٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
102
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } تفسير : [الصافات: 101] أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه، فقال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، وقوله: {مَعَهُ } في موضع الحال والتقدير كائناً معه، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته، قال بعضهم: كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليماً، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة، والإتيان بذلك الجواب الحسن. أما قوله: {إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول: قال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحق قبل أن يولد له قال: هو إذن لله ذبيح فقيل لإبراهيم قد نذرت نذراً فف بنرك فلما أصبح {قَالَ يَـا بُنَىَّ إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ }. وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه، كأن قائلاً يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني: أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور، وأن لا يراجع الولد فيه، وأن لا يقول له؛ {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد {ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ }؟، وأيضاً فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكراً، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة، وإن كان الثاني، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة؟ والجواب: لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا متردداً فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح، والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو؟ فقيل إنه إسحق وهذ قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا ابن الذبيحين» تفسير : وقال له أعرابي: «حديث : يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل». تفسير : الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عقلك، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة؟. الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله: {أية : وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ } تفسير : [مريم: 54] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به. الحجة الرابعة: قوله تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } تفسير : [هود: 71] فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب، منه أو بعد ذلك فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه، وإلا حصل الخلف في قوله: {وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يعقوب } والثاني: باطل لأن قوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يٰبُنَىَّ إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق. الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: {أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الصافات: 99] ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال: {أية : رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } تفسير : [الصافات: 100] وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب الحاصل محال وقوله: {هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله: {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل. الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكأن الذبيح بمكة. ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحق بوجهين: الوجه الأول: أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال: {إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى سَيَهْدِينِ } وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال:{ أية : فبشرناه بغلام حليم} تفسير : [الصافات: 101] فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحق، ثم قال بعده: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحق، وأما آخر الآية فهو أيضاً يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } ومعناه أنه بشره بكونه نبياً من الصالحين، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحق عليه السلام. الحجة الثانية: على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب، وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح، والله أعلم. واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا: كان الذبح بمنى، والذين قالوا: إنه إسحق قالوا هو بالشام وقيل ببيت المقدس، والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأموراً بهذا بما رأى، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز، فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح، وإنما أمره بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين الأول: أنه عليه السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأموراً بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها في الوجود، فحينئذٍ يكون قد أمر بشيء وقد أتى به، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى: {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك يدل على المقصود، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح، ويدل عليه وجوه الأول: أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى: {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني: الذبح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءاً أعاد الله التأليف إليه، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث: وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصاً معيناً بإيقاع فعل معين في وقت معين، فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن، فإذا أنهاه عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين، لأنه تعالى إن كان عالماً بحال ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى وإنه محال، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب: عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح. أما قوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المنام. وأما قوله ثانياً كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءاً أعاد الله تعالى التأليف إليه، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به. وأما قوله ثالثاً إنه يلزم، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل، فنقول هذا بناءً على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسناً في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحاً في ذاته، وذلك بناءً على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل، وأيضاً فهب أنا نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسناً وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسناً ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده، فإنه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني، ويكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقة، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل، بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف، فكذا ههنا، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى. وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح، وثبت أنه تعالى ما أراده، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في المسألة المتقدمة، والله أعلم. المسألة الخامسة: في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه الأول: أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولاً في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذٍ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً الثاني: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقاً، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } تفسير : [الفتح: 27] وقال عن يوسف عليه السلام: {أية : إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] وقال في حق إبراهيم عليه السلام: {أية : إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } تفسير : [الصافات: 102] والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال، والله أعلم. ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } ثم وقع ذلك الشيء بعينه، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة. المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي: {تَرَى } بضم التاء وكسر الراء، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم؟ وقيل ما تشير، والباقون بفتح التاء، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل. المسألة السابعة: الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا، ثم إنه تعالى حكى عن ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال: {ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ } ومعناه افعل ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: شعر : أمرتك الخبر فافعل ما أمرت [به] تفسير : ثم قال: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا } يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد، وقد قرىء بهن جميعاً إذ انقاد له وخضع، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له، ومعناه سلم من أن ينازع فيه، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ابنه وهذا نفسه، ثم قال تعالى: {وتله للجبين} أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان، والجبهة بينهما، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع، فالمعنى أنه صرعه على جبينه، وقال مقاتل كبه على جبهته، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة. ثم قال تعالى: {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } وفيه قولان الأول: أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة والقول الثاني: أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير: فلما فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، سعد سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب، قالوا: وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفاً كان أعظم وأفخم، قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: {يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذا التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا، يعني حصل المقصود من تلك الرؤيا. وقوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } ابتداء إخبار من الله تعالى، وليس يتصل بما تقدم من الكلام، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه الطاعة، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين. ثم قال تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَء ٱلْمُبِينُ } أي الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } الذبح مصدر ذبحت والذبح أيضاً ما يذبح وهو المراد في هذه الآية، وههنا مباحث تتعلق بالحكايات فالأول: حكي في قصة الذبيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسطا شعب ثبير أخبره بما أمر به، فقال: يا أبت اشدد رباطي فيَّ كيلا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه وتعالى ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. البحث الثاني: اختلفوا في ذلك الكبش فقيل إنه الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله تعالى به إسماعيل، وقال آخرون أرسل الله كبشاً من الجنة قد رعى أربعين خريفاً، وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عنه إبراهيم فأخذه فذبحه، وخلى عن ابنه، ثم اعتنق ابنه وقال: يا بني اليوم وهبت لي، وأما قوله: {عظِيمٌ } فقيل سمي عظيماً لعظمه وسمنه، وقال سعيد بن جبير حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد إبراهيم، ثم قال تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } الضمير في قوله: {إِنَّهُ } عائد إلى إبراهيم، ثم قال تعالى: {وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } فقوله: {نَبِيّاً } حال مقدرة أي بشرناه بوجود إسحاق مقدرة نبوته، ولمن يقول إن الذبيح هو إسماعيل أن يحتج بهذه الآية، وذلك لأن قوله: {نَبِيّاً } حال ولا يجوز أن يكون المعنى فبشرناه بإسحاق حال كون إسحق نبياً لأن البشارة به متقدمة على صيرورته نبياً، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبياً، وحال ما حكمنا عليه فصبر، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ كانت هذه البشارة بشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق، أقصى ما في الباب أن يقال لا يبعد أن يقال هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة عن قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها في الوقوع والوجود، إلا أنا نقول الأصل رعاية الترتيب وعدم التغيير في النظم، والله أعلم بالصواب. ثم قال تعالى: {وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ } وفي تفسير هذه البركة وجهان الأول: أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق والثاني: أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات، ثم قال تعالى: {وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وفي ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن، لئلا تصير هذه الشبهة سبباً لمفاخرة اليهود، ودخل تحت قوله: {مُحْسِنٌ } الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله: {ظَالِمٌ } الكافر والفاسق، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيها سبع عشرة مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} أي فوهبنا له الغلام؛ فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور الدنيا معيناً على أعماله «قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ». وقال مجاهد: «فَلَمَا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي» أي شبّ وأدرك سعيُه سعَي إبراهيم. وقال الفراء: كان يومئذ ٱبن ثلاث عشرة سنة. وقال ٱبن عباس: هو الاحتلام. قتادة: مشى مع أبيه. الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. ٱبن زيد: هو السعي في العبادة. ٱبن عباس: صام وصلّى، ألم تسمع اللّه عز وجل يقول: {أية : وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا}تفسير : [الإسراء: 19]. وٱختلف العلماء في المأمور بذبحه. فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق. وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وٱبنه عبد اللّه وهو الصحيح عنه. روى الثوريّ وٱبن جريج يرفعانه إلى ٱبن عباس قال: الذبيح إسحاق. وهو الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود أن رجلاً قال له: يا بن الأشياخ الكرام. فقال عبد اللّه: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه صلى اللّه عليهم وسلم ـ. وقد روى حماد بن زيد يرفعه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم »تفسير : . وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق. وذلك مروي أيضاً عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه. وعن عبد اللّه بن عمر: أن الذبيح إسحاق. وهو قول عمر رضي اللّه عنه. فهؤلاء سبعة من الصحابة. وقال به من التابعين وغيرهم عَلْقَمة والشّعبي ومجاهد وسعيد بن جُبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعِكرمة والقاسم بن أبي بَزَّة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهريّ والسديّ وعبد اللّه بن أبي الهذيل ومالك بن أنس، كلهم قالوا: الذبيح إسحاق. وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد منهم النحاس والطبري وغيرهما. قال سعيد بن جبير: أُرِيَ إبراهيمُ ذبح إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى به المنحر من مِنىً؛ فلما صرف اللّه عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه، وسار به مسيرة شهر في رَوْحة واحدة طويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين. وقال آخرون: هو إسماعيل. وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وروي ذلك عن ٱبن عمر وٱبن عباس أيضاً، ومن التابعين سعيد بن المسيّب والشّعبي ويوسف بن مِهْران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرَظيّ والكلبي وعلقمة. وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:شعر : إنّ الذبيح هُدِيتَ إسمعيلُ نَطقَ الكتابُ بِذاك والتنزيلُ شرفٌ به خصّ الإلٰهُ نبيَّنا وأتى به التفسيرُ والتأويلُ إن كنتَ أُمَّتَه فلا تُنْكِرْ لَهُ شرفاً به قد خَصّه التفضيلُ تفسير : وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عَزَب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الذبيح إسماعيل والأوّل أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن التابعين. وٱحتجوا بأن اللّه عز وجل قد أخبر إبراهيم حين فارق قومه، فهاجر إلى الشام مع ٱمرأته سارّة وٱبن أخيه لوط فقال: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99] أنه دعا فقال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فقال تعالى: {أية : فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} تفسير : [مريم: 49]؛ ولأن اللّه قال: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بُشِّر به إبراهيم وإنما بُشِّر بإسحاق؛ لأنه قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}، وقال هنا: «بِغُلامٍ حَلِيمٍ» وذلك قبل أن يتزوّج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بُشر بولد إلا إسحاق. ٱحتج من قال إنه إسماعيل: بأن اللّه تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: {أية : وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ }تفسير : [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} تفسير : [مريم: 54]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفّى به؛ ولأن اللّه تعالى قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً} فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيًّا، وأيضاً فإن اللّه تعالى قال: {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71] فكيف يؤمر بذبح إسحق قبل إنجاز الوعد في يعقوب. وإيضاً ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدلّ على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس. وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع؛ أما قولهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأن يكون نبيّاً، فإنه يحتمل أن يكون المعنى: وبشرناه بنبوّته بعد أن كان من أمره ما كان؛ قاله ٱبن عباس. وسيأتي. ولعله أُمِر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحق يعقوب. ويقال: لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد من إسحق. وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحق لكان الذبح يقع ببيت المقدس، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدّم. وقال الزجاج: اللّه أعلم أيهما الذبيح. وهذا مذهب ثالث. الثانية ـ قوله تعالى: {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات. وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من اللّه تعالى أيقاظاً ورقوداً، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا»تفسير : . وقال ٱبن عباس: رؤيا الأنبياء وَحْيٌ وٱستدل بهذه الآية. وقال السّدي: لما بُشِّر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد قال هو إذاً لله ذبيح. فقيل له في منامه: قد نذرت نذراً فَفِ بنذرك. ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلاً يقول: إن اللّه يأمرك بذبح ٱبنك؛ فلما أصبح رَوَّى في نفسه أي فَكَّر أهذا الحُلْم من اللّه أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التَّرْوية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضاً وقيل له الوعد، فلما أصبح عرف أن ذلك من اللّه فَسُمِّيَ يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فَهمَّ بنحره فسُمِّي يوم النَّحْر. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: اللّه أكبر اللّه أكبر. فقال الذبيح: لا إلٰه إلا اللّه واللّه أكبر. فقال إبراهيم: اللّه أكبر والحمد للّه؛ فبقي سُنة. وقد ٱختلف الناس في وقوع هذا الأَمر وهي: الثالثة ـ فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح، ولو وقع لم يُتصوَّر رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل؛ لأنه لو حصل الفراغ من ٱمتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفِداء. وقوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}: أي حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم ٱمتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل به في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه؛ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته. وٱستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إليّ فترحمني، ولكن ٱجعل وجهي إلى الأرض؛ فأخذ إبراهيم السكين فأمَرَّها على حلقه فانقلبت. فقال له مالَكَ؟ قال: ٱنقلبت السكين. قال ٱطعنّي بها طعناً. وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءاً التأم. وقالت طائفة: وجد حَلقه نحاساً أو مغشًّى بنحاس، وكان كلما أراد قطعاً وجد منعاً. وهذا كله جائز في القدرة الإلّهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمْر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر. ولو كان قد جرى ذلك لبيَّنه اللّه تعالى تعظيماً لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات اللّه عليهما، وكان أولى بالبيان من الفِداء. وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أُمر بالذبح الحقيقي الذي هو فَرْي الأوداج وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له: «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم. وأيضاً لو صحت هذه الأشياء لما ٱحتيج إلى الفداء. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} قرأ أهل الكوفة غير عاصم «مَاذَا تُرِي» بضم التاء وكسر الراء من أرِيَ يُرِي. قال الفرّاء: أي فٱنظر ماذا ترى من صبرك وجزعك. قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، وإنما قال العلماء ماذا تشير؛ أي ما تريك نفسك من الرأي. وأنكر أبو عبيد: «تُرِي» وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة. وكذلك قال أبو حاتم. النحاس: وهذا غلط، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور، يقال: أريت فلاناً الصواب، وأريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين. الباقون «تَرَى» مضارع رأيت. وقد روي عن الضحاك والأعمش «تُرَى» غير مسمى الفاعل. ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر اللّه، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر اللّه؛ أو لتقرّ عينه إذا رأى من ٱبنه طاعة في أمر اللّه فـ{قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} أي ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف من قوله:شعر : أَمَرْتُكَ الخيَر فَٱفعلْ مَا أمِرتَ بِهِ تفسير : فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذفت الهاء؛ كقوله: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ}تفسير : [النمل: 59] أي ٱصطفاهم على ما تقدّم. و«ما» بمعنى الذي. {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ } قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى وفقه اللّه للصبر. وقد مضى الكلام في «يَا أَبَتِ» وكذلك في «يَا بُنَيَّ» في «يوسف» وغيرها. الخامسة ـ قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أي ٱنقادا لأمر اللّهِ. وقرأ ٱبن مسعود وٱبن عباس وعليّ رضوان اللّه عليهم «فَلَمَّا سَلَّمَا» أي فوّضا أمرهما إلى اللّه. وقال ابن عباس: ٱستسلما. وقال قتادة: أسلم أحدهما نفسه للّه عز وجل وأسلم الآخر ٱبنه. {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قال قتادة: كَبّه وحوّل وجهه إلى القبلة. وجواب «لما» محذوف عند البصريين تقديره «فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ للجَبِينِ» فديناه بكبش. وقال الكوفيون: الجواب «نَادَيْنَاهُ» والواو زائدة مقحمة؛ كقوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ}تفسير : [يوسف: 15] أي أوحينا. وقوله: {أية : وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَٱقْتَرَبَ}تفسير : [الأنبياء: 96] أي ٱقترب. وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ}تفسير : [الزمر: 73] أي قال لهم. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : فلمّا أَجَزْنَا سَاحَة الْحَيِّ وٱنتحى تفسير : أي ٱنتحى، والواو زائدة. وقال أيضاً:شعر : حتّى إذا حَمَلتْ بُطُونُكُمُ ورأيتُم أبناءَكم شَبُّوا وَقَلَبْتُمُ ظهرَ المِجنِّ لنا إن اللّئِيمَ الفاجِر الخِبُّ تفسير : أراد قلبتم. النحاس: والواو من حروف المعاني لا يجوز أن تزاد. وفي الخبر: إن الذبيح قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا ٱبت ٱشدد رباطي حتى لا أضطرب، وٱكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرعْ مَرَّ السكين على حَلْقي ليكون الموت أهون عليّ وٱقذفني للوجه؛ لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني، ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع، وإذا أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام. فلما جَرَّ إبراهيم عليه السلام السكين ضرب اللّه عليه صفيحة من نحاس، فلم تعمل السكين شيئاً، ثم ضرب به على جبينه وحَزَّ في قفاه فلم تعمل السكين شيئاً؛ فذلك قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} كذلك قال ابن عباس: معناه كبه على وجهه فنودي «يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» فٱلتفت فإذا بكبش؛ ذكره المهدوي. وقد تقدّمت الإشارة إلى عدم صحته، وأن المعنى لما اعتقد الوجوب وتهيأ للعمل؛ هذا بهيئة الذبح، وهذا بصورة المذبوح، أعطيا محلاًّ للذبح فِداء ولم يكن هناك مرّ سكين. وعلى هذا يتصوّر النسخ قبل الفعل على ما تقدّم. واللّه أعلم. قال الجوهري: «وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ» أي صرعه؛ كما تقول: كَبّه لوجهه. الهروي: والتَّلُّ الدفع والصرع؛ ومنه حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه: «وتركوك لِمَتَلِّك» أي لمصرعك. وفي حديث آخر: «حديث : فجاء بناقة كَوْمَاء فَتلَّها»تفسير : أي أناخها. وفي الحديث:« حديث : بينا أنا نائم أُتِيت بمفاتيح خزائن الأرض فُتلَّت في يدي»تفسير : قال ٱبن الأنباري: أي فألقيت في يدي؛ يقال: تَلَلْت الرجل إذا ألقيته. قال ٱبن الأعرابي: فصبّت في يدي؛ والتَّلُّ الصبّ؛ يقال: تلّ يتُلُّ إذا صبّ، وتَلّ يتِلّ بالكسر إذا سقط. قلت: وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي حديث : أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ؛ فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء» فقال الغلام: لا واللّه، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. قال: فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدهتفسير : ؛ يريد جعله في يده. وقال بعض أهل الإشارة: إن إبراهيم ٱدعى محبة اللّه، ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة؛ فقيل له: يا إبراهيم ٱذبح ولدك في مرضاتي، فشمَّر وأخذ السكين وأضجع ولده، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك. فأوحى اللّه إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد، وإنما المراد أن تردّ قلبك إلينا، فلما رددت قلبك لكُلِّيَّته إلينا رددنا ولدك إليك. وقال كعب وغيره: لما أري إبراهيم ذبح ولده في منامه، قال الشيطان: واللّه لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحداً أبداً. فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتى أم الغلام وقال: أتدرين أين ذهب إبراهيم بٱبنك؟ قالت لا. قال: إنه يذهب به ليذبحه. قالت: كلا هو أرأف به من ذلك. فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه. ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا. قال: فإنه يذهب بك ليذبحك. قال ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فليفعل ما أمره اللّه به، سمعاً وطاعة لأمر اللّه. ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ واللّه إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ٱبنك. فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدوّ اللّه؛ فواللّه لأمضين لأمر ربي. فلم يصب الملعون منهم شيئاً. وقال ٱبن عباس: لما أمر إبراهيم بذبح ٱبنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حَصَيَات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر اللّه تعالى. وٱختُلف في الموضع الذي أراد ذبحه (فيه) فقيل: بمكة في المقام. وقيل: في المنحر بمنى عند الجمار التى رمى بها إبليس لعنه اللّه؛ قاله ٱبن عباس وٱبن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيّب. وحكي عن سعيد بن جُبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثَبِير بِمنىً. وقال ٱبن جريج: ذبحه بالشام وهو من بيت المقدس على ميلين. والأول أكثر؛ فإنه ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أنه ذبحه بمكة. وقال ٱبن عباس: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلَّق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس. أجاب من قال بأن الذبح وقع بالشام: لعل الرأس حمل من الشام إلى مكة. واللّه أعلم. السادسة ـ قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ } أي النعمة الظاهرة؛ يقال: أبلاه اللّه إبْلاءً وبَلاَءً إذا أنعم عليه. وقد يقال بَلاهُ. قال زهير:شعر : فأَبْلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلو تفسير : فزعم قوم أنه جاء باللغتين. وقال آخرون: بل الثاني من بَلاهُ يَبْلُوهُ إذا ٱختبره، ولا يقال من الاختبار إلا بَلاه يَبْلوه، ولا يقال من الابتلاء يبلوه. وأصل هذا كله من الاختبار أن يكون بالخير والشر؛ قال اللّه عز وجل: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35]. وقال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ٱبنه؛ قال: وهذا من البلاء المكروه. السابعة ـ قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} الذِّبح ٱسم المذبوح وجمعه ذبوح، كالطحن ٱسم المطحون. والذَّبح بالفتح المصدر. «عظِيمٍ» أي عظيم القدر ولم يرِد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح؛ أو لأنه متقبَّل. قال النحاس: عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف. وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف، أو المتقَّبل. وقال ٱبن عباس: هو الكبش الذي تقرَّب به هابيل، وكان في الجنة يرعى حتى فدى اللّه به إسماعيل. وعنه أيضاً: أنه كبش أرسله اللّه من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وقال الحسن: ما فدِي إسماعيل إلا بتيس من الأَرْوَى هبط عليه من ثبِير، فذبحه إبراهيم فداء عن ٱبنه، وهذا قول علي رضي اللّه عنه. فلما رآه إبراهيم أخذه فذبحه وأعتق ٱبنه. وقال: يا بني اليوم وُهِبت لي. وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل إنه فَدِي بوَعْل، والوَعْل: التيس الجبلي. وأهل التفسير على أنه فُدِي بكبش. الثامنة ـ في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهذا مذهب مالك وأصحابه. قالوا: أفضل الضحايا الفحول من الضأن، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز، وفحول المعز خير من إناثها، وإناث المعز خير من الإبل والبقر. وحجتهم قوله سبحانه وتعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي ضخم الجثة سمين، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة. وروى مجاهد وغيره عن ٱبن عباس أنه سأله رجل: إني نذرت أن أنحر ٱبني؟ فقال: يجزيك كبش سمين، ثم قرأ «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ». وقال بعضهم: لو علم اللّه حيواناً أفضل من الكبش لفدى به إسحق. وضحّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين. وأكثر ما ضحّى به الكباش. وذكر ٱبن أبي شيبة عن ٱبن عُلَيَّة عن الليث عن مجاهد قال: الذِّبح العظيم الشاة. التاسعة ـ واختلفوا أيما أفضل: الأضحية أو الصدقة بثمنها. فقال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنىً؛ لأنه ليس موضع الأضحية؛ حكاه أبو عمر. وقال ابن المنذر: روينا عن بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد تَرِب فيه ـ هكذا قال المحدث ـ أحب إليّ من أن أضحي به. وهذا قول الشعبي إن الصدقة أفضل. وبه قال مالك وأبو ثور. وفيه قول ثانٍ: إن الضحية أفضل؛ هذا قول ربيعة وأبي الزناد. وبه قال أصحاب الرأي. زاد أبو عمر وأحمد بن حنبل قالوا: الضحية أفضل من الصدقة؛ لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل. وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوّع كله. قال أبو عمر: وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان؛ فمنها ما رواه سعيد بن داود بن أبي زَنْبَر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند اللّه من إهراق الدم»تفسير : قال أبو عمر: وهو حديث غريب من حديث مالك. وعن عائشة قالت: يأيها الناس ضحُّوا وطِيبوا أنفساً؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد توجّه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسناتٍ محضراتٍ في ميزانه يوم القيامة فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حِرْز اللّه حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة»تفسير : ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد. وخرجه الترمذي أيضاً عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما عمِل آدميٌّ من عملٍ يوم النحرِ أحبّ إلى اللّه من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإنّ الدم ليقعُ من اللّه بمكانٍ قبل أن يقع إلى الأرض فطِيبوا بها نفساً»تفسير : قال: وفي الباب عن عِمْران بن حُصَين وزيد بن أَرْقَم. وهذا حديث حسن. العاشرة ـ إن الضحية ليست بواجبة ولكنها سنّة ومعروف. وقال عكرمة: كان ٱبن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحماً، ويقول: من لقيتَ فقل هذه أضحية ٱبن عباس. قال أبو عمر: ومحمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر أنهما لا يضحيان عند أهل العلم؛ لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة فرض، وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم؛ لأنهم الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم. وقد حكى الطحاوي في مختصره: وقال أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب على المسافر. قال: ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه عن نفسه. وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها. قال: وبه نأخذ. قال أبو عمر: وهذا قول مالك؛ قال: لا ينبغي لأحد تركها مسافراً كان أو مقيماً، فإن تركها فبئس ما صنع إلا أن يكون له عذر إلا الحاج بمنىً. وقال الإمام الشافعي: هي سنة على جميع الناس وعلى الحاج بمنىً وليست بواجبة. وقد ٱحتج من أوجبها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بُرْدة بن نِيَار أن يعيد ضحية أخرى؛ لأن ما لم يكن فرضاً لا يؤمر فيه بالإعادة. ٱحتج آخرون بحديث أمّ سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي»تفسير : قالوا: فلو كان ذلك واجباً لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحِّي. وهو قول أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدريّ وبلال. الحادية عشرة ـ والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. قال ٱبن المنذر: وقد حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يضحى ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن رجل. وقال الإمام الشافعي: لو نزا ثور وحشي على بقرة إنسيّة، أو ثور أنسي على بقرة وحشية لا يجوز شيء من هذا أضحية. وقال أصحاب الرأي: جائز؛ لأن ولدها بمنزلة أمه. وقال أبو ثور: يجوز إذا كان منسوباً إلى الأنعام. الثانية عشرة ـ قد مضى في سورة «الحج» الكلام في وقت الذبح والأكل من الأضحية مستوفى. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: «حديث : ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبّر ووضع رجله على صِفَاحهما»تفسير : وفي رواية قال: «حديث : ويقول بسم اللّه واللّه أكبر»تفسير : وقد مضى في آخر «الأنعام» حديث عِمران بن حُصَين، ومضى في «المائدة» القول في التذكية وبيانها وما يُذَكَّى به، وأن ذكاة الجنين ذكاة أمّه مستوفىً. وفي صحيح مسلم عن عائشة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتى به ليضحي به» فقال لها:«يا عائشة هَلُمِّي المدية»ثم قال: «اشحذيها بحجر» ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال:«بسم اللّه اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد»ثم ضحى بهتفسير : . وقد ٱختلف العلماء في هذا فكان الحسن البصري يقول في الأضحية: بسم اللّه واللّه أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان. وقال مالك: إن فعل ذلك فحسن، وإن لم يفعل وسمى اللّه أجزأه. وقال الشافعي: والتسمية على الذبيحة بسم اللّه، فإن زاد بعد ذلك شيئاً من ذكر اللّه، أو صلّى على محمد عليه السلام لم أكرهه، أو قال اللهم تقبل مني، أو قال تقبل من فلان فلا بأس. وقال النعمان: يكره أن يذكر مع ٱسم اللّه غيره؛ يكره أن يقول: اللهم تقبل من فلان عند الذبح. وقال: لا بأس إذا كان قبل التسمية وقبل أن يضجع للذبح. وحديث عائشة يردّ هذا القول. وقد تقدم أن إبراهيم عليه السلام قال لما أراد ذبح ٱبنه: اللّه أكبر والحمد للّه. فبقي سنة. الثالثة عشرة ـ روى البَرَاء بن عازِب حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا يُتّقَى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: «أربعاً ـ وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ العرجاء البيّن ظَلَعُها والعوراء البيِّن عَوَرُها والمريضة البيّن مرضُها والعجفاء التي لا تُنْقى»تفسير : لفظ مالك ولا خلاف فيه. وٱختلف في اليسير من ذلك. وفي الترمذيّ عن عليّ رضي اللّه عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستَشِرف العين والأذن وألاّ نضحِّي بمقابلة ولا مُدَابَرة ولا شَرْقاء ولا خَرْقاء. قال: والمقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدَابَرة ما قطِع من جانب الأذن، والشَّرقاء المشقوقة، والخرقاء المثقوبة؛ قال هذا حديث حسن صحيح. وفي الموطإ عن نافع: أن عبد اللّه بن عمر كان يَتَّقي من الضحايا والبدن التي لم تُسْنن والتي نقص من خَلْقها. قال مالك: وهذا أحبّ ما سمعت إلي. قال القتبي: لم تُسنن أي لم تنبت أسنانها كأنها لم تُعَط أسناناً. وهذا كما يقال: فلان لم يُلْبَن أي لم يُعطَ لبناً، ولم يُسمَن أي لم يعط سمناً، ولم يعُسَل أي لم يُعَط عسلاً. وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهتماء. قال أبو عمر: ولا بأس أن يضحي عند مالك بالشاة الهتماء إذا كان سقوط أسنانها من الكبر والهرم وكانت سمينة؛ فإن كانت ساقطة الأسنان وهي فتية لم يجز أن يضحي بها؛ لأنه عيب غير خفيف. والنقصان كله مكروه، وشرحه وتفصيله في كتب الفقه. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. «حديث : ٱستشرقوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم»تفسير : ذكره الزمخشري. الرابعة عشرة ـ ودلّت الآية على أن من نذر نحر ٱبنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش كما فدى به إبراهيم ٱبنه؛ قاله ٱبن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ٱبنه؛ روى الروايتين عنه الشعبي. وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين. وقال مسروق: لا شيء عليه. وقال الشافعي: هو معصية يستغفر اللّه منها. وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ولده شيء. قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث. وذكر ٱبن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هديٌ. قال: ومن نذر أن ينحر ٱبنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ولا أراده فلا شيء عليه. قال: ومن جعل ٱبنه هَدْياً أهدى عنه؛ قال القاضي ٱبن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة؛ لأن اللّه تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعاً، فألزم اللّه إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة. وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة؛ لأن اللّه تعالى قال: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الحج: 78] والإيمان التزام أصليّ، والنذر التزام فرعيّ؛ فيجب أن يكون محمولاً عليه. فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز. قلنا: هذا اعتراض على كتاب اللّه، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال اللّه تعالى: «ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال؛ فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وٱبتلاء، ولهذا قال اللّه تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ }تفسير : [الصافات: 106] في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية. فإن قيل: كيف يصير نذراً وهو معصية. قلنا: إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره؛ لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعاً. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي على إبراهيم ثناء جميلاً في الأمم بعده؛ فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه. وقيل: هو دعاء إبراهيم عليه السلام {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ }تفسير : [الشعراء: 84]. وقال عكرمة: هو السلام على إبراهيم أي سلاماً منا. وقيل: سلامة له من الآفات مثل «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ في الْعَالَمِينَ» حسب ما تقدّم. {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من الذين أعطوا العبودية حقها حتى استحقوا الإضافة إلى اللّه تعالى. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} قال ٱبن عباس: بشر بنبوّته وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين؛ فعلى هذا الذبيح هو إسحاق بشر بنبوّته جزاء على صبره ورضاه بأمر ربه وٱستسلامه له. {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ} أي ثَنَّينا عليهما النعمة وقيل كثرنا ولدهما؛ أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه. وقد قيل: إن الكناية في «عَلَيْهِ» تعود على إسماعيل وأنه هو الذبيح. قال المفضل: الصحيح الذي يدلّ عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصّة الذبيح، فلما قال في آخر القصّة: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } ثم قال: {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ} أي على إسماعيل «وَعَلَى إِسْحَاقَ» كنى عنه؛ لأنه قد تقدّم ذكره ثم قال: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا} فدّل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. قلت: قد ذكرنا أوّلاً ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل، وأن المبشَّر به، هو إسحاق بنص التنزيل؛ فإذا كانت البشارة بإسحاق نصّا فالذبيح لا شك هو إسحاق، وبُشِّر به إبراهيم مرتين؛ الأولى بولادته والثانية بنبوّته؛ كما قال ابن عباس. ولا تكون النبوّة إلا في حال الكبر و«نَبِيًّا» نصب على الحال والهاء في «عليهِ» عائدة إلى إبراهيم وليس لإسماعيل في الآية ذكر حتى ترجع الكناية إليه. وأما ما روى عن طريق معاوية قال: سمعت رجلاً يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يابن الذبيحين؛ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال معاوية: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم، نذر للّه إن سهّل عليه أمرها ليذبحن أحدَ ولده للّه، فسهّل اللّه عليه أمرها، فوقع السهم على عبد اللّه، فمنعه أخواله بنو مخزوم؛ وقالوا: ٱفد ٱبنك؛ ففداه بمائة من الإبل وهو الذبيح، وإسماعيل هو الذبيح الثاني فلا حجة فيه؛ لأن سنده لا يثبت على ما ذكرناه في كتاب «الأعلام في معرفة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام»؛ ولأن العرب تجعل العم أباً؛ قال اللّه تعالى: {أية : قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [البقرة: 133] وقال تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}تفسير : [يوسف: 100] وهما أبوه وخالته. وكذلك ما روي عن الشاعر الفرزدق عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لو صح إسناده فكيف والفرزدق في نفسه مقال. السابعة عشرة ـ قوله تعالى {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ} لما ذكر البركة في الذرية والكثرة قال: منهم محسن ومنهم مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوّة؛ فاليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر، وفي التنزيل: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] الآية؛ أي أبناء رسل اللّه فرأوا لأنفسهم فضلاً. وقد تقدم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } أي أن يسعى معه ويعينه. قيل: بلغ سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة {قَالَ يَٰبَنِىَّ إِنِّى أَرَىٰ } أي رأيت {فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ } ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر الله تعالى {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } من الرأي: شاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به {قَالَ يٰأَبَتِ } التاء عوض عن ياء الإِضافة { ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ } به {سَتَجِدُنِى إِن شآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ } على ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {السَّعْىَ} مشى معه، أو العمل، أو العبادة، أو العمل الذي تقوم به الحجة وكان ابن ثلاث عشرة سنة {أَرَى فِى الْمَنَامِ} قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : رؤيا الأنبياء وحي " تفسير : {مَاذَا تَرَى} من صبرك وجزعك، أو قاله امتحاناً لصبره على أمر الله ـ تعالى ـ ولم يقل ذلك استشارة. {مِنَ الصَّابِرِينَ} على القضاء، أو الذبح. فوجده صادق الطاعة سريع الإجابة قوي الدين.
البقاعي
تفسير : ولما كانت البشرى من الله لا تتخلف، كان التقدير: فولد له غلام كما قلنا {فلما بلغ} أن يسعى كائناً {معه} أي مع أبيه خاصة ومصاحباً له {السعي} الذي يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به، ولا يتعلق مع مبلغ لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي، ولا معنى لذلك في حق إبراهيم عليه السلام ولا بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولو أخر عنه لم يفد الاختصاص المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بأن يبلغ في ذلك معه ما لا يبلغه مع غيره لعظيم شفقة الأب، واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته، واختلف العلماء في تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم: ثلاث عشرة سنة، وبعضهم: سبع سنين، ولذلك قيده بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في وسعه، وهو لم يبلغ كمال السعي {قال} أي إبراهيم عليه السلام: {يا بني} منادياً له بصيغة التعطف والشفقة والتحبب، ذاكراً له بالمضارع الحال الذي رآه عليه ومصوراً له، لا لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ولا إلى التروي، فإن الله تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض، وأكد لما في طباع البشر من إحالة أن يقال ذلك على حقيقته، وإعلاماً بأنه منام وحي لا أضغاث أحلام: {إني أرى في المنام} أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي {أني أذبحك} أي أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من الله تعالى ولذلك كان كما قال، ولو عبر بالماضي لمضى وتم، وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر جداً ليعلم وثوق الأنبياء عليهم السلام بما يأتيهم عن الله في كل حال. ولما كان الأنبياء عليهم السلام أشفق الناس وأنصحهم، أحب أن يرى ما عنده، فإن كان على ما يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى البلاء وهو أهون عليه، ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده، ولتكون المشاورة سنة، فإنه "ما ندم من استشار" سبب عن ذلك قوله: {فانظر} بعين بصيرتك {ماذا} أي ما الذي {ترى} أي في هذه الرؤيا، فهو اختبار لصبره، لا مؤامرة له {قال} تصديقاً لثناء الله عليه بالحلم: {يا أبت} تأدباً معه بما دل على التعظيم والتوفير {افعل ما تؤمر} أي كل شيء وقع لك به أمر من الله تعالى ويتجدد لك به أمر منه سبحانه لأني لا أتهمك في شفقتك وحسن نظرك، ولا أتهم الله في قضائه، والقصة دليل على وقوع الأمر بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر منه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند {أية : ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} تفسير : [البقرة: 6]. ولما علم طاعته، تشوف السامع إلى استسلامه وصبره، فاستأنف قوله: {ستجدني} أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله تعالى عنه، لا خلف فيه، وكان صادق الوعد. ولما كان من أخلاق الكمل عدم القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة الله تعالى على نقض العزائم بالحيلولة بين المرء وقلبه قال: {إن شاء الله} أي الذي اختص بالإحاطة بصفات الكمال؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي لا يكاد يصدق مثله بقوله: {من الصابرين} أي العريقين في الصبر البالغين فيه حد النهاية، وهو من أعظم ما أريد بقوله {أية : وكان صادق الوعد}تفسير : [مريم: 54]. شعر : ولو بيد الحبيب سقيت سماً لكان السم من يده يطيب تفسير : وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نوماً ويقظة، وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال، وروي أن الشيطان وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في الجمار، ومن ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق الشواغل جعلت أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود إلى الله تعالى. ولما وثق منه، بادر إلى ما أمر به، ودل على قرب زمنه من زمن هذا القول بالفاء فقال: {فلما أسلما} أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين المباشرة بجميع قواهما في يد الأمر، ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ولا امتناع ولا حديث نفس في شيء من ذلك {وتلّه} أي صرعه إبراهيم عليهما السلام صرعاً جيداً سريعاً مع غاية الرضا منه والمطاوعة من إسماعيل عليه السلام، ودل على السرعة باللام الواقعة موقع "على" فقال: {للجبين *} أي أحد شقي الجبهة، وهي هيئة إضجاع ما يذبح، وهذا من قولهم: تله - إذا صرعه، وبه سمي التل من التراب، وتلك فلاناً في يدك أي دفعته سلماً، والجبين - قال في الصحاح: فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها. ولما كان من الواضح أن التقدير جواباً لما عالج ذبحه بعزم أمضى من السنان، وجنان في ثباته أيما جنان، فمنعناه من التأثير بقدرتنا، ورددنا شفرته الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا، عطف عليه قوله: {وناديناه} وفخم هذا النداء بحرف التفسير فقال: {أن يا إبراهيم*} ولما كان محل التوقع الثناء عليه قال: {قد صدقت} أي تصديقاً عظيماً {الرؤيا} في أنك تذبحه، فإنك قد عالجت ذلك، وبدلت الوسع فيه، وفعلت ما رأيته في المنام، فما انذبح لأنك لم تر أنك ذبحته، فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من هذا. ولما كان التقدير: فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب، وجعلناك إماماً للمتقين، ووهبناك لسان صدق في الآخرين، وجعلنا آلك هم المصطفين، وملأنا منهم الخافقين، علله بأن ذلك سنته دائماً قديماً وحديثاً فقال ما يأتي. ولما كان صلى الله عليه وسلم في همة الذبح وعزمه، فكانت تلك الهمة التي تقصر عنها رتبها السها والسماك، والعزمة التي تتضاءل دون عليّ مكانتها وسني عظمتها عوالي الأفلاك، لا تسكن عن ثورانها، ولا تبرد عن غليانها وفورانها، إلا بأمر شديد، وقول جازم أكيد، قال مؤكداً تنبيهاً على أن همته قد وصلت إلى هذا حده، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة بالنهي: {إنا كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *}. ولما كان جزاءه عظيماً جداً، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجباً ومعظماً مؤكداً تنبيهاً على أنه خارق للعادة: {إن هذا} أي الأمر والطاعة فيه {لهو البلاءُ} أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائناً ما كان {المبين *} أي الظاهر في بابه جداً المظهر لرائيه انه بلاء. ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه، ومن البشارة بالجزاء، ذكر فداءه بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين، ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده، وكان إسماعيل في يد إبراهيم عليهما السلام، وهو يعالج إتلافه، جعل تعالى نفسه المقدس فادياً لأن الفادي من أعطى الفداء، وهو ما يدفع لفكاك الأسير، وجعل إبراهيم عليه السلام مفتدى منه تشريفاً له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها، والله تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال: {وفديناه} أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه تشريفاً له {بذبح} أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعاً للذبح، وهو كبش من الجنة، قيل: إنه الذي قربه هابيل فتقبله الله منه {عظيم *} أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول ديناً إلى آخر الدهر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {بلغ معه السعي} قال: العمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {فلما بلغ معه السعي} قال: أدرك معه العمل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلما بلغ معه السعي} قال: لما مشى مع أبيه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه {فلما بلغ معه السعي} قال: لما مشى، فأسر في نفسه حزناً في قراءة عبد الله {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {فلما بلغ معه السعي} قال: لما شب حتى أدرك سعيه، سعى إبراهيم في العمل {فلما أسلما} قال: سلما ما أمرا به {وتله للجبين} قال: وضع وجهي للأرض. ففعل، فلما أدخل يده ليذبحه {نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} فأمسك يده ورفع رأسه، فرأى الكبش ينحط إليه حتى وقع عليه، فذبحه. وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد إبراهيم عليه السلام أن يذبح إسحاق قال لأبيه: إذا ذبحتني فاعتزل لا أضطرب، فينتضح عليك دمي فشده، فلما أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه، نودي من خلفه {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} . وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق عليهما السلام قال لأبيه: يا أبت أوثقني لا أضطرب، فينتضح عليك دمي إذا ذبحتني فشده، فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه، نودي من خلفه {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} ". تفسير : وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وإن من شيعته لإِبراهيم} قال: من شيعة نوح على منهاجه وسننه {بلغ معه السعي} شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم في العمل {فلما أسلما} سلما ما أمرا به {وتله} وضع وجهه للأرض فقال: لا تذبحني وأنت تنظر، عسى أن ترحمني فلا تجهز علي، وإن أجزع فانكص فامتنع منك، ولكن أربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه فلم تصل المدية حتى نودي {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} فأمسك يده فذلك قوله {وفديناه بذبح عظيم} بكبش {عظيم} متقبل. وزعم ابن عباس رضي الله عنهما أن الذبيح إسماعيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا الأنبياء وحي ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: رؤيا الأنبياء وحي. ثم تلا هذه الآية {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق. إذا رأوا شيئاً فعلوه. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه السلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات {وتله للجبين} وعلى إسماعيل عليه السلام قميص أبيض فقال: يا أبت ليس لي ثوب تكفني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} فالتفت فإذا كبش أبيض، أعين، أقرن، فذبحه. وأخرج ابن جرير والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق. وكذبت اليهود. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طريق الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد ويوسف بن ماهك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن مهران وأبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير قالا: الذي أراد إبراهيم عليه السلام، ذبحه إسماعيل عليه السلام. وأخرج ابن جرير عن الشعبي ومجاهد والحسن ويوسف بن مهران ومحمد بن كعب القرظي، مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {وفديناه بذبح عظيم} قال: إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش. وأخرج ابن جرير والآمدي في مغازيه والخلعي في فوائده والحاكم وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق أيهما الذبيح؟ فقال معاوية: سقطتم على الخبير كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابساً، والماء عابساً، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ قال: إن عبد المطلب لما حفر زمزم، نذر لله إن سهل حفرها أن ينحر بعض ولده، فلما فرغ أسهم بينهم وكانوا عشرة، فخرج السهم على عبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم وقالوا: ارضِ ربك وافْدِ ابنك. ففداه بمائة ناقة فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وانا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك إن الله يقول حين فرغ من قصة المذبوح {وبشرناه بإسحاق} وقال {أية : فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}تفسير : [هود: 71] بابن، وابن ابن، فلم يكن يأمر بذبح إسحاق وله فيه موعود بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل. وأخرج الحاكم بسند فيه الواقدي عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال سألت خوات بن جبير رضي الله عنه عن ذبيح الله قال: إسماعيل عليه السلام لما بلغ سبع سنين رأى إبراهيم عليه السلام في النوم في منزله بالشام أن يذبحه، فركب إليه على البراق حتى جاءه، فوجده عند أمه، فأخذ بيديه، ومضى به لما أمر به، وجاء الشيطان في صورة رجل يعرفه، فذبح طرفي حلقه، فإذا هو نحر في نحاس، فشحذ الشفرة مرتين أو ثلاثاً بالحجر ولا تحز قال إبراهيم: إن هذا الأمر من الله، فرفع رأسه، فإذا هو بوعل واقف بين يديه فقال إبراهيم: قم يا بني قد نزل فداؤك، فذبحه هناك بمنى. وأخرج الحاكم بسندٍ فيه الواقدي من طريق عطاء بن يسار رضي الله عنه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: الذبيح إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد والحسن رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق الشاعر قال: رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إن الذي أمر بذبحه إسماعيل. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن محمد بن كعب رضي الله عنه، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أرسل إلى رجل كان يهودياً، فاسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب. وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : قال نبي الله داود: يا رب أسمع الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني رابعاً قال: إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تَنَلكَ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب يقولون يا رب إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، لأي شيء يقولون ذلك؟ قال: لأن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بنفسه فهو على ما سواه أجود، وأما يعقوب فما ابتليت ببلاء إلا ازداد بي حسن الظن. وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن داود سأل ربه مسألة فقال: اجعلني مثل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فأوحى الله إليه أني: ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر ". تفسير : وأخرج الدارقطني في الأفراد والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذبيح إسحاق ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن بهار وكانت له صحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إسحاق ذبيح . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن أبي الأحوص قال: فاخر أسماء بن خارجة عند ابن مسعود فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس؟ قال "يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا ابا إسحاق سل تعطه قال: أما والله لا تعجلها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً قد أحسن، فاغفر له ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه. أنه قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق؟ قال: بلى. قال: رأى إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذه آل إبراهيم لا أفتن أحداً منهم أبداً، فتمثل الشيطان رجلاً يعرفونه، فاقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة، فقال: أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت: لبعض حاجته قال: لا والله قالت: فَلِمَ غدا؟ قال: ليذبحه قالت: لم يكن ليذبح ابنه! قال: بلى والله قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك قالت: قد أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان، فأدرك إسحاق وهو يمشي على أثر أبيه قال: أين أصبح أبوك غادياً؟ قال: لبعض حاجته قال: لا والله بل غدا بك ليذبحك قال: ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى قال: لِمَ؟ قال: زعم أن الله أمره بذلك قال إسحق: فوالله لئن أمره ليطيعنه. فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال أين أصبحت غادياً بابنك؟ قال: لبعض حاجتي قال: لا والله ما غدوت به إلا لتذبحه. قال: ولِمَ أذبحه؟ قال: زعمت أن الله أمرك بذلك فقال: والله لئن كان الله أمرني لأفعلن. قال فتركه ويئس أن يطاع، فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه، وسلم إسحاق عافاه الله، وفداه بذبح عظيم. فقال: قم أي بني فإن الله قد عافاك، فأوحى الله إلى إسحاق: أني قد أعطيتك دعوة استجيب لك فيها قال: فإني أدعوك أن تستجيب لي. أيما عبد لقيك من الأوّلين والآخرين لا يشرك بك شيئاً، فادخله الجنة. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق. وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق. وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: الذبيح إسحاق. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الذبيح إسحاق. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام ذبح إسحاق، سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة واحدة، فلما صرف عنه الذبح، وأمر بذبح الكبش، ذبحه ثم راح به، وراحا إلى منزله في عشية واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال. وأخرج الحاكم بسند فيه الواقدي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح إسحاق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق. وأخرج ابن عساكر عن نوح بن حبيب قال: سمعت الشافعي يقول كلاماً ما سمعت قط أحسن منه، سمعته يقول: قال خليل الله إبراهيم لولده في وقت ما قص عليه ما رأى ماذا ترى؟ أي ماذا تشير به، ليستخرج بهذه اللفظة منه ذكر التفويض، والصبر، والتسليم، والانقياد لأمر الله، لا لمواراته لدفع أمر الله تعالى، {يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} قال الشافعي رضي الله عنه: والتفويض هو الصبر، والتسليم هو الصبر، والانقياد هو ملاك الصبر، فجمع له الذبيح جميع ما ابتغاه بهذه اللفظة اليسيرة. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن فضيل بن عياض قال: أضجعه ووضع الشفرة، فاقلب جبريل الشفرة، فقال: يا أبت شدني فإني أخاف أن ينتضح عليك من دمي، ثم قال: يا أبت حلني فإني أخاف أن تشهد عليَّ الملائكة أني جزعت من أمر الله تعالى... وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أتى إبراهيم في النوم فقيل له: أوف بنذرك الذي نذرت. إن الله رزقك غلاماً من سارة أن تذبحه. فقال: يا إسحاق انطلق فقرب قرباناً إلى الله، فأخذ سكيناً وحبلاً ثم انطلق به، حتى إذا ذهب به بين الجبال قال الغلام: يا أبت أين قربانك؟ {قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} قال له إسحاق: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، وأكفف عني ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي شيء، فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليَّ فإذا أتيت سارة، فاقرأ عليها السلام مني. فأقبل عليه إبراهيم بقلبه وهو يبكي، وإسحاق يبكي، ثم إنه جر السكين على حلقه، فلم تنحر، وضرب الله على حلق إسحاق صفيحة من نحاس، فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه، وحز من قفاه. وذلك قول الله {فلما أسلما} يقول: سلما لله الأمر {وتله للجبين} فنودي يا إبراهيم {قد صدقت الرؤيا} بإسحاق، فالتفت فإذا هو بكبش، فأخذه وحل عن ابنه، وأكب عليه يقبله، وجعل يقول: اليوم يا بني وهبت لي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الله لما أمر إبراهيم بذبح ابنه قال له: يا بني خذ الشفرة فقال الشيطان: هذا أوان أصيب حاجتي من آل إبراهيم، فلقي إبراهيم متشبهاً بصديق له، فقال له: يا إبراهيم أين تعمد؟ قال: لحاجة قال: والله ما تذهب إلا لتذبح ابنك من أجل رؤيا رأيتها، والرؤيا تخطىء وتصيب، وليس في رؤيا رأيتها ما تذهب إسحاق، فلما رأى أنه لم يستفد من إبراهيم شيئاً؛ لقي إسحاق، فقال: أين تعمد يا إسحاق؟ قال: لحاجة إبراهيم قال: إن إبراهيم إنما يذهب بك ليذبحك فقال إسحاق: وما شأنه يذبحني، وهل رأيت أحداً يذبح ابنه؟ قال: يذبحك لله قال: فإن يذبحني لله أصبر والله لذلك أهل، فلما رأى أنه لم يستفد من إسحاق شيئاً جاء إلى سارة فقال: أين يذهب إسحاق؟ قالت: ذهب مع إبراهيم لحاجته فقال: إنما ذهب به ليذبحه فقالت: وهل رأيت أحداً يذبح ابنه؟ قال: يذبحه لله قالت: فإن ذبحه لله، فإن إبراهيم وإسحاق لله، والله لذلك أهل، فلما رأى أنه لم يستفد منهما شيئاً أتى الجمرة، فانتفخ حتى سد الوادي، ومع إبراهيم الملك فقال الملك: ارم يا إبراهيم، فرمى بسبع حصيات، يكبر في أثر كل حصاة، فأفرج له عن الطريق، ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثانية، فانتفخ حتى سد الوادي فقال له الملك: ارم يا إبراهيم، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، فافرج له عن الطريق، ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثالثة، فانتفخ حتى سد الوادي عليه فقال له الملك: ارم يا إبراهيم فرمى بسبع حصيات، يكبر في أثر كل حصاة، فأفرج له عن الطريق حتى أتى المنحر. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سميت تروية، وعرفة، لأن إبراهيم عليه السلام أتاه الوحي في منامه: أن يذبح ابنه، فرأى في نفسه أمن الله هذا، أم من الشيطان؟ فاصبح صائماً، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحق من ربه، فسميت عرفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلما أسلما} قال: أسلم هذا نفسه لله، وأسلم هذا ابنه لله {وتله} أي كبه لفيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله {فلما أسلما} قال: اتفقا على أمر واحد {وتله للجبين} قال: أكبه للجبين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وتله للجبين} قال: أكبه على وجهه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وتله للجبين} قال: صرعه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه قال: يا أبتاه خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي حتى لا أؤذيك إذا مسني حر السكين، ففعل، فانقلبت السكين قال: ما لك يا أبتاه؟ قال: انقلبت السكين قال: فاطعن بها طعناً قال: فتثنت قال: ما لك يا أبتاه؟ قال: تثنت، فعرف الصدق، ففداه الله بذبح عظيم، وهو إسحاق. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وتله للجبين} قال: ساجداً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنه قال: لما أن وضع السكين على حلقه، انقلبت صارت نحاساً. وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن حاضر قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق ترك أمه سارة في مسجد الخيف، وذهب بإسحاق معه، فلما بلغ حيث أراد أن يذبحه قال إبراهيم لمن كان معه: استأخروا مني، وأخذ بيد ابنه إسحاق، فعزله فقال: يا بني {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} قال له إسحاق: يا أبتِ ربي أمرك قال إبراهيم: نعم يا إسحاق. قال إسحاق: {افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما} لأمر الله {وتله} قال إسحاق لأبيه: يا أبتِ أوثقتني لأطيش بك نودي {يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} وهبط عليه الكبش من ثبير، وقد قيل: إنه ارتعى في الجنة أربعين سنة، فلما كشف عن إسحاق دعا ربه، ورغب إليه، وحمده، وأوحى إليه: أن أدع فإن دعاءك مستجاب، فقال: اللهم من خرج من الدنيا لا يشرك بك شيئاً فادخله الجنة. قال ابن خاضر: إن إبراهيم كان قال لربه: يا رب أي ولدي أذبح؟ فأوحى الرب إليه: أحبهما إليك. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه: أن داود قال: يا رب إن الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً. فأوحى الله إليه: أن تلك بلية لم تصل إليك بعد. إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني، ووفى بجميع ما أمرته. وإن إسحاق جاد لي بنفسه. وإن يعقوب أخذت خاصته، غيبته عنه طول الدهر، فلم ييأس من روحي. وأخرج سعد بن منصور وابن المنذر عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: خرج إبراهيم عليه السلام بابنه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، فتمثل له الشيطان في صورة رجل، فقال له: أين تذهب؟ فقال إبراهيم: عليه السلام ما لك ولذلك...! اذهب في حاجتي قال: فإنك تزعم أنك تذهب بابنك فتذبحه قال: والله إن كان الله أمرني بذلك أني لحقيق أن أطيع ربي، ثم ذهب إلى ابنه وهو وراءه يمشي، فقال له: أين تذهب؟ قال: اذهب مع أبي فقال: إن أباك يزعم أن الله أمره بذبحك، فقال له مثل ما قال إبراهيم، ثم انطلق إبراهيم عليه السلام، حتى إذا كانوا على جبل قال لابنه {يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ويا أبت أوثقني رباطاً، لا ينتضح عليك من دمي، فقام إليه إبراهيم بالشفرة، فبرك عليه، فجعل ما بين ليته إلى منحره نحاساً لا تحيك فيه الشفرة، ثم إن إبراهيم التفت وراء، فإذا هو بالكبش فقال له: أي بني قم فإن الله فداك، فذبح إبراهيم الكبش، وترك ابنه، ثم إن إبراهيم عليه السلام قال: يا بني إن الله قد أعطاك بصبرك اليوم، فسل ما شئت تعطى قال: فإني أسأل الله أن لا يلقاه له عبد مؤمن به، يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلا غفر له وأدخله الجنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه في قوله {وفديناه بذبح عظيم} قال: كبش أبيض، أعين، أقرن، قد ربط بسمرة في أصل ثبير. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وفديناه بذبح عظيم} قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وأخرج البخاري في تاريخه عن علي بن أبي طالب قال: هبط الكبش الذي فدى ابن إبراهيم من هذه الخيبة، على يسار الجمرة الوسطى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير، هي التي ذبح عليها إبراهيم عليه السلام فدى ابنه إسحاق، هبط عليه من ثبير كبش أعين، أقرن، له ثغاء، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم، فتقبل منه، وكان مخزوناً في الجنة حتى فدى به إسحاق عليه السلام. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي في سننه عن امرأة من بني سليم قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة، فسألت عثمان لما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت الكعبة، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فدى الله إسماعيل عليه السلام بكبشين، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، أَعْيَنَيْنِ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وفديناه بذبح عظيم} قال: بكبش متقبل. وأخرج البغوي عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: كنت قاعداً بالمنحر مع رجل من قريش، فحدثني القرشي قال: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:"حديث : إن الكبش الذي نزل على إبراهيم في هذا المكان ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وفديناه بذبح عظيم} قال: خرج عليه كبش من الجنة، وقد رعاها قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم عليه السلام ابنه، واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه، فأتى به المنحر من منى، فذبحه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان اسم كبش إبراهيم؛ جرير. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال له رجل: نذرت لأنحرن نفسي فقال ابن عباس رضي الله عنهما {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}تفسير : [الأحزاب: 21] ثم تلا {وفديناه بذبحٍ عظيم} فأمره بكبش، فذبحه. وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً، ثم تلا {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}. وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه "لما فدى الله إسحاق من الذبح، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا إسحاق إنه لم يصبر أحد من الأولين والآخرين، يشهد أن لا إله إلا الله فاغفر له. سبقني أخي إسحاق عليه السلام إلى الدعوة".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} [الآية: 102]. قال ابن عطاء: لما بلغ فى الطاعة سعيه وقام بحقوق الله حسب ما رضى الخليل وقرّت عينه بقيامه لحقوق مولاه وآنس الخليل به وفرح بمكانه وقيل له اذبحه فإنه لا يصلح للخليل أن يعرج على شىء دون خليله ولا يفرح بسواه فابتلى بذبحه ثم أسلم وقام مقام الاستقامة واتبع الأمر فداه بذبح عظيم. قوله عز وعلا: {إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} {الآية: 102]. قال بعضهم: القربان ما تقرب به العبد إلى ربه والتقرب غير القرب فإن التقرب للعابدين والقرب للعارفين. سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد - رحمة الله عليه - يقول فى قصة إبراهيم لما أمر بذبح ابنه حيث يقول: {إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} أتعزم على الصبر فيما حلَّ من البلاء وإبراهيم عليه السلام خلا من مساكنة الاشتقاق الذى نشأ من صفة الطبع الذى لا يمكن النفوس مباينته فى حين مُسُوس البلاء فتلقى ذلك بالاستبشار وحسن اللقاء بنفس قد برئت من وجود ما ابتليت به قد فارق الرحمة التى لولا التمسك بالعصمة لجمت النفس على مسألة صرف البلاء. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: نقل الله جل وعلا إبراهيم صلى الله عليه وسلم من حال البشرية إلى غيرها وهو أنه لما امتحنه بذبح ابنه أراد أن يزيل عن سره محبة غيره وتثبيتًا فى محبته لأن وجود محبة الله فى قلب إبراهيم مع رحمة الولد محال فنظر إلى أقرب الأشياء من قلبه ووحدانية الأقرب فأمر بذبحه وليس المبتغى منه تحصيل الذبح إنما هو إخلاء السر منه وترك عادة الطبيعة وحيث نودى وفديناه بذبح عظيم إنى قد حصلت ما طالبناك به وافيًا وحصل لنا منك ما أردناه. قوله تعالى: {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الآية: 102]. قال أبو سعيد الخراز: أسرع الإجابة بقوله افعل ما تؤمر لأنه قد أخلاهما من علم ما يراد بهما كى لا يُعرّجا على رؤية السلامة فيزول معنى البلاء ومن يقع موضع الخصوص لا يتقرب بالصبر على حقيقة موجودة. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: الصبر إسبال التولى قبل مخامرة المحنة فإذا صادفت المحنة التولى حملها بلا كلفة. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر الخلدى يقول فى قوله: {ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} قال: أخلاهما فيما أبلاهما من علم يراد بهما كى لا يعرجا على رؤية السلامة والعافية فيزول معنى البلاء ويجعل مكانه الفضيلة ولا يتعلق على حقيقة موجودة وكذلك طوى عنه علم السلامة فى حين القذف فى النار ليعطى حقيقة التوكل ويكمل علم التفويض ويستحق اسم التسليم ويتلقى اختيار الله عز وجل بالإخبات والتعظيم وذلك قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} [الآية: 106]. سمعت أبا بكر الرازى يقول سمعت أبا بكر الروزبارى يقول: غاية البر فى غاية الجفاء وهو فى قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه. قوله تعالى: {يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ}. حتى فدى بالذبح العظيم. قال الروزبارى: عظيم قدر الذبح حين فدى مثل اسماعيل صلى الله عليه وسلم.
القشيري
تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} إشارة إلى وقت توطين القلب عَلَى الوَلد، رأى إبراهيم - عليه السلام - أنه يُؤمرُ بذبح ابنه إسماعيل ليلةَ التروية، وسميت كذلك لأنه كان يُروِّي في ذلك طولَ يومه. هَلْ هُو حقٌّ أم لا؟ ثم إنه رأى في الليلة التالية مثل ذلك فَعرف أن رؤياه حق، فسمي يوم عرفة. وكان إسماعيل ابنَ ثلاث عشرة سنة، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات. أن اذبح ابنك، فقال لإسماعيل: {يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}؟ فقال إسماعيل: {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ}: أي لا تحكم فيه بحكم الرؤيا، فإنها قد تصيب وقد يكُون لها تأويل، فإن كان هَذا أمراً فافعل بمقتضاه، وإن كان له تاويل فتثبت، فقد يمكنك ذبح ابنك كلّ وقتٍ ولكن لا يمكنك تلافيه. ويقال بل قال: أُتركْ حَديثَ الرؤيا واحمله عَلَى الأمر، واحملْ الأمر عَلَى الوجوب، ثم احمله عَلَى الفور ولا تُقصِّرْ. ويقال قال له: إِن كان يطيب قلبكَ بأَن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبي أن يذبحنى أبي لأجل الله. ويقال قال إسماعيل لأبيه: أنتَ خليلُ الله وتنام.. أَلَمْ تعلَمْ أن الخليلَ إذا نام عن خليله يُؤْمَرُ بِذَبْح ابنه؟ مَالَكَ يا أَبَتِ والنوم؟ ويقال في القصة: إنه رآه ذات يوم راكباً على فَرَسٍ أشهب فاستحسنه، ونَظَرَ إليه بقلبه، فأُمِرَ بِذَبْحِه، فلمَّا أخرجه عن قلبه، واستسلم لذبحه ظَهَرَ الفداء، وقيل له كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك عنه. ويقال في القصة: أَمَرَ إسماعيلُ أباه أن يَشُدُّ يديه ورِجْلَيه لئلا يضطربَ إذا مَسَّهُ ألمُ الذَّبح فَيُعاتَب، ثم لمَّا همَّ بِذَبْحِه قال: افتحْ القيدَ عني حتى لا يقال لي: أمشدودَ اليد جئتني؟ وإني لن أتحركَ: شعر : ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمَّاً لكان السُّمُّ من يدِهِ يطيب تفسير : ويقال أيهما كان أشدَّ بلاءً؟ قيل: إسماعيل؛ لأنه وَجَد الذَّبحَ من يد أبيه، ولم يتعوَّد من يده إلا التربية بالجميل، وكان البلاءُ عليه أشدَّ لأنه لم يتوقع منه ذلك. ويقال بل كان إبراهيم أشدَّ بلاءً لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش بعدَه. {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} فلم يأتِ إسماعيل بالدعوى بل تأدَّب بلفظ الاستثناء. ويقال لو قال إسماعيل إمَّا لا تَقُلْ: "يا بُنَيَّ" بهذه اللطافة، وإمَّا لا تَقُلْ: {أَنِّي أَذْبَحُكَ} فإنَّ الجمعَ بينهما عجيب!
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} لما ----الولد خلة ابيه وكل حقايقه صار اهلا لقربان الحق وفداء كشف جماله ذلك ايضا محل المتحان الخليل وبه فانه لما وجده اهل الحق استانس فغار به الحق وارادان يتجرد سره من الغير حتى لا يبقى بين الخليلين شئ من الحدثان قال ابن عطا لما سعى فى الطاعة سعيه وقام بحقوق الله حسب ما رضى به الخليل قرت عينه بقيامه بحقوق مولاه انس الخليل به وفرح بمكانه فقيل له اذبحه فانه لا يصلح للخليل ان يفرح الى شئ دون خليله ولا يفرح بسواه فابتلى بذبحه ثم لما سلم وقام مقام الاستقامة وابتع الامر فداة بذبح عظيم قال الواسطى نقل الله ابراهيم من حال البشرية اغلى غيرها وهو انه لما متحنه بذبح ابنه ارادان يزيل عن سره محبة غيره ويثبت فى قلبه محبته لان وجود محبة الله فى قلب ابراهيم مع رحمة الولد محال فنظر الى قرب الاشياء الى قلبه ووجد ابنه اقرب فامر بذبحه وليس المبتغى منه تحصيل الذبح انما هو اخلاء السر منه وترك عادة الطبيعة وحيئذ نودى وفديناه بذبح عظيم اى قد حصلت ما طالبناك به وافيا وحصل لنا منك ما اردناه ولما وجد الذبح رؤية المبلى فى البلاء ومشاهدته ولذة وصاله وجد نفسه فى موقع البلاء فى محل حلاوة شهود جمال الحق اياه مستلذة ببلائه حين شاهدته بوصف الاستيناس به بنعت سقوط الألام عنها فسلمها الى ومولاها بوصف الرضا والتسليم واخبر عن كمال استقامة حاله فى الصبر والرضا وذلك قوله {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} الحق فاجترى على استقبال البلاء واسقط التجلد عن صفة وجوده واستعان بالله فى الصبر فى بلائه حيث استثنى بقوله {إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} قال ابو سعيد الخراز اسرع الاجابة بقوله افعل ما تومر لانه قد اخلاهما من علم ما يراد بهما كيلا يعرجا على رؤية السّلامة فيزول معنى البلاء من يقع موضع الخصوص لا يتقرب بالصبر على حقيقة موجودة قال رويم افعل ما تومر يقبح للخيليل مخالفة خليله او التقصير فى امره وهلاك الولد وذهابه اهون من مخالفة من اختذك خليللا وقال بعضهم افعل ما تومر فانى قد شاهدت من قلبى رشدى وجوارحى كلها راضية بما امرت به.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما بلغ} الغلام {معه} مع ابراهيم {السعى} الفاء فصيحة معربة عن مقدر اى فوهبنا له فنشأ فلما بلغ رتبة ان يسعى معه فى اشغاله وحوائجه ومصالحه ومعه متعلق بالسعى وجاز لانه ظرف فيكفيه رائحة من الفعل لا يبلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعى ولم يكن معا كذا فى بحر العلوم. وتخصيصه لان الادب اكمل فى الرفق والاستصلاح فلا نستسعيه قبل اوانه لانه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة {قال} ابراهيم {يا بنى} [اى بسرك من تصغيرشفقت است] {انى ارى فى المنام انى اذبحك} قربانا لله تعالى اى ارى هذه الصورة بعينها او ما هذه عبارته وتأويله. وقيل انه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقوله له ان الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما اصبح روّى فى ذلك من الصباح الى الرواح أمن الله تعالى هذا الحلم ام من الشيطان فمن ثمة سمى يوم التروية فلما امسى رأى مثل ذلك فعرف انه من الله تعالى فمن ثمة سمى يوم عرفة ثم رأى فى الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر {فانظر ماذا} منصوب بقوله {ترى} من الرأى فيما القيت اليك: وبالفارسية [بس در نكر درين كارجه جيزى بينى رأى توجه تقاضا ميكند] فانما يسأله عما يبديه قلبه ورأيه أى شئ هل هو الامضاء او التوقف فقوله ترى من الرأى الذى يخطر بالبال لا من رؤية العين وانما شاوره فيه وهو امر محتوم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله تعالى فتثبت قدمه ان جزع ويأمن ان سلم ويكتسب المثوبة عليه بالانقياد له قبل نزوله وتكون سنة فى المشاورة. فقد قيل لو شاور آدم الملائكة فى اكله من الشجرة لما فرط منه ذلك {قال يا ابت افعل} [كفت اى بدربكن] {ما تؤمر} [آنجه فرموده شدى بدان] اى ما تؤمر به فحذف الجار او لا على القاعدة المطردة ثم حذف العائد الى الموصول بعد انقلابه منصوبا بايصاله الى الفعل او حذفا دفعة او افعل امرك اضافة المصدر الى المفعول وتسمية المأمور به امرا وصيفة المضارع حيث لم يقل ما امرت للدلالة على ان الامر متعلق به متوجه اليه مستمر الى حين الامتثال به ولعله فهم من كلامه انه رأى ذبحه مأمورا به ولذا قال ما تؤمر وعلم ان رؤيا الانبياء حق وان مثل ذلك لا يقدمون عليه الا بامر. وانما امر به فى المنام دون اليقظة مع ان غالب وحى الانبياء ان يكون فى اليقظة ليكون مبادرتهما الى الامتثال ادل على كمال الانقياد والاخلاص. قالوا رؤيا الانبياء حق من قبيل الوحى فانه يأتيهم الوحى من الله ايقاظا اذ لا تنام قلوبهم ابدا ولانه لطهارة نفوسهم ليس للشيطان عليهم سبيل. وفى اسئلة الحكم لم امر الله تعالى ابراهيم بذبح ولده فى المنام ورؤيا الانبياء حق وقتل الانسان بغير حق من اعظم الكبائر. قيل امره فى المنام دون اليقظة لانه ليس شئ ابغض الى الله من قتل المؤمن {ستجدنى} [زود باشد كه يابى مرا] ثم استعان بالله فى الصبر على بلائه حيث استثنى فقال {ان شاء الله} ومن اسند المشيئة الى الله تعالى والتجأ اليه لم يعطب {من الصابرين} على الذبح او على قضاء الله تعالى قال الذبيح من الصابرين ادخل نفسه فى عداد الصابرين فرق عليه وموسى عليه السلام تفرد بنفسه حيث قال للخضر {أية : ستجدنى ان شاء الله صابرا} تفسير : فخرج. والتفويض اسلم من التفرد واوفق لتحصيل المرام ولما كان اسماعيل فى مقام التسليم والتفويض الى الله تعالى وقف وصبر ولما كان موسى فى صورة المتعلم ومن شأن المتعلم ان يتعرض لاستاذه بالاعتراض فيما لم يفهمه خرج ولم يصبر. وقال بعضهم ظاهر موسى تعرض وباطنه تسليم ايضا لانه انما اعترض على الخضر بغيرة الشرع
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصما {ماذا ترى} بضم التاء وكسر الراء. الباقون بفتح التاء. من ضم التاء اراد ماذا تشير، وقال الفراء: يجوز ان يكون المراد ماذا ترى من صبرك وجلدك، لانه لا يستشيره في أمر الله. واصله ترئي فنقلوا كسرة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة لسكونها وسكون الياء. ومن فتح جعله من الرأى والرؤية، لا من المشورة. لما اخبر الله تعالى انه اجاب دعوة إبراهيم في طلب الولد وبشره بولد حليم اخبر ان من وعده به ولد له وكبر وترعرع، فلما بلغ مع ابيه السعي يعني في طاعة الله، قال الحسن سعى للعمل الذي تقوم به الحجة. وقال مجاهد: بلغ معه السعي. معناه أطاق ان يسعى معه ويعينه على أموره، وهو قول الفراء قال: وكان له ثلاث عشرة سنة، وقال ابن زيد: السعي في العبادة {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} وكان الله تعالى أوحى إلى ابراهيم في حال اليقظة، وتعبده أن يمضي ما يأمره في حال نومه من حيث ان منامات الانبياء لا تكون إلا صحيحة، ولو لم يأمره به في اليقظة لما جاز أن يعمل على المنامات، أحب ان يعلم حال ابنه في صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته. فلذلك قال له ماذا ترى، وإلا فلا يجوز أن يوآمر في المضي في امر الله ابنه، لانه واجب على كل حال. ولا يمتنع ايضاً أن يكون فعل ذلك بأمر الله ايضاً، فوجده عند ذلك صابراً مسلماً لامر الله. {وقال يا أبت افعل ما تؤمر} اي ما امرت به {ستجدني انشاء الله من الصابرين} ممن يصبر على الشدائد في حب الله ويسلم أمره اليه {فلما أسلما} يعني ابراهيم وابنه اي استسلما لأمر الله ورضيا به اخذ ابنه {وتله للجبين} معنى تله صرعه. والجبين ما عن يمين الجبهة او شمالها وللوجه جبينان الجبهة بينهما. وقال الحسن: معنى وتله اضجعه للجبين. ومنه التل من التراب وجمعه تلول. والتليل العنق، لانه يتل له، {وناديناه أن يا إبراهيم} و (ناديناه) هو جواب (فلما) قال الفراء: العرب تدخل الواو في جواب (فلما) و (حتى) و (إذا) كما قال {أية : حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها} تفسير : وفي موضع آخر {أية : وفتحت} تفسير : وفي قراءة عبد الله {فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية} وفي المصاحف (جعل) بلا واو وموضع ان نصب بوقوع النداء عليه وتقديره وناديناه بأن يا ابراهيم أي هذا الضرب من القول فلما حذف الباء نصب. وعند الخليل انه في موضع الجر. {قد صدقت الرؤيا} ومعناه فعلت ما امرت به في الرؤيا واختلفوا في الذبيح. فقال ابن عباس وعبد الله بن عمر ومحمد بن كعب القرطي وسعيد ابن المسيب والحسن في احدى الروايتين عنه والشعبي: انه كان اسماعيل وهو الظاهر في روايات اصحابنا ويقويه قوله بعد هذه القصة وتمامها {وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} فدل على ان الذبيح كان اسماعيل. ومن قال: إنه بشر بنبوة اسحاق دون مولده، فقد ترك الظاهر لان الظاهر يقتضي البشارة باسحاق دون نبوته، ويدل ايضاً عليه قوله {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} ولم يذكر اسماعيل، فدل على انه كان مولوداً قبله وايضاً فانه بشره باسحاق وانه سيولد له يعقوب، فكيف يأمره بذبحه مع ذلك. واجابوا عن ذلك بأن الله لم يقل إن يعقوب يكون من ولد اسحاق. وقالوا ايضاً يجوز أن يكون أمره بذبحه بعد ولادة يعقوب، والاول هو الاقوى على ما بيناه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال:حديث : انا ابن الذبيحين تفسير : ، ولا خلاف انه كان من ولد اسماعيل والذبيح الآخر عبد الله ابوه. وروي عن ابن عباس وعلي وابن مسعود وكعب الاحبار انه كان اسحاق. وروي ذلك ايضاً في اخبارنا. وفى الناس من استدل بهذه الآية على جواز النسخ قبل وقت فعله من حيث ان الله تعالى كان قد امره بذبح ولده ثم نسخ عنه قبل ان يفعله، ولا يمكننا ان نقول ان الوقت كان قد مضى، لأنه لو أخره عن الوقت الذي امره به فيه لكان عاصياً، ولا خلاف أن ابراهيم لم يعص بذلك. فدل على انه نسخ عنه قبل وقت فعله. ومن لم يجز النسخ قبل وقت فعله اجاب عن ذلك بثلاثة أجوبة: احدها - ان الله تعالى أمر ابراهيم ان يقعد منه مقعد الذابح ويشد يديه ورجليه ويأخذ المدية ويتركها على حلقه وينتظر الأمر بامضاء الذبح على ما رأى في منامه وكل ذلك فعله، ولم يكن أمره بالذبح، وإنما سمي مقدمات الذبح بالذبح لقربه منه وغلبة الظن انه سيؤمر بذلك على ضرب من المجاز. الثاني - انه إنما أمره بالذبح وذبح، وكل ما فرى جزء من حلقه وصله الله بلا فصل حتى انتهى إلى آخره فاتصل به، وصله الله تعالى، فقد فعل ما أمر به ولم يبن الرأس ولا انتفى الروح. الثالث - انه امر بالذبح بشرط التخلية والتمكين، فكان كما روي انه كلما أعمد بالشفرة انقلبت وجعل على حلقه صفحة من نحاس، وهذا الوجه ضعيف، لان الله تعالى لا يجوز ان يأمر بشرط، لانه عالم بالعواقب، وإنما يأمر الواحد منا بشرط ذلك لانه لا يعلم العواقب، ولان فيه انه أمر بما منع منه وهذا عيب. فاما قول من قال: انه فداه بذبح، فدل ذلك على انه كان مأموراً بالذبح على الحقيقة، اعتراضاً على الوجه الأول، لان من شأن الفداء أن يكون من جنس المفدي، فليس بشيء، لانه لا يلزم ذلك الا ترى ان من حلق رأسه وهو محرم يلزمه ذلك، وكذلك إذا لبس ثوباً مخيطاً او شم طيباً او جامع. وإن لم يكن جميع ذلك من جنس المفدي. وقوله {إنا كذلك نجزي المحسنين} معناه إنا جازينا ابراهيم على فعله بأحسن الجزاء. ومثل ذلك نجزي كل من فعل طاعة، فانا نجازيه على فعله بأحسن الجزاء. ثم اخبر تعالى بأن هذا الذي تعبد به إبراهيم هو البلاء المبين أي الاختبار الظاهر وقيل: هو النعمة البينة الظاهرة، وتسمى النعمة بلاء والنقمة ايضاً بلاء من حيث انها سميت بسببها المؤدي اليها، كما يقال لأسباب الموت هو الموت بعينه {والمبين} هو البين في نفسه الظاهر، ويكون بمعنى الظاهر، ويكون بمعنى المظهر ما في الأمر من خير او شر. ثم قال تعالى {وفديناه} يعني ولد إبراهيم {بذبح عظيم} فالفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه، ومنه فداء المسلمين بالمشركين لدفع ضرر الاشد عنهم، فكذلك فداء الله ولد إبراهيم بالكبش لدفع ضرر الذبح عنه. والعظيم هو الكبير. وقيل: لان الكبش الذي فدي به يصغر مقدار غيره من الكباش عنه بالاضافة اليه. وقال ابن عباس: فدي بكبش من الغنم. وهو قول مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير. وقال الحسن: فدي بوعل أهبط به عليه جبرائيل. وقيل: إنه لا خلاف انه لم يكن من الماشية التي كانت لابراهيم او غيره في الدنيا. وقيل: إنه رعى في الجنة أربعين خريفاً. وقال مجاهد: وصفه بأنه عظيم، لانه متقبل. والذبح بكسر الذال المهيأ، لان يذبح. وبفتح الذال المصدر. وقوله {وتركنا عليه في الآخرين} يعني على إبراهيم في الآخرين يعني اثبتنا عليه الثناء الحسن في أمة محمد لانهم آخر الأمم بأن قلنا {سلام على إبراهيم} وقد بينا ما في ذلك ثم قال مثل ذلك نجزي كل محسن، فاعل لما أمر الله به كما جازينا ابراهيم صلى الله عليه وآله. ثم أخبر تعالى ان إبراهيم كان من جملة عباده الذين يصدقون بتوحيد الله وبجميع ما اوجبه عليهم، ومن جملة المصدقين بوعد الله ووعيده والبعث والنشور والجنة والنار. وانما قال {إنه من عبادنا المؤمنين} مع انه افضل المؤمنين ترغيباً في الايمان بأن مدح مثله في جلالته بأنه من المؤمنين، كما يقال هو من الكرماء وكذلك قوله {أية : ونبياً من الصالحين} تفسير : وإذا مدح بأنه يصلح وحده فلأنه لا يقوم غيره مقامه ويستغنى به عنه.
اطفيش
تفسير : {فلما بلغ معه السعي} قال ابن عباس - رضي الله عنهما - المشي معه إلى الجبل وعنه ما شب حتى بلغ سعيه سعى ابراهيم قال الخازن والمعنى انه بلغ ان ينصرف معه ويعينه في عمله وعن ابن عباس السعي في هذه الآية العمل والعبادة والمعونة. وقال قتادة: السعي على القدم يريد سعيا متمكنا قال بعضهم كان ابن ثلاث عشرة سنة وقيل سبع سنين والراجح ان السعي هنا سعي على الرجلين في اعمال ابيه وإنما قال معه لأن الاب أكمل في الرفق والاستصلاح فلا يتسعيه قبل اوانه او لأنه استوهبه ليسعى معه ومع متعلق بمحذوف أي فلما بلغ السعي مسعه السعي فالسعي الثاني مفعول بلغ والأول مفعول به لبلغ محذوفا ومعه متعلق بهذا الأول كأنه لما قال بلغ السعي قيل مع من قال بلغ السعي معه ولا يتعلق بالسعي بعده لئلا يلزم تقديم معمول المصدر على المصدر وقد يجوز توسيعا في الظروف ولا يتعلق ببلغ ولو كان متبادرا كما قال ابن هشام لاقتضاه بلوغهما معا حد السعي وقد يجوز بناء على ان السعي المراد به حقيقة السعي في ضمن فرد خارج فاذا سعى به إلى الموضع الفلاني فذلك هو السعي الذي بلغه هو وابوه فافهم. {قال يا بني إِني أَرى في المنام إِني أَذبحك فانظر ماذا ترى} فتح الياءين قراءة نافع وابي عمرو وابن كثير وسكنها غيرهم والمعنى اما اني ارى في المنام أن اذبحك متحقق على وواجب واما اني ارى في المنام اني شرعت في ذبحك فلتتهيأ يا بني للذبح ولم ير اراقة دم واما اني ارى ان سأذبحك وإنما قال أرى ولم يقل رأيت حكاية للحال المتجددة لانه رأى ذلك ثلاث مرات والمنام اسم زمان أي زمان النوم أي الوقت الذي نمت فيه او مصدر ميمي أي في النوم. وروي انه رأى في ليلة الثامن ذي الحجة كان قايلا قال له ان الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح روى ذلك الصباح إلى الرواح امن الله هذا الحلم ام من الشيطان اي فكر في ذلك وهو بتشديد الواو فلذلك سمي يوم التروية وفي الليلة الثانية رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فمن ثم سمى يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي اليوم يوم النحر. وقيل ان الملائكة حين بشروه بغلام حليم قال هو اذا ذبيح الله فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له في المنام اوف بنذرك ورأى ذلك في المنام كما رأى يوسف سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر اشارة إلى سجود ابويه واخوته، وكما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول المسجد الحرام لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدقين لأن الحال اما حال يقظة أو منام فاذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد احدهما ولتكون مبادرتهما إلى الامتثال ادل على كمال الانقياد والاخلاص ورؤيا الأنبياء وحي وحق وإنما قال له فانظر ماذا ترى مع انها حتم وحق ليعلم حاله في الصبر عند البلاء فهبت قدمه ويصبره ان جزع ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم وليوطن نفسه فيهون عليه البلاء ويكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله وليكون سنة في المشاورة ولقد وجده صبورا قابلا لأمر الله مع انه ابن ثلاث عشرة سنة او ابن سبع كما ذكر الله عنه انه غلام حليم وورش بفتح الراء ويكسرها بين بين وابو عمرو يميلها امالة واضحة وغيرهما يخلص فتحها وترى تبصر وتنظر بعقلك وهو من الرأي وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء اي ماذا تريني اي ماذا تخيرني به وقرىء ماذا ترى بالبناء للمفعول أي ما ذا تريك نفسك من الرأي. (فصل) الخطاب لاسماعيل عليه السلام وهو الذبيح كما قال ابن عباس وابن عمر وابن كعب وجماعة من التابعين وهو الصحيح قال الطبري ان ابن عباس قال الذبيح هو اسماعيل وتزعم اليهود انه اسحاق وكذبت اليهود وان عمر بن عبدالعزيز سأل عن ذلك رجلا يهوديا كان اسلم وحسن اسلامه فقال الذبيح اسماعيل وان اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن تكون هذه الآيات والفضل في ابيكم. قال في عرائس القرآن هذا قول عبدالله بن عمرو ابي الطفيل وابن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن انس. وروي عن الحسن البصري أنه كان يقول لا شك ان امر به اسماعيل وهي رواية عطاء بن ابي رباح عن ابن عباس قال المفدى اسماعيل زعمت اليهود انه اسحاق فكذبت اليهود. وروي ابن اسحاق عن محمد بن كعب انه يقول ان الذي امر الله تعالى ابراهيم بذبحه من ابنيه اسماعيل وقرأ الآية وقال لم يكن الله ليأمره بذبح اسحاق وقد وعد ان يلد يعقوب وبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب وذكر محمد بن كعب ذلك لعمر بن عبدالعزيز وهو خليفة اذ كان معه بالشام فقال عمر ان هذا لشيء ما كنت انظر فيه واني لأراه كما قلت ثم ارسل إلى رجل كان عنده بالشام وكان يهوديا قد اسلم وحسن اسلامه وكان يرى انه من علماء اليهود فسأله عن ذلك ومحمد عنده قال عمر اي ابني ابراهيم امره الله بذبحه فقال اسماعيل ثم قال والله يا امير المؤمنين ان اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على ان يكون ابوكم هو الذي كان فيه من امر الله ما كان ويزعمون انه اسحاق لانه ابوهم قال الصنابجي كنا عند معاوية بن ابي سفيان فذكروا اي ولد ابراهيم الذبيح اسماعيل او اسحاق قال علي الخبير سقطتم كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال يا رسول الله عد علي مما افاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم انه صلى الله عليه وسلم من ولد اسماعيل لا من ولد اسحاق والذبيح الآخر هو ابوه عبدالله لان عبدالمطلب كما قال صلى الله عليه وسلم نذر ان يذبح احد اولاده ان يسر الله له امر زمزم وكان يريد ان يعلم موضعها ويحفرها فسهل الله له فوقع السهم على عبدالله فمنعه اخواله بنو مخزوم فقالوا افد ابنك بمائة من الابل ففداه بها ولذلك سنت الدية مائة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أَنا ابن الذبيحين . تفسير : وعن محمد بن كعب القرضي كان مجهد بني اسرائيل اذا دعا قال اللهم إله ابراهيم واسماعيل واسرائيل فقال موسى يا رب ما لمجهد بني اسرائيل اذا دعا يقول اللهم رب ابراهيم واسماعيل واسرائيل وانا بين اظهرهم قد اسمعتني كلامك واصطفيتني برسالتك قال يا موسى لم يحبني احد حب ابراهيم قط ولا خير بيني وبين شيء قط الا اختارني، واما اسماعيل فانه اجاد بذبح نفسه واما اسرائيل فانه لم ييأس من روحي في شدة نزلت به قط. قال جار الله ويدل له ان الله تعالى لما اتم قصة الذبيح قال وبشرناه باسحاق وهو قول عبدالله بن سلام ويدل لذلك ايضا وصف اسماعيل بالصبر في غير هذه الصورة دون اسحاق فليكن هو صبره على الذبح وهو ضعيف ووصفه بصدق الوعد فليكن هو وعده الصبر لابيه على الذبح وهو ضعيف ايضا ويدل لذلك ان الامر وقع بمكة والذي فيها هو اسماعيل وكان قرنا الكبش الذي فدى به متعلقين على الكعبة في ايدي بني اسماعيل الى أن احترق البيت في زمان ابن الزبير قال الشعبي رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة. قال ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان اول الاسلام ورأس الكبش معلق بقرنيه في ميزان الكعبة وقد يبس. قال الأصمعي: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح اسحاق كان او اسماعيل فقال اين ذهب عقلك متى كان اسحاق بمكة انما كان بمكة اسماعيل هو بنى البيت مع ابيه والمنجر بمكة. وقال علي والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين: ان الذبيح اسحاق، قال في عرائس القرآن اجمع أهل الكتاب عليه وهو قول عمر بن الخطاب وعلى بن ابي طالب وكعب الاحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن مرة ومقاتل وعبدالرحمن بن ساباط وابي الهديد والزهري والسدي وابن عباس وافتخر رجل عند ابن مسعود فقال انا فلان ابن فلان من الاشياخ الكرام فقال ابن مسعود ذلك يوسف صديق الله ابن يعقوب اسرائيل الله ابن اسحاث ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله قال في عرائس القرآن قال موسى يا رب يقولون يا إله ابراهيم واسحاق ويعقوب ففيم قالوا ذلك فقال ان ابراهيم لم يخير في شيء قط الا اختراني عليه وان اسحاق جاد لي بالذبح فهو بغير ذلك اجود وان يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن وقال يوسف للملك اترغب ان تأكل معي وانا والله صديق الله بن يعقوب اسرائيل الله بن اسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله. قال العباس بن عبدالمطلب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : الذي أَمر إِبراهيم أَن يذبحه إِسحاق تفسير : وعنه ايضا حديث : الذي فداه الله بذبح عظيم إِسحاق تفسير : وعن ابي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إِن الله تعالى خيرني أَن يغفر لنصف أُمتي وأَن اخبي شفاعتي لأُمتي فاخترت شفاعتي ورجوت أَن تكون أَعم لامتي ولولا الذي سبقني إِليه العبد الصالح لتعجلت دعوتي تفسير : وذلك ان الله لما فرج عن اسحاق كرب الذبح قيل يا اسحاق سل تعط اذا والذي نفسي بيده لا تعجلنها قبل نزعة الشيطان اللهم من مات لا يشرك بك شيئا فاغفر له وادخله الجنة يعني ان لم يصر لقوله هلك المصرون قال في عرائس القرآن ويدل له ان الله تعالى اخبر عن ابراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى الشام بسارة ولوط وقال اني ذاهب الى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين يعني ولدا صالحا وذلك قبل ان يعرف هاجر وقبل ان تصير له ام اسماعيل ثم اتبع ذلك الخبر اجابة دعوته وتبشيره بغلام حليم ثم اتبع بروئة الذبح وليس في القرآن انه بشر بولد ذكر الا اسحاق وعلى هذا القول كانت القصة بالشام. وعن سعيد بن جبير رأى ابراهيم ذبح اسحاق في المنام وهو في الشام فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى اتى به المنحر من منى ولما امره الله بذبح الكبش ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة طويت له الاودية والجبال والقول الاول اصح والأحاديث المروية الثاني لم تثبت قال القاضي البيضاوي وما روي انه صلى الله عليه وسلم حديث : سئل أي النسب أَشرف فقال يوسف صديق الله ابن يعقوب إِسرائيل الله بن إِسحاق ذبيح الله بن إِبراهيم خليل الله تفسير : الصحيح انه فان يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم والزوايد الراوي وما وري ان يعقوب كتب الى يوسف مثل ذلك لم يثبت وذكر في المواهب ان الجرهمي عمرو بن الحارث لما احدث قومه بحرم الله الحوادث قيض الله لهم من اخرجهم من مكة فعمد عمرو الى نفائش فجعلها في زمزم وبالغ في ضمها وفر الى اليمن بقومه فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة الى ان رفعت عنها الحجب برؤيا منام ورآها عبدالمطلب دلته على حفرها بامارات عليها قلت ذكر بعضهم انه قيل له في المنام انك تجدها بين حجر النمل وبين الفرث الدم فاضح يقص تلك العلامات واذا ببقرة او شاة في رجليها بياض هربت من القصاب فذبحها في جانب ورمي فرثها في جانب فكانت تلك الامارات فمنعته قريش من حفرها ثم اذاه من السفهاء من اذاه فاشتد بذلك بلواه ومعه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه فنذر لئن جاءه عشرة بنين وصاروا له اعوانا ليذبحن احدهم لله قربانا ثم احتفرها فكانت له فخرا وعزا ولما تكامل بنوه عشرة وهم الحارث والزبير وجحل بتقديم الجيم على الحاء المهملة واجيز العكس وضرار والمقوم وابو لهب والعباس وحمزة وابو طالب وعبدالله واقر الله عينيه بهم نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول يا عبدالمطلب اوف بنذرك لرب هذا البيت فاستيقظ فزعا مرعوبا وامر بذبح كبش واطعمه الفقراء والمساكين ثم نام فرأى ان قرب ما هو اقرب من ذلك فاستيقظ من نومه وقرب ثورا ثم نام فرأى ان قرب ما هو اكبر من ذلك فقرب جملا واطعمه المساكين ثم نام فنودي ان قرب ما هو اكبر من ذلك فقال وما اكبر من ذلك فقال قرب احد اولادك الذين نذرته فاغتم غما شديدا وجمع اولاده واخبرهم بنذره ودعاهم الى الوفاء فقالوا انا نطعيك فمن تذبح منا قلت قيل القائل الحارث وحده فقال ليأخذ كل واحد منكم قدحا وهو سهم بلا نصل ثم ليكتب فيه اسمه ثم فعلوا واخذها ودخل على هبل وكان صنما في جوف الكعبة يعظمونه ويضربون عنده الاقداح فيستقسمون بها اي يرتضون بما يقسم لهم ثم يضرب بها القيم الذي لها فدفع ذلك إلى ذلك القيم وقام يدعو الله فخرج على عبدالله وكان احب ولده اليه فقبض على يده واقبل به الى اساف ونائله صنمين عند الكعبة ينحر ويذبح عندهما النسك وفي يده شفرة فقام اليه سادة قريش فقالوا ما تريد ان تصنع فقال اوفي بنذري فقالوا لا ندعك ان تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة وقالوا له انطلق الى فلانة الكاهنة واسمها قطبة وقيل سجاح فلعلك أن تامرك بأمر فيه فرج لك فانطلقوا حتى اتوها بخيبر فقص عليها عبدالمطلب القصة فقالت كم الدية فيكم قالوا عشرة من الابل فقالت ارجعوا الى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وعشرة من الابل ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح فان خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الابل ثم اضربوا ايضا هذا حتى يرضى ربكم فاذا خرجت على الابل فانحروها فقد رضى ربكم وتخلص صاحبكم فرجع القوم الى مكة وقربوا عبدالله وقربوا عشرا من الابل وقام عبدالمطلب يدعو فخرجت القداح على ولده ولم يزل يزيد عشرا عشرا حتى بلغت الابل مائة فخرجت القداح على الابل فنحرت الابل وتركت لا يصدغها انسان ولا طائر ولا سبع وان صح ان المراد باحد الذبيحين اسحاق فالعرب تجعل العم ابا فجعل اسماعيل ابا وهو عم وان صح الذبيح اسماعيل فالعرب تجعل العم ابا فجعل في بعض الروايات على ما مر اسحاق ابا وهو عم ومن ذلك ام كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت الآية قال ابن القيم ومما يدل على ان الذبيح اسماعيل انه لا ريب ان الذبيح كان بمكة ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا بشأن اسماعيل وامه ومعلوم ان اسماعيل وامه هما اللذان كانا بمكة دون اسحاق وامه ولو كان الذبيح بالشام كما زعم اهل الكتاب ومن تلقى منهم لكانت القرابين والذبيح بالشام لا بمكة وايضا فان الله سمي الذبيح حليما ولا احلم ممن سلم نفسه للذبيح طاعة لله تعالى وذكر اسحاق وسماه عليهما لا حليما وايضا ان الله اجرى العادة البشرية ان بكر الاولاد احب الى الوالدين ممن بعده وابراهيم لما سأل ربه الولد تعلقت شبعة من قلبه بمحبته والله قد اتخذه خليلا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة ولما اخذ الولد شعبة من قلبه جاءت غيرة الخلة تنزعها من قلبه فامر بذبح المحبوب فلما اطاع كانت محبة الله اعظم عنده وخلصت الخلة من شوائب المشاركة فلم يبق في الذبح مصلحة اذ كانت المصلحة انما هي في العزم وتوطين النفس وقد حصل المقصود فنسح الامر وفدى الذبيح وصدق الخليل الرؤيا باني كلام في ادعاء النسخ وقد انشد بعضهم: شعر : إِن الذبيح هديت إِسماعيل نطق الكتاب بذاك والتنزيل شرف به خص الإِله نبينا وأَتى به التفسير والتأويل تفسير : ولما لحق هاجر ذلك جبره الله بان جعل اثار اقدامها مشاعر ومناسك مدى الدهر وما مر من ان اولاد عبدالمطلب عشرة وان منهم حمزة والعباس قبل الوفاء بالنذر منازع فيه بأنهما ولدهما بعده وذكر السهيلي أن له صلى الله عليه وسلم اثني عشر عما فليجعل الاثنان بعد حمزة والعباس فإن هالة ام حمزة تزوجها بعد الوفاء بالنذر والعباس ابن ثلاث سنين او نحوها حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون المراد ببنيه بنيه وبني بنيه فتكمل العشرة بهم بدون العباس وحمزة رضي الله عنهما وادعى بعضهم أن عبدالله كان أصغر أولاده ولعله كان أصغر اولاده عند ارادة الذبح. {قال يا أبت} التاء عوض عن ياء الاضافة وقرأ ابن عامر بفتحها. {افعل ما تؤمر} يا ما تؤمر به فحذف الجار والمجرور دفعة أو حذف الجار وانتصب مجروره فحذف أو ما مصدرية أي فعل امرك باضافة المصدر إلى مفعوله وهذا المصدر بمعنى المأمور به وقريء ما تؤمر به وإنما قال ما تؤمر لا ما أمرت حكاية للحالة المتجددة لأنه أمر بالذبح في المنام ثلاث مرات. {ستجدني} بفتح الياء عند نافع وبإسكانها عند غيره. {إن شآء الله من الصابرين} على البلاء فاصبر على الذبح وقدر بعضهم من الصابرين على الذبح وهو ضعيف إذ لا جماعة صبرت على الذبح فيكون منهم اللهم إلا إن أراد إياه وأمه وسماهما جماعة أو كان معهما من العيال غيره وصبروا على ذبح اسماعيل فسماهم صابرين على الذبح وهذا على فرض أن غير أبيه عالم بأنه سابه للذبح أو فرض أن الخلق لا يخلو من صابرين على الذبح لو أمروا به فيصبر على أن يذبح كما يصبر غيره على أن يذبح لو أمر غيره بأن يذبح وقد امرت بنوا اسرائيل بعده بقتل أنفسها بالذبح وغيره فامتثلت وعلق وجوده صابرا بمشيئة الله تبركا ولكونه لا يدري لعله ينقلب إلى الجزع.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا بلغَ معَه السَّعي} عطف على محذوف، أى وهبنا له ولدا من الصالحين ونشأ، فلما بلغ الخ، ومع متعلق ببلغ، أو بمحذوف حال من المستتر، ولا اشكال فى ذلك كما توهم لأن ابراهيم مختص بالسَّعى قبل بلوغ اسماعيل السعى، ولما بلغه كان مشتركا معه فيه ولا داعى الى تعليقه بالسعى مع وجود غيره، فان المصدر إذا كان على معنى الفعل وحرف المصدر كما هنا، اجتنب تقديم معموله عليه، ولو كان ظرفا ما وجد وجه آخر، واذا لم يقصد استحضار معنى الفعل وحرف المصدر جاز التقديم، وسواء عرف أو نكر، والمراد السعى فى مصالح الدين والدنيا، وذلك الوقت أفضل الأوقات للاب من الولد، لبلوغ الانتفاع به، مع ذل الصغر، فانه إذا كبر بلغ وقتا تدعوه نفسه فيه الى عناد أبيه، ويقال: السعى معه الى الجبل، ويقال: سنه يومئذ ثلاث عشرة سنة، وقيل سبع سنين. {قال يا بني إنِّي أرى في المنام} اسم زمان ميمى، اى فى حال النوم {أنِّي أذبحُك} أعالج ذبحك بتحديد الشفرة وتوجيهها الى عنك، والتعمد بها عليه، وان رأى أنه لا ينذبح أو كلما انذبح موضع انغلق كما كان، فانه لم يذكر لابنه عدم الانذباح ليرى ما عنده من الصبر، ويبحث بأن الأصل فى حقه أن يذكر كل ما رأى، ويحتمل أنه رأى أنه يذبحه، وأتم الذبح، ولا يلزم من هذا قدح بمخالفة أنه لم يذبحه تحقيقا فى اليقظة، لأن الله تعالى أن يشير بما شاء الى ما شاء، وفى ذلك أعظم الصبر. أو رأى فى المنام ما تأويله الذبح، لا نفس الذبح، فذكر التأويل، أو أتى فى المنام فقيل له: اذبح ابنك، أو لما بشرته الملائكة بالغلام قال: هو إذن ذبيح لله تعالى، ولما بلغ معه السعى قيل له فى المنام: أوف بنذرى. وروى أنه رأى فى الليلة الأولى أنه أمر بذبحه، فأصبح يومه يفكر أمن الله تعالى وهو يوم التروية، ومثل ذلك فى الليلة الثانية، فعرف أنه من الله فيومها يوم عرفة ومثله ليلة النحر فهم بنحره، وذلك يوم النحر لعمده الى نحره، ولنحر فدائه، وفى ذلك كله مبادرة الى تصديق الرؤيا، لأنها من الانبياء حق، والمبادرة الى انفاذها أدل على كمال الايمان، وحال الانبياء سواء يقظة ومناما، ولم يقل أنى ذبحتك استحضارا للحال الماضية فى المنام رؤية وذبحا، ولا دليل على كمال الإيمان، وحال الأنبياء سواء يقظة ومناما، ولم يقل انى بالمضارع للاستحضار، أو لمشاكلة ما تكرر معالجة الذبح بلا انذباح فى المنام، وكيف تتصور الرؤية بلا تكرر ذبح. {فانْظُر ماذا ترى} مبتدأ وخبر وصلة، أى ماذا تراه، والجملة مفعول لا نظر معلق عنها أو ماذا اسم واحد مفعول لما بعد، والمجموع معلق عنه انظر، والكلام على صورة المشاورة، ليرى ما عنده فى الشدة فان ظهر ضعفه أو جزعه ثبته وقواه، وليوطِّن نفسه فيعظم ثوابه، والمشاورة مشروعة، ولو شاور آدم الملائكة ما خرج، ولكن محال أن لا يخرج وقد قضى الله عز وجل به. {قال يا أبت} نداء توقير كما ناداه أبوه نداء ترجم {افْعل ما تُؤمرَ} الرابط محذوف على غير قياس، لأنه مجرور بحرف جر بدون وجود شروط حذفه، نعم أجاز بعض النحاة فى الرابط بلا شرط إذا ظهر المعنى، وخص بعض مادة "أم" بذلك أى ما تؤمر به، وقيل حذف الجار وانتصب المحل، فكان كالضمير المنصوب بالمتعدى، ففى مثل هذا للخروج به عن ذلك لا أعيب على من يجعل ما مصدرية، فلا تحتاج لرابط والمصدر بمعنى أى افعل مأمورك، ومأموره هو ما أمر به، وانما علِمَ الابن أن الأب مأمور لعلمه أنه لا يقدم الى ما لم يؤمر به، أو لعلمه بأنه رأى أبوه الرؤيا، وعلم أن رؤيا الأنبياء حق، ولا مانع من أن يريد افعل ماأمرك الله به، وإن لم يأمرك فلا تفعل، ولم يقل افعل ما أمرت، ليدل بالمضارع على استحضار الحال الغريبة، أو على التكرار إن علم أن أباه أمر مرارا، أو على الاستقبال بمعنى أن ما مضى غير جزم فافعل ما تؤمر به على الجزم. {سَتَجدني إن شاء الله من الصابرين} على ما أراد الله عز وجل الذبح وما فوقه كالقطع شيئا فشيئا، وما يساويه وما دونه، وفى قوله: {من الصابرين} مع أنه المناسب للفاصلة رسوخ ليس فى صابر، أو فى ذلك إغراء لأبيه عن أن تأخذه شفقة.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ } فصيحة تعرب عن مقدر قد حذف تعويلاً على شهادة الحال وإيذاناً بعدم الحاجة إلى التصريح به لاستحالة التخلف أي فوهبناه له ونشأ فلما بلغ رتبة أن يسعى معه في أشغاله وحوائجه، و {مَّعَ } ظرف للسعي وهي تدل على معنى الصحبة واستحداثها، وتعلقها بمحذوف دل عليه المذكور لأن صلة المصدر لا تتقدمه لأنه عند العمل مؤول بأن المصدرية والفعل ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول لأنه كتقدم جزء الشيء المرتب الأجزاء عليه أو لضعفه عن العمل فيه بحث، أما أولاً: فلأن التأويل المذكور على المشهور في المصدر المنكر دون المعرف، وأما ثانياً: فلأنه إذا سلم العموم فليس كل ما أول بشيء حكمه حكم ما أول به، وأما ثالثاً: فلأن المقدم هنا ظرف وقد اشتهر أنه يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره. وصرحوا بأنه يكفيه رائحة الفعل وبهذا يضعف حديث المنع لضعف العامل عن العمل فالحق أنه لا حاجة في مثل ذلك إلى التقدير معرفاً كان المصدر أو منكراً كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ }تفسير : [النور: 2] وهو الذي ارتضاه الرضى وقال به العلامة الثاني. واختار صاحب «الفرائد» كونها متعلقة بمحذوف وقع حالاً من {ٱلسَّعْىَ } أي فلما بلغ السعي حال كون ذلك السعي كائناً معه، وفيه أن السعي معه معناه اتفاقهما فيه فالصحبة بين الشخصين فيه، وما قدره يقتضي الصحبة بين السعي وإبراهيم عليه السلام ولا يطابق المقام، وجوز تعلقه ببلغ، ورد بأنه يقتضي بلوغهما معاً حد السعي لما سمعت من معنى (مع) وهو غير صحيح، وأجيب بأن مع على ذلك لمجرد الصحبة على/ أن تكون مرادفة عند نحو فلان يتغنى مع السلطان أي عنده ويكون حاصل المعنى بلغ عند أبيه وفي صحبته متخلقاً بأخلاقه متطبعاً بطباعه ويستدعي ذلك كمال محبة الأب إياه، ويجوز على هذا أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل {بَلَغَ } ومن مجيء (مع) لمجرد الصحبة قوله تعالى حكاية عن بلقيس: {أية : أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [النمل: 44] فلتكن فيما نحن فيه مثلها في تلك الآية. وتعقب بأن ذاك معنى مجازي والحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف فيما نحن فيه فليحمل على الحقيقة على أنه لا يتعين هنالك أن تكون لمعية الفاعل لجواز أن يراد أسلمت لله ولرسوله مثلاً، وتقديم {مَّعَ} إشعاراً منها بأنها كانت تظن أنها على دين قبل وأنها مسلمة لله تعالى فيما كانت تعبد من الشمس فدل على أنه إسلام يعتد به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول فاسد، قال صاحب «الكشف»: وهذا معنى صحيح حمل الآية عليه أولى وإن حمل على معية الفاعل لم يكن بد من محذوف نحو مع بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق ما بين المقيد ومطلق الجمع معلوم بالضرورة، وزعم بعض أنه لا مانع من إرادة الحقيقة واستحداث إسلامهما معاً على معنى أنه عليه السلام وافقها أو لقنها وليس بشيء كما لا يخفى. وقيل يراد بالسعي على تقدير تعلق (مع) ببلغ المسعى وهو الجبل المقصود إليه بالمشي وهو تكلف لا يصار إليه. وبالجملة الأولى تعلقها بالسعي. والتخصيص لأن الأب أكمل في الرفق وبالاستصلاح له فلا يستسعيه قبل أوانه أو لأنه عليه السلام استوهبه لذلك، وفيه على الأول بيان أوانه وأنه في غضاضة عوده كان فيه ما فيه من رصانة العقل ورزانة الحلم حتى أجاب بما أجاب، وعلى الثاني بيان استجابة دعائه عليه السلام وكان للغلام يومئذ ثلاث عشرة سنة والولد أحب ما يكون عند أبيه في سن يقدر فيه على إعانة الأب وقضاء حاجة ولا يقدر فيه على العصيان {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} يحتمل أنه عليه السلام رأى في منامه أنه فعل ذبحه فحمله على ما هو الأغلب في رؤيا الأنبياء عليهم السلام من وقوعها بعينها، ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك لكن لم يذكره وذكر التأويل كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة، وقيل إنه رأى معالجة الذبح ولم ير إنهار الدم فأني أذبحك إني أعالج ذبحك، ويشعر صنيع بعضهم اختيار أنه عليه السلام أتى في المنام فقيل له اذبح ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة، وفي رواية أنه رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك فلما أصبح رَوَّأ في ذلك وفكر من الصباح إلى الرواح أمن الله تعالى هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية فلما أمسى رأي مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى فمن ثم سمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر. وقيل إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له أوف بنذرك، ولعل هذا القول كان في المنام وإلا فما يصنع بقوله: {إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } وفي كلام التوراة التي بأيدي اليهود اليوم ما يرمز إلى أن الأمر بالذبح كان ليلاً فإنه بعد أن ذكر قول الله تعالى له عليه السلام خذ ابنك وامض إلى بلد العبادة وأصعده ثم قرباناً على أحد الجبال الذي أعرفك به قيل فأدلج إبراهيم بالغداة الخ فالأمر إما مناماً وإما يقظة لكن وقع تأكيداً لما في المنام إذ لا محيص عن الإيمان بما قصه الله تعالى علينا فيما أعجز به الثقلين من القرآن والحزم الجزم بكونه في المنام لا غير إذ لا يعول على ما في أيدي اليهود وليس في الأخبار الصحيحة ما يدل على وقوعه يقطة أيضاً. / ولعل السر في كونه مناماً لا يقظة أن تكون المبادرة إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص. وقيل: كان ذلك في المنام دون اليقظة ليدل على أن حالتي الأنبياء يقظة ومناماً سواء في الصدق، والأول أولى. والتأكيد لما في تحقق المخبر به من الاستبعاد، وصيغة المضارع في الموضعين قيل لاستحضار الصورة الماضية لنوع غرابة، وقيل: في الأول لتكرر الرؤيا وفي الثاني للاستحضار المذكور أو لتكرر الذبح حسب تكرر الرؤيا أو للمشاكلة؛ ومن نظر بعدُ ظهر له غير ذلك. {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } من الرأي؛ وإنما شاوره في ذلك وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله عز وجل فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك. وقرأ حمزة والكسائي {ماذا تري} بضم التاء وكسر الراء خالصة أي ما الذي تريني إياه من الصبر وغيره أو أي شيء تريني على أن (ما) مبتدأ وذا موصول خبره ومفعولي تري محذوفان أو ماذا كالشيء الواحد مفعول ثان لترى والمفعول الأول محذوف، وقرىء {ماذا ترى} بضم التاء وفتح الراء على البناء للمفعول أي ماذا تريك نفسك من الرأي. و {انظر} في جميع القراءات معلقة عن العمل وفي {ماذا} الاحتمالان فلا تغفل. {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ } أي الذي تؤمر به فحذف الجار والمجرور دفعة أو حذف الجار أولاً فعدى الفعل بنفسه نحو أمرتك الخير ثم حذف المجرور بعد أن صار منصوباً ثانياً، والحذف الأول شائع مع الأمر حتى كاد يعد متعدياً بنفسه فكأنه لم يجتمع حذفان أو افعل أمرك على أن (ما) مصدرية والمراد بالمصدر الحاصل بالمصدر أي المأمور به، ولا فرق في جواز إرادة ذلك من المصدر بين أن يكون صريحاً وأن يكون مسبوكاً. وإضافته إلى ضمير إبراهيم إضافة إلى المفعول ولا يخفى بعد هذا الوجه، وهذا الكلام يقتضي تقدم الأمر وهو غير مذكور فإما أن يكون فهم من كلامه عليه السلام أنه رأى أنه يذبحه مأموراً أو علم أن رؤيا الأنبياء حق وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بأمر، وصيغة المضارع للإيذان بغرابة ذلك مثلها في كلام إبراهيم على وجه وفيه إشارة إلى أن ما قاله لم يكن إلا عن حلم غير مشوب بجهل بحال المأمور به، وقيل: للدلالة على أن الأمر متعلق به متوجه إليه مستمر إلى حين الامتثال به، وقيل: لتكرر الرؤيا، وقيل: جىء بها لأنه لم يكن بعد أمر وإنما كانت رؤيا الذبح فأخبره بها فعلم لعلمه بمقام أبيه وأنه ممن لا يجد الشيطان سبيلاً بإلقاء الخيالات الباطلة إليه في المنام أنه سيكون ذلك ولا يكون إلا بأمر إلهي فقال له افعل ما تؤمر بعد من الذبح الذي رأيته في منامك، ولما كان خطاب الأب {يا بني} على سبيل الترحم قال هو {يا أبت} على سبيل التوقير والتعظيم ومع ذلك أتى بجواب حكيم لأنه فوض الأمر حيث استشاره فأجاب بأنه ليس مجازها وإنما الواجب إمضاء الأمر. {سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على قضاء الله تعالى، ذبحاً كان أو غيره، وقيل: على الذبح والأول أولى للعموم ويدخل الذبح دخولاً أولياً، وفي قوله: {مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } دون صابراً وإن كانت رؤوس الآي تقتضي ذلك من التواضع ما فيه، قيل ولعله وفق للصبر ببركته مع بركة الاستثناء وموسى عليه السلام لما لم يسلك هذا المسلك من التواضع في قوله: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا }تفسير : [الكهف: 69] حيث لم ينظم نفسه الكريمة في سلك/ الصابرين بل أخرج الكلام على وجه لا يشعر بوجود صابر سواه لم يتيسر له الصبر مع أنه لم يهمل أمر الاستثناء. وفيه أيضاً إغراء لأبيه عليه السلام على الصبر لما يعلم من شفقته عليه مع عظم البلاء حيث أشار إلى أن لله تعالى عباداً صابرين وهي زهرة ربيع لا تتحمل الفرك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 102- وَوُلِدَ إسماعيل وشَبّ، فلما بلغ معه مبلغ السعى فى مطالب الحياة اختُبر إبراهيم فيه برؤية رآها. قال إبراهيم: يا بنى إنى أرى فى المنام وحياً من الله يطلب منى ذبحك، فانظر ماذا ترى؟ قال الابن الصالح: يا أبت أنجز أمر ربك، ستجدنى من الصابرين إن شاء الله. 103- فلما استسلم الوالد والمولود لقضاء الله، ودفعه إبراهيم على الرمل المتجمع، وأسقطه على شقه، فوقع جبينه على الأرض، وتهيأ لذبحه. 104، 105- وعلم الله صِدْق إبراهيم وابنه فى الاختبار، وناداه الله - نداء الخليل -: يا إبراهيم، قد استجبت مطمئنا لوحى الرؤيا، ولم تتردد فى الامتثال، فحسبك هذا، إنا نخفف عنك اختبارنا جزاء إحسانك، كما نجزى المحسنين على إحسانهم. 106- إن هذا الابتلاء الذى ابتلينا به إبراهيم وابنه لهو الابتلاء الذى أبان جوهر إيمانهما ويقينهما فى رب العالمين. 107- وفديناه بمذبوح عظيم القدر لكونه بأمر الله تعالى. 108- وتركنا له الثناء على ألسنة مَنْ جاء بعده. 109- تحية أمن وسلام على إبراهيم. 110- مثل ذلك الجزاء الدافع للبلاء نجزى المحسنين فى امتثال أوامر الله. 111- إن إبراهيم من عبادنا المذعنين للحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰبُنَيَّ} {يٰأَبَتِ} {ٱلصَّابِرِينَ} (102) - فَلَمَّا كَبُرَ وَتَرَعْرَعَ، وَصَارَ يَذْهَبُ مَعَ أَبِيهِ، وَيَسْعَى فِي أَشْغَالِهِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ قَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَمَا رَأْيُكَ؟ وَقَدْ قَصَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ صَبْرَهُ، وَمَا يَرَاهُ فِيمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنَ الابْتِلاَءِ، وَلِيوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَى الذَّبْحِ اكْتِسَابا لِلمَثُوبَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى. فَرَدَّ إِسْمَاعِيلُ عَلَى أَبِيهِ قَائِلاً: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ، وَسَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ عَلَى الابْتِلاَءِ، وَعَلَى قَضَاءِ اللهِ. بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ - دَرَجَ فِي العَمَلِ مَعَهُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السَّعْيَ مع أبيه، فقال سبحانه بعدها: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} [الصافات: 102] ذلك لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلَّم، وهو الذي يحكي. ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} تفسير : [النمل: 28]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة. كذلك هنا: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} [الصافات: 101-102] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع. فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]. وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} [الصافات: 102] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ. وسيدنا إبراهيم ينادي ولده {يٰبُنَيَّ} [الصافات: 102] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر. فقوله: {يٰبُنَيَّ} [الصافات: 102] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية. وقوله: {فَٱنظُرْ} [الصافات: 102] يعني: فكِّر، وتدبَّر {مَاذَا تَرَىٰ} [الصافات: 102] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} [الصافات: 102]، فقوله {ٱفْعَلْ} برّ بأبيه. وقوله {مَا تُؤمَرُ} برٌّ بربِّ أبيه. ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] أي: على هذا البلاء {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات: 103] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]. والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله. وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ. وقوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر. والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120]. نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله {وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ} [الصافات: 104] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله {وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} [الصافات: 104-106]. يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل. وجاء الفداء: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} معناه أطاقَ العَملَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} [الصافات: 102]؛ أي: بلغ سعي القلب مع الروح إلى الحضرة. {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} [الصافات: 102]، يشير به إلى أن من شرائط السائرين إلى الله قطع الأبوة والنبوة الحيوانية، ومن شرائط السائرين بالله التسليم والتفويض بالكلية في الأمور إلى الله، والخروج عن مستحسنات الطبع ومن مستحسنات العقل إلى مشيئة الله تعالى وما اختاره له، وهذا حقيقة قوله تعالى {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]. ومن شرائط السائرين في الله فداء النفس وبذل الروح في طلب الحق تعالى، وبه يشير إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات: 103]، وقد أسلم إبراهيم نفسه، وقد فداها حين وضع آداب المنجنيق، وقد أسلم إسماعيل وبذل روحه حين تله للجبين، ومن دقة النظر في رعاية آداب العبودية، وحفظ حقوق الربوبية في العصمة إلى إسماعيل عليه السلام: أمر أباه بأن يشد يديه ورجليه؛ لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح فيعاتب، ثم لما هم يذبحه: افتح القيد عني فإني أخشى أن أعاتب، فيقال لي: أمشدود اليدين جئتني؟ وإني لا أتحرك ستشعر. شعر : ولو بيد الحبيب سقيت سماً لكان السم من يديه تطيب تفسير : {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] إنما سمي الذبح عظيماً؛ لأنهما نبيين عظيمين أحدهما أعظم من الآخر، وهما إسماعيل ومحمد - عليهما الصلاة - لأنه كان محمد في صلب إسماعيل عليهما الصلاة والسلام. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} [الصافات: 108]؛ أي: في أمة من الآخرين إلى قيام الساعة؛ أي: من الأمم الآخرين، {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 109]؛ أي: سلام مما أسلم إبراهيم وسلم من النار وذبح الولد، {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 110] الذين أحسنوا عبوديتنا، وأسلموا أوامر ربوبيتنا، {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الصافات: 81] المخلصين، لا من عبادنا للدنيا والهوى. {وَبَشَّرْنَاهُ} [الصافات: 111]؛ يعني: إبراهيم {بِإِسْحَاقَ} [الصافات: 111] القلب {نَبِيّاً} [الصافات: 111] ملهماً من الحق تعالى، كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي، {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الصافات: 111]؛ أي: المستعدين لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
همام الصنعاني
تفسير : 2530- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله: {إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}: [الآية: 102]، قال: أخبرني القاسم بن محمد: أنه اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث كعباً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل كعب يحدِّث أبا هريرة عن الكتب، فقال أبو هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ لكل نبي دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتوي شفاعة لأُمتي يوم القيامة"تفسير : فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله وسلم؟ قال: نعم، قال كعب: فداه أبي وأمي أو فِدًى له أبي وأمي، أفلا أخبرك عن إبراهيم؟ إنه لمَّا رأى ذبح ابنه إسحاق، قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً، فخرج إبراهيم بأبنه ليذبحه، فذهب الشيطان، فدخل على سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنكِ؟ قالت: غدا به لبعض حاجته، فقال إنه لم يَغْدُ بِهِ لحاجةٍ، إِنَّما ذهب به ليذبحه! قالت: وَلِمَ يذبحه؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك، قال: فقد أحسن أن يُطِيح ربَّهُ فخرج الشيطان في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لحاجته، قال: إنما يذهب بك ليذبحك! قال: لم يَذْبَحُني؟ قال: يزعمم أَنَّ ربه أمره بذلك، قال: والله لئن كانَ اللهُ أمرهُ بذلك ليفعلنَّ، قال: فتركه، ولحق إبراهيم فقال، أين غدوت بابنك؟ فقال لحاجة، قال: فإنك لم تغد به لحاجة، إنما غدوَت به لتذبحه! قال: وَلِمَ أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك، قال: فوالله لئن كان الله أمرني بذلك، لأفعلن؛ قال: فتركه ويئس أن يطاع، قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا}:[الآية: 103]، قال مع مر، وقال قتادة: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أمر بينهما {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}: [الآية: 103]. 2531- عبد الرزاق، قال: ابن جُرَيْج، في قوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}: [الآية: 103]، قالَ: وضع وجهه إلى الأرض قال: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وَجهي، عَسَى أن ترحمني فلا تُجْهِز عليَّ، أو أن أجزع، (فأرتكض) فأمتنع منْكَ، ولكنِ اربط يديَّ إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرضِ، فأما أنت فلا تنظر في وجهي، وأما أنا إن جزعت لم أمتنع مِنكَ، قال، وقال مجاهد: هو إسماعيل، كان ذلك بمنى فِي مَنْحَر الناس، ربط يديه إلى رقبته، ووضع وجهه إلى الأرض، فأدخل الشفرة فإذا هي لا (تحزّ) فسَمِعَ النِّدَاء، فنظر فإذا هو بالكبش، فأخذه فذبحه، قال، وقال عبيد بن عمير: هو إسحاق وكان ذلك بالشام. 2542- حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جُرَيْج، وعن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، أنه سمع ابن المسيّب (يقال له) في قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}: [الآية: 103]، قال: هو إسحاق، فقال: معاذ الله، ولكنه إسماعيل فثوب بإسحاق على صبره حين صبر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):