٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
171
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بقول تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي عاقبة كفرهم أردفه بما يقوي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } فبين أن وعده بنصرته قد تقدم والدليل عليه قوله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وأيضاً أن الخير مقضى بالذات والشر مقضى بالعرض، وما بالذات أقوى مما بالعرض، وأما النصرة والغلبة فقد تكون بقوة الحجة، وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب، ولا يلزم على هذه الآية أن يقال: فقد قتل بعض الأنبياء وقد هزم كثير من المؤمنين ثم قال تعالى لرسوله وقذ أخبره بما تقدم {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } والمراد تك مقاتلتهم والثقة بما وعدناهم إلى حين يتمتعون، ثم تحل بهم الحسرة والندامة، واختلف المفسرون فقيل المراد إلى يوم بدر، وقيل إلى فتح مكة، وقيل إلى يوم القيامة، ثم قال: {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } والمعنى بأبصرهم وما يقضي عليهم من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة، فسوف يبصرونك مع ما قدر لك من النصرة والتأييد في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة، والمراد من الأمر المشاهد بأبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك، وقوله: {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } للتهديد والوعيد، ثم قال: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } والمعنى أن الرسول عليه السلام كان يهددهم بالعذاب، وما رأوا شيئاً فكانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب على سبيل الاستهزاء، فبين تعالى أن ذلك الاستعجال جهل، لأن لكل شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر، فكأن طلب حدوثه قبل مجيء ذلك الوقت جهلاً، ثم قال تعالى: في صفة العذاب الذي يستعجلونه {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } أي هذا العذاب {فَسَاء صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } وإنما وقع هذا التعبير عن هذه المعاني كأنهم كانوا يقدمون على العادة في وقت الصباح، فجعل ذكر ذلك الوقت كناية عن ذلك العمل، ثم أعاد تعالى قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } فقيل المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا، وفي هذه الكلمة أحوال القيامة، وعلى هذا التقدير فالتكرير زائل، وقيل إن المراد من التكرير المبالغة في التهديد والتهويل، ثم إنه تعالى ختم السورة بخاتمة شريفة جامعة لكل المطالب العالية، وذلك لأن أهم المهمات للعاقل معرفة أحوال ثلاثة فأولها معرفة إله العالم بقدر الطاقة البشرية، وأقصى ما يمكن عرفانه من صفات الله تعالى ثلاثة أنواع أحدهما: تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية، وهو لفظة سبحان وثانيها: وصفه بكل ما يليق بصفات الإلهية وهو قوله: {رَبّ ٱلْعِزَّةِ } فإن الربوبية إشارة إلى التربية وهي دالة على كمال الحكمة، والرحمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة وثالثها: كونه منزهاً في الإلهية عن الشريك والنظير، وقوله: {رب العزة} يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: {العزة} تفيد الاستغراق، وإذا كل الكل ملكاً له وملكاً له ولم يبق لغيره شيء، فثبت أن قوله: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم والمهم الثاني: من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف ينبغي أن يعامل نفسه ويعامل الخلق في هذه الحياة الدنيوية. واعلم أن أكثر الخلق ناقصون ولا بد لهم من مكمل يكملهم، ومرشد يرشدهم، وهاد يهديهم، وما ذلك إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبديهة الفطرة شاهدة بأنه يجب على الناقص الاقتداء بالكامل، فنبه على هذا الحرف يقوله: {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } لأن هذا اللفظ يدل على أنهم في الكمال اللائق بالبشر فاقوا غيرهم، ولا جرم يجب على كل من سواهم الاقتداء بهم والمهم الثالث: من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف يكون حاله بعد الموت. واعلم أن معرفة هذه الحالة قبل الموت صعبة، فالاعتماد فيها على حرف واحد، وهو أنه إله العالم غني رحيم، والغني الرحيم لا يعذب فنبه على هذا الحرف بقوله: {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وذلك لأن استحقاق الحمد لا يحصل إلا بالإنعام العظيم، فبين بهذا كونه منعماً، وظاهر كونه غنياً عن العالمين، ومن هذا وصفه كان الغالب منه هو الرحمة والفضل والكرم، فكان هذا الحرف منبهاً على سلامة الحال بعد الموت، فظهر بما ذكرنا أن هذه الخاتمة كالصدفة المحتوية على درر أشرف من دراري الكواكب، ونسأل الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والعافية في الدنيا والآخرة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } قال الفراء: أي بالسعادة. وقيل: أراد بالكلمة قوله عز وجل: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21] قال الحسن: لم يُقتَل من أصحاب الشرائع قط أحد. {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة. {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } على المعنى ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ } تفسير : [صۤ: 11]. وقال الشيباني: جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأس آية. قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم. {حَتَّىٰ حِينٍ} قال قتادة: إلى الموت. وقال الزجاج: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه. وقال ابن عباس: يعني القتل ببدر. وقيل: يعني فتح مكة. وقيل: الآية منسوخة بآية السيف. {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } قال قتادة: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإِبصار. وعسى من اللّه للوجوب وعبّر بالإبصار عن تقريب الأمر؛ أي عن قريب يبصرون. وقيل: المعنى فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب؛ أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم. قوله تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} أي العذاب. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل. ومعنى «بِسَاحَتِهِمْ» أي بدارهم؛ عن السّدي وغيره. والساحة والسَّحْسَة في اللغة فِناء الدار الواسع. الفرّاء: «نَزَل بِسَاحَتِهِمْ» ونزل بهم سواء. {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وفيه إضمار أي فساء الصباح صباحهم. وخصّ الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي اللّه عنه قال: حديث : لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خَيْبر، وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المَساحى، فقالوا: محمد والخمِيس، ورجعوا إلى حصنهم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «اللّه أكبر خَرِبت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»تفسير : وهو يبين معنى «فَإِذا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ» يريد النبي صلى الله عليه وسلم. {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } كرر تأكيداً وكذا {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } تأكيد أيضاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21] وقال عز وجل: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ} تفسير : [غافر: 51] ولهذا قال جل جلاله: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } أي: في الدنيا والآخرة؛ كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم؛ كيف أهلك الله الكافرين، ونجى عباده المؤمنين، { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ} أي: اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل؛ فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال بعضهم: غيَّى ذلك إلى يوم بدر، وما بعدها أيضاً في معناها، وقوله جلت عظمته: { وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال؛ بمخالفتك وتكذيبك، ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد: {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} ثم قال عز وجل: { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} أي: هم إنما يستعجلون العذاب؛ لتكذيبهم وكفرهم بك؛ فإن الله تعالى يغضب عليهم بذلك، ويعجل لهم العقوبة، ومع هذا أيضاً كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة. قال الله تبارك وتعالى: { فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم، وقال السدي: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} يعني: بدارهم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال: صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم، ورأوا الجيش، رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» تفسير : ورواه البخاري من حديث مالك عن حميد عن أنس رضي الله عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: لما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وقد أخذوا مساحيهم، وغدوا إلى حروثهم وأرضهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا مدبرين، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الله أكبر الله أكبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» تفسير : لم يخرجوه من هذه الوجه، وهو صحيح على شرط الشيخين، وقوله تعالى: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا } بالنصر {لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } وهي { أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى }تفسير : [21:58] .
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} وهي قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة:21] لما هدد الكفار بقوله: {أية : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الحجر:3] أردفه بما يقوي قلب الرسول فقال {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} والنُّصْرَةُ والغلبة قد تكون بالحُجَّة وقد تكون بالدولة والاستيلاء وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضَعْفِ أحوال الدنيا فهو الغالب ولا يلزم على هذه الآية أن يقال قد قتل بعضُ الأنبياء وهزم كثيرٌ من المؤمنين. قوله: {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير للكلمة فيجوز أن لا يكون لها محلٌّ من الإعراب، ويجوز أن تكون خبر مبتداً مضمر ومنصوبة بإضمار فعل أي هي أنهم لهم المنصورون أو أعني بالكلمة هذا اللفظ ويكون ذلك على سبيل الحكاية لأنك لو صرحت بالفعل قبلها حاكياً للجملة بعده كان صحيحاً كأنك قلت: عنيت هذا اللفظ كما تقول: كَتَبْتُ زَيدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائِمٌ. وقرأ الضحاك: "كَلِمَاتُنَا" جمعاً. قوله: "فَتَولَّ عَنْهُمْ" أي أعرضْ عنهم "حَتَّى حِينٍ" قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذابُ الله، وقيل: إلَى فتحِ مكة. قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال "وَأَبْصِرْهُمْ" إذا نزل بهم العذاب عن القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة "فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ" ذلك من النصرة والتأييد في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} أي إن ذلك الاستجعال جهل لأن لكُلّ شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيَّناً لا يتقدم ولا يتأخر. قوله: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} العامة على نَزَل مبنياً للفاعل، وعبدُ اللَّهِ مبنياً للمفعول، والجارّ قائم مَقَام فاعله. والساحة الفناء الخالِي من الأبنية وجمعها سُوحٌ فألفها عن واوٍ فيُصغَّر على سُوَيْحَةٍ قال الشاعر: شعر : 4231- فَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لاَ يَسْرَحُوا نَعَماً أَوْ يَسْرَحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السُّوحُ تفسير : وبهذا يتبين ضعف قول الراغب: إنها من ذَواتِ اليَاء حيث عدها في مادة سيح، ثم قال: الساحة المكان الواسع ومنه: ساحة الدار. والسائح الماء الجري في الساحة، وسَاحَ فلانٌ في الأرْض مَرَّ مَرَّ السائح. ورجل سَائِحٌ وَسيَّاح انتهى. ويحتمل أنْ يَكُون لها مادَّتَانِ لكن كان ينبغي أن يذكر ما هي الأشهر أو يذكرهما معاً. قوله تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} يعني العذاب بساحَتِهِمْ، قال مقاتل: بحَضْرَتِهِمْ وقيل: بعِتابهم. قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} فبئس صَبَاح الكَافرين الذين أُنْذِرُوا بالعذاب. لما خرج - عليه (الصَّلاَةُ و) السلام - إلى خَيْبَرَ أتاها ليلاً، وكان إذا جَاء قوماً بلَيْلٍ لم يَغْزُ حتى يُصْبِحَ فلما أصبح خرجت يهودُ (خَيْبَرَ) بمَسَاحِيها ومَكَاتِلِهَا، فلما رأوه قالوا: مُحَمَّد واللَّهِ مُحَمَّد والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهُ أكبرُ خَرِبَتْ خَيْبَر إنَّا إذا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ ". تفسير : قوله: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}. قيل: المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال القيامة وعلى التقديرين فالتكرير زائل، وقيل: المراد من التكرير المبالغة في التَّهديد والتَّهْويلِ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولاً: "وَأَبْصِرهُمْ" وههنا قال: "وَأَبْصِرْ" بغير ضمير؟ فالجواب أنه حذف مفعول "أبصر" الثاني إمَّا اختصاراً لدلالة الأولى عليه وإما اقتصاراً تفنُّناً في البلاغة. ثمَّ إنَّهُ تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهيّة فقال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ} أي الغلبة والقوة، أضاف الربَّ إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذُو العِزَّة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به. وقيل: المراد بالعزة المخلوقة الكائنة بيْن خلقه. ويترتب على القولين مسألة اليمين. فصل قوله: "رَبِّ ٱلْعِزَّةِ" الربوبية إشارة إلى كمال الحكمة والرحمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة، فقوله: "رب العزة" يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: "العزة" يفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكاً له لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات {وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ}، الذين بلغوا عن الله التوحيد بالشرائع "وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبَّ العَالَمِينَ" على هلك الأعداء ونصر الأنبياء - عليه (الصلاة و) السلام -. رُوي عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال "مَنْ أَحَبَّ أنْ يَكْتَالَ بِالمِكْيَالِ الأَوْفَى مِنَ الأَجْرِ فَلْيَكُنْ آخِرَ كَلاَمِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وسَلامٌ على المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ". ورَوَى أبو أمامة عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من قرأ سورة "والصافات" أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ جنِّيٍّ وَشَيْطَانٍ وَتَبَاعَدَتْ مِنْهُ مَرَدَةُ الشياطين وَبِرىءَ مِنَ الشِّرْكِ وشَهِدَ لَهُ حَافِظَاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَّه كَانَ مُؤْمِناً ". تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ}. أي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، وتقدَّمَ حُكْمنَا لهم بالولاية والرعاية، فَهُم من قِبَلِنَا منصورون: {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}. مَنْ نَصَرَه لا يُغْلَبُ، ومَنْ قَهَرَه لا يَغْلِبُ. وجُنْدُه الذين نَصَبَهم لنَشْرِ دينه، وأقامَهم لِنَصْرِ الحقِّ وتبيينه. مَنْ أَراد إذلالَهم فَعَلى أذقانه يخرُّ، وفي حبل هلاكه ينجرُّ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} سبقت لهم كلمة الحسنى باصطفائية الله فى الازل بالولاية والنبوة والرسالة بغير علمه الاكتساب ونقائص الحدوثية اخبر عن محض متنه الازلية عليهم ونقى عنهم الانقطاع عنه من جهة تنائر الامتحان انهم مؤيدون بوصف الظفر بالبغية على مرادهم بكل ما ارادوا له انزل عليهم جنود انوار تجلى ظهور جلاله فى قلوبهم فقدست سرائرهم عن كل غالب من الشهوات وعلل النفوسيات قال سهل جنوده ترد على الاسرار وترد على الظاهر وجنده فى السرائر صحة عقد الايمان فى قلب وشرحه به وما يتولد فيه من صحة ايمانه والتوكل وما يريد فيه توكله ومحبة الله تعالى فاذا نزلت المحبة فى القلب وسكنت فيه طهرها من كل ما سواه فان المحبة لا يسكن معها ما يضادّها وجنوده فى الظواهر هو ان يوفقه بالقيام الى العبادات والاوامر على حدود السنن والتبرى من الحول والقوة لما يتقن من حسن قيام الله لعبده بالكفاية فى كل اسبابه ثم انه سبحانه لما وصف صنائع لطفه بانبيائه واوليائه نزه نفسه ان يلحق به وبتنزيه جلاله علل كل حادث ووصف كل واصف وحمد كل حامد حيث قام حمده وتنزيهه مقام اداء حقوق ربوبيته على اهل العبودية بقوله تعالى {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} ضاق صدر سيد المرسلين عن مقالة اهل الزور والبهتان من الكفرة فى حق جلاله فوات الله قلبه بقوله سبحان ربك شرفه مخاطبة المواجهة واضافة تربيته اليه ثم وصف نفسه العزة المنيعة من كل اشارة اليه ثم اظهر منته على اهل عرفانه من الانبياء والمرسلين والاولياء والصديقين بسلامة عليهم بقوله {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} وحمد نفسه بما وهب لهم من سنيات القربة وحقايقات المشاهدة والمكاشفة بقوله {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} حيث لا يقوم الحامدين مقام حمده له.br>
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد سبقت} اى وبالله لقد تقدمت فى الازل او كتبت فى اللوح المحفوظ ثم ان السبق والتقدم الموقوف على الزمان انما هو بالنسبة الى الانسان والا فالامر بالاضافة الى الله كائن على ما كان {كلمتنا} وعدنا على ما لنا من العظمة {لعبادنا} الذين اخلصوا لنا العبادة فى كل حركة وسكون {المرسلين} الذين زدناهم على شرف الاخلاص فى العبودية شرف الرسالة ثم فسر ذلك الوعد بطريق الاستئناف فقال
الطوسي
تفسير : اقسم الله تعالى، لأن هذه اللام لام القسم بأنه {سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} الذين بعثهم الله إلى خلقه {أنهم لهم المنصورون} سينصرون بنصرهم على أقوامهم بالحجج وإنما قدم الله تعالى الكلمة للمرسلين بأنهم سينصرون، لما في ذلك من اللطائف للملائكة والسامعين لها، وسميت جملة من الكلام بانها كلمة لانعقاد بعض معانيه ببعض حتى صار يلحقه صفة التوحيد كخبر واحد وقضية واحدة. وقال السدي: النصر للمرسلين بالحجة لأن منهم من قتل. وقال الحسن: ما غلب نبي في حرب، ولا قتل قط. ثم اخبر تعالى أن جنود الله للكفار لغالبون أي يقهرونهم تارة بالحجة واخرى بالقتل. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {فتول عنهم} يعني اعرض عن هؤلاء الكفار {حتى حين} إلى ان آمرك بقتالهم، يعني يوم بدر - في قول السدي - وقال قتادة: إلى الموت. وقال قوم: إلى يوم القيامة. وقال قوم: إلى انقضاء مدة الامهال. وقوله {وأبصرهم فسوف يبصرون} معناه انظرهم فسوف يرون العذاب - في قول ابن زيد - وقال غيره أبصر حالهم بقليل. وقيل: ابصرهم في وقت البصر، وفي الآية دلالة على المعجز، لأنه تعالى وعد نبيه بالنصر، فكان الأمر على ما قال. وقوله {أفبعذابنا يستعجلون} معناه الانكار عليهم بأنهم يطلبون العذاب عاجلا قبل وقته. ثم قال {فاذا نزل} يعني العذاب {بساحتهم} أي بفنائهم فساء صباح المنذرين أي بئس الصباح صباح من خوف وحذر، فلم يحذر، ولم يخف، فالساحة ناحية الدار، وهو فناؤها، وهو الفناء الواسع فلذلك وصف بأنه نازل به العذاب لعظمه ولا يسعه إلا الساحة ذات الفناء الواسع. وقال السدي: نزل بساحتهم أي بدارهم وساء إذا كانت بمعنى بئس لا تتصرف مثل هذه. ومثل قوله {أية : ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} تفسير : ولو كان بمعنى الاخبار المحض لجاز أن يقال: ساءه يسوءه سوءاً أي اوقع به ما يسوءه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {فتول عنهم حتى حين} أي اعرض عنهم إلى حين وقد فسرناه. و {أبصر فسوف يبصرون} وقد مضى معناه، وإنما كرر لانهما عذابان عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكأنه قال وابصرهم في عذاب الآخرة وابصرهم في عذاب الدنيا. ثم قال {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} أي التنزيه لربك عما لا يليق به من الصفات، ربك الذي خلقك ويملك التصرف فيك رب العزة يعني العزة التي يعز الله بها الأنبياء والمرسلين، وهي صفة القادر الذي لا يضام ولا يرام، فالعزة لله - جل عز - وهو ربها، لانه القادر الذي لا يعجزه شيء منها، ولا من غيرها جل وعلا {عما يصفون} يعني ما يصفه به الكفار من اتخاذ الأولاد واتخاذ الشريك {وسلام على المرسلين} الذين أرسلهم الله إلى عباده {والحمد لله رب العالمين} أي والشكر والحمد لله الذي خلق جميع العالم وملك التصرف فيهم.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا} بالوعد والنّصر {لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} او المعنى لقد سبقت كلمتنا الّتى هى فعليّة الانسانيّة الّتى هى دليل كلّ خير وطريق كلّ مطلوب وفعليّة كلّ كمال، او سبقت كلمتنا الّتى هى الولاية كلمة الشّيطان فصارت كلمة الشّيطان مغلوبة، واذا صارت كلمة الشّيطان مغلوبة صارت جملة جنوده الدّاخلة والخارجة مغلوبة، وصارت جملة جنود الحقّ الدّاخلة والخارجة غالبة والآية تسلية للرّسول والمؤمنين وتهديد للكافرين.
اطفيش
تفسير : {ولقد سبقت كلمتنا} وعدنا بالنصر. {لعبادنا المرسلين} او الكلمة لاغلبن انا ورسلي او قوله. {إنهم لهم} اللام لام التأكيد وهم مبتدأ. {المنصورون} خبر.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد سَبَقت كَلِمتُنا} أى ووالله أو وربنا، وإنما قدرت حرف القسم بالواو لئلا يجتمع واوان، واو العطف وواو القسم، والإضافة للجنس، فشملت كلمات لأن لله كلمات لا كلمة واحدة، كما قرأ الضحاك بالجمع، ويحتمل أن يجعل كلماته كلها واحدة لارتباطها غاية الارتباط على الاستعارة التصريحية، الأصلية التحقيقية، والمعنى: وعدنا بالخير للمرسلين وأتباعهم، وبالشر لمخالفيهم جزما ووجه آخر أن الكلمة بمعنى الكلام المفيد المركب من كلمات مجاز مرسل، لعلاقة الكلية والجزئية، وقيل الكلمة بمعنى الكلام حقيقة لغوية، واختصاصها بالمفرد، كقام وزيد، وباء الجر اصطلاح لأهل العربية، وليس كذلك ألا ترى أنه يقال: كلمات وكلمتان. {لِعبادِنا المُرْسَلين} أى وأتباعهم، ولم يذكرهم للعلم عند كل أحد أن حكم التبع حكم المتبوع، وأيضاً دل عليهم ذكير الجند بعد، وفسر سبق الكلمة للمرسلين بقوله: {إنَّهُم لَهُم المَنْصُورون* وإنَّ جُنْدنا لَهُم الغالبُون} مستأنفا، قيل أو بدلا، فان أيريد بالكلمة اللفظ الذى نتلفظ به عنه معشر الخلق حاشاه عن التلفظ، فالمراد ألفاظ انهم لهم المنصورون الخ، وإن أريد بها الموعود به فالمراد معنى أنهم لهم الخ، والإضافة الى نا فى الموضعين للتشريف، والجند الأتباع، أوهم المرسلون ذكروا باسم المرسلين، وباسم الجند، وضعا للظاهر موضع المضمر، وذلك تعظيم لهم بالأرسال والتبليغ، ويجهد طاقتهم فى الذب عن طاعة الله فمقتضى الظاهر وأنهم لهم الغالبون، أو المراد بالجند مطلق المؤمنين تعميما بعد تخصيص، وفى الجملتين تأكيد باللام، والضمير بعدها جعل فصلا أو مبتدأ، والجملة الاسمية، واللام والحصر إلا أنك كثيرا ما ترى الكفرة غالبين فنقول: إذا كان الكفرة غالبين فلاختلال شرط فى كون المؤمنين غالبين، كما أعجبتهم كثرتهم، وكما خرجوا عما حد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وكذا يوم أحد لكن هزم الكفرة فيه آخرا. وعن الحسن ما غلب نبى فى حرب قط، ولأن الغلبة تكون فى الآخرة أيضا كما تكون فى الدنيا أيضا، وتكون بالحجة، وبعد موت الرسل، فالغلبة من أتباعهم غلبة منهم، وأيضا لم يمت رسول ولا نبى فى القتال، والغلبة تكون بالقتل والأسر والاجلاء والتشريد.
الالوسي
تفسير : استئناف مقرر للوعيد وتصديره بالقسم لغاية الاعتناء بتحقيق مضمونه أي وبالله لقد سبق وعدنا لهم بالنصرة والغلبة وهو قوله تعالى:{إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ...}.
ابن عاشور
تفسير : تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما تضمنه قوله: {أية : فكَفرُوا به}تفسير : [الصافات: 170] وبيان لبعض الوعيد الذي في قوله: {أية : فسوف يعلمون}تفسير : [الصافات: 170] بمنزلة بدل البعض من الكل ولكنه غلب عليه جانب التسلية فعطف بالواو عطف القصة على القصة. والكلمة مراد بها الكلامُ، عبر عن الكلام بكلمة إشارة إلى أنه منتظم في معنى واحد دال على المقصود دلالة سريعة فشبه بالكلمة الواحدة في سرعة الدلالة وإيجاز اللفظ كقوله تعالى: {أية : كلا إنها كلمة هو قائلها}تفسير : [المؤمنون: 100] وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:» شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : وبُينت الكلمة بجملة {إنَّهم لهم المنصُورُونَ}، أي الكلام المتضمن وعدهم بأن ينصرهم الله على الذين كذبوهم وعادَوهم وهذه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم عقب تسليته لأنه داخل في عموم المرسلين. وعطف {وإنَّ جُندنا لهم الغالِبُونَ} بشارة للمؤمنين فإن المؤمنين جند الله، أي أنصاره لأنهم نصروا دينه وتلقوا كلامه، كما سموا حزب الله في قوله: {أية : كتب اللَّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللَّه قوي عزيز}تفسير : [المجادلة:21] إلى قوله: {أية : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}تفسير : [المجادلة:22] إلى قوله: {أية : أولئك حزب اللَّه ألا إن حزب اللَّه هم المفلحون}تفسير : [المجادلة:22]. وقوله: {لهُمُ الغالِبُونَ} يشمل علوّهم على عدوّهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوّهم عليهم في الآخرة كما قال تعالى: {أية : والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}تفسير : [البقرة: 212] فهو من استعمال {الغالِبُونَ} في حقيقته ومجازه. ومعنى {المنصُورون} و{الغالِبُونَ} في أكثر الأحوال وباعتبار العاقبة، فلا ينافي أنهم يُغلبون نادراً ثم تكون لهم العاقبة، أو المراد النصر والغلبة الموعود بهما قريباً وهما ما كان يوم بدر.
الشنقيطي
تفسير : هذه الآية الكريمة تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم منصورون دائماً على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضاً بالسيف والسنان، والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} تفسير : [غافر: 51] وقوله تعالى: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47] وقوله تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 13ـ14]. وقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 146] الآية. وسيأتي له إن شاء الله زيادة إيضاح في آخر سورة المجادلة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سبقت كلمتنا: هي قوله تعالى لأغلبن أنا ورسلي. وإن جندنا لهم الغالبون: أي للكافرين بالحجة والنصرة. فتولَّ عنهم حتى حين: أي أعرض عنهم حتى تؤمر فيهم بالقتال. وأبصرهم: أي أنظرهم. فإِذا نزل بساحتهم: أي العذاب. وتولَّ عنهم: أي أعرض عنهم. سبحان ربك: أي تنزيها لربّك يا محمد. عما يصفون: أي تنزيها له عما يصفه به هؤلاء المشركون من الصاحبة والولد والشريك. وسلام على المرسلين: أي أَمَنَةٌ من الله لهم في الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين: أي الثناء بالجميل خالص لله رب الثقلين الإِنس والجن على نصر أوليائه وإهلاك أعدائه. معنى الآيات: لما ختم السياق الأول بتهديد الكافرين بقوله تعالى {أية : فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الصافات: 170] أخبر تعالى رسوله بما يطمئنه على نصر الله تعالى له فقال {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} وهي قوله {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}. أي بالحجة والبرهان، وبالرمح والسنان. وقوله {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ} يأمر رسوله أن يعرض عن المشركين من قومه حتى حين يأمره فيهم بأمر، أو ينزل بهم بلاء أو بأساً وقوله {وَأَبْصِرْهُمْ} أي أنظرهم فسوف يبصرون لا محالة ما ينزل بهم من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ}، ينكر تعالى عليهم استعجالهم العذاب الدال على سفههم وخفة أحلامهم إذ ما يستعجل العذاب إلا أحمق جاهل وعذاب من استعجلوا إنه عذاب الله!! قال تعالى {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} أي بفناء دارهم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي بئس صباحهم من صباح إنه صباح هلاكهم ودمارهم ثم أمر تعالى مرة أخرى رسوله أن يتول عنهم وينتظر ما يحل بهم فقال {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} وفي الآية من التهديد والوعيد لهؤلاء المشركين ما لا يقادر قدره. وأخيرا نزه تعالى نفسه عما يصفه به المشركون من الولد والشريك وسلّم على المرسلين، وحمد نفسه مشيرا إلى مقتضى الحمد وموجبه وهو كونه رب العالمين فقال {سُبْحَانَ رَبِّكَ} يا محمد {رَبِّ ٱلْعِزَّةِ} ومالكها يعز بها من يشاء ويذل من يشاء {عَمَّا يَصِفُونَ} من الصاحبة والولد والشريك، {وَسَلاَمٌ} منا {عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} وأنت منهم {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} على نصره أولياءه وإهلاكه أعداءه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية. 2- وعد الله تعالى لرسوله بالنصر وقد أنجزه ما وعده والحمد لله. 3- استحباب ختم الدعاء أو الكلام بقراءة جملة {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لورود ذلك في السنة.
القطان
تفسير : سبقت كلمتنا: وعدُنا بالنصر. وأبصِرهم: انظرهم وارتقب. بساحتهم: بفناء دارهم، بديارهم. تولّ عنهم: أعرِض عنهم. يقسِم الله تعالى ان وَعْدَه قد سبق ان العاقبة بالنصر لرسُله وأتباعهم، فهم المنصورون، وان جنود الله المخلصين المؤمنين هم الغالبون، فأعرِض عنهم ايها الرسول وانتظر الى وقتٍ مؤجل، فاننا سنجعل لك النصر والظفر، وانتظر ماذا يحل بهم من العذاب {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} ذلك بأنفسهم ويندمون. {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} فإذا نزل العذاب بديارهم فبئس صباحهم ذلك الصباح، إنه يوم دمارهم وهلاكهم. ثم أكدَ ما سبق من وقوع الميعاد فقال مكرراً وعيده لهم: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} أعرِض ايها الرسول عنهم، وانظر اليهم فسوف يرون ما يحل بهم من العذاب العظيم. ثم يأتي بحسن الختام بكلمات غاية في البلاغة والسهولة والرقة فيقول تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. ما أجمل هذا الكلام، وما احلاه وما أبلغه، فانه تعليم لنا لنقوله دائما ونتمثل به. روي عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف هذه الآيات الكريمةتفسير : ، واللهَ نسأل حسن الختام.
د. أسعد حومد
تفسير : (171) - وَلَقَدْ سَبَقَ وَعْدُ اللهِ فِي الكِتَابِ الأَوَّلِ أَنَّ العَاقِبَةَ لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِم المُخْلِصِينَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا} [الصافات: 171] يعني: قلناها قبل الكون كله، وهذه الكلمة لها مترادفات: سبقتْ كلمتنا ووقعتْ وحقَّتْ، سبقتْ أي: لتحديدها قبل الحدوث، ووقعتْ ساعة الحدوث وحقَّت أي: هي حَقٌّ أنْ أقضي بقدرتي، وحَقٌّ أنْ تقع على مَنْ أريد. إذن: فهي مَعَانٍ ملتقية معاً ومتكاملة. فما هي هذه الكلمة التي سبقتْ من الله لعباده المرسلين؟ هي قوله: {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [الصافات: 172-173]. هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة. فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة. وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه. أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61]. فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. هذه هي الثقة في كلمة {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} [الصافات: 172] أي: الرسل.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف لا يعلمون ولا يذوقون العذاب أولئك المسرفون {لَقَدْ سَبَقَتْ} أي: حقت وثبتت منَّا {كَلِمَتُنَا} المشتملة على الوعد والنصر {لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171] وهي قوله سبحانه: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21]. وقوله أيضاً: {إِنَّهُمْ} أي: الرسل والأنبياء {لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} [الصافات: 172] المقصورون على النصر والغلبة على الأعداء، القاهرون القادرون على من غلبهم وظلمهم واستهزأ معهم عناداً ومكابرة. وكيف لا يغلبون أولئك الأولياء على الأعداء، إنهم من جندنا وحزبنا {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] القاهرون على جنود الأعداء وأحزابهم المسلطون عليهم. وبعدما سمعت يا أكمل الرسل مضمون وعدنا على عموم الأولياء من الرسل والأنبياء {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: كفار قريش، وأعرض عن محاربتهم ومخاصمتهم {حَتَّىٰ حِينٍ} [الصافات: 174] أي: إلى حين حلول العذاب الموعود المعهود من لدنا. {وَأَبْصِرْهُمْ} العذاب إذا نزل عليهم عاجلاً، وهو عذاب يوم بدر {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [الصافات: 175] أجله في يوم الجزاء بأضعاف ما لحقهم عاجلاً وآلافه. {أَ} ينكرون قدرتنا على العذاب الآجل مع نزول العذاب العاجل عليهم يوم بدر {فَبِعَذَابِنَا} الآجل في الجزاء {يَسْتَعْجِلُونَ} [الصافات: 176] ويقولون: متى هذا؟ بعدما سمعوا فسوف يبصروه آجله زيادة في الجزاء بأضعاف ما لحقهم، أمَا يستحيون من الله، فيستعجلون عذابه، ولم يتفطنوا مما جرى عليهم عاجلاً، ولا يخافون من نزوله وحلوله بغتة. {فَإِذَا نَزَلَ} العذاب الموعود لهم آجلاً {بِسَاحَتِهِمْ} أي: بفناء دراهم، وهذا كناية عن قربه وإلمامه بغتة {فَسَآءَ} وبئس حينئذ {صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] إذا أصبحوا مفاجئين على أنواع العذاب والنكال، فلمَ يستعجلون بها أولئك الجاهلون الهالكون في تيه الضلال والطغيان؟!. {وَ} بعدما تمادوا في الغفلة والطغيان، وبالغوا في العتو والعصيان {تَوَلَّ عَنْهُمْ} يا أكمل الرسل {حَتَّىٰ حِينٍ} [الصافات: 178] أي: حين إلمام العذاب الموعود. {وَأَبْصِرْ} أياهم بعدما ألمَّ ونزل {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [الصافات: 179] أي: أي شيء يترتب على إنكارهم، وتكذيبهم يوم الجزاء أولئك الضالون. وإنما كرره سبحانه ما كرره تأكيداً ومبالغة في التهديد والتوعيد، تسلية لحبيبه صلى الله عليه وسلم فقال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل، وتنزهت ذاته عن معتقدات أهل التشبيه مطلقاً، وما نسبوا إليه سبحانه من أمارات الإمكان وعلامات النقصان، وكيف ينسبون إلى {رَبِّ ٱلْعِزَّةِ} والقدرة والغلبة والكبرياء والاستقلال التام والاستيلاء العام، المنزه ذاته عن الإحاطة، وصفته عن العدِّ والإحصاء، تعالى شأنه عن التحديد والتوصيف {عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] به أولئك المسرفون المفرطون من إثبات الولد والإيلاد والاستيلاد. {وَسَلاَمٌ} من الله وبركاته {عَلَىٰ} عباده {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181] من عنده؛ لتبيين توحيده وتقديسه وتعاليه عن إحاطة مطلق المدارك والعقول. {وَٱلْحَمْدُ} من ألسنة جميع من يتأتى منه الحمد والثناء حالاً ومقالاً {للَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المنزه عن اتخاذ الأهل والولد {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الصافات: 182] الذين ظهورا من شئونه وتطوراته حسب أسمائه وصفاته، ورباهم أيضاً على حسبها إظهاراً لكمال قدرته وعموم إحاطته. وعن المرتضى الأكبر المتحقق بمقام التسليم والرضا - كرم الله وجهه - أنه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 180-182]. خاتمة السورة عليك أليها الرائي المتحقق بجلال الحق، وكمال كبريائه، واستغنائه عن عموم مظاهره ومصنوعاته، واستيلائه على جميع ما ظهر وبطن من الأمور الكائنة المنعكسة من بروق تجلياته حسب أسمائه وصفاته المندرجة في شمس ذاته، أن تلاحظ شئون الحق على هياكل الموجودات، وتطالع ظهورها على صحائف الكائنات التي هي بالحقيقة كالمرايا لظهور آثار الأسماء والصفات الإلهية، وتتفكر فيخلق السفليات والعلويات، وتتأمل في كيفية ارتباطاتها ورجوعها إلى الوحدة الحقيقية الحقية، وكيفية سريان الوحدة الذاتية عليها بلا حلول واتحاد واتصال وانفصال وحصول وامتثال، وكذا عن كيفية انبساط أظلال الوجود الإلهي على ذرائر الأكوان، وامتداداتها على مرايا الإعدام على سبيل التجدد والتقضي بلا طريا ضد وحلول فترة وانقطاع أصلاً. ومن تأمل ظهور الحق على الآفق والأنفس على الوجه الذي تلا، فقد تحقق بعزة الله، وانكشف له وحدته المحتوية على عموم الكثرات بلا توهم كثرة في ذاته المستغني عن التعدد مطلقاً، فحينئذ ارتفع عن بصر شهوده غير الحق وشئونه، ولا يرى في فضاء وجوده سوى الله موجوداً ومشهوداً، فتمكن حينئذ في مقام التوحيد، وأخذ في التنزيه والتقديس والتسليم والتكبير والتحميد، قائلاً بلسان استعداده: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 18-181] المنبهين على مرتبة التوحيد، {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 182] آمين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171] يشير أن توفي الإنسان إلى مقام الإيمان وأن ترقي المؤمن إلى مقام الولاية وأن ترقي الولي إلى مقام قوله النبوة وأن ترقي النبي إلى مقام المرسلين كله بعناية رب العالمين وبتقديره ذلك قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ}تفسير : [المجادلة: 21] أي: قدره الله {أية : أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21] {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [الصافات: 172-173] فمن نصرناه فلا يغلب ومن جدلناه فلا يغلب، وجنده الذين نصبهم لنشر دينه، وأقامهم لنصر الحق وتبيينه فمن أراد إذلالهم فعلى أذقاته يجر وفي حبل هلاكه ينجر. وبقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ} [الصافات: 174] يشير إلى خذلانهم بقوله {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: أعرض عنهم فإني قد أعرضت عنهم حتى حين أقبلوا علينا فيقبل عليهم، كما قال تعالى: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} تفسير : [الإسراء: 8] {وَأَبْصِرْهُمْ} [الصافات: 175] أحوالهم {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [الصافات: 175] جزاء مما علموا من الخير والشر {أَفَبِعَذَابِنَا} [الصافات: 176] وإنما كان ذلك فيما كان يتمنون قيام الساعة وكانوا {يَسْتَعْجِلُونَ} [الصافات: 176] ذلك لفرط جهلهم ثم لقلة تصديقهم {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} [الصافات: 177] وأتاح البلاء لعقولهم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [الصافات: 177-179] فعن قريب سيحصل ما منه يحذرون {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ} [الصافات: 180] تقديساً {عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] أهل الأهواء والبدع {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181] الذين يُبلغون رسالات ربهم ليبلغوها بالسلامة {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 182] هو المحمود في كل حال من الحالات ساء أو ستر نفع أم ضر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):