَرَكنا عليه في الآخِرِينَ}، فتلك نعمة خامسة. والتَرك: حقيقته تخليف شيء والتخلي عنه. وهو هنا مراد به الدوام على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة، لأن شأن النعم في الدنيا أنها متاع زائل بعدُ، طالَ مُكثها أو قصر، فكأنَّ زوالَها استرجاعٌ من معطيها كما جاء في الحديث: «حديث : لله ما أخذ وله ما أعطى»تفسير : فشرَف الله نوحاً بأن أبقى نعمهُ عليه في أمم بعده. وظاهر {الآخِرِينَ} أنها باقية في جميع الأمم إلى انقضاء العالم، وقرينة المجاز تعليق {عَلَيْهِ} بــــ {تركنا} لأنه يناسب الإِبقاء، يقال: أبقى على كذا، أي حافظ عليه ليبقى ولا يندثر، وعلى هذا لا يكون لــــ {تركنا} مفعول، وبعضهم قدّر له مفعولاً يدل عليه المقام، أي تركنا ثناء عليه، فيجوز أن يراد بهذا الإِبقاء تعميره ألف سنة، فهو إبقاء أقصى ما يمكن إبقاء الحيّ إليه فوق ما هو متعارف. ويجوز أن يراد بقاء حسن ذكره بين الأمم كما قال إبراهيم: {أية : واجعل لي لسانَ صدْقٍ في الآخرين}تفسير : [الشعراء: 84] فكان نوح مذكوراً بمحامد الخصال حتى قيل: لا تجهل أمة من أمم الأرض نوحَاً وفضله وتمجيده وإن اختلفت الأسماء التي يسمونه بها باختلاف لغاتهم. فجاء في «سفر التكوين» الإِصحاح التاسع: كان نوح رجلاً بارّاً كاملاً في أجياله وسار نوح مع الله. وورد ذكره قبل الإِسلام في قول النابغة:شعر : فألفيتَ الأمانة لم تخنا كذلكَ كان نوح لا يخون تفسير : وذكره لبني إسرائيل في معرض الاقتداء به في قوله: {أية : ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً}تفسير : [الإسراء:3]. وذكر ابن خلدون: أن بعضهم يزعم أن نوحاً هو (أفريدون) ملك بلاد الفرس، وبعضهم يزعم أن نوحاً هو (أوشهنك) ملك الفرس الذي كان بعد (كيومرث) بمائتي سنة وهو يوافق أن نوحاً كان بعد آدم وهو كيومرث بمائتي سنة حسب كتب الإِسرائيلين. على أن كيومرث يقال: إنه آدم كما تقدم في سورة البقرة. ومتعلق {عَلَيْهِ} من قوله: {وتركنا عليه} لم يَحُم أحد من المفسرين حوله فيما اطلعت، والوجه أن يتعلق {عليه} بفعل {تركنا} بتضمين هذا الفعل معنى (أنعمنا) فكان مقتضى الظاهر أن يعدّى هذا الفعل باللام، فلما ضمّن معنى أنعمنا أفاد بمادته معنى الإِبقاء له، أي إعطاء شيء من الفضائل المدخرة التي يشبه إعطاؤها ترك أحد متاعاً نفيساً لمن يُخليه هو له ويخلفه فيه. وأفاد بتعليق حرف (على) به أن هذا الترك من قبيل الإِنعام والتفضيل، وكذلك شأن التضمين أن يفيد المضمَّن مفاد كلمتين فهو من ألطف الإِيجاز. ثم إن مفعول {تركنا} لما كان محذوفاً وكان فعل (أنعمنا) الذي ضُمِّنه فعل {تركنا} مما يحتاج إلى متعلق معنى المفعول، كان محذوفاً أيضاً مع عامله فكان التقدير: وتركنا له ثناء وأنعمنا عليه، فحصل في قوله: {تركنا عليه} حذفُ خمس كلمات وهو إيجاز بديع. ولذلك قدر جمهور المتقدمين من المفسرين {وتَرَكنا} ثناء حسناً عليه. وجملة {سَلامٌ على نُوحٍ في العالَمِينَ} إنشاء ثناء الله على نوح وتحية له ومعناه لازم التحية وهو الرضى والتقريب، وهو نعمة سادسة. وتنوين {سَلامٌ} للتعظيم ولذلك شاع الابتداء بالنكرة لأنها كالموصوف. والمراد بالعالمين: الأمم والقرون وهو كناية عن دوام السلام عليه كقوله تعالى: {أية : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً}تفسير : [مريم:15] في حق عيسى عليه السلام وكقوله: {أية : سلٰمٌ على إِلْ يَاسينَ}تفسير : [الصافات: 130] {أية : سَلٰمٌ على إبرٰهيم}تفسير : [الصافات: 109]. وفي {العالَمِينَ} حال فهو ظرف مستقر أو خبر ثان عن {سَلامٌ}. وذهب الكسائي والفراء والمبرد والزمخشري إلى أن قوله: {سَلامٌ على نوح في العالمين} في محلّ مفعول {تركنا}، أي تركنا عليه هذه الكلمة وهي {سلامٌ على نوحٍ في العالَمِينَ}وهو من الكلام الذي قصدت حكايته كما تقول قرأت {أية : سورة أنزلناها وفرضناها}تفسير : [النور:1]، أي جعلنا الناس يسلمون عليه في جميع الأجيال، فما ذكروه إلا قالوا: عليه السلام. ومثل ذلك قالوا في نظائرها في هذه الآيات المتعاقبة. وزيد في سَلام نوح في هذه السورة وصْفُه بأنه في العالمين دون السلام على غيره في قصة إبراهيم وموسى وهارون وإلياس للإِشارة إلى أن التنويه بنوح كان سائراً في جميع الأمم لأنهم كلهم ينتمون إليه ويذكرونه ذكر صدق كما قدمناه آنفاً. وجملة {إنَّا كذلك نجزي المُحسنين} تذييل لما سبق من كرامة الله نوحاً. و (إنّ) تفيد تعليلاً لمجازاة الله نوحاً بما عده من النعم بأن ذلك لأنه كان محسناً، أي متخلقاً بالإِحسان وهو الإِيمان الخالص المفسّر في قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الإِحسانُ أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : ، وأي دليل على إحسانه أجلى من مصابرته في الدعوة إلى التوحيد والتقوى وما ناله من الأذى من قومه طول مدة دعوته. والمعنى: إنا مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين. وفي هذا تنويه بنوح عليه السلام بأن جزاءه كان هو المثال والإِمامَ لجزاء المحسنين على مراتب إحسانهم وتفاوت تقَارُبِها من إحسان نوح عليه السلام وقوته في تبليغ الدعوة. فهو أول من أوذي في الله فسَنَّ الجزاءَ لمن أوذي في الله، وكان على قَالَب جزائه، فلعله أن يكون له كفل من كل جزاء يُجزاه أحد على صبره إذا أوذي في الله، فثبت لنوح بهذا وصف الإِحسان، وهو النعمة السابعة. وثبت له أنه مَثَل للمحسنين في جزائهم على إحسانهم، وهي النعمة الثامنة. وجملة {إنَّه من عِبادنَا المُؤمنين} تعليل لاستحقاقه المجازاة الموصوفة بقوله: {كذٰلِكَ نَجزي المحسنين} فاختلف معلول هذه العلة ومعلول العلة التي قبلها. وأفاد وصفه بــــ {إنَّه من عِبَادِنَا} أنه ممن استحق هذا الوصف، وقد علمت غير مرة أن وصف (عبد) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة أشعر بالتقريب ورفع الدرجة، اقتصر على وصف العباد بالمؤمنين تنويهاً بشأن الإِيمان ليزداد الذين آمنوا إيماناً ويقلع المشركون عن الشرك. وهذه نعمة تاسعة. وأقحم معها من {عبادنا} لتشريفه بتلك الإضافة على نحو ما تقدم آنفاً في قوله تعالى: {أية : إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم}تفسير : [ الصافات: 40 - 41] وهذه نعمة عاشرة، وفي ذلك تنبيه على عظيم قدر الإِيمان. وفي هذه القصة عبرة للمشركين بما حلّ بقوم نوح وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وجعل نوح قدوة له، وإيماء إلى أن الله ينصره كما نصر نوحاً على قومه وينجّيه من أذاهم وتنويه بشأن المؤمنين. و {ثم} التي في قوله: {ثم أغرقنا الآخرينَ} للترتيب والتراخي الرتبيين لأن بعض ما ذكر قبلها في الكلام هو مما حصل بعد مضمون جملتها في نفس الأمر كما هو بيّن، ومعنى التراخي الرتبي هنا أن إغراق الذين كذّبوه مع نجاته ونجاة أهله، أعظم رتبة في الانتصار له والدلالة على وجاهته عند الله تعالى وعلى عظيم قدرة الله تعالى ولطفه. ومعنى {الآخرِينَ} مَن عَداهُ وعدا أهله، أي بقية قومه، وفي التعبير عنهم بالآخرين ضرب من الاحتقار. ومما في الحديث أنه جاءه رجل فقال: «حديث : إن الآخر قد زنى»تفسير : يعني نفسه على رواية الآخر بمدّ الهمزة وهي إحدى روايتين في الحديث. وتقدم ذكر نوح وقصته عند قوله تعالى: {أية : إن اللَّه اصطفى آدم ونوحاً}تفسير : في [آل عمران: 33]، وفي الأعراف، وفي سورة هود، وذكرُ سفينته في أول سورة العنكبوت.
الشنقيطي
تفسير : تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، وتفسيره في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الأنبياء: 76].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد نادانا نوح: أي قال إني مغلوب فانتصر"من سورة القمر". فلنعم المجيبون: أي له إذ نجيناه وأهلكنا الكافرين من قومه. من الكرب العظيم: أي عذاب الغرق بالطوفان. وجعلنا ذريّته هم الباقين: إذ عامة الناس كانوا من ذريّته سام، وحام ويافث. وتركنا عليه في الآخرين: أي أبقينا عليه ثناء حسنا عند سائر الأمم والشعوب. سلام على نوح في العالمين: أي سلام منّا على نوح في العالمين أي في الناس أجمعين. إنا كذلك نجزي المحسنين: أي كما جزينا نوحاً بالذكر الحسن والسلام في العالمين نجزي المحسنين. ثم أغرقنا الآخرين: أي كفار قومه المشركين بعد إنجاء المؤمنين في السفينة. معنى الآيات: على إثر ذكره تعالى إهلاك المنذرين وإنجائه المؤمنين من عباده المخلصين ذكر قصة تاريخية لذلك وهي نوح وقومه حيث أنذر نوح قومه ولما جاء العذاب أنجى الله عباده المخلصين وأهلك المكذبين المنذرين فقال تعالى في ذكر هذه القصة الموجزة {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} أي دعانا لنصرته من قومه {أية : قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} تفسير : [المؤمنون: 26، 39] وقال {أية : أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} تفسير : [القمر: 10] {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} نحن له {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} باستثناء امرأته وولده كنعان {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} وهو عذاب الغرق. وقوله {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} إلى يوم القيامة وهذا جزاء له على صبره في دعوته وإخلاصه وصدقه فيها إذ كل الناس اليوم من أولاده الثلاثة وهم سام وهو أبو العرب والروم وفارس، وحام وهو أبو السودان ويافث وهو أبو الترك والخزر وهم التتار ضيقوا العيون ولهذا سموا الخزر من خزر العين وهو ضيقها وصغرها، ويأجوج ومأجوج، وقوله {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي في أجيال البشرية التي أتت بعده وهو الذكر الحسن والثناء العطر المعبر عنه بقوله تعالى {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} وقوله تعالى {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي كما جزينا نوحا لإِيمانه وصبره وتقواه وصدقه ونصحه وإخلاصه نجزي المحسنين في إيمانهم وتقواهم وهذه بشرى للمؤمنين وقوله {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} ثناء عليه وبيان لعلة الإِكرام والإِنعام عليه. ودعوة إلى الإِيمان بالترغيب فيه، وقوله {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} أي أغرقناهم بالطوفان بكفرهم وشركهم وتكذيبهم بعد أن أنجينا المؤمنين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان إكرام الله لأوليائه، وإهانته لإعدائه. 2- إجابة دعاء الصالحين لا سيما عندما يظلمون. 3- فضل الإِحسان وحسن عاقبة أهله. 4- فضل الإِيمان وكرامة أهله عند الله في الدنيا والآخرة. 5- قول سلام على نوح في العالمين إذا قاله المؤمن حين يمسي أو يصبح يحفظه الله تعالى من لسعة العقرب. وأصح منه قول: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لصحة الحديث في ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَادَانَا} (75) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الأَوَّلِينَ الذينَ ضَلُّوا أَخَذَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ تَفْصِيلاً، فَذَكَرَ نُوحاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَمَا لَقِيَ مِنَ المُكَذِّبِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ لَهُ إِلاَّ القَلِيلُونَ، فَاسْتَنْصَرَ نُوحٌ بِرَبِهِ عَلَى كُفَّارِ قَوْمِهِ (أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ)، تفسير : وَكَانَ اللهُ تَعَالَى نِعْمَ المُجِيبُ والنَّاصِرُ لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، فَنَجَّاه وَأَهْلَهُ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، وَأَهْلَكَ الكَافِرِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13]. الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع. قوله سبحانه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} [الصافات: 75] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 26-27] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني. ثم يأتي جواب هذا النداء: {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} [الصافات: 75] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة .. {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31] ونتيجة هذه الإجابة {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الصافات: 76]. وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [هود: 45]. وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46]. فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46]. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : .. لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم وأحسابكم ". تفسير : وكلمة {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الصافات: 76] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟ ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} [الصافات: 77] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} [الصافات: 78] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه. {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 79]. فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ} [الصافات: 79] أي: اعْطِه السلامة والسلام {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 80] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 81]. وقوله: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} [الصافات: 82] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الجيلاني
تفسير : ثم أخذ سبحانه في تعداد أهل الضلال الجاحدين على الرسل المنذرين بعدما أجمل فقال: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} حين أردنا إهلاك قومه بالطوفان نداء مؤمل ضريع لاستخلاصه واستخلاص من آمن معه من قومه، فأجبناه {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} [الصافات: 75] نحن لأوليائنا المخلصين. {وَ} لهذا {نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أي: من آمن معه {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الصافات: 76] أي: من الغم الذي لحقه دائماً من أذى قومه وضربهم عليه، ومن أنواع زجرهم وشتمهم، أو من كرب الطوفان. {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ} أي: من تناسل منه ومن أبنائه {هُمُ ٱلْبَاقِينَ} [الصافات: 77] إلى قيام الساعة. روي أنه مات من بعدما نزل من السفينة من كان معه من المؤمنين، ولم يبق إلا هو وبنوه وأزواجهم، فتناسلوا إلى انقراض الدنيا، كما قال سبحانه {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ} أي: أبقينا عليه ذكراً جميلاً، وثناء جزيلاً {فِي ٱلآخِرِينَ} [الصافات: 78] أي: في الأمم المتخلفة منهم، يذكرونه بالخير، ويقولون تكريماً له وترحيباً: {سَلاَمٌ} أي: تسليم وتكريم من الله ومن خواص عباده {عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 79] أي: في النشأة الأولى والأخرى. {إِنَّا} بمقتضى لطفنا وجدونا لخلص عبادنا {كَذَلِكَ} أي: مثل ما جزينا نوحاً على إحسانه وإخلاصه {نَجْزِي} جميع {ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 80] من عبادنا، لو أنابوا إلينا، وتوجهوا نحونا على وجه الإخلاص. وكيف لا نبقي له ذكراً جميلاً ولا نجزيه جزاء جزيلاً؟! {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 81] الموقنين بتوحيدنا، المتوكلين علينا، المفوضين أمورهم إلينا، المخلصين فيما جاءوا به من الأعمال والأفعال. {ثُمَّ} إنَّا بمقتضى لطفنا فعلنا معه ما فعلنا من الإنعام والإحسان، ونجيناه من كرب الطوفان {أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} [الصافات: 82] أي: كفار قومه بها، واستأصلناهم إلى حيث لم يبق منهم أحد على وجه الأرض، سوى أصحاب السفينة وأشياعه المؤمنين معه، ومن تشعب وتناسل منهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول الرسل، أنه لما دعا قومه إلى اللّه، تلك المدة الطويلة فلم يزدهم دعاؤه، إلا فرارا، أنه نادى ربه فقال: {أية : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } تفسير : الآية. وقال: {أية : رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } تفسير : فاستجاب اللّه له، ومدح تعالى نفسه فقال: { فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ } لدعاء الداعين، وسماع تبتلهم وتضرعهم، أجابه إجابة طابق ما سأل، نجاه وأهله من الكرب العظيم، وأغرق جميع الكافرين، وأبقى نسله وذريته متسلسلين، فجميع الناس من ذرية نوح عليه السلام، وجعل له ثناء حسنا مستمرا إلى وقت الآخرين، وذلك لأنه محسن في عبادة الخالق، محسن إلى الخلق، وهذه سنته تعالى في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على حسب إحسانهم. ودل قوله: { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } أن الإيمان أرفع منازل العباد وأنه مشتمل على جميع شرائع الدين وأصوله وفروعه، لأن اللّه مدح به خواص خلقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):