Verse. 3889 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

فَبَشَّرْنٰہُ بِغُلٰمٍ حَلِـيْمٍ۝۱۰۱
Fabashsharnahu bighulamin haleemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فبشرناه بغلام حليم» أي ذي حلم كثير.

101

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبَشَّرْنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٍ } أي ذي حلم كثير.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِغُلامٍ} إسماعيل، أو إسحاق {حَلِيمٍ} وقور.

ابن عادل

تفسير : {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} في كِبَرِهِ ففيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سنِّ يُوسُفَ بالحِلْم، وأيّ حلم أعظم من أنه عرض عليه أبوه الذبح فقال {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ}؟‍‌‍‍!. قوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ} (مَعَهُ) متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلاً قال: مَعَ (مَنْ) بلغ السعي؟ فقيل: مع أبيه ولا يجوز تعلقه "ببَلَغَ"؛ لأنه يقتضي بلوغهما معاً حدّ السعي؛ ولا يجوز تعلقه بالسعي لأنه صلة المصدر لا تتقدم عليه، فتعين ما تقدم. قال معناه الزمخشري ومن يتسع في الظرف يجوز تعلقه بالسَّعِيِ. فصل قال ابن عباس وقتادة: معنى بلغ السعي أي المشي معه إلى الجبل، قال مجاهد عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم والمعنى أن ينصرف معه ويعينه في عمله، قال الكلبي: يعني العمل لله. وهو قول الحسن؛ ومقاتل وابن حبان وابن زيد قالوا: هو العبادة، واختلفوا في سنه، فقيل: كان ابنَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سنةً، وقيل: كان ابنَ سَبْعِ سِنينَ. قوله: {إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} قال المفسرون: لما بُشِّر إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - بالولد قبل أن يولدَ له فقال: هو إذن لله ذبيحِ، فقيل لإبراهيم: قد نذرَت نذراً فأوف بنذرك فلما أصبح قال يا بُنَيَّ: إنّ أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحَكُ، وقيل: رأى في ليلة التروية في منامه كأن قائلاً يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرَّوَاح، أمِنَ الله أو من الشيطان؟ فلذا سمي يومَ التروية، فلما رأى ذلك أيضاً عرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عَرَفَةَ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهمَّ بالنحر فسمي يوم النَحْر. وهو قول أكثر المفسرين. وهذا يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ أرى في المنام ما يُوجب أَنِّي أذْبَحُكَ. فصل اختلفوا في الذبيح، فقيل: إِسْحَاق. وهو قول عمر، وعليٍّ، وابن مسعود، والعباد بن عبد المطلب، وكعب الأحبار، وقتادة، وسعيد بن جبير، ومسروق، وعكرمة والزهري، والسدي، ومقاتل، وهي رواية عكرمة،وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقالوا: وكانت هذه القصة بالشام، وقيل: إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والكلبي، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي وهي رواية عطاء بن أبي رباح ويُوسف بن (مِهْرَانَ) عن ابن عباس، وكذا القولين رُويا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحتجَّ القائلون بأنه إسماعيل بقوله عليه (الصلاة و) والسلام: "حديث : أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْن" تفسير : وقال له أعرابي: با ابْنَ الذَّبِيحَيْن فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - فسئل عن ذلك فقال: "حديث : إنّ عبد المطلب لما حَفَر بئْر زَمْزَم نَذَرَ إنْ سهل الله أمرها ليذبحن أحَدَ وَلَده، فخرج السَّهم على عبدِ الله فمنعه أخواله وقالوا له: افْد ابنك بمائةٍ من الإبل"تفسير : . والذبيح الثاني إسماعيل ونقل الأصمعيُّ أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال يا أصمعي: أين عَقْلُكَ؟ ومتى كان إسحاقُ بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكةَ وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحرُ بمكة وقد وصف الله إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: {أية : وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنبياء:85] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد فقال: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} تفسير : [مريم:54] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح، فقال: {سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. وقال قتادة: {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود:71] فكيف تقع البشارة المتقدمة؟! وقال الإمام أحمد: الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل وعليه جمهور العلماء من السَّلف والخلق، قال ابن عباس: وذهبت اليهود أنه إسحاق وكَذَبَت اليهودُ، وروى ابن عباس أنه هبط عليه الكبش من بشير فذبحٍ وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه فذبحه بمنى وقيل بالمَقَام، وروي: أنه كان وعلاً. وقيل: كان تَيْساً من الأروى، قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش في البيت حتى أُحْرِقَ فاحْتَرَقَا. وروى ابن عباس: أن الكبش لم يزل معلقاً عند مِيزَاب الكعبة حتى وحش وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة فقالت امرأة عثمان لم دعاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: إني كنت رأيت قَرْنَي الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن أريك أين نحرها فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي، وهذا يدل على أن الذبيح كان إسماعيل لأنه الذي كان مقيماً بمكة، وإسحاق لا يعلم أنه كان قدمها في صغره وهذا ظاهر القرآن لأنه ذكر قصة الذبيح، ثم قال بعده: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات:112] قال ابن كثير: من قال: إنه إسحاق فإنما أخذه - والله أعلم - من كعب الأحبار أو من صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى ينزل لأجله ظاهر الكتاب العزيزُ. قوله: "مَاذَا تَرَىٰ" يجوز أن تكون "ماذا" مركبة مُغَلَّباً فيها الاستفهام فتكون منصوبة وهي وما بعدها في محل نصب "بانظر" لأنها معلّقة له، وأن تكون "ما" استفهامية و "ذا" موصولة فتكون مبتدأ وخبراً. والجملة معلقة أيضاً، وأن تكون ماذا بمعنى الذي فيكون معمولاً لانْظُرْ. وقرأ الأخوان تُرِي بالضم والكسر، والمفعُولانِ محذوفانِ أي تُرِينِي إيَّاهُ من صبْرك واحتمالِك. وباقي السبعة تَرَى - بفتحتين - من الرَّأي. وقرأ الأعمش و الضحاك تُرَى بالضّمِّ والفتح، بمعنى ما يُخَيَّل إليك ويسنح لخاطرك. قوله: "مَا تُؤمَرُ" يجوز أن تكون "ما" بمعنى الذي، والعائد مقدر، أي تُؤمَرُهُ والأصل: تُؤْمَرُ به، ولكن حذف الجار مطرد فلم يحذف العائد إلا وهو منصوب المحل، فليس حذفه هنا كحذفه (في) قولك: جاء الذي مَرَرْتُ وأن تكون مصدرية، قال الزمخشري: أو أمرك على إضافة المصدر للمفعول وتسمية المأمور به أمراً. يعني بقوله المفعول أي الذي لم يُسَمَّ فاعله، إلاّ أن في تقدير المصدرية (بفعل) مبني للمفعول خلافاً مشهوراً. قوله: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} لما تؤمر. إنما علق المشيئة لله تعالى على سبيل التبرك والتيمن فإنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إِلاَّ بتَوْفِيقِ اللَّهِ. فصل اختلف الناس في أنَّ إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - كان مأموراً بهذا. وهذا الاختلاف يتفرع عليه مسألة أصولية وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور وقت الامْتِثَال، فقال بعضهم: إنه يجوز، وقالت المعتزلة وبعض الشافعية والحنفية: إنه لا يجوز فعلى الأول أنّ الله تعالى أمره بالذبح، ثم إن الله تعالى فسخ هذا التكليف قبل حضور وقته، وعلى الثاني أن الله تعالى ما أمره بالذبح وإنما أمره بمقدمات الذبح، واحتج الأوَّلون بقصة إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - وقول الولد لأبيه: {افْعَلْ ما تُؤْمَرُ}. وقالت المعتزلة لا نسلم أنه أمر بذبح ولده بل إنما أمر بمقدّمات وهي إضجاعه، ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح في الإتيان بذلك الفعل، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به لقوله: {يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ} فدل على أنه تعالى إنما أمره بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح. وأيضاً فإن الذبح عبارة عن قطع الحلقوم، فلعل إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - قطع الحُلْقُومَ إلا أنه كلما قطع جزءاً أعاد الله تأليفه ولهذا السبب لم يحصل الموت. وأيضاً فإنه تعالى لو أمر شخصاً معيناً بإيقاع فعلٍ معين في وقت معين فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن فلو حصل النهي في عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين إما أن يكون عالماً بحال ذلك الفعل فيلزم أن يقال: إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله (تعالى) وأنه محال، والجواب عن الأول أنه تعالى إنما أمره بالذَّبح لظاهر الآية وأما قولهم كلما قطع إبراهيم عليه (الصلاة و) السلام جزءاً أعاد الله تأليفه فهذا باطل لأن إبراهيم عليه (الصلاة و) السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بكل ما أمر به، وأما قولهم: يلزم إما الأمر بالقبيح وإما الجهل فنقول: هذا بناء على أن الله لا يَأمر إلا بما يكون حسناً في ذاته ولا يَنْهَى إلا عما يكون قبيحاً في ذاته فذلك مبني على تحسين العقل وتقبيحه. وهو باطل فإن سَلَّمْنَا ذلك فلِمَ (لا) يجوز أن يكون الأمر بالشيء تارةً حسناً لكون المأمور به حسناً في ذلك الوقت لمصلحةٍ من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسناً كما إذا أراد السيد اختبار طاعة العبد فيقول له: افعل الفعل الفُلاَنِيّ في يوم الجُمْعَة ويكون ذلك الفعل شاقّاً ويكون مقصود السيد ليس أن يأتي العبد بذلك الفعل بل أن يُوَطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة ثم إن السيد إذا علم منه توطين نفسه على الطاعة فقد يزيل (الألم عنه) بذلك التكليف فكذا ههنا. فصل احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، لأنه تعالى لو أراد وقوعه لوقع الذبح لا محالة. فصل في الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وذلك من وجوه: الأول: أن هذا التكليف في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح فورد أولاً في النوم حتى يصير ذلك كالمفيد لورُود هذا التكليف الشاقّ، ثم يتأكد ذلك بأحوال اليقظة لكيلا يهجم هذا التكليف الشاق على النفس دفعة واحد بل على التدريج. الثاني: أن الله تعالى جَعَلَ رؤيا الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - حقاً، قال تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الفتح: 27] وقال عن يوسف: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف:4] وقول إبراهيم: {إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}. والمقصود من هذا تقوية الدلالة على كونهم صادقين فإِذا تظاهرت الحالتان على الصدق دل ذلك نهاية كونهم محقين في كل الأحوال. فصل والحكمة في مشاورة الابن في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله فيكون فيه قوة عَيْن لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحدِّ العظيم في الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثوابُ العظيمُ في الآخرة والثناء الحَسَن في الدُّنْيَا. قوله: "فَلَمَّا أَسْلَمَا" في جوابها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه محذوف أي ذَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ أو ظَهَرَ صَبْرُهُمَا، أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم: بعد الرؤيا؛ أي كان ما كان مما يَنْطِقُ به الحال والوصف مما لا يدرك كُنْهُهُ، ونقل ابن عطية: أن التقدير فَلَما أسْلَمَا أسْلَمَا وَتَلَّهُ كقوله: شعر : 4219- فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ خبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَل تفسير : أي فلما أجزنا أجزنا وانتحى ويُعْزَى هذا لسيبويه وشيخه الخلِيلِ. وفيه نظَر من حيث اتخاذ الفعلين الجَاريَيْنِ مَجْرَى الشَّرْط والجواب، إلا أنْ يُقَال: جعل التغاير في الآية بالعطف على الفعل وفي البيت بعمل الثاني في "ساحة" وبالعطف عليه أيضاً، والظاهر أن مثل هذا لا يكفي في التغاير. الثاني: أنه "وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" والواو زائدة وهو قول الكوفيين والأخفش. والثالث: أنه "وَنَادَيْنَاهُ" والواو زائدة أيضاً كقوله: {أية : وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} تفسير : [يوسف:15] فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْت الرؤيا. تَمَّ الكلام هنا. ثم ابتدأ: إنَّ كَذَلِكَ (نَجْزِي المُحْسِنِينَ) وقرأ عَلِيُّ وعبدُ الله وابنُ عباس سلّما، وقرىء: اسْتَسْلَمَا. "وتله" أي صرعه وأضْجَعَهُ على شِقِّه، وقيل: هو الرمي بقوة وأصله من رمى به على التلِّ وهو المكان المرتفع أو من التَّليل وهو العُنُق، أي رماه على عُنُقِهِ، ثم قيل لكُلّ إسقاط وإن لم يكن على تَلٍّ ولا عنق. والتَّلُّ الرِّيح الذي يُتَلُّ به، و "الجَبِينُ" ما انكشف من الجبهة من هنا ومن هنا، وشذ جمعه على أجْبُن، وقياسه في القلة أَجْبِنَه كَأَرْغفَةٍ وفي الكثرة جُبُن وجُبْنَان كرَغِيفٍ ورُغُفٍ وَرُغْفَان. فصل والمعنى سلم لأمر الله، وأَسْلَم واسْتَسْلَمَ بمعنًى واحد أي انقاد وخضع. والمعنى أخلص نفسه لله وجعلها سالمة خالصة وكذلك استسلم استخلص نفسه لله، وعن قتادة في أسلما: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه، وقوله: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} أي صرعه على شِقِّه فوقع أحد جبينيه للأرض وللوجه جَبِينَانِ والجبهة بينهما. قال ابن الأعرابي: التَّلِيلُ والمَتْلُول المَصْرُوع والمُتلُّ الذي يُتَلُّ به أي يُصْرَعُ، والمعنى أنه صرعه على جبينه. وقال مقاتل: كبه على جبهته وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}. فإن قيل: لِمَ قَالَ: صَدَّقْت الرؤيا وكان قد رأى الذي لم يُذْبَحْ؟ قيل: جعله مصدقاً لأنه قد أتى بما أمكنه والمطلوب إسلامهما لأمر الله وقد فَعَلاَ. وقيل: قد كان رأى في النوم مصالحة ولم ير إراقَهَ دَم وقد فعل في اليقظة ما رأى في النوم ولذلك قال: قد صدقت الرؤيا، قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله فلما كلَّفه هذا التكليف الشاقّ الشديد وظهر منه كمالُ الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ} وقوله: {إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} ابتداء إخبار من الله تعالى والمعنى إنا كما عَفَوْنا عن ذبح ولده كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ولده {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} الاختبار البَيِّنُ الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنةَ أصعبُ منها، وقال مقاتل: البلاء ههنا النِّعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش، وقوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} الدِّبْحُ مصدر ذَبَحْتُ والذِّبح أيضاً ما يذبح. وهو المراد في هذه الآية. وسمي عظيماً لِسمنِهِ وعِظَمِهِ، وقال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً لعِظَمِ قَدْرِهِ حيث قبله الله فداء ولد إبراهيم. وتقدم الكلام على نظير بقيَّة القصة.

اسماعيل حقي

تفسير : ولقوله تعالى {فبشرناه بغلام حليم} فانه صريح فى ان المبشر به غيرما استوهبه عليه السلام. والغلام الطارّ الشارب والكهل ضد او من حين يولد الى ان يشيب كما فى القاموس. وقال بعض اهل اللغة الغلام من جاوز العشر واما من دونها فصبى والحليم من لا يعجل فى الامور ويتحمل المشاق ولا يضطرب عند اصابة المكروه ولا يحركه الغضب بسهولة. والمعنى بالفارسية [يس مزده داديم اورا بفرزندى بردبار يعنى جون ببلوغ رسد حليم بود] ولقد جمع فيه بشارات ثلاث بشارة انه غلام وانه يبلغ اوان الحلم فان الصبى لا يوصف بالحلم وانه يكون حليما وأى حلم يعادل حلمه حين عرض عليه ابوه الذبح وهو مراهق فاستسلم. قال الكاشفى [بس خداى تعالى اسماعيل را ازهاجر بوى ارزانى داشت وبحكم سبحانه از زمين شام هاجر يسر آورده را بمكه برد واسماعيل آنجا نشو ونمايافت]

الجنابذي

تفسير : {فَبَشَّرْنَاهُ} يعنى اجبناه الى مسؤله بعد يأسه ويأس زوجته من الولد {بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} يعنى لمّا اعطيناه وبلغ السّعى معه فى اعماله يعنى بلغ المراهقة او مبلغ الرّجال رأى فى المنام انّ الله يأمره بذبحه و {قَالَ} لولده {يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ} لمّا صارت رؤياه مكرّرة قال أرى {أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} قرئ بفتح التّاء والرّاء وبضمّ التّاء وكسر الرّاء {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ} الاتيان بالتّصغير ولحوق التّاء بالاب لاظهار الشّفقة {مَا تُؤمَرُ} لم يقل ما رأيت او ما ترى اظهاراً لما اعتقده من انّ الرّؤيا لم تكن الاّ من الله ولم تكن الاّ امراً له بما رأى {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا} استسلاماً لامر الله او اسلم اسمٰعيل (ع) نفسه وابراهيم (ع) ابنه وقرأ علىّ (ع) والصّادق (ع) فلمّا سلّما من التّسليم {وَتَلَّهُ} صرعه {لِلْجَبِينِ} اى على الجبين.

اطفيش

تفسير : كثير العقل من حال صغره وقيل حليم بعد بلوغه ففيه إشارة إلى أنه يحى حتى يكبر وأي حلم اعظم من حلم من عرض عليه الذبح ابوه فقال ستجدني إن شاء الله من الصابرين، وفي ذلك بشارة بأن يكون له ولد وأنه ذكر وأنه يعيش حتى يكبر وأنه يكون حليما. قال القاضي: قيل ما نعت الله نبيا بالحلم الكثير لعزة وجوده غير ابراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام وحالهما المذكورة بعد تشهد عليهما.

الالوسي

تفسير : فإنه ظاهر في أن ما بشر به عين ما استوهبه مع أن مثله إنما يقال عرفاً في حق الأولاد، ولقد جمع بهذا القول بشارات أنه ذكر لاختصاص الغلام به وأنه يبلغ أوان البلوغ بالسن المعروف فإنه لازم لوصفه بالحليم لأنه لازم لذلك السن بحسب العادة إذ قلما يوجد في الصبيان سعة صدر وحسن صبر وإغضاء في كل أمر، وجوز أن يكون ذلك مفهوماً من قوله تعالى: {غُلاَمٌ } فإنه قد يختص بما بعد البلوغ وإن كان ورد عاماً وعليه العرف كما ذكره الفقهاء وأنه يكون حليماً وأي حلم مثل حلمه عرض عليه أبوه وهو مراهق الذبح فقال: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [الصافات: 102] فما ظنك به بعد بلوغه، وقيل ما نعت الله تعالى نبياً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما السلام، وحالهما المذكورة فيما بعد تدل على ما ذكر فيهما.

ابن عاشور

تفسير : الفاء في {فبشَّرناهُ} للتعقيب، والبشارة: الإِخبار بخير وارد عن قرب أو على بعد؛ فإن كان الله بشّر إبراهيم بأنه يولد له ولد أو يوجد له نسل عقب دعائه كما هو الظاهر وهو صريح في سفر التكوين في الإصحاح الخامس عشر فقد أخبره بأنه استجاب له وأنه يهبه ولداً بعد زمان، فالتعقيب على ظاهره؛ وإن كان الله بشره بغلام بعد ذلك حين حملت منه هاجر جاريته بعد خروجه بمدة طويلة، فالتعقيب نسبي، أي بشرناه حين قدّرنا ذلك أول بشارة بغلام فصار التعقيب آئلاً إلى المبادرة كما يقال: تزوج فولد له؛ وعلى الاحتمالين فالغلام الذي بشر به هو الولد الأول الذي ولد له وهو إسماعيل لا محالة. والحليم: الموصوف بالحلم وهو اسم يجمع أصالة الرأي ومكارم الأخلاق والرحمة بالمخلوق. قيل: ما نَعَتَ الله الأنبياء بأقلّ مما نعتهم بالحلم. وهذا الغلام الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل ابنه البكر وهذا غير الغلام الذي بشره به الملائكة الذين أرسلوا إلى قَوم لوط في قوله تعالى: {أية : قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم}تفسير : [الذاريات: 28] فذلك وُصف بأنه {عليم}. وهذا وصُف بــــ {حَلِيمٍ}. وأيضاً ذلك كانت البشارة به بمحضر سَارَة أمِّه وقد جُعلت هي المبشرة في قوله تعالى: {أية : فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً}تفسير : [هود: 71 - 72]، فتلك بشارة كرامة والأولى بشارة استجابة دعائه، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن يكون له وارث من صلبه. فالبشارة بإسماعيل لما كانت عقب دعاء إبراهيم أن يهب الله له من الصالحين عطفت هنا بفاء التعقيب، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفة بالواو عطف القصة على القصة. والفاء في {فلمَّا بلغَ معهُ السَّعي} فصيحة لأنها مفصحة عن مقدر، تقديره: فولد له ويفع وبلغ السعي فلما بلغ السعي قال يا بنيّ الخ، أي بلغ أن يسعى مع أبيه، أي بلغ سنّ من يمشي مع إبراهيم في شؤونه. فقوله: {معه} متعلق بالسعي والضمير المستتر في {بلغ} للغلام، والضمير المضاف إليه {معه} عائد إلى إبراهيم. و {السعي} مفعول {بلغ} ولا حجة لمن منع تقدم معمول المصدر عليه، على أن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها من المعمولات. وكان عمُر إسماعيل يومئذٍ ثلاث عشرة سنة وحينئذٍ حدّث إبراهيم ابنه بما رآه في المنام ورؤيا الأنبياء وحي وكان أول ما بُدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة ولكن الشريعة لم يوح بها إليه إلا في اليقظة مع رؤية جبريل دون رؤيا المنام، وإنما كانت الرؤيا وحياً له في غير التشريع مثل الكشف على ما يقع وما أعد له وبعض ما يحل بأمته أو بأصحابه، فقد رأى في المنام أنه يهاجِر من مكة إلى أرض ذات نخل فلم يهاجر حتى أُذن له في الهجرة كما أخبر بذلك أبا بكر رضي الله عنه، ورأى بَقراً تُذبح فكان تأويل رؤياه مَن استشهد من المسلمين يوم أحد، ولقد يُرجَّح قول القائلين من السلف بأن الإِسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقظة وبالجسد على قول القائلين بأنه كان في المنام وبالروح خاصة، فإن في حديث الإِسراء أن الله فرَض الصلاة في ليلته والصلاة ثاني أركان الإِسلام فهي حقيقة بأن تفرض في أكمل أحوال الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وهو حال اليقظة فافهم. وأمر الله إبراهيم بذبح ولده أمرُ ابتلاء. وليس المقصود به التشريع إذ لو كان تشريعاً لما نسخ قبل العمل به لأن ذلك يفيت الحكمة من التشريع بخلاف أمر الابتلاء. والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علوّ مرتبته في طاعة ربّه فإن الولد عزيز على نفس الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله أشدّ عزّة على نفسه لا محالة، وقد علمتَ أنه سأل ولداً لِيرثه نسله ولا يرثه مواليه، فبعد أن أقرّ الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده أمره بأن يذبحه فينعدم نسله ويخيب أمله ويزول أنسه ويتولى بيده إعدام أحب النفوس إليه وذلك أعظم الابتلاء. فقابَل أمر ربه بالامتثال وحصلت حكمة الله من ابتلائه، وهذا معنى قوله تعالى: {أية : إنَّ هٰذَا لهو البلاء المبينُ}تفسير : [الصافات: 106]. وإنما برز هذا الابتلاء في صورة الوحي المنامي إكراماً لإِبراهيم عن أن يزعج بالأمر بذبح ولده بوحي في اليقظة لأن رُؤَى المنام يعقبها تعبيرها إذ قد تكون مشتملة على رموز خفيّة وفي ذلك تأنيس لنفسه لتلقّي هذا التكليف الشاقّ عليه وهو ذبح ابنه الوحيد. والفاء في قوله: {فانظر ماذا ترى} فاء تفريع، أو هي فاء الفصيحة، أي إذا علمت هذا فانظر ماذا ترى. والنظر هنا نظر العقل لا نظر البصر فحقه أن يتعدّى إلى مفعولين ولكن علّقه الاستفهام عن العمل. والمعنى: تأمل في الذي تقابل به هذا الأمر، وذلك لأن الأمر لما تعلق بذات الغلام كان للغلام حظ في الامتثال وكان عرض إبراهيم هذا على ابنه عرض اختبار لمقدار طواعيته بإجابة أمر الله في ذاته لتحصل له بالرضى والامتثال مرتبة بذل نفسه في إرضاء الله وهو لا يرجو من ابنه إلا القبول لأنه أعلم بصلاح ابنه وليس إبراهيم مأموراً بذبح ابنه جبراً، بل الأمر بالذبح تعلق بمأمورين: أحدهما بتلقي الوحي، والآخرِ بتبليغ الرسول إليه، فلو قدر عصيانه لكان حاله في ذلك حال ابن نوح الذي أبى أن يركب السفينة لما دعاه أبوه فاعتُبر كافراً. وقرأ الجمهور {ماذا تَرَىٰ} بفتح التاء والراء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم التاء وكسر الراء، أي مَاذا تُريني من امتثال أو عدمه. وحكى جوابه فقال: {يأبتتِ افعل ما تُؤمرُ} دون عطف، جرياً على حكاية المقاولات كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها}تفسير : في سورة [البقرة:30]. وابتداء الجواب بالنداء واستحضار المنادى بوصف الأبوة وإضافة الأب إلى ياء المتكلم المعوض عنها التاء المشعر تعويضها بصيغة ترقيق وتحنّن. والتعبير عن الذبح بالموصول وهو {ما تُؤمَرُ} دون أن يقول: اذْبَحني، يفيد وحده إيماء إلى السبب الذي جَعل جوابه امتثالاً لذبحه. وحُذف المتعلق بفعل {تُؤمرُ} لظهور تقديره: أي ما تؤمر به. وبقي الفعل كأنه من الأفعال المتعدية، وهذا الحذف يسمى بالحذف والإِيصال، كقول عمرو بن معد يكرب: شعر : أمرتك الخيرَ فافعل ما أمرتَ به فقد تركتُكَ ذا مال وذا نشَب تفسير : وصيغة الأمر في قوله: {افْعَلْ} مستعملة في الإِذن. وعدل عن أن يقال: اذبحني، إلى {افعل ما تؤمرُ} للجمع بين الإِذن وتعليله، أي أذنت لك أن تذبحني لأن الله أمرك بذلك، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله فيه. وجملة {ستَجِدُني} هي الجواب لأن الجمل التي قبلها تمهيد للجواب كما علمت فإنه بعد أن حثّه على فعل ما أُمر به وَعَده بالامتثال له وبأنه لا يجزع ولا يهلع بل يكون صابراً، وفي ذلك تخفيف من عبْء ما عسى أن يعرض لأبيه من الحزن لكونه يعامل ولده بما يكره. وهذا وعد قد وفّى به حين أمكن أباه من رقبته، وهو الوعد الذي شكره الله عليه في الآية الأخرى في قوله: {أية : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد}تفسير : [مريم: 54]، وقد قرن وعده بــــ {إن شاء الله} استعانةً على تحقيقه. وفي قوله: {مِنَ الصابِرينَ} من المبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في الوصف: بصابر، لأنه يفيد أنه سيجده في عِداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا به، ألاَ ترى أن موسى عليه السلام لما وعد الخضر قال: {أية : ستجدني إن شاء الله صابِراً}تفسير : [الكهف: 69] لأنه حُمل على التصبر إجابة لمقترح الخضر.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَبَشَّرْنَاهُ} {بِغُلاَمٍ} (101) - فَبَشَّرَهُ اللهُ تَعَالَى بِمَولُودٍ لَهُ يَبْلُغُ الحُلْمَ، وَيَكُونُ حَلِيماً - وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ.