Verse. 3896 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَتَرَكْنَا عَلَيْہِ فِي الْاٰخِرِيْنَ۝۱۰۸ۖ
Watarakna AAalayhi fee alakhireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وتركنا» أبقينا «عليه في الآخرين» ثناءً حسنا.

108

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتَرَكْنَا } أبقينا {عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ } ثناءً حسناً.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأَخِرِينَ} الثناء الحسن، أو أن يقال {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الصافات: 109].

البقاعي

تفسير : ولما كان سبحانه إذا منّ بشيء علم أنه عظيم، فإذا ذكر الفعل وترك المفعول أراد فخامته وعظمته، قال: {وتركنا عليه} أي على الذبيح شيئاً هو في الحسن بحيث يطول وصفه. ولما كان بحيث لا ينسى قال: {في الآخرين *} ومن هذا الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد، لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق. ولما عظم الغلام، استأنف تعظيم والده بما يدل مع تشريفه على سلامته بقوله: {سلام على إبراهيم *} أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم في الدارين ولما كان هذا خطاباً لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال: {كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *} من غير أن يذكر "أن" المؤكدة، ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه، وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبة قربه، قال معللاً لجزائه بهذا المدح في سياق التأكيد استعطافاً لهم إلى اتباعه في الإيمان وتكذيباً لمن ينكر أن يكون الإيمان موجباً للإحسان: {إنه من عبادنا} أي الذين يستحقون الإضافة في العبودية والعبادة إلينا {المؤمنين *} فلا يطمع أحد عري عن الإيمان في رتبة أتباعه، قال الرازي: الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال الله ووحدانيته والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره في جميع أحواله. ولما أتم قصته في أمر الذبيح، وشرع في ذكر ما جازاه به على ذلك، جعل منه أمر إسحاق عليه السلام فقال: {وبشرناه} أي جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه السلام {بإسحاق} مولوداً زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السلام حال كونه {نبياً} أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته. ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبىء، أزال إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهياً بقوله: {من الصالحين *} أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح لأكثر الأوصاف الصالحة. ولما أثنى على إبراهيم عيله السلام بما عالج مما لم يحصل لغيره مثله، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال: {وباركنا عليه} أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا الكلام كله الحديث عنه، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه الهاء في "وفديناه" ثم في "وتركنا عليه في الآخرين" وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه، ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا وقال: حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم والعرب من صلبه. {وعلى إسحاق} أي أخيه، قال حمزة الكرماني: حتى كان إسرائيل الله والأسباط من صلبه، وقال غيره: خرج من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليه السلام. {ومن ذريتهما} أي الأخوين ولا شك أن هذا أقرب وأقعد من أن يكون الضمير للأب والابن, لأن قران الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع أبيه في ذلك، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب {محسن وظالم لنفسه} حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه، وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من البر. ولما كان الإنسان، وإن اجتهد في الإحسان، لا بد أن يحتاج إلى الغفران، لما له من النقصان، لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى القيام بحقها العوائق البشرية، بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز في الحدود بغاية الشهوة فقال: {مبين *} وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في نحو {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} "حديث : ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة" {أية : وأن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} تفسير : [النساء: 31]. قصة ذبح إبراهيم لولده عليهما السلام من التوارة وبيان أنهم بدلوها، قال مترجمهم: فغرس إبراهيم ببئر سبع غرساً، وبنى هنالك باسم الرب إله العالمين، وسكن إبراهيم أرض فلسطين - يعني عند تلك البئر - أياماً كثيرة. ولما كان من بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم! فقال: لبيك، فقال له: انطلق بابنك الوحيد إسحاق الذي تحبه إلى أرض الأمورانيين - وفي نسخة: إلى بلدة العبادة - وأصعده إليّ قرباناً على أحد تلك الجبال الذي أقول لك، فأدلج إبراهيم باكراً فأسرج حماره وانطلق بغلاميه وإسحاق ابنه، وشق حطباً للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع الذي قال الله له، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع من بعيد فقال لغلاميه: امكثا هاهنا عند الحمار، وأنا والغلام ننطلق إلى هاهنا نصل ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب القربان، وحمله إسحاق ابنه، وأخذ معه ناراً وسكيناً، وانطلقا كلاهما جميعاً، وقال إسحاق لأبيه إبراهيم: يا أبة، فقال له: لبيك، فقال له: هذه النار والحطب، أين حمل القربان، فقال إبراهيم: الله يعد لنا حملاً للقربان يا بني، فانطلقا جميعاً حتى انتهيا الى الموضع الذي قال الله، فبنى هنالك إبراهيم مذبحاً ونضد عليه الحطب وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب، ومد يده إبراهيم فأخذ السكين ليذبح ابنه، فدعاه ملاك الرب من السماء وقال: يا إبراهيم يا إبراهيم، فقال: لبيك! فقال: لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به شيئاً لأنك قد أظهرت الآن أنك تتقي الله إذا لم تمنعني ابنك الوحيد، فمد إبراهيم بصره فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه، فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش فأصعده قرباناً بدل ابنه اسحاق، فسمى إبراهيم ذلك الموضع "الله يتجلى" كما يقال: الله في هذا الجبل، الله يتجلى، فدعا ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال: بي أقسمت، يقول الرب: بدل ما صنعت هذا الصنيع ولم تمنعني ابنك الوحيد لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء، ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي أعدائي وفي نسخة: أعداءه - ويتبارك بنسلك جميع الشعوب لأنك أطعتني، فرجع إبراهيم إلى غلاميه وانصرفوا جميعاً إلى بئر السبع وأقام ثمًّ - وفي نسخة: وسكن إبراهيم بئر السبع - انتهى ما عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في البقرة من قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك، لأن الكلام ينقض بعضه بعضاً، وذلك أنه قال في هذه القصة "انطلق بابنك الوحيد" وكرر وصفه بالوحيد في غير موضع، وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه السلام وهو دون البلوغ، وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيداً ساعة من الدهر، بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما عندهم من التوراة، وقوله في آخر القصة "ويتبارك بنسلك جميع الشعوب" لا يكون في غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام، وأما إسحاق عليه السلام فإنما بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط، ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل، بل كانوا هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام، وأما نسل إسماعيل عليه السلام فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا هم بعد محمد صلى الله عليه وسلم أحداً من الأمم على عبادة غير الله - هذا وفي المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها لإبراهيم عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان بعشر سنين، وأن إسماعيل عليه السلام ولد لإبراهيم عليه السلام وهو ابن ست وثمانين سنة، وأن الله تعالى أمره بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة، وأنه في ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه السلام، فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وثم ولد له إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه مائة سنة، ثم قال ما نصه: وصنع إبراهيم يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود لإبراهيم عليه السلام لاعباً، فقالت لإبراهيم عليه السلام: أخرج هذه الأمة عني، لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني، فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه، فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق، وابن الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك، فغدا إبراهيم عليه السلام باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء، فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام - إلى آخر ما في البقرة فقوله "إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل" لا يصح، وقد تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة، وتقدم أيضاً أن سارة أمرته بطردها وهي حبلى، وأنه سلمها لها فطردتها، وان الملك لقيها فبشرها بإسماعيل ولم يذكر في نسختي - وهي قديمة جداً - شيئاً يدل على رجوعها، وأما في نسخة عندهم فقال: إن الملك قال لها: ارجعي إلى سيدتك واستكدي تحت يدها - ولم يذكر أنها رجعت، وقد صح الخبر عندنا بقول نبينا صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم عليه السلام وضع هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، عند البيت الحرام وهو يرضع، واستمرا هناك إلى أن ماتت هاجر رضي الله عنها، وتزوج إسماعيل عليه السلام وبنى البيت مع أبيه عليهما السلام، وقوله "لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق عليه السلام" غير مطابق للواقع، فإن شهرة العرب بإبراهيم عليه السلام أن لم تكم أن أكثر من شهرة بني إسحاق بذلك فهي مثلها، وخبر الله لا يتخلف، فدل هذا كله أنهم بدلوا القصة وحرفوها، فلا متمسك فيها لهم، ودلالتها على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام أولى من دلالتها على غير ذلك لوصفه بالوحيد - والله أعلم كيف كانت القصة قبل التبديل؟ ومما يدل على ما فهمت من تبديلهم لها ما قال البغوي: قال القرظي يعني محمد بن كعب -: سأل عمر بن عبد العزيز رجلاً كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه: أي ابني إبراهيم عليه السلام أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل يا أمير المؤمنين! إن اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله بذبحه ما كان، ويزعمون أنه أبوهم، ومن الدليل على أنه إسماعيل عليه السلام أن الله تعالى لما بشر بإسحاق بشر بأنه يولد له يعقوب، فلا يليق الامتحان به بعد علمه بأنه لا يموت حتى يولد له، ومن الدليل على ذلك أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل عيله السلام إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في زمان ابن الزبير والحجاج، قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: والذين نفسي بيده! لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح: إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا أصيمع! أين ذهب عقلك؟ متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بني البيت مع أبيه - انتهى ما قال البغوي. وفي كتاب الحج من سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان - وهو الحجبي رضي الله عنه:حديث : إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصليتفسير : . ورواه عبد الرزاق في جامعه ولفظه أن عثمان بن شيبة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:حديث : إني رأيت قرني الكبش فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصلياً تفسير : - هكذا قال: عثمان بن شيبة، ولعله ابن طلحة، فيكون المتقدم ويكون تسمية أبيه شيبة وهما، أو يكون شيبة بن عثمان وهو ابن عم الذي عند أبي داود فأنقلب - والله أعلم، وروى عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريح قال: أخبرنا عبد الله بن شيبة بن عثمان، وسألته هل كان في البيت قرنا كبش؟ قال: نعم، كانا فيه، قلت: أرأيتهما؟ قال: حسبت، ولكن أخبرني عبد الله بن بابيه أن قد رآهما، قال: وغيره قد رآهما فيه، قال: ويقولون: إنهما قرنا الكبش الذي ذبح إبراهيم عليه السلام، قال ابن جريج وقالت صفية ابنة شيبة: كان فيه قرنا الكبش، قال ابن جريح: وحدثت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانا فيه. قال: وحدثت عن عجوز قلت: رأيتهما فيه، ومما يؤيد القول بأنه إسماعيل عليه السلام وصف الله تعالى له بأنه صادق الوعد، ولا صدق في وعد أعظم من صدقه في وعده بالصبر على الذبح، وممن قال من بني إسرائيل أنه إسماعيل عليه السلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه - حكاه عن ابن الجوزي، وعد القائلين بكل من القولين من الصحابة وغيرهم فقال: إن القائلين بأنه إسحاق: عمر وعلي والعباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم، وبأنه إسماعيل: ابن عمر، وأن الرواية اختلفت عن ابن عباس رضي الله عنهما، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وعطاء ومجاهد والشعبي وأبو الجوزاء ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، فعلم من هذا رجحان القول بأنه إسماعيل، لأن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما تأخرا بعد من ذكر من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فلولا أنه رجح عندهما ما خالفا أبويهما، ونقل عكرمة عن ابن عباس بموافقة أبيه لا يقدح في ذلك بل يؤيده لأن الأكثر كما ترى رووا عنه الثاني، فلولا أنه صح عنده ما رجع عن الأول الذي هو موافق لرأي أبيه، ولأجل ثباته عليه اشتهر عنه - والله أعلم.

السلمي

تفسير : قال الواسطى - رحمة الله عليه -: ثناءً حسنًا وقولاً عند جميع الأمم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وتركنا عليه} اى ابقينا على ابراهيم {فى الآخرين} من الامم

الجنابذي

تفسير : قد سبق بيانه قبيل هذا.

الهواري

تفسير : قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن. قال الحسن: وسنةً يُقتَدى بها إلى يوم القيامة. قال: {سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ} أي: مؤمن {وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} أي: مشرك ومنافق. قوله: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} أي: بالنبوة {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ العَظِيمِ} أي: من فرعون وقومه {وَنَصَرْنَاهُمْ} أي: على آل فرعون {فَكَانُوا هُمُ الغَالِبِينَ} وكانا شريكين في الرسالة، وكان موسى أفضَلهما {وَءَاتَيْنَاهُمَا الكِتَابَ المُسْتَبِينَ} أي: التوراة {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} أي: الإِسلام، وهو الطريق إلى الجنة. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الأَخِرِينَ} أي: وأبقينا عليهما في الأخرين الثناء الحسن {سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}.

اطفيش

تفسير : ثناء حسنا وسنة يقتدى بها وفيه ما في الذي مر تفسيره. فصل في عرائس القرآن قال الثعلبي في عرائس القرآن لما نزل به اضيافه من الملائكة المرسلين الى المؤتفكة وبشروه بغلام حليم قال ابراهيم هو ذبح الله ولما ولد وبلغ معه السعي قيل له اوف بنذرك الذي نذرت به وكان هذا هو السبب في امر خليله بذبح ابنه فحينئذ قال ابراهيم لاسحاق اي او لاسماعيل يا بني انطلق بنا نقرب قربانا إلى الله واخذ سكينا وحبلا وانطلق به حتى إذا هب به بين الجبال قال له الغلام يا ابت اين قربانك؟ قال: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ قال: يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين). وقال محمد ابن اسحاق: كان ابراهيم اذا زار هاجر حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة ويبيت عند اهله بالشام حتى اذا بلغ معه اسماعيل السعي واخذ بنفسه ورجاه لما كان يؤمل منه من عبادة ربه وتعظيم حرماته ارى في المنام ان يذبحه. فقال: يا بني خذ الحبل والمدية فانطلق بنا الى هذا الشعب نحتطب ولما خلا به اخبره بما امر به وقال: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟) فقال له: (افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين). وقال له: يا أبت اشدد رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا يتلطخ عليها من دمي شيء فينتقص اجري وتراه امي فيحترق كبدها وحد شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون اهون علي وان الموت شديد واذا اتيت امي فاقرها مني السلام وان رأيت ان ترد اليها قميصي فافعل فعسى ان يكون اسلى لقلبها علي فقال له يا بني نعم العون انت على امر الله تعالى وطاعته فربطه ابراهيم وجعل يقلبه وهو يبكي والابن يبكي والملائكة تبكي والسماوات قد عجت والأرض قد اضطربت رحمة لهما والجبار مطلع عليهما فلم يزل يبكي حتى استنقعت الدموع تحت خديه ثم وضع ابراهيم السكين على حلقه فلم تعمل شيئا. قال السدي ضرب الله صفيحة من نحاس على حلقه ولا يراها قلت الله غني عن حلقة الحديد فالأحسن أنه منع الحديد أن يؤثر في اللحم بقدرته وهذا أبلغ في القدرة. وروي أنه شحذها بعد ذلك مرة أو مرتين بالحجر فلم تعمل شيئا فقال يا أبت كبني على وجهي لئلا يأخذك وهن في أمر الله ولا ترحمني وانك إذا نظرت إلى وجهي رحمتني وأدركتك الرأفة فتحول بينك وبين أمر الله ويكون ذلك أيضا أهون علي لأني لأرى الشفرة فأجزع ووضع السكين على قفاه فانقلبت ونودي ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها فينظر فإذا بالكبش. وروى ابوهريرة عن كعب الاحبار عن رجل قال: لما رأى ابراهيم في المنام ان يذبح ابنه قال الشيطان والله لان لم افتن آل ابراهيم عند هذا لا افتن منهم أحدا أبدا فتمثل الشيطان لهم رجلا فأتى أم الغلام فقال أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت ذهب به ليحتطب من هذا الشعب قال لا والله ما ذهب به الا ليذبحه. قالت: كلا والله هو ارحم به واشد حبا له من ذلك قال لها انه يزعم ان الله امره بذلك. قالت: فان كان الله امره بذلك فقد احسن في امتثال طاعة ربه في استسلامه لأمر الله تعالى. فخرج الشيطان من عندها حتى اتى الغلام وهو يمشي خلف ابيه فقال له: يا غلام هل تدري اين يذهب بك ابوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب. قال: لا والله ما يريد الا ذبحك. قال ولم قال انه يزعم ان الله امره بذلك. قال: فليفعل ما امره الله به سمعا وطاعة لأمر الله فلما امتنع منه الغلام أقبل على ابراهيم فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه. فقال: والله اني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا فعرفه ابراهيم فقال: اليك عني يا ملعون فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع ابليس بغيظة ولم يصب من آل ابراهيم شيئا مما اراد وقد امتنعوا منه بعون الله وتأييده وروى ابوالطفيل عن ابن عباس ان ابراهيم لما امر بذبح ابنه عرض له الشيطان عند المشعر الحرام فسابقه فسبقه ابراهيم ثم ذهب الى جمرة العقبة فتعرض له الشيطان فرماه ابراهيم بسبع حصيات ثم ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات ثم ذهب ثم عرض له عند جمرة الكبرى فرماه بسبع ثم ذهب حتى مضى ابراهيم لأمر الله انتهى. وفي رواية ان الشيطان تكلم لاسماعيل على صورة شيخ وعلى صورة طائر ومن جوف الجبل وقال ابوه ذلك ابليس دخل في الجبل فقال له ان دمك مسفوح علي وعن ابي الطفيل عن ابن عباس ان على اسماعيل قميصا ابيض فقال: يا ابت انه ليس لي ثوب غير هذا فتكفني فيه فاخلعه عني حتى تكفني فيه. قال بعضهم لما وصل السجود إلى الأرض جاء الفرج.

اطفيش

تفسير : {وتَركْنا عَلْيه في الآخرين} أبقينا له ذكر بخير مستمرا، أو أبقينا عليه هذا اللفظ وهو قوله تعالى: {سلام على إبراهيم} على حد ما مر، ولم يذكر فى العلمين لأن نوحا فيهم أشد شهرة، لأنه آدم الثانى، وكان سببا لنجاة من نجا من الطوفان، وليس ذلك لإبراهيم.

الالوسي

تفسير : سبق ما يعلم منه بيانه عند تفسير نظيره في آخر قصة نوح، ولعل ذكر{أية : فِي ٱلْعَالَمِينَ }تفسير : [الصافات: 79] هناك وعدم ذكره هنا لما أن لنوح عليه السلام من الشهرة لكونه كآدم ثان للبشر ونجاة من نجا من أهل الطوفان ببركته ما ليس لإبراهيم عليه السلام.

ابن عاشور

تفسير : القول في {وتركنا عليه في الآخرينَ} نظير الكلام المتقدم في ذكر نوح عليه السلام في هذه السورة وإعادته هنا تأكيد لما سبق لزيادة التنويه بإبراهيم عليه السلام. ويَرد أن يقال: لماذا لم تؤكد جملة {كذٰلِك نَجزي المحسنين} بــــ (إنَّ) هنا وأكدت مع ذكر نوح وفيما تقدم من ذكر إبراهيم. وأشار في «الكشاف» أنه لما تقدم في هذه القصة قوله: {أية : إنَّا كذلك نجزي المحسنين}تفسير : [ الصافات: 80] وكان إبراهيم هو المجزيّ اكُتفي بتأكيد نظيره عن تأكيده، أي لأنه بالتأكيد الأول حصل الاهتمام فلم يبق داع لإِعادته. واقتصر على تأكيد معنى الجملة تأكيداً لفظياً لأنه تقرير للعناية بجزائه على إحسانه. ولم يذكر هنا {أية : في العالمين}تفسير : [الصافات: 79] لأن إبراهيم لا يعرفه جميع الأمم من البشر بخلاف نوح عليه السلام كما تقدم في قصته.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرِينَ} (108) - وَتَرَكَ اللهُ تَعَالَى لَهُ ذِكْراً حَسَناً عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَهُ مُحَبَّباً لِلنَّاسِ جَمِيعاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد استحقَّ سيدنا إبراهيم هذه المنزلة في جميع الأمم من بعده أنْ يُسلِّموا عليه، كلما ذُكِر، فيقولون {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 109] فلو ذبح إبراهيم ولده لَصارتْ سنةً من بعده أنْ يتقرَّب الإنسان إلى الله بذبح ولده، لكن لما صبر سيدنا إبراهيم، واستسلم لأمر ربه جاءه الفرج من الله وعُوفي وولده من هذا البلاء، وعُوفينا جميعاً معه من هذه المسألة، فكلما ذُكِر قلنا: عليه السلام، لأنه حمانا من هذا الموقف الصعب. وقوله: {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 110] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به. فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان. الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم. ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 17-19]. والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} معناه الثَّناءُ الحَسنُ.