٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } أي وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم، ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد، أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون، أو إنه بمعنى الحدث فإن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيها من حذف أو مجاز. {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ } في النار الشديدة من الجحمة وهي شدة التأجج، واللام بدل الإِضافة أي جحيم ذلك البنيان. {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم. {فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأسْفَلِينَ } الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهاناً نيراً على علو شأنه، حيث جعل النار عليه برداً وسلاماً. {وَقَالَ إِنّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّي } إلى حيث أمرني ربي وهو الشام، أو حيث أتجرد فيه لعبادته. {سَيَهْدِينِ } إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله، أو البناء على عادته معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه الصلاة والسلام حين {أية : قَالَ عَسَىٰ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء ٱلسَّبِيلِ }تفسير : [القصص: 22] فلذلك ذكر بصيغة التوقع. {رَبّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة، يعني الولد لأن لفظ الهبة غالبة فيه ولقوله: {فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } بشره بالولد وبأنه ذكر يبلغ أوان الحلم، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ويكون حليماً وأي حلم مثل حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال {سَتَجِدُنِي إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }. وقيل ما نعت الله نبياً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام، وحالهما المذكورة بعد تشهد عليه. {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْي } أي فلما جَّد وبلغ أن يسعى معه في أعماله، و {مَعَهُ } متعلق بمحذوف دل عليه {ٱلسَّعْي } لا به لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا يبلغ فإن بلوغهما لم يكن معاً كأنه لَمَّا قال: {فَلَمَّا بَلَغَ ٱلسَّعْي } فقيل مع من فقيل {مَعَهُ }، وتخصيصه لأن الأب أكمل في الرفق والاستصلاح له فلا يستسعيه قبل أوانه، أو لأنه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة. {قَالَ يَـا بَُنَيَّ } وقرأ حفص بفتح الياء. {إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره، وقيل إنه رأى ليلة التروية أن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روى أنه من الله أو من الشيطان، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره وقال له ذلك، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر، والأظهر أن المخاطب إسمعيل عليه السلام لأنه الذي وهب له أثره الهجرة ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام، ولقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : أنا ابن الذبيحين»تفسير : . فأحدهما جده إسمعيل والآخر أبوه عبد الله، فإن جده عبد المطلب نذر أن يذبح ولداً إن سهل الله له حفر زمزم أو بلغ بنوه عشرة، فلما سهل أقرع فخرج السهم على عبد الله ففداه بمائة من الإِبل، ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقاً، وما روي حديث : أنه عليه الصلاة والسلام سئل أي النسب أشرف فقال: يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل اللهتفسير : فالصحيح أنه قال: فقال: «حديث : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»تفسير : والزوائد من الراوي. وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء فيهما. {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } من الرأي، وإنما شاوره فيه وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله فيثبت قدمه إن جزع، ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله، وقرأ حمزة والكسائي «مَاذَا تُرِىٰ» بضم التاء وكسر الراء خالصة، والباقون بفتحها وأبو عمرو يميل فتحة الراء وورش بين بين والباقون بإخلاص فتحها. {قَالَ يَـا أَبَتِ } وقرأ ابن عامر بفتح التاء. {ٰ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ } أي ما تؤمر به فحذفا دفعة، أو على الترتيب كما عرفت أو أمرك على إرادة المأمور به والإِضافة إلى المأمور، أو لعله فهم من كلامه أنه رأى أنه يذبحه مأموراً به، أو علم أن رؤيا الأنبياء حق وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بأمر، ولعل الأمر في المنام دون اليقظة لتكون مبادرتهما إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص، وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا. {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على الذبح أو على قضاء الله، وقرأ نافع بفتح الياء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } من نحتكم ومنحوتكم، فاعبدوه وحده، وما مصدرية، وقيل موصولة، وقيل موصوفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله خلقكم} حال من فاعل تعبدون مؤكدة للانكار والتوبيخ اى والحال انه تعالى خلقكم والخالق هو الحقيق بالعبادة دون المخلوق {وما تعملون} اى وخلق ما تعملونه من الاصنام وغيرها فان جواهر اصنامهم ومادتها بخلقه تعالى وشكلها وان كان بفعلهم لكنه باقدار الله تعالى اياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعى والعدد والاسباب فلم يلزم ان يكون الشئ مخلوقا لله تعالى ومعمولا لهم وظهر من فحوى الآية ان الافعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للعباد حسبما قالته اهل السنة والجماعة وبالاكتساب يتعلق الثواب والعقاب: قال المولى الجامى شعر : فعل ماخواه زشت وخواه نكو يك بيك هست آفريده او نيك وبد كرجه مقتضاى قضاست اين خلاف رضا وآن برضاست
الجنابذي
تفسير : ما تصنعون من الاصنام وغيرها فانّ موادّها بخلقته وصنعها باقداره.
اطفيش
تفسير : أي وعملكم فما مصدرية فان اعمال العباد مخلوقة لله جل وعلا او وعملكم بمعنى معمولكم فما مصدرية أيضا لكن المصدر في هذا المعنى مفعول والداعي لهذا ان يوافق ما تنحتون فإنهم يعبدون ذلك بعد النحت لعنهم الله لكن في هذا الوجه مجاز وهو جعل المصدر بمعنى اسم مفعول ويجوز أن تكون ما اسما موصولا وفي هذا الوجه حذف أي تعملونه فالوجه الأول اولى لسلامته من المجاز والحذف وقد علمت ان اعمال العبد مخلوقة لله سبحانه هذا مذهبنا معشر الإباضية ومذهب الشافعية وغيرهم ثم ظهر لي أن تخريج الآية عليه ضعيف جدا مع أنه هو الحق ومن خالفه مبطل ضال فإنه لا يخفي أن مراد ابراهيم انه خلقكم وما تعملونه وهو الوجه الثالث او خلقكم وما يكون مصنوعا بأيديكم وهو الوجه الثاني ولو قال خلقكم وخلق عملكم كما هو الوجه الاول لم يكن منتجا عليهم.
اطفيش
تفسير : الجملة حال من واو تعبدون، وما اسم واقع على الأشكال والصور التى ينحتونها فى الخشب والحجر، أو ما مصدرية، أى خلقكم وخلق عملكم الذى هو النحت، وما تولد منه من الأشكال، فالكل مخلوق، ولستم بخالقين لشىء، ولا تلك الأشياء المخلوقة خالقة لشىء، فكيف يعبد ما ليس بخالق، وكيف يعبد المخلوقُ المخلوقَ، وأفعال المخلوق خلقها الله طاعة، ككسر إبراهيم الأصنام، أو معصية كنحتهم، أو غير طاعة ولا معصية، ولا موجود إلا خالق ومخلوق، والخالق الله تعالى، والمخلوق ما سواه، وصفاته تعالى قديمة هى هو، وأفعاله مخلوقة له، هو خلقها وخلق قصد كل قاصد، وارادة كل مريد، ويجوز تفسير ما تعملون بكل ما يعملون من النحت وغيره من المباحات وغيرها، ومن العبث جعل ما مصدرية وتأويل المصدر بمفعول، مع أن جعل ما اسما بمعنى مفعول كاف، ولا مانع منه معنوى ولا صناعى، ويضعف جعل ما استفهامية إنكارية بمعنى أى شىء تعملون فى عبادتكم أصناما تنحتونها، وجعلها نافية أى وما تعملون شيئا لم يخلقه الله لعدم الدليل عليهما، وعدم الداعى إليهما.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } في موضع الحال من ضمير {أية : تَعْبُدُونَ }تفسير : [الصافات: 95] لتأكيد الإنكار والتوبيخ والاحتجاج على أنه لا ينبغي تلك العبادة، و (ما) موصولة حذف عائدها أيضاً أي خلقكم وخلق الذي تعملونه أي من الأصنام كما هو الظاهر، وهي عبارة عن مواد وهي الجواهر الحجرية وصور حصلت لها بالنحت؛ وكون المواد مخلوقة له عز وجل ظاهر، وكون الصور والأشكال كذلك مع أنها بفعلهم باعتبار أن الإقدار على الفعل وخلق ما يتوقف عليه من الدواعي والأسباب منه تعالى، وكون الأصنام وهي ما سمعت معمولة لهم باعتبار جزئها الصوري فهو مع كونه معمولاً لهم مخلوق لله تعالى بذلك الاعتبار فلا إشكال. وفي "المتمة للمسألة المهمة" تأليف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة صريح الكلام دال على أن الله تعالى خالق للأصنام بجميع أجزائها التي منها الأشكال، ومعلوم أن الأشكال إنما حصلت بتشكيلهم فتكون الأشكال مخلوقة لله تعالى معمولة لهم لكون نحتهم وتشكيلهم عين خلق الله تعالى الأشكال بهم. ولا استحالة في ذلك لأن العبد لا قوة له إلا بالله تعالى بالنص ومن لا قوة له إلا بغيره فالقوة لذلك الغير لا له فلا قوة حقيقة إلا لله تعالى، ومن المعلوم أنه لا فعل للعبد إلا بقوة فلا فعل له إلا بالله تعالى فلا فعل حقيقة إلا لله تعالى، وكل ما كان كذلك كان النحت والتشكيل عين خلق الله سبحانه الأشكال بهم وفيهم بالذات وغيره بالاعتبار فيكون المعمول عين المخلوق بالذات وغيره بالاعتبار فإن إيجاد الله عز وجل يتعلق بذات الفعل من حيث هو وفعل العبد بالمعنى المصدري يتعلق بالفعل بمعنى الحاصل بالمصدر من حيث كونه طاعة أو معصية أو مباحاً لكونه مكلفاً والله تعالى له الإطلاق ولا حاكم عليه سبحانه انتهى فافهم. والزمخشري جعل أيضاً (ما) موصولة إلا أنه جعل المخلوق له تعالى هو الجواهر ومعمولهم هو الشكل والصورة إما على أن الكلام على حذف مضاف أي وما تعملون شكله وصورته، وإما على أن الشائع في الاستعمال ذلك فإنهم يقولون عَمِلَ النجار الباب والصائغ الخلخال والبناء البناء ولا يعنون إلا عمل الشكل بدون تقدير شكل في النظم كأن تعلق العمل بالشيء هو هذا التعلق لا تعلق التكوين، وهو مبني على اعتقاده الفاسد من أن أفعال العباد مخلوقة لهم، والاحتجاج في الآية على الأول بأن يقال: إنه تعالى خلق العابد والمعبود مادة وصورة فكيف يعبد المخلوق المخلوق؟ وعلى الثاني بأنه تعالى خلق العابد ومادة المعبود فكيف يعبد المخلوق المخلوق على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود، والأول أظهر. وعدل عن ضمير {أية : مَا تَنْحِتُونَ }تفسير : [الصافات: 95] أو/ الإتيان به دون ما تعملون للإيذان بأن مخلوقية الأصنام لله عز وجل ليس من حيث نحتهم لها فقط بل من حيث سائر أعمالهم أيضاً من التصوير والتحلية والتزيين. وفي «الكشف» فائدة العدول الدلالة على أن تأثيرهم فيها ليس النحت ثم العمل يقع على النحت والأثر الحاصل منه ولا يقع النحت على الثاني فلا بد من العدول لهذه النكتة وبه يتم الاحتجاج أي الذي قيل على اعتبار الزمخشري. وجوز أن يكون الموصول عاماً للأصنام وغيرها وتدخل أولياً ولا يتأتى عليه حديث العدول. وقيل (ما) مصدرية والمصدر مؤول باسم المفعول ليطابق {مَا تَنْحِتُونَ } على ما هو الظاهر فيه ويتحد المعنى مع ما تقدم على احتمال الموصولية، وجوز بقاء المصدر على مصدريته والمراد به الحاصل بالمصدر أعني الأثر وكثيراً ما يراد به ذلك حتى قيل: إنه مشترك بينه وبين التأثير والإيقاع أي خلقكم وخلق عملكم. واحتج بالآية على المعتزلة. وتعقب بأنه لا يصح لأن الاستدلال بذلك على أن العابد والمعبود جميعاً خلق الله تعالى فكيف يعبد المخلوق مخلوقاً ولو قيل: إن العابد وعمله من خلق الله تعالى لفات الملاءمة والاحتجاج، ولأن {مَا } في الأول موصولة فهي في الثاني كذلك لئلا ينفك النظم، وما قاله القاضي البيضاوي من أنه لا يفوت الاحتجاج بل أنه أبلغ فيه لأن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، وأيد بأن الأسلوب يصير من باب الكناية وهو أبلغ من التصريح ولا فائدة في العدول عن الظاهر إلا هذا فيجب صوناً لكلام الله تعالى عن العبث تعقبه في «الكشف» بأنه لا يتم لأن الملازمة ممنوعة عند القوم ألا ترى أنهم معترفون بأن العبد وقدرته وإرادته من خلق الله تعالى ثم المتوقف عليهما وهو الفعل يجعلونه خلق العبد، والتحقيق أنه يفيد التوقف عليه تعالى وهم لا ينكرونه إنما الكلام في الإيجاد والإحداث ثم قال: وأظهر منه أن يقال: لأن المعمول من حيث المادة كانوا لا ينكرون أنه من خلق الله تعالى فقيل هو من حيث الصورة أيضاً خلقه فهو مخلوق من جميع الوجوه مثلكم من غير فرق فلم تسوونه بالخالق وما ازداد بفعلكم إلا بعد استحقاق عن العبادة ولما كان هذا المعنى في تقرير الزمخشري على أبلغ وجه كان هذا البناء متداعياً كيفما قرر، على أن فائدة العدول قد اتضحت حق الوضوح فبطل الحصر أيضاً، وقد قيل عليه: إن المراد بالفعل الحاصل بالمصدر لأنه بالمعنى الآخر أعني الإيقاع من النسب التي ليست بموجودة عندهم، وتوقف الحاصل بالإيقاع على قدرة العبد وإرادته توقف بعيد بخلاف توقفه على الإيقاع الذي لا وجود له فيكون ما ذكره في معرض السند مجتمعاً مع المقدمة الممنوعة فلا يصلح للسندية، والمراد بمفعولهم أشكال الأصنام المتوقف على ذلك المعنى القائم بهم وإذا كان ذاك بخلقه تعالى فلأن يكون الذي لا يقوم بهم بل بما يباينهم بخلقه تعالى أولى. ولا مجال للخصم أن يمنع هذه الملازمة إذ قد أثبت خلق المتولدات مطلقاً للعباد بواسطة خلقهم لما يقوم بهم، وانتفاء الأول ملزوم لانتفاء الثاني فتأمل. وقال في «التقريب» انتصاراً لمن قال بالمصدرية: إن الجواهر مخلوقة له تعالى وفاقاً والأعمال مخلوقة أيضاً لعموم الآية فكيف يعبد ما لا مدخل له في الخلق فدعوى فوات الاحتجاج باطلة وكذلك فك النظم والتبتير، وتعقبه في «الكشف» أيضاً فقال فيه: إن المقدمة الوفاقية إذا لم يكن بد منها ولم تكن معلومة من هذا السياق يلزم فوات الاحتجاج، وأما الحمل على التغليب في الخطاب فتوجيه لا ترجيح والكلام في الثاني. ثم قال: وأما أن المصدرية أولى لئلا يلزم حذف الضمير فمعارض بأن الموصولة أكثر/ استعمالاً وهي أنسب بالسياق السابق على أنه لا بد من تقدير عملهم في المنحوت فيزداد الحذف. واعترض بأنا لا نسلم الأكثرية وكذا لا نسلم أنها أنسب بالسياق لما سمعت من أن الأسلوب على ذلك من باب الكناية وهو أبلغ من التصريح والتقدير المذكور ليس بلازم لجواز إبقاء الكلام على عمومه الشامل للمنحوت بالطريق الأولى أو يقدر بمصدر مضاف إضافة عهدية، وبعضهم جعلها موصولة كناية عن العمل لئلا ينفك النظم ويظهر احتجاج الأصحاب على خلق أفعال العباد. وتعقبه أيضاً بأنه أفسد من الأول لما فيه من التعقيد وفوات الاحتجاج، وكون الموصول في الأول عبارة عن الأعيان وفي الثاني كناية عن المعاني وانفكاك النظم ليس لخصوص الموصولية والمصدرية بل لتباين المعنيين وهو باق. و صاحب «الانتصاف» قال بتعين حملها على المصدرية لأنهم لم يعبدوا الأصنام من حيث كونها حجارة وإنما عبدوها من حيث أشكالها فهم في الحقيقة إنما عبدوا عملهم وبذلك تبتلج الحجة عليهم بأنهم وعملهم مخلوقان لله تعالى فكيف يعبد المخلوق مخلوقاً مثله مع أن المعبود كسب العابد وعمله، وأجاب عن حديث لزوم انفكاك النظم بأن لنا أن نحمل الأولى على المصدرية أيضاً فإنهم في الحقيقة إنما عبدوا نحتهم. وفي دعوى التعين بحث. وجوز كون (ما) الثانية استفهامية للإنكار والتحقير أي وأي شيء تعملون في عبادتكم أصناماً نحتموها أي لا عمل لكم يعتبر، وكونها نافية أي وما أنتم تعملون شيئاً في وقت خلقكم ولا تقدرون على شيء، ولا يخفى أن كلا الاحتمالين خلاف الظاهر بل لا ينبغي أن يحمل عليه التنزيل. وأظهر الوجوه كونها موصولة وتوجيه ذلك على ما يقوله الأصحاب ثم كونها مصدرية، والاستدلال بالآية عليه ظاهر، وقول صاحب «الكشف»: و "الانتصاف" إن استدلال الأصحاب بهذه الآية لا يتم إن أراد به ترجيح احتجاج المعتزلة خارج عن دائرة الإنصاف، ثم إنها على تقدير أن لا تكون دليلاً لهم لا تكون دليلاً للمعتزلة أيضاً كما لا يخفى على المنصف، هذا ولما غلبهم إبراهيم عليه السلام بالحجة مالوا إلى الغلبة بقوة الشوكة.
د. أسعد حومد
تفسير : (96) - وَتَتْرُكُونَ عِبَادَة اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ الذِي خَلَقَكُمْ، وَخَلَقَ تِلْكَ الأَصْنَامَ التِي تَعْمَلُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ. وَالخَالِقُ هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):