٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
ابن كثير
تفسير : إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك؛ ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاماً هو حق في نفس الأمر، فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم، يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يلهيهم به، فقال: {إِنِّى سَقِيمٌ} أي: ضعيف، فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى؛ قوله: {إِنِّى سَقِيمٌ} وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} وقوله في سارة: هي أختي» تفسير : فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا ولما، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزاً، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني؛ كما جاء في الحديث: «حديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : في كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى: { فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ} وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} وقال للملك حين أراد امرأته: هي أختي» تفسير : قال سفيان: في قوله: {إِنِّى سَقِيمٌ} يعني: طعين، وكانوا يفرون من المطعون، فأراد أن يخلو بآلهتهم، وكذا قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ } فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج، فقال: إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: رأى نجماً طلع، فقال: {إِنِّى سَقِيمٌ} كابد نبي الله عن دينه { فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ}. وقال آخرون: { فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ} بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني: مرض الموت، وقيل: أراد {إِنِّى سَقِيمٌ} أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى، وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: {إِنِّى سَقِيمٌ} وجعل ينظر في السماء، فلما خرجوا، أقبل إلى آلهتهم فكسرها. ورواه ابن أبي حاتم، ولهذا قال تعالى: { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} أي: إلى عيدهم، {فَرَاغَ إِلَىٰ ءَالِهَتِهِمْ} أي: ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء، {فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاماً قرباناً لتبرّك لهم فيه. وقال السدي: دخل إبراهيم عليه السلام إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً، ووضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع، وقد باركت الآلهة في طعامنا، أكلناه، فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: { أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } وقوله تعالى: { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} قال الفراء: معناه: مال عليهم ضرباً باليمين. وقال قتادة والجوهري: فأقبل عليهم ضرباً باليمين. وإنما ضربهم باليمين؛ لأنها أشد وأنكى، ولهذا تركهم جذاداً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. وقوله تعالى ههنا: { فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} قال مجاهد وغير واحد: أي: يسرعون، وهذه القصة ههنا مختصرة، وفي سورة الأنبياء مبسوطة؛ فإنهم لما رجعوا، ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي فعل ذلك. فلما جاؤوا ليعاتبوه، أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أي: أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟ { وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، فيكون تقدير الكلام: خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر، لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني عن مروان بن معاوية عن أبي مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً قال: «حديث : إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته» تفسير : وقرأ بعضهم: { وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة، عدلوا إلى أخذه باليد والقهر، فقالوا: {ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ} وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونجاه الله من النار، وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ } إيهاماً لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فنظر نظرة في النجوم} فيها أربعة تأويلات: أحدها: أنه رأى نجماً طالعاً، فعلم بذلك أن له إلهاً خالقاً، فكان هذا نظره في النجوم، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنها كلمة من كلام العرب إذا تفكر الرجل في أمره قالوا قد نظر في النجوم، قاله قتادة. الثالث: أنه نظر فيما نجم من قولهم، وهذا قول الحسن. الرابع: أن علم النجوم كان من النبوة، فلما حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فنظر إبراهيم فيها [كان] علماً نبوياً، قاله ابن عائشة. وحكى جويبر عن الضحاك أن علم النجوم كان باقياً إلى زمن عيسى ابن مريم عليه السلام حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه فقالت لهم مريم من أين علمتم موضعه؟ قالوا: من النجوم، فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم فوهمهم في علمها فلا يعلم علم النجوم أحد، فصار حكمها في الشرع محظوراً وعلمها في الناس مجهولاً. قال الكلبي وكانوا بقرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمزجرد وكانوا ينظرون في النجوم. {فقال إني سقيم} فيه سبعة تأويلات: أحدها: أنه استدل بها على وقت حمى كانت تأتيه. الثاني: سقيم بما في عنقي من الموت. الثالث: سقيم بما أرى من قبح أفعالكم في عبادة غير الله. الرابع: سقيم لشكه. الخامس: لعلمه بأن له إلهاً خالقاً معبوداً، قاله ابن بحر. السادس: لعلة عرضت له. السابع: أن ملكهم أرسل إليه أن غداً عيدنا فاخرج، فنظر إلى نجم فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقمي، فتولوا عنه مدبرين، قاله عبد الرحمن بن زيد قال سعيد بن المسيب: كابد نبي الله عن دينه فقال إني سقيم. وقال سفيان: كانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلوا بآلهتهم فقال: إني سقيم أي طعين وهذه خطيئته التي قال اغفر لي خطيئتي يوم الدين وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لم يكذب إبراهيم غير ثلاث: ثنتين في ذات الله عز وجل قوله إني سقيم، وقوله بل فعله كبيرهم هذا، وقوله في سارة هي أختي ". تفسير : {فراغ إلى ءَالَهِتِهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: ذهب إليهم، قاله السدي. الثاني: مال إليهم، قاله قتادة. الثالث: صال عليهم، قاله الأخفش. الرابع: أقبل عليهم، قاله الكلبي وقطرب، وهذا قريب من المعنيين المتقدمين. {فقال ألا تأكلون} فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك استهزاء بهم، قاله ابن زياد. الثاني: أنه وجدهم حين خرجوا إلى عيدهم قد صنعوا لآلهتهم طعاماً لتبارك لهم فيه فلذلك قال للأصنام وإن كانت لا تعقل عنه الكلام احتجاجاً على جهل من عبدها. وتنبيهاً على عجزها، ولذلك قال: {ما لكم لا تنطقون}. {فراغ عليهم ضرباً باليمين} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يده اليمنى. قاله الضحاك، لأنها أقوى والضرب بها أشد. الثاني: باليمين التي حلفها حين قال {وتالله لأكيدن أصنامكم} حكاه ابن عيسى. الثالث: يعني بالقوة، وقوة النبوة أشد، قاله ثعلب. {فأقبلوا إليه يزفون} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يخرجون، قاله ابن عباس. الثاني: يسعون، قاله الضحاك. الثالث: يتسللون، حكاه ابن عيسى. الرابع: يرعدون غضباً، حكاه يحيى بن سلام. الخامس: يختالون وهو مشي الخيلاء، وبه قال مجاهد، ومنه أخذ زفاف العروس إلى زوجها، وقال الفرزدق: شعر : وجاء قريع الشول قَبل إفالها يزفّ وجاءت خَلْفه وهي زفّف تفسير : قوله عز وجل: {والله خلقكم وما تعملون} فيه وجهان: أحدهما: أن الله خلقكم وخلق عملكم. الثاني: خلقكم وخلق الأصنام التي عملتموها. {فأرادوا به كيداً} يعني إحراقه بالنار التي أوقدوها له. {فجعلناهم الأسفلين} فيه أربعة أوجه: أحدها: الأسفلين في نار جهنم، قاله يحيى. الثاني: الأسفلين في دحض الحجة، قال قتادة: فما ناظروه بعد ذلك حتى أهلكوا. الثالث: يعني المهلكين فإن الله تعالى عقب ذلك بهلاكهم. الرابع: المقهورين لخلاص إبراهيم من كيدهم. قال كعب: فما انتفع بالنار يومئذٍ أحد من الناس وما أحرقت منه يومئذٍ إلا وثاقه. وروت أم سبابة الأنصارية عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثها أن "حديث : إبراهيم لما ألقي في النار كانت الدواب كلها تطفىء عنه النار إلا الوزغة فإنها كانت تنفخ عليها" تفسير : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النُّجُومِ} رأى نجماً طالعاً [ فقال {إِنِّى سَقِيمٌ} قاله سعيد بن المسيب] أو هي كلمة للعرب تقول لمن نظر في أمره وتفكر قد نظر في النجوم قاله قتادة، أو نظر فيما نجم من قومه، أو كان علم النجوم من علم النبوة فلما حبست الشمس على يوشع بن نون أبطل الله ذلك فنظر إبراهيم فيها وكانت علماً نبوياً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ} رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إليه فَدَعَوْا إبراهيمَ ـــ عليه السلام ـــ إلى الخروجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حينَئِذٍ، واعتَذَرَ بِالسُّقْمِ، وأرادَ البَقَاءَ لِيُخَالِفَهُمْ إلى الأصْنَامِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُّجُومِ كانَ عندَهم مَنْظُوراً فِيه مُسْتَعْمَلاً؛ فأوْهَمَهُم هو من تلكَ الجهة، قالت فرقة: وقوله: {إِنِّى سَقِيمٌ} مِنَ المعَارِيضِ الجَائِزَةِ.
البقاعي
تفسير : ولما أفهم السياق شدة عداوته صلى الله عليه وسلم، وكان الله تعالى قد أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض المسائل الظنية لا سيما البحرانات في أنواع الأسقام، وكان أهل تلك البلاد وهم الكسدانيون كما تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وكما دلت عليه كتب الفتوحات - من أشد الناس نظراً في النجوم والاستدلال بها على أحوال هذا العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون، وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر الأصنام ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك، قال تعالى حاكياً عنه مشيراً إلى ذلك بالتسبب عما مضى: {فنظر نظرة} أي واحدة {في النجوم *} حين طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم موهماً لهم أنه استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له، لأنهم ربما أنكروا كونه مريضاً إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه {فقال} أي عقب هذه النظرة موهماً أنها سببه. ولما كان بدنه صحيحاً فكان بصدد أن يتوقف في خبره، أكد فقال: {إني سقيم *} فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه مريض القلب يسبب آلهتهم، مقسم الفكر في أمرهم لأنه يريد أمراً عظيماً وهو كسرها، ومادة "سقم" بتقاليبها الخمسة: سقم سمق قسم قمس مقس، تدور على القسم، فالسقام كسحاب وجبل وقفل: المرض، أي لأنه يقسم القوة والفكر، وقال ابن القطاع: سقم: طاولة المرض. وقسمه جزأه، والدهر القوم: فرقهم، والقسم - بالكسر: النصيب والقسم أي بالفتح: العطاء، ولا يجمع، والرأي والشك والعيب والماء والقدر والخلق والعادة، ويكسر فيهما، والتفريق ظاهر في ذلك كله، أما العطاء فيفرق المال ويقسمه، والرأي يقسم الفكر, والشك كذلك, والعيب يقسم العرض, والماء في غاية ما يكون من سهولة القسم، والقدر يفصل صاحبه من غيره، وكذا الخلق والعادة، والمقسم كمعظم: المهموم - لتوزع فكره، والجميل - لأنه يقسم القول في وصفه، والقسم محركة: اليمين بالله، وقد أقسم، أي أزال تقسيم الفكر، والقسامة: الحسن - لأنه يوزع فكر الناظر, وجونة العطار - كذلك لطيب ريحها, والقسام - كسحاب: شدة الحر - لأنها تزعج الفكر فتقسمه، أو هو أول وقت الهاجرة أو وقت ذرور الشمس، وهي حينئذ أحسن ما تكون مرآة - فينقسم الفكر فيها لحسنها إذ ذاك وما يطرأ عليها بعده. والقمس: الغوص - لأن الغائص قسم الماء بغوصه، والقمس أيضاً اضطراب الولد في البطن لأنه يقسم الفكر، ويكاد أن يقسم البطن باضطرابه، والقاموس: معظم البحر - لأن البحر قسم الأرض، ومعظمه أحق بهذا الاسم، والقوامس: الدواهي - لتقسيمها الفكر، وانقمس النجم: غرب، أي أخذ قسمه من الغروب كما أخذه من الشروق، أو أزال التقسيم بالسير، ومقسه في الماء: غطه - فانقسم الماء بغمسه فيه، والقربة: ملأها، فصير فيها من الماء ما يسهل قسمه، وأخذه الماء الذي وضعه فيها تقسيم للماء المأخوذ منه، ومقس الشيء: كسره، والماء: جرى - فانقسم وقسم الأرض، وهو يمقس الشعر كيف شاء، أي بقوله فيقسمه من باقي الكلام، والتقميس في الماء: الإكثار من صبه، فإن ذلك تقسيم له، وسمق سموقاً: علا وطال فصار بطوله يقبل من القسمة ما لا يقبله ما هو دونه. ولما فهموا عنه ظاهر قوله، وظنوا فيه ما يظهر من حاله، ولكنهم لم يسعهم لعظمته فيهم إلا التسليم، تركوه فقال تعالى مسبباً عن قوله مشيراً إلى استبعادهم مرضه بصيغة التفعل: {فتولوا} أي عالجوا أنفسهم وكلفوها أن انصرفوا {عنه} إلى محل اجتماعهم وإقامة عيدهم وأكد المعنى ونص عليه بقوله: {مدبرين *} أي إلى معبدهم فخلا له الوقت من رقيب {فراغ} أي ذهب في خفية برشاقة وخفة، ونشاط وهمة، قال البيضاوي: وأصله الميل بحيلة {إلى آلهتهم} أي أصنامهم التي زعموها آلهة، وقد وضعوا عندها طعاماً، فخاطبها مخاطبة من يعقل لجعلهم إياها بذلك في عداد من يعقل {فقال} منكراً عليها متهكماً بها ظاهراً وموبخاً لقومه حقيقة: {ألا تأكلون *} ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال: {ما} أي أيّ شيء حصل {لكم} في أنكم {لا تنطقون *}. ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطناً من الحجة فقال: {فراغ} أي سبب عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعلياً {عليهم} بغاية النشاط والخفة والرشاقة يضربهم {ضربا باليمين *} أي بغاية القوة، وجعل السياق للمصدر إشارة إلى قوة الهمة بحيث صار كله ضرباً. ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ظنوا فيه لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدنها فأتوه، أخبر عن ذلك بقوله مسبباً: {فأقبلوا} ودل على أنه من مكان بعيد بقوله: {إليه يزفون *} أي يسرعون، وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلاتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملاً يحملهم فيها على الإسراع وقاهراً يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من الوجد. ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم، وكان تشوف النفس إلى جوابه أكثر، استأنف الخبر عنه في قوله: {قال} غير هائب لهم ولا مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكراً عليهم: {أتعبدون} وندبهم بالمضارع إلى التوبة والرجوع إلى الله، وعبر بأداة ما لا يعقل كما هو الحق فقال: {ما تنحتون *} أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير الله فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم. ولما كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة، وكان الإيجاد من أعظم النعم، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها إلى ما صارت إليه من الشكل، قال تعالى مبيناً أنه هو وحده خالقهم وخالق أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في الخلق فلا مدخل لها في العبادة: {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا كفوء له {خلقكم} أي أوجدكم على هذه الأشكال {وما تعملون *} أي وخلق عملكم ومعمولكم، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني، ومعلوم أنه لا يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}[88-89] قال: وحكي عن محمد بن سوار عن أبي عمرو بن العلاء قال: معناه نظر إلى النبات، كقوله: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن:6] وأراد بالنجم ما لا ساق له من النبات، وبالشجر ما له ساق.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: إنى سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. قال بعضهم: إنى سقيم القلب لفوت مرادى من خليلى فإن الحبيب أبدًا يكون سقيم القلب فى القرب والبعد وأنشد: شعر : وما فى الدهر أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيـًا فى كـل وقت لخوف تفرق أو لاشتيـاق فيبكى إن ناءوا شوقا إليهم ويبكى إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينـه عند التنائى وتسخن عينه عند التـلاق تفسير : وقال: إنى سقيم شائق إلى لقاء الحبيب. وقال الواسطى - رحمة الله عليه -: السقم طبع الحيوان كلها ومن كان آخره الموت فهو سقيم ومعناه سقيم القلب فى قضاء حقوق الله عز وجل وأقبح الأشياء بالعبد سقم الإرادة وهو قلة الصفاء فى المعاملات. قال فارس: إنى سقيم القلب إن وافقتكم على أعمالكم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}. قيل أراد "إلى" النجوم فأقام "في" مقامَ "إلى". {إِنِّي سَقِيمٌ}: كانت تأتيه الحمَّى في وقت معلوم، فقال: قرُبَ الوقتُ الذي أسقم فيه مَنْ أخذِ الحمَّى إياي، فكأنه تعلل بذلك ليتأخرَ عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم لتمشية ما كان في نَفْسه من كسر الأصنام. ويقال كان ذلك من جملة المعاريض. وقيل أرى من نفسه موافقة قَوْلهم في القول بالنجوم لأنهم كانُوا يقولون بالنجوم، فتأخر بهذا السبب عنهُم. وكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أنَّ اللَّهَ - عزّ وجلّ - قد عرّفه بطريق الوحي أنه يخلق - سبحانه - باختياره أفعالاً عند حركات الكواكب. ثم لمَّا ذَهبوا إلى عيدهم كَسَّرَ أصنامهم، فلمَّا رجعوا قالوا ما قالوا، وأجابَهُمْ بما أجابهم به إلى قوله: قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ}. رَدّ اللَّهُ كيدهُم إلى نُحورهم. وقد تعرَّضَ له جبريلُ - عليه السلام - وهُوَ في الهواء وَقَد رُمي من المنجنيق فعرَضَ عليه نفسه قائلاً: هل مِنْ حاجة؟ فأجابَ: أَمَّا إليكَ... فلا!
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ} لما طلب القوم من الخليل عليه السّلام المطايبة والعيش النفسانى من قلة معرفتهم بحاله فاخرج غرايب معانى العشق والمحبة فى صورة العلم التى يكون حجة عليهم وامتناعه من صحبتهم لانسه بالله فحكى الحق سبحانه عنه فنظر نظرة فى النجوم وهذا اشارة يعنى طالع انجم الصفات التى يطلع من مشارق الذات اى شاهد جمال القدم واستغرق فى بحر المحبة فاخبر عن الام لدغات حية المحبة المودة التى اسقمته بدائه {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} سقيم مشاهدة الازل ومريض جمال الابد ولا اقدر ان اشتغل بسورة وافى اطلب مداواة سقمى ممن اسقمنى شعر : قد لسغت حية الهوى كبدى بلا طبيب لها ولا راقى الا الحبيب الذى شغفت به فعنده رقيتى وترياقى تفسير : قال ابن عطا انى سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الاصنام قال بعضهم انى سقيم القلب لفوت مرادى من خليلى فان الحبيب ابدا سقيم القلب فى القرب والبعد وانشد شعر : وما فى الدهر اشقى من محب وان وجد الهوى حلو المذاق تاره باكيا فى كل عين مخافة فرقة الاشتياق فيبكى ان ناؤا شوقا اليهم ويبكى ان دنوا خوف الفراق فنحن عينه عند السّبانى وسخن عينه غند التلاقى تفسير : وقيل انى سقيم شائق الى لقاء الحبيب.
اسماعيل حقي
تفسير : {فنظر} ابراهيم {نظرة فى النجوم} جمع نجم وهو الكوكب الطالع اى فى علمها وحسابها اذ لو نظر الى النجوم انفسها لقال الى النجوم وكان القوم يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه واعتل فى التخلف عن عيدهم اى عن الخروج معهم الى معبدهم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَنَظَر} إبراهيم {نظرةً في النجوم} وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون؛ لئلا ينكروا عليه تخلُّفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سَقِمَ مَن نظر إليه، فاعتلّ عليهم؛ لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قَدِمُوا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: {إِني سقيمٌ} إني مشارف للسقم ـ وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ـ ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقًّا ثم نُسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرّض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام مِعْراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: مَنْ في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيمُ بشيء من الكذب، وإنما عرّض. وأيضاً: إنما كان لمصلحة، وقد أُبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: "حديث : ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه؛ قوله: {إِني سقيم} ، وقوله: {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". تفسير : قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. {فتولوا عنه مدبرين} أعرضوا عنه مولين الأدبار، {فراغَ إِلى آلهتهم} فمال إليها سرًّا، وكانت اثنين وسبعين صنماً من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، {فقال} لها، استهزاء: {ألا تأكلون} من الطعام الذي وُضع عندكم، {ما لكم لا تنطقون}؟ والجمع بالواو والنون؛ لأنه خاطبها خطاب مَن يعقل. {فَرَاغَ عليهم} فمال إليهم سرًّا، فضربهم {ضرباً باليمين} أي: ضرباً شديداً بالقوة؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدّهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: {أية : وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم}تفسير : [الأنبياء: 57]. {فأقبلوا إِليه} إلى إبراهيم {يَزِفُّونَ}: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء مَن لم يره قال لمَن رآه: {أية : مَن فَعَلَ هَذَا بِئَالِهَتِنَآ} تفسير : [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تفسير : [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: {قال أتعبدون ما تنحتون}: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ {واللهُ خلقكم وما تعملون} أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: "ما" مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلِمَ تعبدون غيره؟!. {قالوا ابْنُوا له} أي: لأجله {بُنياناً} من الحجر، طوله ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرون ذراعاً، {فَأَلْقُوه في الجحيم} في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطباً، وأضرموه ناراً، {فأَرادوا به كيداً} بإلقائه في النار، {فجعلناهم الأسفلين} المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالماً، فعلاهم بالحُجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا؛ لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. {أية : وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} تفسير : [الأنبياء:70]. الإشارة: كلُّ عبدٍ مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تَرْكَنُ إليه نفسُه من حظٍّ، أو هوىً، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتلٌ لك، فإن ركنتَ إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويتَ إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأيّ حيلة لك، وأيّ قوة معك؟ فارضنَا لك ربًّا حتى نرضاك لنا عبداً. هـ. ولا بأس أن يتعلّل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلّل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها تُوافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: شعر : فاحتلْ على النفس فرُبّ حيله أنفع في النصرة من قبيله تفسير : ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي...}.
الجنابذي
تفسير : فرأى نظراتها.
الالوسي
تفسير : أي فتأمل نوعاً من التأمل في أحوالها وهو في نفس الأمر على طرز تأمل الكاملين في خلق السمٰوات والأرض وتفكرهم في ذلك إذ هو اللائق به عليه السلام لكنه أوهمهم أنه تفكر في أحوالها من الاتصال والتقابل ونحوهما من الأوضاع التي تدل بزعمهم على الحوادث ليرتب عليه ما يتوصل به إلى غرضه الذي يكون وسيلة إلى إنقاذهم مما هم فيه، والظاهر بعد اعتبار الإيهام أنه إيهام التفكر في أحكام طالع ولادته عليه السلام وما يدل عليه بزعمهم ما تجدد له من الأوضاع في ذلك الوقت، وهذا من معاريض الأفعال نظير ما وقع في قصة يوسف عليه السلام من تفتيش أوعية إخوته بني علاته قبل وعاء شقيقه فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أن الصاع ليس فيها وأخر تفتيش وعاء أخيه مع علمه بأنه فيها تعريضاً بأنه لا يعرف في أي وعاء هو ونفياً للتهمة عنه لو بدأ بوعاء الأخ.
ابن عاشور
تفسير : مفرع على جملة {أية : إذ قال لأبيه وقومه}تفسير : [الصافات: 85] تفريع قصص بعطف بعضها على بعض. والمقصود من هذه الجمل المتعاطفة بالفاءات هو الإِفضاء إلى قوله {فَراغَ إلى آلهتهم}وأما ما قبلها فتمهيد لها وبيان كيفية تمكنه من أصنامهم وكسرها ليظهر لعبدتها عجزها. وقال ابن كثير في «تفسيره» «قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم، يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يُلهيهم به» ا هـــ. وفي «تفسير القرطبي» عن الخليل والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في شيء يدبره: نظر في النجوم، أي أنه نظر في النجوم، مما جرى مجرى المثل في التعبير عن التفكير لأن المتفكر يرفع بصره إلى السماء لئلا يشتغل بالمرئيات فيخلو بفكره للتدبر فلا يكون المراد أنه نظر في النجوم وهي طالعة ليلاً بل المراد أنه نظر للسماء التي هي قرار النجوم وذكر النجوم جرى على المعروف من كلامهم. وجنح الحسن إلى تأويل معنى النجوم بالمصدر أنه نظر فيما نجم له من الرأي، يعني أن النجوم مصدر نجَم بمعنى ظهر. وعن ثعلب: نظر هنا تفكر فيما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم ليدبر حجة. والمعنى: ففكر في حيلة يخلو له بها بدّ أصنامهم فقال: {إني سقيمٌ} ليلزم مكانه ويفارقوه فلا يريهم بقاؤه حول بدّهم ثم يتمكن من إبطال معبوداتهم بالفعل. والوجه: أن التعقيب الذي أفادته الفاء من قوله: {فنظَرَ} تعقيب عرفي، أي لكل شيء نحسبه فيفيد كلاماً مطوياً يشير إلى قصة إبراهيم التي قال فيها: {إني سقيم} والتي تفرع عليها قوله تعالى: {أية : فراغ إلى أهله}تفسير : [الذاريات: 26] الخ. وتقييد النظرة بصيغة المرة في قوله: {نظرةً}إيماء إلى أن الله ألهمه المكيدة وأرشده إلى الحجة كما قال تعالى: {أية : ولقد آتينا إبراهيم رشده}تفسير : [الأنبياء: 51]. وقوله: {إني سقيمٌ} عذر انتحله ليتركوه فيخلو ببيت الأصنام ليخلص إليها عن كثب فلا يجد من يدفعه عن الإيقاع بها. وليس في القرآن ولا في السنة بيان لهذا لأنه غني عن البيان. وذكر المفسرون أنه اعتذر عن خروجه مع قومه من المدينة في يوم عيد يخرجون فيه فزعم أنه مريض لا يستطيع الخروج فافترض إبراهيم خروجهم ليخلو ببدّ الأصنام وهو الملائم لقوله: {فتولوا عنه مُدبرينَ}. والسقيم: صفة مشبهة وهو المريض كما تقدم في قوله: {أية : بقلبٍ سليمٍ}تفسير : [الصافات: 84]. يقال: سَقِم بوزن مرِض، ومصدره السَّقم بالتحريك، فيقال: سقام وسقم بوزن قُفْل. والتولي: الإِعراض والمفارقة. لم ينطق إبراهيم فإن النجوم دلته على أنه سقيم ولكنه لما جعل قوله: {إني سقيمٌ} مقارناً لنظره في النجوم أوهم قومه أنه عرف ذلك من دلالة النجوم حسب أوهامهم. و {مُدبرينَ} حال، أي ولَّوه أدبارهم، أي: ظهورهم. والمعنى: ذهبوا وخلفوه وراء ظهورهم بحيث لا ينظرونه. وقد قيل: إن {مُدْبرينَ} حال مؤكدة وهو من التوكيد الملازم لفعل التولي غالباً لدفع توهّم أنه تولّي مخالفة وكراهة دون انتقال. وما وقع في التفاسير في معنى نظره في النجوم وفي تعيين سقمه المزعوم كلام لا يمتع بين موازين المفهوم، وليس في الآية ما يدل على أن للنجوم دلالة على حدوث شيء من حوادث الأمم ولا الأشخاص ومن يزعم ذلك فقد ضلّ ديناً، واختل نظراً وتخميناً. وقد دوّنوا كذباً كثِيراً في ذلك وسموه علم أحكام الفلك أو النجوم. وقد ظهر من نظم الآية أن قوله: {إني سقيمٌ} لم يكن مرضاً ولذلك جاء الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذَبات اثنتين منهن في ذات الله عزّ وجلّ »تفسير : قوله: {إني سقيم}، وقوله: {أية : بل فعله كبيرهم هذا}تفسير : [الأنبياء: 63]، وبينَا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فسأله عن سارة فقال: «هي أختي» الحديث، فورد عليه إشكال من نسبة الكذب إلى نبيء. ودفع الإِشكال: أن تسمية هذا الكلام كذباً منظور فيه إلى ما يُفهمه أو يعطيه ظاهر الكلام وما هو بالكذب الصراح بل هو من المعاريض، أي أني مثل السقيم في التخلف عن الخروج، أو في التألم من كفرهم وأن قوله: «هي أختي» أراد أخوّةَ الإِيمان، وأنه أراد التهكم في قوله: {أية : بل فعله كبيرهم هذا}تفسير : [الأنبياء: 63] لظهور قرينة أن مراده التغليط. وهذه الأجوبة لا تدفع إشكالاً يتوجه على تسمية النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام بأنه كذبات. وجوابه عندي: أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ، ولا المجازُ، ولا التهكّم، فكان ذلك عند قومه كذباً وأن الله أذِن له فعل ذلك وأعلمه بتأويله كما أذن لأيوب أن يأخذ ضغثاً من عِصيّ فيضرب به ضربةً واحدة ليُبرّ قسَمَه إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب عليه السلام. وفعل «راغ» معناه: حاد عن الشيء، ومصدره الرَّوغ والروغان، وقد أطلق هنا على الذهاب إلى أصنامهم مخاتلة لهم ولأجل الإِشارة إلى تضمينه معنى الذهاب عدّي بــــ {إلى}. وإطلاق الآلهة على الأصنام مراعىً فيه اعتقاد عبدتها بقرينة إضافتها إلى ضميرهم، أي إلى الآلهة المزعومة لهم. ومخاطبة إبراهيم تلك الأصنام بقوله: {ألا تأكلونُ ما لكم لا تَنطقونَ} وهو في حال خلوة بها وعلى غير مسمع من عَبَدَتِها قصد به أن يثير في نفسه غضباً عليها إذ زعموا لها الإِلٰهية ليزداد قوة عزم على كسرها. فليس خطاب إبراهيم للأصنام مستعملاً في حقيقته ولكنه مستعمل في لازمه وهو تذكرُّ كذب الذين ألَّهوها والذين سَدَنوا لها وزعموا أنها تأكل الطعام الذي يضعونه بين يديها ويزعمون أنها تكلمهم وتخبرهم. ولذلك عقب هذا الخطاب بقوله: {فراغَ عليهم ضرباً باليمينِ}. وقد استعمل فعل (راغ) هنا مضمّناً معنى (أقبل) من جهة مائلة عن الأصنام لأنه كان مستقبلها ثم أخذ يضربها ذات اليمين وذات الشمال نظير قوله تعالى: {أية : فيميلون عليكم}تفسير : [النساء: 102]. وانتصب {ضَرْباً باليمين} على الحال من ضمير {فراغَ} أي ضارباً. وتقييد الضرب باليمين لتأكيد {ضَرْباً} أي ضرباً قوياً، ونظيره قوله تعالى: {أية : لأخذنا منه باليمين}تفسير : [الحاقة: 45] وقول الشماخ:شعر : إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد تَلقَّاها عَرابَةُ باليمين تفسير : فلما علموا بما فعل إبراهيم بأصنامهم أرسلوا إليه من يُحضره في ملئِهم حول أصنامهم كما هو مفصّل في سورة الأنبياء وأجمل هنا. فالتعقيب في قوله: {فأقبلوا إليه} تعقيب نسبي وجاءه المرسلون إليه مسرعين {يزفون} أي يعْدون، والزَّف: الإِسراع في الجري، ومنه زفيف النعامة وزفها وهو عَدْوها الأول حين تنطلق. وقرأ الجمهور {يَزِفُّونَ} بفتح الياء وكسر الزاي على أنه مضارع زفّ. وقرأه حمزة وخلف بضم الياء وكسر الزاي، على أنه مضارع أزفّ، أي شرعوا في الزفيف، فالهمزة ليست للتعدية بل للدخول في الفعل، مثل قولهم: أَدنف، أي صار في حال الدنف، وهو راجع إلى كون الهمزة للصيرورة. وجملة {قال أتعبدون ما تَنْحِتون} استئناف بيانيّ لأن إقبال القوم إلى إبراهيم بحالة تنذر بحنقهم وإرادة البطش به يثير في نفس السامع تساؤلاً عن حال إبراهيم في تلقّيه بأولئك وهو فاقد للنصير معرَّض للنكال فيكون {قال أتعبدون ما تنحتون} جواباً وبياناً لما يسأل عنه، وذلك منبىء عن رباطة جأش إبراهيم إذ لم يتلق القوم بالاعتذار ولا بالاختفاء، ولكنه لقِيهم بالتهكّم بهم إذ قال: {أية : بل فعله كبيرهم هذا}تفسير : كما في سورة [الأنبياء: 63]. ثم أنحى عليهم باللائمة والتوبيخ وتسفيه أحْلامهم إذ بلغوا من السخافة أن يعبدوا صوراً نحتوها بأيديهم أو نحتها أسلافهم، فإسناد النحت إلى المخاطبين من قبيل إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها كقولهم: بَنو أسد قتلوا حُجْر بنَ عَمْرو أبا امرىء القيس. والنحت: بري العُود ليصير في شكل يُراد، فإن كانت الأصنام من الخشب فإطلاق النحت حقيقة، وإن كانت من حجارة كما قيل، فإطلاق النحت على نقشها وتصويرها مجاز. والاستفهام إنكاري والإِتيان بالموصول والصلة لما تشتمل عليه الصلة من تسلط فعلهم على معبوداتهم، أي أن شأن المعبود أن يكون فاعلاً لا منفعلاً، فمن المنكر أن تعبدوا أصناماً أنتم نحتموها وكان الشأن أن تكون أقلّ منكم. والواو في {والله خلقكم وما تعملون} واو الحال، أي أتيتم منكراً إذ عبدتم ما تصنعونه بأيديكم والحال أن الله خلقكم وما تعملون وأنتم مُعرِضون عن عبادته، أو وأنتم مشركون معه في العبادة مخلوقاتٍ دونكم. والحال مستعملة في التعجيب لأن في الكلام حذفاً بعد واو الحال إذ التقدير: ولا تعبدون الله وهو خلقكم وخلق ما نحتموه. و {ما} موصولة و {تَعملُونَ} صلة الموصول، والرابط محذوف على الطريقة الكثيرة، أي وما تعملونها. ومعنى {تعملون} تنحتون. وإنما عدل عن إعادة فعل {تنحتون} لكراهية تكرير الكلمة فلما تقدّم لفظ {تَنْحِتُونَ} علم أن المراد بــــ {ما تعملون} ذلك المعمول الخاص وهو المعمول للنحت لأن العمل أعمّ. يقال: عملت قميصاً وعملتُ خاتماً. وفي حديث صنع المنبر «حديث : أرسل رسوُل الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار أنْ مُري غلامك النجّارَ يعمَلْ لي أعواداً أُكلّم عليها الناس»تفسير : . وخلق الله إياها ظاهر، وخلقه ما يعملونها: هو خلق المادة التي تصنع منها من حجر أو خشب، ولذلك جمع بين إسناد الخلق إلى الله بواو العطف، وإسنادِ العمل إليهم بإسناد فعل {تعملُونَ}. وقد احتج الأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على أن تكون {ما} مصدرية أو تكون موصولة، على أن المراد: ما تعملونه من الأعمال. وهو تمسك ضعيف لما في الآية من الاحتمالين ولأن المقام يرجح المعنى الذي ذكرناه إذ هو في مقام المحاجّة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله فالأولى المصير إلى أدلة أخرى.
د. أسعد حومد
تفسير : (88) - فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ، وَأَطَالَ الفِكْرَ فِيما هُوَ فِيهِ مَعَ قَوْمِهِ عَبَدَةِ الأَصْنَامِ. (وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَنْ تَفَكَّرَ وَأَطَالَ التَّفْكِيرَ نَظَرَ فِي النُّجُومِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ} [الصافات: 88] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم. فقوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ} [الصافات: 88] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 75-79]. إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض. إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية .. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه. وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس. لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} [الصافات: 90] أي: انصرفوا وتركوه. {فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} [الصافات: 91] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ. وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها {فَقَالَ} [الصافات: 91] أي: للآلهة {أَلا تَأْكُلُونَ} [الصافات: 91] فلم يُجيبوا، فقال: {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} [الصافات: 92] قالها سخريةً واستهزاءً بهم. بعد ذلك مال عليهم ضرباً {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} [الصافات: 93] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الصافات: 28] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات: 94] أي: مسرعين. فلما رآهم {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95-96] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه. إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟ وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم: {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ} معناه في السَّماءِ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [88-89] 453 - أخبرنا الربيعُ بن محمد بن عيسى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شيبانُ أبو معاوية، قال: حدَّثنا قتادةُ، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ (يقول): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجمعُ اللهُ المؤمنين يوم القيامةِ، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فينطلقون، حتى يأتوا آدم [عليه السلامُ] فيقولون: يا آدمُ أنت (أبو الناسِ)، خلقك اللهُ بيده، ونفخ فيك من روحهِ، وأسجد لك ملائكتهُ، وعلَّمك أسماء كُل شيءٍ، فاشفع لنا عند ربك حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيقول: إني لستُ هُناكم، ويذكر خطيئتهُ التي أصاب من أكل الشجرةِ، ولكن ائتوا نُوحاً [عليه السلام]؛ فإنهُ أولُ رسولٍ بعثهُ اللهُ/ فيأتون نوحاً، فيقول: إني لستُ هُناكم، ويذكر خطيئتهُ التي أصاب من سُؤالهِ ربهُ ما ليس له به علمٌ، ولكن ائتوا إبراهيم [عليه السلام] خليل الرحمنِ، فيأتون إبراهيم، فيقولُ: إني لستُ هُناكم، ويذكر كَذِباتِهِ الثلاث: قوله {إِنِّي سَقِيمٌ}، وقوله {[بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} [الأنبياء: 63] وقوله لسارة حين أتي علي الجبارِ: أخبري أني أخوكِ، فإني سأُخبرُ أنا أنكِ أُختي؛ فإنا أخوانِ في كتاب اللهِ، ليس في الأرض مُؤمنٌ ولا مؤمنةٍ غيرنا، ولكن ائتوا موسى [عليه السلام]، الذي كلَّمهُ الله، وأعطاه التوراة، فيأتون موسى عليه السلام، فيقول: إني لست هُناكم، ويذكر خطيئتهُ التي أصاب من قِبَلِ الرجلِ، ولكن ائتوا عيسى [عليه السلامُ]، عبد الله ورسولهُ، من كلمةِ اللهِ ورُوحِهِ، فيأتون عيسى، فيقول: إني لستُ هُناكم، ولكن ائتوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - عبداً غفر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبهِ وما تأخَّرَ، قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيأتوني، فأستأذِنُ على رَبِّي، فيؤذنُ لي عليه، فإذا رأيتُ ربِّي، وقعتُ/ ساجداً، فيدعُني ما شاء (اللهُ) أن يَدَعَنِي، ثم يقولُ [لِيَ] ارفع رأسكَ يا محمد، قل تُسمع، واشفع تُشفع، وسلْ تُعطه. فأرفع رأسي فأحمدُ ربِّي بحمدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثم أشفعُ، فيحُدُّ لِي حداً فأُخرِجُهُ من النار وأُدخلهُ الجنة، ثم أعودُ إلى ربِّي الثانيةَ، فأخِرُّ ساجداً، فيقولُ لي مثل ذلك، فأرفع رأسي، فيحُدُّ لي حداً فأخرِجُهُ من النار وأُدْخِلُهُ الجنةَ، ثم أعود إلى ربِّي الثالثة، فأخِرُّ لهُ ساجداً، فيقولُ لي مثل ذلك، فأرفع رأسي، فيجعلُ لي حداً فأُخرجُهُ من النارِ، ثم أعود الرابعة فأقولُ: يا ربِّ، ما بقي في النارِ إلاَّ من حَبَسَهُ القُرأَنُ، فيقولُ: أي وجب عليه الخلودُ . تفسير : قال قتادةُ: وهوَ المقامُ المحمودُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):