٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
103
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَلَمَّا أَسْلَمَا } استسلما لأمر الله أو سلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه، وقد قرىء بهما وأصلها سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه. {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة. وقيل كبه على وجهه بإشارته لئلا يرى فيه تغيراً يرق له فلا يذبحه، وكان ذلك عند الصخرة بمنى أو في الموضع المشرف على مسجده، أو المنحر الذي ينحر فيه اليوم. {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } بالعزم والإِتيان بالمقدمات. وقد روي أنه أمر السكين بقوته على حلقه مراراً فلم تقطع، وجواب «لما» محذوف تقديره كان ما كان مما ينطلق به الحال ولا يحيط به المقال، من استبشارهما وشكرهما لله تعالى على ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق بما لم يوفق غيرهما لمثله، وإظهار فضلهما به على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك. {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } تعليل لإِفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما، واحتج به من جوز النسخ قبل وقوعه فإنه عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بالذبح لقوله {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ }تفسير : [الصافات: 102] ولم يحصل. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ } الابتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره، أو المحنة البينة الصعوبة فإنه لا أصعب منها. {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ } بما يذبح بدله فيتم به الفعل. {عظِيمٍ } عظيم الجثة سمين، أو عظيم القدر لأنه يفدي به الله نبياً ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين. قيل كان كبشاً من الجنة. وقيل وعلاً أهبط عليه من ثبير. وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة، والفادي على الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإنما قال وفديناه لأن الله المعطي له والآمر به على التجوز في الفداء أو الإِسناد، واستدل به الحنفية على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة وليس فيه ما يدل عليه. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } سبق بيانه في قصة نوح عليه السلام. {كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } لعله طرح عنه أنا اكتفاء بذكره مرة في هذه القصة. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } مقضياً نبوته مقدراً كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار المعنى بالحال، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملاً فيهما مثلاً و {بشرناه} بوجود إسحق أي بأن يوجد إسحق نبياً من الصالحين، ومع ذلك لا يصير نظير قوله: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ }تفسير : [الزمر: 73] فإن الداخلين مقدرون خلودهم وقت الدخول وإسحق لم يكن مقدراً نبوة نفسه وصلاحها حينما يوجد، ومن فسر الذبيح بإسحق جعل المقصود من البشارة نبوته، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإِطلاق. {وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ } على إبراهيم في أولاده. {وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ } بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب، أو أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، وقرىء «وبركنا». {وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } في عمله أو إلى نفسه بالإِيمان والطاعة. {وَظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } بالكفر والمعاصي. {مُّبِينٌ } ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابها لا يعود عليهما بنقيصه وعيب. {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية. {وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } من تغلب فرعون أو الغرق. {وَنَصَرْنَـٰهُمْ } ثم الضمير لهما مع القوم. {فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبينَ } على فرعون وقومه. {وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ } البليغ في بيانه وهو التوراة. {وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصّرٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } الطريق الموصل إلى الحق والصواب. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلآخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ }. {إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } سبق مثل ذلك. {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } هو إلياس بن ياسين سبط هرون أخى موسى بعث بعده. وقيل إدريس لأنه قرىء إدريس وإدراس مكانه وفي حرف أبي رضي الله عنه. وقيل إيليس وقرأ ابن ذكوان مع خلاف عنه بحذف همزة إلياس. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } عذاب الله. {أَتَدْعُونَ بَعْلاً } أتعبدونه أو أتطلبون الخير منه، وهو اسم صنم كان لأهل بَكَّ من الشام وهو البلد الذي يقال له الآن بعلبك وقيل البعل الرب بلغة اليمن، والمعنى أتدعون بعض البعول. {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ } وتتركون عبادته، وقد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعني بالهمزة ثم صرح به بقوله: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب على البدل. {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي في العذاب، وإنما أطلقه اكتفاء منه بالقرينة، أو لأن الإِحضار المطلق مخصوص بالشر عرفاً. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } مستثنى من الواو لا من المحضرين لفساد المعنى. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ }. {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } لغة في إلياس كسيناه وسينين، وقيل جمع له مراد به هو وأتباعه كالمهلبين، لكن فيه أن العلم إذا جمع يجب تعريفه باللام أو للمنسوب إليه بحذف ياء النسب كالأعجمين وهو قليل ملبس، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب على إضافة {ءالَ } إلى {يَاسِينَ } لأنهما في المصحف مفصولان فيكون {يَاسِينَ } أبا {إِلْيَاسَ }، وقيل محمد عليه الصلاة والسلام أو القرآن أو غيره من كتب الله والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } إذ الظاهر أن الضمير لإلياس. {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } سبق بيانه. {وَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة. {لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ } على منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه. {مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصباح. {وَبِٱلَّيْلِ } أي ومساء أو نهاراً وليلاً، ولعلها وقعت قريب منزل يمر بها المرتحل عنه صباحاً والقاصد لها مساء. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أفليس فيكم عقل تعتبرون به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّآ أَسْلَمَا } خضعا وانقادا لأمر الله تعالى {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } صرعه عليه، ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة وكان ذلك بمنى، وأمرّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئاً بمانع من القدرة الإِلٰهية.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور الناس "أسلما" أي أنفسهما واستسلما لله تعالى، وقرأ علي وعبد الله وابن عباس ومجاهد والثوري "سلما" والمعنى فوضا إليه في قضائه وقدره وانحملا على أمره، فأسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه واختلف النحاة في جواب {لما}، فقال الكوفيون الجواب {ناديناه}، والواو زائدة، وقالت فرقة الجواب {وتله} والواو زائدة كزيادتها في قوله: {أية : وفتحت السماء} تفسير : [النبأ: 19] وقال البصريون: الجواب محذوف تقديره "فلما أسلم وتله"، وهذا قول الخليل وسيبويه، وهو عندهم كقول امرىء القيس: شعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل تفسير : التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أجزنا وانتحى، وقال بعض البصريين: الجواب محذوف وتقديره {فلما أسلما وتله للجبين} أجزل أجرهما أو نحو هذا مما يقتضيه المعنى، {وتله} وضعه بقوة ومنه الحديث في القدح، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده أي وضعه بقوة، والتل من الأرض مأخوذ من هذه كأنه تل في ذلك الموضع، و {للجبين} معناه لتلك الجهة وعليها وكما يقولون في المثل لليدين والفم وكما تقول سقط لشقه الأيسر، وقال ساعدة بن جوبة "وظل تليلاً للجبين والجبينان ما اكتنف الجبهة من هنا وهنا"، وروي في قصص هذه الآية أن الذبيح قال لأبيه اشدد رباطي بالحبل لئلا أضطراب واصرف بصرك عني، لئلا ترحمني ورد وجهي نحو الأرض، قال قتادة كبه لفيه وأخذ الشفرة، والتل للجبين ليس يقتضي أن الوجه نحو الأرض بل هي هيئة من ذبح للقبلة على جنبه، وقوله {أن يا إبراهيم}، {أن} مفسرة لا موضع لها من الإعراب وقوله، {قد صدقت} يحتمل أن يريد بقلبك على معنى كانت عندك رؤياك صادقة وحقاً من الله فعملت بحسبها حين آمنت بها واعتقدت صدقها، ويحتمل أن يريد صدقت بعملك ما حصل عن الرؤيا في نفسك كأنه قال قد وفيتها حقها من العمل، و {الرؤيا} اسم لما يرى من قبل الله تعالى، والمنام والحلم اسم لما يرى من قبل الشيطان، ومنه الحديث الصحيح "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان"، وقوله {إنا كذلك} إشارة إلى ما عمل إبراهيم، كأنه يقول إنا بهذا النوع من الإخلاص والطاعة {نجزي المحسنين}، وقوله تعالى {إن هذا لهو} يشير إلى ما في القصة من امتحان واختبار وسير معتقد، فيكون {البلاء} على هذا المعنى الاختبار بالشدة، ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية وإنقاذ من تلك الشدة في إنفاذ الذبح، فيكون {البلاء} بمعنى النعمة. قال القاضي أبو محمد: وإلى كل احتمال قد أشارت فرقة من المفسرين، وفي الحديث أن الله تعالى أوحى إلى إسحاق أني قد أعطيتك فيها ما سألت فسلني فقال يا رب أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة، والضمير في {فديناه} عائد على الذبح، و"الذبح" اسم لما يذبح ووصفه بالعظم لأنه متقبل يقيناً قاله مجاهد، وقال عمر بن عبيد: "الذبح" الكبش و"العظيم" لجري السنة، وكونه ديناً باقياً آخر الدهر، وقال الحسن بن الفضل: عظم لأنه كان من عند الله، وقال أبو بكر الوراق: لأنه لم يكن عن نسل بل عن التكوين، وروي عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير: أن كونه عظيماً هو أنه من كباش الجنة، رعى فيها أربعين خريفاً، وقال ابن عباس: هو الكبش الذي قرب ولد آدم، وقال ابن عباس والحسن: كان وعلاً اُهبط عليه من ثبير، وقال الجمهور: إنه كبش أبيض أقرن أعين وجده وراءه مربوطاً بسمرة. قال القاضي أبو محمد: وروي أنه انفلت لإبراهيم فاتبعه ورماه بحصيات في مواضع الجمرات فبذلك مضت السنة، وقال ابن عباس رجم الشيطان عند جمرة العقبة وغيرها وقد قدم هذا. قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة على أن هذه القصة نسخ فيها العزم على الفعل، والمعتزلة التي تقول إنه لا يصح نسخ إلا بعد وقوع الفعل افترقت في هذه الآية على فرقتين، فقالت فرقة وقع الذبح والتأم بعد ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا كذب صراح، وقالت فرقة منهم: بل كان إبراهيم لم ير في منامه إلا أمارة الشفرة فقط، فظن أنه ذبح فجهز، فنفذ لذلك فلما وقع الذي رآه وقع النسخ. قال القاضي أبو محمد: والاختلاف أن إبراهيم عليه السلام أمر الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع، وروي أن صفيحة نحاس اعترضته فحز فيها والله أعلم كيف كان، فقد كثر الناس في قصص هذه الآية بما صحته معدومة، فاختصرته، وقد تقدم تفسير مثل قوله {وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم} وقوله {كذلك نجزي المحسنين} معناه أي هذا الفعل وباقي الآية بين. قال القاضي أبو محمد: وما يستغرب في هذه الآية أن عبيد بن عمير قال: ذبح في المقام، وذكر الطبري عن جماعة لم يسمها أنها قالت: كان الأمر وإذاعة الذبح والقصة كلها بالشام، وقال الجمهور: ذبح بمنى، وقال الشعبي: رأيت قرني كبش إبراهيم معلقة في الكعبة.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَسْلَمَا} اتفقا على أمر واحد، أو سلما لأمر الله ـ تعالى ـ فسلم إسحاق نفسه لله ـ تعالى ـ وسلم إبراهيم أمره لله ـ تعالى ـ {وَتَلَّهُ} صرعه على جبينه "ع" فالجبين ما عن يمين الجبهة وشمالها، أو أكبه لوجهه، أو وضع جبينه على تل قال إسحق: " يا أبتِ إذبحني وأنا ساجد ولا تنظر إلى وجهي فقد ترحمني فلا تذبحني ".
النسفي
تفسير : {فَلَمَّا أَسْلَمَا } انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } صرعه على جبينه ووضع السكين على حلقه فلم يعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. رُوي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب «لما» محذوف تقديره فلما أسلما وتله للجبين {وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } أي حققت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، أو الجواب قبلنا منه و {ناديناه} معطوف عليه {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَٰـؤُا ٱلْمُبِينُ } الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة. {وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ } هو ما يذبح. وعن ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة وذبح الناس أبناءهم {عظِيمٍ} ضخم الجثة سمين وهي السنة في الأضاحي. ورُوي أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر. فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة وقد استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة. والأظهر أن الذبيح إسماعيل وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين رضي الله عنهم لقوله عليه السلام «حديث : أنا ابن الذبيحين»؟تفسير : فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله. وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح آخر ولده تقرباً، وكان عبد الله آخراً ففداه بمائة من الإبل، ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير. وعن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى كان اسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وعن علي وابن مسعود والعباس وجماعة من التابعين رضي الله عنهم أنه إسحق ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف عليهما السلام: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله. وإنما قيل {وَفَدَيْنَـٰهُ } وإن كان الفادي إبراهيم عليه السلام والله تعالى هو المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح، لأنه تعالى وهب له الكبش ليفتدي به. وههنا إشكال وهو أنه لا يخلو إما أن يكون ما أتى به إبراهيم عليه السلام من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه في حكم الذبح أم لا، فإن كان في حكم الذبح فما معنى الفداء والفداء هو التخليص من الذبح ببدل؟ وإن لم يكن فما معنى قوله {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح أصلاً أو بدلاً ولم يصح؟ والجواب أنه عليه السلام قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح، ولكن الله تعالى جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم، ووهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة في نفس إسماعيل بدلاً منه وليس هذا بنسخ منه للحكم كما قال البعض، بل ذلك الحكم كان ثابتاً إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم على طريق الفداء دون النسخ، وكان ذلك ابتلاء ليستقر حكم الأمر عند المخاطب في آخر الحال، على أن المبتغي منه في حق الولد أن يصير قرباناً بنسبة الحكم إليه مكرماً بالفداء الحاصل لمعرة الذبح مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حال المكاشفة، وإنما النسخ بعد استقرار المراد بالأمر لا قبله وقد سمي فداء في الكتاب لا نسخاً. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ } ولا وقف عليه لأن {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } مفعول {وَتَرَكْنَا }. {كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } ولم يقل «إنا كذلك» هنا كما في غيره لأنه قد سبق في هذه القصة فاستخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً } حال مقدرة من {إِسْحَـٰقَ } ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي وبشرناه بوجود إسحق نبياً أي بأن يوجد مقدرة نبوّته فالعامل في الحال الوجود لا البشارة {مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } حال ثانية وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد وأن يكون من الصالحين {وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ } أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا. وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبي، أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليهم السلام {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } مؤمن {وَظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ } كافر {مُّبِينٌ } ظاهر أو محسن إلى الناس وظالم على نفسه بتعديه عن حدود الشرع، وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر الفاجر والفاجر البر وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أصله وفرعه. {وَلَقَدْ مَنَنَّا } أنعمنا {عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } بالنبوة {وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا } بني إسرائيل {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } من الغرق أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم {وَنَصَرْنَـٰهُمْ } أي موسى وهرون وقومهما {فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبينَ } على فرعون وقومه {وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ } البليغ في بيانه وهو التوراة {وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } صراط أهل الإسلام وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلآخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } هو إلياس بن ياسين من ولد هرون أخي موسى. وقيل: هو إدريس النبي عليه السلام. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه {وَإِنْ إِدْرِيسَ } في موضع «إلياس». {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } ألا تخافون الله {أَتَدْعُونَ } أتعبدون {بَعْلاً } هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء، وكان موضعه يقال له بك فركب وصار بعلبك وهو من بلاد الشأم. وقيل: في إلياس والخضر إنهما حيان، وقيل إلياس وكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، والحسن يقول: قد هلك إلياس والخضر ولا تقول كما يقول الناس إنهما حيان {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ } وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن المقدرين {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَآبَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } بنصب الكل: عراقي غير أبي بكر وأبي عمرو على البدل من {أحسن }، وغيرهم بالرفع على الابتداء. {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } في النار {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } من قومه {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } أي إلياس وقومه المؤمنين كقولهم الخبيبون يعني أبا خبيب عبد الله بن الزبير وقومه. {آلْ يَاسِينَ } شامي ونافع لأن ياسين اسم أبي إلياس فأضيف إليه الآل {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ } في الباقين {ثُمَّ دَمَّرْنَا } أهلكنا {ٱلآخَرِينَ وَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة {لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصباح {وَبِٱلَّيْلِ } والوقف عليه مطلق {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشأم ليلاً ونهاراً فما فيكم عقول تعتبرون بها. وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام كما ختم قصة من قبلهما، لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة فاكتفي بذلك عن ذكر كل واحد منفرداً بالسلام.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أي: أسلما أنفسهمَا، واسْتَسْلَمَا للَّه ـــ عز وجل ـــ، وقَرَأ ابن عبَّاس وجماعة: «سَلَّمَا»، والمعنى فَوَّضَا إليه في قضائه وقَدَرِهِ ـــ سبحانه ـــ، فأسْلَم إبراهيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الابْنُ نَفْسَهُ، قال بعْضُ البَصْرِيين: جوابُ «لما» محذوفٌ تقديره: فلما أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجبينِ، أُجْزِلَ أجْرُهُما، ونحوُ هذا مِمَّا يَقْتَضِيهِ المعنَىٰ، {وَتَلَّهُ} معناه: وَضَعَه بقوَّةٍ ومنْه الحديثُ في القِدْحِ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في يده، أي: وضعه بقوَّة، و{لِلْجَبِينِ} معناه: لتلك الجهةِ وعليها، كما يقولون في المثلِ: [الطويل] شعر : ............. وخَرَّ صَرِيعاً لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ تفسير : وكما تقول: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِنْ ههنا، ومن ههنا، و«أَنْ» من قوله: {أَن يَٰإِبْرَٰهِيمُ} مُفَسِّرَةٌ لاَ مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الإعْرَابِ، و{صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا} يحتملُ أنْ يريدَ بقَلْبِكَ أو بِعَمَلِكَ، و«الرؤيا» اسمٌ لِمَا يُرَىٰ مِن قِبَلِ اللَّهِ ـــ تعالى ـــ، والمَنَامُ والحُلْمُ: اسمٌ لما يُرَىٰ منْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ؛ ومنه الحديث الصحيح: «حديث : الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ» تفسير : ، و{ٱلْبَلاَءُ}: الاخْتِبَارُ، والذَّبْحُ العظيمُ في قول الجمهور: كَبْشٌ أبْيَضُ أعْيَنُ، وَجَدَهُ وَرَاءَهُ مَرْبُوطاً بسَمُرَةٍ، وأَهْلُ السُّنَّةِ عَلَىٰ أَنَّ هذه الْقِصَّةَ نُسِخَ فيها العَزْمُ على الْفِعْلِ؛ خلافاً للمعتزلة، قال أحمد بن نَصْرٍ الداوودي: وإنْ نَسَخَ اللَّهُ آيةً قَبْلَ العَمَلِ بِهَا؛ فإنَّما يَنْسَخُها بَعْدَ اعْتِقَادِ قَبُولِها وهُوَ عَمَلٌ انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ } تفسير : [البقرة:106] قال * ع *: ولا خلافَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلَىٰ حَلْقِ ٱبْنهِ فَلَمْ تَقْطَعْ، والجمهورُ أَنَّ أمْرَ الذَّبْحِ كانَ بِمِنًى، وقال الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْرَاهِيمَ مُعَلَّقَتَيْنِ في الكَعْبَةِ، وَرَوَىٰ عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يَا فَاطِمَةُ، قُومِي لاُّضْحِيَتِكِ، فَٱشْهَدِيهَا؛ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» تفسير : قال عِمْرَانُ: قلت: يا رسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَال: «لاَ، بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» رواه الحاكم في «المستدرك» انتهى من «السِّلاَح». وقوله تعالى: {وَظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ} توعُّد لمنْ كَفَرَ من اليهودِ بمحمَّد ـــ عليه السلام ـــ، و{ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ}: هو التوراةُ، قال قتادة وابن مَسْعُود: إلْيَاسُ: هو إدريسُ ـــ عليه السلام ـــ، وقالت فرقة: هو مِنْ وَلَدِ هَارُونَ، وقرأ نافِعُ وابن عامِر: «عَلَىٰ آلِ يَاسِينَ»، وقرأ الباقون: «عَلَىٰ إلْيَاسِينَ» ـــ بألفٍ مكسورةٍ ولامٍ ساكنةٍ ـــ، فَوُجِّهَتِ الأولَىٰ؛ علَىٰ أنها بمعنى: «أهْل»، و«ياسِينُ»: اسمُ لإلياسَ، وقيل: هو اسم لمحمَّد ـــ عليه السلام ـــ، ووُجِّهَتِ الثانيةُ علَىٰ أَنَّها جَمْعُ «إلْيَاسِيٍّ»، وقرأ ابن مسعود والأعمش: «وإنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ، وَسَلاَمٌ عَلَىٰ إدْرِيسِينَ»، قال السُّهيليُّ: قال ابن جِنِّيْ: العربُ تتلاعبُ بالأسماءِ الأعجميةِ تلاعباً؛ فـ«ياسين»، و«إلياسُ» و«اليَاسِينُ» شيءٌ واحدٌ، انتهى. * ت *: وحكى الثعلبيُّ هنا حكايةً عَنْ عَبْدِ العزيزِ بْنِ أبي رواد، عن رجلٍ لَقِي إلياسَ في أيَّام مَرْوانَ بن الحَكَمِ، وأخبَرَهُ بعَدَدِ الأبْدَالِ وعَن الخَضِرِ في حكايةٍ طويلةٍ لا ينبغي إنكارُ مثلها؛ فأولياءُ اللَّهِ يُكاشَفُونَ بِعَجَائِبَ، فلا يُحْرَمُ الإنْسَانُ التَّصْدِيقَ بِهَا، جعلنَا اللَّه مِنْ زُمْرَةِ أوليائه، انتهى.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أي استسلما لأمرِ الله تعالى وانقادا وخَضَعا له يقال سَلَّم لأمرِ الله وأسلَم واستسلَم بمعنى واحدٍ. وقُرىء بهنَّ جميعاً. وأصلُها من قولك سَلِمَ هذا لفلانٍ إذا خلُص له ومعناه سَلِمَ من أنْ يُنازع فيهِ وقولهم سلَّم لأمرِ الله وأسلمَ له منقولانِ منه ومعناهما أخلصَ نفسَه لله وجعلها سالمةً له وكذلك معنى استسلَم استخلصَ نفسَه له تعالى. وعن قتادة رضي الله عنه في أسلما: أسلَمَ إبراهيمُ ابنَه وإسماعيلُ نفَسه. {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} صرعَه على شقِّه فوقع جبـينُه على الأرض وهو أحدُ جانبَـيْ الجبهةِ وقيل كبَّه على وجههِ بإشارتهِ كيلا يرى منه ما يُورِث رقَّةً تحولُ بـينه وبـين أمرِ الله تعالى وكان ذلك عند الصَّخرةِ من مِنَى. وقيل في الموضعِ المُشرف على مسجدِ مِنَى وقيل في المنحرِ الذي يُنحر اليوم فيه.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: أنفذا الأمر ورضيا به. وقال جعفر عليه السلام: أخرج إبراهيم من قلبه محبة ابنه إسماعيل وأخرج إسماعيل من قلبه محبة الحياة. قال بعضهم في قوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قال فلما سلما من هواجس نفوسهما ورأيا حسن اختيار الله لهما، وعلما أن حقيقة المحبة فى الطاعة سلم إسماعيل نفسه للأمر وسلم قلب إبراهيم من الشفقة أتتهما البشرى بقوله {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الآية: 107].
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}. قيل في التفاسير إنه كان يمرُّ بالسكين على حَلْقِه والسكين لا يُقطَع، فتعجَّبَ إبراهيمُ، فنودي: يا إبراهيم، كان المقصودُ من هذا استسلامكما. ويقال إن الله سَتَرَ عليهما عِلْمَ ما أُريد منهما في حال البلاء، وإنما كَشَفَ عنهما بعد مُضِيِّ وقت المحنة لئلا يَبْطُلَ معنى الابتلاَءَ... وهكذا يكون الأمر عند البلاء؛ تَنْسَدُّ الوجوهُ في الحال؛ وكذلك كانت حالة النبيّ صلى الله عليه وسلم. في حال حديث الإفك، وكذلك حالة أيوب عليه السلام؛ وإنما يتبيَّنُ الأمرُ بعد ظهور آخر المحنة وزوالها، وإلاَّ لم تكن حينئذٍ محنة [إلاَّ أنه يكون في حال البلاء إسبالٌ يُولَى مع مخامرة المحنة] ولكن مع استعجام الحال واستبهامه، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن حينئذٍ بلاءٌ؛ قال تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}. قيل كان فداء الذبيح يُرَبَّى في الجنة قبله بأربعين خريفاً. والناس في "البلاء" على أقسام: فبلاءٌ مستعصب وذلك صفة العوام، وبلاء مستعذب وذلك صفة مَنْ يستعذبون بلاياهم، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قُتِلُوا.
البقلي
تفسير : لما استوى سرهما فى كمال التسليم صرحة فى مذبح العشاق الذين قتلوا بسيوف المحبة حتى استوفى حظوظ العبودية فى دعواهما من شهود انوار الربوبية قال جعفر اخرج ابراهيم من قلبه محبة ابنه اسماعيل واخرج اسماعيل من قلبه محبة الحياة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما اسلما} اى استسلم ابراهيم وابنه لامرا الله وانقادا وخضعا له: وبالفارسية [بس هنكام كه كردن نهادند خدايرا] يقال سلم لامر الله واسلم واستسلم بمعنى واحد قرئ بهن جميعا واصلها من قولك سلم هذا لفلان اذا خلص له ومعناه سلم ان ينازع فيه وقولهم سلم لامر الله واسلم له منقولان منه ومعناهما اخلص نفسه لله وجعلها سالمة وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله تعالى. وعن قتادة فى اسلما اسلم ابراهيم ابنه واسماعيل نفسه {وتله للجبين}. قال فى القاموس تله صرعه والقاه على عنقه وخده. والجبين احد جانبى الجبهة فللوجه فوق الصدغ جبينان عن يمين الجبهة وشمالها. قال الراغب اصل التل المكان المرتفع والتليل العنق وتله للجبين اسقطه على التل او على تليله. وقال غيره صرعه على شقه فوقع جبينه على الارض لمباشرة الامر بصبر وجلد ليرضيا الرحمن ويحزنا الشيطان وكان ذلك عند الصخرة من منى او فى الموضع المشرف على مسجد منى او فى المنحر الذى ينحر فيه اليوم ـ وروى ـ ان ابليس عرض لابراهيم عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب تم مضىابراهيم لامر الله تعالى وعزم على الذبح ومنه شرع رمى الجمرات فى الحج فهو من واجبات الحج يجب بتركه الفدية باتفاق الائمة. قال فى التأويلات النجمية ومن دقة النظر فى رعاية آداب العبودية فى حفظ حق الربوبية فى القصة ان اسماعيل امر اباه ان يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب اذا مسه ألم الذبح فيعاتب ثم لما هم بذبحه قال افتح القيد عنى فانى اخشى ان اعاتب فيقال لى أمشدود اليد حبيبى يطيعنى شعر : ولوبيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب تفسير : وقد قيل ضرب الحبيب يطيب شعر : ازدست تومشت بردهان خوردن خوشتركه بدست خويش نان خوردن
اطفيش
تفسير : {فلما أسلما} انقاد لأمر الله ورضيا به فابراهيم انقاد لذبح ابنه ورضي به واسماعيل انقاد للذبح ورضي به فالإسلام بمعنى الاستسلام وقال قتادة المعنى أسلم هذا ابنه واسلم هذا نفسه وقرأ ابن عباس وجماعة تسلما وقرأه بعضهم سلما بالتشديد وبعضهم استسلما والاربعة من قولك سلم هذا لزيد بالتخفيف وكسر اللام أي خلص له لا ينازع فيه ولا يشارك. {وتله} صرعة ابراهيم بغير لين لكن لم يضره بذلك الصرع وذلك لئلا تدخله الشفقة وليكون ادخل في طاعة الله وازيد في اغضاب الشيطان لعنه الله. {للجبين} على الجبين أو اللام بمعنى إلى فإن صرعه انتهى إلى الجبين إذ كان جبينه تاليا للأرض وفي هذا زيادة انقياد ولكل انسان جبينان وهما جانبا الجبهة مكتنفان لهما من ها هنا وهاهنا وقيل كبه على وجهه بإشارة إسماعيل لذلك لئلا يرى وجهه أو تغير وجهه فيرق له والجبين يطلق على الجبهة أيضا وجواب لما هو قوله. {وناديناه} بزيادة الواو وقال بعض البصرين جوابها محذوف التقدير اجزل ثوابهما ونحو هذا مما يقتضيه المعنى وقدره بعض العلماء بعد قوله. {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال من استبشارهما وشكرهما لله سبحانه وتعالى على ما انعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق لما لم يوفق له غيرهما واظهار فضلهما به على العالمين مع احراز الثواب العظيم إلى غير ذلك ولهذا التهويل والتفخيم حذفه وإن مخففة أي بأنه او مفسرة ومعنى تصديق الرؤيا عزمه على الذبح وشروعه في مقدماته قال عياض ولا خلاف أن ابراهيم أمر الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع وكان امرارها بغاية قوته على حلقه مرارا وذلك عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن في الموضع المشرف عند مسجد منى وهو مسجد سيدنا ابراهيم عليه السلام، وقال الضحاك في الموضع الذي ينحر فيه اليوم وعن بعضهم عند الجمرة الوسطى. {إنا كذلك نجزي المحسنين} تعليل لافراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما امتثال الأمر واحتج بالآية من جواز النسخ قبل العمل بالمنسوخ فإن إبراهيم عليه السلام امر الذبح وترك الله له هذا الأمر وعفى عنه ولم يحصل ذبح وذلك نسخ للعزم على الفعل وقد وقع ونسخ لما قد قيل وكأنه عمل. وقال جار الله فإن قلت قد أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح وقيل له قد صدقت الرؤيا وإنما يصدقها لو صح منه الذبح ولم يصح قلت قد بذل وسعه وفعل ما يفعله الذابح من بطحه على شقه وامرار الشفرة على حلقه ولكن الله سبحانه جاء بما يمنع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا يقدح في فعل ابراهيم ألا ترى انه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا بل يسمى مطيعا ومجتهدا كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وانهرت الدم وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل ولا قبل أو أن الفعل في شيء كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه انتهى والذي نقول ان الله جل وعلا ازال قوة الذبح من السكين فلم تؤثر وهي باقية على حدتها أو خلق قوة وصلابة في عنق اسماعيل فلم يؤثر جر السكين عليها وقيل ان الله جل وعلا يخلق كل عرق ولحم قطعه ويصلهما فهو يفصل والله يصل وهو خلاف ظاهر القرآن وقيل خلق الله على عنقه صفحة نحاس لا يراها ابراهيم وهو قول باطل لا دليل عليه فان الله عز وعلا قادر على ابطال الذبح بغير ذلك ومما مر وليس ذلك منعا للذبح ونهيا عنه فضلا عن قول بعض في الرد ان الله عز وعلا اذا نهى عن شيء لا يتجاسر نبيه على فعله.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا أسْلمَا} أنقاد هو وأبوه لأمر الله، ويجوز أن يكون من أسلم المتعدى أى أسلم الابن نفسه للذبح، وأسلمه أبوه ولم يشح به {وتلَّه للجَبِين} صرعه، وأصله الصرع على التل، وهو مجتمع التراب، وصار حقيقة فى الصرع مطلقا، واللام للبيان كقوله تعالى: "أية : يخرون للأذقان"تفسير : [الإسراء: 107] وقوله: شعر : وخرَّ صريعاً لليدين وللفم تفسير : والجبين أحد جانبى الوجه فنقول: يختار الجبين الأيمن، وروى أنه قال: يا أبت كبنى على وجهى لئلا ترحمنى برؤية وجهى، فلا تجهز على فلم يأخذ أبوه بكلامه، بل صرعه على الجبين، ومع أنه لم يرد بالصرع ما يظهر من العنف، لأنهما معا منقادان، وقال أيضا: يا أبت اشدد رباطى لئلا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ترى أمى دمى عليها فتزداد حزنا، وأسرع بامرار السكين ليكون أهون على، وأقرىء أمى السلام منى، وكل منهما يبكى، وأبوه يقبله. وأخرج أحمد فى مسنده عن ابن عباس أنه قال:يا أبت ما عندك ثوب تكفننى إلا قميصى هذا، وكان أبيض، فانزعه وكفنى فيه، ولعله لم يفعل لأنه يؤخر النزع الى ما بعد الموت، فجر الشفرة جهده وهى حادة ولم تؤثر شيئا باذن الله، ولا حاجة الى ما يقال: ان الله عز وجل جعل منحره نحاسا، ولا الى ما يقال: ألبسه الله حلقة نحاس. وروى أنه حدها فأعاد الجر فلم تؤثر فعل ذلك مرتين، وروى أنه لم يجرها بل قلبها جبريل عليه السلام، وزعم بعض أنه كلما قطع موضعا من الحلق رده الله تعالى، ولعل الابن لا يحس بذلك إن صح، وقيل لما أراد الجر قال ملك: يا إبراهيم لا تفعل بالغلام شيئا، خذ ما وراءك وهو كبش ذكره الله عز وجل، أو قيل له: أمسك قد صدقت الرؤيا، فرفع رأسه فرأى كبشا ينحط حتى وقع عليه كما قال الله تعالى: {ونادَيْناه} ناداه ملك من خلفه أو فوقه {أنْ يا إبراهيم * قَد صدَّقْت الرؤيا} فعلت ما رأيت فى المنام، وجواب لما محذوف يقدر هنا أى كان ما كان من شكر واستبشار بالنجاة، والفوز بما لم يفز به أحد، وبعض قدره بعد الجبين هكذا أجزلنا لهما الأجر، وقدره الخليل وسيبويه قبل {وتله} وقيل: الجواب: {تله} وقال الكوفيون: ناديناه بزيادة الواو فى الوضعين على القولين {إنَّا كذلك نَجْزي المُحْسنين} من جملة الجواب أو مستأنف.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا أَسْلَمَا } أي استسلما وانقادا لأمر الله تعالى فالفعل لازم أو سلم الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه على أنه متعد والمفعول محذوف. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وعبد الله ومجاهد والضحاك وجعفر بن محمد والأعمش والثوري {سلما} وخرجت على ما سمعت، ويجوز أن يكون المعنى فوضا إليه تعالى في قضائه وقدره، وقرىء {استسلما} وأصل الأفعال الثلاثة سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه. {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض، وأصل التل الرمي على التل وهو التراب المجتمع ثم عمم في كل صرع، والجبين أحد جانبـي الجبهة وشذ جمعه على أجبن وقياسه في القلة أجبنة ككثيب وأكثبة وفي الكثرة جبنان وجبن ككثبان وكثب، واللام لبيان ما خر عليه كما في قوله تعالى: {أية : يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ } تفسير : [الإسراء: 107] وقوله: شعر : وخر صريعاً لليدين وللفم تفسير : وليست للتعدية، وقيل المراد كبه على وجهه وكان ذلك بإشارة منه. أخرج غير واحد عن مجاهد أنه قال لأبيه: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني فلا تجهز علي اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي للأرض ففعل فكان ما كان، ولا يخفى أن إرادة ذلك بإشارة من الآية بعيد، نعم لا يبعد أن يكون الذبيح قال هذا. وفي الآثار حكاية أقوال غير ذلك أيضاً، منها ما في خبر للسدي أنه قال لأبيه عليهما السلام: يا أبت اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه أمي فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي فيكون أهون للموت علي فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني فأقبل عليه إبراهيم يقبله. وكل منهما يبكي، ومنها ما في حديث أخرجه أحمد وجماعة عن ابن عباس أنه قال لأبيه وكان عليه قميص أبيض يا أبت ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فكان ما قص الله عز وجل. وكان ذلك عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن في الموضع المشرف على مسجد منى، وعن الضحاك في المنحر الذي ينحر فيه اليوم، وقيل كان ببيت المقدس وحكي ذلك عن كعب، وحكى الإمام مع هذا القول أنه كان بالشام.
ابن عاشور
تفسير : {أسْلَمَا} استسلما. يقال: سلَّم واستسلم وأسلم بمعنى: انقاد وخضع، وحذف المتعلِّق لظهوره من السياق، أي أسلما لأمر الله فاستسلام إبراهيم بالتهيُّؤ لذبح ابنه، واستسلام الغلام بطاعة أبيه فيما بلغه عن ربه. و {تلّه}: صرعه على الأرض، وهو فعل مشتق من اسم التلّ وهو الصبرة من التراب كالكُدْية، وأما قوله في حديث الشُّرْب «فتلّه في يده» أي القَدح، فذلك على تشبيه شدة التمكين كأنه ألقاه في يده. واللام في {لِلجَبِينِ} بمعنى (على) كقوله: {أية : يخرون للأذقان سجداً}تفسير : [الإسراء: 107]، وقوله تعالى: {أية : دعانا لجنبه}تفسير : [يونس:12]، ومعناها أن مدخولها هو أسفل جزء من صاحبه. والجبين: أحد جانبي الجبهة، وللجبهة جبينان، وليس الجبين هو الجبهة ولهذا خَطَّأوُا المتنبي في قوله: شعر : وَخَلِّ زِيّاً لمن يُحقِّقه ما كُل دَامٍ جبينُه عَابِدْ تفسير : وتبع المتنبيَ إطلاقُ العامة وهو خطأ، وقد نبه على ذلك ابن قتيبة في «أدب الكتاب» ولم يتعقبه ابن السيِّد البطليوسي في «الاقتضاب» ولكن الحريري لم يعدّه في «أوهام الخواصّ» فلعله أن يكون غفل عنه، وذكر مرتضَى في «تاج العروس» عن شيخه تصحيح إطلاق الجبين على الجبهة مجازاً بعلاقة المجاورة، وأنشد قول زهير: شعر : يَقيني بالجبين ومنكبيه وأدْفعه بمُطَّرد الكعوب تفسير : وزعم أن شارح ديوان زهير ذكر ذلك. وهذا لا يصح استعماله إلا عند قيام القرينة لأن المجاز إذا لم يكثر لا يستحق أن يعد في معاني الكلمة على أنا لا نسلم أن زهيراً أراد من الجبين الجبهة. ولم يذكر هذا في الأساس. والمعنى: أنه ألقاه على الأرض على جانب بحيث يباشر جبينه الأرض من شدة الاتصال. ومناداة الله إبراهيم بطريق الوحي بإرسال الملك، أسندت المناداة إلى الله تعالى لأنه الآمر بها. وتصديق الرؤيا: تحقيقها في الخارج بأن يعمل صورة العمل الذي رآه يقال: رؤيا صادقة، إذا حصل بَعدها في الواقع ما يماثل صورةَ ما رآه الرائي قال الله تعالى: {أية : لقد صدق اللَّه رسوله الرؤيا بالحق}تفسير : [الفتح: 27]. وفي حديث عائشة: «أول ما بُدِىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤياً إلا جاءت مثل فَلَق الصبح». وبضد ذلك يقال: كذبتْ الرؤيا، إذا حصل خلاف ما رأى. وفي الحديث: «حديث : إذا اقترب الزمان لم تكد تَكذب رؤيا المؤمن»تفسير : ، فمعنى {قد صدَّقْتَ الرؤيا} قد فعلتَ مثل صورة ما رأيت في النوم أنك تفعله. وهذا ثناء من الله تعالى على إبراهيم بمبادرته لامتثال الأمر ولم يتأخر ولا سأل من الله نسخ ذلك. والمراد: أنه صدق ما رآه إلى حدِّ إمرار السكين على رقبة ابنه، فلما ناداه جبريل بأن لا يذبحه كان ذلك الخطابُ نسخاً لما في الرؤيا من إيقاع الذبح، وذلك جاء من قِبل الله لا من تقصير إبراهيم، فإبراهيم صدَّق الرؤيا إلى أن نهاه الله عن إكمال مِثالها، فأُطلق على تصديقه أكثرَها أنه صدَّقها، وجُعِل ذبح الكبش تأويلاً لذبح الولد الواقع في الرؤيا. وجملة {إنَّا كذلك نَجزي المحسنين} تعليل لجملة {وناديناهُ} لأن نداء الله إياه ترفيع لشأنه فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه. وهذه الجملة يجوز أن تكون من خطاب الله تعالى إبراهيمَ، ويجوز أن تكون معترضة بين جُمل خطاب إبراهيم، والإِشارة في قوله: {كذٰلِك} إلى المصدر المأخوذ من فعل {صَدَّقتَ} من المصدر وهو التصديق مثل عَود الضمير على المصدر المأخوذ من {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]، أي إنا نجزي المحسنين كذلك التصديق، أي مثل عظمة ذلك التصديق نجزي جزاءً عظيماً للمحسنين، أي الكاملين في الإِحسان، أي وأنت منهم. ولِما يتضمنه لفظ الجزاء من معنى المكافأة ومماثلة المجزي عليه عُظم شأن الجزاء بتشبيهه بمشبه مشار إليه بإشارة البعيد المفيد بُعداً اعتبارياً وهو الرفعة وعُظم القدر في الشرف، فالتقدير: إنا نجزي المحسنين جزاء كذلك الإِحسان الذي أحسنتَ به بتصديقك الرؤيا، مكافأة على مقدار الإِحسان فإنه بذل أعَزّ الأشياء عليه في طاعة ربّه فبذل الله إليه من أحسن الخيرات التي بيده تعالى، فالمشبه والمشبه به معقولان إذ ليس واحد منهما بمشاهد ولكنهما متخيَّلان بما يتسع له التخيّل المعهود عند المحسنين مما يقتضيه اعتقادهم في وعْد الصادق من جزاءِ القادر العظيم، قال تعالى: {أية : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}تفسير : [الرحمٰن:60]. ولِمَا أفاد اسم الإِشارة من عظمة الجزاء أُكّد الخبر بــــ {إنَّ} لدفع توهم المبالغة، أي هو فوق ما تعْهده في العظمة وما تُقدره العقول. وفهم من ذكر المحسنين أن الجزاء إحسان بمثل الإِحسان فصار المعنى: إنا كذلك الإِحسان العظيم الذي أحسنته نجزي المحسنين، فهذا وعد بمراتب عظيمة من الفضل الرباني، وتضمن وعد ابنه بإحسان مثله من جهة نوط الجزاء بالإِحسان، وقد كان إحسان الابن عظيماً ببذل نفسه. وقد أكد ذلك بمضمون جملة {إن هذا لهو البلاء المبين} أي هذا التكليف الذي كلّفناك هو الاختبار البيّن، أي الظاهر دلالة على مرتبة عظيمة من امتثال أمر الله. واستعمل لفظ البلاء مجازاً في لازمه وهو الشهادة بمرتبةِ مَن لو اختُبر بمثل ذلك التكليف لعُلمت مرتبته في الطاعة والصبر وقوة اليقين. وجملة {إن هذا لهو البلاء المبين} في محل العلة لجملة {إنَّا كذلك نجزي المحسنين} على نحو ما تقدم في موقع جملة {أية : إنه من عبادنا المؤمنين}تفسير : [ الصافات: 81] في قصة نوح. وجواب {فلمَّا أسلما} محذوف دل عليه قوله: {وناديناهُ}، وإنما جيء به في صورة العطف إيثاراً لما في ذلك من معنى القصة على أن يكون جواباً لأن الدلالة على الجواب تحصل بعطف بعض القصة دون العكس، وحذفُ الجواب في مثل هذا كثير في القرآن وهو من أساليبه ومثله قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}تفسير : [يوسف: 15 - 16]. وجملة {وفديناهُ} يظهر أنها من الكلام الذي خاطب الله به إبراهيم. والمعنى: وقد فدينا ابنَك بذبح عظيم ولولا هذا التقدير تكون حكاية نداء الله إبراهيم غير مشتملة على المقصود من النداء وهو إبطال الأمر بذبح الغلام. والفِدَى والفداء: إعطاء شيء بدلاً عن حق للمعطَى، ويطلق على الشيء المفدَى به من إطلاق المصدر على المفعول. وأسند الفداء إلى الله لأنه الآذِن به، فهو مجاز عقلي، فإن الله أوحى إلى إبراهيم أن يذبح الكبش فداء عن ذبح ابنه وإبراهيم هو الفادي بإذن الله، وابن إبراهيم مُفْدىً. والذِبح بكسر الذال: المذبوح ووزن فِعل بكسر الفاء وسكون عين الكلمة يكثر أن يكون بمعنى المفعول مما اشتق منه مثل: الحِب والطِحن والعِدل. ووصفه بــــ {عَظِيمٍ} بمعنى شرف قدر هذا الذِبح، وهو أن الله فدَى به ابن رسولٍ وأبقى به من سيكون رسولاً فعِظمه بعظم أثره، ولأنه سخره الله لإِبراهيم في ذلك الوقت وذلك المكان. وقد أشارت هذه الآيات إلى قصة الذبيح ولم يسمه القرآن لعله لئلا يثير خلافاً بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيين الذبيح مِن ولدَيْ إبراهيم، وكان المقصد تألف أهل الكتاب لإِقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقِ القرآن، ولم يكن ثَمة مقصد مهمّ يتعلق بتعيين الذبيح ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه، وأمارة ذلك أن القرآن سمّى إسماعيل في مواضع غيرِ قصة الذبح وسمَّى إسحاق في مواضع، ومنها بشارة أمه على لسان الملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لُوط، وذكر اسمَيْ إسماعيل وإسحاق أنهما وُهبا له على الكِبر ولم يسمّ أحداً في قصة الذبح قصداً للإِبهام مع عدم فوات المقصود من الفضل لأن المقصود من القصة التنويه بشأن إبراهيم فأي ولديه كان الذبيح كان في ابتلائه بذبحه وعزمه عليه وما ظهر في ذلك من المعجزة تنويهٌ عظيم بشأن إبراهيم وقال الله تعالى: {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}تفسير : [العنكبوت: 46] وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم»تفسير : . روى الحاكم في «المستدرك» عن معاوية بن أبي سفيان أن أحد الأعراب قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعني أنه من ولد إسماعيل وهو الذبيح وأن أباه عبدَ الله بن عَبد المطلب كان أبوه عبد المطلب نذر: لئن رزقه الله بعشرة بنين أن يذبح العاشر للكعبة، فلما وُلد عبد الله وهو العاشر عزَم عبد المطلب على الوفاء بنذره، فكلّمه كبراء أهل البطاح أن يعْدِلَه بعشرة من الإِبل وأن يستقسم بالأزلام عليه وعلى الإِبل فإن خرج سَهم الإِبل نحرها، ففعل فخرج سهم عبد الله، فقالوا: أرضِ الآلهة، أي الآلهة التي في الكعبة يومئذٍ، فزاد عشرة من الإِبل واستقسم فخرج سهم عبد الله، فلم يزالوا يقولون: أرْضِ الآلهة ويزيد عبد المطلب عشرة من الإِبل ويعيد الاستقسام ويخرج سهم عبد الله إلى أن بلغ مائة من الإِبل واستقسم عليهما فخرج سَهم الإِبل فقالوا رَضِيتْ الآلهة فذبحها فداءً عنه. وكانت منقبة لعبد المطلب ولابنه أبي النبي صلى الله عليه وسلم تشبه منقبة جدّه إبراهيم وإن كانت جرت على أحوال الجاهلية فإنها يستخلص منها غيرُ ما حفّ بها من الأعراض الباطلة، وكان الزمان زمان فترة لا شريعةَ فيه ولم يَرد في السنة الصحيحة ما يخالف هذا. إلا أنه شاع من أخبار أهل الكتاب أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم بناء على ما جاء في «سفر التكوين» في «الإِصحاح» الثاني والعشرين وعلى ما كان يقصّه اليهود عليهم، ولم يكن فيما علموه من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخالفه ولا كانوا يسألونه. والتأمُّل في هذه الآية يقوّي الظن بأن الذبيح إسماعيل، فإنه ظاهر قوي في أن المأمور بذبحه هو الغلام الحليم في قوله: {أية : فبشَّرناهُ بغلامٍ حَليمٍ}تفسير : [الصافات: 101] وأنه هو الذي سأل إبراهيمُ ربه أن يهب له فساقت الآية قصة الابتلاء بذبح هذا الغلام الحليم الموهوب لإِبراهيم، ثم أعقبت قصته بقوله تعالى: {أية : وبشرناهُ بإسحٰقَ نبياً من الصالِحِين}تفسير : [الصافات:112]، وهذا قريب من دلالة النص على أن إسحاق هو غير الغلام الحليم الذي مضى الكلام على قصته لأن الظاهر أن قوله: {أية : وبشرناه}تفسير : [الصافات: 112] بشارة ثانية وأن ذكر اسم إسحاق يدل على أنه غير الغلام الحليم الذي أجريت عليه الضمائر المتقدمة. فهذا دليل أول. الدليل الثاني: أن الله لما ابتلى إبراهيم بذبح ولده كان الظاهر أن الابتلاء وقع حين لم يكن لإِبراهيم ابنٌ غيره لأن ذلك أكمل في الابتلاء كما تقدم. الدليل الثالث: أن الله تعالى ذكر: {أية : فبشرناه بغلام حليم}تفسير : [الصافات: 101] عَقِبَ ما ذكر من قول إبراهيم: {أية : رب هب لي من الصالحين}تفسير : [الصافات: 100]، فدل على أن هذا الغلام الحليم الذي أمر بذبحه هو المبشَّر به استجابةً لدعوته، وقد ظهر أن المقصود من الدعوة أن لا يكون عقيماً يرثه عبيدُ بيته كما جاء في «سفر التكوين» وتقدم آنفاً. الدليل الرابع: أن إبراهيم بنَى بيتاً لله بمكة قبل أن يبني بيتاً آخر بنحو أربعين سنة كما في حديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن شأن بيوت العبادة في ذلك الزمان أن تقرّب فيها القرابين فقربان أعز شيء على إبراهيم هو المناسب لكونه قرباناً لأشرف هيكل. وقد بقيت في العرب سنة الهدايا في الحج كل عام وما تلك إلا تذكرة لأول عام أُمر فيه إبراهيم بذبح ولده وأنه الولد الذي بمكة. الدليل الخامس: أن أعرابياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم يابن الذبيحين، فعلم مراده وتبسَّم، وليس في آباء النبي صلى الله عليه وسلم ذبيح غير عبد الله وإسماعيل. الدليل السادس: ما وقع في «سفر التكوين» في الإِصحاح الثاني والعشرين أن الله امتحن إبراهيم فقال له: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك» إلى آخر القصة. ولم يكن إسحاق ابناً وحيداً لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة. ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم عليه السلام «ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه»، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك، من زيادة كاتب التوراة. الدليل السابع: قال صاحب «الكشاف»: ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بنِي إسماعيل إلى أن احترق البيت في حصار ابن الزبير اهــــ. وقال القرطبي عن ابن عباس: "والذي نفسي بيده لقد كان أول الإِسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس". قلت: وفي صحة كون ذلك الرأس رأسَ كبش الفداء من زمن إبراهيم نظر. الدليل الثامن: أنه وردت روايات في حكمة تشريع الرمي في الجمرات من عهد الحنيفية أن الشيطان تعرض لإِبراهيم ليصدّه عن المضيّ في ذبح ولده وذلك من مناسك الحجّ لأهل مكة ولم تكن لليهود سُنَّة ذبح معين. وذكر القرطبي عن ابن عباس: أن الشيطان عرض لإِبراهيم عند الجمرات ثلاث مرات فرجمه في كل مرة بحصيات حتى ذهب من عند الجمرة الأخرى. وعنه: أن موضع معالجة الذبح كان عند الجمار وقيل عند الصخرة التي في أصل جبل ثبير بمنى. الدليل التاسع: أن القرآن صريح في أن الله لمّا بشر إبراهيم بإسحاق قرن تلك البشارة بأنه يولد لإِسحاق يعقوب، قال تعالى: {أية : فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}تفسير : [هود: 71] وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق لكان الابتلاء صورياً لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد. ولمّا بشره بإسماعيل لم يَعِدْه بأنه سيُولد له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه إسماعيل. فقد جاء في «سفر التكوين» الإِصحاح السابع عشر «وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحاق وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده». ويظهر أن هذا وقع بعد الابتلاء بذبحه. الدليل العاشر: أنه لو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى بعد هذا: {أية : وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالِحينَ}تفسير : [الصافات: 112] تكريراً لأن فعل: بشرناه بفلان، غالب في معنى التبشير بالوجود. واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعبد الله بن عُمر وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان. وقاله من التابعين سعيد ابن المسيب والشعبي ومجاهد وعلقمة والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرظي وأحمد بن حنبل. وقال جماعة: هو إسحاق ونقل عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وجابر بن عبد الله وعمر وعلي من الصحابة، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي. وفي «جامع العتبية» أنه قول مالك بن أنس. فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون الابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق، فكيف تتأول ما وقع في «سفر التكوين»؟ قلت: أرى أن ما في «سفر التكوين» نُقِل مشتّتاً غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق. ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك» الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور، بعد جميع الأمور المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم.
د. أسعد حومد
تفسير : (103) - فَلَمَّا اسْتَسْلَمَا وَانْقَادَا لأَِمْرِ اللهِ، وَفَوَّضَا إِلَيْهِ سُبْحَانَه الأَمْرَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَكَبَّ إِبْرَاهِيمُ ابنَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ (تَلَّهُ لِلْجَبِينِ)، حَتَّى لاَ يَرَى وَجْهَهُ فَيُشْفِقَ عَلَيْهِ، وَيَضْعُفَ عَنْ إِنْفَاذِ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى. (وَقِيلَ إِنَّ الذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ). أَسْلَمَا - اسْتَسْلَمَا وانْقَادَا لأَِمْرِ اللهِ تَعَالَى. تَلَّهُ لِلْجَبِينِ - أَضْجَعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ عَلَى الأَرْضِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى:{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} معناه صَرعهُ. فالجبينُ ها هنا الجَبهةُ عن يمينٍ وشِمالٍ. وأسلما: معناه إتفقَ أَمرُهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):