Verse. 3871 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَاِنَّ مِنْ شِيْعَتِہٖ لَاِبْرٰہِيْمَ۝۸۳ۘ
Wainna min sheeAAatihi laibraheema

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن من شيعته» أي ممن تابعه في أصل الدين «لإبراهيم» وإن طال الزمان بينهما وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة وكان بينهما هود وصالح.

83

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم، قالوا: وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وروى صاحب «الكشاف» أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة الثاني: قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقاً له والأول أظهر، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام، ولم يتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعود الضمير إلى نوح أولى. المسألة الثانية: العامل في {إِذْ } ما دل عليه قوله: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ } من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم. أما قوله: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قولان: الأول: قال مقاتل والكلبي يعني خالص من الشرك، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله والثاني: قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من المعاصي، فيدخل فيه كونه سليماً عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد والحسد. عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحداً، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله، وهو قوله: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصفة دون صفة، ويتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 51] مع أنه تعالى قال: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] وقال: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 75] فإن قيل ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب، ورأيت في التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك. واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها. ثم قال: {أئفكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } قال صاحب «الكشاف» أئفكا مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دونه إفكاً، وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يقرر عندهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون إفكاً مفعولاً به يعني أتريدون إفكاً، ثم فسر الإفك بقوله: {آلهة دُونَ ٱللَّهِ } على أنها إفك في أنفسها، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى تريدون آلهة من دون الله آفكين. ثم قال: {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وفيه وجهان أحدهما: أتظنون برب العالمين أنه يجوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية وثانيها: أتظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء. ثم قال: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ } عن ابن عباس أنهم كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياًفي بيت الأصنام فيقدر على كسرها وههنا سؤالان الأول: أن النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه إبراهيم والثاني: أنه عليه السلام ما كان سقيماً فلما قال إني سقيم كان ذلك كذباً، واعلم أن العلماء ذكروا في الجواب عنهما وجوهاً كثيرة الأول: أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال: {إِنّى سَقِيمٌ } فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقاً فيما قال، لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم الوجه الثاني: في الجواب أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في علوم النجوم وفي معانيه لا أنه نظر بعينه إليها، وهو كما يقال فلان نظر في الفقه وفي النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث يتعرفون حتى إذا قال: {إِنّى سَقِيمٌ } سكنوا إلى قوله. أما قوله: {إِنّى سَقِيمٌ } فمعناه سأسقم كقوله: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ } تفسير : [الزمر: 30] أي ستموت الوجه الثالث: أن قوله: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ } هو قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً } تفسير : [الأنعام: 76] إلى آخر الآيات وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة، وقوله: {إِنّى سَقِيمٌ } يعني سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ الوجه الرابع: قال ابن زيد كان له نجم مخصوص، وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعاً على تلك الصفة المخصوصة قال: {إِنّى سَقِيمٌ } أي هذا السقم واقع لا محالة الوجه الخامس: أن قوله: {إِنّى سَقِيمٌ } أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } تفسير : [الشعراء: 3] الوجه السادس: في الجواب أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام، لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل. وأما الكذب فغير لازم لأنه ذكر قوله: {إِنّى سَقِيمٌ } على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم. الوجه السابع: قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» تفسير : قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول؟ فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذباً خبراً شبيهاً بالكذب؟ والوجه الثامن: أن المراد من قوله {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ } أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفرقة ومنه نجوم الكتابة، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله: {إِنّى سَقِيمٌ } والمراد أنه لا بد من أن أصير سقيماً كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر. واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال: {إِنّى سَقِيمٌ } تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده {فَرَاغَ إِلَىٰ ءالِهَتِهِمْ } يقال: راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية، ومنه روغان الثعلب. وقوله: {أَلا تَأْكُلُونَ } يعني الطعام الذي كان بين أيديهم، وإنما قال ذلك استهزاء بها، وكذا قوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً } فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم في معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضرباً بمعنى ضارباً. وفي قوله: {بِٱلْيَمِينِ } قولان الأول: معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني: أنه أتى بذلك الفعل بسبب الحلف، وهو قوله تعالى عنه: {أية : وَتَٱللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 57] ثم قال: {فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قرأ حمزة {يَزِفُّونَ } بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف يزف، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف، قال الزجاج: يزفون يسرعون وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف، قال الأصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على الإسراع في المشي، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة {أية : قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ * قالوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } تفسير : [الأنبياء: 59، 60] وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه فبين هاتين الآيتين تناقض؟ قلنا لا يبعد أن يقال إن جماعة عرفوه فعمدوا إليه مسرعين. والأكثرون ما عرفوه فتعرفوا أن ذلك الكاسر من هو، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ } قال ٱبن عباس: أي من أهل دينه. وقال مجاهد: أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي: الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد. وقال الكلبي والفراء: المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء في «شيعته» على هذا لمحمد عليه السلام. وعلى الأوّل لنوح وهو أظهر؛ لأنه هو المذكور أوّلا، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة؛ حكاه الزمخشري. قوله تعالى: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي مخلص من الشرك والشك. وقال عوف الأعرابي: سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال: الناصح للّه عز وجل في خلقه. وذكر الطبري عن غالب القطان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين أنه كان يقول للحجاج: مسكين أبو محمد! إن عذبه اللّه فبذنبه، وإن غفر له فهنيئاً له، وإن كان قلبه سليماً فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال عوف: فقلت لمحمد ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن اللّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللّه يبعث من في القبور. وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول لنا: يا بَنيّ لا تكونوا لَعَّانِين، ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئاً قط، فقال تعالى: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }. ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه في النار. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} وهو آزر، وقد مضى الكلام فيه. {وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ} تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا» خبره. ويجوز أن تكون «ما» و«ذا» في موضع نصب بـ«تعبدون». {أَإِفْكاً} نصب على المفعول به؛ بمعنى أتريدون إفكا. قال المبرّد: والإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ٱئتفكت بهم الأرض. {آلِهَةً} بدل من إفك {دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} أي تعبدون. ويجوز أن يكون حالاً بمعنى أتريدون آلهة من دون اللّه آفكين. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو تحذير، مثل قوله: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ }تفسير : [الانفطار: 6]. وقيل: أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره. قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} قال ٱبن زيد عن أبيه: أرسل إليه ملكهم إنّ غداً عيدُنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي. وكان علم النجوم مستعملاً عندهم منظوراً فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذراً لنفسه؛ وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. وقال ٱبن عباس: كان علم النجوم من النبوّة، فلما حبس اللّه تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فكان نظر إبراهيم فيها عِلماً نبويَّاً. وحكى جُوَيبر عن الضحاك: كان علم النجوم باقياً إلى زمن عيسى عليه السلام، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم: من أين علمتم بموضعه؟ قالوا: من النجوم. فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم لا تفهمهم في علمها، فلا يعلم علم النجوم أحد؛ فصار حكمها في الشرع محظوراً، وعلمها في الناس مجهولاً. قال الكلبي: وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمزجرد، وكانوا ينظرون في النجوم. فهذا قول. وقال الحسن: المعنى أنهم لما كلّفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل. فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي؛ أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل حيّ يَسْقَم فقال: «إنِّي سَقِيمٌ». الخليل والمبرّد: يقال للرجل إذا فكّر في الشيء يدبِّره: نظر في النجوم. وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعةً تغشاه فيها الحمّى. وقيل: المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء فعلم أن لها خالقاً ومدبِّراً، وأنه يتغير كتغيرها فقال: «إنِّي سَقِيمٌ». وقال الضحاك: معنى «سَقِيمٌ» سأسقم سقم الموت؛ لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض؛ كما قال للملِك لما سأله عن سارّة هي أختي؛ يعني أخوّة الدين. وقال ٱبن عباس وٱبن جبير والضحاك أيضاً: أشار لهم إلى مرض وسقم يُعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون، «فَ»ـلذلك {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} أي فارّين منه خوفاً من العدوى. وروى الترمذيّ الحكيم قال: حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السّديّ عن أبي مالك وأبي صالح عن ٱبن عباس، وعن سَمُرة عن الهمذاني عن ٱبن مسعود قال: قال إبراهيم: إن لنا عيداً لو خرجت معنا لأعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه، وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فوطئوا رجله وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم {أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 57]. قال أبو عبد اللّه: وهذا ليس بمعارِضٍ لما قال ٱبن عباس وٱبن جبير؛ لأنه يحتمل أن يكون قد ٱجتمع له أمران. قلت: وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات»تفسير : الحديث. وقد مضى في سورة «الأنبياء». وهو يدل على أنه لم يكن سقيماً وإنما عرض لهم. وقد قال جل وعز: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ }تفسير : [الزمر: 30]. فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة. وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا، ومنه المثل السائر: «كَفَى بالسلامة داءً» وقول لبيد:شعر : فدعوتُ ربِّي بالسلامةِ جاهِداً لِيُصِحّني فإذا السَّلامَةُ داءُ تفسير : وقد مات رجل فجأة فالتّف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح! فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقهٰ فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم وٱصطفائهم عُدَّ هذا ذنباً؛ ولهذا قال: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ } تفسير : [الشعراء: 82] وقد مضى هذا كله مبيّناً والحمد للّه. وقيل: أراد سقيم النفس لكفرهم. والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحداً مصدراً.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} يقول: من أهل دينه، وقال مجاهد: على منهاجه وسنته، { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن عوف، قلت لمحمد ابن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وقال الحسن: سليم من الشرك، وقال عروة: لا يكون لعاناً. وقوله تعالى: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ} أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال عز وجل: { أَءِفْكاً ءَالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال قتادة: يعني: ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه، وقد عبدتم معه غيره؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ } أي ممن تابعه في أصل الدين {لإِبْرٰهِيمَ } وإن طال الزمن بينهما وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة وكان بينهما هود وصالح.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإن من شيعته لإبراهيم} فيه وجهان: أحدهما: من أهل دينه، قاله ابن عباس. الثاني: على منهاجه وسنته، قاله مجاهد. وفي أصل الشيعة في اللغة قولان: أحدهما: أنهم الأتباع ومنه قول الشاعر: شعر : قال الخليط غداً تصدُّ عَنّا أو شيعَه أفلا تشيعنا تفسير : قوله أو شيعه أي اليوم الي يتبع غداً، قاله ابن بحر. الثاني: وهو قول الأصمعي الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار الذي يوضع مع الكبار حتى يستوقد لأنه يعين على الوقود. ثم فيه قولان: أحدهما: إن من شيعة محمد لإبراهيم عليهما السلام، قاله الكلبي والفراء. الثاني: من شيعة نوح لإبراهيم، قاله مجاهد ومقاتل. وفي إبراهيم وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي وهو قول الأكثرين. الثاني: مشتق من البرهمة وهي إدّامة النظر. قوله عز وجل: {إذ جاء ربّه بقَلْب سليم} فيه أربعة أوجه: أحدها: سليم من الشك، قاله قتادة. الثاني: سليم من الشرك، قاله الحسن. الثالث: مخلص، قاله الضحاك. الرابع: ألا يكون لعاناً، قاله عروة بن الزبير. ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده وطاعته. الثاني: عند إلقائه في النار.

ابن عبد السلام

تفسير : {شِيعَتِهِ} من أهل دينه، أو على سنته ومنهاجه يعني إبراهيم من شيعة نوح، أو شيعة محمد صلى الله عليه وسلم قيل الشيعة الأعوان أخذ من الأشياع الحطب الصغار يوضع مع الكبار لتعين على وقودها.

النسفي

تفسير : {وَإِنَّ من شِيَعتِهِ لإبْراهِيمَ} أي من شيعة نوح أي ممن شايعه على أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة وما كان بينهما إلا نبيان هود وصالح. {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ } «إذ» تعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } من الشرك أو من آفات القلوب لإبراهيم، أو بمحذوف وهو «اذكر». ومعنى المجيء بقلبه ربه أنه أخلص لله قلبه وعلم الله ذلك منه فضرب المجيء مثلاً لذلك {إِذْ } بدل من الأولى {قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكاً ءالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} {أئفكاً} مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دون الله إفكاً؟ وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون {إِفْكاً} مفعولاً به أي أتريدون إفكاً؟ ثم فسر الإفك بقوله {آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ} على أنها إفك في نفسها، أو حالاً أي أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ {فَمَا ظَنُّكُم } أيّ شيء ظنكم {بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وأنتم تعبدون غيره؟ و «ما» رفع بالابتداء والخبر {ظنكم} أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره وعلمتم أنه المنعم على الحقيقة فكان حقيقاً بالعبادة؟ {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ } أي نظر في النجوم رامياً ببصره إلى السماء متفكراً في نفسه كيف يحتال، أو أراهم أنه ينظر في النجوم لاعتقادهم علم النجوم فأوهمهم أنه استدل بأمارة على أنه يسقم {فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ } أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الإسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. وقالوا: علم النجوم كان حقاً ثم نسخ الاشتغال بمعرفته. والكذب حرام إلا إذا عرّض، والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام أي سأسقم، أو من الموت في عنقه سقيم ومنه المثل «كفى بالسلامة داء». ومات رجل فجأة فقالوا: مات وهو صحيح. فقال أعرابي: أصحيح مَن الموت في عنقه، أو أراد إني سقيم النفس لكفركم كما يقال أنا مريض القلب من كذا {فَتَوَلَّوْاْ } فأعرضوا {عَنْهُ مُدْبِرِينَ } أي مولين الأدبار. {فَرَاغَ إِلَىٰ ءَالِهَتِهِمْ } فمال إليهم سراً {فَقَالَ } استهزاء {أَلآ تَأْكُلُونَ } وكان عندها طعام {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } والجمع بالواو والنون لما أنه خاطبها خطاب من يعقل {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً } فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم أو فراغ عليهم يضربهم ضرباً أي ضارباً {بِٱلْيَمِينِ } أي ضرباً شديداً بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما أو بالقوة والمتانة، أو بسبب الحلف الذي سبق منه وهو قوله {أية : تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ }تفسير : [الأنبياء: 57] {فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ } إلى إبراهيم {يَزِفُّونَ } يسرعون من الزفيف وهو الإسراع. {يُزِفون} حمزة من أزفّ إذا دخل في الزفيف إزفافاً فكأنه قد رآه بعضهم يكسرها وبعضهم لم يره فأقبل من رآه مسرعاً نحوه ثم جاء من لم يره يكسرها فكأنه قد رآه {مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }، فأجابوه على سبيل التعريض بقولهم {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } تفسير : [الأنبياء: 60] ثم قالوا بأجمعهم نحن نعبدها وأنت تكسرها فأجابهم بقوله {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } بأيديكم {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وخلق ما تعملونه من الأصنام أو «ما» مصدرية أي وخلق أعمالكم وهو دليلنا في خلق الأفعال أي الله خالقكم وخالق أعمالكم فلم تعبدون غيره؟ {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ } أي لأجله {بُنْيَـٰنًا } من الحجر طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً {فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ } في النار الشديدة. وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } بإلقائه في النار {فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} المقهورين عند الإلقاء فخرج من النار {وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى } إلى موضع أمرني بالذهاب إليه {سَيَهْدِينِ } سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفقني. {سيهديني} فيهما: يعقوب. {رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } بعض الصالحين يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب في الولد {فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليماً وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : ثم استسلم لذلك. {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه. و {مَعَهُ } لا يتعلق بـ {بَلَغَ } لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي، ولا بـ {ٱلسَّعْىَ } لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بياناً كأنه لما قال: {فَلَمَّا بَلَغَ ٱلسَّعْىَ } أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل: مع من؟ قال: مع أبيه وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة {قَالَ يٰبُنَىَّ } حفص والباقون بكسر الياء {إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ } وبفتح الياء فيهما: حجازي وأبو عمرو. قيل له في المنام: اذبح ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة. وإنما لم يقل رأيت لأنه رأى مرة بعد مرة فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا. فلما أصبح روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثَمَّ سمي يوم الترويه. فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فمن ثَمَّ سُمي يوم عرفة. ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } من الرأي على وجه المشاورة لا من رؤية العين، ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته ولكن ليعلم أيجزع أم يصبر. {تُرِى} علي وحمزة أي ماذا تصبر من رأيك وتبديه {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ } أي ما تؤمر به وقرىء به {سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على الذبح. رُوي أن الذبيح قال لأبيه: يا أبت خذ بناصيتي واجلس بين كتفي حتى لا أوذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي عسى أن ترحمني، واجعل وجهي إلى الأرض. ويُروى اذبحني وأنا ساجد واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يزفون} بضم الياء وكسر الزاي: حمزة. الباقون: بفتح الياء {إني أرى} {إني أذبحك} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو. {وترى} بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة. {ستجدني} بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع {وإن إلياس} موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بكسر الهمزة {الله ربكم ورب} بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل. الباقون: برفعها على الابتداء والخبر. {آل ياسين} ابن عامر ونافع ورويس. الآخرون {إلياسين} كأنه جمع إلياس {لكاذبون اصطفى} موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين. الوقوف: {لإبراهيم} ه ط لأن التقدير "واذكر". وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف {سليم} ه {تعبدون} ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول {تريدون} ه ط لاستفهام آخر {العالمين} ه {في النجوم} ه لا للفاء واتحاد المعنى {سقيم} ه {مدبرين} ه {تأكلون} ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر {لا تنطقون} ه {باليمين} ه {يزفون} ه {تنحتون} ه لا لأن الواو للحال {تعملون} ه {في الجحيم} ه {الأسفلين} ه {سيهدين} ه {الصالحين} ه {حليم} ه {ماذا ترى} ط {ما تؤمر} ز للسين مع اتصال المقول {الصابرين} ه {للجبين} ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة {وناديناه} جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه {يا إبراهيم} ه لا {الرؤيا} ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف {المحسنين} ه {المبين} ه {عظيم} ه {في الآخرين} ه لا {إبراهيم} ه {المحسنين} ه {المؤمنين} ه {الصالحين} ه {إسحق} ط {مبين} ه {وهارون} ه ج للآية مع العطف {العظيم} ه ج لذلك {الغالبين} ه لا {المستبين} ه ج {المستقيم} ه ج {في الآخرين} ه لا {وهارون} ه {المحسنين} ه {المؤمنين} ه {المرسلين} ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً. {تتقون} ه {الخالقين} ه لا لمن قرأ {الله} بالنصب {الأوّلين} ه {لمحضرون} ه {المخلصين} ه {في الآخرين} ه لا {الياسين} ه {المحسنين} ه {المؤمنين} ه {المرسلين} ه {أجمعين} ه لا {الغابرين} ه {الآخرين} ه {مصبحين} ه لا {وبالليل} ط {تعقلون} ه {المرسلين} ه لا {المشحون} ه لا {المدحضين} ه ج لحق المحذوف مع الفاء {مليم} ه {من المسبحين} ه لا {يبعثون} ه {سقيم} ه ج {يقطين} ه ج {أو يزيدون} ه ط {إلى حين} ه ط {البنون} ه ط {شاهدون} ه {ليقولون} ه لا {ولد الله} لا تعجيلاً لتكذيبهم {لكاذبون} ه {البنين} ه ط لابتداء استفهام آخر {تحكمون} ه {تذكرون} ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً {مبين} ه لا لتعجيل أمر التعجيز {صادقين} ه {نسباً} ط {لمحضرون} ه لا لتعلق الاستثناء و {سبحان الله} معترض {يصفون} ه {المخلصين} ه {تعبدون} ه لا {بفاتنين} ه لا {الجحيم} ه {معلوم} ه {الصافون} ه ج للعطف مع الاتفاق {المسبحون} ه ج {ليقولون} ه لا {من الأوّلين} ه لا {المخلصين} ه {يعلمون} ه {المرسلين} ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة {المنصورون} ه ص لعطف الجملتين المفقتين {الغالبون} ه {حين} ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى {يبصرون} ه {يستعجلون} ه {المنذرين} ه {حين} ه لا {يبصرون} ه {عما يصفون} ه ج لعطف جملتين مختلفتين {المرسلين} ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين {العالمين} ه. التفسير: الضمير في {شيعته} يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين. وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح. ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. ومعنى {جاء ربه} أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له. والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء". ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد. ومعنى {ماذا تعبدون} أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" {أية : وما تعبدون} تفسير : [الآية: 70] سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله {أئفكاً} هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل. ويجوز أن يكون {إفكاً} حالاً معنى أو مفعولاً به {آلهة} بدل منه على أنها إفك في أنفسها. {فما ظنكم برب العالمين} حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته. وفي قوله {إني سقيم} قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "حديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات": قوله: {إني سقيم} وقوله {بل فعلهم كبيرهم} وقوله لسارة إنها أختي"تفسير : وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء. والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة. وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك. وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه تعالى خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه. الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً} إلى آخر الآية. أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة. وقوله {إني سقيم} أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم. الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به. وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله {إني سقيم} قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله سبحانه {فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم} ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب. وقيل: راغ بقوله {إني سقيم} حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم. وقوله {ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون} استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه. وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه. وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق. وإنما جاء في هذه السورة {فقال ألا تأكلون} بالفاء وفي "الذاريات" {قال ألا تأكلون} بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون. {فراغ عليهم} عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه. وفي المكروه: مال عليه. وقوله {ضرباً} مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً. ومعنى {باليمين} اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله {تالله لأكيدن أصنامكم} {فأقبلوا إليه} أي إلى إبراهيم {يزفون} بمشون على سرعة. وزفيف النعامة ابتداء عدوها. ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله {أية : ولأوضعوا خلالكم}تفسير : [التوبة: 47] قال بعض الطاعنين، قوله {فأقبلوا إليه} دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم. وقوله في "الأنبياء" {أية : أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم}تفسير : [الآية: 62] دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض. وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه. على أن قوله {فأقبلوا إليه} لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر. وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ {ـقال أتعبدون ما تنحتون} وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله {والله خلقكم وما تعملون} على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم. وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله {ما تنحتون} وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم. والصحيح أن الآية كقوله {أية : بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن} تفسير : [الأنبياء: 56] أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و{قالوا ابنوا له بنياناً} قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون. وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها. والجحيم النار العظيمة. ومعنى الفاء في قوله {فأرادوا} كقوله {أية : أهلكناها فجاءها بأسنا} تفسير : [الأعراف: 4] كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها. وقد صح أنهم أرادوا به كيداً {فجعلناهم الأسفلين} الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة. وإنما اختصت هذه السورة بقوله {الأسفلين} لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب. ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله {إني ذاهب إلى ربي} كقوله في "العنكبوت" {أية : إني مهاجر إلى ربي}تفسير : [الآية: 26] وإنما حكم بقوله {سيهدين} ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي. وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال {رب هب لي من الصالحين} والله تعالى بين استجابته بقوله {فبشرناه بغلام حليم} وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا. فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله {أية : إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب}تفسير : [هود: 75]. وقيل: العليم إسحق لقوله {أية : فأقبلت امرأته في صرة}تفسير : [الذاريات: 29] والحليم إسماعيل. ثم حكى حديث ذبحه قائلاً {فلما بلغ معه السعي} أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه. والظرف بيان كأنه قال أوّلاً {فلما بلغ السعي} فقيل: مع من؟ فأجيب مع أبيه. ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله {بلغ} لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب. وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته. يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله. اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا ابن الذبيحين"تفسير : فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله. وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة. وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم "يا ابن الذبيحين". فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده. فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل. حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟ ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة. وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح في قوله {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ووصفه بصدق الوعد {إنه كان صادق الوعد} [مريم: 54] وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به. أخرى: {أية : ومن وراء إسحق يعقوب} تفسير : [هود: 71] فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه. أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله {رب هب لي من الصالحين} ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح. وأيضاً قوله {وبشرناه بإسحق} يجب أن يكون غير قوله {فبشرناه بغلام حليم} وإلا لزم التكرار. حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج. وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل اي النسب أشرف؟ فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. وأجابوا عن قوله: {وبشرناه بإسحاق} أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً. وايضاً صرح بالمبشر به في قوله {أية : فبشرناه بإسحق}تفسير : [هود: 71] وفي قوله {وبشرناه بإسحق} فيحمل عليه المبهم في قوله {فبشرناه بغلام} وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ {أية : يعقوب}تفسير : [هود: 71] بالرفع. وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله {إني ذاهب إلى ربي} هو مهاجرته إلى الشام ثم قال {فبشرناه بغلام} فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة. وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح. ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس. إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله {يا بني إني أرى في المنام} إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك. ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه. قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية. فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر. وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي. ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك. وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك {قال يا أبت افعل ما تؤمر} أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير. اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: {فلما اسلما} أي انقادا وخضعا لأمر الله. قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه. {وتله} أي صرعه. واللام في {للجبين} كهي في قوله {أية : ويخرون للأذقان} تفسير : [الإسراء: 109] والجبين أحد جانبي الجبهة. وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد. يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل. فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله. ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله. قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله {إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا} الأمر الذي قد وقع {لهو البلاء المبين} الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه. يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج. وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا. فنظر فإذا جبرائيل عليه السلام معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله سبحانه {وفديناه بذبح عظيم} والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،. والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن. وقوله {عظيم} أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم"تفسير : . والاستشراف جعلها شريفة وكريمة. وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل. وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد خليله. وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله. وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير. وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم عليه السلام فذبحه وخلى ابنه. استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته. وقالت المعتزلة. وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه تعالى أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر. سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له {قد صدّقت الرؤيا}. والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال {وفديناه}. بإسناد الفداء إلى ذاته تعالى. والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا. وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة. وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر. فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر. فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد. فبقي سنة. قوله {وتركنا} إلى قوله {المؤمنين} قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا {في العالمين} اكتفاء بما علم في قصة نوح. ولم يقل ههنا {إنا كذلك} بل اقتصر على {كذلك} لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض. قوله {وبشرناه بإسحق} من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل. ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده. قوله {نبياً من الصالحين} كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح. وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق. وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل. {وباركنا عليه} قيل: أي على الغلام المبشر به. قيل: على إبراهيم: {وعلى إسحق} اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا. ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله {ومن ذريتهما محسن} ويعلم من قوله {وظالم لنفسه} أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب. وأما قصة موسى فلا خفاء بها. والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه. وقيل: الغرق. والضمير في {نصرناهم} لها ولقومهما. والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ. والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل. وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون. وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم. و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك {إذ قال لقومه ألا تتقون} الله. قال الكلبي. أي ألا تخافون عبادة غير الله. وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال {أتدعون} أي أتعبدون {بعلاً} وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس. قال الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه: لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل. قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر. وقيل: البعل الرب بلغة اليمن. والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين. ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً. وباقي القصة ظاهر إلا قوله {إلياسين} فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين. وقيل: آل ياسين آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله. والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال. ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة. وقيل: إنه لغة في إلياس. قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا. حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله تعالى فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف. فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟ فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل. ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً. وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم. وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس. وقصة لوط مذكورة مراراً. ومعنى {مصبحين وبالليل} أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره. وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله تعالى. فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله {وإن يونس لمن المرسلين} مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله تعالى. وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله {أية : وذا النون إذ ذهب مغاضباً}تفسير : [الأنبياء: 87] قوله {المشحون} كالعلة لقوله {فساهم} والمساهمة المقارعة. يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا. قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة. يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر. وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس. فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله. ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء. {فالتقمه الحوت} أي ابتلعه كاللقمة {وهو مليم} داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم. أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم {فلولا أنه كان من المسبحين} قيل: أي من المصلين. قيل: أي من المصلين. عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء. وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات. والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}تفسير : [الأنبياء: 87]. والضمير في {يبعثون} للخلائق بالقيرنة وقوله {للبث} في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث. والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه. والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه. واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً. وقيل: ثلاثة ايام. وعن عطاء: سبعة. وعن الضحاك: عشرون. وقال الكلبي: أربعون. روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" تفسير : وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له. قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع. قال: أجل هي شجرة أخي يونس. قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله. والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل. قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم. وقيل: هي التين. وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها. وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها. وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه. وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله {أو يزيدون} ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر. ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون. وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام. وكم الزائد؟ قيل: ثلاثون ألفاً. عن ابن عباس. وقيل: بضعة وثلاثون. وقيل: بضعة وأربعون. وقيل: سبعون. وجاء مرفوعاً عشرون الفاً. ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال {فآمنوا فمتعناهم إلى حين} هو انقضاء آجالهم. وقيل: القيامة وقد مر. ثم عطف قوله {فاستفتهم} على مثله في أول السورة. والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله تعالى قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين. وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً. أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله {أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون} وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه تعالى أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله {أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة. الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله {أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} نظيره ما مر في قوله {أية : أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون}تفسير : [الروم: 35] وقوله {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله {إنهم لمحضرون} للكفرة. والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون. وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله {أية : وجعلوا لله شركاء الجن} تفسير : [الآية: 100] وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين. روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن. وقال الكلبي: زعموا أن الله سبحانه تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة. والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة. قال جار الله: الاستثناء في قوله {إلا عباد الله} منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه. وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في {يصفون} اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي. وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار. وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. وجوز جار الله أن تكون الواو في {وما تعبدون} بمعنى "مع" وجاز السكوت على {تعبدون} كما في قولهم "كل رجل وضيعته". ثم قال {ما أنتم عليه} أي على ما تعبدون {بفاتنين إلا من هو صال} مثلكم. وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله {سبحان الله} إلى قوله {المسبحون} من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين. وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار. وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟ قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم. وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله. ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه. ثم حكى أن مشركي قريش {كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً} أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله. وإن مخففة واللام فارقة {فكفروا به} الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به {فسوف يعلمون} وخامة عاقبة التكذيب. وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه. ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني. ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً {فتوّل عنهم} أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر. عن السدي: أو إلى الموت والقيامة. {وأبصرهم} وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين. وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً. و{سوف} في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه. وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم. وقيل: نزل في فتح مكة. وعن أنس: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس. ورجعوا إلى حصنهم فقال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم. واللام في {المنذرين} للجنس. وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية. والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة. واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني. ومعنى {رب العزة} كقوله {أية : قل اللهم مالك الملك}تفسير : [آل عمران: 26] والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه. عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله. والظاهر أن قوله {عما يصفون} يتعلق {بسبحان} كما في قوله {سبحان الله عما يصفون} وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس. قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة {وسلام على المرسلين} عن علي رضي الله عنه: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس {سبحان ربك رب العزة} إلى آخر السورة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ} قال ابنُ عبَّاسٍ وغيره: الضميرُ عائِدٌ على نوحٍ، والمعنى: في الدينِ والتَّوْحيدِ، وقَال الطبريُّ وغيره عن الفَرَّاءِ: الضميرُ عائِدٌ عَلى محمدٍ، والإشَارَةُ إليه. وقوله: {أَئِفْكاً} استفهامٌ بمعنى التقرير، أي: أَكَذِباً ومُحَالاً، {ءَالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ}. وقوله: {فَمَا ظَنُّكُم} تَوْبِيخٌ وتحذيرٌ وتَوَعُّدٌ.

ابن عادل

تفسير : القصة الثانية: قصة إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - قوله تعالى: "وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ" أي من أهل دينه وسنته وفي الضمير وجهان: أظهرهما: أنه يعود على "نوح" أي ممن كان يشايعه أي يتبعه على دينه والتصلب في أمر الله. الثاني: أنه يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو قول الكلبي. والشيعة قد تطلق على المتقدم كقوله: شعر : 4218- وَمَا لِي إلاَّ آلَ أَحْمد شِيعَةٌ وَمَا لِي إلاَّ مِشْعَبَ الْحَقِّ مِشْعَبُ تفسير : فجعل (آل) أحمد وهم متقدومون عليه وهو تابع لهم شيعة له، قال الفراء، والمعروف أن الشيعة تكون في المتأخر. قالوا كان بين نوحٍ وإبراهيم (نبيان هود وصالح، وروى الزمخشري أنه كان بين نوحٍ وإبراهيمَ) ألفان وستمائة وأربعون سنةً. قوله: "إذْ جَاءَ" في العامل فيه وجهان: أحدهما: اذْكر مقدراً. وهو المتعارف. والثاني: قال الزمخشري: ما في الشيعة من معنى المشايعة يعني وإن مِمَّنْ شَايَعَهُ على دينه وتقواه حين جاء رَبَّهُ، قال أبو حيان: (لا يجوز لأن فيه) الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وهو "لإبْرَاهِيمَ"؛ (لأنه أجنبي مِنْ "شِعَتِهِ" ومن "إذْ" وزاد المنع أن قدره ممن شايعه حين جاء لإبراهيم)؛ (لأنه قدر ممن شايعه فجعل العامل قبله صلة لموصول، وفصل بينه وبين "إذْ" بأجنبي وهو "لإبْرَاهِيمَ")، وأيضاً فلام الابتداء تمنع أن يعمل ما قبلها فيما بعدها لو قلت: إنَّ ضَارِباً لَقَادِمٌ عَلَيْنَا زَيْداً تقديره: أن ضَارباً زيداً قَادِمٌ علينا. لم يجز. فصل قال مقاتلٌ والكَلْبِيُّ: المعنى أنه سليم من الشِّرك؛ لأنه أنكر على قومه الشِّرْكَ لقوله: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ}. وقال الأصوليون: معناه أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل معصية. قوله: "إذْ قَالَ" بدل من "إذْ" الأُولَى، أو ظرف لسَلِيم أي سلم عليه في وقت قوله كَيْتَ وكَيْتَ، أو ظرف لجَاءَ، ذكره أبو البقاء، وقوله: "مَاذَا تعْبُدُونَ" استفهام توبيخ وتهجين لتلك الطريقة وتقبيحها. قوله: "أَإِفْكاً" فيه أوجه: أحدهما: أنه مفعول من أجله، أي أتريدون آلهةً دون الله إفكاً، فآلهة مفعول به، ودون ظرف "لتُريدُونَ" وقدمت معمولات الفعل اهتماماً بها، وحَسَّنَهُ كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول من أجله على المفعول به اهتماماً به لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري. الثاني: أن يكون مفعولاً وتكون "آلهة" بدلاً منه، جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها عنه وفسره بها، ولم يذكر ابنُ عَطِيَّةَ غَيْرَهُ. الثالث: أنه حال من فاعل "تُرِيدُونَ" أي تريدون آلهة أَفِكِينَ أو ذَوِي إفْكٍ، وإليه نحا الزمخشري. قال أبو حيان: وجعل المصدر حالاً لا يطرد إلى مع أَمَّا نحو: أَمَّا علماً فَعَالم، والإفك أسوأ الكَذِب. قوله: {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي أتظنون بِرَبِّ العالَمِين أنه جوز جعل هذه الجمادات مشاركة في المعبودية، أو تظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء. أو فما ظنكم برب العالمين إذا لَقِيتُمُوه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم؟ قوله: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياً في بيت الأصنام فَيْقِدرَ على كسرها. فإن قيل: النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أخبرهم بخلاف حاله؟ فالجواب: من وجوه. الأول: أن نظره في النجوم أي في أوقات الليل والنهار، وكانت تأتيه الحُمَّى في بعض ساعات الليل والنهار فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال: إني سقيم فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقاً فيما قال، لأن السُّقم كان يأتيه في ذلك الوقت. الثاني: أنهم كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على أمورهم فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في علم النجوم كما تقول: "نَظَرَ فُلانٌ في الفِقْه" أي في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في علمهم وعرف منه ما يعرفونه حتى إذا قال: إني سقيم سَكَنُوا إلى قوله، وأما قوله: إنِّي سقيم فمعناه سأسقم كقوله: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر:30] أي ستموت. الثالث: أن نظره في النجوم هو قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً} تفسير : [الأنعام: 76] إلى آخر الآيات فكان نظره لتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة؟ وقوله: "إنِّي سَقِيمٌ" أي سقيم القلب أي غير عارف بربِّي، وكان ذلك قبل البلوغ. الرابع: قال ابن زيد: كان له نجم مخصوص طلع على صفة مخصوصة مَرِضَ إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال: إني سقيم أي هذا السَّقم واقع لا محالة. الخامس: أن قوله: إني سقيم أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} تفسير : [الكهف:6]. السادس: أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخَاصِّية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم لأن قوله: إني سقيم على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا يَنْفَكُّ في أكثر حاله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سَقَم. السابع: قال ابن الخطيب: قال بعضم ذلك القول عن إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - كذباً. وأوردوا فيه حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : مَا كَذَبَ إبْرَاهِيمُ إلاَّ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ ". تفسير : قلتُ: لبعضهم: هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل لأن فيه نسبه الكذب (إلى إبراهيم فقال ذلك الرجل فكيف نحكم بكذب الرَّاوِي العدل؟) فقلت: لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل عليه (الصلاة و) السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى. ثم نقول: لِمَ لاَ يجوز أن يكون المراد من قوله: { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ} أي في نجوم كلامهم ومتفرَّقات أقوالهم، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال: إنها مُنَجَّمة أي متفرقة. ومنه نَجَمْتُ الكِتَابَةَ، والمعنى: أنه لما جمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يسخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم، فلم يجد عذراً أحسن من قوله: "إِنِّي سَقِيمٌ"؛ (والمراد: أنه لا بدّ من أن أصير سقيماً كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر: إنك مسافر، ولما قال: إني سقيم) تَوَلَّوا عنه مدبرين وتركوه، وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم. قوله: "فَرَاغَ" أي مال في خفية، وأصله من رَوَغَانِ الثعلب، وهو تردده وعدم ثبوته بمكان، ولا يقال: رَاغَ حتى يكون صاحبه مخفياً لذهابه ومجيئه، فقال استهزاء بها: "أَلا تَأْكُلُونَ" يعني الطعام الذي كان بين أيديهم {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} قاله أيضاً استهزاء، فراغ عليهم مال عليهم مستخفياً. قوله: "ضَرْباً" مصدر واقع موقع الحال أي فراغ عليهم ضارباً، أو مصدر لفعل ذلك الفعل حال تقديره فراغ يَضْرِبُ ضَرْباً، أو ضمن راغ معنى "يضرب" وهو بعيد، و "باليَمِينِ" متعلق "بضَرْباً" إن لم تجعله مؤكداً وإلا فلعامله، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر وأن يراد بها القوة، فالباء على هذا للحال أي ملبساً بالقوة، وأن يراد بها الحَلِف وفاءً، بقوله: {أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} تفسير : [الأنبياء:57] والباء على هذا للسبب، وعدي "راغ" الثاني "بعلى" لما كان مع الضرب المستولي عليهم من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم، وأتى بضمير العقلاء في قوله: "عَلَيْهِمْ" جرياً على ظن عبدتها أنها كالعُقَلاَءِ. قوله (تعالى): "يَزِفُّونَ" حال من فاعل "أقْبَلُوا". و "إلَيْهِ" يجوز تعلقه بما قبله أو بما بعده، وقرأ حمزة يُزِقُّونَ. بضم الياء من أَزَفَّ. وله معنيان: أحدهما: أنه من أزف يُزِفّ أي دخل في الزفيف. وهو الإسراع، أو زِفاف العَرُوس، وهو المشى على هَيْئَةٍ؛ لأن القوم كانوا في طمأنينة من أمرهم، كذا قيل. وهذا الثاني ليس بشيء، إذ المعنى أنهم لما سمعوا بذلك بادروا مسرعين، فالهمزة على هذا ليست للتعدية. والثاني: أنه من أزَفَّ غَيْرَهُ أي حمله على الزفيف وهو الإسراع، أو على الزِّفَاف، وقد تقدم ما فيه، وباقي السبعة بفتح الياء من زفَّ الظليمُ يَزِفُّ أي عَدَا بسُرعة. وأصل الزفيف للنعام. وقرأ مجاهد وعبد الله بن يزيد والضحاك وابن أبي عبلة: يَزِفُونَ من وَزَفَ يَزِفُ أي أسرع إلا أنَّ الكِسائيَّ والفراءَ قالا لا نعرفها بمعنى زَفَّ. وقد عرفها غيرهما، قال مجاهد - وهو بعض من قرأ بها -: الوزيفُ النسلان، وقرىء: يُزَفُّونَ مبنياً للمفعول ويَزْفُونَ كَيرمُونَ من زَفَاهُ بمعنى حداه كأن بعضهم يَزْفُو بعضاً لتسارعهم إليه، وبين قوله: "فَأَقْبَلُوا" وقوله "فَرَاغَ عَلَيْهِمْ" جمل محذوفة يدل عليها الفَحْوى أي فبلغهم الخبر، فرجعوا من عيدهم ونحو هذا. قال ابن عرفة: من قرأ بالنصب فهو من زَفّ يَزِفُّ (ومن قرأ بالضم فهو من: أَزَفَّ يزف). قال الزجاج: يَزِفُون يسرعون، وأصله من زفيف النعامة وهو من أشدّ عَدْوِهَا. قوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} لما عاتبوا إبراهيمَ على كسر الأصنام ذكر لهم الدليل الدال على فساد عباتها فقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ووجه الاستدلال: أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبوداً البتة فإذا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه الآثار تصرفه فلو صار معبوداً عند ذلك لكان معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً إذا حصلت آثارُ تَصَرُّفَاتِهِ فيه صار معبوداً (إلى (ذلك))، وفساد ذلك معلوم ببديهة العقل. قوله: "وَمَا تَعْمَلُونَ" في "ما" هذه أربعة أوجه: أجودها: أنها بمعنى الذي أي وخلق الذي تصنعونه، فالعمل هنا التصوير والنحت نحو: عمل الصانع السِّوار الذي صَاغَه. ويرجح كونها بمعنى الذي تقدم "ما" قبلها فإنها بمعنى الذي أي أتعبدون الذي تنحتون والله خلقكم وخلق الذي تعملونـ(ـه) بالنحت. والثاني: أنها مصدرية أي خلقكم وأعمالكم، وجعلها الأشعريَّة دليلاً على خلق أفعال العباد لله تعالى وهو الحق، إلا أن دليل من هنا غير قوي لما تقدم من ظهور كونها بمعنى الذي، وقال مكي: يجب أن تكون ما والفعل مصدراً جيء به ليفيد أن الله خالقُ الأشياء كلها. وقال أيضاً: وهذا أليق لقوله: {أية : مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} تفسير : [الفلق:2] أجمع القراء على الإضافة فدل على أنه خالق الشر. وقد فَارَقَ عمرو بنُ عُبَيد الناس فقرأ مِنْ شَرٍّ بالتنوين ليثبت مع الله خالقين، وشنع الزمخشري على القائل هنا بكونها مصدريةً. والثالث: أنها استفهامية، وهو استفهام توبيخ، أي: (و) أيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ؟ الرابع: أنها نافية، أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم (لا) تعملون شيئاً، والجملة من قوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ} حال. ومعناها حسن أي أتبعدون الأصنام على حالة تُنَافِي ذلك وهي أن الله خالقكم وخالقهم جميعها، ويجوز أن تكون مستأنفة. فصل دلت الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ (ما) مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله: "وَمَا تَعْمَلُونَ" معناه وعملكم، وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم وخلق عملكم. فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أضاف العبادة والنحت إليهم إضافة الفِعل إلى الفاعل ولو كان ذلك دافعاً بتخليق الله لاستحال كونه فعلاً (للعبد). الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخاً لهم على عبادة الأصنام؛ لأنه تعالى لما ذكر هذه الآية بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام، والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق، فلما تركوا عبادته - سبحانه وتعالى - وهو خالقهم وعبدوا الأصنام لا جَرَمَ أنه سبحانه وبَّخَهُمْ على هذا الخطأ العظيم فقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ولو لم يكونوا فاعلين لأعمالهم لما جاز توبيخهم عليها سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم ولكن لا نسلم أنها حجة لكم فقولكم: لفظ ما مع ما بعدها في تقدير المصدر قلنا: ممنوع لأن سيبويه والأخفش اختلفا هل يجوز أن يقال: أعْجَبَنِي مَا قُمْتَ أي قيامُكَ، فجوزه سيبويه ومنعه الأخفش، وزعم أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي وذلك يدل على أن ما مع ما بعده في تقدير المفعول عند الأخفش سَلَّمنا أن ذلك قد يكون بمعنى المصدر لكنه أيضاً قد يكون بمعنى المفعول. ويدل عليه وجوه: الأول: قوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} والمراد بقوله: "ما تنحتون" المنحوت لا النحت لأنهم ما عبدوا النحت فوجب أن يكون المراد بقوله: "وَمَا تَعْمَلُونَ" المعمول لا العمل حتى يكون كُلُّ واحدٍ من هذين اللفظين على وَفْقِ الآخر. الثاني: أنه تعالى قال: {أية : فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} تفسير : [الأعراف:117] وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العُصيَّ والحبَال التي هي متعلقات ذلك الإفك فكذا ههنا. الثالث: إن العرب تسمي محلّ العمل عملاً، يقال في الباب والخاتم: هذا عملُ فُلانٍ والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه أن لفظ (ما) مع ما بعده كما يجيء بمعنى المصدر قد يجيء أيضاً بمعنى المفعول فكان حمله ههنا على المفعول أولى؛ لأن المقصود في الآية تزييفُ مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم لأن الذي جرى ذكره من أول الآية إلى هذا الموضع فهو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال. قال ابن الخطيب: و (اعلم أن) هذه (الـ)ـسُّؤَالاَتِ قوية فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية. قوله: {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً} لما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء (فقالوا: ابْنُوا (لَهُ) بُنْيَاناً) قال ابن عباس: بنوا حائِطاً من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرونَ ذارعاً وملأوه ناراً وطرحوه فيها وذلك هو قوله: {فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ} وهي النار العظيمة. قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم، والألف والَلام في الجحيم يدل على النهاية (والمعنى في جحيمه أي في جحيم ذلك البنيان. ثم قال تعالى: {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ }) والمعنى أن في وقت المحاجة حصلت الغلبة له وعندما ألقوه من النار صرف الله عنه ضَرَرَ النار فصار هو الغالب عليهم "وأرادوا كَيْداً" أي شواءً وهو أن يَحْرِقُوه {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} المقهورين من حيث سلم الله إبراهيم ورد كيدهم، ولمَّا انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} تفسير : [العنكبوت:26] والمعنى أهجر دار الكفر أي أذهب إلى موضع دين ربي، وقوله: "سَيَهْدِينِ" أي إلى حيث أمرني بالمصير إليه وهو الشام، وهذا يدل على أن الهداية لا تحصل إلاَّ من الله تعالى. ولا يمكن حمله على وضع الأدلَة وإزاحة الأعذار لأن ذلك كان حاصلاً في الزمان الماضي، قال مقاتل: فلما قَدِمَ الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} أي هب لي ولداً صالحاً، لأن لفظ الهِبَةِ غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} تفسير : [مريم:53].

البقاعي

تفسير : ولما كان لإبراهيم عليه السلام من التجرد عن النعوت البشرية والعلائق النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين من المصارحة بالمعارضة لقومه، والإبلاغ فيها بكسر الأوثان، وتوهية مذهب الكفران، والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران، حتى عن الدعاء بقلب أو لسان فناء عن جميع الأكوان، ثم الهجرة عن الأوطان، ثم بالخروج عن الأحباب والأخوان، بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان، الذي ليس به إنس ولا جان، ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان، ثم ببناء البيت ذوي الأركان، قبلة للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان، عما سوى الملك الديان، يصفون عند كل صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام، وكان موافقاً لنوح عليه السلام مع ما تقدم في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض الآن، وكان أشهر أمره في النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليه السلام في الماء، تلاه به فقال مؤكداً إظهاراً أيضاً لما له من الكرامة والمنزلة العالية في الإمامة، المقتضية للنشاط في الثناء عليه، المنبهة على ما ينبغي من إتمام العزم في متابعته، وتكذيباً لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من كان قبله: {وإن من شيعته} أي الذين خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم، في التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين {لإبراهيم *} ثم علق بمعنى المشايعة بياناً لما كانت به المتابعة قوله على تقدير سؤال من قال: متى شايعه؟ {إذ} أي حين {جاء ربه} أي المحسن في تربيته {بقلب سليم *} أي بالغ السلامة عن حب غيره، والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي لا شائبة فيه كما أن الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك، ثم أبدل من ذلك ما هو دليل عليه فقال: {إذ قال لأبيه} أي الذي هو أعظم الناس عنده وأجلهم في غينه وأعزهم لديه {وقومه} أي الذين لهم من القوة والجدود ما تهابهم به الأسود: {ماذا} أي ما الذي {تعبدون *} تحقيراً لأمرهم وأمر معبوداتهم منبهاً على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير مكترث بكثرتهم ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم. ولما لوح لهم بالإنكار، صرح فقال مقدماً للمفعول تخصيصاً: {أئفكاً} أي صرفاً للحق عن وجهه إلى قفاه. ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك، أبدل منه قوله: {آلهة} ثم حقر شأنهم بقوله: {دون الله} أي الذي لا كفوء له {تريدون *} ولما كان قد غلب عليه الشهود عند تحقيره لهم، سبب عن ذلك تهديداً على فعلهم عظيماً، فقال مشيراً إلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن العطب: {فما ظنكم} ولما كان كفران الإحسان شديداً، ذكرهم بإحسانه حافظاً لسياق التهديد بالإشارة إلى أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان فقال: {برب العالمين *} اي الذي توحد بخلق جميع الجواهر والأعراض وتربيتهم فهو مستحق لتوحيدهم إياه في عبادتهم، أتظنون أنه لا يعذبكم وقد صرفتم ما أنعم به عليكم إلى عبادة غيره، إشارة إلى إنكار تجويز مثل هذا، وأن المقطوع به أن محسناً لا يرضى بدوام إدرار إحسانه إلى من ينسبه إلى غيره.

القشيري

تفسير : يعني أَنَّ إبراهيم مِنْ شيعة نوح عليه السلام في التوحيد - وإنْ اختلفنا في فروع شرعيهما. {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}: لا آفة فيه. ويقال لديغ مِنَ المحبة. ويقال: سليم من محبة الأغيار. ويقال سليم من حُظوظ نفسه وإرادته. ويقال: مستسلم لله في قضائه واختياره.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان من شيعته} اى ممن شايع نوحا وتابعه فى اصول الدين {لابراهيم} وان اختلفت فروع شريعتيهما ويجوز ان يكون بين شريعتيهما اتفاق كلى او اكثرى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما من اهل دينه وعلى سنته او ممن شايعه على التصلب فى دين الله ومصابرة المكذبين وما كان بينهما الانبياء هود وصالح وكان بين نوح وابراهيم الفان وستمائة واربعون سنة. وفى بعض التفاسير ان الضمير عائد الى حضرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وان كان غير مذكور فابراهيم وان كان سابقا فى الصورة لكنه متابع لرسول الله فى الحقيقة ولذا اعترف بفضله ومدح دينه ودعا فيه حيث قال {أية : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} تفسير : الآية شعر : بيش آمدند بسى انبيا وتو كر آخر آمدى همه را بيشوا تويى خوان خليل هست نمكدان خوان تو برخوان اصطفا نمك انبيا تويى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (أَئِفكاً): مفعول له، و (آلهة): مفعول "تُريدون"، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكاً وزُوراً. وإنما قدَّم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدّم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكونَ "إفكاً" مفعولاً به، أي: أتريدون إفكاً. ثم فسّر الإفك بقوله: {آلهة دون الله} على أنها إفك في نفسها، أو: حالاً، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق جلّ جلاله: {وإِنَّ من شيعتهِ} أي: نوح {لإِبراهيمَ} أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلُّب في دين الله، ومصابرة المكذِّبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيَّان: هود، وصالح. {إِذْ جاء ربَّه}: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه {بقلبٍ سليمٍ} من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. {إِذْ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} "إذ": بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، {أئِفكاً آلهةً دون الله تريدون} أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكاً وزوراً وباطلاً. {فما ظَنُّكُم بربِّ العالمين} يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟ أو: أيّ شيء ظنكم بمَن هو حقيق بالعبادة؛ لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أَو أمنتم عذابه؟ الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميًّا حنيفيًّا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كلَّ ما عبده الناسُ من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجيء إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله؛ لاتصاله بالله. قال القشيري: "بقلب سليم" لا آفة فيه. ويقال: لديغٍ مِن محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كره الأصنام وما ترتب عليه، فقال: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي...}

الجنابذي

تفسير : {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ} اى ممّن شايع نوحاً فى الرّسالة واجراء احكام الله على العباد وتحمّل اذى القوم والصّبر على الابتلاء بهم {لإِبْرَاهِيمَ} هذا ظاهر الآية الشّريفة ويكون الشّيعة من المشايعه والاتّباع كما فسّرنا لفظها به، وعن الباقر (ع) يهنئكم الاسم، قيل وما هو؟ قال الشّيعة، قيل: انّ النّاس يعيّروننا بذلك، قال: اما تسمع قول الله تعالى {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} وقوله: {أية : فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} تفسير : [القصص:15] لكن قد ورد من طريق الخاصّة اخبارٌ كثيرة انّ المقصود انّ من شيعة علىّ (ع) ابراهيم (ع) وهذا ممّا يخصّ بفهمه من خوطب بالكتاب وسرّ ذلك، كما ورد عن الصّادق (ع) انّ الله لمّا خلق ابراهيم (ع) كشف له عن بصره فرأى الانوار الخمسة فقال: ما هذه الانوار؟ فقال الله تعالى: هذه نور محمّد (ص) وعلىّ (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) ورأى تسعة انوارٍ قد حفّوا بهم فقال: ارى تسعة انوار قد حفّوا بهم فقال: هؤلاء الائمّة (ع) من ولد علىّ (ع) وفاطمة (ع) وسمّاهم له، فقال ابراهيم: الهى وسيّدى ارى انواراً قد احدقوا بهم لا يحصى عددهم الاّ انت، قيل: يا ابراهيم هؤلاء شيعتهم شيعة امير المؤمنين (ع) فعند ذلك قال ابراهيم: اللّهمّ اجعلنى من شيعة امير المؤمنين (ع) قال، فقال تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ}. اعلم، انّ جميع الانبياء والمرسلين (ع) وجميع الاوصياء والصّالحين من جملة شيعة امير المؤمنين (ع) فانّه بعلويّته ومقام ولايته الكلّيّة امام الكلّ حتّى رسولنا الختمىّ (ص) من حيث رسالته لا من حيث ولايته فانّه (ص) متّحد مع علىّ (ع) من حيث ولايته كما مضى مكرّراً انّ الولاية الكلّيّة روح للنّبوّة والرّسالة كلّيّة كانت او جزئيّة وروح للولايات الجزئيّة تماماً، وعلى هذا يجوز ان يكون الشّيعة من شاع بمعنى اتّبع، ويجوز ان يكون من الشّعاع ويكون اصله شعّه بتشديد العين ثمّ خفّف بابدال العين الاوّل ياء كما فى احسست واحسيت.

اطفيش

تفسير : {وإن من شيعته} شيعة نوح اي جماعته التابعة له. {لإبراهيم} هو على دين نوح ومنهاجه وسننه قاله ابن عباس ويحتمل أن يكون المراد انه على دينه وان اختلفت الشرائع او انه طريقة في التصلب في الدين والمصابرة لمكذبيه لعنهم الله قيل ويجوز أن يكون بين شرائعهما اتفاق في أكثر الأشياء وان يكون بين شرائعهما اتفاق في الاشياء كلها وهو القول السابق. عن ابن عباس وكان بينهما من السنين الفان وستمائة واربعون سنة ومن الأنبياء هود وصالح.

اطفيش

تفسير : {وإنَّ من شِيعَتِه} أتباعه فى أصول الدين، والتصلب فى الدين، والمصابرة على عذاب المكذبين له {لإبْراهِيم} ولو اختلفنا فى بعض الفروع، وجوز أن يتفقا أيضا فى الفروع كلها أو جلها، وللأكثر حكم الكل، فيعم كونه من شيعته الفروع والأصول، وقيل: لم يرسل نوح إلا بالتوحيد ونحوه من العقائد، وبينهما من الأنبياء: هود وصالح وهما رسولان، وقيل: إن ساما نبى أيضا، وبين نوح وابراهيم ألف ومائة واثنتان وأربعون سنة، أو ألفان وستمائة وأربعون، ويضعف ما قيل إن الهاء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الكلام قبل على نوح، ولقلة كون المتقدم شيعة للمتأخر كقول الكميت الأصغر: شعر : ومالى إلا آل أحمد شيعة ومالى إلا مشعب الحق مشعب تفسير : وذكر قصة نوح وهو بعد آدم لأنه آدم الأصغر، والناس كلهم بعده منه، وذكر ابراهيم بعده، لأنه كآدم الثالث بالنسبة الى الأنبياء والرسل بعده، لأنهم من ذريته، وكان لوط كولده، وهو ابن أخته، وبين نوح وإبراهيم مناسبة فى التنجية، إذ نجاه الله من الغرق، ونجى ابراهيم من الحرق، فذكر بعده لذلك مع ما مر.

الالوسي

تفسير : {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ } أي ممن شايع نوحاً وتابعه في أصول الدين {لإِبْرٰهِيمَ } وإن اختلفت فروع شريعتيهما أو ممن شايعه في التصلب في دين الله تعالى ومصابرة المكذبين ونقل هذا عن ابن عباس، وجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق كلي أو أكثري وللأكثر حكم الكل، ورأيت في بعض الكتب ولا أدري الآن أي كتاب هو أن نوحاً عليه السلام لم يرسل إلا بالتوحيد ونحوه من أصول العقائد ولم يرسل بفروع. قيل: وكان بين إبراهيم وبينه عليهما السلام نبيان هود وصالح لا غير، ولعله أريد بالنبـي الرسول لا ما هو أعم منه، وهذا بناء على أن ساماً كان نبياً وكان بينهما على ما في «جامع الأصول» ألف سنة ومائة واثنتان وأربعون سنة، وقيل ألفان وستمائة وأربعون سنة. وذهب الفراء إلى أن ضمير {شِيعَتِهِ } لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والظاهر ما أشرنا إليه وهو المروي عن ابن عباس/ ومجاهد وقتادة والسدي، وقلما يقال للمتقدم هو شيعة للمتأخر، ومنه قول الكميت الأصغر بن زيد: شعر : وما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مشعب الحق مشعب تفسير : وذكر قصة إبراهيم عليه السلام بعد قصة نوح لأنه كآدم الثالث بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين بعده لأنهم من ذريته إلا لوطاً وهو بمنزلة ولده عليهما السلام، ويزيد حسن الإرداف أن نوحاً نجاه الله تعالى من الغرق وإبراهيم نجاه الله تعالى من الحرق.

ابن عاشور

تفسير : تخلص إلى حكاية موقف إبراهيم عليه السلام من قومه في دعوتهم إلى التوحيد وما لاقاه منهم وكيف أيده الله ونجّاه منهم، وقع هذا التخلص إليه بوصفه من شيعة نوح ليفيد بهذا الأسلوب الواحِد تأكيد الثناء على نوح وابتداءَ الثناء على إبراهيم وتخليد منقبة لنوح إن كان إبراهيم الرسول العظيم من شيعته وناهيك به. وكذلك جَمع محامد لإِبراهيم في كلمة كونه من شيعة نوح المقتضي مشاركته له في صفاته كما سيأتي، وهذا كقوله تعالى: {أية : ذرية من حملنا مع نوح}تفسير : [الإسراء:3]. والشيعة: اسم لمن يناصر الرجل وأتباعِه ويتعصب له فيقع لفظ شيعة على الواحد والجمع. وقد يجمع على شِيع وأشياع إذا أريد: جماعات كلُّ جماعة هي شيعة لأحد. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا من قبلك في شِيَع الأولين}تفسير : في سورة [الحجر: 10]، وعند قوله تعالى: {أية : وجعل أهلها شيعاً}تفسير : في سورة [القصص: 4]. وكان إبراهيم من ذرية نوح وكان دينه موافقاً لدين نوح في أصله وهو نبذ الشرك. وجعل إبراهيم من شيعة نوح لأن نوحاً قد جاءت رسل على دينه قبل إبراهيم منهم هود وصالح فقد كانا قبل إبراهيم لأن القرآن ذكرهما غير مرة عقب ذكر نوح وقبل ذكر لوط معاصر إبراهيم. ولقول هود لقومه: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاءَ من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف:69]، ولقول صالح لقومه: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد}تفسير : [الأعراف:74]، وقول شعيب لقومه: {أية : ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد}تفسير : [هود:89]. فجعل قوم لوط أقرب زمناً لقومه دون قوم هود وقوم صالح. وكان لوط معاصر إبراهيم فهؤلاء كلهم شيعة لنوح وإبراهيم من تلك الشيعة وهذه نعمة حادية عشرة. وتوكيد الخبر بـــ {إنّ} ولام الابتداء للردّ على المشركين لأنهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم وهذا كقوله تعالى: {أية : وما كان من المشركين}تفسير : [البقرة: 135]. و {إذ} ظرف للماضي وهو متعلق بالكون المقدَّر للجار والمجرور الواقعين خبراً عن {إنَّ} في قوله: {وإنَّ من شيعته لإبرٰهِيم}، أو متعلق بلفظ شيعة لما فيه من معنى المشايعة والمتابعة، أي كان من شيعته حين جاء ربه بقلب سليم كما جاء نوح، فذلك وقتُ كونه من شيعته، أي لأن نوحاً جاء ربه بقلب سليم. وفي {إذْ} معنى التعليل لكونه من شيعته فإن معنى التعليل كثير العروض لــــ{إذْ} كقوله تعالى: {أية : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}تفسير : [الزخرف:39]. وهذه نعمة على نوح وهي ثانية عشرة. والباء في {بِقَلبٍ سليمٍ} للمصاحبة، أي جاء معه قلب صفته السلامة فيؤول إلى معنى: إذ جاء ربه بسلامة قلب، وإنما ذكر القلب ابتداء ثم وصف بــــ {سليمٍ} لما في ذكر القلب من إحضار حقيقة ذلك القلب النزيه، ولذلك أوثر تنكير «قلب» دون تعريف. و {سَلِيمٍ}: صفة مشبهة مشتقة من السلامة وهي الخلاص من العلل والأدواء لأنه لما ذكر القلب ظهر أن السلامة سلامته مما تصاب به القلوب من أدوائها فلا جائز أن تعني الأدواء الجسدية لأنهم ما كانوا يريدون بالقلب إلا مقرّ الإِدراك والأخلاق. فتعين أن المراد: صاحب القلب مع نفسه بمثل طاعة الهوى والعجب والغرور، ومع الناس بمثل الكبر والحقد والحسد والرياء والاستخفاف. وأطلق المجيء على معاملته به في نفسه بما يرضي ربه على وجه التمثيل بحال من يجيء أحداً ملقياً إليه مَا طلبه من سلاح أو تحف أو ألطاف فإن الله أمره بتزكِية نفسه فامتثل فأشبه حال من دعاه فجاءه. وهذا نظير قوله تعالى: {أية : أجيبوا داعي الله}تفسير : [الأحقاف:31]. وقد جمع قوله: {بِقَلْبٍ سليمٍ} جوامع كمال النفس وهي مصدر محامد الأعمال. وفي الحديث: «حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»تفسير : . وقد حكي عن إبراهيم قوله: {أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}تفسير : [الشعراء: 88 - 89]، فكان عماد ملة إبراهيم هو المتفرّع عن قوله: {بقلب سليم}، وذلك جُماع مكارم الأخلاق ولذلك وصف إبراهيم بقوله تعالى: {أية : إن إبراهيم لحليم أواه منيب}تفسير : [هود: 75]، فكان منزهاً عن كل خلق ذميم واعتقاد باطل. ثم إن مكارم الأخلاق قابلة للازدياد فكان حظ إبراهيم منها حظاً كاملاً لعله أكمل من حظ نوح بناء على أن إبراهيم أفضل الرسل بعد محمد صلى الله عليه وسلم وادخر الله منتهى كمالها لِرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: «حديث : إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق»تفسير : ، ولذلك أيضاً وصفت ملة إبراهيم بالحنيفية ووصف الإِسلام بزيادة ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : بُعِثت بالحنيفية السمحة»تفسير : . وتعليق كونه من شيعة نوح بهذا الحِين المضاف إلى تلك الحالة كناية عن وصف نوح بسلامة القلب أيضاً يحصل من قوله: {وإنَّ من شيعتِه لإبرٰهِيم} إثبات مثل صفات نوح لإِبراهيم ومن قوله: {إذ جَاءَ ربَّهُ بقلْبٍ سليمٍ} إثبات صفة مثل صفة إبراهيم لنوح على طريق الكناية في الإثباتين، إلا أن ذلك أثبت لإِبراهيم بالصريح ويثبت لنوح باللزوم فيكون أضعف فيه من إبراهيم. و {إذ قال لأبيهِ} بدل من {من جاء ربه بقلب سليم} بدلَ اشتمال فإن قوله هذا لما نشأ عن امتلاء قلبه بالتوحيد والغضب لله على المشركين كان كالشيء المشتمل عليه قلبه السليم فصدر عنه. و {ماذا تعبدون} استفهام إنكاري على أن يعبدوا ما يعبدونه ولذلك أتبعه باستفهام آخر إنكاري وهو {أئِفكاً ءَالهَةً دونَ الله تريدون}. وهذا الذي اقتضى الإِتيان باسم الإِشارة بعد «ما» الاستفهامية الذي هو مُشرَب معنى الموصول المشار إليه، فاقتضى أن ما يعبدونه مشاهد لإِبراهيم فانصرف الاستفهام بذلك إلى معنىً دون الحقيقي وهو معنى الإِنكار، بخلاف قوله: {أية : إذْ قالَ لأبيهِ وقومهِ ما تعبدون}تفسير : في سورة [الشعراء: 70] فإنه استفهام على معبوداتهم ولذلك أجابوا عنه {أية : قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين}تفسير : [الشعراء: 71] وإنما أراد بالاستفهام هنالك التمهيد إلى المحاجّة فصوره في صورة الاستفهام لسماع جوابهم فينتقلَ إلى إبطاله، كما هو ظاهر من ترتيب حجاجه هنالك، فذلك حكاية لقول إبراهيم في ابتداء دعوته قومه، وأما ما هنا فحكاية لبعض أقواله في إعادة الدعوة وتأكيدها. وجملة {أئِفكاً ءَالهة دون الله تريدون} بيان لجملة {ماذا تعبدون} بين به مصبّ الإِنكار في قوله: {ماذا تعبدون} وإيضاحَه، أي كيف تريدون آلهة إفكاً. وإرادة الشيء: ابتغاؤه والعزم على حصوله، وحَقّ فعلها أن يتعدى إلى المعاني قال ابن الدمينة: شعر : تريدين قَتلي قد ظَفِرتتِ بذلك تفسير : فإذا عُدي إلى الذوات كان على معنى يتعلق بتلك الذوات كقول عمرو بن شاس الأسدي: شعر : أرادتْ عِراراً بالهوان ومن يُرِد عِراراً لعمري بالهوان فقد ظَلَم تفسير : فلذلك كانت تعدية فعل {تُريدونَ} إلى {ءَالهة} على معنى: تريدونها بالعبادة أو بالتأليه، فكان معنى {ءَالهة}دليلاً على جانب إرادتها. فانتصب {ءَالهةً} على المفعول به وقدم المفعول على الفعل للاهتمام به ولأن فيه دليلاً على جهة تجاوز معنى الفعل للمفعول. وانتصب {إفكاً} على الحال من ضمير {تُريدونَ} أي آفكين. والإِفك: الكذب. ويجوز أن يكون حالاً من آلهة، أي آلهة مكذوبة، أي مكذوب تأليهها. والوصف بالمصدر صالح لاعتبار معنى الفاعل أو معنى المفعول. وقدمت الحال على صاحبها للاهتمام بالتعجيل بالتعبير عن كذبهم وضلالهم. وقوله: {دُونَ الله} أي خلاف الله وغيره، وهذا صالح لاعتبار قومه عبدة أوثان غير معترفين بإلٰه غير أصنامهم، ولاعتبارهم مشركين مع الله آلهة أخرى مثل المشركين من العرب لأن العرب بقيت فيهم أثارة من الحنيفية فلم ينسوا وصف الله بالإِلٰهية وكان قوم إبراهيم وهم الكلدان يعبدون الكواكب نظير ما كان عَليه اليونان والقبط. وفرع على استفهام الإِنكار استفهام آخر وهو قوله: {فما ظنكم برب العالمين} وهو استفهام أريد به الإِنكار والتوقيف على الخطأ، وأريد بالظن الاعتقاد الخطأ. وسمي ظناً لأنه غير مطابق للواقع ولم يسمه علماً لأن العلم لا يطلق إلا على الاعتقاد المطابق للواقع ولذلك عرفوه بأنه: «صفة توجِب تمييزاً لا يحتمل النقيض» ولا ينتفي احتمال النقيض إلا متى كان موافقاً للواقع. وكثر إطلاق الظن على التصديق المخطىء والجهل المركب كما في قوله تعالى: {أية : إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}تفسير : في سورة [الأنعام: 116]. وقوله: {أية : إن الظن لا يغني من الحق شيئاً}تفسير : [يونس:36]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»تفسير : . والمعنى: أن اعتقادكم في جانب رب العالمين جهل منكَر. وفعل الظن إذا عدّي بالباء أشعر غالباً بظن غير صادق قال تعالى: {أية : وتظنون بالله الظنونا}تفسير : [الأحزاب:10] وقال: {أية : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم}تفسير : [فصلت:23]. ومنه إطلاق الظنين على المتهم فإن أصله: ظنين بِه، فحذفت الباء ووصل الوصف، وذلك أنه إذا عدي بالباء فالأكثر حذف مفعوله وكانت الباء للإِلصاق المجازي، أي ظن ظناً ملصقاً بالله، أي مدّعى تعلقه بالله وإنما يناسب ذلك ما ليس لائقاً بالله. وتقدمت الإِشارة إليه عند قوله تعالى: {أية : وتظنون بالله الظنونا}تفسير : في سورة [الأحزاب: 10]. والمعنى: فما ظنكم السيّىء بالله، ولما كان الظن من أفعال القلب فتعديته إلى اسم الذات دون إتباع الاسم بوصف متعينة لتقدير وصف مناسب. وقد حذف المتعلق هنا لقصد التوسع في تقدير المحذوف بكل احتمال مناسب تكثيراً للمعاني فيجوز أن تعتبر من ذاتِ ربّ العالمين أوصافُه. ويجوز أن يعتبر منها الكنهُ والحقيقة، فاعتبار الوصف على وجهين: أحدهما: المعنى المشتق منه الرب وهو الربوبية وهي تبليغ الشيء إلى كماله تدريجاً ورفقاً فإن المخلوق محتاج إلى البقاء والإِمداد وذلك يوجب أن يَشكر المُمَدّ فلا يصد عن عبادة ربه، فيكون التقدير: فما ظنكم أن له شركاء وهو المنفرد باستحقاق الشكر المُتَمثل في العبادة لأنه الذي أمدكم بإنعامه. وثانيهما: أن يعتبر فيه معنى المالكية وهي أحد معنيي الربّ وهو مستلزم لمعنى القهر والقدرة على المملوك، فيكون التقدير: فما ظنكم ماذا يفعل بكم من عقاب على كفرانه وهو مالِككم ومالك العالمين. وأما جواز اعتبار حقيقة رب العالمين وكنهه. فالتقدير فيه: فما ظنكم بكنهِ الربوبية فإنكم جاهلون الصفات التي تقتضيها وفي مقدمتها الوحدانية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإن من شيعته لإِبراهيم: وإن من أشياع نوح على ملته ومنهاجه إبراهيم الخليل عليهما السلام. إذ جاء ربه بقلب سليم: أي أتى ربّه بقلب سليم من الشرك والشك والالتفات إلى غير الرب سبحانه وتعالى. إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون؟: أي حين قال لأبيه وقومه المشركين أي شيء تعبدون؟ أئفكا آلهة دون الله تريدون؟: أي كذبا هو أسوأ الكذب تريدون آلهة غير الله؟ فما ظنكم برب العالمين: أي شيء هو؟ أترون أنه لا يسخط عليكم ولا يعاقبكم فتعبدون غيره وهو ربكم ورب العالمين. فنظر نظرة في النجوم: أي إيهاماً لهم إذ كانوا يؤلهون النجوم. فقال إني سقيم: أي عليل أي ذو سقم وهو المرض والعلة. فتولوا عنه مدبرين: أي رجعوا إلى ما هم فيه وتركوه قابلين عذره. فراغ إلى آلهتهم: أي مال إليها خفية. فراغ عليهم ضربا باليمين: أي بقوة يمينه فكسرها بفأس وحطمها. فأقبلوا إليه يزفُّون: أي يمشون بقوة وسرعة. ما تنحتون: من الحجارة والأخشاب والمعادن كالذهب والفضة. وما تعملون: أي وخلق ما تعبدون من أصنام وكواكب. فقالوا ابنوا له بنيانا: واملأوه حطبا وأضرموا فيه النار فإِذا التهب ألقوه فيه. فجعلناهم الأسفلين: أي المقهورين الخائبين في كيدهم إذ نجّى الله إبراهيم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى قصة نوح مقرراً بها نصرة أوليائه وخذلان أعدائه ذكر قصة أخرى هي قصة إبراهيم وهي أكبر موعظة لكفار قريش لأنهم ينتمون إلى إبراهيم ويدَّعون أنهم على ملته وملة ولده إسماعيل فلذا أطال الحديث فيها فقال سبحانه وتعالى {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} أي وإن من أشياع نوح الذين هم على ملته ومنهجه إبراهيم خليل الرحمن {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي إذ أتى ربّه بقلب سليم من الشرك والشك والالتفات إلى غير الربّ تعالى في الوقت الذي قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون، منكراً عليهم عبادة الصنام فلو كان في قلبه أدنى التفاتة إلى غيره طمعا أو خوفا ما أمكنه أن يقول الذي قال بل كان في تلك الساعة سليم القلب ليس فيه نظر لغير الله تعالى وقوله {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} أي أكذباً هو أسوأ الكذب تريدون آلهة غير الله حيث جعلتموها بكذبكم بألسنتكم آلهة وهي أحجار وأصنام. وقوله {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وقد عبدتم الكذب دونه إذ آلهتكم ما هي إلا كذب بحت. أترون أن الله لا يسخط عليكم ولا يعاقبكم؟ وقوله {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} هنا كلام محذوف دل عليه المقام وهو أن أهل البلد قد عزموا على الخروج إلى عيد لهم يقضونه خارج البلد، فعرضوا عليه الخروج معهم فاعتذر بقوله إني سقيم أي ذو سقم بعد أن نظر في النجوم موهماً لهم أنه رأى ما دله على أنه سيصاب بسقم وهو مرض الطاعون وكان القوم منجمين ينظرون إلى النجوم فيدعون أنهم يعرفون بذلك الخير والشرك الذي ينزل إلى الأرض بواسطة الكواكب فأوهمهم بذلك فتركوه خوفا من عدوى الطاعون، أو تركوه قبولا لعذره هذا ما دل عليه قوله تعالى {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ} أي لذلك ورجعوا إلى أمورهم وما هم عازمون عليه من الخروج إلى العيد خارج البلد وهو معنى فتولوا عنه مدبرين وهنا وقد خلا له المكان الذي فيه الآلهة من الحراس والعباد والزوار للآلهة في بهوها الخاص فنفذ ما حلف على تنفيذه في مناظرة كانت بينه وبين بعضهم إذ قال {أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} تفسير : [الأنبياء: 57] وبدأ المهمة فقال للآلهة وأنواع الأطعمة أمامها تلك الأطعمة من الحلويات وغيرها التي يتركها المشركون لتباركها الآلهة ثم يأكلونها رجاء بركتها {أَلا تَأْكُلُونَ} عارضا عليها الأكل سخريّة بها فلم تجبه ولم تأكل فقال لها {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} ثم انهال عليها ضرباً بفأس بيده اليمنى فكسرها وجعلها جذاذاً أي قطعاً متناثرة. فلما رجعوا من عيدهم مساء وجاءوا بَهْو الآلهة ليأخذوا الأطعمة وجدوا الآلهة مكسرة. {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} أي مسرعين بأن طلبوا من رجالهم إحضاره على الفور فأحضروه وأخذوا يحاكمونه فقال في دفاعه {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أي بأيديكم من أصنام بعضها من حجر وبعض من خشب ومن فضة ومن ذهب أيضا، {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} من كل عمل من أعمالكم فلم لا تعبدونه، وتعبدون أصناما لا تنفع ولا تضر، ولما غلبهم في الحجة وانهزموا أمامه اصدروا أمرهم بإِحراقه بالنار فقالوا {ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً} أي فرنا عظيما واملأوه حطبا وأضرموا فيه النار حتى إذا التهب فألقوه في جحيمه وهو معنى قوله تعالى {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ} وقوله تعالى {فَأَرَادُواْ} أي بإِبراهيم {كَيْداً} أي شرا وذلك بعزمهم على إحراقه وتنفيذهم ما عزموا عليه {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} أي المتهورين المغلوبين إذ قال تعالى للنار {أية : كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69] فكانت فخرج منها إبراهيم ولم يُحرق سوى كتافيه الذي في يديه ورجليه وخيب الله سعي المشركين وأذلهم أمام إبراهيم وأخزاهم وهو معنى قوله تعالى {أية : فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ} تفسير : [الأنبياء: 70] وقد جمع الله تعالى لهم بين الخسران في كل ما أملوه من عملهم والذي الذي ما فارقهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- أصل الدين واحد فالإِسلام هو دين الله الذي تعبد به آدم فمن بعده إلى محمد صلى الله عليه وسلم. 2- كمال إبراهيم في سلامة قلبه من الالتفات إلى غير الله تعالى حتى إن جبريل قد عرض له وهو في طريقه إلى الجحيم الذي أعده له قومه فقال [هل لك حاجة يا إبراهيم فقال أما إليك فلا]. 3- من أقبح الكذب ادعاء أن غير الله يعبد مع الله تبركا به أو طلبا لشفاعته. 4- وجوب تغيير المنكر عند القدرة عليه. 5- بيان ابتلاء إبراهيم وأنه أُلقي في النار فصبر، ولذا أكرمه ربّه بما سيأتي في السياق بيانه.

القطان

تفسير : من شيعته: من جماعته الذين ساروا على منهاجه. سليم: سالم من جميع العلل والآفات النفسية. أئفكاً: اكذبا. سقيم: مريض. راغ الى: مال اليهم سرا. وراغ عليهم: مال عليهم ضربا، وراغ لها معان اخرى. باليمين: بقوة وشدة. يزِفّون: يسرعون. وان من شيعة نوحٍ الذي ساروا على نهجه ابراهيمَ عليه السلام، اذ أقبل على ربه بقلبٍ طاهر خالٍ من كل سوء، وانكر على قومه وأبيه ما يعبدون من الاصنام، وقال لهم: اتعبدون آلهةً غير الله كذباً وزورا!. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} حى تعبدوا غيره من هذه الاصنام. {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ} ليستدل بها على خالق الكون، فوجدها متغيرة متحولة. {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} من هذ الاحوال ومن عبادة غير الله. فأعرض عنه قومه وتركوه. فذهب مستخفيا الى اصنامهم وسألهم مستهزئا فقال لهم: {أَلا تَأْكُلُونَ؟ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ}؟ لماذا لا تتكلمون؟. فمال عليهم بضربٍ شديد فكسّرهم حتى حطمهم جميعا. فأقبل قومه اليه مسرعين يعاتبونه على ما ارتكب في شأن آلهتهم. فقال لهم ابراهيم، موبخا لهم: أتعبدون ما تنحتونه بأيديكم من حجارة، واللهُ خلقكم وخلقَ ما تصنعون بأيديكم، أين عقولكم!! فلما أعجزتْهم الحيلةُ ولزمتْهُم الحجة قالوا: ابنوا له بنيانا، واملأؤه ناراً وألقوه فيها. لقد أرادوا ان يحرقوه وينتقموا منه، فأنجاه الله من النار بعد أن ألقوه فيها، {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ}. وقال ابراهيم لمّا يئس من ايمانهم: إني مهاجرٌ إلى ربي، وهو سيهديني إلى الخير والمقر الأمين. قراءات: قرأ حمزة: يزِفون بضم الياء. والباقون: يَزفون. وهما لغتان.

د. أسعد حومد

تفسير : {لإِبْرَاهِيمَ} (83) - وَكَانَ مِمَّنْ سَارَ عَلَى نَهْجِ نُوحٍ، وَاتَّبَعَ سَبِيلَهُ وَسُنَّتَهُ، إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ. مِنْ شِيعَتِهِ - مِمَّنْ شَايَعَهُ عَلَى مِلَّتِهِ وَمِنْهَاجِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 83] أي: أن إبراهيم - عليه السلام - كان من شيعة سيدنا نوح. يعني: من أتباعه الذين تابعوه، وساروا على منهجه. والشيعة هم الذين يُشايعون الإنسان على فكره فيؤمنون به، بل ويحاولون أنْ يحملوا دعوته إلى الناس معه، وأنْ يتحمَّلوا الأذى في سبيل ذلك، ومن هنا سُمِّيَتْ الشيعة المذهب المعروف الذين شايعوا الإمام عليّاً رضي الله عنه، وتعلمون طبعاً الفرق بين الشيعة والشيوعية. لكن، لماذا بدأ الحق سبحانه هنا موكبَ الرسل بنوح - عليه السلام - ثم تبعه بإبراهيم - عليه السلام؟ يقول سبحانه: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84] هذه هي العلة؛ لأن سلامة القلب هي الأساسُ في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناسَ عليها ابتداءً مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإنْ طرأ على هذه الفطرة فسادٌ فمن الإنسان. لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84] وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 88-89]. فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف. وتأمل كلمة {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ} [الصافات: 84] فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أنْ يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله. لذلك لما أراد الله تعالى أنْ يُعرِّف نبيه إبراهيمَ، وأنْ يُقدِّمه لمعشر الإيمان قال هذه البرقية الموجزة: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ..} تفسير : [النحل: 120]. تعلمون أن الحق سبحانه خلق المواهب ووزَّعها على الناس، فكلٌّ مِنَّا له موهبة في شيء ما، ذلك ليظلَّ الناسُ مترابطين ترابطَ حاجةٍ، فتحتاج لي وأحتاجُ لك، أما سيدنا إبراهيم فقد جمع وحاز كل المواهب التي في أمة كاملة، فالمعنى {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] يعني: حاز مواهب أمة. لذلك استحق - عليه السلام - أنْ يُريه الله ملكوتَ السماوات والأرض، فالناس جميعاً يكتفون بعالم المُلْك، أما هو فقد تجاوز هذا العَالَم إلى عالم الملكوت، لماذا؟ لأنه جرَّد نفسه عن شبهة اليقين بأحدٍ غيرِ الله، بدليل أنه لما أُلْقِى في النار وجاءه المَلَك يعرض عليه المساعدة: (ألكَ حاجة)؟ فيقول سيدنا إبراهيم بما لديه من رصيد الإيمان واليقين بالله (أما إليك فلا). يقولها في هذا الوقت العصيب، وهذا الكرب المُلِمّ. وقوله سبحانه: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ} [الصافات: 85] وهذه تُعَدُّ من سلامة القلب، لأنه أحبَّ شيئاً وسَعِد به، فأراد أنْ ينقله إلى غيره وأوَّلهم الأقارب، فهم أَوْلَى الناس بأنْ تُعدِّي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ} [الصافات: 85]. وكلمة (لأبيه) وردتْ في القرآن عشرَ مرات، واحد فقط منها لسيدنا يوسف - عليه السلام - في قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4] والتسع الباقيات لسيدنا إبراهيم بدايةً من سورة الأنعام إلى سورة الممتحنة، من هذه التسع موضع واحد جمع فيه بين الاسم العَلَم والوصف، فقال: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 74]. وفي الثمان الباقيات جاءت كلمة (لأبِيهِ) بدون ذكر آزر، فكأن كلمة آزر جاءتْ في هذا الموضع لِتُشْعرنا بشيء، هو أنك إذا جمعتَ بين الوصف والعَلَم، فلا بُدَّ أنْ يكون الوصفُ مشتركاً مع غير العَلَم، وضربنا لذلك مثلاً قُلْنا: إذا أردتَ أنْ تسألَ عن شخص، وقابلك ولده في الشارع تقول له: أبوك موجود؟ لأن هذا السؤال لا ينصرف إلا إلى أبيه الحقيقي، فإنْ قلتَ: أبوك محمد موجود؟ فإنك لا شكَّ تقصد عمه، لأنك مَيَّزته باسمه لإزالة الاشتراك في الأُبوّة. إذن: آزر لم يكُن الأب الحقيقي لسيدنا إبراهيم، إنما هو عمه، ولا غرابةَ في ذلك، فالقرآن يُسمِّي العم أباً في قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 133]. ومعلوم أن إسماعيل أخو إسحاق، ومع ذلك أدخله في جملة الآباء بالنسبة لسيدنا يعقوب، عليهم جميعاً الصلاة والسلام. وسيدنا إبراهيم في معرض دعوته لأبيه وقومه يسألهم هذا السؤال: {أية : مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 70] وفي موضع آخر: {مَاذَا تَعْبُدُونَ} [الصافات: 85] و {أية : مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 52]. وهنا: {مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} [الصافات: 85-86] وهذه كلها استفهام إنكاري، وقُلْنا: إن الاستفهام أقوى من الإخبار؛ لأن الإخبارَ يمكن أنْ يُكذَّب، أمَّا الاستفهام فيجعل الخصم يُقِرّ بالقضية، ولا يستطيع أنْ يُكذِّبها. والإفْك هو أقبح أنواع الكذب؛ لأن القُبْح في الكذب على مراحل، كيف؟ قالوا: ننظر في الموضوع الذي يكون فيه الكذب، فإنْ كان في الحقيقة العُلْيا في الذات الإلهية، فهو أقبح الكذب كمَنْ يدَّعِي لله شريكاً. فإنْ كان الكذب على البشر فهو بحسب مَنْ تكذب في حَقه، فمثلاً الذين اتهموا السيدة عائشة وخاضوا في عِرْضها سَمَّاهُ الله إفْكاً لشناعته وعِظَم منزلة مَنْ قيل في حَقِّه هذا الكذب، فقال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ..} تفسير : [النور: 11]. ومن معاني الإفك قَلْب الشيء على وجهه، وقَلْب الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53]. والمعنى: أتريدون آلهة إفكاً وكذباً دون الله {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 87] أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رَبُّ العالمين، ومثَالُ ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6]. لذلك قال أحد العارفين: كأن الحق سبحانه لقَّن الناسَ الجوابَ، فالذي غَرَّني بالله أنه كريم. والطُّرْفة هنا أن رجلاً رأى آخر يصلي صلاة على عَجَلٍ، ينقرها نقراً، فقال له: بالله لو عليك خمسة قروش لواحد، يصح أنك تعطيها له ممسوحة؟ فقال الرجل: والله، لو كان كريماً سيقبلها ولا ينظر فيها. فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق؛ لذلك قال سبحانه في أول البقرة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 28]. يعني: هذا أمر عجيب منكم، ومسألة لا يقبلها العقل. ثم بدأ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يُحقِّق قَوْلَ ربه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الأنعام: 75] وسبق أنْ فرَّقْنا بين المِلك والمُلك والملكوت.

الجيلاني

تفسير : {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ} أي: من جملة من شايعه في التوحيد والإيمان، بل من أجله من تابعه على أصول الدين ومعالم اليقين {لإِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 83] المتصف بكمال العلم والحلم والمعرفة واليقين وإن طال الزمان بينهما. قيل: كان بين نوح وإبراهيم - عليهم السلام - ألفان وستمائة وأربعونة سنة. اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84] سالم عن جميع الميول الباطلة والآراء الفاسدة. {إِذْ قَالَ} جدك إبراهيم الخليل، صلوات الرحمن عليه وسلامه {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} حين انكشف بالتوحيد الإلهي، وتمكن من مرتبة الشهود العيني والحقي، مستفهماً على سبيل الإنكار والتوبيخ؛ غيره على الله وإظهاراً لمقتضى الخلة: {مَاذَا تَعْبُدُونَ} [الصافات: 85] أي: لأي شيء تعبدون هذه الأصنام الباطلة العاطلة عن لوازم الألوهية والربوبية، أيها الجاهلون بتوحيد الله وبكمال أوصافه وأسمائه. {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} [الصافات: 86] أي: أتريدون أيها المعاندون أن تثبتوا آلهة متعددة سوى الله الواحد الأحد، الصمد القيوم المطلق، المستحق للألوهية والربوبية استحقاقاً ذاتياً ووصفياً على سبيل الإفك والمراء والكذب والافتراء؟!. {فَمَا ظَنُّكُم} أيها المجاهلون المكابرون {بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 87] أتظنون أن له شريكاً في الوجود، أو له نظيراً في الشهود وسواه موجود؟! والله ما ظنكم هذا إلا خيال باطل وزيغ زائل. وبعدما سمعوا منه ما سمعوا، انصرفوا عنه وأنكروا عليه وعلى ربه، فأراد عليه السلام أن يكايدهم في أصنامهم، ويخادع في كسرها، وقد قرب حيئنذ يوم عيدهم. وكان من عادتهم الإتيان بالقرابين والهدايا عند أصنامهم ومعابدهم، فيتقربون بها، ويتخذون منها أنواعاً من الأطعمة، فيطبخونها عنده في ليلة العيد، ثم يخرجون صبح العيد إلى الصحراء، فيتعيدون فيها بأجمعهم، ثم ينصرفون منها، فينزلون في معابدهم وعند أصنامهم، ويمهدون موائد كثيرة من الأطعمة المهيأة، فيأكلون منها ويتبركون بها، وكان عادتهم كذلك. ثم لما اجتمعوا على المعبد عند الأصنام، قالوا له: أخرج أنت أيضاً معنا غداً يا إبراهيم إلى الصحراء، نعيد فيها ونرجع {فَنَظَرَ} إبراهيم عليه السلام حينئذ {نَظْرَةً فِي} دفتر {ٱلنُّجُومِ} [الصافات: 88] وهم كانوا يعملون بالأحكام النجومية معتقدون لها، وهو عليه السلام مشهور بضبطها. {فَقَالَ إِنِّي} اليوم {سَقِيمٌ} [الصافات: 89] الآن، أو سأسقهم عن قريب بالطاعون، وهم قد يفرون من المطعون فرارهم من الأسد. {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ} وانصرفوا من عنده بعدما سمعوا منه القول الموحش {مُدْبِرِينَ} [الصافات: 90] رهباً ورغباً، فخرجوا من الغداة إلى الصحراء، ولم يخرج عليه السلام معهم. ثم لما بقي الأصنام خالياً عن الخدام، وقد طبخ عندها أنواع الطعام {فَرَاغَ} أي: مال وانصرف عليه السلام {إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ} أولاً على سيل التهكم والاستهزاء: {أَلا تَأْكُلُونَ} [الصافات: 91] أيها المعبودون من هذه الأطعمة المطبوخة المهيأة. ثم قال: {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} [الصافات: 92] أي: ما عرض ولحق لكم، لا تتكلمون معي أيتها الآلهة المستحقون للعبادة والرجوع في المهمات؟!. وبعدما استهزأ مع هؤلاء الأصنام الصم البكم الجامدين بما استهزأ {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ} أي: ضربهم {ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} [الصافات: 93] أي: بكمال القوة والغلظة، فكسَّرها تكسيراً، وفتت أجزاءها تفتيتاً. ثم لما أخبروا بانكسار أصنامهم وانفتاتها حين كانوا في الصحراء في معيدهم، ظنوا بأجمعهم، بل جزموا أنه ما فعل هذا بآلهتهم إلا إبراهيم {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ} عازمين جازمين على انتقامه ومقته {يَزِفُّونَ} [الصافات: 94] أي: يسرعون ويعدون ويتحيرون ويتبخترون. ثم لما وصلوا إليه حصروا عن التكلم معه من غاية غيظهم ونهاية زفرتهم؛ لسبقهم عليه السلام بالتكلم حيث {قَالَ} مقرعاً عليهم: {أَتَعْبُدُونَ} أيها الجاهلون الضالون {مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95] وتصنعون بأيدكم، وتعتقدونه إلهاً خالقاً موجداً، مظهراً لكم من كتم العدم، وتعبدونه ظلماً وزوراً، فمن أين يتأتى لهؤلاء الجمادات العاطلة لوازم الخلق والإيجاد والإظهار، أفلا تعقلون. بل {وَٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد، المستقل بالألوهية والربوبية {خَلَقَكُمْ} بالإرادة والاختيار {وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] أي: جميع أعمالكم وأفعالكم التي صدرت عنكم، ومن جملتها: صنعكم ونحتكم للأصنام والأوثان. ومن هذا ظهر أن جميع أفعال العباد مثل ذواتهم مستندة إلى الله أولاً وبالذات {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق: 37]. ثم لما سعموا منه عليه السلام ما سمعوا، وانصرفوا عن مقالته ومكالمته، وهموا العزم إلى قتله. {قَالُواْ} أي: بعضهم حين كانوا متشاورين في كيفية قتله بعدما أقر رأيهم عليه: {ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ} [الصافات: 97] أي: في النار المسعرة؛ حتى تنتقموا عن آلهتكم، فبنوا حائطاً من الحجر سمكه ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون، وملؤوه من الحطب، وأوقدوا فيه ناراً، فنفخوا فيها بالمنافخ حتى تسعرت، ثم طرحوه بالمنجنيق فيها. بالجملة: {فَأَرَادُواْ بِهِ} وقصدوا له {كَيْداً} لينتقموا عنه مستعلين عليه {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} [الصافات: 98] المقهورين، الخاسرين، الخائبين عما فعلوا معه عناية منَّا إياه وفضلاً وامتناناً عليه، حيث جعلناها له برداً وسلاماً وروحاً وريحاناً، فانقلبوا بعدما رأوا حاله في النار على هذا الوجه صاغرين محزونين، فجعلناهم الأسفلين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83-84] يشير إلى إبراهيم السر؛ فإنه من شيعة نوح الروح، وجاء ربه بقلب سليم عن تعلقات الكونين؛ {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} [الصافات: 85] آذر: النفس {وَقَوْمِهِ} [الصافات: 85]؛ أي: صفاتها، {مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً} [الصافات: 85-86] من الدنيا والهوى والشيطان {دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 86-87] أن يغفل عنكم أو لا يؤاخذكم بما كسبت أيديكم، أو يخالف قوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7 - 8]. وبقوله: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 88-89] يشير إلى نجوم شواهد الحق تعالى إذا طلعت من مشرق العناية، فنظر إليها إبراهيم السر فيرى بلمعان نورها أدنى التفاته إلى غير الله، فيتحقق عنده، وإن مزاج محبته وطلبه انحرف بقدر التفاته، {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ} [الصافات: 90] آذار النفس وصفاتها، {مُدْبِرِينَ} [الصافات: 90]، {فَرَاغَ} [الصافات: 91]؛ أي قال: {إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ} [الصافات: 91] من الدنيا والهوى والشيطان، {فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} [الصافات: 91-93] المؤيد بتأييد الله تعالى، فكسر الأصنام كلها {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات: 94] النفس وصفاتها، ويعاتبونه في كسر الأصنام، قال: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95] من أنواع الشهوات؛ أي: ما تتوهمون منها، {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] من أعمالكم ومتوهماتكم ومتخيلاتكم، {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً} [الصافات: 97] من الهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية، {فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 97]؛ جحيم الحرص والشهوة، {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} [الصافات: 98] بأن يحرقوه بنار الحرص والشهوة، {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} [الصافات: 98] بأن جعلنا نار الحرص والشهوة، برداً وسلاماً على إبراهيم السر، وقد علاهم بالعفة والقناعة وردَّ كيدهم. ثم أخبر عن ذهاب الخليل إلى باب الجليل بقوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]، يشير إلأى إبراهيم الروح أن الله لما ابتلاه بنمرود النفس، وقومه من صفات النفس، وقد رآهم على عبادة غير الله من أصنام الهوى، والشيطان ينفر عنهم وعن أذاهم وعن صحبتهم؛ لأنهم كانوا حيواني الصفات شيطاني الأوصاف، وكان هو ملكي الصفات رباني الأوصاف، ولهذا السر رد من أعلى عليين عالم الأرواح إلى أسفل الأشباح؛ ليتعلم السير من الأسفل إلى الأعلى، ويحصل الآن الذهاب إلى الله تعالى، ثم يضطره بإذية النفس وصفاتها إلى الرجوع إلى الحضرة، فلما بلغ سيره الربي وآل أمره إلى الردى، قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} يشير به إلى السير إلى الله تعالى، وبقوله: {سَيَهْدِينِ} يشير إلى السير بالله في الله. وبقوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] يشير إلى أنك كما وهبت لي نفساً من المفسدين هب لي قلباً من الصالحين، وهو الذي قال: "حديث : إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، ألا وهي القلب ". تفسير : {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101]، فهو القلب السليم الحليم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ } إلى آخر القصة. أي: وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى اللّه، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام. { إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من تصور الحق، والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليما، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في اللّه، وبدأ بأبيه وقومه فقال: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } هذا استفهام بمعنى الإنكار، وإلزام لهم بالحجة. { أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ } أي: أتعبدون [من دونه] آلهة كذبا، ليست بآلهة، ولا تصلح للعبادة، فما ظنكم برب العالمين، أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره؟ وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب على الإقامة على شركهم. وما الذي ظننتم برب العالمين، من النقص حتى جعلتم له أندادا وشركاء. فأراد عليه السلام، أن يكسر أصنامهم، ويتمكن من ذلك، فانتهز الفرصة في حين غفلة منهم، لما ذهبوا إلى عيد من أعيادهم، فخرج معهم. { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } في الحديث الصحيح: "لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله { إِنِّي سَقِيمٌ } وقوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } وقوله عن زوجته "إنها أختي" والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم. { فَـ } لهذا { تَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ } فلما وجد الفرصة. { فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ } أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، { فَقَالَ } متهكما بها { أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ } أي: فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات، التي تأكل أو تكلم؟ فهذه جماد لا تأكل ولا تكلم. { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } أي: جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه يرجعون. { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } أي: يسرعون ويهرعون، أي: يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا: {أية : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ }. تفسير : وقيل لهم: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } تفسير : يقول: {أية : تَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } تفسير : فوبخوه ولاموه، فقال: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ } تفسير : الآية. و { قَالَ } هنا: { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } أي: تنحتونه بأيديكم وتصنعونه؟ فكيف تعبدونهم، وأنتم الذين صنعتموهم، وتتركون الإخلاص للّه؟ الذي { خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا } أي: عاليا مرتفعا، وأوقدوا فيها النار { فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ } جزاء على ما فعل، من تكسير آلهتهم. { فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } ليقتلوه أشنع قتلة { فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ } رد اللّه كيدهم في نحورهم، وجعل النار على إبراهيم بردا وسلاما. { وَ } لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم، { قال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي } أي: مهاجر إليه، قاصد إلى الأرض المباركة أرض الشام. { سَيَهْدِينِ } يدلني إلى ما فيه الخير لي، من أمر ديني ودنياي، وقال في الآية الأخرى: {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا }. تفسير : { رَبِّ هَبْ لِي } ولدا يكون { مِنَ الصَّالِحِينَ } وذلك عند ما أيس من قومه، ولم ير فيهم خيرا، دعا اللّه أن يهب له غلاما صالحا، ينفع اللّه به في حياته، وبعد مماته، فاستجاب اللّه له وقال: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ } وهذا إسماعيل عليه السلام بلا شك، فإنه ذكر بعده البشارة [بإسحاق، ولأن اللّه تعالى قال في بشراه بإسحاق {أية : فَبَشَّرْنَاهَا] بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } تفسير : فدل على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف اللّه إسماعيل، عليه السلام بالحلم ، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى. { فَلَمَّا بَلَغَ } الغلام { مَعَهُ السَّعْيَ } أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنا يكون في الغالب، أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته، فقال له إبراهيم عليه السلام: { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } أي: قد رأيت في النوم والرؤيا، أن اللّه يأمرني بذبحك، ورؤيا الأنبياء وحي { فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى } فإن أمر اللّه تعالى، لا بد من تنفيذه، { قَالَ } إسماعيل صابرا محتسبا، مرضيا لربه، وبارا بوالده: { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } أي: [امض] لما أمرك اللّه { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } أخبر أباه أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة اللّه تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة اللّه تعالى. { فَلَمَّا أَسْلَمَا } أي: إبراهيم وابنه إسماعيل، جازما بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالا لأمر ربه، وخوفا من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانت عليه في طاعة ربه، ورضا والده، { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } أي: تل إبراهيم إسماعيل على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه، لئلا ينظر وقت الذبح إلى وجهه. { وَنَادَيْنَاهُ } في تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش: { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ } أي: قد فعلت ما أمرت به، فإنك وطَّنت نفسك على ذلك، وفعلت كل سبب، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلقه { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادتنا، المقدمين رضانا على شهوات أنفسهم. { إِنَّ هَذَا } الذي امتحنا به إبراهيم عليه السلام { لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ } أي: الواضح، الذي تبين به صفاء إبراهيم، وكمال محبته لربه وخلته، فإن إسماعيل عليه السلام لما وهبه اللّه لإبراهيم، أحبه حبا شديدا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب متعلقة بالمحبوب، فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، أراد تعالى أن يصفي وُدَّه ويختبر خلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبه حب ربه، فلما قدّم حب اللّه، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه، فلهذا قال: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } أي: صار بدله ذبح من الغنم عظيم، ذبحه إبراهيم، فكان عظيما من جهة أنه كان فداء لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانا وسنة إلى يوم القيامة. { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ } أي: وأبقينا عليه ثناء صادقا في الآخرين، كما كان في الأولين، فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام، فإنه [فيه] محبوب معظم مثني عليه. { سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ } أي: تحيته عليه كقوله: {أية : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى }. تفسير : { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه، ومعاملة خلقه، أن نفرج عنهم الشدائد، ونجعل لهم العاقبة، والثناء الحسن. { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } بما أمر اللّه بالإيمان به، الذين بلغ بهم الإيمان إلى درجة اليقين، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }. تفسير : { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } هذه البشارة الثانية بإسحاق، الذي من ورائه يعقوب، فبشر بوجوده وبقائه، ووجود ذريته، وكونه نبيا من الصالحين، فهي بشارات متعددة. { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ } أي: أنزلنا عليهما البركة، التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر اللّه من ذريتهما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذرية إسماعيل، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذرية إسحاق. { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ } أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم الذي تبين ظلمه، بكفره وشركه، ولعل هذا من باب دفع الإيهام، فإنه لما قال: { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إسحاق } اقتضى ذلك البركة في ذريتهما، وأن من تمام البركة، أن تكون الذرية كلهم محسنين، فأخبر اللّه تعالى أن منهم محسنا وظالما، واللّه أعلم.

همام الصنعاني

تفسير : 2544- أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ}: [الآية: 83]، قال: على دينه.