Verse. 3946 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَجَعَلُوْا بَيْنَہٗ وَبَيْنَ الْجِنَّۃِ نَسَـبًا۝۰ۭ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّۃُ اِنَّہُمْ لَمُحْضَرُوْنَ۝۱۵۸ۙ
WajaAAaloo baynahu wabayna aljinnati nasaban walaqad AAalimati aljinnatu innahum lamuhdaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجعلوا» أي المشركون «بينه» تعالى «وبين الجنة» أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار «نسبا» بقولهم إنها بنات الله «ولقد علمت الجنَّة إنهم» أي قائلي ذلك «لمحضرون» للنار يعذبون فيها.

158

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} أكثر أهل التفسير أن الجِنّة هاهنا الملائكة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالوا ـ يعني كفار قريش ـ الملائكة بنات اللّه، جل وتعالى. فقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: فمن أمهاتهن. قالوا: مخدّرات الجنّ. وقال أهل الاشتقاق: قيل لهم جنّة لأنهم لا يُرَونَ. وقال مجاهد: إنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجِنّة. وروي عن ابن عباس. وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال: إنما قيل لهم جِنة لأنهم خُزان على الجِنان والملائكة كلهم جِنّة. «نَسَباً» مصاهرة. قال قتادة والكلبي ومقاتل: قالت اليهود لعنهم اللّه إنّ اللّه صاهر الجنّ فكانت الملائكة من بينهم. وقال مجاهد والسدي ومقاتل أيضاً: القائل ذلك كنانة وخزاعة؛ قالوا: إن اللّه خطب إلى سادات الجنّ فزوّجوه من سَرَوات بناتهم، فالملائكة بنات اللّه من سَرَوات بنات الجنّ. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة اللّه فهو النسب الذي جعلوه. قلت: قول الحسن في هذا أحسن؛ دليله قوله تعالى: {أية : إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 98] أي في العبادة. وقال ابن عباس والضحاك والحسن أيضاً: هو قولهم إن اللّه تعالى وإبليس أخوان؛ تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً. قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ} أي الملائكة {إِنَّهُمْ} يعني قائل هذا القول {لَمُحْضَرُونَ} في النار؛ قاله قتادة. وقال مجاهد: للحساب. الثعلبي: الأول أولى؛ لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد اللّه به غير العذاب. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي تنزيهاً للّه عما يصفون. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } فإنهم ناجون من النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَعَلُواْ } أي المشركين {بَيْنَهُ } تعالى {وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ } أي الملائكة لاجتنابهم عن الأبصار {نَسَباً } بقولهم إنها بنات الله {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ } أي قائلي ذلك {لَمُحْضَرُونَ } للنار يعذبون فيها.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {وجعلوا} لفرقة من كفار قريش والعرب، قال ابن عباس في كتاب الطبري إن بعضهم قال إن الله تعالى وإبليس أخوان، وقال مجاهد: قال قوم لأبي بكر الصديق: إن الله تعالى نكح في سروات الجن، وقال بعضهم إن الملائكة بناته، فـ {الجنة} على هذا القول الأخير يقع على الملائكة سميت بذلك لأنها مستجنة أي مستترة، وقوله تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} من جعل الجنة الشياطين جعل العلامة في {علمت} لها، والضمير في {إنهم} عائد عليهم أي جعلوا الشياطين بنسب من الله والشياطين تعلم ضد ذلك من أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه، ومن جعل الجنة الملائكة جعل الضمير في {إنهم} للقائلين هذه المقالة أي علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه وقد يتداخل هذان القولان، ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، ومن هذا استثنى العباد المخلصين لأنهم يصفونه بصفاته العلى، وقالت فرقة استثناهم من قوله {إنهم لمحضرون}. قال القاضي أبو محمد: وهذا يصح على قول من رأى الجنة الملائكة، وقوله تعالى: {فإنكم وما تعبدون} بمعنى قل لهم يا محمد إنكم وأصنامكم ما أنتم بمضلين أحداً بسببها، وعليها الأمر سبق عليه القضاء وضمه القدر، بأنه يصلى الجحيم في الآخرة، وليس عليكم إضلال من هدى الله تعالى، وقالت فرقة {عليه}، بمعنى به، و"الفاتن" المضل في هذا الموضع وكذلك فسر ابن عباس والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن الزبير على المنبر: إن الله هو الهادي والفاتن، و {من} في موضع نصب {بفاتنين}، وقرأ الجمهور "صالِ الجحيم" بكسر اللام، من صال حذفت الياء للإضافة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "صالُ الجحيم" بضم اللام وللنحاة في معناه اضطراب، أقواه أنه صالون حذفت النون للإضافة، ثم حذفت الواو للالتقاء وخرج لفظ الجميع بعد لفظ الإفراد، فهو كما قال {أية : ومنهم من يستمعون} تفسير : [يونس: 42] لما كانت "من" و "هو" من الأسماء التي فيها إبهام ويكنى بها عن أفراد وجمع ثم حكى قول الملائكة، {وما منا} وهذا يؤيد أن الجنة أراد بها الملائكة كأنه قال ولقد علمت كذا أو أن قولها لكذا، وتقدير الكلام ما منا ملك، وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن السماء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو واقف يصلي"، وقال ابن مسعود "موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه"، وقرأ ابن مسعود "وإن كلنا لما له مقام معلوم"، و {الصافون} معناه الواقفون صفوفاً، و {المسبحون} يحتمل أن يريد به الصلاة، يحتمل أن يريد به قول سبحان الله، وروي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أقيمت الصلاة صرف وجهه إلى الناس فيقول لهم: عدلوا صفوفكم وأقيموها فإن الله تعالى إنما يريد بكم هدي الملائكة، فإنها تقول {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون}، ثم يرى تقويم الصفوف، وعند ذلك ينصرف ويكبر، قال الزهراوي: قيل إن المسلمين إنما اصطفوا منذ نزلت هذه الآية، ولا يصطف أحد من أهل الملل غير المسلمين، ثم ذكر عز وجل مقالة بعض الكفار، وقال قتادة والسدي والضحاك فإنهم قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لو كان لنا كتاب أو جاءنا رسول لكنا من أتقى عباد الله وأشدهم إخلاصاً فلما جاءهم محمد كفروا فاستوجبوا أليم العقاب.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} إشراكهم الشياطين في عبادته، أو قول يهود أصفهان إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم، أو الزنادقة قالوا إن الله وإبليس أخوان فالخير والنور والحيوان النافع من خلق الله والظلمة والشر والحيوان الضار من خلق الشيطان، أو قول المشركين الملائكة بنات الله فقال أبو بكرـ رضي الله تعالى عنه ـ فمن أمهاتهم؟ فقالوا بنات سروات الجن. سموا جنة لاجتنانهم واستتارهم كالجن، أو لأنهم على الجنان، أو بطن من الملائكة يسمون الجنة {عَلِمَتِ الْجِنَّةُ} الملائكة، أو الجن أن قائل هذا القول محضر،أو علمت الجن أن أنفسهم محضرة في النار، أو للحساب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} الجِنَّةُ هنا: قيل: همُ الملائِكَةُ: لأنها مُسْتَجِنَّةٌ، أي: مُسْتَتِرَةٌ، وقيل: الجِنَّةُ همُ الشياطينُ، والضميرُ في {وَجَعَلُواْ} لفِرْقَةٍ من كفارِ قريشٍ والعَرَبِ، {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: سَتَحْضُرُ أَمْرَ اللَّهِ وثوابَه وعقابَه، ثم نَزَّهَ ـــ تعالى ـــ نفسَه عما يصِفُهُ الكفرةُ، ومِنْ هَذا استثْنَىٰ عبادَه المُخْلَصِينَ؛ لأنّهُمْ يَصِفُونَهُ بِصِفَاتِهِ العُلاَ، وقالت فرقة: اسْتَثْنَاهُمْ من قولِه: {لَمُحْضَرُونَ} وعبارةُ الثعلبي: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ} أي: الملائكة أنَّ قائِلي هذه المقالةِ مِنَ الكفرةِ {لَمُحْضَرُونَ} في النَّارِ، وقيل للحسابِ، والأولُ أوْلَى لأنَّ الإحْضَارَ متَى جَاء في هذه الصُّورة عُنِيَ بهِ العذابُ {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} فإنَّهُمْ ناجُونَ مِنَ النَّار، انتهى، وفي البخاريِّ {لَمُحْضَرُونَ} أي: سيُحْضَرُونَ للحِسَابِ، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما تم إظهار ضلالهم، بكتهم في أسلوب آخر معرضاً عن خطابهم تخويفاً من إحلال عذابهم فقال: {وجعلوا} أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة {بينه وبين الجنة} أي الجن الذين هم شر الطوائف، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له {نسباً} بأن قالوا: إنه - جلت سبحات وجهه وعظم تعالى جده - تزوج بنات سروات الجن، فأولد منهم الملائكة، ومن المعلوم أن أحداً لا يتزوج إلا من يجانسه، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له. ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثاً لضميرهم زيادة في تحقيرهم: {ولقد علمت الجنة} أي مطلقاً السروات منهم والأسافل {إنهم} أي الجن كلهم {لمحضرون *} أي إليه بالبعث كرهاً ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك. ولما ذكر اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات، وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات، وكان ذكره على وجه مبين بُعد الجن عن المناسبة، كان مجزأ للتنزيه وموضعاً بعد تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك, فقال مصرحاً باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه، والجلالة إشارة إلى عظم المقام: {سبحان الله} أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزهاً يفوت الحصر {عما يصفون *} أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من الولد {إلا عباد الله} أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم, ولذلك أظهر ولم يضمر، لأن الضمير يعود على عين الماضي، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح، {المخلصين *} من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه، كرر وصف الإخلاص فيها كثيراً. ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص، دل على ذلك بأنهم وجميع ما يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره، فقال مسبباً عن التنزيه مؤكداً تكذيباً لمن يظن أن غير الله يملك شيئاً مواجهاً لهم بالخطاب لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب: {فإنكم وما تعبدون *} أي من الأصنام وغيرها من كل من زعمتموه إلهاً. وابتدأ الخبر عن "أن" فصدره بالنافي فقال: {ما} وغلب المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوادتهم تنبيهاً على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون "من" فقال مخاطباً: {أنتم عليه} أي على الله خاصة {بفاتنين *} أي بمغيرين أحداً من الناس بالإضلال {إلا من هو } أي في حكمه وتقديره {صال الجحيم *} أي معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم، نعوذ بك منك، لا مهرب منك إلا إليك، والمراد بتقديم الجار أن غيره قد يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد، فالتعبير بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي جعله لكم من التسبب، فإن كان عندكم غلبة فسموه بها، وتوحيد الضمير على لفظ "من" في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم من العرب قليل، وقرئ شاذاً "صالوا" دفعاً لظن أنه واحد. ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صلى الله عليه وسلم وقع امتثالاً للأمر المصدر به، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي يدعون لها بعض القدرة، قال مؤكداً لذلك ومبطلاً لقدرة المخلصين أيضاً عطفاً على {فإنكم وما تعبدون}: {وما منا} أي نحن وأنتم ومعبوادتكم وغير ذلك، أحد {إلا له مقام معلوم *} قد قدره الله تعالى في الأزل، ثم أعلم الملائكة بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع مجاوزة، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه، والأولياء لهم مقام مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة، لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على الشهرة، وأمر الأولياء على السترة - قاله القشيري، وغير المذكورين من أهل السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند الله تعالى وعند من أطلعه عليه من عباده.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجعلوا بينه} تعالى {وبين الجنة} الجنة بالكسر جماعة الجن والملائكة كما فى القاموس والمراد هنا الملائكة وسموا جنة لاجتنانهم واستتارهم عن الابصار ومنه سمى الجنين وهو المستور فى بطن الام والجنون لانه خفاء العقل. والجنة بالضم الترس لانه يجن صاحبه ويستره. والجنة بالفتح لانها كل بستان ذى شجر يستر باشجاره الارض فمن له اجتنان عن الاعين جنس يندرج تحته الملائكة والجن المعروف. قالوا الجن واحد ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرا كله فهو شيطان ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا فهو ملك. قال الراغب الجن يقال على وجهين احدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بازاء الانس فعلى هذا يدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة. وقيل بل الجن بعض الروحانيين وذلك ان الروحانيين ثلاثة اخيار وهم الملائكة واشرار وهم الشياطين واوساط فهم اخيار واشرار وهم الجن ويدل على ذلك قوله تعالى {أية : قل اوحى الىّ انه استمع نفر من الجن} تفسير : الى قوله {أية : ومنا القاسطون} تفسير : {نسبا} النسب والنسبة اشتراك من جهة الابوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والابناء ونسب بالعرض كالنسبة بين الاخوة وبنى العم وقيل فلان نسيب فلان اى قريبه. والمعنى وجعل المشركون بما قالوا نسبة بين الله وبين الملائكة واثبتوا بذلك جنسية جامعة له وللملائكة. وفى ذكر الله الملائكة بهذا الاسم فى هذا الموضع اشارة الى ان من صفته الاجتنان وهو من صفات الاجرام لا يصلح ان يناسب من لا يجوز عليه ذلك. وفيه اشارة الى جنة الانسان وقصور نظر عقله عن كمال احدية الله وجلال صمديته اذا وكل الى نفسه فى معرفة ذات الله وصفاته فيقيس ذاته على ذاته وصفاته على صفاته فيثبت له نسبا كما له نسب ويثبت له زوجة وولدا كما له زوجة وولد ويثبت له جوارح كما له جوارح ويثبت له مكانا كما له مكان تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهو يقول تبارك وتعالى {أية : ليس كمثله شئ وهو السميع البصير} شعر : جهان متفق بر الهيتش فرومانده از كنه ما هيتش بشر ما وراى جلالش نيافت بصر منتهاى كمالش نيافت نه ادراك در كنه ذاتش رسد نه فكرت بنور صفاتش رسد تفسير : ثم ان هذا وهو قوله تعالى {وجعلوا بينه} الخ عبارة عن قولهم الملائكة بنات الله وانما اعيد ذكره تمهيدا لما يعقبه من قوله {ولقد علمت الجنة} اى وبالله لقد علمت الجنة التى عظموها بان جعلوا بينها وبينه تعالى نسبا وهم الملائكة {انهم} اى الكفرة {لمحضرون} النار معذبون بها لا يغيبون عنها لكذبهم وافرائهم فى ذلك والمراد به المبالغة فى التكذيب ببيان ان الذى يدعى هؤلاء المشركون لهم تلك النسبة ويعلمون انهم اعلم منهم بحقيقة الحال يكذبونهم فى ذلك ويحكمون بانهم معذبون لاجله حكما مؤكدا. قال فى كشف الاسرار [نحويان كفتند جون ان از قفاى علم وشهادت آيد مفتوح بايد مكر كه در خبر لام آيد آنكه مكسور باشد] كقول العرب اشهد ان فلانا عاقل وان فلانا لعاقل وجهه ان ان المكسورة لا تغير معنى الجملة واللام الداخلة على الخبر لتأكيد معنى الجملة. ثم ان الله تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب فقال

الجنابذي

تفسير : {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} قيل: انّهم تارة يقولون الملائكة بنات الله، وتارةً يقولون: الجنّ بنات الله، او بعضهم يقولون: الجنّ بنات الله، وبعضهم يقولون: الملائكة بنات الله، وقيل: انّ مرادهم بالجنّ، الملائكة سمّوهم جنّاً لاستتارهم، وقيل: قالوا انّ الله صاهر الجنّ فخرجت الملائكة، وقيل: قالوا، الله والشّيطان اخوان والله خالق الخير، والنّور والشّيطان خالق الشّرّ والظّلمة، وقيل: المراد بالنّسبة النّسبة فى العبادة فانّ بعضهم يعبدون ابليس ويقولون انّه احقّ بالعبادة من الله او مثله فى العبادة. {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} فى الحساب أو فى النار، وضمير انّهم للجنة أو للمشركين أو للمجموع.

الأعقم

تفسير : {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} أرادوا بذلك الملائكة وهو زعمهم أنهم بناته، والمعنى وجعلوا إنما قالوا نسبته بين الله وبينه، وأثبتوا له بذلك جنة جامعة له الملائكة، فإن قلت: لم سميّ الملائكة جنة؟ قلتُ: الجنس واحد، وقيل: قالوا: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة، وقيل: قالوا: إن الله والشيطان اخوان، وعن الحسن: أشركوا الجن في الطاعة لهم {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} للكفرة، والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة في ذلك لكاذبون مفترون {سبحان الله عما يصفون} أي تنزيهاً له وبراءة عما يصفون، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون، ويجوز إذ فسر الجنة بالشياطين أن يكون الضمير في أنهم لمحضرون لهم، والمعنى أن الشياطين عالمون أن الله يحضرهم النار ويعذبهم، ولو كانوا مناسبين له وأشركوا في وجوب الطاعة لما عذبهم {إلا عباد الله المخلصين} استثناء منقطع من المحضرين معناه: ولكن المخلصين ناجون {فإنكم وما تعبدون}، معناه: فإنكم ومعبودكم من دون الله أنتم وهم جميعاً {بفاتنين} على الله إلاَّ أصحاب الجحيم، والفاتن المهلك {إلا من هو صال الجحيم} مثلكم {وما منَّا إلا له مقام معلوم} في العبادة والانتهاء إلى أمر مقصور عليه لا يتجاوزه، كما روي فمنهم راكع لا يقوم صلبه وساجد لا يرفع رأسه {وإنا لنحن الصافون} نصفّ أقدامنا في الصلاة وأجنحتنا في الهواء منتظرين ما نؤمر، وقيل: نصفّ أجنحتنا حول العرش داعيين للمؤمنين، وقيل: أن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة عند نزول هذه الآية وليس يصفّ أحد من أهل الملل في صلاتهم غيرهم {وإنا لنحن المسبحون} المنزهون والمصلون، وإن كانوا هم مشركو قريش {لو أن عندنا ذكراً من الأولين} أي كتاباً من كتب الأولين الذي نزل عليهم التوراة والانجيل لأخلصنا عبادة الله ولما كذبنا كما كذبوا به ولآمنا كما آمنوا به المنزل عليهم {فكفروا به} في الكلام حذف فلما آتاهم الكتاب وهو القرآن كفرو به {فسوف يعلمون} وعيد لهم {ولقد سبقت كلمتنا} يعني وعدنا {لعبادنا المرسلين}، قيل: هو قوله: {أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجادلة: 21]، وقوله: {أية : وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} تفسير : [الروم: 47] {إنهم لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم الغالبون} وصفا للمؤمنين بأنهم جنده وتشريفاً لهم {فتول عنهم حتى حين} إلى مدة، قيل: يوم بدر، وقيل: يوم الفتح، وقيل: إلى الموت، وقيل: نسختها آية القتال {وأبصرهم فسوف يبصرون}، قيل: أنظرهم فسوف يرون العذاب {أفبعذابنا يستعجلون}، قيل: لما أوعدهم بالعذاب قالوا إنكاراً واستهزاءاً، ائتنا بما تعدنا، فقال: أفبعذابنا يستعجلون {فإذا نزل بساحتهم} يعني العذاب ينزل بساحتهم، قيل: بدارهم {فساء صباح المنذرين} أي بئس صباح الكافرين حينئذ، ولا صباح أسوأ من صباح حلّ في عذاب الله، وقيل: هو نزول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم السلاح فقالوا: محمد والجيش، فرجعوا إلى حصنهم فقال (عليه السلام): "حديث : الله أكبر خربت خيبر انا إذا أنزلنا بساحة قوم {فساء صباح المنذرين}" تفسير : {وأبصرهم فسوف يبصرون} ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة، وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة {سبحان ربك} أي تنزيهاً له من كل سوء {رب العزة} أراد بالعزة ما يفعله بالأنبياء والمؤمنين من الرفعة والاعزاز، وقيل: المالك للعزة القادر عليها {وسلام على المرسلين} أي السلامة في الدنيا والآخرة والنبأ الجميل {والحمد لله رب العالمين} أي شكراً له على ما أنعم به وأسبغ ودفع من المكاره، وعن علي (عليه السلام): "من أحب أن يكال له بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} {وسلام على المرسلين} {والحمد لله رب العالمين}".

اطفيش

تفسير : {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} عندهم ان كلا من اولاد ابليس ومن الملائكة جنس واحد هو الجن لاجتنان الكل اي استنارة فمن خبث ومرد كان شرا كله فهو شيطان ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا كله فملك وانما ذكرهم الله لهذا الاسم لذكر الكفرة إياهم في بعض الأحيان به أو لوضعه هذا الجنس مطلقا وتحقيره أن يبلغوا مرتبة النسب بينهم وبين الله فلو كان له نسب تعالى عنه لم يكونوا اهلا لا الجبة المسمون شياطين ولا الجنة المسمون ملائكة كيف ولا نسب له ولا ملك من الجن ومعنى النسب الذي زعموا أنهم بنات الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا قال لهم ابوبكر رضي الله عنه فمن امهاتهم قالوا سروات الجن وزعم بعضهم عن ابن عباس أن فريقا من الملائكة يقال له الجن وأن منهم ابليس وقيل معنى هذا النسب المفتري انهم قالوا الله والشياطين اخوان وقيل هو قول الزنادقة الله خالق الخير والشيطان خالق الشر وقيل هو اشراكهم الشياطين له في العبادة فإذا أشركوا غيره به في الخلق او العبادة فقد سووا بينهما وجعلوهما متناسبين. {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} أي ولقد علمت الملائكة ان الكفرة لمحضرون في العذاب بما يقولون لمحضرون في الحساب ورجح الأول بأنه كلما جاء لفظ الاحضار في السورة هذه فهو احضار في النار فليحمل هذا عليه وفي ذلك مبالغة إذ أسند علم أنهم محضرون في العذاب إلى من يدعون له النسب ولك ان تفسر الجنة بالشياطين فيعود الضمير إليهم أي لقد علمت الشياطين ان الله يحضرهم الثأر ولو كان بينه وبينهم نسب أو شركاء في الطاعة أو في الخلق ما عذبهم.

اطفيش

تفسير : {وجَعَلوا} غيبة بعد خطاب لانقطاعهم عن الجواب، بحيث يعرض عنهم الى غيرهم لعجزهم {بَيْنه} بين الله سبحانه {وبيْن الجنَّة} أولاد ابليس {نسبا} مصاهرة، قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، فقال الصديق: فمن أمهاتهم؟ فقالوا: بنات سروات الجن، وقيل: الجن الملائكة لأنهم مستورون، ونسبا بنوتهم له تعالى عن ذلك، أو كون بنات سروات الجن أمهات الملائكة زوجات له تعالى عن كل نقص علوا كبيرا، وقيل: الجنة أولاد إبليس، والنسب الأخوة بأن الله وإبليس أخوان، فالله سبحانه خير، وإبليس شرير، ويعبر عنهما وبالنور والظلمة، ويرده أن هذا مذهب المجوس والضمائر لقريش، ولا قائل عنهم بما قال المجوس، وقيل: الجنة الملائكة، ونسبا اشتراكهم مع الله تعالى فى العبادة، وزعم بعض عن ابن عباس أن نوعا من الملائكة يسمون الجن تمكن منهم المعصية، ومنهم ابليس، وبعض أن الجن والملائكة من النار، فالشياطين من دخانها، والملائكة من صافيها وسائر الجن من مترددها، وقالوا: لم يكن الملائكة بناته لم يسترهم، ويرد عليهم بأنهم مقرون بالجن، وهم مستورون. {ولَقد عَلمتِ الجِنَّة} الكفار ابليس وأشباعه منهم {إنهم} أنفسهم {لمُحضَرون} فى النار للعذاب لعلم إبلييس ذلك بالسماع، ولو ناسبوه باستحقاق العبادة، أو أخوة أبيهم له لم يعذبهم، فكيف تثبتون لهم ما علموا بانتفائه، أو لقد علمت الجنة، أى الملائكة أن هؤلاء القائلين أن الملائكة بنات الله لمحضرون فى النار لقولهم هذا.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } التفات إلى الغيبة للإيذان بانقطاعهم عن الجواب وسقوطهم عن درجة الخطاب واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم وتحكى لآخرين جناياتهم. واستظهر أن المراد بالجنة الشياطين وأريد بالنسب المجعول المصاهرة. أخرج آدم بن أبـي اياس وعبد بن حميد وابن جرير وغيرهم عن مجاهد قال: قال كفار قريش الملائكة بنات الله تعالى فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه - أي على سبيل التبكيت - فمن أمهاتهم؟ فقالوا: بنات سروات الجن وروى هذا ابن أبـي حاتم عن عطية، أو أريد جعلوا بينه سبحانه وبينهم مناسبة حيث أشركوهم به تعالى في استحقاق العبادة وروي هذا عن الحسن، وقيل إن قوماً من الزنادقة يقولون الله عز وجل وإبليس عليه اللعنة أخوان فالله تعالى هو الخير الكريم وإبليس هو الشرير اللئيم وهو المراد بقوله سبحانه: {وَجَعَلُواْ } الخ وحكى هذا الطبرسي عن الكلبـي، وقال الإمام الرازي: وهذا القول عندي أقرب الأقاويل وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن ويعبرون عنهما بالنور والظلمة، ويبعد هذا القول عندي أن الظاهر أن ضمير {جَعَلُواْ } كالضمائر السابقة لقريش ولم يشتهر ذلك عنهم بل ولا عن قبيلة من قبائل العرب وليس المقام للرد على الكفرة مطلقاً. وأخرج غير واحد عن مجاهد وعبد بن حميد عن عكرمة وابن أبـي شيبة عن أبـي صالح أن المراد بالجنة الملائكة، وحكاه في «مجمع البيان» عن قتادة واختاره الجبائي، والمراد بالجعل المذكور ما تضمنه قولهم الملائكة بنات الله، وأعيد تمهيداً لما يعقبه، وهو مبني على أن الجن والملك جنس واحد مخلوقون من عنصر واحد وهو النار لكن من كان من كثيفها الدخاني فهو شيطان وهو شرذ وتمرد ومن كان من صافي نورها فهو ملك وهو خير كله. ووجه التسمية بالجن الاستتار عن عيوننا فالجن والجنة بمعنى مفعول من جنه إذا ستره، ويكون على هذا تخصيص الجن بأحد نوعيه تخصيصاً طارئاً كتخصيص الدابة، وعلى الأصل جاء ما هنا، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نوعاً من الملائكة عليهم السلام يسمى الجن ومنهم إبليس؛ وعبر عن الملائكة بالجنة حطا لهم مع عظم شأنهم في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم في قولهم ذلك، وقد يقال: إن الاستتار كالداعي لهم إلى ذلك الزعم الباطل بناء على توهمهم بأنه إنما يليق بالإناث فقالوا: لو لم يكونوا بناته سبحانه وتعالى لما سترهم عن العيون فلذا عبر عنهم بالجنة. {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي والله لقد علمت الشياطين أي جنسهم أن الله تعالى يحضرهم ولا بد النار ويعذبهم بها ولو كانوا مناسبين له تعالى أو/ شركاء في استحقاق العبادة أو التصرف لما عذبهم سبحانه فضمير {أَنَّهُمْ } للجنة على ما عدا الوجه الأخير من الأوجه السابقة وإما عليه فهو للكفرة أي والله لقد علمت الملائكة الذين جعلوا بينه تعالى وبينهم نسباً وقالوا هم بناته أن الكفرة لمحضرون النار معذبون بها لكذبهم وافترائهم في قولهم ذلك، والمراد به المبالغة في التكذيب ببيان أن الذين يدعى لهم هؤلاء تلك النسبة ويعلمون أنهم أعلم منهم بحقيقة الحال يكذبونهم في ذلك ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكماً مؤكداً، ويجوز على الأوجه الأول عود الضمير على الكفرة أيضاً والمعنى على نحو ما ذكر، وعلم الملائكة أن الكفرة معذبون ظاهر، وعلم الشياطين بأنهم أنفسهم وكذا سائر الكفرة معذبون لما أن الله عز وجل توعد إبليس عليه اللعنة بما يدل على ذلك. وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ليقُولونَ}تفسير : [الصافات: 151] أي شفَّعوا قولهم: {ولَدَ الله}[الصافات: 152]، فجعلوا بين الله وبين الجنّ نسباً بتلك الولادة، أي بينوا كيف حصلت تلك الولادة بأن جعلوها بين الله تعالى وبين الجنة نسباً. و{الجنّة}: الجماعة من الجن، فتأنيث اللفظ بتأويل الجماعة مثل تأنيث رَجْلَة، الطائفة من الرجال، ذلك لأن المشركين زعموا أن الملائكة بنات الله من سَروات الجن، أي من فريقِ نساء من الجن من أشراف الجن، وتقدم في قوله تعالى: {أية : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جِنة}تفسير : في سورة [الأعراف: 184]. والنسب: القرابة العَمودية أو الأُفقية أي من الأطراف والكلام على حذف مضاف، أي ذوي نسب لله تعالى وهو نسب النبوءة لزعمهم أن الملائكة بنات الله تعالى، أي جعلوا لله تعالى نسباً للجِنّة وللجنة نسباً لله. وقوله: {بينه وبين الجِنَّة} يجوز أن يكون حالاً من {نَسَباً} أي كائناً بينه وبين الجنة، أي أن نسبه تعالى، أي نسله سبحانه ناشىء من بينه وبين الجن. ويجوز أن يكون متعلقاً بــــ{جعلوا}، أي جعلوا في الاقتران بينه وبين الجن نسباً له، أي جعلوا من ذلك نسباً يتولد له، فقوله: {بينه وبين الجنة نسباً} هو كقولك: بين فلان وفلانة بنُون، أي له منها ولها منه بنون، وهذا المعنى هو مراد من فسره بأن جعلوا الجن أصهاراً لله تعالى، فتفسيره النسب بالمصاهرة تفسير بالمعنى وليس المراد أن النسب يطلق على المصاهرة كما توهمه كثير، لأن هذا الإِطلاق غير موجود في دواوين اللغة فلا تغتررْ به. ولعدم الغوص في معنى الآية ذهب من ذهب إلى أن المراد بالجنة الملائكة، أي جعلوا بين الله وبين الملائكة نسب الأبوّة والبنوّة، وهذا تفسير فاسد لأنه يصير قوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} إعادةً لما تقدم من قوله: {أية : ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله}تفسير : [الصافات: 151 - 152] ومن قوله: {أية : أم خلقنا الملائِكَة إناثا وهم شاهِدونَ}تفسير : [الصافات:150]. ومن ذهب إلى أن المراد من {الجِنَّةِ} أصل الجِنّة وهو الشيطان وأن معنى الآية: أنهم جعلوا الله نسيباً للشيطان نسب الأخوة، تعالى الله عن ذلك. على أنه إشارة إلى قول الثَّنَوية من المجوس بوجود إلٰه للخير هو الله، وإلٰه للشر هو الشيطان وهم من ملل مجوس فارس وسموا إلٰه الخير (يَزْدَانَ) وإلٰه الشر (أَهْرُمُنْ) وقالوا: كان إلٰه الخير وحده فخطر له خاطر في نفسه من الشر فنشأ منه إلٰه الشر هو (أهرمُن) وهو ما نعاه المعري عليهم بقوله: شعر : قال أناسٌ باطلٌ زعمهم فراقبوا الله ولا تزعُمُنْ فَكَّر (يزدانُ) على غِرة فصيغ من تفكيره (أهرمُن) تفسير : وهذا الدين كان معروفاً عند بعض العرب في الجاهلية من عرب العراق المجاورين لبلاد فارس والخاضعين لسلطانهم ولم يكن معروفاً بين أهل مكة المخاطبين بهذه الآيات، ولأن الجِنّة لا يشمل الشياطين إذا أطلق فإن الشيطان كان من الجن إلا أنه تميز به صنف خاص منهم. وجملة {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} معترضة بين جملة {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} وبين جملة {أية : سُبحانَ الله عمَّا يصِفُونَ}تفسير : [الصافات: 159] و {جعلوا بينه} الخ... حال والواو حالية، وضمير {أنهم} عائد إلى المشركين أو إلى الجِنة، والوجهان مرادان فإن الفريقين معاقبان. والمحضَرون: المجلوبون للحضور، والمراد: محضَرون للعقاب، بقرينة مقام التوبيخ فإن التوبيخ يتبعه التهديد، والغالب في فعل الإِحضار أن يراد به إحضار سوء قال تعالى: {أية : ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين}تفسير : [الصافات: 57] ولذلك حذف متعلِّق «محضرون»، فأما الإِتيان بأحد لإِكرامه فيطلق عليه المجيء. والمعنى: أن الجن تعلم كذب المشركين في ذلك كذباً فاحشاً يُجازَون عليه بالإِحضار للعذاب، فجعل «محضرون» كناية عن كذبهم لأنهم لو كانوا صادقين ما عذبوا على قولهم ذلك. وظاهره أن هذا العلم حاصل للجن فيما مضى، ولعل ذلك حصل لهم من زمان تمكنهم من استراق السمع. ويجوز أن يكون من استعمال الماضي في موضع المستقبل لتحقيق وقوعه مثل {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل:1]، أي ستعلم الجِنة ذلك يوم القيامة. والمقصود: أنهم يتحققون ذلك ولا يستطيعون دفع العذاب عنهم فقد كانوا يعبدون الجن لاعتقاد وجاهتهم عند الله بالصهر الذي لهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 158- تمادوا فى اعتقادهم، وجعلوا بين الله وبين الجِنة المستورين عنهم قرابة، ولقد علمت الجِنَّة إن الكفار لمحضرون إلى الله، لينالوا جزاءهم المحتوم. 159- تنزيهاً لله - تعالى - عما يذكره المفترون من صفات العجز والنقص. 160- لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفه الكافرون. 161، 162، 163- فإنكم - أيها الكفار - وما تعبدون من دون الله، ما أنتم على ما تعبدون من دونه بمضلين أحداً بإغوائكم، إلا من سبق فى علمه - تعالى - أنه من أهل الجحيم وسيصلى نارها. 164- وقالت الملائكة - متحيزين لموقف العبودية -: ما أحد منا إلا له مقام فى المعرفة والعبادة معلوم لا يتعداه. 165- وإنا لنحن الصافون أنفسنا فى مواقف العبودية دائماً.

د. أسعد حومد

تفسير : (158) - وَقَالَ المُشْرِكُونَ: المَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللهِ تَعَالَى. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرِ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُنَّ؟ قَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يَردُّ بِهَا عَلَى مَقَالَتِهِمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الجِنَّ لَتَعْلَمُ أَنَّ المُشْرِكِينَ الذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ المُفْتَرى، لَمُحْضَرُونَ فِي العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِكَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللهِ. الجِنَّةُ الشَّيَاطِينُ - (وَهُنَاكَ مَنْ قَالَ بَلْ هُمُ المَلاَئِكَةُ). إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ - إِنَّ الكُفَّارَ لَمُحْضَرُونَ فِي النَّارِ لِلْعَذَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة (الجِنة) بالكسر وكذلك الجنة بالفتح ومنها الجن ومجنون كلها مادة (جنَّ) وتفيد الاكتنان والستر و (الجنة) هنا هم الملائكة سُمُّوا بذلك لأنهم مستورون عَنّا فلا نراهم، وكذلك الجنة لأنها تستر مَنْ يسير فيها بكثرة أشجارها، أو تستر مَنْ فيها بتوفير كل احتياجاته، فلا يحتاج أنْ يخرج منها، وكذلك المجنون لأنه غاب عقلُه واستتر. والمعنى أنهم جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة نَسَباً حين قالوا: الملائكة بنات الله {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158] يعني: علمتْ الملائكة أن هؤلاء المشركين بالله مُحضَرون للعذاب، ومُحضَر اسم مفعول يعني: أُجبر على الحضور. ثم يردُّ الله عليهم مُنزِّهاً نفسه سبحانه عن مشابهة الخَلْق: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 159] فكلمة (سبحان الله) نراها دائماً في كل شيء، يخرج الذات إلى مشابهة الخَلْق، والسبحانية لله أي: التنزيه لله موجود وثابت لله تعالى قبل أنْ يُوجد المنزِّه. فكلمة (سُبْحانَ) تعني: التنزيه المطلق لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزهه، فلما خلق الله الخَلْق سبَّحه {أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الحشر: 1] وقال: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [التغابن: 1] أي: ما يزال مُسبِّحاً في الحال والاستقبال إلى قيام الساعة. وما دامت هذه السُّبْحانية ثابتة لله تعالى قبل الخَلْق وبعده ودائمة في الماضي والحاضر والمستقبل، فإياك يا أشرف الخَلْق وأكرمه ومَنْ جعل الخَلْق كله من أجله ألاَّ تكون مُسبِّحاً أو تشذّ عن هذه المنظومة المسبحة {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] فمعنى {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 159] يعني: تنزَّه الحَقُّ سبحانه عن قَوْل هؤلاء المشركين وكذبهم، وتعالى سبحانه أنْ يكونَ بينه وبين الجِنَّة نسبٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن غاية جهالتهم ونهاية ضلالتهم بقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} [الصافات: 158]، يشير إلى أجنية الإنسان وقصور نظر عقله عن كمال أحدية الله وجلال صمديته؛ إذ وكل الإنسان إلى نفسه في معرفة ذات الله وصفاته، فيقيس ذاته على ذاته، وصفاته على صفاته، فيثيب له نسباً كما له نسب، ويثبت له زوجةً وولداً كما له زوجة وولد، ويثبت له جوارح كما له جوارح، ويثبت له مكاناً كما له مكان، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وهو يقول تبارك وتعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11]. وبقوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158] يشير إلى أن الجنة قد علمت أن لا نسبة لها مع الله تعالى، وعلمت أن قائلي هذه المقالة لمحضرون في النار، ثم نزه نفسه عما يصفه الواصفون لعقولهم وأرائهم، فقال تعالى: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 159]؛ يعني: أهل الأهواء أو البدع، {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 160]؛ يعني: إلا من أخلصه الله عن ضلالة الإنسانية بهداية الربانية فإنهم يعرفون الله بنور الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرفت ربي بربي، ولولا فضل ربي ما عرفت ربي ". تفسير : وبقوله: { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات: 161-162]، يشير إلى أن أهل الضلالة وما هم يعبدون في ضلالتهم ليسوا على شيء في الإضلال من أحد، إلا من قدر الله أن يكون من أهل النار فيحنئذٍ يضلون بتقدير الله، وذلك قوله: {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} [الصافات: 163]. وبقوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] يشير إلى أن للملك مقاماً معلوماً لا يتعدى حده، وهو المقام الملك الروحاني أو الكروبي، والكروبي لا يقدم على مقام الروحاني؛ فلا عبور لهم من مقامهم إلى مقام فوق مقامهم، ولا نزول لهم إلى مقام دون مقامهم، ولهم بهذا فضيلة على إنسان يبقى في أسفل السافلين والدرك الأسفل من النار، وللذين عبروا منهم عن أسفل السافلين بالإيمان والعمل الصالح وصعدوا إلى عليين، بل ساروا إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، بل طاروا إلى منزل أو أدنى فضيلة عليهم؛ ولذها أمروا بسجدة أهل الفضل منهم بقوله: {أية : فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 72]، فللإنسان أن ينزل من مقام الإنسانية إلى درك الحيوانية، كقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف: 179] وله أن يترقى بحيث يعبر عن مقام الملكي، ويقال له: تخلقوا بأخلاق الله، ولو كان من مفاخر الملك أن يقول: وإنا لنحن الصادقين؛ يعين: في الصلاة والعبودية، فإن للإنسان معه شركة في هذا، وللإنسان صفة يحبها الله وليس للملك فيه شركة، وذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}تفسير : [الصف: 4]، وأن يقولوا: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 166] أيضاً للإنسان معهم شركة، ومن مفاخر الإنسان أن يقولوا: وإنا نحن لمحبون وإنا لنحن المحبوبون وهم مخصوصون به في الترقي من مقام المحبية إلى مقام المحبوبية، وبقوله: {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الصافات: 167-170] يشير إلى تنزل الإنسان إلى الدرك الأسفل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: جعل هؤلاء المشركون باللّه بين اللّه وبين الجنة نسبا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجنة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، [ليجازيهم] عبادا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب، لم يكونوا كذلك. { سُبْحَانَ اللَّهِ } الملك العظيم، الكامل الحليم، عما يصفه به المشركون من كل وصف أوجبه كفرهم وشركهم. { إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } فإنه لم ينزه نفسه عما وصفوه به، لأنهم لم يصفوه إلا بما يليق بجلاله، وبذلك كانوا مخلصين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 816 : 12 : 7 - سفين عن رباح عن قيس بن سعد عن مجاهد في قوله {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} قال بنات سراة الجن. قال، هم بنات يعنون الله عز وجل. فأنزل الله عز وجل {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} قال، محضرون العذاب. [الآية 158].

همام الصنعاني

تفسير : 2560- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}: [الآية: 158]، قالوا: صاهر إلى الجن، والملائكة من الجن، فلذلك قال: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}: [الآية: 158]، يقول: جعلوا الملائكة بنات الله من الجن، وَكَذَبُوا أعداء الله، {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}: [الآية: 159]، قال: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}: [الآية: 158]. قال قتادة: محضرون في النَّار، {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}: [الآية: 160]، قال: فهذه ثنيا الله من الجن والإِنس.