Verse. 3887 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَقَالَ اِنِّىْ ذَاہِبٌ اِلٰى رَبِّيْ سَيَہْدِيْنِ۝۹۹
Waqala innee thahibun ila rabbee sayahdeeni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال إني ذاهب إلى ربي» مهاجر إليه من دار الكفر «سيهدين» إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال.

99

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأوّل من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه اللّه من النار «قَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي» أي مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه «سَيَهْدِينِ» فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أوّل من هاجر من الخلق مع لوط وسارّة، إلى الأرض المقدّسة وهي أرض الشام. وقيل: ذاهب بعملي وعبادتي، وقلبي ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن. وقد مضى بيان هذا في «الكهف» مستوّفى. وعلى الأوّل بالمهاجرة إلى الشام وبيت المقدس. وقيل: خرج إلى حرّان فأقام بها مدّة. ثم قيل: قال ذلك لمن فارقه من قومه؛ فيكون ذلك توبيخاً لهم. وقيل: قاله لمن هاجر من أهله؛ فيكون ذلك منه ترغيباً. وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. وفيه على هذا القول تأويلان: أحدهما ـ إني ذاهب إلى ما قضاه عليّ ربي. الثاني ـ إني ميّت؛ كما يقال لمن مات: قد ذهب إلى اللّه تعالى؛ لأنه عليه السلام تصوّر أنه يموت بإلقائه في النار، على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها، إلى أن قيل لها: {أية : كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا}تفسير : [الأنبياء: 69] فحينئذٍ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: {سَيَهْدِينِ} على هذا القول تأويلان: أحدهما ـ «سَيَهْدِينَ» إلى الخلاص منها. الثاني ـ إلى الجنة. وقال سليمان بن صُرَد وهو ممن أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم: لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب؛ فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها وتقول: أذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا؛ فلما ذُهِب به ليطرح في النار {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}. فلما طرح في النار قال: (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل) فقال اللّه تعالى: {يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا} فقال أبو لوط وكان ٱبنَ عمه: إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل اللّه عُنُقاً من النار فأحرقه. الثانية ـ قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ } لما عرّفه اللّه أنه مخلّصه دعا اللّه ليعضُده بولد يأنس به في غُرْبته. وقد مضى في «آل عمران» القول في هذا. وفي الكلام حذف؛ أي هب لي ولداً صالحاً من الصالحين، وحذف مثل هذا كثير. قال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } أي إنه يكون حليماً في كبره فكأنه بُشِّر ببقاء ذلك الولد؛ لأنّ الصغير لا يوصف بذلك، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدّم في «هود». ويأتي أيضاً في «الذاريات».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ءانه بعد ما نصره الله تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم وقال: { إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } يعني: أولاداً مطيعين، عوضاً من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: { فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام؛ فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا ههنا كذباً وبهتاناً إسحاق، ولا يجوز هذا، لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق؛ لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك، وحرفوا وحيدك بمعنى: الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة، وهو تأويل وتحريف باطل؛ فإنه لا يقال وحيدك إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلم من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل؛ فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: {أية : وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق، قالوا: {أية : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 53]. وقال تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود:71] أي: يولد له في حياتهم ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً؟ وإسماعيل وصف ههنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام. وقوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ} أي: كبر وترعرع، وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران، وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعاً إلى هناك، والله أعلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ} بمعنى: شب وارتجل، وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يٰبُنَىَّ إِنِّىۤ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: {قَالَ يٰبُنَىَّ إِنِّىۤ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي، حدثنا سفيان بن عيينة عن إسرائيل بن يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رؤيا الأنبياء في المنام وحي» تفسير : ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، وإنما أعلم ابنه بذلك؛ ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، {سَتَجِدُنِىۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد، ولهذا قال الله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} تفسير : [مريم: 54 ــــ 55]. وقال تعالى: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} أي: فلما تشهدا، وذكرا الله تعالى، إبراهيم على الذبح، والولد شهادة الموت وقيل: أسلما، يعني: استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى، وإسماعيل طاعة لله ولأبيه، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم. ومعنى تله للجبين، أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه؛ ليكون أهون عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}: أكبّه على وجهه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج ويونس قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: لما أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمناسك، عرض له الشيطان عند السعي، فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذهب به جبريل عليه الصلاة والسلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، ثم تله للجبين، وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض، فقال: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: { أَن يٰإِبْرَٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ} فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين. قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش، وذكر هشام الحديث في المناسك بطوله. ثم رواه أحمد بطوله عن يونس عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكره، إلا أنه قال: إسحاق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تسمية الذبيح روايتان، والأظهر عنه إسماعيل؛ لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة عن جعفر بن إياس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تبارك وتعالى: { وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابنه، واتبع الكبش فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته عندها، فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتى به المنحر من منى، فذبحه فو الذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزابِ الكعبة قد حَشَّ، يعني: يبس. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل كعب يحدث عن الكتب، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» تفسير : فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، قال: فداك أبي وأمي - أو: فداه أبي وأمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق، قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه، لم أفتنهم أبداً، فخرج إبراهيم عليه الصلاة والسلام بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان فدخل على سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته، قال: فإنه لم يغد به لحاجة، إنما ذهب به ليذبحه، قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه، فذهب الشيطان في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته، قال: فإنه لا يذهب بك لحاجة، ولكنه يذهب بك ليذبحك، قال: ولم يذبحني؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك، قال: فو الله لئن كان الله تعالى أمره بذلك، ليفعلن. قال؛ فيئس منه فتركه ولحق بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال: أين غدوت بابنك؟ قال: لحاجة، قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به لتذبحه، قال: ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك، قال: فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك، لأفعلن. قال: فتركه، ويئس أن يطاع. وقد رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن يونس عن ابن يزيد عن ابن شهاب قال: إن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره: أن كعباً قال لأبي هريرة، فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله تعالى إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجيب لك فيها، قال إسحاق: اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين، لا يشرك بك شيئاً، فأدخله الجنة. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : إن الله تبارك وتعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن يجيب شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكفر الجم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح، لتعجلت فيها دعوتي، إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح، قيل له: يا إسحاق سل تعط، فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً، فاغفر له وأدخله الجنة» تفسير : هذا حديث غريب منكر، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة، وهي قوله: إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق إلى آخره. والله أعلم. فهذا إن كان محفوظاً، فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل، وإنما حرفوه بإسحاق حسداً منهم؛ كما تقدم، وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة، حيث كان إسماعيل، لا إسحاق؛ فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام. وقوله تعالى: { وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرَٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ} أي: قد حصل المقصود من رؤياك وبإضجاعك ولدك للذبح. وذكر السدي وغيره أنه أمرّ السكين على رقبته، فلم تقطع شيئاً، بل حال بينها وبينه صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند ذلك: {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}. وقوله تعالى: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً } تفسير : [الطلاق: 2 ــــ 3] وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل؛ خلافاً لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة؛ لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولاً إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك، ولهذا قال تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلماً لأمر الله تعالى، منقاداً لطاعته، ولهذا قال تعالى: {أية : وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 37]. وقوله تعالى: { وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي رضي الله عنه: { وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} قال: بكبش أبيض أعين أقرن، قد ربط بسمرة. قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطاً بسمرة في ثبير، وقال الثوري أيضاً عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا داود العطار عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء، فذبحه، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزوناً حتى فدي به إسحاق. وروي أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى فدي به إسحاق، وروي أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير، وكان عليه عهن أحمر، وعن الحسن البصري أنه قال: كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام جرير. وقال ابن جريج: قال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر. وقال هشيم عن سيار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان أفتى الذي جعل عليه نذراً أن ينحر نفسه، فأمره بمئة من الإبل، ثم قال بعد ذلك: لو كنت أفتيه بكبش، لأجزأه أن يذبح كبشاً؛ فإن الله تعالى قال في كتابه: { وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فُدي بكبش. وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} قال: وعل. وقال محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن: أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل عليه السلام إلا بتيس من الأروى، أهبط عليه من ثبير. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثني منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة رضي الله عنه، وقالت مرة: إنها سألت عثمان: لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فخمرهما؛ فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» تفسير : قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا. وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام؛ فإن قريشاً توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفاً عن سلف، وجيلاً بعد جيل، إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم والله أعلم. (فصل) في ذكر الآثار الورادة عن السلف في أن الذبيح من هو؟ (ذكر من قال: هو إسحاق عليه الصلاة والسلام) قال حمزة الزيات عن أبي ميسرة رحمه الله قال: قال يوسف عليه الصلاة والسلام للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله؟ وقال الثوري عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل: أن يوسف عليه السلام قال للملك كذلك أيضاً. وقال سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: قال موسى عليه الصلاة والسلام: يا رب يقولون: بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال: «إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء، زادني حسن ظن». وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. وهذا صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه، وكذا روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه إسحاق، وعن أبيه العباس وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن أبي بزة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبو الهذيل وابن سابط، وهذا اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق، وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سفيان بن العلاء بن جارية عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق. وهذه الأقوال والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار؛ فإنه لما أسلم في الدولة العمرية، جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر رضي الله عنه، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه؛ غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة ــــ والله أعلم ـــ حاجة إلى حرف واحد مما عنده. وقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس رضي الله عنهم. ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي. قال: وهوإحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس و العين، ولكن لم يصح سنده. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن حباب عن الحسن ابن دينار عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال: هو إسحاق. ففي إسناده ضعيفان؛ وهما الحسن بن دينار البصري متروك، وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان به مرفوعاً، ثم قال: قد رواه مبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس رضي الله عنه، وهذا أشبه وأصح، والله أعلم. (ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح المقطوع به) قد تقدمت الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسحاق عليه الصلاة والسلام، والله تعالى أعلم. وقال سعيد ابن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أنه قال: المفدي إسماعيل عليه السلام، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. وقال إسرائيل عن ثور عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو إسماعيل عليه السلام. وكذا قال يوسف بن مهران. وقال الشعبي: هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة. وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن البصري: أنه كان لايشك في ذلك؛ أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل عليه السلام. قال ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى، وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال الله تعالى: {أية : وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] ويقول الله تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] يقول: بابن، وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق، وله فيه الموعد بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل. قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيراً، وقال ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم: أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر؛ إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن ذلك، قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكر الله تعالى منه؛ لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق؛ لكون إسحاق أباهم. والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهراً طيباً مطيعاً لله عز وجل. وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: سألت أبي عن الذبيح: هل هو إسماعيل، أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام. قال: وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح رضي الله عنهم أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره: وإليه ذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي، وهو رواية عن ابن عباس، وحكاه أيضاً عن أبي عمرو بن العلاء. وقد روى ابن جرير في ذلك حديثاً غريباً، فقال: حدثني محمد بن عمار الرازي، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان عن أبيه، حدثني عبد الله بن سعيد عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم، نذر لله إن سهل الله له أمرها عليه، ليذبحن أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، وقالوا: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل، والثاني إسماعيل. وهذا حديث غريب جداً، وقد رواه الأموي في مغازيه: حدثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية رضي الله عنه، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، وذكره، كذا كتبته من نسخة مغلوطة، وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: { فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ} فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: {أية : وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ} تفسير : [الذاريات: 28] وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي، أي: العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضاً. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة، فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جداً، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى، والله أعلم. وقوله تعالى: {أية : وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] لما تقدمت البشارة بالذبيح، وهو إسماعيل، عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي هود والحجر، وقوله تعالى: {نَبِيّاً} حال مقدرة، أي: سيصير منه نبي صالح. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الذبيح إسحاق، قال: وقوله تعالى: { وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} قال: بشر بنبوته: قال: وقوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 53] قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وهب له نبوته. وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود يحدث عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: { وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} قال: إنما بشر به نبياً حين فداه الله عز وجل من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري عن داود عن عكرمة عن ابن عباس: { وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} قال: بشر به حين ولد، وحين نبىء. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: { وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} قال: بعد ما كان من أمره لما جاد لله تعالى بنفسه. وقال الله عز وجل: {وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ} وقوله تعالى: { وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} كقوله تعالى: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [هود: 48].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى } مهاجر إليه من دار الكفر {سَيَهْدِينِ } إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال:

الماوردي

تفسير : {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} وفي زمان هذا القول منه قولان: أحدهما: أنه قال عند إلقائه في النار، وفيه على هذا القول تأويلان: أحدهما: إني ذاهب إلى ما قضى به عليّ ربي. الثاني: إني ميت كما يقال لمن مات قد ذهب إلى الله تعالى لأنه عليه السلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها إلى أن قيل لها كوني برداً وسلاماً، فحينئذٍ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: {سيهدين} على هذا القول تأويلان: أحدهما: سيهدين إلى الخلاص من النار. الثاني: إلى الجنة. فاحتمل ما قاله إبراهيم من هذا وجهين: أحدهما: أن بقوله لمن يلقيه في النار فيكون ذلك تخويفاً لهم. الثاني: أن بقوله لمن شاهده من الناس الحضور فيكون ذلك منه إنذارً لهم، فهذا تأويل ذلك على قول من ذكر أنه قال قبل إلقائه في النار. والقول الثاني: أنه قاله بعد خروجه من النار. {إني ذاهب إلى ربي} وفي هذا القول ثلاثة تأويلات: أحدها: إني منقطع إلى الله بعبادتي، حكاه النقاش. الثاني: ذاهب إليه بقلبي وديني وعملي، قاله قتادة. الثالث: مهاجر إليه بنفسي فهاجر من أرض العراق. قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة. وفي البلد الذي هاجر إليه قولان: أحدهما: إلى أرض الشام. الثاني: إلى أرض حران، حكاه النسائي. وفي قوله: سيهدين على هذا القول تأويلان: أحدهما: سيهدين إلى قول: حسبي الله عليه توكلت، قاله سليمان. الثاني: إلى طريق الهجرة، قاله يحيى. واحتمل هذا القول منه وجهين: أحدهما: أن بقوله لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخاً لهم. الثاني: أن بقوله لمن هاجر معه من أهله فيكون ذلك منه ترغيباً. قوله عز وجل: {فبشرناه بغُلام حليم} أي وقور. قال الحسن: ما سمعت الله يحل عباده شيئاً أجل من الحلم. وفي قولان: أحدهما: أنه إسحاق، ولم يثن الله تعالى على أحد بالحلم إلا على إسحاق وإبراهيم قاله قتادة. الثاني: إسماعيل وبشر بنبوة إسحاق بعد ذلك، قاله عامر الشعبي. قال الكلبي وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. قوله عز وجل: {فلما بلغ معه السعي} فيه أربعة أوجه: أحدها: يمشي مع أبيه، قاله قتادة. الثاني: أدرك معه العمل، قاله عكرمة. الثالث: أنه سعي العمل الذي تقوم به الحجة، قاله الحسن. الرابع: أنه السعي في العبادة، قاله ابن زيد. قال ابن عباس: صام وصلى، ألم تسمع الله يقول {أية : وسعى لها سعيها} تفسير : [الإسراء: 19] قال الفراء والكلبي، وكان يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة. {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحُك} فروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رؤيا الأنبياء في المنام وحي ". تفسير : {فانظُرْ ماذا تَرَى} لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله سبحانه، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قاله إخباراً بما أمره الله تعالى به ليكون أطوع له. الثاني: أنه قاله امتحاناً لصبره على أمر الله تعالى. الثالث: أي ماذا تريني من صبرك أو جزعك، قاله الفراء. {قال يا أبت افْعَلْ ما تؤمرُ} الآية. فيه وجهان: أحدهما: على الذبح، قاله مقاتل. الثاني: على القضاء، حكاه الكلبي، فوجده في الامتحان صادق الطاعة سريع الإجابة قوي الدين. قوله عز وجل: {فلما أسْلَما} فيه وجهان: أحدهما: اتفقا على أمر واحد، قاله أبو صالح. الثاني: سلما لله تعالى الأمر، وهو قول السدي. قال قتادة: سلم إسماعيل نفسه لله، وسلم إبراهيم ابنه لله تعالى. {وتله للجبين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه صرعه على جبينه، قاله ابن عباس، والجبين ما عن يمين الجبهة وشمالها، قال الشاعر: شعر : وتله أبو حكم للجبين فصار إلى أمِّه الهاوية تفسير : الثاني: أنه أكبَّه لوجهه، قاله مجاهد. الثالث: أنه وضع جبينه على تل، قاله قطرب. وحكى مجاهد عن إسحاق أنه قال: يا أبت اذبحني وأنا ساجد، ولا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني فلا تذبحني. {وناديناه أن يا إبراهيم قد صَدَّقْتَ الرؤيا} أي عملت ما رأيته في المنام، وفي الذي رآه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي رآه أنه قعد منه مقعد الذابح ينتظر الأمر بإمضاء الذبح. الثاني: أن الذي رآه أنه أمر بذبحه بشرط التمكين ولم يمكن منه لما روي أنه كان كلما اعتمد بالشفرة انقلبت وجعل على حلقه صفيحة من نحاس. الثالث: أن الذي رآه أنه ذبحه وقد فعل ذلك وإنما وصل الله تعالى الأوداج بلا فصل. {إنا كذلك نجزِي المحسنين} بالعفو عن ذبح ابنه. وفي الذبيح قولان مثل اختلافهم في الحليم الذي بشر به. أحدهما: أنه إسحاق، قاله علي رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وكعب الأحبار وقتادة والحسن. قال ابن جريج ذبح إبراهيم ابنه إسحاق وهو ابن سبع سنين وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة. وفي الموضع الذي أراد ذبحه فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بمكة في المقام. الثاني: في المنحر بمنى. الثالث: بالشام، قاله ابن جريج وهو من بيت المقدس على ميلين. ولما علمت سارة ما أراد بإسحاق بقيت يومين وماتت في اليوم. القول الثاني: أنه إسماعيل، قاله ابن عباس وعبد الله بن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب، وأنه ذبحه بمنى عند الجمار التي رمى إبليس في كل جمرة بسبع حصيات حين عارضه في ذبحه حتى جمر بين يديه أي أسرع فسميت جماراً. وحكى سعيد بن جبير أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثبير بمنى: قوله عز وجل: {إنَّ هذا لهو البلاءُ المبين} فيه وجهان: أحدهما: الاختبار العظيم، قاله ابن قتيبة. الثاني: النعمة البينة، قاله الكلبي ومقاتل وقطرب وأنشد قول الحطيئة: شعر : وإن بلاءهم ما قد علمتم على الأيام إن نفع البلاءُ تفسير : قوله عز وجل: {وفديناه بذبح عظيم} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه فدى بوعل أنزل عليه من ثبير، قاله ابن عباس، وحكى عنه سعيد ابن جبير أنه كبش رعي في الجنة أربعين خريفاً. الثاني: أنه فدي بكبش من غنم الدنيا، قاله الحسن. الثالث: أنه فدي بكبش أنزل عليه من الجنة وهو الكبش الذي قربه هابيل بن آدم فقيل منه. قال ابن عباس حدثني من رأى قرني الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام معلقين بالكعبة. والذبح بالكسر هو المذبوح، والذبح بالفتح هو فعل الذبح. وفي قوله: {عظيم} خمسة تأويلات: أحدها: لأنه قد رعى في الجنة، قاله ابن عباس. الثاني: لأنه ذبح بحق، قاله الحسن. الثالث: لأنه عظيم الشخص. الرابع: لأنه عظيم البركة. الخامس: لأنه متقبل، قاله مجاهد. قوله عز وجل: {وتركنا عليه في الآخِرين} فيه قولان: أحدهما: الثناء الحسن، قاله قتادة. الثاني: هو السلام على إبراهيم، قاله عكرمة.

ابن عطية

تفسير : قالت فرقة: إن قول إبراهيم {إني ذاهب} كان بعد خروجه من النار، وإنه أشار بذهابه إلى هجرته من أرض بابل حيث كانت مملكة نمرود فخرج إلى الشام ويروى إلى بلاد مصر، وقالت فرقة: قوله {إني ذاهب} ليس مراده به الهجرة كما في آية أخرى وإنما مراده لقاء الله بعد الاحتراق ولأنه ظن أن النار سيموت فيها، فقال هذه المقالة قبل أن يطرح في النار، فكأنه قال إني سائر بهذا العمل إلى ربي، وهو سيهديني إلى الجنة، نحا إلى هذا المعنى قتادة، وللعارفين بهذا الذهاب تمسك واحتجاج في الصفاء وهو محمل حسن في {أني ذاهب} وحده، والأول أظهر من نمط الآية بما بعده، لأن الهداية معه تترتب، والدعاء في الولد كذلك، ولا يصح مع ذهاب الفناء، وقوله {من الصالحين} {من} للتبعيض أي ولداً يكون في عداد الصالحين، وقوله {فبشرناه} قال كثير من العلماء منهم العباس بن عبدالمطلب وقد رفعه وعلي وابن عباس وابن مسعود وكعب وعبيد بن عمرو هي البشارة المعروفة بإسحاق وهو الذبيح وكان أمر ذبحه بالشام، وقال عطاء ومقاتل ببيت المقدس، وقال بعضهم بل بالحجاز، جاء مع أبيه على البراق وقال ابن عباس والبشارة التي بعد هذه في هذه الآية هي بشارة بنبوته كما قال تعالى في موسى {أية : ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيّاً} تفسير : [مريم: 53] وهو قد كان وهبه له قبل ذلك، فإنما أراد النبوءة، فكذلك هذه، وقالت هذه الفرقة في قول الأعرابي: يا بن الذبيحين أراد إسحاق والعم أب، وقيل إنه أمر بذبحه بعدما ولد له يعقوب، فلم يتعارض الأمر بالذبح مع البشارة بولده وولد ولده، وقالت فرقة: هذه البشارة هي بإسماعيل وهو الذبيح وأمر ذبحه كان بالحجاز بمنى ثم رمى إبراهيم الشيطان بالجمرات وقبض الكبش حين أفلت له وسن السنن. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ابن عباس أيضاً وابن عمرو وروي عن الشعبي والحسن ومجاهد ومعاوية بن أبي سفيان ورفعه معاوية إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومحمد بن كعب وبه كان أبي رضي الله عنه يقول، ويستدل بقول الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا بن الذبيحين، وبقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا ابن الذبيحين" تفسير : يعني إسماعيل وعبد الله أباه، ويستدل بأن البشارة اقترنت بأن من ورائه يعقوب، فلو قيل له في صباه اذبحه لناقض ذلك البشارة بيعقوب، ويستدل بظاهر هذه الآية أنه بشر بإسماعيل، وانقضى أمر ذبحه ثم بشر بإسحاق بعد ذلك، وسمعته رضي الله عنه يقول كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يجيء من الشام إلى مكة على البراق زائراً ويعود من يومه وقد ذكر ذلك الثعلبي عن سعيد بن جبير ولم يذكر إن ذلك على البراق وذكر القصة عن ابن إسحاق، وفيها ذكر البراق كما سمعت أبي يحكي وذكر الطبري أن ابن عباس قال: الذبيح إسماعيل، وتزعم اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وذكر أيضاً أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلاً يهودياً كان أسلم وحسن إسلامه فقال: الذبيح إسماعيل: وإن اليهود تعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن تكون هذه الآية والفضل والله في أبيكم. و {السعي} في هذه الآية العمل والعبادة والمعونة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال قتادة {السعي} على القدم يريد سعياً متمكناً وهذا في المعنى نحو الأول، وقرأ الضحاك "معه السعي وأسر في نفسه حزناً" قال وهكذا في حرف ابن مسعود وهي قراءة الأعمش، قوله {إني أرى في المنام أني أذبحك} يحتمل أن يكون رأى ذلك بعينه ورؤيا الأنبياء وحي، وعين له وقت الامتثال، ويحتمل أن أمر في نومه بذبحه فعبر هو عن ذلك أي {إني رأيت في المنام} ما يوجب أن {أذبحك}، وقرأ جمهور الناس "ماذا تَرَى" بفتح والراء، وقرأ حمزة والكسائي "تُرِي" بضم التاء وكسر الراء، على معنى ما يظهر منك من جلد أو جزع، وهي قراءة ابن مسعود والأسود بن يزيد وابن وثاب وطلحة والأعمش ومجاهد، وقرأ الأعمش والضحاك "تُرَى" بضم التاء وفتح الراء على بناء الفعل للمفعول، فأما الأولى فهي من رؤية الرأي، وهي رؤية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو في هذه الآية إما {ماذا}، بجملتها على أن تجعل "ما" و "ذا" بمنزل اسم واحد، وإما "ذا" على أن تجعله بمعنى الذي، وتكون "ما" استفهاماً وتكون الهاء محذوفة من الصلة، وأما القراءة الثانية فيكون تقدير مفعولها كما مر في هذه، غير أن الفعل فيها منقول من رأى زيد الشيء وأريته إياه، إلا أنه من باب أعطيت فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين، وأما القراءة الثانية فقد ضعفها أبو علي وتتجه على تحامل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "افعل ما أمرت به".

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى} منقطع إليه بالعبادة، أو ذاهب إليه بقلبي وديني وعملي، أو مهاجر إليه بنفسي من أرض العراق وهو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة إلى حران، أو الشام. {سَيَهْدِينِ} إلى طريق الهجرة، أو الخلاص من النار، أو إلى قول حسبي الله عليه توكلت.

السلمي

تفسير : قال أبو سعيد الخراز: إنى ذاهب إلى ربى لما فنى الموجود وانقطعت القدرة وثبت المشهود بلا شاهد قال: إنى ذاهب إلى ربى. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: قوله {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} قال: كأنه نودى كيف تطلب الهداية وأنت تتبع نداء الهيبة بداء السؤال كقولك {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} ثم أمر بذبح ابنه ليخلو سره لربه لأنه سأل الهدى والهداية، وخلو السر مما سوى الحق، فإذا آل الحق إليه وقف السؤال والالتفات والوسائط حتى تم له مقام الهداية.

القشيري

تفسير : يقال إنه طلبَ هداية مخصوصة؛ لأنه كان صاحب هداية، إذ لو لم تكن له هداية لَمَا ذَهبَ إلى رَبِّه. ويحتمل أنه كان صاحبَ هدايةٍ في الحال وطلبَ الهداية في الاستقبال أي زيادةً في الهداية. ويقال طلبَ الهداية على كيفية مراعاة الأدَب في الحضور، ويقال طلبَ الهداية إلى نفسه لأنه فقدَ فيه قلبه ونفسه فقال سيهديني إليَّ لأقومَ بحقِّ عبُوديته؛ فإن المستهلكَ في حقائق الجمع لا يصحُّ منه أداء العبادة إلاَّ بأن يُردَّ إلى حَالة التفرقة والتمييز. ومعنى {إِلَىٰ رَبِّي} أي إلى المكان الذي يُعْبدُ فيه ربي. ويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}: فأخْبر عن قوله. وأخبر عن موسى فقال: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا}تفسير : [الأعراف: 143]، فأخبر عن صفته لا عن قوله... وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم:{أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ...}تفسير : [الإسراء: 1]. [فأخبر عن ذاته سبحانه]. وفصلٌ بَينَ هذِه المقامات؛ فإبراهيم كان بعين الفرق، وموسى بعينِ الجمع؛ ونبينا كان بعين جمع الجمع.

البقلي

تفسير : لما حصر صدره معاشرة الحدثان وضاق قلبه فى محل الامتحان واشتاق سره الى مشاهدة الرّحمن قال انى ذاهب منى الى برى اى اتى اخرج من الحدثان بالمعالم العرفان اسير فى بيداء الازل الابد سيهدينى ربى طرق الذات والصفات فاكون فانيا فيه باقيا به معه قال الخراز لما فنى الموجود وانقطع القدرة ثبت المشهود بلا شاهد قال انى ذاهب الى ربى قال الجورجانى انى ذاهب الى ربى عما سوه فلا ذاهب فى الحقيقة اليه الا من اعرض عن الاكوان وما فيها فمن بقى فيه ذرة من الكونين يكون ذهابه لعلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال} ابراهيم بعدما انجاه الله تعالى من النار قاله لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخا لهم او لمن هاجر معه من اهله فيكون ذلك ترغيبا لهم {انى ذاهب الى ربى} اى مهاجر من ارض حرّان او من بابل او قرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمز بحره الى حيث امرنى ربى وهو الشام او الى حيث اتجرد فيه لعبادته تعالى أى موضع كان فان الذهاب الى ذات الرب محال اذ ليس فى جهة. وفى بحر العلوم ولعله امره الله تعالى بان يهجر دار الكفر ويذهب الى موضع يقدر على زيادة الصخرة التى هى قبلته وعلى عمارة المسجد الحرام او هى القرية التى دفن فيها كما امر نبينا بالجهرة من مكة الى المدينة. وفى بعض التواريخ دفن ابراهيم بارض فلسطين وهى بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين المهملة البلاد التى بين الشام وارض مصر منها الرملة وغزة وعسقلان وغيرها {سيهدين} الى مقصدى الذى اردت وهو الشام او الى موضع يكون فيه صلاح ديننى وبت القول بذلك لسبق الوعد او للبناء على عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى حيث قال {أية : عسى ربى ان يهدينى سواء السبيل} تفسير : ولذلك اتى بصيغة التوقع. وهذه الآية اصل فى الهجرة من ديار الكفر الى ارض يتمكن فيها من اقامة وظائف الدين والطاعة واول من فعل ذلك ابراهيم هاجر مع لوط وصار الى الارض المقدسة. قال فى كشف الاسرار [برذوق اهل معرفت {انى ذاهب الى ربى} اشارتست بانقطاع بنده ومعنى انقطاع باحق بريدنست در بدايت بجهد ودر نهايت بكل بدايت تن درسعى وزبان در ذكر وعمر در جهد ونهايت باخلق عاريت وباخود بيكانه واز تعلق آسوده] شعر : وصل ميسر نشود جز بقطع قطع نخست از همه ببريدنست تفسير : فمن بقى له فى القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت لم ينفتح له باب العلم بالله من حيث المشاهدة ولم يدخل عالم الحقيقة. واسطى [كفت خليل ازخلق بحق مى شد وحبيب ازحق بخلق مى آمد اوكه ازخلق بحق شود حق را بدليل شناسد واوكه ازحق بخلق آيد دليل را بحق شناسد] ـ روى ـ ان ابراهيم عليه السلام لما جعل الله النار عليه بردا وسلاما واهلك عدوه النمردود وتزوج بسارة وكانت احسن النساء وجها وكانت تشبه حواء فى حسنها عزم الانتقال من ارض بابل الى الشام [بس روى مبارك بشام نهاد ودران راه هاجر بدست ساره خاتون افتاد وآنرا بابراهيم بخشيد وجون هاجر ملك يمين وى شد دعا كرده كه]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "معه": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ؛ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي؛ لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يُقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جلّ جلاله: {وقال} إبراهيمُ: {إِني ذاهبٌ إِلى ربي} إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرّد فيه إلى عبادة ربي، {سَيَهدين} أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بتَّ القول لسبق وعده؛ لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبَّر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: {ربِّ هَبْ لي من الصالحين} بعض الصالحين، يُعينني على الدعوة والطاعة، ويُونسي في الغربة. يريد الولد؛ لأن لفظ الهبة غلب على الولد. {فبشَّرناه بغلامٍ حليم} انطوت البشارة على ثلاث: على أنّ الولد ذكر، وأنه يبلغ أوانَ الحُلم؛ لأن الصبيَّ لا يُوصف بالحلم، وأنه يكون حليماً، وأيّ حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيًّا بالحلم إلا إبراهيم وابنَه؛ لمَعَزَّةِ وجوده. {فلما بلغ معه السعيَ} أي: فلما وُجدَ وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحدّ الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. {قال يا بُني إِني أرى في المنام أَنِّي أَذْبَحُك} أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم يرَ أنه يذبحه في النوم، ولكنه أُمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: {افعل ما تؤمر}. وقيل: رأى أنه يُعالج ذبحه، ولم يرَ إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئاً فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يُوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدِّقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن مَن كان في منامه صادقاً كان يقظته أولى بالصدق. هـ. وإنما لم يقل: "رأيت"؛ لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأنّ قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روَّى في ذلك من الصباح إلى الرواح؛ ليعلم أَمِنَ اللهِ هذا الحلم، أم لا، فسُمِّي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسُمِّي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمَّ بنحره، فسُمِّي يوم النحر. واخْتُلِف مَن المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي بَرّة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أُريَ إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمِنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طُويت له الأودية والجبال. هـ. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بُشِّر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: {فبشرناه بغلام} فتعيَّن أنه إسحاق؛ إذ هو المبَشَّر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائباً عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قَدِمَ مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما رُوي أن موسى عليه السلام قال: يا رب؛ الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبمَ ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاءً زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا ـ والله ـ يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما رُوي أن نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ سُئل: أي النسب أشرف؟ فقال: "حديث : يوسف صدِّيق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله" تفسير : . وفي الجامع الصغير: "الذبيح إسحاق" رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عُمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضاً، وغيرهم. واحتجُّوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: "حديث : أنا ابن الذبيحين"تفسير : فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولداً إن سَهُل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشراً، فلما سَهُل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، فَفَدَاه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلَّقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. هـ. وقد يُجاب بأن البشارة أولاً كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يُطلق عليه أباً، كقوله تعالى: {أية : نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}تفسير : [البقرة: 133] وكان عمًّا له، وتقدّم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولَمَّا قال له: {إِني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر} به {ستجدني إِن شاء الله من الصابرين} على الذبح. رُوي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نُقرب قرباناً لله تعالى، فأخذ سكيناً وحبلاً، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبتِ أين قربانك؟ فقال: {يا بُني إِني أرى في المنام...} الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نِعْمَ العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يُقبّله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. {فلما أَسْلَمَا} أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. {وتَلَّه للجبين} صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدّقتَ الرؤيا. رُوي أنَّ ذلك المكان عند الصخرة التي بمِنى. وجواب "لما" محذوف، أي: فلما أسلما رُحما وسَعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: (وتله) والواو: زائِدة. وقال الكسائي: الجواب: (وناديناه) والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سَلِما. وقدّر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. هـ. {وناديناه أن يا إِبراهيمُ قد صَدَّقْتَ الرؤيا} أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، {إِنا كذلك نجزي المحسنين} تعليل لما خوّلهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، رُوي أنه لما أمرّ السكين فلم تقطع، تعجّب. فنُودي: يا إبراهيمُ كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. {إِنَّ هذا لَهُوا البلاءُ المبينُ} الاختبار البيّن، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البيّنة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. {وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبشُ الذي قرّبه هابيل فقُبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فُدِي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سُنَّة، وذَبَحَ الناسُ أولادهم. رُوي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه؛ سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سُنَّة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سُنَّة في الرمي. ورُوي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سُنَّة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوّز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأموراً بالذبح، لقوله: {افعل ما تؤمر} ولم يحصل. هـ. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: وَلَمَّا بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء؛ لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتمّ الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: {صَدَّقْتَ الرؤيا} وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعاً، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمَن بعدهما إلى غابر الدهر. هـ. وقيل: إن هذه الآية نُسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناءً على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. {وتركنا عليه في الآخِرِين} أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، {سلامٌ على إبراهيم} سبق بيانه في نوح {كذلك نجزي المحسنين} لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره؛ لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. {إِنه من عبادنا المؤمنين} فيه تنويه بشأن الإيمان؛ لأنه أساس لكل ما يُبنى عليه من معرفةٍ وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يُفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان؛ إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عَظُمَ الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبّار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلاً للرحمن. وأيضاً: الحق غيور، لا يُحب أن يرى في قلب خليله أو وليّه شيئاً سواه، فأمر بذبح ولده؛ لإخراجه من قلبه، كما فرّق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبَه صلى الله عليه وسلم في عائشة صدِّيقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يُقال في القصة: أنه رآه راكباً على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأُمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظَهَرَ الفداء. وقيل له: كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمَرَ أباه أن يَشُدّ يديه ورِجْلَيه؛ لئلا يضطربَ إذا مَسَّهُ ألمُ الذبح، فيُعاتَب، ثم لمَّا هَمَّ بذبحِه قال: افتح القيدَ عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أُعاتب، فيقول: أمشدودَ اليد جئتني؟ وأنشدوا: شعر : ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمًّا لكان السُّمُّ من يدهِ يطيب تفسير : قيل: إن الولد كان أشدَّ بلاء، لأنه وَجَدَ الذبح من يد أبيه، ولم يتعوَّد منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد؛ إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء؛ لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأتِ الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدّب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إنَّ الله ستر عليهما ما عَلِمَ أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مُضِيِّ وقت المحنة، لئلا يَبْطُلُ معنى الابتلاء، وهو توجُّع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبيّن الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلاَّ لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه؛ إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. هـ. ملخصاً. ثم قال تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً...}

الجنابذي

تفسير : عن الصّادق (ع) يعنى بيت المقدّس وعن امير المؤمنين (ع) فى بيانه فذهابه الى ربّه توجّهه اليه عبادةً واجتهاداً وقربة الى الله جلّ وعزّ، ولا يبعد ان يكون مراده الذّهاب الى ربّه البشرىّ فى الدّين والايمان او الذّهاب الى مقام الحضور عند ربّه الملكوتىّ الّذى يعبّر عنه بالفكر والسّكينة والحضور.

اطفيش

تفسير : {وقال إني ذاهب إلى ربي} إلى الموضع الذي امرني ربي وهو الشام او إلى موضع اتجرد فيه لعبادة ربي وذلك هجرة من دار كفر وهو بابل مملكة نمرود وذلك بعد خروجه من النار. وقال قتادة وجماعة: انه قال ذلك قبل ادخاله في النار واراد الذهاب إلى ربه بالموت ظن ان النار تحرقه. {سيهدين} إلى الموضع الذي قصدت فاهتدى إليه ولا اضل عنه وإلى ما فيه صلاح ديني ودنياي وعلى قول قتادة سيهديني للجنة بعد موتي بالاحراق وهو ضعيف لقوله. {رب هب لي} ولدا. {من الصالحين} ولو اراد ما قال قتادة لم يطلب الولد اللهم إلا ان قال أنه قال رب هب لي من الصالحين بعد خروجه من النار كما اشتهر أنه لما رأى الأرض المقدسة سأل ربه الولد. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستكون هجرة لخيار أهل الأرض إلى مهاجر ابراهيم حتى لا يبقى على ظهرها إلا شرار أهلها ويحشرون إلى النار مع القردة والخنازير وإنما قطع بالهداية ولم يقل كموسى عسى ربي ان يهديني سواء السبيل لوعد الله له بالهداية أو لفرط توكله أو للبناء على عادته معه وإنما طلب الولد ليعينه على الدعاء إلى الدين وعلى العبادة ويؤانسه في الغربة قيل لفظ الاستيهاب من الله غالب في الولد.

اطفيش

تفسير : {وقال} فى بعض أوقاته ولو بعد علمه بما أمروا به من البنيان والنار، على أنه يبقيه الله تعالى حيا، أو طمع أو ذهل غافلا ولو زمانا قليلا يعبد الله فيه قبل قتله الذى يظنه، والإياس من المخلوقين جائز لا من الله عز وجل. {إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي} مهاجر اليه مفارق لكم مقدارا أراده الله سبحانه وتعالى أو الذهاب بالقلب الى الله تعالى فى أى مكان يكون، وقيل المراد الشام وقيل مصر {سيَهْدِين} الى ما فيه بقاء دينى وصلاحه وزيادته، من ارشاد ومكان صالح، والسين لتأكيد الوقوع فى المستقبل وجزمه، لتقدم الوعد له بالهدى، أو على عادته مع الله تعالى وقوة رغبته وطمعه، وليس المراد بالذهاب الموت بنارهم، وبالهداية الهداية الى الجنة كما زعم بعض لقوله: {ربِّ هَبْ لي مِنَ الصالحين} فان من يموت قريبا قبل خمود النار الموقدة، وهو بلا زوج، وفى غير سن الولادة لا يطلب له ولدا، وشهر أنه فى وقت قوله ذلك بالغ أوان ذلك، ومستعد له، ولم يجزم موسى عليه السلام، بل قال: " أية : عسى ربِّي أن يهديني سواء السبيل" تفسير : [القصص: 22] لتفاوت مقامات الأنبياء، وإبراهيم أعلى منه عليهما السلام، ولأنه بصدد أمر دنيوى وهو النجاة من فرعون قيل، ولأنه قاله قبل البعثة، وفيه أن ابراهيم كذلك على المشهور، ولعدم وعد الله له قبل، وعدم تقدم اعتياد وعبارة بعض أن إبراهيم قال ذلك بعد البعثة، ومن للتبعيض، أى ولدا من الصالحين يعيننى على الدعاء الى توحيد الله وعبادته، ويؤنسنى فى الغربة والهبة مع العقلاء فى الأولاد غالبة فى القرآن، وكلام العرب، ومن غير الغالب قوله تعالى: " أية : ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا" تفسير : [مريم: 53] والمراد هبة نبوّة لا هبة ذات، ويدل للولد قوله تعالى: {فبَشَّرناه بغلامٍ حَليمٍ} وهو مقو لن قال أنه حين قال ذلك بالغ كبير، بشره الله الرحمن الرحيم بالولد، وصرح له بأنه ذكر، وأنه يبلغ أو أن الحلم، وهو سن التكليف، وقد قيل: إنه حين تسليم نفسه للذبح مراهق، فكيف إذا زاد، وقيل: ما وصف الله نبيا بالحلم لعزة وجوده إلا ابراهيم وابنه عليهماالسلام، والغلام إسماعيل على الصحيح، وقيل: اسحاق، والقولان عن ابن عباس. ويروى أنه أمر بذبح إسحاق وهو بالشام، فسار به مسيرة شهر فى غداة واحدة، مسيرة شهر الى منى، ولما فدى بالكبش رجع فى مسائه مسيرة شهر، طوى الله له الأرض، وأكثر الروايات عن ابن عباس أنه إسحاق ويناسبه أنه بالشام، وأنه أمربذبح من بشر به، وليس فى القرآن أنه بشر ولد غير اسحاق، قال الله سبحانه وتعالى: "فبشرناها بإسحاق" وقال: "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" وهذا بعد قصة الذبح، يدل على أنه بشر بالنبوة، وأول الآية وآخرها بدل أن الذبيح إسحاق. وكذا روى أن يعقوب كتب من الشام الى مصر: من يعقوب إسرائيل بن إسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله، ودل على أن الذبيح اسماعيل أنه ذكر الله تعالى البشارة باسحاق بعد الفراغ من قصة الذبيح، وأيضا قال الله تعالى: " أية : فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" تفسير : [هود: 71] فان المناسب بحسب الظاهر أن لا يأمره بذبح اسحاق، وأيضا وصف إسماعيل فى القرآن على الصبر لا إسحاق، فهو الصابر على الذبح، وقال عالم يهودى، أسلم لعمر بن عبد العزيز: إن الذبيح اسماعيل لكن اليهود حسدوكم، وأيضا قرنى الكبش معلق بالكعبة، وقد رآه ابن عباس مع بقية الرأس البالية، وسأل الأصمعى أبا عمرو بن العلاء فقال: أين ذهب عقلك يا أصمعى متى كان اسحاق بمكة، إنما بنى البيت مع ابراهيم اسماعيل، وقيل لرسول الله: يا ابن الذبيحين فتبسم ولم ينكر.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى } إلى حيث أمرني أو حيث أتجرد فيه لعبادته عز وجل جعل الذهاب إلى المكان الذي أمره ربه تعالى بالذهاب إليه ذهاباً إليه وكذا الذهاب إلى مكان يعبده تعالى فيه لا أن الكلام بتقدير مضاف، والمراد بذلك المكان الشام، وقيل مصر وكأن المراد إظهار اليأس من إيمانهم وكراهة البقاء معهم أي إني مفارقكم ومهاجر منكم إلى ربـي {سَيَهْدِينِ } إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي. والسين لتأكيد الوقوع لأنها في مقابلة لن المؤكد للنفي كما ذكره سيبويه. وبت عليه السلام القول لسبق وعده تعالى إياه بالهداية لما أمره سبحانه بالذهاب أو لفرط توكله عليه السلام أو للبناء على عادته تعالى معه/ وإنما لم يقل موسى عليه السلام مثل ذلك بل قال: {أية : عَسَىٰ رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [القصص: 22] بصيغة التوقع قيل: لعدم سبق وعد وعدم تقدم عادة واقتضاء مقامه رعاية الأدب معه تعالى بأن لا يقطع عليه سبحانه بأمر قبل وقوعه، وتقديمه على رعاية فرط التوكل ومقامات الأنبياء متفاوتة وكلها عالية، وقيل لأن موسى عليه السلام قال ما قال قبل البعثة وإبراهيم عليه السلام قال ذلك بعدها، وقيل لأن إبراهيم كان بصدد أمر ديني فناسبه الجزم وموسى كان بصدد أمر دنيوي فناسبه عدم الجزم، ومن الغريب ما قيل ونحا إليه قتادة أنه لم يكن مراد إبراهيم عليه السلام بقوله: {إني} الخ الهجرة وإنما أراد بذلك لقاء الله تعالى بعد الإحراق ظاناً إنه يموت في النار إذا ألقي فيها وأراد بقوله: {سيهديني} الهداية إلى الجنة، ويدفع هذا القول دعاؤه بالولد حيث قال:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}.

ابن عاشور

تفسير : لما نجا إبراهيم من نارهم صمّم على الخروج من بلده (أُور الكلدانيين). وهذه أول هجرة في سبيل الله للبعد عن عبادة غير الله. والتوراة بعد أن طوت سبب أمر الله إياه بالخروج ذكر فيها أنه خرج قاصداً بلاد حَران في أرض كنعان (وهي بلاد الفينيقيين). والظاهر: أن هذا القول قاله علنَاً في قومه ليكفوا عن أذاهُ، وكان الأمم الماضون يُعدّون الجلاء من مقاطع الحقوق، قال زهير: شعر : وإن الحق مقطعه ثلاث يَمين أو نِفار أو جَلاء تفسير : ولذلك لما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة لم يتعرض له قريش في بادىء الأمر ثم خافوا أن تنتشر دعوته في الخارج فراموا اللحاق به فحبسهم الله عنه. ويحتمل أن يكون قال ذلك في أهله الذين يريد أن يخرج بهم معه فمعنى {ذاهبٌ إلى ربي}مهاجر إلى حيث أعبد ربّي وحده ولا أعبد آلهة غيره ولا أفتَن في عبادته كما فتنت في بلدهم. ومراد الله أن يفضي إلى بلوغ مكة ليقيم هنالك أول مسجد لإِعلان توحيد الله فسلك به المسالك التي سلكها حتى بلغ به مكة وأودع بها أهلاً ونسلاً، وأقام بها قبيلة دينُها التوحيد، وبنى لله معبداً، وجعل نسله حفظة بيت الله، ولعلّ الله أطلعه على تلك الغاية بالوحي أو سترها عنه حتى وجد نفسه عندها فلذلك أنطقه بأن ذهابه إلى الله نطقاً عن علم أو عن توفيق. وجملة {سَيَهْدِينِ} يجوز أن تكون حالاً وهو الأظهر لأنه أراد إعلام قومه بأنه واثق بربه وأنه لا تردد له في مفارقتهم، ويجوز أن تكون استئنافاً؛ فعلى الأول هي حال من اسم الجلالة، ولا يمنع من جعل الجملة حالاً اقترانها بحرف الاستقبال فإن حرف الاستقبال يدل على أنها حال مقدّرة، والتقدير: أني ذاهب إلى ربّي مقدِّراً، كما لم يمتنع مجيء الحال معمولاً لعامل مستقبل كما في قوله تعالى: {أية : سيدخلون جهنم داخرين}تفسير : [غافر: 60] وقوله تعالى: {أية : إن معي ربي سيهدين}تفسير : [الشعراء: 62] وقول سعد بن ناشب:شعر : سأغسل عني العار بالسيف جالباً علي قضاءُ الله ما كان جالباً تفسير : وامتناع اقتران جملة الحال بعلامة الاستقبال في الإِثبات أو النفي مذهب بصري، وهو ناظر إلى غالب أحوال استعمال الحال، وجوازه مذهب كوفي كما ذكره ابن الأنباري في «الإنصاف»، والحق في جانب نحاة الكوفة. وقد تلقّف المذهب البصري معظمُ علماء العربية وتحيّر المحققون منهم في تأييده فلجأوا إلى أن علته استبشاع الجمع بين كون الكلمة حالاً وبين اقترانها بعلامة الاستقبال. ونُبينُه بأن الحال ما سميت حالاً إلا لأن المراد منها ثبوت وصف في الحال وهذا ينافي اقترانها بعلامة الاستقبال تنافياً في الجملة. هذا بيان ما وجّه به الرضيّ مذهب البصريين وتبعه التفتزاني في مبحث الحال من شرحه المطوّل على «تلخيص المفتاح». وفي مبحث الاستفهام بــــ (هل) منه. وقد زيف السيد الجرجاني في «حاشية المطوّل» ذلك التوجيه في مبحث الحال تزييفاً رشيقاً. ويجوز أن تكون جملة {سيهدينِ} مستأنفة وبذلك أجاب نحاة البصرة عن تمسك نحاة الكوفة بالآية في جواز اقتران الحال بعلَم الاستقبال، فالاستئناف بياني بياناً لسبب هجرته. وجملة {ربّ هب لي من الصالِحِينَ} بقية قوله فإنه بعد أن أخبر أنه مهاجر استشعر قلة أهله وعقم امرأته وثار ذلك الخاطر في نفسه عند إزماع الرحيل لأن الشعور بقلة الأهل عند مفارقة الأوطان يكون أقوى لأن المرء إذا كان بين قومه كان له بعض السلوّ بوجود قرابته وأصدقائه. ومما يدل على أنه سأل النسل ما جاء في سفر التكوين (الاصحاح الخامس عشر) «وقال أبرام إنك لم تعطني نسلاً وهذا ابن بيتي (بمعنى مولاه) وارث لي (لأنهم كانوا إذا مات عن غير نسل ورثه مواليه)». وكان عمر إبراهيم حين خرج من بلاده نحواً من سبعين سنة. وقال في «الكشاف»: لفظ الهبة غلب في الولد. لعله يعني أن هذا اللفظ غلب في القرآن في الولد: ولا أحسبه غلب فيه في كلام العرب لأني لم أقف عليه وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: {أية : ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً}تفسير : [مريم: 53]. فحذف مفعول الفعل لدلالة الفعل عليه. ووصفه بأنه من الصالحين لأن نعمة الولد تكون أكمل إذا كان صالحاً فإن صلاح الأبناء قُرة عين للآباء، ومن صلاحهم برُّهم بوالديهم.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أولاً أن العلماء اختلفوا في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم في المنام بذبحه، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم لما باشر عمل ذبحه امتثالاً للأمر، فداه الله بذبح عظيم، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ وقد وعدنا في سورة الحجر، بأنا نوضح ذلك بالقرآن في سورة الصافات، وهذا وقت إنجاز الوعد. اعلم وفقني الله وإياك. أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق أحدهما في الصافات، والثاني في هود. أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جداً من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الصافات: 99ـ110] قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشَّر به أولاً الذي فُدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك. وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] الآية. أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا احتمل التأسيس والتأكيد معاً، وجب حمله على التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه. ومعلوم في اللغة العربية، أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم. وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى: {أية : وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب. فهذه الآية أيضاً دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين، عند أهل الأصول في حكمة التكليف، هل هي للامتثال فقط، أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء، لأنه بين في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست هي امتثاله ذلك بالفعل، لأنه لم يرد ذبحه كوناً وقدراً وإنما حكمة تكليفه بذلك مجرد الابتلاء والاختبار، هل يصمم على امتثال ذلك أو لا، كما صرح بذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 106ـ107] فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء. وإلى الخلاف المذكور أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : للامتثال كلف الرقيب فموجب تمكنا مصيب أو بينه والابتلاء ترددا شرط تمكن عليه انفقدا تفسير : وقد أشار بقوله: فموجب تمكنا مصيب. وقوله: شرط تمكن عليه انفقدا، إلى أن شرط التمكن من الفعل في التكليف، مبني على الخلاف المذكور، فمن قال: إن الحكمة في التكليف هي الامتثال فقد اشترط في التكليف التمكن من الفعل، لأنه لا امتثال إلا مع التمكن من الفعل، ومن قال إن الحكمة مترددة بين الامتثال والابتلاء، لم يشترط التمكن من الفعل، لأن الحكمة الابتلاء تتحقق مع عدم التمكن من الفعل كما لا يخفى، ومن الفروع المبنية على هذا الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض، بعد الظهر غداً من نهار رمضان، ثم حصل لها الحيض بالفعل، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض، فعلى أن حكمة التكليف الامتثال فقط، فلا كفارة عليها، ولها أن تفطر، لأنها عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال وتارة تكون الابتلاء، فإنها يجب عليها تبييت الصوم، ولا يجوز لها الإفطار إلا بعد مجيء الحيض بالفعل، وإن أفطرت قبله كفَّرت. وكذلك من أفطر لحمى تصيبه غداً، وقد علم ذلك بالعادة فهو أيضاً ينبني على الخلاف المذكور.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إني ذاهب إلى ربي سيهدين: أي إني مهاجر إلى ربي سيهدين إلى مكان أعبده فيه فلا أمنع فيه من عبادته. ربّ هب لي من الصالحين: أي ولداً من الصالحين. بغلام حليم: أي ذي حلم وصبر كثير يولد له. فلما بلغ معه السعي: أي بلغ من العمر ما أصبح يقدر فيه على العمل كسبع سنين فأكثر. فانظر ماذا ترى: أي من الرأي الرشد. من الصابرين: أي على الذبح الذي أُمرت به. فلما أسلما: أي خضعا لأمر الله الولد والوالد وانقادا له. وتله للجبين: أي صرعه على جبينه بأن وضع جبينه على الأرض ولكل إنسان جبينان أيمن وأيسر والجبهة بينهما. قد صدقت الرؤيا: أي بما عزمت عليه وفعلته من الخروج بالولد إلى منى وصرعه على الأرض وإمرار السكين على حلقه. إن هذا لهو البلاء المبين: أي الأمر بالذبح اختبار عظيم. وفديناه بذبح عظيم: أي كبش كبير. وتركنا عليه في الآخرين: أي أبقينا عليه ثناءً وذكراً حسنا فيمن جاء بعده من الناس. وباركنا عليه وعلى إسحاق: أي وباركنا عليه بتكثير ذريته وذرية إسحاق حتى إن عامة الأنبياء من ذريتهما. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة إبراهيم الخليل إنه بعد أن أُلقي به في النار وخرج بحمد الله سالماً قرر الهجرة وترك البلاد، وقال {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} أي إني ذاهب إلى حيث أذن لي ربي بالهجرة إليه حيث أتمكن من عبادته فذهب إلى بلاد الشام ونزل أولا بحران من الشام، وقوله سيهدين أي يثبتني بدوام هدايته لي. ودعا ربّه قائلا {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي ارزقني أولاداً صالحين. فاستجاب الله تعالى له وذلك أنه سافر في أرض القدس مع زوجته سارة وانتهى إلى مصر، وحدث أن وهب طاغية مصر جارية لسارة تسمى هاجر فوهبتها سارة لزوجها إبراهيم فتسراها فولدت له غلاماً هو إسماعيل وهو استجابة الله تعالى لإبراهيم في دعائه عند هجرته {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} وهو قوله تعالى {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ}. وقد أخذ سارة ما يأخذ النساء من الغيرة لما رأت جارية إبراهيم أنجبت له إسماعيل فأمر الله إبراهيم بأن يأخذها وطفلها إلى مكة إبعاداً لها عن سارة ليقل تألمها. وهناك بمكة رأى إبراهيم رؤيته ورؤيا الأنبياء وحي وقال لإسماعيل ما أخبر تعالى به في قوله، {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} كابن سبع سنين فأكثر بمعنى أصبح قادرا على العمل معه {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} أي استشارة ليرى رأيه في القبول أو الرفض فأجاب إسماعيل قائلا {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} أي ما يأمرك به ربك {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} وفعلا خرج به إبراهيم من حول البيت إلى منى وانتهى إلى مكان تجاوز به مكان الجمرات الثلاث وتله للجبين أي صرعه على جبينه بأن وضع جبينه على الأرض وأخذ المدية ووضعها على رقبته والتفت لأمر ما وإذا بكبش أملح والهاتف يقول اترك ذاك وخذ هذا فترك الولد وذبح الكبش وكانت آية. وهو قوله تعالى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}، وقوله تعالى {وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} أي الاختبار البيّن وبذلك تأهل للخلة وأصبح خليل الرحمن، وقوله تعالى {وَفَدَيْنَاهُ} أي إسماعيل {بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي بكبش عظيم. وهو الذي ذبحه إبراهيم وترك إسماعيل وقوله {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي أبقينا عليه ثناء عاطرا وذكرا حسنا فيمن جاء بعده من الأمم والشعوب. {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} أي سلام من الله على إبراهيم كذلك أي كذلك الجزاء الذي جزى به الله تعالى إبراهيم على إيمانه وهجرته وصبره وطاعته يجزي المحسنين وقوله {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} وفي هذا ثناء عاطر على المؤمنين، وقوله {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} وهذا يوم جاءه الضيف من الملائكة وهم في طريقهم إلى المؤتفكات قرى قوم لوط، وذلك بعد أن بلغ من العمر عتيا وامرأته سارة كذلك إذ قالت ساعة البشرى {أية : ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً}تفسير : [هود: 72] وعجبا لمن يقول إن الذبيح إسحاق وليس إسماعيل وقوله تعالى {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ} أي وباركنا عليه بتكثير ذريّته وذريّة إسحاق حتى إن عامة الأنبياء من بعدهما من ذريّتهما، وقوله تعالى {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا} أي إبراهيم وإسحاق {مُحْسِنٌ} أي مؤمن صالح {وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بالشرك والعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الهجرة في سبيل الله وأن أول هجرة كانت في الأرض هي هجرة إبراهيم من العراق إلى الشام. 2- بيان أن الذبيح هو إسماعيل وليس هو إسحاق كما يقول البعض وكما يدعي اليهود. 3- وجوب بر الوالدين وطاعتهما في المعروف. 4- فضل إبراهيم وعلو مقامه وكرامته عند ربّه. 5- فضل الإِحسان وجزاء المحسنين.

د. أسعد حومد

تفسير : (99) - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيْمَانِهِمْ: إِنِّي مُفَارِقٌ هَذِهِ الدِّيَارَ، وَمُهَاجِرٌ إِلَى أَرْضِ أَتَفَرَّغُ فِيهَا لِعِبَادَةِ رَبِّي، وَإِنَّهُ تَعَالَى سَيَهْدِينِي إِلَى مَا فِيهِ صَلاَحُ دِينِي وَدُنْيَايَ، وَهَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ} إبراهيم: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}، أي إلى مرضاة ربي، وهو المكان الذي أُمر بالذهاب إليه. نظيره قوله: {أية : وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ}تفسير : [العنكبوت: 26]، وقيل: ذاهب إلى ربي بنفسي وعملي {سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} مختصر. أي رب هب لي ولداً صالحاً من الصالحين. {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} ذلك الغلام، {قَالَ يَابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ} الآية، واختلف السّلف من علماء المسلمين في الذي أُمر إبراهيم بذبحه من ابنيه بعد إجماع (أهل الخاص) على أنه كان إسحاق، فقال قوم: الذبيح إسحاق، وإليه ذهب من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب، ومن الباقين وأتباعهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بزة وعطاء ومقاتل وعبد الرَّحْمن بن سابط والزبيري والسدّي. وهي رواية عكرمة وابن جبير عن ابن عباس. أخبرني الحسن بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا طلحة بن محمّد، وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا أحمد ابن حرب قال: حدّثنا سنيد بن داوُد قال: حدّثني حجاج عن ليث بن سعد عن صفوان بن عمرو عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: هو إسحاق. وأخبرني الحسن قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب قال: حدّثنا رضوان بن أحمد الصيدلاني قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدّثنا أبو معاوية عن حجاج عن القاسم بن نافع عن أبي الطُفيل، عن علي قال:"حديث : الذي أراد إبراهيم (عليه السلام) ذبحه إسحاق ". تفسير : وروى شبعة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان ابن فلان ابن الأشياح الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (عليه السلام). وأخبرنا الحسين محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا المبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب قال: الذي فداه الله بذبح عظيم إسحاق. وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بكار قال: حدّثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن داوُد ابن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه إسحاق (عليهما السلام). وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حمّاد قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه هو إسحاق. وأخبرني الحسن قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا عباس الدوري قال: حدّثنا أبو سلمة يعني المنقري قال: حدّثنا محمد بن ثابت العبدي عن موسى مولى أبي بكر الصديق عن سعيد بن جبير قال: [لمّا] أُري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام سار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه فسار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. وروى سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال موسى: "يا رب يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟" قال: "إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلاّ اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلّما زدته بلاء زاد بي حسن ظنّ". وروى حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال يوسف: للملك: "ترغب أن تأكل معي أو تنكف وأنا والله يوسف بن يعقوب نبيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله (عليهم السلام)؟". وقال الآخرون: هو إسماعيل، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر وأبو الطُفيل عامر ابن واثلة وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي وهي رواية عطاء بن أبي رباح وأبي حمرة نصر بن عمران الضبعي ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. وقد رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا القولين، ولو كان فيهما صحيح بالإجماع لم يعزه إلى غيره، وأمّا الرواية التي رويت عنه صلّى الله عليه وسلم أنّ الذبيح إسحاق ما أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد (قالا): حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثنا موسى بن إسحاق قال: حدّثنا عبد الله بن أبي شنبه قال: أخبرنا الأشيب قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذي أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق ". تفسير : أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن علي بن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا حجاج عن ابن جريح قال: أخبرت عن صفوان بن سليم وزيد بن أسلم عن النبي (عليه السلام) أنه قال: "حديث : إنّ إسحاق الذي أراد إبراهيم أن يذبحه ". تفسير : وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [فأقرأنيه] قال: أخبرنا جدي قال: حدّثنا علي بن حجر قال: حدّثنا عمر بن حفص عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يشفع إسحاق بعدي فيقول: يا رب صدّقت نبيّك وجدتُ بنفسي للذبح فلا تُدخل النار من لم يشرك بك شيئاً". قال: "فيقول تبارك وتعالى: وعزتي لا أُدخل النار من لا يُشرك بي شيئاً ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا أبو حفص عمر بن محمد بن عيسى الجوهري قال: حدّثنا عيسى بن مساور الجوهري قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله عزَّ وجل خيّرني بين أن يغفر لنصف أُمّتي أو شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأُمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجّلت منها دعوتي؛ إنَّ الله سبحانه لما فرّج عن إسحاق كرب الذبح قيل: يا إسحاق سل تُعط. فقال: أما والذي نفسي بيده لأُتعجّلنها قبل نزغة الشيطان، اللهم من مات لا يُشرك بك شيئاً فاغفر له وأدخله الجنة ". تفسير : وأما ما رُوي عنه صلّى الله عليه وسلم أنّ الذبيح إسماعيل فروى عمر بن عبد الرَّحْمن، عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان عن أبيه قال: حدّثني عبد الله بن سعيد عن الصنايجي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على الخبير سقطتم، كنت عند النبي صلّى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله عُد عليّ مما أفاء الله عليك يابن الذبيحين فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقيل له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إنّ عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله عز وجل لئن سهل الله عز وجل له أمرها ليذبحنّ أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمئة من الإبل ففداه بمئة من الإبل والثاني إسماعيل (عليه السلام). فهذا ما ورد من الأخبار في هذا الباب، فأما حجة القائلين بإنه إسحاق من القرآن فهو أنّ الله سبحانه أخبر عن خليله إبراهيم (عليه السلام) حين فارق قومه مهاجراً إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط وقال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} إنه دعا فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} وذلك أنه قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أُم إسماعيل. ثم اتبع ذلك الخبر عن إجابته ودعوته وتبشيره أتاه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أن يذبح ذلك الغلام الذي بشر به حين بلغ معه السعي وليس في (كتاب الله بشير لإبراهيم بولد ذكر) إلاّ بإسحاق. واحتج من قال: إنه إسماعيل من القرآن بما روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول: إنّ الذي أمر الله سبحانه إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله سبحانه، وذلك أن الله عز وجل يقول حين فرغ من قصة المذبوح: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}. وقال عز من قائل: {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71] يقول: بابن وبابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله سبحانه وتعالى الموعود. فلما لم يذكر الله تعالى إسحاق إلاّ بعد انقضاء قصّة الذبح، ثم بشّره بولد إسحاق علمنا أنّ الذبيح إسماعيل. قال القرظي: فذكرت ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، إذ كنت معه بالشام، فقال لي عمر: إنّ هذا الشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، وكان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء اليهود، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده فقال: أيُّ ابني إبراهيم أُمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل. ثم قال: والله يا أمير المؤمنين إنّ اليهود لتعلم ذلك ولكنهم ليحسدونكم معشر العرب على أن يكون أنّ أباكم الذي كان من أمر الله سبحانه وتعالى فيه والفضل الذي ذكره الله سبحانه منه لصبره على ما أُمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق؛ لأن إسحاق أبوهم. واحتجوا أيضاً بأن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج، قال الشعبي: رأيتُ قرني الكبش منوطين بالكعبة، وكان القرنان ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم، فلم يزاحمهم على ذلك ولد إسحاق وهم الروم، وكانوا أكبر وأعزّ وأمنع من العرب: وهذا أدل دليل على أن الذبيح إسماعيل. وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال لي: يا أصمع أين ذهب عنك عقلك؟ ومتى كان إسحاق عليه السلام بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه إبراهيم (عليهما السلام)، كما قال الله سبحانه {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}تفسير : [البقرة: 127]، والمنحر بمكة لا شكّ فيه. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الضرير يقول: سمعت أبا محمد الزنجاني المؤدّب يقول: سُئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: شعر : إنّ الذبيح هُديت إسماعيلُ نطق الكتاب بذاك والتنزيلُ شرفٌ به خَصّ الإلهُ نبيَّنا وأتى به التفسير والتأويلُ إن كنت أمّته فلا تنكر له شرفاً به قد خصّه التفضيلُ تفسير : وأما قصة الذبح فقال السدي بإسناده: لمّا فارق إبراهيم الخليل (عليه السلام) قومه مهاجراً إلى الشام هارباً بدينه، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} دعا الله سبحانه وتعالى أن يهب له ابناً صالحاً من سارة فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. فلما نزل به أضيافه من الملائكة المرسلين إلى المؤتفكة وبشرّوه بغلام حليم، قال إبراهيم لما بُشّر به: فهو إذن لله ذبيح. فلما وُلد الغلام وبلغ معه السّعي، قيل: أوفِ بنذرك الذي نذرت. فكان هذا هو السبب في أمر الله تعالى رسوله إبراهيم بذبح ابنه، فقال إبراهيم عند ذلك لإسحاق: "انطلق نقرّب قرباناً لله تعالى"، وأخذ سكّينا وحبلاً ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام: يا أبتِ أين قربانك؟ فقال {يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حُمل على البراق فيغدو من الشام فيصلي بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام. حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته، أُري في المنام أن يذبحه، فلما أُمر بذلك قال لابنه: "يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب". فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب (ثبير)، أخبره بما أُمر، كما ذكر الله تعالى، قالوا: فقال له ابنه الذي أراد أن يذبحه: "يا أبتِ اشدد رباطي حتى لا أضطرب، وأكفف عنّي ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي شيء، فينقص أجري وتراه أُمّي فتحزن، واشحذ شفريك، وأسرع مرّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ، فإنّ الموت شديد، وإذا أتيت أُمي فاقرأ عليها السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أُمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عنّي". فقال له إبراهيم (عليه السلام): "نعم العون أنت يا بُني على أمر الله". ففعل إبراهيم ما أوصاه به ابنه، ثم أقبل عليه يقبّله، وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي حتى استنقع الدموع تحت خده، ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تنحر السكين. قال السدي: ضرب الله صفحة من النحاس على حلقه. قالوا: فقال الابن عند ذلك: "يا أبتِ كبّني لوجهي على جبيني، فإنّك إذا نظرت في وجهي رحمتني، وأدركتك رقّة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع". ففعل ذلك إبراهيم، ووضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونُودي: "يا إبراهيم مه، قد صدّقت الرّؤيا، هذه ذبيحتك فداءً لابنك فاذبحها دونه"، فنظر إبراهيم فإذا هو بجبرائيل ومعه كبش أقرن أملح فكبّر جبرائيل فكبّر الكبش فكبّر إبراهيم فكبّر ابنه وأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحر من منى فذبحه. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، لقد كان أوّل الإسلام، وإنّ رأس الكبش لمعلّق بقرنيه في ميزاب الكعبة. قال السدّي: فلما أخذ إبراهيم (عليه السلام) الكبش خلّى عن ابنه، وأكبّ عليه وهو يقبّله ويقول: "يا بني وهبت لي"، ثم رجع إلى سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا إبراهيم، أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني؟. وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قالوا: لما أُري إبراهيم (عليه السلام) ذبح ابنه قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم، لا أفتن منهم أحداً أبداً. فتمثل لهم الشيطان رجلاً وأتى أُمّ الغلام فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحطبنا من هذا الشعب. قال: لا والله ما ذهب به إلاّ ليذبحه. قالت: كلا هو أرحم به وأشدّ حبّاً له من ذلك. قال: إنه يزعم أنّ الله أمره بذلك. قالت: فإنْ كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه، وسلّمْنا لأمر الله عز وجل. فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب أبوك؟ قال: "يحطب أهلنا من هذا الشعب". قال: والله ما يُريد إلاّ أن يذبحك. قال: "ولِمَ". قال: زعم أنّ ربه أمره بذلك، قال: "فليفعل ما أمره به ربه، فسمعاً وطاعة". فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم، فقال له: أين تُريد أيّها الشيخ؟ قال: "أُريد هذا الشعب لحاجة لي فيه". فقال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بُنيَّك هذا. فعرفه إبراهيم فقال: "إليك عنّي يا عدوَّ الله، فوالله لأمضينَّ لأمر الله". وروى أبو الطفيل عن ابن عباس أنّ إبراهيم لما أُمر بذبح ابنه، عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكُبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى بأمر الله عز وجل في ذلك. وقال أُمية بن أبي الصلت: شعر : ولإبراهيم الموفي بالنذر احتساباً وحامل الأحدال بكره لم يكن ليصبر عنه لو يراه في معشر أقتال يا بني إني نذرتك للـ ـه شحيطاً فاصبر فدىً لك حالي واشدد الصفد لا أحيد عن السكـ ين حيد الأسير ذي الأغلال وله مدية تخايل في اللحـ ـم هذام حنية كالهلال بينما يخلع السرابيل عنه فكّه ربُّه بكبش حلال قال خذه ذا وأرسل ابنك إني للذي قد فعلتما غير قالِ ربما تجزع النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقالِ تفسير : فهذه قصة الذبح كما قال الله سبحانه: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} قال ابن عباس: يعني المشي مع أبيه إلى الحيل. قال الحسن ومقاتل بن حيان: يعني العقل الذي يقوم به الحجة، وقال الضحاك: يعني الحركة، وقال ابن زيد: (هو السعي في) العبادة. {يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ}: رأيت في المنام {أَنِّي أَذْبَحُكَ} لنذر عليّ فيك أُمرت بذلك، وذلك أنّ إبراهيم (عليه السلام) رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إنّ الله يأمرك بذبح ابنك هذا. فلما أصبح روّى في نفسه - أي فكّر - من الصباح إلى الرواح أمِن الله هذا الحكم أو من الشيطان؟ فمن ثم سُمّي يوم التروية. فلما أمسى رأى في المنام ثانياً ما رآه من ذبح الولد، فلما أصبح عرف أنّ ذلك الحكم من الله، فمن ثم سمّيَ يوم عرفة. وقال: مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات، وقال عطاء ومقاتل: أُمر إبراهيم أن يذبح ابنه ببيت المقدس فلما تيقّن ذلك أخبر ابنه فقال لابنه {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}؟ قرأ العامة بفتح التاء، وقرأ حمزة والكسائي (تري) بضم التاء وكسر الراء أي ماذا تشير؟ وإنما جاز أن يؤامر ابنه في المضي لأمر الله؛ لأنه أحبّ أن يعلم صبره على أمر الله وعزمه على طاعته فقال له ابنه: {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}. {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أي انقادا وخضعا لأمر الله سبحانه وتعالى ورضيابه، وقرأ ابن مسعود (فلما سلّما) أي فوّضا، وقرأ ابن عباس (استسلما). قال قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} أي صرعه وأضجعه وكبّه على وجهه للذّبح {وَنَادَيْنَاهُ}، قال أهل المعاني: (الواو) مقحمة صلة، مجازه: ناديناه، كقوله: {أية : وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ}تفسير : [يوسف: 15] يعني: أوحينا، وقوله: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ} وقال امرؤ القيس: شعر : فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى تفسير : وقال الشاعر: شعر : حتى إذا قملت بطونكمُ ورأيتم أبناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجن لنا إنّ اللئيم العاجز الخب تفسير : أراد: قلبتم. {أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ}: الاختبار المظهر فيما يوجب النعمة أو النقمة، ولذلك قيل للنعم: بلاء وللمحنة بلاء؛ لأنها سُمّيت باسم سببها المؤدّى به إليها، كما قيل لأسباب الموت: هذا الموت بعينه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لَمَّا لم يجد إبراهيم - عليه السلام - فائدة من دعوته لقومه، قال: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] والمعنى ذاهب لنصرة دينه وإلا فربُّه موجود معه، وفي كل مكان، أو مهاجر إلى ربي. أي: إلى مكان آخر، حيث أجد مَنْ يسمعني ويستجيب لدعوتي، وما دُمْتُ ذاهباً إلى ربي {سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] أي: يهديني المقام الطيب المناسب لدعوتي. ثم يدعو إبراهيمُ ربَّه {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] أي: هَبْ لي ذريةً صالحةً مؤمنة، ونبيُّ الله حين يتمنى الذرية لا يتمناها لتكون ذِكْرى أو عزوة أو امتداداً ينتقل إليه الميراث، فالأنبياء يريدون الولد ليَحمل رسالتهم، وليكون نموذجاً إيمانياً يرثه في دعوته؛ لذلك قال في قصة سيدنا زكريا: {أية : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 6]. فكأن سيدنا إبراهيم عَزَّ عليه ألاَّ يتسعَ عمره ليكون جندياً من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قرّ عيني بأنْ أرى ولداً لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي. وقال {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] ولم يقل رب هَبْ لي الصالحين، فأراد من ذريته مَنْ هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاحَ لذريته وللآخرين؛ لذلك أجابه ربه: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به أخلاقه، ومن الحِلْم تَرْكُ المراء واللجاج، ولو كان في الحق. لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً .. ". تفسير : فهذا في حاشية الجنة، وهذا في صميم الجنة، لماذا؟ لأنه يعتقد أن له رباً قيُّوماً لا تأخذه سِنَة ولا نوم، سوف يحكم بين الجميع، وإليه تنتهي كل الخلافات، فيقتص للمظلوم من ظالمه. والناس يميلون دائماً إلى كبير يحكم بينهم، ونقول في العامية (اللي له أب ميحملش هم)، فما بالك بمَنْ له رَبٌّ. لذلك من رحمة الله بنا أن يقول: يا عبادي ناموا مِلء جفونكم، لتصبحوا نشيطين لأعمالكم، ولا تحملوا هَمَّ شيء، لأن ربكم لا ينام. وقوله سبحانه: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] البُشْرى بالشيء تكون قبل وجوده، فوصفه الله بأنه سيكون حليماً وهو ما يزال غلاماً. يعني: سيجمع الوصفين معاً؛ لأن الحِلْم عادة ما يتكوَّن لدى الرجل الواعي الذي يستطيع تقدير الأمور، فالميزة هنا أن يتصفَ الغلامُ بالحِلْم في صغَره. وفعلاً ظهر حِلْم هذا الغلام في أول اختبار يتعرَّض له، حين قال له أبوه: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102] تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أنْ يذبحه، {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] هذا هو الحِلْم، يتجلَّى منه وهو غلام.

الجيلاني

تفسير : وبعد ما خرج الخليل - صلوات الرحمن عليه وسلامه - مها اختار الجلاء والخروج من بينهم بوحي الله إياه وإلهامه {وَ} لهذا {قَالَ} حين خروجه: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} وإلى كنف حفظه وجواره وسعة رحمته {سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] بلطفه إلى منزل يمكنني التوجه فيه إليه ويطمئن فيه قلبي، فذهب إلى الشام بإلهام الله إياه، وتوطن في الأرض المقدسة. وبعدما توطن فيها ناجى مع الله، فطلب منه سبحانه الولد المحيي لاسمه، فقال: {رَبِّ} يا من رباني على أنواع النعم والكرامات {هَبْ لِي} ولداً صالحاً مرضياً لك مقبولاً عندك، معدوداً {مِنَ} عبادك {ٱلصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] الموفقين من عندك على الصلاح والفوز بالفلاح. وبعدما تضرع نحونا راجياً من رحمتنا {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ} هو إسماعيل عليه السلام {حَلِيمٍ} [الصافات: 101] ذو حلم كامل، وتصير تام على متاعب العبودية وشدائد الاختيارات الإلهية. ثم لما ولد له إسماعيل عليه السلام، ورباه إلى أن ترقى من الطفولية، وظهر منه الرشد الفطري والفطنة الجبلية، إلى أن بلغ سبع سنين أو ثلاث عشرة، هي أول الحلم وعنفوان الشباب. وبالجملة: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} للحوائج والمهمات المتعلقة لأمور المعاش، وصار يذهب ويجيء مع أبيه إلى الاحتطاب وسائل الأشغال، وكان أبوه ينتصر به في الأمور ويستظهر، وكان مشفقاً له، رحيماً عليه بحيث لا يفارقه أصلاً من كمال عطفه وتحننه. ثم لما بلغ عليه السلام في عطف ولده وارتباط قلبه به مع أنه متمكن في مقام الخلة مع ربه، غار عليه سبحانه فاختبر خلته، حتى رأى في المنام بإلقاء الله في متخيلته أن الله يأمره بذبح ولده إظهاراً لكمال خلته، واصطبار ولده على البلاء، وإظهار حمله عند المصيبة، فانتبه عن منامه هؤلاً من الواقعة الهائلة، فخيلها من أضغاث الأحلام، فاستغفر ربه وتعوذ من الشيطان، ثم نام فرأى أيضاً كذلك، ثم استيقظ كذلك خائفاً مرعوباً، ثم استغفر ونام، فرأى ثالثاً مثلما رأى، فتفطن بنور النبوة أنه من الاختبارات الإلهية. فأخذ بامتثال المأمور خائفاً من غيرة الله وكمال حميته وجلاله، كيف يطيق أحد أن يتخذ سواه محبوباً، سيما من اختاار الله لخلته واصطفاه لمحبته، فأمر ابنه بأن يأخذ الحبل والسكين؛ ليذهب إلى شعب الجبل للاحتطاب كما هو عادتاهما، فذهبا وقد اشتغل في صدره نار المحبة والخلة والإلهية، فشرع يظهر رؤياه لابنه ليختبره كيف هو. {قَالَ يٰبُنَيَّ} ناداه وصغَّره تحنناً وعطفاً: {إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} بأمر الله إياي، تقرباً مني إليه سبحانه، وهدياً نحوه {فَٱنظُرْ} يا بني وتأمل {مَاذَا تَرَىٰ} أي: أي أمر تفكر وتفتي في هذه الواقعة الهائلة أتصبر على بلاء الله أم لا؟. وبعدما سمع ابنه ما سمع من الرؤيا {قَالَ} معتصماً بحبل التوفيق، راضياً بما جرى عليه من قضاء الله مسلماً نحوه، مستقبلاً منادياً لأبيه لينبئ عن كمال إطاعته له وانقياده لحكم ربه: {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} من قبل الحق، فاذبحني في سبيل الله تقرباً منك نحوه، وطلباً لمرضاته، ولا تلفت إلى لوازم الأبوة والنبوة، وكن أنت صابراً لبلاء الله بذبح ولدك بيدك بإذنه وفي سبيله {سَتَجِدُنِيۤ} أيضاً {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} وتعلق إرادته بأن اصبر على بلائه الذي هو قتل أبي إياي بيده {مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] المتكنين على تحمل الشدائد والمصيبات الآتية من قبل الحق. وبعدما تشاورا وتقاولا، فوَّضا الأمر إليه سبحانه، وانقادا لحكمه، ورضيا بقضائه طوعاً ورغبة {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أي: سلَّما واستسلما؛ أي: كل منهما أمره إلى ربه ووصلا الموقف والمنجر، توجه الخليل نحو الحق ناوياً التقرب إليه سبحانه {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] أي: صرع ابنه على شقه الأيمن امتثالاً لأمر ربه مثل صرع البهائم حال الذبح، بعدما شدَّ بالحبل يده ورجله، فأخذ الشفرة فأمرَّها على حلقه، فلم تمضٍ ولم تعمل، فأخذ حجراً المحدّ فأحدها، ثم أمرَّها، ولم تمضِ أيضاً، وهكذا فعل مراراً لم تعمل شيئاً فتحير في أمره، قال له ابنه حنيئذ: يا أبت أكبني على وجهي فاذبحني من القفا؛ لئلا يمنعك من ذبحي رؤيتك وجهي ففعل كذلك فمل تمضِ. {وَ} بعدما جربناهما ووجدناهما على كمال التصبر والرضا بما جرى عليهما من القضاء {نَادَيْنَاهُ} من مقام عظيم جودنا إياه ولطفنا {أَن} أي: بأن قلنا له منادياً: {يٰإِبْرَاهِيمُ} [الصافات: 104] المختص بخلتنا الراضي بمصيبتنا، قد صدَّقت الرؤيا وامتثلت بالمأمور، ورضيت بذبح ولدك لرضانا، واختبرناك به فوجدناك متمكناً على مرتبة الخلة والتوحيد، فقد أتيت مخلصاً ما طلبنا منك، كان لك من الفضل والعطاء منَّا جزاء لفعلك ما لم يكن لأحد من بني نوعك؛ لإخلاصك في أمرك وصحة عزيمتك وخلوص طويتك في نيتك. ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير لعباده بمقتضى عظيم جودنا: {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ} أي: مثل ما جزينا إبراهيم ونجيناه من الكرب العظيم {نَجْزِي} جميع {ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 105] المخلصين في حسناتهم ونياتهم، في جميع أعمالهم وحالاتهم. ثم قال سبحانه: {إِنَّ هَـٰذَا} المأمور لإبراهيم الأوَّاه الحليم من ذبح ولده في طريق الخلة مع ربه {لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} [الصافات: 106] الظاهر صعوبته وشدته على عموم المكلفين. وبعدما عزم عليه بالعزيمة الخالصة الصحيحة، وأقدم على امتثاله عن محض الاعتقاد وصميم الفؤاد إلى حيث لو لم نمنع مضاء شفرته، مع أنه بالغ في إمرارها بقوة تامة، وأحدَّها مراراً لذبحه ألبتة، فمنعناها بعدما ظهر إخلاصه لدينا. {وَ} بعدما منعنا مضاء شفرته {فَدَيْنَاهُ} أي: الذبح الذي هو ابنه {بِذِبْحٍ} أي: بما يذبح فيه فيتم تقربه إلينا، وينال من لدنَّا ما نعدّ له من الثواب والجزاء {عَظِيمٍ} [الصافات: 107] أي: عظيم القدر؛ إذ ما يفديه الحق لنبيه أعظم مما يفديه العباد. قيل: لما سمع إبراهيم نداء الهاتف، التفت فإذا هو جبريل عليه السلام، ومعه كبش أملح أقرن، فقال له: هذا فداء ابنك بعثه الله إليك، فاذبحه دونه، وهذا قد رعى في الجنة أربعين خريفاً لتلك المصلحة، فأخذ إبراهيم الكبش، فأتى به المنحر من مِنى فذبحه عنده، وفاز بمبتغاه من الله ما فاز عاجلاً وآجلاً، مما لا مجال للعبارة والإشارة إليه سبيلاً. {وَ} من جملة ما جزينا إبراهيم عاجلاً: إن من كمال خلتنا معه {تَرَكْنَا عَلَيْهِ} وأبقينا له في الآخرين؛ أي: في الأمم الذين يلون ويأتون بعده إلى قيام الساعة ثناءً حسناً وذكراً جميلاً، حيث يقولون دائماً {فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ} [الصافات: 108-109] وترحيب منا وبركات من الله، ورحمة نازلة دائماً مستمرة {عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 109]. ثم قال سبحانه حثاً للمؤمنين: {كَذَلِكَ} أي: مثل ما جزينا إبراهيم بأحسن الجزاء في الدنيا والآخرة {نَجْزِي} عموم {ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 110] إن أحسنوا وأخلصوا في نياتهم وحسناتهم.