٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: الكلام المستقصى في أمثال هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة ولا بأس بإعادة بعض الوجوه فالأول: أنه مفتاح أسماء الله تعالى التي أولها صاد، كقولنا صادق الوعد، صانع المصنوعات، صمد والثاني: معناه صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله الثالث: معناه صد الكفار عن قبول هذا الدين، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 88] الرابع: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن، فدل ذلك على أن القرآن معجز الخامس: أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهي المعارضة ومنها الصدى وهو ما يعارض صوتك في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه السادس: أنه اسم السورة والتقدير هذه صاد، فإن قيل ههنا إشكالان أحدهما: أن قوله: {وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذّكْرِ } قسم وأين المقسم عليه؟ والثاني: أن كلمة (بل) تقتضي رفع حكم ثبت قبلها، وإثبات حكم بعدها يناقض الحكم السابق، فأين هذا المعنى ههنا؟ والجواب: عن الأول من وجوه الأول: أن يكون معنى صاد، بمعنى صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون صاد هو المقسم عليه، وقوله: {وَٱلْقُرْءانِ ذِى الذكر } هو القسم الثاني: أن يكون المقسم عليه محذوفاً، والتقدير سورة (ص والقرآن ذي الذكر) أنه لكلام معجز، لأنا بينا أن قوله {ص } تنبيه على التحدي والثالث: أن يكون صاد اسماً للسورة، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذي الذكر، ولما كان المشهور، أن محمداً عليه السلام يدعي في هذه السورة كونها معجزة، كان قوله هذه ص جارياً مجرى قوله: هذه هي السورة المعجزة، ونظيره قولك هذا حاتم والله، أي هذا هو المشهور بالسخاء والجواب: عن السؤال الثاني أن الحكم المذكور قبل كلمة {بَلِ } أما ما ذكره المفسر كون محمد صادقاً في تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة {بَلِ } ههنا هو المنازعة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب، والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ الحسن صاد بكسر الدال لأجل التقاء الساكنين، وقرأ عيسى بن عمر بنصب صاد ونون وبحذف حرف القسم وإيصال فعله كقولهم الله لأفعلن، وأكثر القراء على الجزم لأن الأسماء العارية عن العوامل تذكر موقوفة الأواخر. المسألة الثالثة: في قوله ذي الذكر وجهان الأول: المراد ذي الشرف، قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وقال تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 10] ومجاز هذا من قولهم لفلان ذكر في الناس، كما يقولون له صيت الثاني: ذي البيانين أي فيه قصص الأولين، والآخرين، وفيه بيان العلوم الأصلية والفرعية ومجازه من قوله: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } تفسير : [القمر: 22]. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة القرآن ذي الذكر والذكر محدث بيان الأول: قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } تفسير : [الأنبياء: 50] {أية : وَٱلْقُرْءانِ ذِى الذكر } تفسير : [ص: 1] {أية : إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } تفسير : [يس: 69] وبيان الثاني: قوله: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } تفسير : [الأنبياء: 2] وقوله {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ } والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى الحروف والأصوات وهي محدثه. أما قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فالمراد منه الكفار من رؤساء قريش الذين يجوز على مثلهم الإجماع على الحسد والكبر على الإنقياد إلى الحق، والعزة ههنا التعظيم وما يعقتده الإنسان في نفسه من الأحوال التي تمنعه من متابعة الغير لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإثْمِ } تفسير : [البقرة: 206] والشقاق هو إظهار المخالفة على جهة المساواة للمخالف أو على جهة الفضلية عليه، وهو مأخوذ من الشق كأنه يرتفع عن أن يلزمه الانقياد له بل يجعل نفسه في شق وخصمه في شق، فيريد أن يكون في شقة نفسه ولا يجري عليه حكم خصمه، ومثله المعاداة وهو أن يكون أحدهما في عدوة والآخر في عدوة، وهي جانب الوادي، وكذلك المحادة أن يكون هذا في حد غير حد الآخر، ويقال انحرف فلان عن فلان وجانب فلان فلاناً أي صار منه على حرف وفي جانب غير جانبه، والله أعلم، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال: {كَم أَهْلَكْنَا قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ فَنَادَواْ } والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي شيء نادوا، وفيه وجوه الأول: وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب الثالث: نادوا أي رفعوا أصواتهم، يقال فلان أندى صوتاً من فلان أي ارفع صوتاً، ثم قال: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } يعني ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمنا } تفسير : [غافر: 84] وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 64] والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله: {أية : ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } تفسير : [يونس: 91] وقوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85] بقي ههنا أبحاث: البحث الأول: في تحقيق الكلام في لفظ {لات } زعم الخليل وسيبويه أن لات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد، وبسب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها، إما الاسم وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعاً، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان {وَحِينَ مَنَاصٍ } منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ويرتفع بالابتداء أي ولات حين مناص كائن لهم. البحث الثاني: الجمهور يقفون على التاء من قوله: {وَّلاَتَ } والكسائي يقف عليها بالهاء كما يفق على الأسماء المؤنثة، قال صاحب «الكشاف»: وأما قول أبي يعبيدة التاء داخلة على الحين فلا وجه له، واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط. البحث الثالث: المناص المنجا والغوث، يقال ناصه إذا أغاثه، واستناص طلب المناص، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {صۤ} قراءة العامة «صۤ» بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: «الۤمۤ» و «الۤمۤر». وقرأ أبيّ بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «صادِ» بكسر الدال بغير تنوين. ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه {أية : فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ } تفسير : [عبس: 5] أي تعرّض. والمصاداة المعارضة، ومنه الصَّدَى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صادِ القرآنَ بعملك؛ أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وٱنته عن نواهيه. النحاس: وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة. وعنه أن المعنى ٱتله وتعرّض لقراءته. والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقرأ عيسى بن عمر «صاد» بفتح الدال مثله: «قافَ» و «نونَ» بفتح آخرها. وله في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدهنّ أن يكون بمعنى ٱتلُ. والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين وٱختار الفتح للإتباع؛ ولأنه أخفّ الحركات. والثالث أن يكون منصوباً على القسم بغير حرف؛ كقولك: اللَّه لأفعلنّ، وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه صادَ محمدٌ قلوب الخلق وٱستمالها حتى آمنوا به. وقرأ ٱبن أبي إسحاق أيضاً «صادٍ» بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضاً على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. ويجوز أن يكون مشبهاً بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السَّمَيْقَع: «صادُ» و «قافُ» و «نونُ» بضم آخرهن؛ لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذُ وقطُ وقبلُ وبعدُ. و «صۤ» إذا جعلته ٱسماً للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إذا سميت مؤنثاً بمذكر لا ينصرف وإن قلّت حروفه. وقال ٱبن عباس وجابر بن عبد اللّه وقد سئلا عن «صۤ» فقالا: لا ندري ما هي. وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ٱبن عباس عن «صۤ» فقال: «صۤ» كان بحراً بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال سعيد بن جبير: «صۤ» بحر يُحيي اللّه به الموتى بين النفختين. وقال الضحاك: معناه صدق اللّه. وعنه أن «صۤ» قسم أقسم اللّه به وهو من أسمائه تعالى. وقال السدي، وروي عن ٱبن عباس. وقال محمد بن كعب: هو مفتاح أسماء اللّه تعالى صمدُ وصانعُ المصنوعات وصادقُ الوعد. وقال قتادة: هو ٱسم من أسماء الرحمن. وعنه أنه ٱسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: هو فاتحة السورة. وقيل: هو مما ٱستأثر اللّه تعالى بعلمه، وهو معنى القول الأوّل. وقد تقدّم جميع هذا في «البقرة». قوله تعالى: {وَٱلْقُرْآنِ} خفض بواو القسم والواو بدل من الباء؛ أقسم بالقرآن تنبيهاً على جلالة قدره؛ فإن فيه بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. {ذِي ٱلذِّكْرِ} خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو ٱسم معتل والأصل فيه ذَوَى على فَعَل. قال ٱبن عباس ومقاتل معنى «ذِي الذِّكْرِ» ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف أي من آمن به كان شرفاً له في الدارين؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي شرفكم. وأيضاً القرآن شريف في نفسه لإعجازه وٱشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل: «ذِي الذِّكْرِ» أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين. وقيل: «ذِي الذِّكْرِ» أي فيه ذكر أسماء اللّه وتمجيده. وقيل: أي ذي الموعظة والذكر. وجواب القسم محذوف. وٱختلف فيه على أوجه: فقيل جواب القسم «صۤ»؛ لأن معناه حقّ فهي جواب لقوله: {وَٱلْقُرْآنِ} كما تقول: حقًّا واللّهِ، نزل واللّهِ، وجب واللّهِ،؛ فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} حسَنّا، وعلى «في عِزَّةِ وَشِقَاقٍ» تماما. قاله ٱبن الأنباري. وحكى معناه الثعلبي عن الفراء. وقيل: الجواب «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ» لأن «بل» نفي لأمر سبق وإثبات لغيره؛ قاله القتبيّ؛ فكأنه قال: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. أو «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق. وهو كقوله: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوۤاْ} تفسير : [قۤ: 1]. وقيل: الجواب «كَمْ أَهْلَكْنَا» كأنه قال: والقرآنِ لَكَمْ أهلكنا؛ فلما تأخرت «كَمْ» حذفت اللام منها؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا }تفسير : [الشمس: 1] ثم قال: «قَدْ أَفْلَحَ» أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء. ٱبن الأنباري: فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: «فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ». وقال الأخفش: جواب القسم {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ } تفسير : [صۤ: 14] ونحو منه قوله تعالى: {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }تفسير : [الشعراء: 97] وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ - إِن كُلُّ نَفْسٍ}تفسير : [الطارق:1-4]. ٱبن الأنباري: وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص. وقال الكسائي: جواب القسم قوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ }تفسير : [صۤ: 64]. ٱبن الأنباري: وهذا أقبح من الأوّل؛ لأن الكلام أشدّ طولاً فيما بين القسم وجوابه. وقيل الجواب قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ }تفسير : [صۤ: 54]. وقال قتادة: الجواب محذوف تقديره «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» لتبعثنّ ونحوه. قوله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ} أي في تكبر وٱمتناع من قبول الحق؛ كما قال جل وعز: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} تفسير : [البقرة: 206] والعزّة عند العرب: الغَلَبة والقَهْر. يقال: من عَزَّ بَزَّ؛ يعني من غَلَب سَلَب. ومنه: «وَعَزَّنِي في الخِطْابِ» أراد غلبني. وقال جرير:شعر : يَعُزُّ عَلَى الطريق بِمَنْكِبيهِ كما ٱبْتَرَك الخْلِيعُ على القِداحِ تفسير : أراد يغلب. {وَشِقَاقٍ} أي في إظهار خلاف ومباينة. وهو من الشَّق كأنّ هذا في شَقّ وذلك في شَقّ. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي من قوم كانوا أمنع من هؤلاء. و«كَمْ» لفظة التكثير {فَنَادَواْ} أي بالاستغاثة والتوبة. والنداء رفع الصوت؛ ومنه الخبر: «حديث : ألقِه على بلالٍ فإنّه أَنْدى منك صوتاً» تفسير : أي أرفع. {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل. النحاس: وهذا تفسير منه لقوله عز وجل: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ٱبن عباس: «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» قال: ليس بحين نَزْوٍ ولا فِرار؛ قال: ضُبِط القوم جميعاً قال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فٱضطروا قال بعضهم لبعض مناص؛ أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص؛ فقال اللّه عز وجل: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال القشيري: وعلى هذا فالتقدير: فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه؛ أي ليس الوقت وقت ما تنادون به. وفي هذا نوع تحكم؛ إذ يبعد أن يقال: كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار. وقيل: المعنى «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» أي لا خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه. قال القشيري: وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا مناص؛ أي ساعة لا منجىً ولا فوت. فلما قدم «لا» وأخّر «حين» ٱقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا؛ مثل قولك جاء زيد راكباً؛ فإذا جعلته مبتدأ وخبرا ٱقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله: {فَنَادَواْ}. والمناص بمعنى التأخر والفِرار والخلاص؛ أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص. قال الفرّاء:شعر : أَمِنْ ذكر ليلى إذ نَأتكَ تَنُوصُ تفسير : يقال: ناص عن قِرْنه يَنُوص نَوْصاً ومناصاً أي فَرَّ وزاغ. النحاس: ويقال: ناص ينوص إذا تقدم. قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، والنَّوْص الحمار الوحشي. وٱستناص أي تأخر؛ قاله الجوهري. وتكلم النحويون في «وَلاَتَ حِينَ» وفي الوقف عليه، وكثّر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلاّم في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيراً مردود. فقال سيبويه: «لات» مشبّهة بليس والاسم فيها مضمر؛ أي ليست أحياننا حين مناص. وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول: ولات حِينُ مناصٍ. وحكي أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفاً كما كان الاسم محذوفاً في النصب؛ أي ولات حينُ مناصٍ لنا. والوقف عليها عند سيبويه والفراء «ولات» بالتاء ثم تبتدىء «حِينَ مَنَاصٍ» وهو قول ٱبن كيسان والزجاج. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه؛ لأنه شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء وَلاْه. وهو قول المبردّ محمد بن يزيد. وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ثُمَّهْ ورُبَّهْ. وقال القشيري: وقد يقال ثُمَّتْ بمعنى ثُمَّ، ورُبَّتْ بمعنى رُبَّ؛ فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثُمَّ ثُمَّهْ ثم عند الوصل صارت تاء. وقال الثعلبي: وقال أهل اللغة: و «لاَتَ حِينَ» مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، وإنما هي «لا» زيدت فيها التاء نحو ربّ ورُبّتْ، وثمّ وثُمّتْ. قال أبو زبيد الطائي:شعر : طَلَبُوا صُلْحَنا ولاَتَ أَوَانِ فأَجَبْنَا أَنْ ليس حينَ بقَاءِ تفسير : وقال آخر:شعر : تذكَّر حُبَّ ليلى لاَتَ حِينَا وأمسى الشَّيْبُ قد قَطَعَ الْقَرينا تفسير : ومن العرب من يخفض بها؛ وأنشد الفراء:شعر : فَلَتَعْرِفَنّ خَلاَئقًا مَشْمُولَةً ولَتَنْدَمَنَّ ولاَتَ ساعةِ مَنْدَمِ تفسير : وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن «وَلاَتَ حِينَ» التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست. وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنَّى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: الوقف عندي على هذا الحرف «ولا» والابتداء «تحين مناصٍ» فتكون التاء مع حين. وقال بعضهم: «لات» ثم يبتدىء فيقول: «حين مناصٍ». قال المهدوي: وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين. ومن حجة أبي عبيد أن قال: إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن؛ وأنشد لأبي وَجْزَةَ السعدي:شعر : العاطفُون تَحِينَ ما مِنْ عاطِفٍ والمُطْعِمون زَمانَ أَيْنَ الْمُطْعِمُ تفسير : وأنشد لأبي زبيد الطائي:شعر : طلبوا صلحنا ولا تأوانِ فأجبنا أن ليس حين بقاءِ تفسير : فأدخل التاء في أوان. قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ٱبن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فذكر مناقبه ثم قال: ٱذهبْ بها تَلاَنَ معك. وكذلك قول الشاعر:شعر : نَوِّلِي قَبل نأَيِ دَارِي جُمانا وصِـلِينا كما زَعمْتِ تَلاناً تفسير : قال أبو عبيد: ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام ـ مصحف عثمان ـ فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين. قال أبو جعفر النحاس: أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده؛ وفي أحدها تقديران؛ رواه أبو العباس محمد بن يزيد:شعر : العاطِفونَ ولاتَ ما مِن عاطِفٍ تفسير : والرواية الثانية:شعر : العاطِفونَ ولاَتَ حِينِ تَعاطفٍ تفسير : والرواية الثالثة رواها ابن كيسان:شعر : العاطِفونَةَ حِينَ ما مِن عاطِفٍ تفسير : جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث. الرواية الرابعة:شعر : العاطِفونهُ حين ما مِن عاطِفٍ تفسير : وفي هذه الرواية تقديران؛ أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب؛ كما تقول: الضاربون زيداً فإذا كنّيت قلت الضاربوه. وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونهُ، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر العاطفونهْ على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مرّ بنا المسلمونهْ في الوقف. ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف؛ كما قرأ أهل المدينة: {أية : مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ }تفسير : [الحاقة: 28 ـ 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه؛ لأنه يوقف عليه (ولات أوان) غير أن فيه شيئاً مشكلاً؛ لأنه يروى (ولات أوانِ) بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعاً أو منصوباً. وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ «ولاتِ حِينِ مناصِ» (بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ «ولاتِ حينَ مناص») فبنى «لاتِ» على الكسر ونصب «حين». فأما «ولاَتَ أوانِ» ففيه تقديران؛ قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان. قال النحاس: وهذا القول بيّن الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال: تقديره ولات أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين. وأنشده محمد بن يزيد (ولات أوانُ) بالرفع. وأما البيث الثالث فبيت مولّد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة. على أن محمد بن يزيد رواه (كما زعمت الآن). وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن. فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما ٱحتجاجه بحديث ٱبن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له: ٱذهب بها تَلاَنَ إلى أصحابك فلا حجة فيه؛ لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى. والدليل على هذا أن مجاهداً يروي عن ٱبن عمر هذا الحديث وقال فيه: ٱذهب فٱجهد جهدك. ورواه آخر: ٱذهب بها الآن معك. وأما ٱحتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحِينَ». فلا حجة فيه؛ لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفاً لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها «وَلاَتَ» فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعاً. وجمع مناص مناوص.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ست أو ثمان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ص} وقرىء بالكسر لالتقاء الساكنين، وقيل إنه أمر من المصاداة بمعنى المعارضة، ومنه الصدى فإنه يعارض الصوت الأول أي عارض القرآن بعملك، وبالفتح لذلك أو لحذف حرف القسم وإيصال فعله إليه، أو إضماره والفتح في موضع الجر فإنها غير مصروفة لأنها علم السورة وبالجر والتنوين على تأويل الكتاب. { وَٱلْقُرْءانِ ذِى الذَّكْرِ } الواو للقسم إن جعل {ص } اسماً للحرف أو مذكور للتحدي، أو للرمز بكلام مثل صدق محمد عليه الصلاة والسلام، أو للسورة خبر المحذوف أو لفظ الأمر، وللعطف إن جعل مقسماً به كقولهم: الله لأفعلن بالجر والجواب محذوف دل عليه ما في {ص } من الدلالة على التحدي، أو الأمر بالمعادلة أي إنه لمعجز أو لواجب العمل به، أو إن محمداً صادق أو قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } به. {فِى عِزَّةٍ} أي استكبار عن الحق. {وَشِقَاقٍ } خلاف لله ورسوله ولذلك كفروا به، وعلى الأولين الإِضراب أيضاً من الجواب المقدر ولكن من حيث إشعاره بذلك والمراد بالذكر العظة أو الشرف والشهره، أو ذكر ما يحتاج اليه في الدين من العقائد والشرائع والمواعيد، والتنكير في {عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للدلالة على شدتهما، وقرىء في «غرة» أي غفلة عما يجب عليهم النظر فيه. {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } وعيد لهم على كفرهم به استكباراً وشقاقاً. {فَنَادَوْاْ } استغاثة أو توبة أو استغفاراً. {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } أي ليس الحين حين مناص، ولا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب، وثم خصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين، وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص، وقرىء بالرفع على أنه اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر أي ليس حين مناص حاصلاً لهم، أو لا حين مناص كائن لهم وبالكسر كقوله:شعر : طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلاَتَ أَوان فَأَجَبْنَا أَنَّ لاَتَ حِينَ بَقَاءِ تفسير : إما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في قوله:شعر : لَوْلاَكَ هَذَا العَامُ لَمْ أَحْجُج تفسير : أو لأن أوان شبه بإذ لأنه مقطوع عن الإِضافة إذ أصله أوان صلح، ثم حمل عليه {مَنَاصٍ } تنزيلاً لما أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد، إذ أصله يحن مناصهم ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن {وَّلاَتَ } بالكسر كجير، وتقف الكوفية عليها بالهاء كالأسماء والبصرية بالتاء كالأفعال. وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس إذ مثله لم يعهد فيه، والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل ولقوله:شعر : العَاطِفُونَ تَحِينَ لاَ مِنْ عَاطِف وَالُمْطعُمونَ زَمَانَ مَا مِنْ مُطْعمِ تفسير : والمناص المنجا من ناصه ينوصه إذا فاته. {وَعَجِبُواْ أَن جَاءَهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } بشر مثلهم أو أمي من عدادهم. {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضباً عليهم وذماً لهم، وإشعاراً بأن كفرهم جسرهم على هذا القول. {هَـٰذَا سَـٰحِرٌ } فِيمَا يظهره معجزة. {كَذَّابٌ } فيما يقوله على الله تعالى. {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } بأن جعل الألوهية التي كانت لهم لواحد. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا، وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقرىء مشدداً وهو أبلغ ككرام وكرام. وروي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على قريش، فأتوا أبا طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل عليهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ماذا يسألونني، فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال: «حديث : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم»تفسير : ، فقالوا: نعم وعشراً، فقال: «حديث : قولوا لا إله إلا الله»تفسير : ، فقاموا وقالوا ذلك.
ابن كثير
تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: {وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك في قوله تعالى: {ذِى ٱلذِّكْرِ} كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 10] أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي: {ذِى ٱلذِّكْرِ}: ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. واختلفوا في جواب هذا القسم، فقال بعضهم: هو قوله تعالى: { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} وقيل: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64] حكاهما ابن جرير. وهذا الثاني فيه بعد كبير، وضعفه ابن جرير، وقال قتادة: جوابه { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} واختاره ابن جرير، ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال: جوابه {صۤ} بمعنى صدق حق {وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم، وقوله تبارك وتعالى: { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي إن في هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {فِى عِزَّةٍ} أي: استكبار عنه وحمية، {وَشِقَاقٍ} أي: ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل، وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي: من أمة مكذبة {فَنَادَواْ} أي: حين جاءهم العذاب، استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى، وليس ذلك بمجد عنهم شيئاً؛ كما قال عز وجل: {أية : فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 12] أي: يهربون {أية : لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 13] قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله تبارك وتعالى: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال: ليس بحين نداء، ولا نزو، ولا فرار. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس بحين مغاث. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد: ــــ تذكر ليلى لات حين تذكر ــــ وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم، وقال قتادة: لما رأوا العذاب، أرادوا التوبة في غير حين النداء، وقال مجاهد: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} ليس بحين فرار ولا إجابة. وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة، وعن مالك عن زيد بن أسلم: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة، وهي لات، هي لا التي للنفي، زيدت معها التاء؛ كما تزاد في ثم، فيقولون: ثمت، ورب، فيقولون: ربت، وهي مفصولة، والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين (ولا تحين مناص) والمشهور الأول، ثم قرأ الجمهور بنصب حين، تقديره: وليس الحين حين مناص، ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:شعر : تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِيْنا وأَضْحى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرينا تفسير : ومنهم من جوز الجر بها وأنشد:شعر : طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ فَأَجَبْنا أَنْ لَيْس حين بقاءِ تفسير : وأنشد بعضهم أيضاً:شعر : ولاتَ ساعةِ مَنْدَمِ تفسير : بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: النوص التأخر، والبوص التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب. والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ص } الله أعلم بمراده به { وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ } أي البيان أو الشرف، وجواب هذا القسم محذوف أي ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدّد الآلهة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ص } قرأ الجمهور بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور، فإنها ساكنة الأواخر على الوقف. وقرأ أبيّ بن كعب، والحسن، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم، وابن أبي عبلة، وأبو السماك بكسر الدال من غير تنوين، ووجه الكسر أنه لالتقاء الساكنين، وقيل: وجه الكسر أنه من صادى يصادي إذا عارض، والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: عارضه بعملك، وقابله، فاعمل به، وهذا حكاه النحاس عن الحسن البصري، وقال: إنه فسر قراءته هذه بهذا، وعنه أن المعنى: أتله، وتعرّض لقراءته. وقرأ عيسى بن عمر: "صاد" بفتح الدال، والفتح لالتقاء الساكنين، وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه: صاد محمد قلوب الخلق، واستمالها حتى آمنوا به، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وروي عن ابن أبي إسحاق أيضاً: أنه قرأ: "صاد" بالكسر والتنوين تشبيهاً لهذا الحرف بما هو غير متمكن من الأصوات. وقرأ هارون الأعور، وابن السميفع: "صاد" بالضم من غير تنوين على البناء نحو: منذ، وحيث. وقد اختلف في معنى «صاد»، فقال الضحاك: معناه: صدق الله. وقال عطاء: صدق محمد. وقال سعيد بن جبير: هو: بحر يحيـي الله به الموتى بين النفختين. وقال محمد بن كعب: هو: مفتاح اسم الله. وقال قتادة: هو: اسم من أسماء الله. وروي عنه أنه قال: هو اسم من أسماء الرحمٰن. وقال مجاهد: هو: فاتحة السورة. وقيل: هو: مما استأثر الله بعلمه، وهذا هو الحقّ كما قدّمنا في فاتحة سورة البقرة. قيل: وهو إما اسم للحروف مسروداً على نمط التعبد، أو اسم للسورة، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب بإضمار اذكر، أو اقرأ، والواو في قوله: {وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} هي: واو القسم، والإقسام بالقرآن فيه تنبيه على شرف قدره، وعلوّ محله، ومعنى {ذِى ٱلذّكْرِ }: أنه مشتمل على الذكر الذي فيه بيان كل شيء. قال مقاتل: معنى {ذِى ٱلذّكْرِ }: ذي البيان. وقال الضحاك: ذي الشرف كما في قوله: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، وقيل: أي: ذي الموعظة. واختلف في جواب هذا القسم ما هو؟ فقال الزجاج، والكسائي، والكوفيون غير الفراء: إنه قوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ } تفسير : [صۤ: 64]، وقال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخره جدًّا عن قوله: {وَٱلْقُرْءانِ }، ورجح هو، وثعلب: أن الجواب قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا }، وقال الأخفش: الجواب هو: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}، وقيل: هو صاد، لأن معناه: حقّ، فهو: جواب لقوله: {وَٱلْقُرْءانِ } كما تقول: حقاً والله، وجب والله. ذكره ابن الأنباري، وروي أيضاً عن ثعلب، والفراء، وهو مبنيّ على أن جواب القسم يجوز تقدّمه، وهو ضعيف. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن ذي الذكر لتبعثنّ، ونحو ذلك. وقال ابن عطية: تقديره ما الأمر كما يزعم الكفار، والقول بالحذف أولى. وقيل: إن قوله: {ص } مقسم به، وعلى هذا القول تكون الواو في {وَٱلْقُرْءانِ } للعطف عليه، ولما كان الإقسام بالقرآن دالاً على صدقه، وأنه حقّ، وأنه ليس بمحل للريب قال سبحانه: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ }، فأضرب عن ذلك، وكأنه قال: لا ريب فيه قطعاً، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه. بل هم في عزّة عن قبول الحقّ، أي: تكبر، وتجبر. وشقاق، أي: وامتناع عن قبول الحقّ، والعزّة عند العرب: الغلبة، والقهر، يقال: من عزَّ بزَّ، أي: من غلب سلب، ومنه {أية : وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } تفسير : [صۤ: 23] أي: غلبني، ومنه قول الشاعر:شعر : يعزّ على الطريق بمنكبيه كما ابترك الخليع على القداح تفسير : والشقاق: مأخوذ من الشقّ، وقد تقدّم بيانه. ثم خوّفهم سبحانه، وهدّدهم بما فعله بمن قبلهم من الكفار، فقال: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } يعني: الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، أي: كم أهلكنا من الأمم الخالية الذين كانوا أمنع من هؤلاء، وأشدّ قوة، وأكثر أموالاً، وكم هي: الخبرية الدالة على التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به، و[من قرن] تمييز، و«من» في {مِن قَبْلِهِمُ } هي لابتداء الغاية. {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } النداء هنا: هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص. قال الحسن: نادوا بالتوبة، وليس حين التوبة، ولا حين ينفع العمل. والمناص مصدر ناص ينوص، وهو الفوت، والتأخر. ولات بمعنى: ليس، بلغة أهل اليمن. وقال النحويون: هي: لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم: ربّ، وربت، وثمّ وثمت قال الفراء: النوص: التأخر، وأنشد قول امرىء القيس:شعر : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص تفسير : قال: يقال: ناص عن قرنه ينوص نوصاً أي: فرّ، وزاغ. قال الفراء: ويقال: ناص ينوص: إذا تقدّم. وقيل: المعنى: أنه قال بعضهم لبعض: مناص، أي: عليكم بالفرار، والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا: مناص، فقال الله: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } قال سيبويه: لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي: ليس حيننا حين مناص. قال الزجاج: التقدير: وليس أواننا. قال ابن كيسان: والقول كما قال سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد، والأخفش. قال الكسائي، والفرّاء، والخليل، وسيبويه، والأخفش: والتاء تكتب منقطعة عن حين، وكذلك هي في المصاحف. وقال أبو عبيد: تكتب متصلة بحين، فيقال: (ولا تحين)، ومنه قول أبيّ، وجرة السعدي:شعر : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم تفسير : وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر:شعر : تذكر حبّ ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا تفسير : قال أبو عبيد: لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين، وأوان، والآن. قلت: بل قد يزيدونها في غير ذلك كما في قول الشاعر:شعر : فلتعرفن خلائقا مشمولة ولتندمنّ ولات ساعة مندم تفسير : وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلاً به على أن من العرب من يخفض بها، وجملة: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } في محل نصب على الحال من ضمير نادوا. قرأ الجمهور: {لات} بفتح التاء، وقرىء: "لات" بالكسر كجير {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } أي: عجب الكفار الذين وصفهم الله سبحانه بأنهم في عزّة وشقاق أن جاءهم منذر منهم، أي: رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمرّوا على الكفر، وأن وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض، أي: من أن جاءهم، وهو كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع من أنواع كفرهم {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } قالوا هذا القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، أي: هذا المدّعي للرسالة ساحر فيما يظهره من المعجزات كذاب فيما يدّعيه من أن الله أرسله. قيل: ووضع الظاهر موضع المضمر لإظهار الغضب عليهم وأن ما قالوه لا يتجاسر على مثله إلا المتوغلون في الكفر. ثم أنكروا ما جاء به صلى الله عليه وسلم من التوحيد، وما نفاه من الشركاء لله، فقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } أي: صيرها إلٰهاً واحداً، وقصرها على الله سبحانه {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } أي: لأمر بالغ في العجب إلى الغاية. قال الجوهري: العجيب: الأمر الذي يتعجب منه. وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، قرأ الجمهور: {عجاب} مخففاً. وقرأ عليّ، والسلمي وعيسى بن عمر، وابن مقسم بتشديد الجيم. قال مقاتل: عجاب يعني بالتخفيف لغة أزد شنوءة، قيل: والعجاب بالتخفيف والتشديد يدلان على أنه قد تجاوز الحدّ في العجب، كما يقال: الطويل الذي فيه طول. والطوال: الذي قد تجاوز حدّ الطول، وكلام الجوهري يفيد اختصاص المبالغة بعجاب مشدّد الجيم لا بالمخفف، وقد قدّمنا في صدر هذه السورة سبب نزول هذه الآيات. {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأَ مِنْهُمْ } المراد بالملأ: الأشراف كما هو مقرر في غير موضع من تفسير الكتاب العزيز، أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب كما تقدم قائلين: {أَنِ ٱمْشُواْ } أي: قائلين لبعضهم بعضاً امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دينه. {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءالِهَتِكُمْ } أي: اثبتوا على عبادتها، وقيل: المعنى: وانطلق الأشراف منهم، فقالوا للعوامّ: امشوا، واصبروا على آلهتكم، و «أن» في قوله: {أَنِ ٱمْشُواْ } هي: المفسرة للقول المقدّر، أو لقوله: {وانطلق}، لأنه مضمن معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية معمولة للمقدر، أو للمذكور، أي: بأن امشوا. وقيل: المراد بالانطلاق: الاندفاع في القول، وامشوا من مشت المرأة. إذا كثرت ولادتها، أي: اجتمعوا، وأكثروا، وهو بعيد جدًّا، وخلاف ما يدل عليه الانطلاق، والمشي بحقيقتهما، وخلاف ما تقدم في سبب النزول، وجملة {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء يُرَادُ } تعليل لما تقدمه من الأمر بالصبر، أي: يريده محمد بنا، وبآلهتنا، ويودّ تمامه، ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً، فيتحكم فينا بما يريد، فيكون هذا الكلام خارجاً مخرج التحذير منه، والتنفير عنه. وقيل: المعنى: إن هذا الأمر يريده الله سبحانه، وما أراده فهو كائن لا محالة، فاصبروا على عبادة آلهتكم. وقيل: المعنى: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب، ليؤخذ منكم، وتغلبوا عليه، والأوّل أولى. {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ } أي: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد في الملة الآخرة. وهي: ملة النصرانية، فإنها آخر الملل قبل ملة الإسلام، كذا قال محمد بن كعب القرظي، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، والسدي. وقال مجاهد: يعنون: ملة قريش، وروي مثله عن قتادة أيضاً. وقال الحسن: المعنى: ما سمعنا أن هذا يكون آخر الزمان. وقيل: المعنى: ما سمعنا من اليهود، والنصارى أن محمداً رسول {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } أي: ما هذا إلا كذب اختلقه محمد، وافتراه. ثم استنكروا أن يخصّ الله رسوله بمزية النبوّة دونهم، فقالوا: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا} والاستفهام للإنكار أي: كيف يكون ذلك، ونحن الرؤساء، والأشراف. قال الزجاج: قالوا: كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا، ونحن أكبر سناً، وأعظم شرفاً منه، وهذا مثل قولهم: {أية : لَوْلا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] فأنكروا أن يتفضل الله سبحانه على من يشاء من عباده بما شاء. ولما ذكر استنكارهم لنزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم دونهم بين السبب الذي لأجله تركوا تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فقال: {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى } أي: من القرآن، أو الوحي لإعراضهم عن النظر الموجب لتصديقه، وإهمالهم للأدلة الدالة على أنه حقّ منزل من عند الله {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } أي: بل السبب أنهم لم يذوقوا عذابي، فاغترّوا بطول المهلة، ولو ذاقوا عذابي على ما هم عليه من الشرك والشكّ لصدّقوا ما جئت به من القرآن، ولم يشكوا فيه. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } أي: مفاتيح نعم ربك، وهي النبوّة، وما هو دونها من النعم حتى يعطوها من شاءوا، فما لهم، ولإنكار ما تفضل الله به على هذا النبيّ، واختاره له، واصطفاه لرسالته. والمعنى: بل أعندهم، لأن أم هي المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة. والعزيز: الغالب القاهر. والوهاب: المعطي بغير حساب. {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: بل ألهم ملك هذه الأشياء حتى يعطوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ويعترضوا على إعطاء الله سبحانه ما شاء لمن شاء؟ وقوله: {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَاب} جواب شرط محذوف، أي: إن كان لهم ذلك، فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، أو إلى العرش حتى يحكموا بما يريدون من عطاء، ومنع، ويدبروا أمر العالم بما يشتهون، أو فليصعدوا، وليمنعوا الملائكة من نزولهم بالوحي على محمد صلى الله عليه وسلم. والأسباب: أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها، قاله مجاهد، وقتادة، ومنه قول زهير:شعر : ولو رام أسباب السماء بسلم تفسير : قال الربيع بن أنس: الأسباب: أدقّ من الشعر، وأشدّ من الحديد، ولكن لا ترى. وقال السدّي: {فِى ٱلاسْبَاب}: في الفضل، والدين. وقيل: فليعملوا في أسباب القوّة إن ظنوا أنها مانعة، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: الأسباب: الحبال، يعني: إن وجدوا حبالاً يصعدون فيها إلى السماء فعلوا، والأسباب عند أهل اللغة: كل شيء يتوصل به إلى المطلوب كائناً ما كان. وفي هذا الكلام تهكم بكم، وتعجيز لهم {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن ٱلأَحَزَابِ } هذا وعد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم، والظفر بهم، و{جند} مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم جند، يعني: الكفار، مهزوم: مكسور عما قريب، فلا تبال بهم، ولا تظن أنهم يصلون إلى شيء مما يضمرونه بك منا لكيد، و «ما» في قوله: {مَّا هُنَالِكَ } هي: صفة لجند لإفادة التعظيم، والتحقير، أي: جند أيّ جند. وقيل: هي زائدة، يقال: هزمت الجيش: كسرته، وتهزمت القرية: إذا تكسرت، وهذا الكلام متصل بما تقدّم، وهو قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تحزن لعزّتهم، وشقاقهم، فإني أسلب عزّهم، وأهزم جمعهم، وقد وقع ذلك، ولله الحمد في يوم بدر، وفيما بعده من مواطن الله. وقد أخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئل جابر بن عبد الله، وابن عباس عن {ص }، فقال: لا ندري ما هو. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: {صۤ} محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عنه {وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذِّكْر} قال: ذي الشرف. وأخرج أبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } قال: ليس بحين نزو، ولا فرار. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عنه في الآية قال: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد:شعر : تذكرت ليلى لات حين تذكر وقد بنت منها والمناص بعيد تفسير : وأخرج عنه أيضاً في الآية قال: ليس هذا حين زوال. وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عنه أيضاً قال: لا حين فرار. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ } الآية قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب، فكلموه في النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ } قال: أبو جهل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ } قال: النصرانية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَاب} قال: في السماء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ص} فيه تسعة تأويلات: أحدها: أنه فواتح الله تعالى بها القرآن، قاله مجاهد. الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثالث: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، قاله ابن عباس. الرابع: أنه حرف هجاء من أسماء الله تعالى، قاله السدي. الخامس: أنه بمعنى صدق الله، قاله الضحاك. السادس: أنه من المصادة وهي المعارضة ومعناه عارض القرآن لعلمك، قاله الحسن. السابع: أنه من المصادة وهي الاتباع ومعناه اتبع القرآن بعلمك، قاله سفيان. {والقرآن ذي الذكر} فيه أربعة تأويلات: أحدها: ذي الشرف، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي. الثاني: بالبيان، قاله قتادة. الثالث: بالتذكير، قاله الضحاك. الرابع: ذكر ما قبله من الكتب، حكاه ابن قتيبة. قال قتادة: ها هنا وقع القسم. واختلف أهل التأويل في جوابه على قولين: أحدهما: أن جواب القسم محذوف وحذفه أفخم له لأن النفس تذهب فيه كل مذهب. ومن قال بحذفه اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن تقدير المحذوف منه لقد جاء الحق. الثاني: تقديره ما الأمر كما قالوا. والقول الثاني: من الأصل أن جواب القسم مظهر، ومن قال بإظهاره اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: قوله تعالى {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} قاله الفراء. الثاني: من قوله تعالى {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} وهو قول مقاتل. أحدها: يعني في حمية وفراق، قاله قتادة. الثاني: في تعزز واختلاف، قاله السدي. الثالث: في أنفة وعداوة. ويحتمل رابعاً: في امتناع ومباعدة. {كم أهلكنا مِن قَبْلِهم} يعني قبل كفار هذه الأمة. {من قرن} فيه قولان: أحدهما: يعني من أمة، قاله أبو مالك. الثاني: أن القرن زمان مقدور وفيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه عشرون سنة، قاله الحسن. الثاني: أربعون سنة، قاله إبراهيم. الثالث: ستون سنة، رواه أبو عبيدة الناجي. الرابع: سبعون سنة، قاله قتادة. الخامس: ثمانون سنة، قاله الكلبي. السادس: مائة سنة، رواه عبد الله بن بشر عن النبي صلى الله عليه وسلم. السابع: عشرون ومائة سنة، قاله زرارة بن أوفى. قوله عز وجل: {فنادوا ولات حين مناص} يحتمل وجهين: أحدهما: استغاثوا. الثاني: دعوا. ولات حين مناص التاء من لات مفصولة من الحاء وهي كذلك في المصحف، ومن وصلها بالحاء فقد أخطأ. وفيها وجهان: أحدها: أنها بمعنى لا وهو قول أبي عبيدة. الثاني: أنها بمعنى ليس ولا تعمل إلا في الحين خاصة، قال الشاعر: شعر : تذكر حب ليلى لات حيناً وأضحى الشيب قد قطع القرينا تفسير : وفي تأويل قوله تعالى {ولات حين مناص} خمسة أوجه: أحدها: وليس حين ملجأ، قاله زيد بن أسلم. الثاني: وليس حين مَغاث، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنه قول علي رضي الله عنه في رجز له: شعر : لأصبحنّ العاصي بن العاصي سبعين ألفاً عاقِدي النواصي قد جنبوا الخيل على الدلاصِ آساد غيل حين لا مناص تفسير : الثالث: وليس حين زوال، وراه أبو قابوس عن ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : فهم خشوع لدية لا مناص لهم يضمهم مجلس يشفي من الصيد تفسير : الرابع: وليس حين فرار، قاله عكرمة والضحاك وقتادة قال الفراء مصدر من ناص ينوص. والنوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم وأنشد قول امريء القيس: شعر : أمِن ذكر ليلى إن نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص تفسير : فجمع في هذا البيت بين البوص والنوص فهو بالنون التأخر وبالباء التقدم. الخامس: أن النوص بالنون التقدم، والبوص بالباء التأخر، وهو من الأضداد، وكانوا إذا أحسوا في الحرب بفشل قال بعضهم لبعض: مناص: أي حملة واحدة، فينجو فيها من نجا ويهلك فيها من هلك، حكاه الكلبي: فصار تأويله على هذا الوجه ما قاله السدي أنهم حين عاينوا الموت لم يستطيعوا فراراً من العذاب ولا رجوعاً إلى التوبة.
ابن عطية
تفسير : قرأ الحسن وأبي بن كعب وابن أبي إسحاق: "صادِ" بكسر الدال على أنه أمر من صادى يصادي إذا ضاهى وماثل، أي صار كالصدى الذي يحكي الصياح، والمعنى: ماثل القرآن بعلمك وقارنه بطاعتك، وهكذا فسر الحسن، أي انظر أين عملك منه، وقال جمهور الناس: إنه حرف المعجم المعروف، ويدخله ما يدخل سائر أوائل السور من الأقوال، ويختص هذا الموضع بأن قال بعض الناس: معناه صدق محمد، وقال الضحاك معناه: صدق الله، وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد صادق الوعد، صانع المصنوعات، وقرأها الجمهور: "صادْ" بسكون الدال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف عنه "صادٍ" بكسر الدال وتنوينها على القسم، كما تقول: الله لأفعلن. وحكى الطبري وغيره عن ابن أبي إسحاق: "صادِ" بدون تنوين، وألحقه بقول العرب: خاث باث، وخار وباز. وقرأت فرقة منها عيسى بن عمر: "صادَ" بفتح الدال، وكذلك يفعل في نطقه بكل الحروف، يقول: قافَ، ونونَ، ويجعلها كأين وليت: قال الثعلبي، وقيل معناه: صاد محمد القلوب، بأن استمالها للإيمان. وقوله: {والقرآن ذي الذكر} قسم. وقال السدي وابن عباس وسعيد بن جبير، معناه ذي الشرف الباقي المخلد. وقال قتادة والضحاك: ذي التذكرة للناس والهداية لهم. وقالت فرقة معناه: ذي الذكر لأمم والقصص والغيوب. وأما جواب القسم فاختلف فيه، فقالت فرقة: الجواب في قوله: {ص} إذ هو بمعنى صدق محمد، أو صدق الله. وقال الكوفيون والزجاج، الجواب قوله: {أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} تفسير : [ص: 64]. وقال بعض البصريين ومنهم الأخفش، الجواب في قوله: {أية : إن كل إلا كذب الرسل} تفسير : [ص: 14]. قال القاضي أبو محمد :وهذان القولان بعيدان. وقال قتادة والطبري: الجواب مقدر قبل بل، وهذا هو الصحيح، تقديره: والقرآن ما الأمر كما يزعمون، ونحو هذا من التقدير فتدبره. وحكى الزجاج عن قوم أن الجواب قوله: {كم أهلكنا} وهذا متكلف جداً. والعزة هنا: المعازة والمغالبة. والشقاق: نحوه أي هم في شق، والحق في شق. و: {كم} للتكثير، وهي خبر فيه مثال ووعيد، وهي في موضع نصب بـ {أهلكنا}. والقرن الأمة من الناس يجمعها زمن احد، وقد تقدم تحريره مراراً. وقوله: {فنادوا} معناه: مستغيثين، والمعنى أنهم فعلوا ذلك بعد المعاينة فلم ينفع ذلك، ولم يكن في وقت نفع. {ولات} بمعنى: ليس، واسمها مقدر عند سيبويه، تقديره ولات الحين حين مناص، وهي: لا (لحقتها: تاء، كما تقول) ربت وثمت. قال الزجاج: وهي كتاء جلست وقامت، تاء الحروف كتاء الأفعال دخلت على ما لا يعرب في الوجهين، ولا تستعمل "لا" مع التاء إلا في الحين والزمان والوقت ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر [محمد بن عيسى بن طلحة]: [الكامل] شعر : لات ساعة مندم تفسير : وقال الآخر: [الوافر] شعر : تذكر حب ليلى لات حينا وأضحى الشيب قد قطع القرينا تفسير : وأنشد بعضهم في هذا المعنى: [الخفيف] شعر : طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء تفسير : وأنشد الزجاج بكسر التاء، وهذا كثير، قراءة الجمهور: فتح التاء من: "لاتَ" والنون من: "حينَ" وروي عن عيسى كسر التاء من: "لاتِ" ونصب النون. وروي عنه أيضاً: "حينِ" بكسر النون، واختلفوا في الوقف على: {لات} فذكر الزجاج أن الوقف بالتاء، ووقف الكسائي بالهاء، ووقف قوم واختاره أبو عبيد على "لا"، وجعلوا التاء موصولة بـ {حين}، فقالوا "لا تحين"، وذكر أبو عبيد أنها كذلك في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويحتج لهذا بقول أبي وجزة: [الكامل] شعر : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم تفسير : يمدح آل الزبير. وقرأ بعض الناس: "لات حينُ" برفع النون من: {حين} على إضمار الخبر. والمناص: المفر، ناص ينوص، إذا فات وفر، قال ابن عباس: المعنى ليس بحين نزو ولا فرار ضبط القوم. والضمير في: {عجبوا} لكفار قريش، واستغربوا أن نبىء بشر منهم فأنذرهم، وأن وحد إلهاً، وقالوا: كيف يكون إله واحد يرزق الجميع وينظر في كل أمرهم؟ و: {عجاب} بناء مبالغة، كما قالوا سريع وسراع، وهذا كثير. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: "عجّاب" بشد الجيم، ونحوه قول الرجز: [الراجز] شعر : جاؤوا بصيد عجب من العجب أزيد والعينين طوال الذنب تفسير : وقد قالوا: رجل كرام، أي كريم.
ابن عبد السلام
تفسير : {صۤ} اسم للقرآن، أو لله أقسم به "ع"، أو فواتح افتتح بها القرآن، أو حرف من هجاء أسماء الله ـ تعالى ـ، أو صدق الله، أو من المصاداة وهي المعارضة أي عارض القرآن بعملك، أو من المصاداة وهي الاتباع أي اتبع القرآن بعملك. {ذِى الذِّكْرِ} الشرف "ع"، أو البيان، أو التذكير، أو ذكر ما قبله من المكتب وجواب القسم. {أية : بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ}تفسير : [ص: 2] أو {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64]، أو حذف جوابه تفخيماً لتذهب النفس فيه كل مذهب، وتقدير المحذوف " قد جاء بالحق"، أو " ما الأمر كما قالوا".
النسفي
تفسير : {ص} ذكر هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه كأنه قال { وَٱلْقُرْءَآنِ ذِى ٱلذِّكْرِ} أي ذي الشرف إنه لكلام معجز، ويجوز أن يكون {ص } خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم للسورة كأنه قال: هذه ص أي هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر كما تقول: هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله، وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت بـ {ص وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذّكْرِ } إنه لمعجز. ثم قال {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ } تكبر عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق {وَشِقَاقٍ } خلاف لله ولرسوله. والتنكير في {عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقريء {فِى غرة} أي في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق { كَمْ أَهْلَكْنَا } وعيد لذوي العزة والشقاق {مِن قَبْلِهِمُ } من قبل قومك {مِّن قَرْنٍ } من أمة {فَنَادَوْاْ } فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب {وَّلاَتَ } هي «لا» المشبهة بـ «ليس» زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على «رب» و«ثم» للتوكيد، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا أحد مقتضييها إما الاسم أو الخبر وامتنع بروزهما جميعاً وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها «لا» النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان. وقوله {حِينَ مَنَاصٍ } منجا منصوب بها كأنك قلت: ولا حين مناص لهم. وعندهما أن النصب على تقدير ولات الحين. حين مناص أي وليس الحين حين مناص. {وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم } من أن جاءهم {مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ } رسول من أنفسهم ينذرهم يعني استبعدوا أن يكون النبي من البشر {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } ولم يقل «وقالوا» إظهاراً للغضب عليهم ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر المنهمكون في الغي إذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من صدّقه الله كاذباً ساحراً ويتعجبوا من التوحيد وهو الحق الأبلج. ولا يتعجبوا من الشرك وهو باطل لجلج. ورُوي أن عمر رضي الله عنه لما أسلم فرح به المؤمنون وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: أنت كبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء ـ يريدون الذين دخلوا في الإسلام ـ وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال عليه السلام: ماذا يسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال عليه السلام: أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ قالوا: نعم وعشراً أي نعطيكها وعشر كلمات معها. فقال: قولوا لا إله إلا الله. فقاموا وقالوا {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } أي أصيّر {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } أي بليغ في العجب. وقيل: العجيب ما له مثل والعجاب ما لا مثل له. {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ }وانطلق أشراف قريش عن مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد قائلين بعضهم لبعض {أَنِ ٱمْشُواْ } و«أن» بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم فكان انطلاقهم متضمناً معنى القول {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ } عبادة {ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا} الأمر {لَشَىْءٌ يُرَادُ } أي يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا } بالتوحيد {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ } في ملة عيسى التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثه غير موحدة، أو في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا {إِن هَذَا } ما هذا {إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه {أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ } القرآن {مِّن بَيْنِنَا } أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم وينزل عليه الكتاب من بينهم حسداً {بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى } من القرآن {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } بل لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ أي أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب فيصدقون حينئذ {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا ويصرفوها عمن شاءوا، ويتخيروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد، وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته. ثم رشح هذا المعنى فقال {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا } حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء. ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَٰبُ } فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي إلى من يختارون. ثم وعد نبيه عليه السلام النصرة عليهم بقوله. {جُندٌ } مبتدأ {مَّا } صلة مقوية للنكرة المبتدأة {هُنَالِكَ } إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله لست {هُنَالِكَ } خبر المبتدأ {مَهْزُومٌ } مكسور {مِّن ٱلأَحَزَابِ } متعلق بـ {جُندٌ } أو بـ {مَهْزُومٌ } يريد ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله مهزوم عما قريب، فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل أهل مكة {قَوْمُ نُوحٍ } نوحاً {وَعَادٌ } هوداً {وَفِرْعَوْن} موسى {ذُو ٱلأَوْتَادِ } قيل: كانت له أوتاد وجبال يلعب بها بين يديه. وقيل: يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه {وَثَمُودُ } وهم قوم صالح صالحاً {وَقَوْمُ لُوطٍ } لوطاً {وَأَصْحَـٰبُ لـئَيْكَةِ } الغيضة شعيباً {أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ } أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم وأنهم الذين وجد منهم التكذيب {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ } ذكر تكذيبهم أولاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام حيث لم يبين المكذب، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها وبيّن المكذَّب وهم الرسل، وذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم. وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولاً وبالاستثنائية ثانياً وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد، أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب وأبلغه، ثم قال {فَحَقَّ عِقَابِ } أي فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم. {عذابي } و{عقابي} في الحالين: يعقوب. {عِقَابِ وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآءِ } وما ينتظر أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } أي النفخة الأولى وهي الفزع الأكبر {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } وبالضم: حمزة وعلي، أي ما لها من توقف مقدار فواق وهو ما بين حلبتي الحالب أي إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدر إلى ضرعها يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا } حظنا من الجنة لأنه عليه السلام ذكر وعد الله المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذي وعدته كقوله: {أية : ويستعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ }تفسير : [الحج: 47]. وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه من قطه إذا قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } فيك وصن نفسك أن تزلّ فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم. {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقي من عتاب الله ما لقي {ذَا ٱلأَيْدِ } ذا القوة في الدين وما يدل على أن الأيد القوة في الدين قوله {إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي رجاع إلى مرضاة الله تعالى، وهو تعليل لذي الأيد. رُوي أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل {إنّا سخّرنا} ذللنا {ٱلجِبَالَ مَعَهُ } قيل: كان تسخيرها أنها تسير معه إذا أراد سيرها إلى حيث يريد {يُسَبِّحْنَ } في معنى مسبحات على الحال. واختار {يُسَبّحْنَ } على «مسبحات» ليدل على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال {بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإشْرَاقِ } أي طرفي النهار، والعشي وقت العصر إلى الليل، والإشراق وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها تقول: شرقت الشمس ولمَّا تُشْرِق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً } وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } كل واحد من الجبال والطير لأجل داود أي لأجل تسبيحه مسبح لأنها كانت تسبح لتسبيحه. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب وهو التواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته من عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه. وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجّع للتسبيح {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } قويناه. قيل: كان يبيت حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل يحرسونه. {وءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ} الزبور وعلم الشرائع. وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ } علم القضاء وقطع الخصام والفصل بين الحق والباطل. والفصل هو التمييز بين الشيئين. وقيل: للكلام البين فصل بمعنى المفصول كضرب الأمير، وفصل الخطاب البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه، وجاز أن يكون الفصل بمعنى الفاصل كالصوم والزور. والمراد بفصل الخطاب الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل، وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير الملك والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: هو الحكم بالبينة على المدعي واليمين على المدعي عليه، وهو من الفصل بين الحق والباطل. وعن الشعبي: هو قوله «أما بعد» وهو أول من قال «أما بعد»، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله «أما بعد». {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ } ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة. والخصم الخصماء وهو يقع على الواحد والجمع لأنه مصدر في الأصل تقول خصمه خصماً. وانتصاب {إِذْ } بمحذوف تقديره: وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم أو بالخصم ملا فيه من معنى الفعل {تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } تصعدوا سوره ونزلوا إليه، والسور الحائط المرتفع، والمحراب الغرفة أو المسجد أو صدر المسجد.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ص} قيل هو قسم وقيل اسم للسورة وقيل مفتاح اسمه الصمد وصادق الوعد والصبور وقيل معناه صدق الله وعن ابن عباس صدق محمد صلى الله عليه وسلم {والقرآن ذي الذكر} قال ابن عباس أي ذي البيان وقيل ذي الشرف وهو قسم قيل وجوابه قد تقدم وهو قوله تعالى: {ص} أقسم الله سبحانه وتعالى بالقرآن إن محمداً صلى الله عليه وسلم لصادق وقيل جواب القسم محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما تقول الكفار دل على هذا المحذوف, قوله تعالى: {بل الذين كفروا} وقيل بل الذين كفروا موضع القسم وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا {في عزة وشقاق} والقرآن ذي الذكر وقيل جوابه {أية : إن كل إلا كذب الرسل} تفسير : [ص: 14] وقيل جوابه {أية : إن هذا لرزقنا} تفسير : [ص: 54] وقيل {أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} تفسير : [ص: 64] وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وهذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقيل بل لتدارك كلام ونفي آخر ومجاز الآية أن الله تعالى أقسم بص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا من أهل مكة في عزة أي حمية وجاهلية وتكبر عن الحق وشقاق أي خلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني من الأمم الخالية {فنادوا} أي استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة {ولات حين مناص} أي ليس الحين حين فرار وتأخر قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا مناص فأنزل الله عز وجل: {ولات حين مناص} أي ليس الحين حين هذا القول.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أو أنزل} بالواو مثل {أونبئكم} [الآية: 15] في آل عمران {عذابي} و{عقابي} بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل {أيكة} مذكور في "الشعراء" {من فواق} بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالفتح {ولي نعجة} بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي {فتناه} بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس {لتدبروا} بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي. الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال {إني أحببت} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو {والرياح} مجموعة: يزيد. الوقوف: {ذي الذكر} ط {وشقاق} ه {مناص} ه {منهم} ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان {كذاب} ج للاستفهام واتحاد العامل {واحداً} ج لمثل ما مر {عجاب} ه {آلهتكم} ج لما مر {يراد} ج ه لذلك {الآخرة} ج لذلك {اختلاق} ه ج لما قلنا {من بيننا} ط {من ذكري} ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد {عذاب} ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار {الوهاب} ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار {الأسباب} ه {الأحزاب} ه {الأوتاد} ه لا {الأيكة} ط {الأحزاب} ه {عقاب} ه {فواق} ه {الحساب} ه {الأيد} ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل {أوّاب} ه {والإشراق} ه {أوّاب} ه {الخطاب} ه {الخصم} م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا {المحراب} ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى {لا تخف} ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول {الصراط} ه {في الخطاب} ه {نعاجه} ج {ما هم} ط {وأناب} ه {ذلك} ط {مآب} ه {عن سبيل الله} الأولى ط {الحساب} ه {باطلاً} ط {كفروا} ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب {النار} ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار. {كالفجار} ه {الألباب} ه {سليمان} ط {العبد} ط {أوّاب} ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف {ربي} ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت {بالحجاب} 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق. {والأعناق} ه {أناب} ه {بعدي} لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك {الوهاب} ه {اصاب} ه {وغوّاص} ه {الأصفاد} ه {حساب} ه {مآب} ه. التفسير:عن ابن عباس أن {ص} بحر عليه عرش الرحمن. وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. وقيل: صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به عن الله. وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين. وقيل: صدّ محمد صلى الله عليه وسلم قلوب العباد. وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ {ص} بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه. والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد. ويجوز إن كان {ص} اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله. ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله. ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر. ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب. ثم خوف الكفار بقوله {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات} أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك. وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا} ولهذا قال {ولات حين مناص} أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي. قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص. ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم. وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء. وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: شعر : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم تفسير : وإلى هذا ذهب أبو عبيدة. وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين. وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه. أما الوقف على {لات} فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال. والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات. قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله {ولات حين مناص}. ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي من جنس البشر. ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً {وقال الكافرون هذا ساحر} في إظهار خوارق العادات {كذاب} على الله. وإنما قيل في سورة ق {أية : فقال الكافرون} تفسير : [الآية: 2] بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى {أجعل الآلهة} أي صيرها وحكم عليها بالوحدة {إن هذا لشيء عجاب} بليغ في العجب. يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فدعا أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال: ماذا يسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك. فقال صلى الله عليه وسلم: أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله. فنفروا من ذلك وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً} كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات. يعني من أول السورة إلى قوله {كذبت قبلهم} {وانطلق الملأ منهم} أي نهضوا من ذلك المجلس و{أن} مفسرة أي {امشوا} من غير أن يتلفظوا به {واصبروا على} عبادة {آلهتكم}. قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم. وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا. وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول. وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر. وقيل: امشوا واتركوا محمداً صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل. وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة {إن هذا} الأمر وهو استعلاء محمد صلى الله عليه وسلم {لشيء يراد} أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم. وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه. وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد. {ما سمعنا بهذا} أي بقول محمد صلى الله عليه وسلم {في الملة الآخرة} فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة. قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ {سمعنا} والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله. {إن هذا إلا اختلاق} كذب اختلقه من عنده. ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين {أأنزل عليه الذكر من بيننا} وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر {أية : أألقي الذكر عليه من بيننا} تفسير : [القمر: 25] إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة. وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله {بل هم في شك من ذكري} اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك. وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي. ثم قال {بل لما يذوقوا عذاب} أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات. وقيل: أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه صلى الله عليه وسلم فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب. ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله {أم عندهم خزائن رحمة ربك} والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده. ثم خصص بعد التعميم قائلاً {أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما} ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى. ثم تهكم بهم بقوله {فليرتقوا} اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود. وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها. قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي. ثم حقر أمرهم بقوله {جند مّا} وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود. ثم خصص الوصف بقوله {من الأحزاب} أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم. قال قتادة {هنالك} إشارة إلى يوم بدر. وقيل: يوم الخندق. وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات. وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك". ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً. والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده. وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها. وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة. وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره. وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب. وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها. وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه. قال أبو البقاء: قوله {أولئك الأحزاب} مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون {الأحزاب} صفة {أولئك} و {أولئك} بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه. قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب. لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله {إن كل إلا كذب الرسل} فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم {فحق} أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله {وما ينظر هؤلاء} المذكورون. وقيل: أهل مكة: {إلا صيحة واحدة} وهي النفخة الأولى {ما لها من} توقف مقدار {فواق} وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : العيادة قدر فواق الناقة" تفسير : ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر. وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم {أجعل الآلهة إلهاً واحداً} والثانية في النبوات وهي قولهم {أأنزل عليه الذكر من بيننا} والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم {ربنا عجل لنا قطناً} وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه. والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون. قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم. {واذكر} أخاك {داود} كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب. وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به. ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء. ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات. ثم إن مجامع ما ذكر الله تعالى في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله تعالى من الفضائل. الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له. والثالث: استخلاف الله تعالى إياه بعد ذلك. والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق. وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً. ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له. وثالثها قوله {ذا الأيد} ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل. ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله تعالى أنعم عليه ما لم ينعم على غيره. رابعها قوله {إنه أوّاب} أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب. خامسها تسبيح الجبال معه وقوله {يسبحن} حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى. يقال شرقت الشمس ولما تشرق. واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق. قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود عليه السلام ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله. سادسها قوله {والطير محشورة} أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ". قال أهل البيان: قوله {محشورة} في مقابلة قوله {يسبحن} ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له تعالى. سابعها قوله {كلّ له أوّاب} أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح. وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة. ثامنها قوله {وشددنا ملكه} أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً. وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله تعالى يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام. فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟ فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا. ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء. تاسعها قوله {وآتيناه الحكمة} وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية. وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع. عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً. قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره. قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف. وعن عليّ رضي الله عنه أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات. يروى أنه سبحانه علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها. ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب. وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به. وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه. ثم إنه سبحانه لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً {وهل أتاك} يا محمد {نبأ الخصم} أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن. وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها. وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة. ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة. وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة. القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره. وفي قوله {إذ دخلوا عليه} إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه. قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً. وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر. {ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان} أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله {إذ تسوّروا} {إذ دخلوا} {ففزع منهم} {قالوا لا تخف} بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما. والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق {بغى بعضنا على بعض} أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة. ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها {فاحكم بيننا بالحق} أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا. والثانية {ولا تشطط} وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد. شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق. والثالثة {واهدنا إلى سواء الصراط} أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه. وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر {إن هذا} وقوله {أخي} أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر {له تسع وتسعون نعجة} وهي أنثى من الضأن {ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها} أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي {وعزني في الخطاب} أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ {قال} داود {لقد ظلمك بسؤال نعجتك} أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك. وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة. و{إلى} متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب {وإن كثيراً من الخلطاء} الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض {ليبغي بعضهم على بعض} وقد تغلب الخلطة في الماشية. والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة. وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي. هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة. ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل. "وما" في قوله {وقليل ما هم} مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم. وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك. قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة {وظن داود إنما فتناه} اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم. ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء {فاستغفر ربه} من تلك الحالة {وأناب} إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله. {فغفرنا له ذلك} الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم. ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة. أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه. {و} معنى {خرّ راكعاً} سقط ساجداً. قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة. ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً. ومذهب أبي حنيفة بخلافه. وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل. ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله {لا تخف} {ولا تشطط} وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟ وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة. قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر. والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة. القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان. فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله {وعزني في الخطاب} من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني. وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر. وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر. وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب. والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض. أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده. وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل. القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود عليه السلام جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم. فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله. يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه. وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه. ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق. فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك. ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل. قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟ فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت. فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً. فأتاه جبريل وقال: إن الله تعالى يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته. وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها. والمحققون كعلي رضي الله عنه وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه. روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء. قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل. ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله سبحانه عقيب ذكر الواقعة {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه. وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله تعالى {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد. يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟ قال: وما هو؟ قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية. فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية. وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك} الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية {ظن الذين كفروا} لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف {فويل للذين كفروا من النار} لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" {أية : ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} تفسير : [الآية: 191] ثم صرح بالغاية قائلاً {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. "وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية. وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله {كتاب} اي هذا كتاب {أنزلناه إليك مبارك} كثير المنافع والفوائد {ليدّبروا آياته} ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً. وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء {ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب} فقال تعالى: يا محمد {اصبر على ما يقولون} واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله {إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة. وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه. وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله {نعم العبد} أي هو فحذف المخصوص للعلم به. وفي قوله {إنه أوّاب} كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح. وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله تعالى. أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات} وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل. قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه. وفي الحديث "حديث : من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار"تفسير : أي واقفين مثل خدم الجبابرة. و{الجياد} جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال. وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق. يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا. ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" تفسير : أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره. والضمير في قوله {حتى توارت} للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال {ردّوها عليّ} أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده. وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله. وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس. وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة. وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة. فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله {حتى توارت} أي الشمس بدليل ذكر العشي {بالحجاب} حجاب الأفق. وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال {إني أحببت حب الخير} وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله {فطفق مسحاً} قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره. وقيل: الضمير في {ردّوها} للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر. ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله. وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي. قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا {ربنا عجل لنا قطنا} قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود. ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً. هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى. وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله. {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب. وثانيها روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان"تفسير : . وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له. {ثم أناب} أي رجع إلى حالة الصحة. والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر. وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه. وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن. فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها. فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس. واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس. وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان. حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته. وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه. وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم {ثم أناب} أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً. ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر. والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم. وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه. وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك. فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده. وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه. ثم حكى الله تعالى أن سليمان قال {رب اغفر لي وهب لي ملكاً} قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات. والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله {لا ينبغي لأحد من بعدي} على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه. والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة. وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها. وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة. وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال. وربما كان للناس أمثال ذلك. والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه {فسخرنا له الريح} {والشياطين}. ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "حديث : أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان"تفسير : والضمير في {بأمره} لسليمان. وقيل: لله. والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة. ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم. وقوله {والشياطين} معطوف على {الريح} وقوله {كل بناء وغواص} بدل الكل من الشياطين. كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر {وآخرين} عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ رضي الله عنه: شعر : من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك تفسير : وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر. قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس. ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة. قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة. ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق. {هذا عطاؤنا} أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم. وقوله: {بغير حساب} يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه. ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة. عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه. التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد. أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله. ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة. وفي قوله {واصبروا على آلهتكم} إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي {إن هذا لشيء يراد} في الأزل من المقبول والمردود. {بل لما يذوقوا عذاب} لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان. {عجل لنا قطنا} النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد. {له تسع وتسعون نعجة} هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق {ولي نعجة واحدة} هو ذات الله وحده {فقال أكفلنيها} أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه. ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله. {وظن داود أنما فتناه} امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا {فاستغفر} للحق {ربه} {راكعاً وأناب} إلى الله معرضاً عما سواه. وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: {إنا جعلناك خليفة} فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة. {أية : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} تفسير : [الأنعام: 1] {أية : فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً}تفسير : [فاطر: 1] ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله تعالى فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق. {ووهبنا لداود} الروح {سليمان} اقلب {إذ عرض عليه بالعشي} وهو بعد زوال شمس التجلي {الصافنات الجياد} وهي مركب الصفات البشرية. وفي قوله {فطفق مسحاً} إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً {ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه} صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة. فإن قيل: قوله {لا ينبغي لأحد من بعدي} هل يتناول نبينا صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي صلى الله عليه وسلم من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "حديث : ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته"تفسير : وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "حديث : الفقر فخري" تفسير : على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "حديث : وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها".
الثعالبي
تفسير : قرأ أُبَيُّ بن كَعْبٍ والحسن وابن أبي إسحاقَ: «صَادِ» ـــ بِكَسْرِ الدالِ ـــ، والمعنى: مَاثِلِ القرآن بِعَمَلِكَ، وقارِبْهُ بطاعَتِكَ، وكذا فسَّرهُ الحَسَن، أي: انظر أينَ عَمَلُكَ مِنْهُ، وقال الجمهورُ: إنه حَرْفُ مُعْجَمٍ يَدْخُلُه مَا يَدْخُل أوائِلَ السور مِنَ الأَقْوَالِ، وَيَخْتَصُّ هذا بأنْ قَالَ بعضُ الناسِ: معناه: صَدَقَ محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الضَّحَّاك: معناهُ: صَدَقَ اللَّهُ، وقال محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ: هو مِفْتَاحُ أَسْمَاءِ اللَّهِ: صَمَدٌ صَادِقٌ، ونحوُهُ. وقوله: {وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} قَسَمٌ؛ قال ابن عباسٍ وغيره: معناه: ذي الشَّرَفِ الباقي المُخَلَّدِ، وقالَ قتادة: ذي التذكرةِ للنَّاسِ والهداية لهم، وقالت فرقةٌ: ذي الذِّكْرِ للأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ، * ت *: ولا مانَعَ [مِنْ] أَنْ يُرَادَ الجميعُ، قال * ع *: وأما جَوَابُ القَسَمِ، فَاخْتُلِفَ فيه؛ فقالت فرقة: الجوابُ في قوله: {صۤ}؛ إذ هُوَ بمعنى: صَدَقَ اللَّهُ أو صَدَقَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال الكوفيُّون والزَّجَّاج: الجَوَابُ في قوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ }تفسير : [ص:64]، وقَالَ بَعْضُ البصريِّين ومنهم الأخفَشُ: الجوابُ في قوله: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ } تفسير : [ص:14] قال * ع *: وهذانِ القولانِ بَعيدانِ، وقال قتادة والطبري: الجواب مقدَّرٌ قَبْلَ «بل»، وهذا هو الصحيحُ، وتقديره: والقرآن، ما الأَمْرُ كَما يَزْعُمُونَ، ونَحْوُ هَذَا مِنَ التَّقْدِير، فَتَدَبَّرْهُ، وقال أبو حَيَّان: الجوابُ: إنك لمن المرسلين، وهو ما أثْبَتَ جَوَاباً للقرآن حينَ أقْسَمَ بهِ، انتهى، وهو حَسَنُ، قال أبو حيان: وقوله: {فِى عِزَّةٍ} هي قراءةُ الجمهور، وعن الكسائي بالغين المعجمة والراء، أي: في غَفْلَةٍ، انتهى. والعِزَّةُ هنا: المُعَازَّةُ والمُغَالَبَةُ والشِّقَاقُ ونحوُهُ، أيْ: هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ، وكَمْ للتكثير، وهي خَبَرٌ فِيه مثالٌ ووعيدٌ، وهِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـ{أَهْلَكْنَا}. وقوله: {فَنَادَواْ} معناهُ: مُسْتَغِيثين، والمعنى: أنهم فَعلوا ذلك بعد المُعَايَنَةِ، فَلَمْ ينْفعهم ذلك؛ ولم يكُنْ في وَقْتِ نَفْعٍ، {وَّلاَتَ} بمعنى: ليس، وٱسْمُهَا مقدَّرٌ عند سِيبَوَيْهِ، تقدِيره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ، والمَنَاصُ: المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصَ: إذا فَرَّ وَفَاتَ، قالَ ابن عَبَّاس: المَعْنَىٰ: ليسَ بِحِينِ نَزْوٍ وَلاَ فِرَارٍ ضُبِطَ القوم، والضميرُ في {وَعَجِبُواْ} لكفارِ قريشٍ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {صۤ} قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه. وقرأ أبيٌّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلَة وأبو السّمَال بكسر الدال من غير تنوين. وفيه وجهان: أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب. والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصَّدَى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصُّلبة الخالية. والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه. قاله الحسن. وعنه أيضاً أنه من صَادَيْتُ أي حَادَثْتُ) والمعنى حَادِث النَّاسَ بالقرآن، وقرأ ابنُ أبي إسْحَاقَ كذلك إِلاَّ أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللَّهِ لاَفْعَلَنَّ بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب أو التنزيل. وعن الحسن أيضاً وابن السميقع وهَارونَ الأَعْور صادُ بالضم من غير تنوين على أنه اسم للسورة وهو (خبر) مبتدأ مضمر أي هذه صاد. ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وهارُون قافُ ونونُ بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صَادَ بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفاً كأينَ وكَيْفَ، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعلمية والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله: شعر : 4232- فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ تفسير : وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما. وهما كما تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم. فصل قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل السور. قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: (ص) مفتاح اسم الصّمد وصادق الوعد. وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضته. فإن قيل: قوله {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} قسم فأين المقسم عليه؟. فالجواب من وجوه: أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ} تفسير : [ص:64] قال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله "وَالقُرْآن". وقال ثعلب والفراء هو قوله: "كَمْ أَهْلَكْنَا" والأصل: "لكم أهلكنا" فحذف اللام كما حذفها في قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس:9] بعد قوله: "وَالشَّمْسِ"، لما طال الكلام. الثالث: قال الأخفش هو قوله: "إنْ كُلُّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ"، كقوله: {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا} تفسير : [الشعراء:97] وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}تفسير : [الطارق:1] {أية : إِن كُلُّ} تفسير : [الطارق:4]. الرابع: قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا} تفسير : [ص:54]. الخامس: هو قوله: "(ص)" لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضاً؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف مقتطع من جملة دالّ هو عليها وكلاهما ضعيف. السادس: أنه محذوف. واختلفوا في تقديره فقال الحَوْفيُّ تقديره: "لَقَدْ جَاءَكُم الحَقُّ" ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ودل على هذا المحذوف قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. والزمخشري: أنه لمعجز، وأبو حيان: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ. قال: لأنه نظير: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس:1-3]. وللزمخشري هنا عبارة بشعة جداً قال: فإِن قلت: قوله: "ص. والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق" كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه انتظامه؟. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب بدلالة التَّحدِّي عليه كأنه قال: والقرآن ذِي الذِّكْر إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: هذه "ص" يعني هذه السورة التي أعجزت العرب وَالقُرآنِ ذي الذكر كما تقول: "هذا حَاتمٌ واللَّهِ" تريد هو المشهور بالسخاء واللَّهِ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمتُ بصاد والقرآنِ ذي الذكر إنه لمعجز. ثم قال: بلِ الذَّينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف (بالحق) وشِقَاقٍ لله ورسوله. (و) جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها "والقرآن ذي الذكر" جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها. ومعناه: أُقْسِمُ بالسُّورةِ الشَّرِيفة والقرآنِ ذِي الذِّكر كما تقول: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الكَرِيم وبالنِّسْبَة المُبَارَكَةِ، ولا تريد بالنّسبة غيرَ الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاق والقرآنِ ذي الذكر. (والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف:44] وقال: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} تفسير : [الأنبياء:10] كما تقول: "لِفُلاَنٍ ذِكْرٌ فِي النَّاسِ". ويحتمل أن يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبار الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية والفرعية. قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إضراب انتقال من قصةٍ إلى أخرى. وقرأ الكسائي - في رواية سَوْرَةَ - وحماد بن الزِّبرقَانِ وأبو جعفر وَالجَحْدَريّ: في غَرَّة بالغين المعجمة والراء. وقد نقل أن حَمَّاداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً فلما رُدّت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في عِزّةٍ. وهو وَهَمٌ منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير في (عزة وشقاق) دلالة على شدّتهما وتفاقمهما. فصل قالت المعتزلة دل قوله: (ذِي الذّكْر) على أنه مُحْدَث، ويؤيده قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف:44] {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} تفسير : [الأنبياء: 50] {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يس:69]، والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به. فصل قال القُتَيْبيُّ: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحَمِيَّة جاهلية وتَكَبُّر عن الحق وشِقَاق خلاف وعداوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقال مجاهد: في عزة وتغابن. قوله: "كَمْ أَهْلَكْنَا" (كم) مفعول "أَهْلَكْنَا" و "مِنْ قَرْنٍ" تَمْييزٌ، و "مِنْ قَبْلِهِمْ" لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب. قوله: "وَّلاَتَ حِينَ" هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل "نَادَوْا" أي استغاثوا والحال أنه مَهْرَبَ ولا مَنْجَى. وقرأ العامة "لاَتَ" بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه: أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم: رُبَّت وثُمَّت وأصلها "ها" وُصِلَتْ بلا فقالوا "لاَه" كما قالوا "ثُمّهْ" ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو: لات حين، ولات أوان كقوله: شعر : 4233- طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء تفسير : وقوله الآخر: شعر : 4234- نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ تفسير : والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع. وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله: شعر : 4235- مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ تفسير : أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله: شعر : 4236- حَنَّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ تفسير : فإن "هنّا" من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. والثاني: كونه لا ينصرف. الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن "هنا" قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأحزاب:11]، وقوله: شعر : 4237- (وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ) فَهُنَاك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ تفسير : كما تقدم في سورة الأحزاب. إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن "لات" هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و"هنا" ظرف خبر مقدم و "حنت" مبتدأ بتأويل حذف "أن" المصدرية تقديره "أَنْ حَنَّت" نحو: "تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ". وفي هذا تكلف وبعد إلى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين. وفي الوقف عليها مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء. والأول: مذهب الخليل وسِيبَوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ. والثاني: مذهب المبرد. وَأَغْرَبَ أبو عبيدة فقال: الوقف على "لا" والتاء متصلة بحين فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعلت كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا "وَلاَ تَحِينَ" متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ: شعر : 4238- العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ وَالمُطْعِمُونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ تفسير : ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذكر مناقبهُ ثم قال: "اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ" يريد "الآن" والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه. وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها "لات حين" جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل: العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: شعر : 4239- وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ .................... تفسير : ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جداً. وقد يقدر إضافة "حين" إليها من غير حذف لها كقوله: شعر : 4240- تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا ........................ تفسير : أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيد بقوله: "وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ" فإِنه قد وجدت التاء من "لا" دُونَ حِينَ؟! الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عاملة عمل "أن" يعني أنها نافية للجِنْس فيكون "حِينَ مَنَاصٍ" اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك: لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً. الثالث: أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً لحين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناصٍ لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله: "لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً" أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً. وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش. وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله: شعر : 4241-ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً .......................... تفسير : لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين للتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا. الرابع: أن لات هذه ليست هي "لا" مُراداً فيها تاء التأنيث. وإنما هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدلت منها في مواضع قالوا: النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال: شعر : 4242- يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ لَيْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ تفسير : وقرىء شاذاً: "قل أعوذُ بربِّ النّاتِ" إلى آخرها [الناس:1-6] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء "لات" وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون "حين مناص" خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ. وقرأ عيسى بن عمر: ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قراءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد: شعر : 4243- وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ تفسير : وأنشد غيره: شعر : 4244- طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان تفسير : وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي: شعر : 4245- طَلَبُوا صُلْحَنَا............. تفسير : البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوانٍ؟. قلت: شُبّه بإذْ في قَولِهِ: شعر : 4246- وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح تفسير : في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل: وَلاَت أوانَ صلحٍ. فإن قلت: فما تقول في "حِينَ مَنَاص" والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من "مناص" لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من "حين" لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى. وخرجها أبو حيان على إضمار "من" والأصل ولات مِنْ حين مناص فحذفت "مِنْ" وبقي عملها نحو قولهم: "عَلَى كَمْ جذعٍ بنيتَ بَيْتكَ" أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين. وفيه قول آخر: أنّ الجر بالإضافة مثل قوله: شعر : 4247- ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً تفسير : أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ. وقد يتأيد بظهورها في قوله: شعر : 4248-..................... وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ تفسير : قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول: لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش. وخرج الأخفش "ولات أوان" على حذف مضاف يعني أنـ(ـه) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجروراً على ما كان والأصل ولات حين أوان. وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع. قال شهاب الدين: قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله: شعر : 4249- أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا تفسير : أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: "وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ" بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكنين. وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر "حين" وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكينن كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً. وقرأ عيسى أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة. وقرأ ايضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح. وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الفضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن "حين" أُجْرِيَ مُجْرَى "قَبْلُ وبَعْدُ" في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و"مناص" اسمها مبني على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذف المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد روي في تاء لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ. (قوله): {فَنَادَواْ} لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى. وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفرار فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: وَلاَت حِينَ مناص. قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير فنادوا فحذف لدلالة ما بعده (عليه). قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو "مناص" أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم "لا" وأخر "حين" اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول: جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم تقول: جاء وَهُوَ رَاكبٌ، "فحين" ظرف لقوله: "فَنَادَواْ" (وقال أبو حيان: وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله): فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح. قال شهاب الدين: الجُرْجَانيّ لا يعني أن "حين" ظرف "لِنَادَوْا" في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: "جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَاءَ زَيْدٌ وَهُو راكبٌ" "فراكباً" في التركيب الأول حال وفي الثاني خبر مبتدأ حين كان (في الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر "لات" أو اسمها على حَسبِ الخلاف المتقدم. و"المَنَاص" مَفْعَلٌ من نَاصَ يَنُوصُ أي هرَبَ فهو مصدر. يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا فَاتَهُ فهو متعدٍّ، ونَاصَ يَنُوصُ أي تأخر، ومنه نَاصَ عن قِرْنِهِ أي تأخر عنه جبناً. قاله الفراء. وأنشد قَوْلَ امْرىءِ القيس: [من الطويل] شعر : 4250- أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِنْ نأَتْكَ تَنُوصُ فَتَقْصُرَ عَنْهَا حِقْبَةً وتَنُوصُ تفسير : قال أبو جعفر النحاس: نَاصَ يَنُوصُ إذا تقدم فيكون من الأضْدَاد، واسْتَنَاصَ طلب المَنَاصَ، قال حارثة بن بدر: شعر : 4251- غَمْرُ الجِرَاءِ إِذَا قَصَرْتُ عِنَانَهُ بِيدي اسْتَنَاصَ وَرَامَ جَرْيَ المِسْحَلِ تفسير : ويقال: نَاصَ إلى كَذَا يَنُوصُ نَوْصاً إذَا التَجأ إليه. قال بعضهم المناص المَنْجَى والغَوْثُ، يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا أغاثه، قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحرب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخُذُوا حذْرَكم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فأنزل الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول.
البقاعي
تفسير : ولما نزه ربنا سبحانه نفسه الأقدس في ختام تلك عن كل شائبة نقص، وأثبت له كل كمال ناصاً على العزة، وأوجب للمرسلين السلامة، افتتح هذه بالإشارة إلى دليل ذلك بخذلان من ينازع فيه فقال: {ص} أي إن أمرك - يا من أمرناه باستفتاء العصاة آخر الصافات وبشرناه بالنصر - مهيأ مع الضعف الذي أنتم به الآن والرخاوة والإطباق، وعلو وانتشار يملأ الآفاق {والقرآن} أي الجامع - مع البيان لكل خير - لأتباع لا يحصيهم العد، ولا يحيط بهم الحد. ولما كان القسم لا يليق ولا يحسن إلا بما يعتقد المقسم له شرفه قال: {ذي الذكر *} أي الموعظة والتذكير بما يعرف، والعلو والشرف والصدق الذي لا ريب فيه عند كل أحد، فكل من سمعه اعتقد شرفه وصدق الآتي به ليملأن شرفه المنزل عليه الأقطار، وليزيدن على كل مقدار، كما تقدمت الدلالة عليه بالحرف الأول، والذين كفروا وإن أظهروا الشك في ذلك وانتقصوه قولاً فإنهم لا ينتقصونه علماً {بل الذين كفروا} بما يظهرون من تكذيبه {في عزة} أي عسر وصعوبة ومغالبة بحمية الجاهلية مظروفون لها، فهي معمية لهم عن الحق لإحاطتهم بهم، وأنثها إشارة إلى ضعفها، وبشارة بسرعة زوالها وانقلابها إلى ذل {وشقاق *} أي إعراض وامتناع واستكبار على قبول الصدق من لساني الحال الذي أفصح به الوجود، والقال الذي صرح به الذكر فهداهم إلى ما هو في فطرهم وجبلاتهم بأرشق عبارة وأوضح إشارة لو كانوا يعقلون، فأعرضوا عن تدبره عناداً منهم لا اعتقاداً فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، وتنكيرهما للتعظيم، قال الرازي: حذف الجواب ليذهب فيه القلب كل مذهب ليكون أغزر وبحوره أزخر - انتهى. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مع أنبيائهم في العتو والتكذيب، وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والطويل، كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب، فحل بالمعاند سوء العذاب، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم ليعلم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب، وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} إلى قوله: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قوله {عجل لنا قطناً قبل يوم الحساب} أتبع ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال {اصبر على ما يقولون} ثم آنسه بذكر الأنبياء وحال المقربين الأصفياء {وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} - انتهى. ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان: حال ومقال، فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد، وأما المقال فهو هذا الذكر الذي هو ترجمة عن جميع الوجود، وكان سبحانه قد قدم الذكر لأنه أبين وأظهر، وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه، وكان من شاقق الملك استحق الهلاك، وكان ما أبدوه من المغالبة أمراً غائظاً للمؤمنين، أتبعه ما يصلح لتخويف الكافرين وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين، وهو أبين ما يكون من دلالاته، وأظهر ما يوجد من آياته، فقال استئنافاً: {كم أهلكنا} وكأن المنادين بما يذكر كانوا بعض المهلكين، وكانوا أقرب المهلكين إليهم في الزمان، فأدخل الجار لذلك، فقال دالاً على ابتداء الإهلاك: {من قبلهم} وأكد كثرتهم بقوله مميزاً: {من قرن} أي كانوا في شقاق مثل شقاقهم، لأنهم كانوا في نهاية الصلابة والحدة والمنعة - بما دل عليه "قرن". ولما تسبب عن مسهم بالعذاب دلهم قال جامعاً على معنى "قرن" لأنه أدل على عظمة الإهلاك: {فنادوا} أي بما كان يقال لهم: إنه سبب للنجاة من الإيمان والتوبة، واستعانوا بمن ينقذهم، أو فعلوا النداء ذعراً ودهشة من غير قصد منادي، فيكون الفعل لازماً، وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا تنادوا "مناص" أي عليكم بالفرار، فأجيبوا بأنه لا فرار لهم. ولما قرر سبحانه في غير موضع أن التوبة لا تنفع إلا عند التمكن والاختيار لا عند الغلبة والاضطراب، قال تعالى مؤكداً لهذا المعنى في جملة حالية بزيادة التاء التي أصلها هاء في "لا" أو في "حين" كما أكدوا بزيادتها في رب وثم، والهاء في أراق والتاء في مثال والان فقالوا: ربت وثمت وأهراق وتمثال وتالان {ولات} أي وليس الحين {حين مناص *} أي فراراً بتحرك بتقدم ولا تأخر، بحركة قوية ولا ضعيفة، فضلاً عن نجاة، قال ابن برجان: والنوص يعبر به تارة عن التقدم وتارة عن التأخر وهو كالجماح والنفار من الفرس، ونوص حمار رفعه رأسه كأنه نافر جامح. ولما كان جعل المنذر منهم ليس محلاًّ للعجب فعدوه عجباً لما ظهر من تقسيمهم القول فيه، عجب منهم في قوله: {وعجبوا أن} أي لأجل أن {جاءهم} ولما كان تعجبهم من مطلق نذارته لا مبالغته فيها أتى باسم الفاعل دون فعيل فقال: {منذر منهم} أي من البشر ثم من العرب ثم من قريش ولم يكن من الملائكة مثلاً وكان ينبغي لهم أن لا يعجبوا من ذلك فإن كون النذير بما يحل من المصائب من القوم المنذرين - مع كونه أشرف لهم - أقعد في النذارة لأنهم أعرف به وبما هو منطو عليه من صدق وشفقة وغير ذلك، وهو الذي جرت به العوائد في القديم والحديث لكونهم إليه أميل، فهم لكلامه أقبل. ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذير صلى الله عليه وسلم في أنه أصدقهم لهجة وأعلاهم همة وأنه منفي عنه كل نقيصة ووصمة، زاد في التعجيب بأن قال معبراً بالواو دون الفاء لأن وصفهم له بالسحر ليس شبيه هذا العجب: {وقال} ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون، ومعاندون لا غافلون، أظهر موضع الإضمار إشارة إلى ذلك وإيذاناً بشديد غضبه في قوله: {الكافرون هذا} أي النذير. ولما كان ما يبديه من الخوارق إعجازاً فعلاً وقولاً يجذب القلوب، وكان أقرب ما يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ذلك إيضاحاً جاذباً للقلوب إليه فقالوا: {ساحر} أي لأنه يفرق بما أتى به بين المرء وزوجه، فاعترفوا - مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم كاذبون في ذلك - أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى {كذاب *} أي في ادعائه أن ما سحر به حق ليس هو كسحر السحرة، وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة وقد كانوا قبل ذلك يسمونه الأمين وهم يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا إتيانه بأصدق الصدق وأحق مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد له أدنى تأمل.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئل جابر بن عبدالله وابن عباس رضي الله عنهما عن {صۤ} فقالا: ما ندري ما هو. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {صۤ} قال: حادث القرآن. وأخرج ابن جرير عن الحسن ْرضي الله عنه في قوله أنه كان يقرأ {صۤ، والقرآن} بخفض الدال، وكان يجعلها من المصاداة يقول عارض القرآن قال عبد الوهاب: أعرضه على عملك فأنظر أين عملك من القرآن. وأخرج ابن مردويه عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {صۤ} يقول: إني أنا الله الصادق. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {صۤ} قال: صدق الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {صۤ} محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {صۤ والقرآن ذي الذكر} قال: نزلت في مجالسهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {صۤ والقرآن ذي الذكر} قال: ذي الشرف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة {بل الذين كفروا في عزة} قال: ههنا وقع القسم {في عزة وشقاق} قال: في حمية وفراق. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} قال: معازين {شقاق} قال: عاصين وفي قوله {فنادوا ولات حين مناص} قال: ما هذا بحين فرار. وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن التميمي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنه عن قول الله {فنادوا ولات حين مناص} قال: ليس بحين تزور ولا فرار. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {ولات حين} قال: ليس بحين فرار قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : تذكرت ليلى لات حين تذكر وقد تبت عنها والمناص بعيد تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {فنادوا ولات حين مناص} قال: نادوا والنداء حين لا ينفعهم وأنشد تذكرت. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس {ولات حين مناص} قال: لا حين فرار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولات حين مناص} قال: ليس بحين مغاث. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {ولات حين مناص} ليس بحين جزع. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {ولات حين مناص} قال: وليس حين نداء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في قوله {ولات حين مناص} قال: نادوا بالتوحيد والعقاب حين مضت الدنيا عنهم، فاستناصوا التوبة حين زالت الدنيا عنهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {فنادوا ولات حين مناص} قال: نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله، فلم ينفعهم، ولم يقبل منهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {ولات حين مناص} قال: ليس حين انقلاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه {ولات حين مناص} قال: إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول ولات.
ابو السعود
تفسير : (سورة ص مكية وآياتها ثمان وثمانون آية) {بِسْمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيم} {ص} بالسُّكون على الوقفِ. وقُرىء بالكسرِ والفتحِ لالتقاء السَّاكنينِ ويجوزُ أنْ يكونَ الفتحُ بإضمارِ حرفِ القسمِ في موضعِ الجرِّ كقولِهم الله لأفعلنَّ بالجرِّ وأنْ يكونَ ذلك نصباً بإضمارِ اذكُرْ أو اقرأْ لا فتحاً كما مرَّ في فاتحةِ سورةِ البقرةِ وامتناعُ الصرَّفِ للتَّعريفِ والتَّانيثِ لأنَّها عَلَمٌ للسُّورةِ وقد صرَفها منَ قرأ صادٌ بالتَّنوينِ على أنَّه اسمُ الكتابِ أو التَّنزيل. وقيل هو في قراءةِ الكسر أمرٌ من المصاداةِ وهي المعارضةُ والمقابلةُ ومنها الصَّدى الذي ينعكسُ من الأجسامِ الصَّلبةِ بمقابلة الصَّوتِ ومعناهُ عارضِ القُرآن بعملِك فاعملْ بأوامرِه وانتِه عن نواهيهِ وتخلَّقْ بأخلاقِه ثمَّ إنْ جُعل اسماً للحرفِ مسرُوداً على منهاجِ التَّحدي أو الرَّمزِ إلى كلامٍ مثل صدقَ الله أو صدقَ محمدٌ كما نقل عن أكابرِ السَّلفِ أو اسماً للسُّورة خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ أو نصباً على إضمارِ اذكُر أو اقرأْ أو أمراً من المُصاداةِ فالواوُ في قولِه تعالى: {وَٱلْقُرْءانِ ذِي ٱلذِّكْرِ} للقسمِ وإنْ جعلَ مُقسَماً به فهي للعطفِ عليه فإنْ أُريد بالقرآنِ كلِّه بالمغايرةُ بـينَهما حقيقةٌ وإنْ أُريد عينُ السُّورةِ فهي اعتبارَّيةٌ كما في قولِك مررتُ بالرَّجلِ الكريمِ وبالنَّسمةِ المُباركةِ وأيّاً ما كان ففي التَّكريرِ مزيدُ تأكيدٍ لمضمونِ الجملةِ المُقسَمِ عليها والذِّكرُ الشَّرفُ والنَّباهةُ كما في قوله تعالى: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [سورة الزخرف: الآية 44] أو الذِّكرى والموعظة أو ذكرُ ما يُحتاج إليه في أمر الدِّينِ من الشَّرائعِ والأحكام وغيرِها من أقاصيص الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخبار الأمم الدَّارجةِ والوعد والوعيد وجواب القسم على الوجه الأول والرَّابعِ والخامس محذوف هو ما يُنبىءُ عنه التَّحدِّي والأمرُ والإقسامُ به من كون المُتحدَّى به معجزاً وكونِ المأمورِ به واجباً وكونِ المقسَم به حقيقاً بالإعظامِ أي أُقسم بالقرآنِ أو بصادٍ وبه إنَّه لمعجز أو لواجب العمل به أو لحقيقٌ بالإعظامِ، وأمَّا على الوجهينِ الباقيـينِ فهو الكلامُ المرموزُ إليه ونفسُ الجملةِ المذكورةِ قبل القسم فإنَّ التَّسميةَ تنويه بشأن المُسمَّى وتنبـيه على عظم خَطَرِه أي إنَّه لصادقٌ والقرآن ذي الذِّكرِ أو هذه السُّورة عظيمةُ الشَّأنِ والقرآنِ الخ على طريقة قولهم هذا حاتمٌ والله، ولمَّا كان كل واحد من هذه الأجوبة مُنبئاً عن انتفاء الرِّيبِ عن مضمونه بالكُلِّيةِ أبناء بـينا كان قوله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} إضراباً عن ذلك كأنَّه قيل لا ريبَ فيه قطعاً وليس عدمُ إذعان الكَفَرةِ له لشائبةِ ريبٍ ما فيه، بل هم في استكبارٍ وحميَّةٍ شديدةٍ وشقاقٍ بعيدٍ لله تعالى ولرسولِه ولذلك لا يُذعنون له وقيل الجواب ما دلَّ عليه الجملةُ الإضرابـيَّةُ أي ما كفَر به مَن كفَر لخللٍ وجدَهُ فيه بل الذَّينَ كفروا الخ وقُرىء في غِرَّةٍ أي في غَفْلةٍ عمَّا يجب عليهم التَّنبهُ له من مبادىء الإيمان ودواعيِه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [1] قال: ذي الشأن الشافي والوعظ الكافي.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {صۤ} [الآية: 1]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: صفاء قلوب العارفين وما أودعت فيها من لطائف الحكمة وشريف الذكر ونور المعرفة. قوله عز وعلا: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [الآية: 1]. ذى البيان الشافى والاعتبار والموعظة البليغة.
القشيري
تفسير : الصَّادُ مفتاحُ اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع... أقسم بهذه الأشياء وبالقرآنِ. وجواب القسم: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ}. ويقال: أقسم بصفاءِ مودةِ أحبابه والقرآنِ ذي الذكر أي: ذي الشرف... وشَرفُه أنه ليس بمخلوق.
البقلي
تفسير : {صۤ} هذا الحرف من كنوز لطائف اشارات الحق الى حبيبه عليه الصلاة والسّلام حيث صادقه بنعت الوصال الذى يفنى عنه بصولة صدمات الازلية عند كشوف قهر القدم صفات الحدثية حتى صار صدق جواهر اسرار الربوبية فى بحار الذات والصفات فاصطاده الحق بزمام محبته من صحارى البريات وصفّاه بصفاء صفاته عن كدورات الكون فكان صفوا من بحر النبوة صاحبا فى مشاهدة البقاء بنعت صدق العشق فى رؤية انوار الكبرياء ما صدق عن مشاهدة جمال الحق الى الاكوان جبن عارضه صواعق الامتحان فخرج منها بوصف الصدق فى المحبة وصفوا الصحو فى المعرفة حين اسكر الحق صفوف ارواح الصادقين بشربات بحار وصلة ووصفه اخبر بحرف صاد من صفاوة قلوب العارفين وصدق حقائق محبة المحبين وتلهب نيران صدور العاشقين وحبابة اسرار الوالهين وصفوف اهل الاستقامة فى مقام مشاهدة القدم حين وازوا بنعت الفناء جلال البقاء واشارة التوحيد فيه انه كان بجلاله عظمة وفى قدم القدم موازل الازل بحار الصمدية صافية عن غبار الحدثان فاشار به عنه وبان كان مصدر كل الكل صدر منه الوجود اذ كان وجوده منزها عن الاجتماع والاقتران والعلل والانقسام اى اظهرت لك يا صادق ما كان وما سيكون وجعلت لك بصيرا ببصرت حتى تطلع على غيبوبة جلال وصالى فكنت مسروا بصورة روح الاول التى صدرت منى بيعتى ثم قال شطح من مقام السكر رمز حقيقة الاتحادية اهل الصحو صلوات الله وسلامه عليه بقوله من راقى فقد راى الحق ثم اراد ان يبين للعالمين بحرت الصاد وصف الربوبية وحقيقة محبة حبيبه ومنازله الرفيعة فى مقام ومباله فاقم بصفائه التى هى مفاتيح كنوز ذاته التى اخبر عنها بحرف الصاد فقال {وَٱلْقُرْآنِ} اى انت بالوصف الذى وصفتك بحق صفاتى القرأن ثم وصف القرأن بانه تجلى به من نفسه فيه القلوب العارفين فيورث منه اسرارهم انوار ذكره اذ هو ذكر القدم بذكر جميع الصفات والذات فواد المقربين وارواح الشائقين وهذا قوله {ذِي ٱلذِّكْرِ} يتذكر به العقول الراسخة معتبرات لطايف حقائق الربوبية التى برقت انوارها فى صنائع ملكه وملكوته ومقدورات قدرته ويدرك بنور قلوب الصادق انوار مشاهدته حين خاطبهم به اى بك وبالقرأن الى المحبوبين عن هذه الشواهد فى عزة وظلمة عن معرفتك وفى خلاف عن ادراك شرّفك وفضلك وفضل المئاب بقوله {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} لا يخرجون من مضيق غفلتهم الى فضاء المعرفة لانهم طردوا بسوط قهر الازل عن جناب القدم ما وهب لهم استعداد قبول نور المعرفة فبقوا الى الابد فى شره النفاق وظلمة الشقاق قال ابن عطا فى معنى الصاد قسم صفاء قلوب العارفين وما اودعت فيها من لطائف الحكمة وشريف الذكر ونور المعرفة قال الاستاذ صاد مفتاح اسمه الصاد والصبور والصمد والصانع اقسم بهذه الاسماء والقرأن قال ابن عباس صاد كان بحرها بمكة وكان عليه عرش الرحمان فلا ليل والانهار وقيل فى صاد ان معناه صاد محل قلوب الخلق واستمالها حتى امنوا به وقال بعض المشائخ فى قوله والقرأن ذى الذكرى ذى البيان الشافى والاعتبار والموعظة البليغة وقال الجنيد فى الموعظة البليغة والنور الشافى وقيل فى عزة وشقاق اى فى غفلة واعراض عما يراد بهم وذلك منهم قريب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ص} خبر مبتدأ محذوف اى هذه سورة ص كما مر فى اخواته [بعضى بر آنندكه حروف مقطعه براى اسكات كفارست كه هروقت كه حضرت محمد عليه السلام در نماز وغير آن قرآن بجهر تلاوت فرمودى ايشان ازروى عناد صفير زدندى ودست بردست كوفتندى تا آن حضرت درغلط افتد حق سبحانه وتعالى اين حروف فرستاد تا ايشان بعد از استماع آن متأمل ومتفكر شده از تغليط باز مى ماندند]. وقال الشعبى ان لله تعالى فى كل كتاب سرا وسره فى القرآن فواتح السور. وقال بعضهم ص مفتاح اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع. وفى التأويلات النجمية يشير الى القسم بصاد صمديته فى الازل وبصاد صانعيته فى الوسط وبصاد صبوريته الى الابد وبصاد صدق الذى جاء بالصدق وصاد صديقية الذى صدق به وبصاد صفوته فى مودته ومحبته ا هـ. وقال ابن جبير رضى الله عنه {ص} يحيى الله به الموتى بين النفختين. وقال ابن عباس رضى الله عنهما {ص} كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن اذ لا ليل ولا نهار. وفى بعض المعتبرات كان جبلا بمكة ومضى شرح هذا الكلام فى اول {أية : المص} تفسير : وقيل فى {ص} معناه ان محمدا عليه السلام صاد قلوب الخلائق واستمالها حتى امنوا به كما قال فى انسان العيون ومما لا يكاد يقضى منه العجب حسن تدبيره عليه السلام للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة كيف ساسهم واحتمل جفاءهم وصبر على اذاهم الى ان انقادوا اليه واجتمعوا عليه صلى الله عليه وسلم واختاروه على انفسهم وقاتلوا دونه اهلهم وآباءهم وابناءهم وهجروا فى رضاه اوطانهم انتهى. يقول الفقير اغناه الله القدير سمعت شيخى وسندى قدس سره وهو يقول ان قوله تعالى {أية : ق} تفسير : اشارة الى مرتبة الاحدية التى هى التعيين الاول كما فى سورة الاخلاص المصدرة بكلمة قل المبتدأة بحرف ق وقوله ص اشارة الى مرتبة الصمدية التى هى التعيين الثانى المندرجة تحته مرتبة بعد مرتبة وطورا بعد طور الى آخر المراتب والاطوار {والقرآن ذى الذكر} الواو للقسم. والذكر الشرف والنباهة او الذكرى والموعظة او ذكر ما يحتاج اليه فى امر الدين من الشرائع والاحكام وغيرها من اقاصيص الانبياء واخبار الامم الماضية والوعد والوعيد وحذف جواب القسم فى مثل ذلك غير عزيز والتقدير على ما هو الموافق لما فى اول يس ولسياق الآية ايضا وهو عجبوا الخ ان محمدا الصادق فى رسالته وحق نبوته ليس فى حقيقته شك ولا فيما انزل عليه من القرآن ريب {بل الذين كفروا} من رؤساء اهل مكة فهو اضراب عن المفهوم من الجواب {فى عزة}. قال الراغب العزة حالة مانعة للانسان من ان يغلب ويمدح بالعزة تارة كما فى قوله تعالى {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : لانها الدائمة الباقية وهى العزة الحقيقية ويذم بها اخرى كما فى قوله تعالى {بل الذين كفروا فى عزة} لان العزة التى هى التعزز وهى فى الحقيقة ذل وقد تستعار للحمية والانفة المذمومة وذلك فى قوله تعالى {أية : اخذته العزة بالاثم} تفسير : انتهى. وقد حمل اكثر اهل التفسير العزة فى هذا المقام على الثانى لما قالوا بل هم فى استكبار عن الاعتراف بالحق والايمان وحمية شديدة: وبالفارسية [درسركشىاند از قبول حق] {وشقاق} اى مخالفة لله وعداوة عظيمة لرسول الله عليه السلام فلذا لا ينقادون. وفى التأويلات النجمية وبقوله {والقرآن ذى الذكر} يشير الى القسم بالقرآن الذى هو مخصوص بالذكر وذلك لان القرآن قانون معالجات القلوب المريضة واعظم مرض القلب نسيان الله تعالى كما قال {أية : نسوا الله فنسيهم} تفسير : واعظم علاج مرض النسيان بالذكر كما قال {أية : فاذكرونى اذكركم} تفسير : ولان العلاج بالضد وقوله {بل الذين} الخ يشير الى انحراف مزاج قلوب الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة الى الغلظة والقساوة ومن التواضع الى التكبر ومن الوفاق الى الخلاف ومن الوصلة الى الفرقة ومن المحبة الى العداوة ومن مطالعة الآيات الى الاعراض عن البحث فى الادلة والسير للشواهد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ص} أي: أيها الصادق المصدوق. وقال القشيري: معناه: مفتاحُ اسمه الصادق، والصبور، والصمد. أقسم بهذه الأسماء، وبالقرآنِ {ذِي الذكر} أي: ذي الشرف التام، الباقي، المخلَّد لمَن تمسّك به، أو ذي الوعظ البليغ لمَن اتعظ به، أو ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. أو: يراد به الجميع. وجواب القسم: محذوف، أي: إنه لكلام معجز، أو: إنه لَمن عند الله، أو: إن محمداً لصادق، أو: ما الأمر كما يزعمون، أو: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس: 3] وقيل: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ} تفسير : [ص: 14] أو: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} تفسير : [ص: 64] وهو بعيد. {بل الذين كفروا} من قريش {في عِزَّةٍ}؛ تكبُّر عن الإذعان لذلك، والاعتراف بالحق، {وَشِقَاقٍ}؛ خلاف لله ولرسوله. والإضراب عن كلام محذوف يدل عليه جواب القسم، أي: إن كفرهم ليس عليه برهان، بل هو بسبب العزة، والعداوة، والشقاق، وقصد المخالفة. والتنكير في "عزة وشقاق" للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرىء "في غِرَّةٍ" أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. ثم هدّدهم بقوله: {كم أهلكنا من قبلهم}؛ من قبل قومك {من قَرْنٍ}؛ من أُمّة أو جيل، {فَنَادَوا} أي: فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب: {ولاتَ حين مَنَاصٍ} أي: وليس الوقت وقت خلاص ونجاة وفرار، والمعنى: أنهم استغاثوا حين لم ينفعهم ذلك. {ولات} هي "لا" المشبّهة بـ "ليس"، زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على "ربّ"، و "ثمّ" للتوكيد، وتغيّر بذلك حكمها، حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد معموليها، إما الاسم أو الخبر، وامتنع بروزهما بنفي الأحيان، وهذا مذهبُ الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها النافية للجنس، زيدت عليها الهاء، وخصّت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي: الوقف عليها عند سيبويه، والفراء؛ وأبي إسحاق، وابن كيسان، بالتاء، وعليه جماعة القراء، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء، بمنزلة "رب". اهـ. الإشارة: افتتح الحق جلّ جلاله هذه السورة، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه، بحرف الصاد، إشارة إلى مادة الصبر، والصدق، والصمدانية، والصفاء؛ إذ بهذه المقامات ارتفع مَن ارتفع، وبالإخلال بها سقط مَن سقط. فبالصبر على المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب، وبالصمدانية تقع الحرية من رقّ الأشياء، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز؛ إن المتكبرين على أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جُحوداً وعناداً، وتعزُّزاً واستكباراً، لا لخلل فيهم، ثم أوعدهم بالهلاك، كما أهلك مَن قبلهم، فاستغاثوا حين لم ينفعهم الغياث. ثم ذكر تعجبهم من كون المنذرِ منهم فقال: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ الحسن (صاد) بكسر الدال. وقال عيسى بن عمر بفتحها. الباقون بالوقف، وهو الصحيح، لأن حروف الهجاء يوقف عليها. ومن كسر فلاجتماع الساكنين. وقيل: إنه جعل من المصاداة وهي المعارضة. ومن فتح فلأن الفتحة أخف من الكسرة، ولم يعدوا (صاد) آية، لأنه يشبه الاسم المفرد في انه على ثلاثة احرف في هجاء حروف المعجم، نحو (باب، وذات، وناب) وإنما يعد آية ما يشبه الجملة وشاكل آخره رؤس الآي التي بعده بالردف ومخرج الحروف. وليس - ها هنا - شيء من ذلك. واختلفوا في معنى (صاد) فقال قوم: هو اسم السورة على ما أخبرناه في ما مضى. وقال ابن عباس: هو اسم من اسماء الله أقسم به. وقال السدي: هو من حروف المعجم. وقال الضحاك: معناه صدق، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم الله تعالى به. وقال الحسن: هو من المصاداة وهو (صاد) بالكسر أمر للنبي صلى الله عليه وآله أي عارض القرآن بعملك {والقرآن} قسم. فلذلك جر {ذي الذكر} قال ابن عباس: ذي الشرف، وقال الضحاك وقتادة: ذي التذكر. وقيل: معناه ذى الذكر للبيان والبرهان، المؤدي إلى الحق الهادي إلى الرشد الرادع عن الغي، وفيه ذكر الأدلة التي من تمسك بها سعد. ومن عدل عنها شقي. ومن عمل بها نجا. ومن ترك العمل بها هلك. واختلفوا في جواب القسم، فقال قوم: هو محذوف وتقديره لجاء الحق وظهر، لان حذف الجواب في مثل هذا أبلغ، لان الذكر يقصر المعنى على وجه. والحذف يصرف إلى كل وجه فيعم. وقال قوم: جوابه ما دل عليه قوله {بل الذين كفروا} كأنه قال: والقرآن ذي الذكر ما الأمر على ما قالوا - ذكر ذلك قتادة - وقال الفراء والزجاج: الجواب {كم} وتقديره لكم أهلكناه، فلما طال الكلام حذفت اللام وصارت {كم} جواباً للقسم واليمين. ومثله قوله {أية : ونفس وما سوّاها فألهمها} تفسير : فصارت {قد أفلح} تابعة لقوله {فألهمها} وكفى عن جواب القسم، وكأنه قال: والشمس وضحاها. لقد افلح، وقال قوم: الجواب قوله {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} إلا انه قد بعد عن أول الكلام. وقوله {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} اخبار منه تعالى أن هؤلاء الكفار قد مكنهم واعطاهم القوة ليقووا بها على الطاعات، فتقووا - بسوء اختيارهم - بها على المعاصي وعلى دفع الحق الذي اتاهم وصاروا في شق غير شق رسولهم الذي من قبل ربهم. ثم اخبر تعالى انه اهلك أمماً كثيرة قبل هؤلاء الكفار حين عصاه الذين كفروا، فلما نزل بهم العذاب نادوا واستغاثوا {ولات حين مناص} معناه لات حين فرار من العذاب. وقيل: المناص المنجاة يقال: ناص ينوص نوصاً إذا تأخر وباص يبوص بوصاً إذا تقدم قال امرؤ القيس: شعر : أمن ذكر ليلى ان ناتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص تفسير : ونصب (لات حين) لانها مشبة بـ (ليس) من جهة أنها نفي ولا تعمل إلا في (الحين) خاصة لضعف الشبه عن منزلة (ما) إذ كانت (ما) تشبه (ليس) من جهة النفي والحال قال الشاعر: شعر : تذكر حب ليلى لات حينا واضحى الشيب قد قطع القرينا تفسير : والوقف على (لات) بالتاء على قياس نظيرها من (ثمت، وربت) لان ما قبلها ساكن - وهو قول الفراء - والكسائي يقف بالهاء (لاه) يجعل الالف في نية الحركة. ومن زعم انه (لا تحين) موصوله، فقد غلط، لأنها في المصحف وتأويل العلماء مفصولة. وقيل: ان (مناص) جر بـ (لات) وانشدوا لأبي زيد. شعر : طلبوا صلحنا ولات اوان فاجبنا أن ليس حين بقاء تفسير : وقال الزجاج: انشده ابو العباس بالرفع، وقد روي بالكسر. وقال الزجاج: من كسر رأى ان يجعله مبنياً بمنزلة نداء ذلك الأقوام وبناه، فحذف المضاف اليه وكسر دون ان يضم، لأنه نوّنه، فأجراه على نظائره من المنون المبني وأراد ولات أواناً. ثم اخبر تعالى ان الكفار عجبوا {حين جاءهم منذر} أي مخوف من جهة الله يحذرهم معاصيه ويدعوهم إلى طاعته، وقالوا: هذا شيء عجاب، وعجيب وعجاب وعجاب بمعنى واحد، مثل كريم وكرام، فعجب هؤلاء الكفار من أن الله بعث نبيهم وهو منهم، وقالوا: كيف خص بذلك، وليس باشرفنا ولا اغنانا. وقيل: إن أبا جهل وجماعة من أشراف قريش مشوا إلى أبي طالب وشكوا اليه النبي صلى الله عليه وآله وقالوا له: قد سفه احلامنا وشتم الالهة، فدعاه ابو طالب وقال له: حديث : ما لأهلك يشكونك، فقال النبي صلى الله عليه وآله أدعوهم إلى كلمتين حقيقتين يسودون على العرب بها، ويؤدي الخراج اليهم بها العجم، فقال ابو جهل وغيره: ما هما فقال صلى الله عليه وآله: تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فقال ابو جهل: أتجعل الالهة إلهاً واحداً؟!تفسير : فانزل الله الآية.
الجنابذي
تفسير : {صۤ} قرئ بالسّكون وهو الاصل فى فواتح السّور، وقرئ بكسر الدّال امّا لالتقاء السّاكنين والتّحريك بالكسر، او لجعله امراً من المصاداة وهى المعارضه، وقرئ بفتح الدّال لالتقاء السّاكنين، او لجعله علماً للسّورة ومنع صرفه وفى اخبارٍ كثيرة انّ ص عين تنبع من تحت العرش، او من يمين العرش، او من ركنٍ من اركان العرش وهى ماء الحيٰوة، وفى خبر انّ ص من اسماء الله، او من اسماء النّبىّ (ص) وقد سبق فى اوّل البقرة تفصيل تامّ يغنينا ههنا عن التّعرّض لبيانه {وَٱلْقُرْآنِ} اقسم بالقرآن {ذِي ٱلذِّكْرِ} والجواب محذوف اى انّ القرآن حقّ، او انّك حقّ، او انّ الكافرين به او بك كفروا به لا لحجّةٍ.
الأعقم
تفسير : {ص}، قيل: قسم، وقيل: اسم من أسماء الله تعالى عن ابن عباس، وقيل: من أسماء القرآن، وقيل: فاتحة السورة {والقرآن ذي الذكر} ذي الشرف، وقيل: ذي البيان، حديث : وروي أن صناديد قريش وهم خمسة وعشرون رجلاً: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وأميَّة بن خلف، والعاص وغيرهم، أتوا أبا طالب حين اشتد عليهم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وقد أتينا لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فدعا أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك، فقال: "وماذا يسألوني؟". فقال: دعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟" فقال أبو جهل: نعطيك ذلك وعشر أمثالها، فقال: قولوا: "لا إله إلا الله"تفسير : ، فقال تعالى وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ كيف يسع الخلق كلهم إلهاً واحداً؟ فنزلت هذه الآيات {بل الذين كفروا في عزّة وشقاق} أي تكبر عن الحق ومخالفه {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني قبِل هؤلاء الكفار جماعة بعد جماعة {فنادوا} يعني حين أصابهم العذاب نادوا نداء مستغيث بالايمان {ولات حين مناص} أي ليس حين مهرب، وقيل: ليس منجى، والمناص: المنجى {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} يعنوا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني عصوا بأن جاءهم منذر منهم {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} {اجعل الآلهة إلهاً واحداً} أي جعل العالم إلهاً واحداً {إن هذا لشيء عجاب} أي متناهي في الأعجوبة {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم} نزلت الآية في الذين اجتمعوا عند أبي طالب قيل: امشوا ولا تقيموا على سماع القرآن {واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} أي يريده الله ويحكم بإمضائه، أو أن دينكم لشيء يراد أي يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {صۤ}. قال بعضهم: يعني صادق كقوله: (أية : كۤهيعۤصۤ) تفسير : [مريم: 1] أي: كاف، هاد، عالم، صادق. {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} أي: الذكر فيه، والذكر: البيان. {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}. وهذا قسم. أي: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي: في تعزّز وفراق للنبي عليه السلام وما جاء به. وقال بعضهم: (وَشِقَاقٍ) أي: اختلاف. قال: {كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم} أي: من قبل قومك يا محمد {مِّن قَرْنٍ} أي: من أمة {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: فكذّبوا رسلهم فجاءهم العذاب، فنادوا بالتوبة وبأن (أية : قَالُواْ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) تفسير : [الأنبياء: 14] وفرّوا من قريتهم. وهو كقوله: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا باللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} قال الله: (أية : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) تفسير : [غافر: 85] أي عذابنا. وكقوله: (أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً) تفسير : أي: مشركة (أية : وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ) تفسير : أي: يفرّون. (أية : لاَ تَرْكُضُواْ) تفسير : يقول: لا تفرّوا (أية : وَارْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِقْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) تفسير : أي: من دنياكم. يستهزئ بهم، أي: لا يكون ذلك. يقول: (أية : قَالُواْ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) تفسير : [الأنبياء: 11-14]. قال: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: ليس حين فرار ولا حين تقبل التوبة [فيه]. ذكروا عن أبي إسحاق الهمداني عن رجل من بني تميم قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال: الحين ليس بنَزْوٍ ولا فرار.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {ص}: قرأ الجمهور (ص) بسكون الدال ولو التقاء ساكنين والله أعلم بمراده وقيل اسم للسورة وعليه خبر لمحذوف أي هذه السورة (ص) أو مفعول لمحذوف أي اقرأ السورة. وقال ابن عباس (معناه صدق محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال الضحاك: (معناه صدق الله)، وقال محمد بن كعب القرظي: (هو مفتاح أسماء الله صمد صادق ونحوهما). وعلى قول ابن عباس وقول الضحاك هو أول فعل ماض وعلى قول محمد خبر لمحذوف أي الله صمد صادق وغير ذلك، وقرأ أبيّ بن كعب والحسن وابن أبي اسحق (ص) بكسر الدال بلا تنوين اما على أصل التقاء الساكنين وذلك أنه لا يجوز التقاء الساكنين الا وقفاً أو ضرورة أو حيث كان أولهما حرف علة وثانيهما مدغماً وقيل لا يجوز إلا وقفاً وأجازه الكوفيون مطلقاً واما على أنه فعل أمر مبني على حذف آخره وهو التاء من المصاداة بمعنى المعارضة ومنه الصدى وهو اعادة الجبل ونحوه صوت الصائت أي عارض القرآن بعملك وماثله بعلم وقارب بطاعتك وهو تفشي الحسن أي أنظر أين عملك منه. وقرئ (ص) بالكسر والتنوين صرفاً للتأويل بالكتاب وقرئ (ص) بفتح الدال بمنع الصرف للعلمية والتأنيث على أنه علم سورة فالفتح جر أو نصب على نزع الخافض وهو حرف القسم كما يقال لأفعلن بالفتح والكسر أي والله أو الفتح تخلصاً من التقاء الساكنين واختير لخفته* {وَالْقُرآنِ} الواو للعطف على القسم أن جعل (ص) قسما وللقسم إن لم يجعل كذلك بل جعل اسم جر أو مذكور المتحدي أو جعل على ما مر وجواب القسم محذوف دل عليه ما في (ص) من الدلالة على التحدي أي أنه لمعجز أو الصدق أي أن الله ورسوله لصادق أو ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة ودل على هذا {أية : بل الذين كفروا} تفسير : وهو الصحيح؛ وقيل: الجواب ان هذا لرزقنا؛ وقيل: ان ذلك لحق وعليه الكوفيون والزجاج؛ وقيل: {أية : إِن كل إِلا كذب الرسل} تفسير : وعليه بعض البصريين ومنهم الأخفش ورد هذه الثلاثة ابن هشام للبعد بين القسم وجوابه وزعم أن الجواب {أية : بل الذين كفروا} تفسير : ومرده أن الجواب لا يقرن ببل* {ذِي الذِّكْرِ} قال ابن عباس وغيره: ذي الشرف الباقي المخلد بكسر اللام أو فتحها؛ وقيل: (ذي البيان). وقال قتادة: ذي التذكرة للناس والهداية لهم وقيل: {ذي الذكر} للاعم والقصص والغيوب أو ذي الشهرة أو ذكر ما يحتاج في الدين من العقائد والشرائع والمواعد أو ذي العظمة ولا مانع من ارادة جميع ذلك*
اطفيش
تفسير : {ص والقُرآن} الواو للقسم {ذي الذِّكْر} صاحب الوعظ لاشتماله، أو اسم مصدر أى ذى التذكير، أو ذكر ما يحتاج اليه من أمر الدين والأحكام، والقصص والأخبار عن الأنبياء والأمم، والوعد والوعيد، وجواب القسم محذوف، أى انك لرسول من الله، كما جعلت الرسالة جوابا فى قوله تعالى: " أية : إنك لمن المرسلين" تفسير : [يس: 3] وقد ذكر الانذار هنا كما قال: " أية : لتنذر قوما" تفسير : [يس: 6] أو يقدر أنه أى القرآن لمعجز، أو السورة لمعجزة أو ما كفر من كفر لخلل فى القرآن، أو لقد جاءكم الحق أو ما الأمر كما تزعمون، أو ما أنت بمقصر فى التبليغ والتذكير، وأضرب عن الجواب المقدر بقوله: {بلِ الَّذينَ كَفَروا فى عزَّةٍ} تكبر عن الحق مع وضوحه {وشِقاقٍ} مخالفة الله عز وجل، ورسول صلى الله عليه وسلم، كقولهم: أنت فى شق غير شق صاحبك، ومن قولهم شق العصا بمعنى فارق وخالف، وقيل الجواب قوله: " أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار" تفسير : [ص: 64] ويرده كثرة الفصل، وأن هذه الإشارة ما ذكر لها المشار اليه الا بعيدا عن القسم، وقيل: {أية : إنْ كل إلاَّ كذب الرسل}تفسير : [ص: 14] وهو مروى عن الأخفش، ويرده البعد، واستئناف ما اتصل به هذا الجواب المدعى، وايضا أى فائدة فى القسم على أنهم كلهم كذبوا الرّسل إلا بقيمة قوله: " أية : فحق عقاب" تفسير : [ص: 14] وقيل: " أية : كم أهلكنا من قبلهم من قرن" تفسير : [ص: 3] ويرده أنه إنشاء، والإنشاء لا يكون جوابا للقسم بغير الباء، وأما كون كم لا تقبل لام جواب القسم لأنها مفعول به مقدم، فلا يعتبر لجواز كون جواب القسم بلا لام.
الالوسي
تفسير : {صۤ} بالسكون على الوقف عند الجمهور، وقرأ أبـي والحسن وابن أبـي إسحق وأبو السمال وابن أبـي عبلة ونصر بن عاصم {صاد} بكسر الدال؛ والظاهر أنه كسر لالتقاء الساكنين وهو حرف من حروف المعجم نحو {ق } و {ن }. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه أمر من صادي أي عارض، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت الأول ويقابله بمثله في الأماكن الخالية والأجسام الصلبة العالية، والمعنى عارض القرآن بعملك أي إعمل بأوامره ونواهيه، وقال عبد الوهاب: أي أعرضه على عملك فانظر أين عملك من القرآن، وقيل هو أمر من صادى أي حادث، والمعنى حادث القرآن، وهو رواية عن الحسن أيضاً وله قرب من الأول. وقرأ عيسى ومحبوب عن أبـي عمرو وفرقة {صاد} بفتح الدال، وكذا قرؤا قاف ونون بالفتح فيهما فقيل هو لالتقاء الساكنين أيضاً طلباً للخفة، وقيل هو حركة إعراب على أن {صاد} منصوب بفعل مضمر أي اذكر أو اقرأ صاد أو بفعل القسم بعد نزع الخافض لما فيه من معنى التعظيم المتعدي بنفسه نحو الله لأفعلن أو مجرور بإضمار حرف القسم، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث بناء على أنه علم للسورة، وقد ذكر الشريف أنه إذا اشتهر مسمى بإطلاق لفظ عليه يلاحظ المسمى في ضمن ذلك اللفظ وأنه بهذا الاعتبار يصح اعتبار التأنيث في الاسم. وقرأ ابن أبـي إسحق في رواية {صاد} بالجر والتنوين، وذلك إما لأن الثلاثي الساكن الوسط يجوز صرفه بل قيل إنه الأرجح، وإما لاعتبار ذلك اسماً للقرآن كما هو أحد الاحتمالات فيه فلم يتحقق فيه العلتان فوجب صرفه، والقول بأن ذاك لكونه علماً لمعنى السورة لا للفظها فلا تأنيث فيه مع العلمية ليكون هناك علتان لا يخلو عن دغدغة. وقرأ ابن السميفع وهٱرون الأعور والحسن في رواية {صاد} بضم الدال، وكأنه اعتبر اسماً للسورة وجعل خبر مبتدأ محذوف أي هذه صاد. ولهم في معناه غير متقيدين بقراءة الجمهور اختلاف كأضرابه من أوائل السور، فأخرج عبد بن حميد عن أبـي صالح قال: سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن {ص} فقالا: ما ندري ما هو، وهو مذهب كثير في نظائره، وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن عباس عن {صۤ} فقال: ص كان بحراً بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال ابن جبير: هو بحر يحيـي الله تعالى به الموتى بين النفختين، والله تعالى أعلم بصحة هذين الخبرين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال {صۤ} صدق الله، وأخرج ابن مردويه عنه أنه قال: {صۤ} يقول إني أنا الله الصادق، وقال محمد ابن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله تعالى (صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد). وقيل هو إشارة إلى صدود الكفار عن القرآن، وقيل حرف مسرود على منهاج التحدي، وجنح إليه غير واحد من أرباب التحقيق، وقيل اسم للسورة وإليه ذهب الخليل وسيبويه والأكثرون، وقيل اسم للقرآن وقيل غير ذلك باعتبار بعض القراآت كما سمعت عن قريب. ومن الغرييب أن المعنى صاد محمد صلى الله عليه وسلم قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به، ولعل القائل به اعتبره فعلاً ماضياً مفتوح الآخر أو ساكنه للوقف، وأنا لا أقول به ولا أرتضيه وجهاً، وهو على بعض هذه الأوجه لا حظ له من الإعراب، وعلى بعضها يجوز أن يكون مقسماً به ومفعولاً لمضمر وخبر مبتدأ محذوف، وعلى بعضها يتعين كونه مقسماً به، وعلى بعض ما تقدم في القراءات يتأتى ما يتأتى مما لا يخفى عليك، وبالجملة إن لم يعتبر مقسماً به فالواو في قوله سبحانه: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} للقسم وإن اعتبر/ مقسماً به فهي للعطف عليه لكن إذا كان قسماً منصوباً على الحذف والإيصال يكون العطف عليه باعتبار المعنى والأصل، ثم المغايرة بينهما قد تكون حقيقية كما إذا أريد بالقرآن كله و بص السورة أو بالعكس أو أريد بص البحر الذي قيل به فيما مر وبالقرآن كله أو السورة، وقد تكون اعتبارية كما إذا أريد بكل السورة أو القرآن على ما قيل، ولا يخفى ما تقتضيه الجزالة الخالية عن التكلف. وضعف جعل الواو للقسم أيضاً بناء على قول جمع أن توارد قسمين على مقسم عليه واحد ضعيف. والذكر كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس الشرف ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }تفسير : [الزخرف: 44] أو الذكرى والموعظة للناس على ما روي عن قتادة والضحاك، أو ذكر ما يحتاج إليه في أمر الدين من الشرائع والأحكام وغيرها من أقاصيص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخبار الأمم الدارجة والوعد والوعيد على ما قيل. وجواب القسم قيل مذكور فقال الكوفيون والزجاج: هو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } تفسير : [ص: 64] وتعقبه الفراء بقوله: لا نجده مستقيماً لتأخر ذلك جداً عن القسم، وقال الأخفش هو {أية : إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ}تفسير : [ص: 14] وقال قوم: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } تفسير : [ص: 6] وحذفت اللام أي لكم لما طال الكلام كما حذفت من {أية : قَدْ أَفْلَحَ }تفسير : [الشمسِ: 9] بعد قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ }تفسير : [الشمس: 1] حكاه الفراء وثعلب، وتعقبه الطبرسي بأنه غلط لأن اللام لا تدخل على المفعول و {كَمْ } مفعول. وقال أبو حيان: إن هذه الأقوال يجب إطراحها. ونقل السمرقندي عن بعضهم أنه {أية : بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [ص: 2] الخ فإن {بَلِ } لنفي ما قبله وإثبات ما بعده فمعناه ليس الذين كفروا إلا في عزة وشقاق. وجوز أن يريد هذا القائل أن {بَلِ } زائدة في الجواب أو ربط بها الجواب لتجريدها لمعنى الإثبات. وقيل هو صاد إذ معناه صدق الله تعالى أو صدق محمد صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى الفراء وثعلب، وهو مبني على جواز تقدم جواب القسم واعتقاد أن {صۤ} تدل على ما ذكر، ومع هذا في كون ص نفسه هو الجواب خفاء، وقيل هو جملة هذه صاد على معنى السورة التي أعجزت العرب فكأنه قيل: هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر وهذا كما تقول: هذا حاتم والله تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله، وهو مبني على جواز التقدم أيضاً، وقيل هو محذوف فقدره الحوفي لقد جاءكم الحق ونحوه، وابن عطية ما الأمر كما تزعمون ونحوه، وقدره بعض المحققين ما كفر من كفر لخلل وجده ودل عليه بقوله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ } الخ، وآخر إنه لمعجز ودل عليه ما في {صۤ} من الدلالة على التحدي بناء على أنه اسم حرف من حروف المعجم ذكر على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز أو ما في أقسم بص أو هذه ص من الدلالة على ذلك بناء على أنه اسم للسورة أو أنه لواجب العمل به دل عليه {صۤ} بناء على كونه أمراً من المصاداة، وقدره بعضهم غير ذلك، وفي «البحر» ينبغي أن يقدر هنا ما أثبت جواباً للقسم بالقرآن في قوله تعالى: {أية : يسۤ * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [يس:1-3]. ويقوي هذا التقدير ذكر النذارة هنا في قوله تعالى: {أية : وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ }تفسير : [ص: 4] وهناك في قوله سبحانه: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً}تفسير : [يس: 6] فالرسالة تتضمن النذارة والبشارة. وجعل بل في قوله تعالى:{بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة مكية، تعالج من موضوعات السور المكية قضية التوحيد، وقضية الوحي إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقضية الحساب في الآخرة. وتعرض هذه القضايا الثلاث في مطلعها الذي يؤلف الشوط الأول منها. وهو الآيات الكريمة التي فوق هذا الكلام. وهي تمثل الدهش والاستغراب والمفاجأة التي تلقى بها كبار المشركين في مكة دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم إلى توحيد الله؛ وإخبارهم بقصة الوحي واختياره رسولاً من عند الله: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم. وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً: إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. أأنزل عليه الذكر من بيننا؟}.. كما تمثل استهزاءهم واستنكارهم لما أوعدهم به جزاء تكذيبهم من عذاب: {وقالوا: ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}.. لقد استكثروا أن يختار الله ـ سبحانه ـ رجلاً منهم، لينزل عليه الذكر من بينهم. وأن يكون هذا الرجل هو محمد بن عبدالله. الذي لم تسبق له رياسة فيهم ولا إمارة! ومن ثم ساءلهم الله في مطلع السورة تعقيباً على استكثارهم هذا واستنكارهم وقولهم: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} ساءلهم: {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب؟ أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما؟ فليرتقوا في الأسباب}.. ليقول لهم: إن رحمة الله لا يمسكها شيء إذا أراد الله أن يفتحها على من يشاء. وإنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض، وإنما يفتح الله من رزقه ورحمته على من يشاء. وإنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير، وينعم عليهم بشتى الإنعامات بلا قيد ولا حد، ولا حساب.. وفي هذا السياق جاءت قصة داود وقصة سليمان؛ وما أغدق الله عليهما من النبوة والملك، ومن تسخير الجبال والطير، وتسخير الجن والريح، فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع. وهما ـ مع هذا كله ـ بشر من البشر؛ يدركهما ضعف البشر وعجز البشر؛ فتتداركهما رحمة الله ورعايته، وتسد ضعفهما وعجزهما، وتقبل منهما التوبة والإنابة، وتسدد خطاهما في الطريق إلى الله. وجاء مع القصتين توجيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر على ما يلقاه من المكذبين، والتطلع إلى فضل الله ورعايته كما تمثلها قصة داود وقصة سليمان: {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب... الخ}.. كذلك جاءت قصة أيوب تصور ابتلاء الله للمخلصين من عباده بالضراء. وصبر أيوب مثل في الصبر رفيع. وتصور حسن العاقبة، وتداركه برحمة الله، تغمره بفيضها، وتمسح على آلامه بيدها الحانية.. وفي عرضها تأسية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمؤمنين، عما كانوا يلقونه من الضر والبأساء في مكة؛ وتوجيه إلى ما وراء الابتلاء من رحمة، تفيض من خزائن الله عندما يشاء. وهذا القصص يستغرق معظم السورة بعد المقدمة، ويؤلف الشوط الثاني منها. كذلك تتضمن السورة رداً على استعجالهم بالعذاب، وقولهم: {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}.. فيعرض بها ـ بعد القصص ـ مشهد من مشاهد القيامة، يصور النعيم الذي ينتظر المتقين. والجحيم التي تنتظر المكذبين. ويكشف عن استقرار القيم الحقيقية في الآخرة بين هؤلاء وهؤلاء. حين يرى الملأ المتكبرون مصيرهم ومصير الفقراء الضعاف الذين كانوا يهزأون بهم في الأرض ويسخرون، ويستكثرون عليهم أن تنالهم رحمة الله، وهم ليسوا من العظماء ولا الكبراء. وبينما المتقون لهم حسن مآب {أية : جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب. وعندهم قاصرات الطرف أتراب}.. تفسير : فإن للطاغين لشر مآب {أية : جهنم يصلونها فبئس المهاد. هذا فليذوقوه حميم وغساق، وآخر من شكله أزواج}..تفسير : وهم يتلاعنون في جهنم ويتخاصمون، ويذكرون كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين: {أية : وقالوا: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدُّهم من الأشرار. أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار؟} تفسير : فإنهم لا يجدونهم في جهنم. وقد عُرف أنهم هنالك في الجنان! فهذا هو جواب ذلك الاستعجال والاستهزاء! وهذا المشهد يؤلف الشوط الثالث في السورة. كما يرد على استنكارهم لما يخبرهم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمر الوحي. ويتمثل هذا الرد في قصة آدم في الملأ الأعلى. حيث لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاضراً؛ إنما هو إخبار الله له بما كان، مما لم يشهده ـ غير آدم ـ إنسان ـ وفي ثنايا القصة يتبين أن الذي أردى إبليس، وذهب به إلى الطرد واللعنة، كان هو حسده لآدم ـ عليه السلام ـ واستكثاره أن يؤثره الله عليه ويصطفيه. كما أنهم هم يستكثرون على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصطفيه الله من بينهم بتنزيل الذكر؛ ففي موقفهم شبه واضح من موقف إبليس المطرود اللعين! وتختم السورة بختام هذا الشوط الرابع والأخير فيها؛ بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم: إن ما يدعوهم إليه لا يتكلفه من عنده، ولا يطلب عليه أجراً، وإن له شأناً عظيماً سوف يتجلى: {أية : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين }.. تفسير : هذه الأشواط الأربعة التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى؛ تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين، الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين، ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلان: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب. كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب. إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب}.. تعرض على القلب البشري هذه الصفحة. صفحة الهزيمة والدمار والهلاك للطغاة المكذبين. ثم تعرض بإزائها صفحة العز والتمكين والرحمة والرعاية لعباد الله المختارين، في قصص داود وسليمان وأيوب. هذا وذلك في واقع الأرض.. ثم تطوف بهذا القلب في يوم القيامة وما وراءه من صور النعيم والرضوان. وصور الجحيم والغضب. حيث يرى لوناً آخر مما يلقاه الفريقان في دار البقاء. بعدما لقياه في دار الفناء.. والجولة الأخيرة في قصة البشرية الأولى وقصة الحسد والغواية من العدو الأول، الذي يقود خطى الضالين عن عمد وعن سابق إصرار. وهم غافلون. كذلك ترد في ثنايا القصص لفتة تلمس القلب البشري وتوقظه إلى الحق الكامن في بناء السماء والأرض. وأنه الحق الذي يريد الله بإرسال الرسل أن يقره بين الناس في الأرض. فهذا من ذلك: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}.. تفسير : وهي لفتة لها في القرآن نظائر. وهي حقيقة أصيلة من حقائق هذه العقيدة التي هي مادة القرآن المكي الأصيلة.. والآن نأخذ في التفصيل.. {ص؟ والقرآن ذي الذكر. بل الذين كفروا في عزة وشقاق. كم أهلكنا من قبلهم من قرن، فناداوا ولات حين مناص}.. هذا الحرف.. "صاد" يقسم به الله سبحانه كما يقسم بالقرآن ذي الذكر. وهذا الحرف من صنعة الله تعالى. فهو موجده. موجده صوتاً في حناجر البشر؛ وموجده حرفاً من حروف الهجاء التي يتألف من جنسها التعبير القرآني. وهي في متناول البشر ولكن القرآن ليس في متناولهم لأنه من عند الله. وهو متضمن صنعة الله التي لا يملك البشر الإتيان بمثلها لا في القرآن ولا في غير القرآن. وهذا الصوت.. "صاد".. الذي تخرجه حنجرة الإنسان. إنما يخرج هكذا من هذه الحنجرة بقدرة الخالق المبدع، الذي صنع الحنجرة وما تخرجه من أصوات. وما يملك البشر أن يصنعوا مثل هذه الجنجرة الحية التي تخرج هذه الأصوات! وإنها لمعجزة خارقة لو كان الناس يتدبرون الخوارق المعجزة في كل جزئية من جزئيات كيانهم القريب! ولو عقلوها ما دهشوا لوحي يوحيه الله لبشر يختاره منهم. فالوحي ليس أكثر غرابة من إيداع تكوينهم هذه الخصائص المعجزات! {صاد. والقرآن ذي الذكر}.. والقرآن يشتمل الذكر كما يشتمل غيره من التشريع والقصص والتهذيب.. ولكن الذكر والاتجاه إلى الله هو الأول. وهو الحقيقة الأولى في هذا القرآن. بل إن التشريع والقصص وغيرهما إن هي إلا بعض هذا الذكر. فكلها تذكر بالله وتوجه القلب إليه في هذا القرآن. وقد يكون معنى ذي الذكر. أي المذكور المشهور. وهو وصف أصيل للقرآن: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق}.. وهذا الإضراب في التعبير يلفت النظر. فهو يبدو كأنه انقطاع عن الموضوع الأول. موضوع القسم بصاد وبالقرآن ذي الذكر. هذا القسم الذي لم يتم في ظاهر التعبير. لأن المقسم عليه لم يذكر واكتفى بالمقسم به ثم أخذ يتحدث بعده عن المشركين. وما هم فيه من استكبار ومن مشاقة. ولكن هذا الانقطاع عن القضية الأولى هو انقطاع ظاهري، يزيد الاهتمام بالقضية التي تليه. لقد أقسم بصاد وبالقرآن ذي الذكر. فدل على أنه أمر عظيم، يستحق أن يقسم به الله سبحانه. ثم عرض إلى جانب هذا استكبار المشركين ومشاقتهم في هذا القرآن. فهي قضية واحدة قبل حرف الإضراب {بل} وبعده. ولكن هذا الالتفات في الأسلوب يوجه النظر بشدة إلى المفارقة بين تعظيم الله ـ سبحانه ـ لهذا القرآن، واستكبار المشركين عنه ومشاقتهم فيه. وهو أمر عظيم! وعقب على الاستكبار والمشاقة، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم، ممن كذبوا مثلهم، واستكبروا استكبارهم، وشاقوا مشاقتهم. ومشهدهم وهم يستغيثون فلا يغاثون، وقد تخلى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذلة، وتخلوا عن الشقاق ولجأوا إلى الاستعطاف. ولكن بعد فوات الأوان: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن، فنادوا، ولات حين مناص}! فلعلهم حين يتملون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم؛ وأن يرجعوا عن شقاقهم. وأن يتمثلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون. ينادون ويستغيثون. وفي الوقت أمامهم فسحة، قبل أن ينادوا ويستغيثوا، ولات حين مناص. ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص! يطرق قلوبهم تلك الطرقة، ويوقع عليها هذا الإيقاع قبل أن يعرض تفصيل تلك العزة وهذا الشقاق.. ثم يفصل الأمر ويحكي ما هم فيه من عزة وشقاق: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب! وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم. إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق}.. هذه هي العزة: {أأنزل عليه الذكر من بيننا}.. وذلك هو الشقاق: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً..؟}.. {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة..!}.. {هذا ساحر كذاب}.. {إن هذا إلا اختلاق}.. الخ. الخ.. وقصة العجب من أن يكون الرسول بشراً قصة قديمة، مكرورة معادة، قالها كل قوم وتعللوا بها منذ بدء الرسالات. وتكرر إرسال الرسل من البشر؛ وظل البشر مع هذا يكررون الاعتراض: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم}.. وأوجب شيء وأقرب شيء إلى الحكمة والمنطق أن يكون المنذر منهم. بشراً يدرك كيف يفكر البشر وكيف يشعرون؛ ويحس ما يعتلج في نفوسهم، وما يشتجر في كيانهم، وما يعانون من نقص وضعف، وما يجدون من ميول ونزعات، وما يستطيعون أو لا يستطيعون من جهد وعمل، وما يعترضهم من عوائق وعقبات، وما يعتريهم من مؤثرات واستجابات.. بشراً يعيش بين البشر ـ وهم منهم ـ فتكون حياته قدوة لهم؛ وتكون لهم فيه أسوة. وهم يحسون أنه واحد منهم، وأن بينهم وبينه شبهاً وصلة. فهم مطالبون إذن بالمنهج الذي يأخذ به نفسه، ويدعوهم لاتباعه. وهم قادرون على الأخذ بهذا المنهج فقد حققه أمامهم بشر منهم في واقع حياته.. بشراً منهم. من جيلهم. ومن لسانهم. يعرف مصطلحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفصيلات حياتهم. ويعرفون لغته، ويفهمون عنه، ويتفاهمون معه، ويتجاوبون وإياه. ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة من اختلاف جنسه. أو اختلاف لغته. أو اختلاف طبيعة حياته أو تفصيلات حياته. ولكن أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون، هو الذي كان دائماً موضع العجب، ومحط الاستنكار، وموضوع التكذيب! ذلك أنهم كانوا لا يدركون حكمة هذا الاختيار؛ كما كانوا يخطئون تصور طبيعة الرسالة. وبدلاً من أن يروها قيادة واقعية للبشرية في الطريق إلى الله. كانوا يتصورونها خيالية غامضة محوطة بالأسرار التي لا يصح أن تكون مفهومة هكذا وقريبة! كانوا يريدونها مثلاً خيالية طائرة لا تلمس بالأيدي، ولا تبصر في النور، ولا تدرك في وضوح، ولا تعيش واقعية في دنيا الناس! وعندئذ يستجيبون لها كأسطورة غامضة كما كانوا يستجيبون للأساطير التي تؤلف عقائدهم المتهافتة! ولكن الله أراد للبشرية ـ وبخاصة في الرسالة الأخيرة ـ أن تعيش بهذه الرسالة عيشة طبيعية واقعية. عيشة طيبة ونظيفة وعالية، ولكنها حقيقة في هذه الأرض. لا وهماً ولا خيالاً ولا مثلاً طائراً في سماء الأساطير والأحلام! يعز على التحقيق ويهرب في ضباب الخيالات والأوهام! {وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب}.. قالوا كذلك استبعاداً لأن يكون الله قد أوحى إلى رجل منهم. وقالوه كذلك تنفيراً للعامة من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتهويشاً على الحق الواضح في حديثه، والصدق المعروف عن شخصه. والحق الذي لا مرية فيه أن كبراء قريش لم يصدقوا أنفسهم لحظة وهم يقولون عن محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يعرفونه حق المعرفة: إنه ساحر وإنه كذاب! إنما كان هذا سلاحاً من أسلحة التهويش والتضليل وحرب الخداع التي يتقنها الكبراء؛ ويتخذونها لحماية أنفسهم ومراكزهم من خطر الحق الذي يتمثل في هذه العقيدة؛ ويزلزل القيم الزائفة والأوضاع الباطلة التي يستند إليها أولئك الكبراء! ولقد نقلنا من قبل وننقل هنا واقعة الاتفاق بين كبراء قريش على استخدام حرب الدعاية ضد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحق الذي جاء به، لحماية أنفسهم وأوضاعهم بين الجماهير في مكة. ولصد القبائل التي كانت تفد إلى مكة في موسم الحج، عن الدين الجديد وصاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال ابن إسحاق: إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ـ وكان ذا سن فيهم ـ وقد حضر الموسم. فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقل به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة. وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: هو ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس ـ حين قدموا الموسم ـ لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا له أمره.. فذلك كان شأن الملأ من قريش في قولهم: ساحر كذاب. وهم يعلمون أنهم يكذبون فيما يقولون. ويعرفون أنه لم يكن ـ صلى الله عليه وسلم ـ بساحر ولا كذاب! وعجبوا كذلك من دعوته إياهم إلى عبادة الله الواحد. وهي أصدق كلمة وأحقها بالاستماع: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق}.. ويصور التعبير القرآني مدى دهشتهم من هذه الحقيقة الفطرية القريبة.. {أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟} كأنه الأمر الذي لا يتصوره متصور! {إن هذا لشيء عجاب}.. حتى البناء اللفظي {عجاب} يوحي بشدة العجب وضخامته وتضخيمه! كما يصور طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الجماهير، وتثبيتهم على ما هم عليه من عقيدة موروثة متهافتة. وإيهامهم أن وراء الدعوة الجديدة خبيئاً غير ظاهرها؛ وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور، مدركون لما وراء هذه الدعوى من خبيء! {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد}.. فليس هو الدين، وليست هي العقيدة، إنما هو شيء آخر يراد من وراء هذه الدعوة. شيء ينبغي أن تدعه الجماهير لأربابه، ولمن يحسنون فهم المخبآت وإدراك المناورات! وتنصرف هي إلى عادتها الموروثة، وآلهتها المعروفة، ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة! فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها. فلتطمئن الجماهير، فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم! إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامة، والبحث وراء الحقيقة. وتدبر ما يواجههم من حقائق خطرة. ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسم خطر على الطغاة، وخطر على الكبراء، وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير. وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل! ثم يموهون على الناس بظواهر العقيدة القريبة منهم. عقيدة أهل الكتاب. بعدما دخلت إليها الأساطير التي حرفتها عن التوحيد الخالص فيقولون: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق}. وكانت عقيدة التثليث قد شاعت في المسيحية. وأسطورة العزيز قد شاعت كذلك في اليهودية. فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة}.. ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق لله. الذي جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فما يقول إذن إلا اختلاقاً! ولقد حرص الإسلام حرصاً شديداً على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على العقائد التي سبقته. حرص هذا الحرص لأن التوحيد حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله؛ ويشهد بهذا هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة. ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها. ويحسن ونحن نستعرض مقاومة قريش لهذه العقيدة ودهشتها وعجبها من جعل الآلهة إلهاً واحداً. ومقاومة المشركين قبل قريش على مدار القرون ومدار الرسالات لهذه الحقيقة كذلك. وإصرار كل رسول عليها، وقيام كل رسالة على أساسها. والجهد الضخم الذي بذل في إقرار هذه الحقيقة في نفوس البشر على مدار الزمان.. يحسن أن نتوسع قليلاً في بيان قيمة هذه الحقيقة. إنها حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود.. إن وحدة النواميس الكونية التي تتحكم في هذا الكون الذي نراه واضحة؛ وناطقة بأن الإرادة التي أنشأت هذه النواميس لا بد أن تكون واحدة. وحيثما نظرنا إلى هذا الكون واجهتنا هذه الحقيقة، حقيقة وحدة النواميس. وحدة تشي بوحدة الإرادة. كل ما في هذا الكون في حركة دائمة منتظمة.. الذرة الصغيرة وهي الوحدة الأولى لكل ما في الكون من شيء ـ حي أو غير حي ـ في حركة مستمرة. فهي مؤلفة من الكترونات تتحرك حول النواة المؤلفة من بروتونات. كما تدور الكواكب حول الشمس في المجموعة الشمسية. وكما تدور المجرة المؤلفة من مجموعات شمسية ومن كتل سديمية حول نفسها. واتجاه الدورة في الكواكب وفي الشمس وفي المجرة اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق. عكس دورة الساعة!. والعناصر التي تتكون منها الأرض وبقية الكواكب السيارة واحدة. وعناصر النجوم هي كذلك من عناصر الأرض. والعناصر مؤلفة من ذرات. والذرات مؤلفة من الكترونات وبروتونات ونيوترونات.. كلها مؤلفة من هذه اللبنات الثلاث بلا استثناء.. "وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات. يرد العلماء "القوى" إلى أصل واحد: الضوء والحرارة. الأشعة السينية، الأشعة اللاسلكية، الأشعة الجيمية. وكل إشعاع في الدنيا.. كلها صور متعددة لقوة واحدة. تلك القوة المغناطيسية الكهربائية. إنها جميعاً تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة. "المادة ثلاث لبنات. والقوى موجات متأصلات. "ويأتي أينشتين وفي نظريته النسبية الخاصة، يكافئ بين المادة والقوى؛ ويقول: إن المادة والقوى شيء سواء. وتخرج التجارب تصدق دعواه. وخرجت تجربة أخيرة صدقت دعواه بأعلى صوت تسمعه الدنيا. ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليودينوتية. "المادة والقوى إذن شيء سواء". هذه هي الوحدة في تكوين الكون كما عرفها الإنسان أخيراً في تجاربه المحسوسة.. وهناك الوحدة الظاهرة في نظام الكون كما أشرنا إلى قانون الحركة الدائبة. ثم هي الحركة المنظمة المنسقة التي لا يشذ فيها شيء في هذا الكون. ولا يضطرب فيها شيء.. توازن هذه الحركة في جميع الكائنات بحيث لا يعطل بعضها بعضاً ولا يصدم بعضها بعضاً. وأقرب مثل هذه الكواكب والنجوم والمجرات الضخمة التي تسبح في الفضاء: {أية : وكل في فلك يسبحون}..تفسير : والتي تشهد بأن مجريها في هذا الفضاء، المنظم لحركتها وأبعادها ومواقعها واحد لا يتعدد، عارف بطبيعتها وحركتها. مقدر لهذا كله في تصميم هذا الكون العجيب. ونكتفي بهذه اللمحة الخاطفة في تتبع حقيقة الوحدة التي ينطق بها نظام هذا الكون ويشهد بها كل ما فيه. وهي حقيقة لا يستقيم أمر هذه البشرية إلا عليها. فوضوح هذه الحقيقة في الضمير البشري ذو أهمية بالغة في تصور البشر للكون من حولهم، ولموضعهم هم في هذا الكون، ولعلاقتهم بكل ما فيه من أشياء وأحياء. ثم في تصورهم لله الواحد ولحقيقة ارتباطهم به، وبما عداه ومن عداه في هذا الوجود.. وكل ذلك ذو أهمية بالغة في تكييف مشاعر البشر وتصورهم لكل شؤون الحياة. والمؤمن بالله الواحد. المدرك لمعنى هذه الوحدانية، يكيف علاقته بربه على هذا الأساس، ويضع علاقته بمن عدا الله وبما عداه، في موضعها الذي لا تتعداه، فلا تتوزع طاقاته ومشاعره بين آلهة مختلفة الأمزجة! ولا بين متسلطين عليه غير الله من خلق الله! والمؤمن بأن الله الواحد هو مصدر هذا الوجود الواحد يتعامل مع الوجود ومن فيه وما فيه على أساس من التعارف والتعاون والألفة والمودة، يجعل للحياة طعماً وشكلاً غير ما لها في نفس من لا يؤمن بهذه الوحدة، ولا يحسها بينه وبين كل ما حوله ومن حوله. والمؤمن بوحدة الناموس الإلهي في الكون يتلقى تشريعات الله له وتوجيهاته تلقياً خاصاً، لينسق بين القانون الذي يحكم حياة البشر والناموس الذي يحكم الكون كله؛ ويؤثر قانون الله، لأنه هو الذي ينسق بين حركة البشر وحركة الكون العام. وعلى الجملة فإن إدراك هذه الحقيقة ضروري لصلاح الضمير البشري واستقامته واستنارته وتصالحه مع الكون من حوله. وتنسيق حركته مع الحركة الكونية العامة. ووضوح الارتباطات بينه وبين خالقه. ثم بينه وبين الكون حوله. ثم بينه وبين كل ما في الكون من أحياء ومن أشياء! وما يتبع هذا من تأثرات أخلاقية وسلوكية واجتماعية وإنسانية عامة في كل مجال من مجالات الحياة. ومن ثم كان هذا الحرص على إقرار عقيدة التوحيد. وكان هذا الجهد الموصول المكرور مع كل رسالة وكل رسول. وكان هذا الإصرار من الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ على كلمة التوحيد بلا هوادة. وفي القرآن الكريم يتضح الحرص والجهد والإصرار في تكرار عرض قضية التوحيد ومقتضياتها في السور المكية على وجه التخصيص وفي السور المدنية كذلك في صور تناسب طبيعة الموضوعات التي تعالجها السور المدنية. وهذه هي الحقيقة التي كان المشركون يعجبون ذلك العجب من إصرار محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليها ويحاورونه فيها ويداورونه، ويعجبون الناس منه ومنها، ويصرفونهم عنها بكل وسيلة. وقد مضوا بعد هذا يعجبون من اختياره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليكون رسولاً: {أأنزل عليه الذكر من بيننا؟}.. وما كان في هذا من غرابة. ولكنه كان الحسد. الحسد الذي يدعو إلى العناد والمكابرة والشقاق. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدث، أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي من الليل في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوه أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض. لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك. ثم تفرقوا.. فلما أصبح الأخنس ابن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك! قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه! فقام عنه الأخنس وتركه.. فهو الحسد كما نرى. يقعد بأبي جهل عن الاعتراف بالحق الذي غالب نفسه عليه فغلبته ثلاث ليال! هو الحسد أن يكون محمد قد بلغ إلى مالا مطمع فيه لطامع. وهو السر في قولة من كانوا يقولون: {أأنزل عليه الذكر من بيننا؟}.. وهم الذين كانوا يقولون: {أية : لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}.. تفسير : يقصدون بالقريتين مكة والطائف، وفيهما كان كبراء المشركين وعظماؤهم الحاكمون المسودون؛ الذين كانوا يتطلعون إلى السيادة عن طريق الدين، كلما سمعوا أن نبياً جديداً قد أطل زمانه. والذين صدموا صدمة الحسد والكبر حينما اختار الله ـ على علم ـ نبيه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتح له أبواب رحمته وأفاض عليه من خزائنها ما علم أنه يستحقه دون العالمين. ويرد على تساؤلهم ذاك رداً تفوح منه رائحة التهكم والإنذار والتهديد: {بل هم في شك من ذكري. بل لما يذوقوا عذاب}.. إنهم يسألون: {أأنزل عليه الذكر من بيننا!}.. وهم في شك من الذكر ذاته، لم تستيقن نفوسهم أنه من عند الله؛ وإن كانوا يمارون في حقيقته، وهو فوق المألوف من قول البشر مما يعرفون. ثم يضرب عن قولهم في الذكر، وعن شكهم فيه، ليستقبل بهم تهديداً بالعذاب، {بل لما يذوقوا عذاب}.. وكأنما ليقول: إنهم يقولون ما يقولون لأنهم في منجاة بعد من العذاب؛ فأما حين يذوقونه فلن يقولوا من هذا شيئاً، لأنهم حينئذ سيعرفون! ثم يعقب على استكثارهم رحمة الله لمحمد في اختياره رسولاً من بينهم، بسؤالهم إن كانوا يملكون خزائن رحمة الله، حتى يتحكموا فيمن يعطون ومن يمنعون: {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب؟}.. ويندد بسوء أدبهم مع الله، وتدخلهم فيما ليس من شأن العبيد. والله يعطي من يشاء ويمنع من يريد. وهو العزيز القادر الذي لا يملك أحد أن يقف لإرادته. وهو الوهاب الكريم الذي لا ينفذ عطاؤه. وهم يستكثرون على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يختاره الله. فبأي حق وبأية صفة يوزعون عطاء الله؟ وهم لا يملكون خزائن رحمته؟! {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما؟}.. وهي دعوى لا يجرؤون على ادعائها. ومالك السماوات والأرض وما بينهما هو الذي يمنح ويمنع، ويصطفي من يشاء ويختار. وإذ لم يكن لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فما بالهم يدخلون في شؤون المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء؟ وعلى سبيل التهكم والتبكيت عقب على السؤال عما إذا كان لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما. بأنه إن كان الأمر كذلك {فليرتقوا في الأسباب}.. ليشرفوا على السماوات والأرض وما بينهما، ويتحكموا في خزائن الله؛ ويعطوا من يشاءون ويمنعوا من يشاءون. كما هو مقتضى اعتراضهم على اختيار الله المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء! ثم أنهى هذا الفرض التهكمي بتقرير حقيقتهم الواقعية: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب}.. إنهم ما يزيدون على أن يكونوا جنداً مهزوماً ملقى {هنالك} بعيداً؛ لا يقرب من تصريف هذا الملك وتدبير تلك الخزائن. ولا شأن له فيما يجزي في ملك الله؛ ولا قدرة له على تغيير إرادة الله؛ ولا قوة له على اعتراض مشيئة الله.. {جند ما}.. جند مجهول منكر هيِّن الشأن، {مهزوم}.. كأن الهزيمة صفة لازمة له، لاصقة به، مركبة في كيانه! {من الأحزاب}.. المختلفة الاتجاهات والأهواء! وما يبلغ أعداء الله ورسوله إلا أن يكونوا في هذا الموضع الذي تصوره ظلال التعبير القرآني، الموحية بالعجز والضعف والبعد عن دائرة التصريف والتدبير.. مهما تبلغ قوتهم، ويتطاول بطشهم، ويتجبروا في الأرض فترة من الزمان. ويضرب الله الأمثال لأولئك المتجبرين على مدار القرون؛ فإذا هم {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب}: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد، وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة. أولئك الأحزاب. إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب}.. فهذه أمثلة ممن سبقوا قريشاً في التاريخ. قوم نوح. وعاد. وفرعون صاحب الأهرام التي تقوم في الأرض كالأوتاد. وثمود. وقوم لوط. وقوم شعيب أصحاب الأيكة ـ الغابة الملتفة ـ {أولئك الأحزاب}! الذين كذبوا الرسل. فماذا كان من شأنهم وهم طغاة بغاة متجبرون؟.. {فحق عقاب}.. وكان ما كان من أمرهم. وذهبوا فلم يبق منهم غير آثار تنطق بالهزيمة والاندحار! ذلك كان شأن الأحزاب الغابرة في التاريخ.. فأما هؤلاء فمتروكون ـ في عمومهم ـ إلى الصيحة التي تنهي الحياة في الأرض قبيل يوم الحساب: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق}.. هذه الصيحة إذا جاءت لا تستأخر ولو فترة قصيرة مقدار فواق ناقة. وهي المسافة بين الحلبتين! لأنها تجيء في موعدها المحدد، الذي لا يستقدم ولا يستأخر. كما قدر الله لهذه الأمة الأخيرة أن ينظرها ويمهلها، فلا يأخذها بالدمار والهلاك كما أخذ من قبل أولئك الأحزاب. وكان هذا رحمة بهم من الله. ولكنهم لم يعرفوا قدر هذه الرحمة، ولم يشكروا لله هذه المنة. فاستعجلوا جزاءهم، وطلبوا أن يوفيهم الله حظهم ونصيبهم، قبل اليوم الذي أنظرهم إليه: {وقالوا: ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}.. وعند هذا الحد يتركهم السياق ويلتفت إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسليه عن حماقة القوم وسوء أدبهم مع الله، واستعجالهم بالجزاء، وتكذيبهم بالوعيد، وكفرهم برحمة الله.. ويدعوه أن يذكر ما وقع للرسل قبله من ابتلاء. وما نالهم من رحمة الله بعد البلاء..
ابن عاشور
تفسير : {ص} القول في هذا الحرف كالقول في نظائره من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل بعض السور بدون فرق أنها مقصودة للتهجِّي تحدِّياً لبلغاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وتورُّكاً عليهم إذ عجزوا عنه واتفق أهل العدّ على أن {ص} ليس بآية مستقلة بل هي في مبدأ آية إلى قوله: {ذِي الذِّكرِ}وإنما لم تعد {ص} آية لأنها حرف واحد كما لم يعد {أية : ق}تفسير : [ق: 1] و{أية : ن}تفسير : [القلم: 1] ; {وَٱلْقُرْءَانِ ذِىالذِّكْرِ} الواو للقسم أقسم بالقرآن قسَم تنويه به. ووصف بــــ {ذِي الذِّكر} لأن {ذي} تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصف مقصود التنويه به. و {الذكر}: التذكير، أي تذكير الناس بما هم عنه غافلون. ويجوز أن يراد بالذكر ذكر اللسان وهو على معنى: الذي يُذكر، بالبناء للنائب، أي والقرآن المذكور، أي الممدوح المستحِق الثناء على أحد التفسيرين في قوله تعالى: {أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم}تفسير : [الأنبياء: 10] أي شرفكم. وقد تردد المفسرون في تعيين جواب القسم على أقوال سبعة أو ثمانية وأحسن ما قيل فيه هنا أحد وجهين: أولهما أن يكون محذوفاً دلّ عليه حرف {ص} فإن المقصود منه التحدّي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بلُغتهم ومؤلَّفٌ من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته. فالتقدير: والقرآن ذي الذكر أنه لمن عند الله لهذا عجزتم عن الإِتيان بمثله. وثانيهما: الذي أرى أن الجواب محذوف أيضاً دل عليه الإِضراب الذي في قوله: {أية : بَللِ الذين كفروا في عزَّة وشِقَاقٍ}تفسير : [ص:2] بعد أن وُصف القرآن بــــ {ذِي الذِّكر}، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذِكر ومُوقظ للعقول فكأنه قيل: إنه لذكر ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون أنه ذكر ويقولون: سِحر مفترىً وهم يعلمون أنه حق كقوله تعالى: {أية : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون}تفسير : [الأنعام:33]، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق، وليس حرف {ص} هو المقسم عليه مقدماً على القسم، أي ليس دليلُ الجواب من اللفظ بل من المعنى والسياق. والغرض من حذف جواب القسم هنا الإِعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عناداً أو شقاقاً منهم.
الشنقيطي
تفسير : قرأه الجمهور: ص بالسكون منهم القراء السبعة، والتحقيق أن ص من الحروف المقطعة في أوائل السور كص في قوله تعالى {أية : الۤمۤصۤ} تفسير : [الأعراف: 1]، وقوله تعالى: {أية : كۤهيعۤصۤ} تفسير : [مريم: 1]. وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وبذلك التحقيق المذكور، تعلم أن قراءة من قرأ ص بكسر الدال غير منونة، ومن قرأها بكسر الدال منونة، ومن قرأها بفتح الدال، ومن قرأها بضمها غير منونة، كلها قراءات شاذة لا يعول عليها. وكذلك تفاسير بعض العلماء المبنية على تلك القراءات، فإنها لا يعوّل عليها أيضاً. كما روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: إن صاد بكسر الدال فعل أمر من صادى يصادي مصاداة إذا عارض، منه الصدى. وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الصلبة الخالية من الأجسام، أي عارض بعملك القرآن وقابله به، يعني امتثل أوامره واجتنب نواهيه واعتقد عقائده واعتبر بأمثاله واتعظ بمواعظه. وعن الحسن أيضاً: أن ص بمعنى حادث وهو قريب من الأول. وقرأءة ص بكسر الدال غير منونة: مروية عن أُبي بن كعب، والحسن وابن أبي إسحاق وأبي السمال وابن أبي عيلة ونصر بن عاصم. والأظهر في هذه القراءة الشاذة، أن كسر الدال سببه التخفيف لالتقاء الساكنين وهو حرف هجاء لا فعل أمر من صادى. وفي رواية عن ابن أبي إسحاق، أنه قرأ {صۤ} بكسر الدال مع التنوين على أنه مجرور بحرف قسم محذوف، وهو كما ترى، فسقوطه ظاهر. وكذلك قراءة من قرأ {صۤ} بفتح الدال من غير تنوين، فهي قراءة شاذة والتفاسير المبنية إليها ساقطة. كقول من قال: صاد محمد قلوب الناس واستمالهم حتى آمنوا به. وقول من قال: هو منصوب على الإغراء. أي الزموا صاد، أي هذه السورة، وقول من قال معناه اتل، وقول من قال: إنه منصوب بنزع الخافض، الذي هو حرف القسم المحذوف. وأقرب الأقوال على هذه القراءة الشاذة، أن الدال فتحت تخفيفاً لالتقاء الساكنين، واختير فيها الفتح إتباعاً للصاد، ولأن الفتح أخف الحركات، وهذه القراءة المذكورة قراءة عيسى بن عمر، وتروى عن محبوب عن أبي عمرو. وكذلك قراءة من قرأ صاد بضم الدال من غير تنوين، على أنه علم للسورة، وأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هذه صاد وأنه منع من الصرف للعلمية والتأنيث لأن السورة مؤنثة لفظاً. وهذه القراءة مروية عن الحسن البصري وابن السميقع وهرون الأعور. ومن قرأ صاد بفتح الدال قرأ: ق، ون كذلك، وكذلك من قرأها {صۤ} بضم الدال فإنه قرأ {أية : قۤ} تفسير : [ق: 1]: و {أية : نۤ} تفسير : [القلم: 1] بضم الفاء والنون. والحاصل أن جميع هذه القراءات، وجميع هذه التفاسير المبنية عليها، كلها ساقطة، لا معوّل عليها. وإنما ذكرناها لأجل التنبيه على ذلك. ولا شك أن التحقيق هو ما قدمنا من أن {صۤ} من الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن القراءة التي لا يجوز العدول عنها هي قراءة الجمهور التي ذكرناها. وقد قال بعض العلماء: إن ص مفتاح بعض أسماء الله تعالى كالصبور والصمد. وقال بعضهم معناه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن الله، إلى غير ذلك من الأقوال. وقد ذكرنا أنا قدمنا الكلام على ذلك مستوفّى في أول سورة هود. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1]، قد قدمنا أن أصل القرآن مصدر، زيد فيه الألف والنون. كما زيدتا في الطغيان، والرجحان، والكفران، والخسران، وأن هذا المصدر أريد به الوصف. وأكثر أهل العلم، يقولون: إن هذا الوصف المعبر عنه بالمصدر هو اسم المفعول. وعليه فالقرآن بمعنى المقروء من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته وأبرزته، ومنه قرأت الناقة السلا والجنين إذا أظهرته وأبرزته من بطنها، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته: شعر : تريك إذا دخلت على خلاء وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا تفسير : على إحدى الروايتين في البيت. ومعنى القرآن على هذا المقروء الذي يظهره القارئ، ويبرزه من فيه، بعباراته الواضحة. وقال بعض أهل العلم: إن الوصف المعبر عنه بالمصدر، هو اسم الفاعل. وعليه فالقرآن بمعنى القارئ وهو اسم فاعل قرأت، بمعنى جمعت. ومنه قول العرب: قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه. وعلى هذا فالقرآن بمعنى القارئ أي الجامع لأن الله جمع فيه جميع ما في الكتب المنزلة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ذِي ٱلذِّكْرِ} فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء. أحدهما: أن الذكر بمعنى الشرف، والعرب تقول فلان مذكور يعنون له ذكر أي شرف. ومنه قول تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] أي شرف لكم على أحد القولين. الوجه الثاني: أن الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير، لأن القرآن العظيم فيه التذكير والمواعظ، وهذا قول الجمهور واختاره ابن جرير. تنبيه اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ}، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط. فمنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64]. ومنهم من قال هو قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} تفسير : [ص: 54]. ومنهم من قال هو قوله تعالى: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} تفسير : [ص: 14] كقوله {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 97]. وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} تفسير : [الطارق: 1ـ4]. ومنهم من قال هو قوله: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم} تفسير : [الأنعام: 6]، ومن قال هذا قال: إن الأصل لكم أهلكنا ولما طال الكلام، حذفت لام القسم، فقال: كم أهلكنا بدون لام. قالوا: ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} تفسير : [الشمس: 1] لما طال الكلام بين القسم والمقسم عليه، الذي هو قد أفلح من زكاها، حذفت منه لام القسم. ومنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله: ص قالوا معنى ص صدق رسول الله والقرآن ذي الذكر. وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال المعنى: هذه ص أي السورة التي أعجزت العرب، {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها. وقال بعض العلماء إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال الزمخشري في الكشاف، التقدير {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} إنه لمعجز، وقدره ابن عطية وغيره فقال: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} ما الأمر كما يقوله الكفار، إلى غير ذلك من الأقوال. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن جواب القسم محذوف وأن تقديره {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} ما الأمر كما يقوله الكفار، وأن قولهم المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة. الأول: منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقاً وأن الأمر ليس كما يقول الكفار في قوله تعالى عنهم: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} تفسير : [الرعد: 43]. والثاني: أن الإله المعبود جل وعلا واحد، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 5]. والثالث: أن الله جل وعلا يبعث من يموت، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38] وقوله: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} تفسير : [التغابن: 7] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [سبأ: 3]. أما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى: {أية : بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} تفسير : [ص: 2]، لأن الإضراب بقوله بل، دليل واضح على المقسم عليه المحذوف. أي ما الأمر كما يقوله الذين كفروا، بل الذين كفروا في عزة، أي في حمية وأنفة واستكبار عن الحق، وشقاق، أي مخالفة ومعاندة. وأما دلالة استقراء القرآن على أن المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة المذكورة، فلدلالة آيات كثيرة: أما صحة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكون الإله المعبود واحداً لا شريك له فقد أشار لهما هنا. أما كون الرسول مرسلاً حقاً ففي قوله تعالى هنا: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} تفسير : [ص: 4] يعني أي لا وجه للعجب المذكور. لأن يجيء المنذر الكائن منهم. لا شك في أنه بإرسال من الله حقاً. وقولهم {أية : هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} تفسير : [ص: 4] إنما ذكره تعالى إنكاراً عليهم وتكذيباً لهم. فعرف بذلك أن في ضمن المعنى والقرآن ذي الذكر إنك مرسل حقاً ولو عجبوا من مجيئك منذراً لهم، وزعموا أنك ساحر كذاب، أي فهم الذين عجبوا من الحق الذي لا شك فيه، وزعموا أن خاتم الرسل، وأكرمهم على الله، ساحر كذاب. وأما كون الإله المعبود واحداً لا شريك له، ففي قوله هنا: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 5]، لأن الهمزة في قوله: أجعل للإنكار المشتمل على معنى النفي، فهي تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله صلى الله عليه وسلم: إن الإله المعبود واحد. وهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم، على أن الله أقسم على تكذيبهم فيها وإثباتها بالقسم صريحاً كقوله تعالى مقسماً على أن الرسول مرسل حقاً {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس: 1ـ3] فهي توضح معنى ص والقرآن ذي الذكر إنك لمن المرسلين. وقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [البقرة: 252]، وأما كونه تعالى هو المعبود الحق لا شريك له، فقد أقسم تعالى عليه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى {أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} تفسير : [الصافات: 1ـ4] ونحو ذلك من الآيات فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذكر أي والقرآن ذي الذكر، إن إلهكم لواحد كما أشار إليه بقوله {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ} تفسير : [ص: 5] الآية. وأما كون البعث حقاً، فقد أقسم عليه إقساماً صحيحاً صريحاً، في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} تفسير : [التغابن: 7]. وقوله تعالى: {أية : قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} تفسير : [سبأ: 3] أي الساعة. وقوله: {أية : قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} تفسير : [يونس: 53]. وأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان المذكوران، وهي كون الرسول مرسلاً، والبعث حقاً، وأشار إلى ذلك إشارة واضحة، وذلك في قوله تعالى {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} تفسير : [ق: 1ـ3] فاتضح بذلك أن المعنى ق والقرآن المجيد، إن المنذر الكائن منكم الذي عجبتم من مجيئه لكم منذراً رسول منذر لكم من الله حقاً، وإن البعث الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإنكار، والاستبعاد، في قوله تعالى عنكم {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} تفسير : [ق: 3] أي ذلك الرجع الذي هو البعث. رجع بعيد في زعمكم واقع لا محالة وإنه حق لا شك فيه، كما أشار له في قوله تعالى: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4] إذ المعنى أن ما أكلته الأرض، من لحومهم، ومزقه من أجسامهم، وعظامهم، يعلمه جل وعلا، لا يخفى عليه منه شيء فهو قادر على رده كما كان. وإحياء تلك الأجساد البالية، والشعور المتمزقة، والعظام النخرة كما قدمنا موضحاً بالآيات القرآنية، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51] وكونه صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقاً، يستلزم استلزاماً لا شك فيه، أن القرآن العظيم منزل من الله حقاً وأنه ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين. ولذلك أقسم تعالى، في مواضع كثيرة، على أن القرآن أيضاً منزل من الله كقوله تعالى في أول سورة الدخان {أية : حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ } تفسير : [الدخان: 1ـ3] الآية، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف: {أية : حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الزخرف: 1ـ4]
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- ص: حرف بدئت به السورة على طريقة القرآن فى بدء بعض السور بالحروف المقطعة، أقسم بالقرآن ذى الشرف والشأن العظيم إنه لحق لا ريب فيه. 2- بل الذين كفروا فى استكبار عن اتباع الحق ومعاندة لأهله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: صۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب صۤ ويقرأ صاد الله أعلم بمراده به. والقرآن ذي الذكر: أي أقسم بالقرآن ذي الذكر إذ به يذكر الله تعالى ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون من أن النبي ساحر وشاعر وكاذب. بل الذين كفروا في عزة وشقاق: أي أهل مكة في عزة نفس وشقاق مع النبي والمؤمنين وعداوة فلذا قالوا في الرسول ما قالوا، وإلا فهم يعلمون براءته مما قالوا فيه. وكم أهلكنا قبلهم من قرن: أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناهم. فنادوا ولات حين مناص: أي صرخوا واستغاثوا وليس الوقت وقت مهرب ولا نجاة. وعجبوا: أي وما اعتبر بهم أهل مكة وعجبوا أن جاءهم منذر منهم محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا ساحر كذاب: أي لما يظهره من الخوارق ولما يسنده إلى الله تعالى من الإِرسال والإِنزال. أجعل الآلهة إلهاً واحدا: أي لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، فقالوا كيف يسع الخلائق إله واحد؟ إن هذا لشيء عجاب: أي جعل الآلهة إلهاً واحدا أمر عجيب. وانطلق الملأ منهم أن امشوا: أي خرجوا من بيت أبي طالب حيث كانوا مجتمعين بالنبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا منه قوله لهم قولوا لا إله إلا الله. إن هذا لشيء يراد: أي إن هذا المذكور من التوحيد لأمر يراد منّا تنفيذه. في الملة الآخرة: أي ملة عيسى عليه السلام. إن هذا إلا اختلاق: أي ما هذا إلا كذب مختلق. أأنزل عليه الذكر من بيننا: أي كيف يكون ذلك وليس هو بأكبر منا ولا أشرف. بل هم في شك من ذكري: أي بل هم في شك من القرآن والوحي ولذا قالوا في الرسول ما قالوا. بل لما يذوقوا عذاب: أي بل لم يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوه لما كذبوا بل آمنوا ولا ينفعهم إيمان. أم عندهم خزائن رحمة ربك: أي من النبوة وغيرها فيعطوا منها من شاءوا ويحرموا من شاءوا. أم لهم ملك السماوات والأرض: أي ليس لهم ذلك. فليرتقوا في الأسباب: أي الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاءوا أو يمنعوا الوحي النازل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأنّى لهم ذلك. جند ما هنالك مهزوم: أي هم جند حقير في تكذيبهم لك مهزوم أمامك وفي بدر. من الأحزاب: أي من الأمم الماضية التي تحزبت على رسلها وأهلكها الله تعالى. معنى الآيات: قوله تعالى {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} أمّا صۤ فإِنه أحد حروف الهجاء ومذهب السلف فيه أن يقال الله أعلم بمراده به إذ هو من المتشابه الذي يجب الإِيمان به ويوكل أمر معناه إلى من أنزله، وقد ذكرنا غير ما مرة أن هذه الحروف قد أفادت فائدتين فليطلبهما من شاء من القراء الكرام من السور المفتتحة بمثل هذه الحروف نحو طسۤ، الۤـمۤ. وأما قوله {وَٱلْقُرْآنِ} هو كتاب الله هذا المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {ذِي ٱلذِّكْرِ} معناه التذكير إذ به يذكر الله تعالى والجملة قسم أقسم الله به فقال {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} وجواب القسم محذوف تقديره ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون من أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر وشاعر وكاذب {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي بل هم في عزة نفس وكبرياء وخلاف وعداوة مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فحملهم ذلك على أن يقولوا في الرسول ما قالوا، وإلاّ فهم يعلمون يقينا أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن السحر والشعر والكذب والجنون. وقوله تعالى {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناها بتكذيبها لرسلها فلما جاءهم العذاب نادوا صارخين مستغيثين {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي وليست الساعة ساعة نجاة ولا هرب، فلم لا يعتبر مشركو مكة بمثل هؤلاء. لم يعتبروا {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} ينذرهم عذاب الله في الدنيا والآخرة وهو محمد صلى الله عليه وسلم. {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} أي لم يعتبروا وعجبوا وقالوا فيه صلى الله عليه وسلم {سَاحِرٌ كَذَّابٌ}. {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب أي كيف يسع العباد إله واحد إن هذا لأمر يتعجب منه غاية العجب، لأنهم قاسوا الغائب وهو الله تعالى على الشاهد وهو الإِنسان الضعيف فوقعوا في أفحش خطأ وأقبحه. وقوله تعالى {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} وهم يقولون لبعضهم بعضا امشوا واصبروا على آلهتكم {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي منا إمضاؤه وتنفيذه. قالوا هذا وما بعده من القول لما اجتمعوا بالرسول صلى الله عليه وسلم في منزل عمه أبي طالب لمفاوضة الرسول في شأن دعوته فلما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله قاموا من المجلس وانطلقوا يمشون ويقولون ما أخبر تعالى به عنهم {أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} أي على عبادتها فلا تتخلوا عنها {إِنَّ هَـٰذَا} أي الدعوة إلى لا إله إلا الله لشيء كبير يراد منا إمضاؤه وتنفيذه لصالح غيرنا. ما سمعنا بهذا أي بالتوحيد في الملة الآخرة أي الدين الأخير وهو ما جاء به عيسى بن مريم عليه السلام. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي ما هذا الذي يدعو إليه محمد إلا كذب اختلقه لم ينزل عليه ولم يُوحَ به إليه. وواصلوا كلامهم قائلين {أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} أي القرآن {مِن بَيْنِنَا} وليس هو بأكبرنا سنا ولا بأشرفنا نسباً. فكيف يكون هذا؟ وقوله تعالى {بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} أي لم يكن بالقوم جهل بصدق محمد في قوله وسلامة عقله، وإنما حملهم على ذلك هو شكهم في القرآن وما ينزل به من الحق ويدعو إليه من الهدى، وهذا أولاً وثانيا إنهم لما يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوا عذاب الله على تكذيبهم ما كذبوا، وسوف يذوقونه ولكن لا ينفعهم يؤمئذ تصديق ولا إيمان. وقوله تعالى {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ} أي بل أعندهم خزائن رحمة ربك يا رسولنا العزيز أي الغالب الوهاب أي الكثير العطاء من النبوة وغيرها وعندئذ لهم أن يعطوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولكن فهل لهم من خزائن رحمة ربك شيء والجواب لا إذاً فلم ينكرون هبة الله لمحمد بالنبوة والوحي والرسالة.. وقوله تعالى {أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي بل ألهم ملك السماوات والأرض وما بينهما؟ إذا كان هذا لهم {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} سببا بعد سبب حتى ينتهوا إلى السماء السابعة ويمنعوا الوحي النازل على محمد صلى الله عليه وسلم من ربّه سبحانه وتعالى. ومن أين لهم ذلك وهم الضعفاء الحقيرون إنهم كما قال تعالى فيهم {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ} أي جند حقير من جملة أحزاب الباطل والشر مهزوم هنالك ببدر ويوم الفتح بإذن الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لله تعالى أن يقسم بما يشاء بخلاف العبد لا يقسم إلا بربّه تعالى. 2- بيان ما كان عليه المشركون من كبرياء وعداء للنبي صلى الله عليه وسلم. 3- بيان جهل المشركين في استنكارهم للا إله إلا الله محمد رسول الله. 4- تحدِّي الرب تعالى للمشركين إظهاراً لعجزهم ودعوته لهم إلى النزول إلى الحقِّ وقَبوله. 5- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك. 6- ذم كلمة الأحزاب ومدلولها إذ لا تأتي الأحزاب بخير.
القطان
تفسير : الذكر: الشرف. في عزة وشقاق: في استكبار ومخالفة للرسول. فنادوا: فاستغاثوا: لاتَ حين مناص: ليس الوقت وقتَ مفر وهروب. عُجاب: امر مفرط في العجب. الملّة الآخرة: دين آبائنا الذين ادركناهم. الملأ: اشراف القوم. اختلاق: كذب. فليرتقوا: فليصعدوا. الأسباب: الطرق والوسائل التي يتوصل بها الى الغاية. جندٌ ما هنالك: جند كثير. مهزوم: مغلوب. الاحزاب: المجتمعين لايذاء النبي عليه الصلاة والسلام. ص: من الحروف التي بدئت بها بعض السور، وتقدّم الكلام عليها اكثر من مرة، وهناك رواية عن ابن عباس انها قسَم. اقسم الله تعالى بالقرآن الكريم ذي الشرف والشأن العظيم، إنه لحقُّ لا ريب فيه، وإنك يا محمد لصادق فيما تقول، وان الكافرين لم يعرِضوا عن هذا القرآن لخلل وجدوه فيه، بل هم في استكبار عن اتباع الحق ومعاندة لأهله. وكم اهلكنا من قبلهم من جيل، فلما رأوا العذابَ نادوا ربهم مستغيثين، ولكن الوقت ليس وقت خلاص من العذاب. وقد عجب الجاحدون أن جاءهم رسول بشر منهم، وقالوا: هذا ساحر كذاب، كيف جعل الآلهة كلها الهاً واحدا! ان هذا لأمر عجيب. وانطلق اشراف القوم منهم قائلين: سيروا على طريقتكم واثبتوا على عبادة آلهتكم، انْ هذا إلاَّ أمرٌ عظيم يراد بكم، ما سمعنا بهذا التوحيد في دين آبائنا الذين أدركنا، وما هذا الا كذب لا حقيقة له. أأُنزل القرآن على محمد من بيننا، وفينا من هو أعظمُ منه في السيادة! بل هم في شك من القرآن لميلهم الى الشرك والتقليد الأعمى، كما انهم لم يذوقوا عذابي بعد، وسيذوقونه. وهل عندهم خزائن رحمة الله يتصرفون فيها فيصيبوا بها من شاؤا ويصرفوها عمن أرادوا؟، {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الانعام:124]. ام لهم مُلك هذا الوجود؟ إن كان لهم ذلك فلْيصعدوا في الأسباب التي توصلهم الى مرتقىً يشرفون منه على العالم ويدبّرونه.... لا تكترث أيها الرسول بما يقولون، فهنالك جند كثيرون من الاحزاب مهزومون ومغلوبون. وقد هُزموا بإذن الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْقُرْآنِ} (1) - صَادْ - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِالقُرْآنِ ذِي الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، المُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلعِبَادِ، وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ وَمَعَادِهِمْ. (وَجَوَابُ القَسَمِ هُوَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ السُّوُرَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَأَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً). وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ جَوَابَ القَسَمِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ: {أية : بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}. تفسير : ذِي الذِّكْرِ - ذِي الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، أَوْ ذِي البَيَانِ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الخَلْقِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ.
الثعلبي
تفسير : {صۤ} قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سُئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن {صۤ } فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن {صۤ} فقال: كان بحراً بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: {صۤ} بحر يُحيي الله به الموتى بين [النفختين]. الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صاد بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صاد بفتح الدّال، ومثلهُ قاف ونون، لإجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في {صۤ}: إنّ معناه صاد محمّد قلوبَ الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف: 44] . وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كما قال سبحانه: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ}تفسير : [ق: 1 - 2]. وقال الأخفش جوابه قوله: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} كقوله عزّ وجل: {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا ...}تفسير : [الشعراء: 97] وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}تفسير : [الطارق: 1] {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ}تفسير : [الطارق: 4]. وقيل: قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}. وقال الكسائي: قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ}. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ}. وقال الفراء: {صۤ} معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله {وَٱلْقُرْآنِ} كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال: "بل" إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ * بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} ويعني حمية جاهلية وتكبر. {وَشِقَاقٍ} يعني خلاف وفراق. {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ} بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: {وَّلاَتَ} بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: {وَّلاَتَ حِينَ} مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي "لا" زيدت فيها التاء كقولهم: رُبّ ورُبَّت، وثمَّ وثمَّت. قال أبو زيد الطائي: شعر : طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء تفسير : [وقال] آخر: شعر : تذكّرت حبّ ليلى لات حيناً وأمسى الشيب فقطع القرينا تفسير : وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: شعر : العاطفون حين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم تفسير : وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن. وقال الشاعر: شعر : تولى قبل يوم بين حمانا وصلينا كما زعمت تلانا تفسير : فمن قال: إن التاء مع "لا" قالوا: قف عليه لأن بالتاء [...]. وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدىء بحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمدّت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: "تحين". وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: شعر : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص تفسير : فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}. {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً}. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلاً، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّاً، وأبو جميل ابن هشام، وأُبي وأُميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أُميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. " حديث : فأرسل أبو طالب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له: يابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وماذا يسألوني؟" فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وآلهك. فقال النبي (عليه السلام): "أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟" فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلاّ الله". تفسير : فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزدشنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير ووكبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: شعر : كحلقة من أبي رماح تسمعها لاهة الكبار تفسير : وقال آخر: شعر : نحن أجدنا دونها الضرابا إنّا وجدنا ماءها طيابا تفسير : يريد طيباً. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلميةٌ سُراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: شعر : آثرت إدلاجي على ليل جرّة هضيم الحشا حسانة المتجرد تفسير : وأنشد أبو حاتم: شعر : جاءوا بصيد عجّب من العجب أُزيرق العينين طوال الذنب تفسير : {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه {وَاْصْبِرُواْ} واثبتوا {عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} نظيرها في الفرقان {أية : لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا}تفسير : [الفرقان: 42]. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي لأمر يُراد بنا {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} الذي يقول محمّد {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ}. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلهاً. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ * أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} القرآن {مِن بَيْنِنَا} قال الله عزّ وجلّ: {بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} أيّ وحيي. {بَل لَّمَّا} أي لم {يَذُوقُواْ عَذَابِ} ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أنْ تكلمنا عن الحروف المقطعة في فواتح السور، وقلنا: إن الحق سبحانه بدأ بعضها بحرف واحد مثل: (ص) و (ن) و (ق)، وبعضها بحرفين مثل: (طس) و(حم) وبعضها بثلاثة أحرف مثل: (الم)، وبعضها بأربعة مثل: (المص)، وبعضها بخمسة مثل (كهيعص) و (حم عسق). وقلنا: إن الحروف على قسمين: حروف مبنى وحروف معنى، حروف مبنى هي التي تتكوَّن منها الكلمة مثل: كتب فهي مبنية من الحروف: الكاف والتاء والباء، إنما الكاف وحدها أو التاء ليس لها معنى بمفردها. أما حروف المعنى مثل تاء الفاعل في كتبتُ لأنها دَلَّت على الفاعل المتكلم، وكتبتَ الفاعل المخاطب، وكتبتِ للمؤنثة المخاطبة. وقلنا: إن حروف اللغة عبارة عن ثمانية وعشرين حرفاً، جاء منها في فواتح السور أربعة عشر حرفاً، وأحسنُ ما قيل فيها إنها مادة كلمات القرآن، ولَبنات بنائه، ومع أن العرب يعرفون هذه الحروف وينطقونها إلا أنهم عجزوا عن محاكاة القرآن والإتيان بمثله، مع أن هذه صنعتهم ومجال نبوغهم وتفوقهم، نعم الحروف هي الحروف، والكلمات هي الكلمات، لكن المتكِّلم بالقرآن هو الله فلا بُدَّ أنْ يعجزوا. وقوله تعالى {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1] دليل على الإعجاز وحامل الإعجاز، فكلمة (ص) حرف من مكونات القرآن، والقرآن مُعجز؛ لأن العرب عجزتْ عن الإتيان بمثله ولو آية واحدة من آياته، وهي أمة بيان وكلام وفصاحة، وهي الأمة الوحيدة التي جعلتْ للكلمة معرضاً، وللبلاغة أسواقاً في عكاظ، والمربد وذي المجنة، وقد بلغ بهم تقديس الكلمة إلى أنْ علَّقوا الجيد منها على أستار الكعبة. لذلك جاءتْ معجزته صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغ فيه قومه. فالمعنى (ص) أي: حرف من حروفهم {وَٱلْقُرْآنِ} [ص: 1] الذي عجزوا عنه، والقرآن مرة يُطْلَق عليه الكتاب لأنه مكتوب، ويُطلق عليه القرآن لأنه مقروء، فهو مكتوب في السطور ومقروء، ومحفوظ في الصدور. ومعنى {ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1] أي: صاحب الذكر، وكلمة الذكر تُطلَق على معان عدة مثل: كلمة عين تُطلق على عين الماء، وعلى العين الباصرة، وعلى الذهب والفضة، وعلى الجاسوس، وتُطلق على الوجيه من الناس، والسياق وذكاء السامع هو الذي يُحدِّد المعنى، فهذه المعاني بينها مشترك لفظي يجمعها، وهذه من مميزات اللغة. كذلك قلنا مثلاً: كلمة النجم تُطلَق على النجم في السماء، وتُطْلَق على النبات الذي لا ساقَ له، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6]. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : أُرَاعِي النَّجْمَ في سَيْرِي إليكُمُ ويَرْعَاهُ مِنْ البَيْدَا جَوَادِي تفسير : فكلمة الذكر تطلق على القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6] ويُطلق الذكر على كتب الرسل السابقين، كما في قوله تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. ويُطلق الذكر على الصِّيت والسمعة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44] أي: القرآن. وفي قوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 10] وما ارتفع العرب ولا علَتْ لغتهم إلا لأنها لغة القرآن. ويُطلق الذكر أيضاً على التذكُّر، كما في قوله تعالى: {أية : فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ..} تفسير : [يوسف: 42]. ويُطلق الذكر على التسبيح، كما في قوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 36-37]. ويُطلق الذكر على معنى آخر، هو العطاء الجيد من الله، والعمل الطيِّع من العبد. إذن: فلفظ الذكر أشبه في القرآن بالماسة تتلألأ في يدك، كلما قلَّبتها وجدتَ لها بريقاً. فكلُّ هذه المعاني تدخل تحت قوله تعالى: {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1].
الصابوني
تفسير : اللغَة: {عِزَّةٍ} تكبر وامتناع عن قبول الحق، وأصلها الغلبة والقهرُ ومنه قولهم "من عَزَّ بزَّ" يعني من غلب سلب {شِقَاقٍ} مخالفة ومباينة {مَنَاصٍ} المناص: الملجأ والغوث والخلاص {عُجَابٌ} بالغ الغاية في العجب قال الخليل: العجيب: العجب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدَّ العجب {ٱخْتِلاَقٌ} كذب وافتراء {فَوَاقٍ} الفَوَاق: الاستراحة، والإِفاقة قال الجوهري: الفواق والفواق: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك ساعة يرضعها الفصيل لتدرَّ ثم تُحلب وقوله تعالى {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة {قِطَّنَا} القِطُّ: الحظُّ والنصيب {ٱلأَيْدِ} القوة في العبادة والطاعة {تَسَوَّرُواْ} تسور الحائط علا أعلاه وتسلقه، والسور: الحائط {تُشْطِطْ} قال علماء اللغة: الشَّطط: مجاوزة الحد وتخطي الحق، يقال: شطَّ في الحكم أي جار فيه ولم يعدل، والأصل فيه: البعدُ من شطَّت الدار بمعنى بعدت. التفسِير: {صۤ} تقدم الكلام على الحروف الهجائية، وبينا أن فيها الإِشارة إلى إعجاز القرآن {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} قسمٌ أقسم به الباري جل وعلا أي والقرآن ذي الشرف الرفيع، وذي الشأن والمكانة، وجواب القسم محذوف تقديره إن هذا القرآن لمعجز وإن محمداً لصادق قال ابن عباس: {ذِي ٱلذِّكْرِ} أي ذي الشرف {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي بل الكافرون في حميةٍ وتكبرٍ عن الإِيمان، وفي خلافٍ وعداوة للرسول عليه السلام قال البيضاوي: أي ما كفر من كفر بالقرآن لخلَلٍ وجده فيه بل الذين كفروا به {فِي عِزَّةٍ} أي استكبار عن الحق {وَشِقَاقٍ} أي خلاف للهِ ولرسوله ولذلك كفروا به {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي كم أهلكنا قبل أهل مكة من أمم كثيرة من القرون الخالية، لكبرهم عن الحق ومعاداتهم لرسلهم، قال أبو السعود: والآية وعيد لأهل مكة على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أصاب من قبلهم من المستكبرين {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي فاستغاثوا واستجاروا عند نزول العذاب طلباً للنجاة، وليس الحينُ حينَ فرارٍ ومهرب ونجاة قال ابن جزي: المعنى أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك، إذ ليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص أي مفر ونجاة من ناص ينوص إذا فرَّ، ولات بمعنى ليس وأصلها لا النافية زيدت عليها علامة التأنيث {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي وعجب المشركون من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم واستبعدوا أن يبعث الله رسولاً من البشر {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} أي وقال كفار مكة: إن محمداً ساحرٌ فيما يأتي به من المعجزات {كَذَّابٌ} أي مبالغ في الكذب في دعوى أنه رسول الله، وإنما وضع الاسم الظاهر {ٱلْكَافِرُونَ} مكان الضمير "وقالوا" غضباً عليهم، وذماً لهم وتسجيلاً لجريمة الكفر عليهم، فإن هذا الاتهام لا يقوله إلا المتوغلون في الكفر والفسوق {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً}؟ أي أزعم أن الربَّ المعبود واحد لا إله إلا هو؟ {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي إنَّ هذا الذي يقوله محمد - ان الإِله واحد - شيء بليغٌ في العجب قال ابن كثير: أنكر المشركون ذلك ـ قبَّحهم الله - وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقَّوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأُشربته قلوبهم، فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلع الأوثان وإفراد الإِله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} قال المفسرون: حديث : إن قريشاً اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كُفَّ ابنَ أخيك عنا، فإنه يعيب ديننا، ويذم آلهتنا، ويسفِّه أحلامنا، فدعاه أبو طالب وكلَّمه في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم يا عم: إنما أريد منهم كلمةً واحدة، يملكون بها العجم، وتدين لهم بها العرب، فقال أبو جهل والمشركون: نعم نعطيكها وعشر كلماتٍ معها!! فقال قولوا: "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ويقولون {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً...}؟ تفسير : فنزلت الآيات {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} أي وانطلق أشراف قريش ورؤساء الضلال فيهم، وخرجوا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمداً فيما يدعوكم إليه من عبادة الله الواحد الأحد {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي هذا أمرٌ مدبَّر، يريد من ورائه محمد أن يصرفكم عن دين آبائكم لتكون له العزة والسيادة عليكم، فاحذروا أن تطيعوه {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} أي ما سمعنا بمثل هذا القول في ملة النصرانية التي هي آخر الملل، فإنهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد، فيكف يزعم محمد أنَّ الله واحد؟ قال ابن عباس: يعنون بالملة الآخرة دينَ النصرانية وقال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش أي ليس هذا في الدين الذي أدركنا عليه آبائنا {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي ما هذا الذي يدعيه محمد إلا كذب وافتراء، ثم أنكروا اختصاصه عليه السلام بالوحي من بينهم فقالوا {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا}؟ الاستفهام للإِنكار أي هل تنزَّل القرآن على محمد دوننا، مع أن فينا من هو أكثر منه مالاً، وأعلى رياسةً؟ قال الزمخشري: أنكروا أن يختص صلى الله عليه وسلم بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم، وهذا الإِنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم {بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} إضرابٌ عن مقدر تقديره: إنكارهم للذكر ليس عن علم بل هم في شك منه فلذلك كفروا {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} اضراب انتقالي وغرضه التهديد والمعنى سبب شكهم أنهم لم يذوقوا العذاب إلى الآن، ولو ذاقوه لأيقنوا بالقرآن وآمنوا به {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ}؟ هذا ردٌّ على المشركين فيما أنكروا من اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والمعنى هل عندهم خزائن رحمته تعالى حتى يعطوا النبوة من شاءوا، ويمنعوها من شاءوا؟ قال البيضاوي: يريد أن النبوة عطيةٌ من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده، فإنه {ٱلْعَزِيزِ} أي الغالب الذي لا يغلب {ٱلْوَهَّابِ} أي الذي له أن يهب ما يشاء لمن يشاء {أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}؟ أي هل لهم شيء من ملك السماوات والأرض؟ وهو إنكار وتوبيخ {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} أي ان كان لهم شيء من ذلك فليصعدوا في المراقي التي توصلهم إلى السماء، وليدبروا شئون الكون؟ وهو تهكم بهم واستهزاء قال الزمخشري: تهكم بهم غاية التهكم فقال: إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق، والتصرف في قسمة الرحمة، وكان عندهم من الحكمة ما يميزون بها بين من هو حقيقٌ بالنبوة من غيره، فليصعدوا في المعارج التي يتوصلون بها إلى العرش، حين يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون، وهو غاية التهكم بهم {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ} التنكير للتقليل والتحقير، و{مَا} لتأكيد القلة أي ما هم إلا جندٌ من الكفار، المتحزبين على رسل الله، هم عما قليلٍ يُهزمون ويُولون الأدبار، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون.. ثم أخبر تعالى عما نالَ أسلافهم الكفار من العذاب والدمار فقال {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} أي كذب قبل كفار قريش أممٌ كثيرون منهم قوم نوح، وقوم هود وهم قبيلة "عاد" وفرعون الجبار ذو الملك الثابت بالأوتاد أو ذو الجموع الكثيرة، قال بعض المفسرين: سمي بذي الأوتاد لأنه كان يوتد من يريد تعذيبه بأربعة أوتادٍ في يديه ورجليه ويتركه جتى يموت وقيل: لأنه صاحب الإِهرامات والمباني العظيمة الثابتة التي تقوم في الأرض كالأوتاد {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ} أي وكذبت ثمود وهم قوم صالح وقوم لوط، وأصحاب الأيكة أي الشجر الملتف وهم قوم شعيب {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} أي أولئك هم الكفار الذين تحزبوا على رسلهم فأهلكهم الله، فليحذر هؤلاء المكذبون لرسول الله أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} أي ما كل من هؤلاء الأحزاب والأمم إلا كذَّب رسوله الذي أُرسل إليه {فَحَقَّ عِقَابِ} أي فثبت ووجب عليهم عقابي، وحذفت الياء مراعاة لرءوس الآيات {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} أي وما ينتظر هؤلاء المشركون كفار مكة إلا نفخة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور فيصعقون {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي ليس لها من توقف ولا تكرار، قال ابن عباس: أي ما لها من رجوع قال المفسرون: أي أن هذه الصيحة إذا جاءت لا تستأخر ولو فترة قصيرة مقدار فواق ناقة وهي المسافة بين الحلبتين لأنها تجيء في موعدها المحدد، الذي لا يتقدم ولا يتأخر قال الزمخشري: يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي وقال كفار مكة على سبيل الاستهزاء والسخرية: عجّلْ لنا يا ربنا نصيبنا من العذاب الذي وعدته لنا، قبل أن يجيء يوم القيامة إن كان الأمر كما يقول محمد قال المفسرون: وإنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء كقوله تعالى {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ}تفسير : [الحج: 47] {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي اصبر يا محمد على تكذيبهم فإن الله ناصرك عليهم قال الصاوي: وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} أي وتذكرْ عبدنا داود ذلك النبي الشاكر الصابر، ذا القوة في الدين، والقوة في البدن، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يقوم نصف الليل {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي كثير الرجوع والإِنابة إلى الله، والاوَّابُ: الرجَّاع إلى الله قال أبو حيان: لما كانت مقالة المشركين تقتضي الاستخفاف بالدين، أمر تعالى نبيه بالصبر على أذاهم، وذكر قصصاً للأنبياء "داود، وسليمان، وأيوب" وغيرهم، وما عرض لهم فصبروا حتى فرج الله عنهم، وصارت عاقبتُهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويئول أمرك إلى أحسن مآل {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} أي سخرنا الجبال لداود تسبح معه في المساء والصباح، وتسبيحُ الجبال حقيقةٌ وكان معجزةً لداود عليه السلام كما قال تعالى {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}تفسير : [سبأ: 10] {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي وسخرنا له الطير مجموعة إليه نسبح معه، كلٌ من الجبال والطير رجَّاع إلى طاعته تعالى بالتسبيح والتقديس قال ابن كثير: كانت الطير تسبّح بتسبيحه وترجّع بترجيعه، إذا مرَّ به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه يترنم بقراءة الزبور يقف في الهواء ويسبّح معه، وكذلك الجبال الشامخات كانت تُرجّع معه وتسبّح تبعاً له، قال قتادة: {أَوَّابٌ} أي مطيع {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي قوينا ملكه وثبتناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} أي أعطيناه النبوَّة والفهم والإِصابة في الأمور {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} أي الكلام البيِّن الذي يفهمه من يُخاطب به قال مجاهد: يعني إصابة القضاء وفهمه وقال القرطبي: البيان الفاصل بين الحق والباطل قال المفسرون: كان مُلك داود قوياً عزيزاً، وكان يسوسه بالحكمة والحزم معاً، ويقطع ويجزم برأيٍ لا تردد فيه مع الحكمة والقوة، وذلك غاية الكمال في الحكم والسلطان {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} هذا الاستفهام للتعجيب وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه لسماع كلامك والمعنى هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين الذين تسوَّروا على داود مسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} أي حين دخلوا عليه من أعلى السور فخاف وارتعد منهم قال المفسرون: وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، في وقت كان قد خصصه للعبادة {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} أي لا تخف منا فنحن فوجان مختصمان تعدَّى بعضنا على بعض {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} أي فاحكم بيننا بالعدل، ولا تجر ولا تظلم في الحكم {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} أي وأرشدنا إلى وسط الطريق يعني إلى الطريق الحق الواضح {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} هذه بداية قصة الخصمين أي قال أحدهما: إن صاحبي هذا يملك تسعة وتسعين نعجة - وهي أنثى الضأن - وأملك أنا نعجة واحدة قال المفسرون: وقد يكنى بها عن المرأة فيكون الغرض أن عنده تسعاً وتسعين امرأةً وعندي امرأة واحدة {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي ملكنِها واجعلها تحت كفالتي {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} أي غلبني في الخصومة، وشدَّد عليَّ في القول وأغلظ {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} أي قال له داود لقد ظلمك بهذا الطلب حين أراد انتزاع نعجتك منك ليكمل ما عنده إلى مائة {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي وإن الكثيرين من الشركاء ليتعدى بعضُهم على بعض {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} أي إلا المؤمنين الذين يعملون الصالحات فإنهم لا يبغون وهم قليل {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي علم وأيقن أنما اختبرناه بهذه الحادثة وتلك الحكومة {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} أي طلب المغفرة من الله وخرَّ ساجداً لله تعالى، ورجع إليه بالتوبة والندم على ما فرط منه قال أبو حيان: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحاً، والذي يدل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإِنس، دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظناً منه أنهم يغتالونه إذ كان منفرداً في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة، وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قصَّ الله تعالى فاستغفر من ذلك الظن، وخرَّ ساجداً لله عز وجل، ونحن نعلم قطعاً أن الأنبياء معصومون من الخطايا، إذ لو جوزنا عليهم شيئاً من ذلك لبطلت الشرائع ولم نثق بشيء مما يذكرون، فما حكى الله في كتابه يُمرُّ على ما أراده الله، وما حكى القُصَّاص مما فيه غضٌ من منصب النبوة طرحناه ثم قال تعالى {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} أي فسامحناه وعفونا عنه ذلك الظن السيء بالرجلين قال ابن كثير: أي غفرنا له ما كان منه مما يقال فيه: "حسناتُ الأبرار سيئات المقربين" {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} وإِنَّ له لقربةً وكرامة بعد المغفرة {وَحُسْنَ مَـآبٍ} أي وحسن مرجع في الآخرة {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} أي استخلفناك على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} اي فاحكم بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لا تتَّبع هوى النفس في الحكومات وغيرها فيضلك اتباع الهوى عن دين الله القويم، وشرعه المستقيم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ} أي إن الذين ينحرفون عن دين الله وشرعه لهم عذاب شديد يوم القيامة {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} أي بسبب نسياهم وتركهم سلوك سبيل الله، وعدم إِيمانهم بيوم الحساب، لأنهم لو آمنوا به لأعدوا الزاد ليوم المعاد، قال أبو حيان: وجعلُه تعالى داود خليفةً في الأرض يدلُ على مكانته عليه السلام واصطفائه له، ويدفع في صدر من نسب إِليه شيئاً مما لا يليق بمنصب النبوة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المجاز المرسل {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} القرن مائة عام والهلاك لأهله ففيه مجاز. 2- وضع الظاهر مكان الضمير {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} بدل وقالوا لتسجيل جريمة الكفر عليهم. 3- صيغة المبالغة في كل من {كَذَّابٌ}، {ٱلْعَزِيزِ}، {ٱلْوَهَّابِ}، {أَوَّابٌ}. 4- التنوين للتقليل والتحقير وزيادة {ما} لتأكيد القلة {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ}. 5- تأكيد الجملة الخبرية بإن واللام لزيادة التعجب والإِنكار {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}. 6- الاستعارة البليغة {وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} شبه المُلْك بخيمةٍ عظيمة شُدَّت أطنابها بالأوتاد لتثبت وترسخ ولا تقتلعها الرياح ففيه استعارة مكنيَّة وذكرُ الأوتاد تخييل. 7- الطباق {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} لأن المراد المساء والصباح. 8- أسلوب التشويق {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} ورد الأسلوب بطريق التشويق. 9- أسلوب الإِطناب {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الخ. 10- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ.. فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ.. جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ} مما يزيد في روعة الكلام وجماله. لطيفَة: روى ابن كثير أن أبا زرعة دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد أخبرني أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت القرآن وفقهت! فقال يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قال يا أمير المؤمنين: أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له بين الخلافة والنبوة ثم توعده في كتابه فقال {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية، فكانت موعظة بليغة.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} معناه ذو الشَّرفِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ِ* صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} الآية هذه السورة مكية بلا خلاف ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه لما ذكر عن الكفار أنهم كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين لأخلصنا العبادة لله تعالى وأخبر أنهم أتاهم الذكر فكفروا به فبدأ في هذه السورة بالقسم بالقرآن ذي الذكر الذي جاءهم وأخبر عنهم أنهم كافرون به وأنهم في تعزز ومشاقة للرسول الذي جاء به ثم ذكر من أهلك من القرون التي شاقت الرسل ليتعظوا بذلك وروي حديث : أنه لما مرض أبو طالب جاءت قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأس أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه منه وشكوه إلى أبي طالب فقال يا ابن أخي ما تريد من قومك فقال: يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل بها لهم العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم فقال وما الكلمة قال: كلمة واحدة قال وما هي قال: لا إله إلا الله قال: فقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلۤهاً واحداً قال: فنزل فيهم القرآن ص والقرآن ذي الذكر حتى بلغ ان هذا الا اختلاف تفسير : وجواب القسم فيه أقوال ضعيفة ذكرت في البحر وينبغي أن يقدر هنا ما أثبت جواباً للقرآن حين أقسم به وذلك في قوله تعالى {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس: 1-3] فيكون التقدير هنا ص والقرآن ذي الذكر إنك لمن المرسلين ويقوي هذا التقدير ذكر النذارة هنا في قوله: وعجبوا ان جاءهم منذر منهم فقال هناك لتنذر قوماً فالرسالة تتضمن النذارة والبشارة وبل للانتقال من هذا القسم والمقسم عليه إلى حال يعزز الكفار ومشاقتهم في قبول رسالتك وامثتال ما جئت به واعتراف بالحق وكم خبرية مفعولة بأهلكنا أي كثيراً أهلكنا. {فَنَادَواْ} أي استغاثوا ونادوا بالتوبة ورفعوا أصواتهم يقال: فلان أبدى صوتاً أرفع وذلك بعد معاينة العذاب فلم يك وقت نفع ولات حين على قول سيبويه عملت عمل ليس واسمها محذوف تقديره ولات الحين حين قوت ولا قرار وعلى قول الأخفش تكون حين إسم لات عملت عمل إن نصبت الإِسم ورفعت الخبر والخبر محذوف تقديره حين مناص لهم أي كائن لهم والمناص المنجا والفوت يقال ناصه ينوصه إذا فاته وقال الفراء: النوص التأخر يقال ناص عن قرينه ينوص نوصاً ومناصاً إذا فر وراغ والضمير في وعجبوا عائد على الكفار أي استغربوا مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنفسهم وعجاب بناء مبالغة كرجل طوال وسراع في طويل وسريع والذي قالوا أجعل الآلهة إلۤهاً واحداً قال ابن عباس صناديد قريش وهم ستة وعشرون رجلاً. {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} الظاهر إنطلاقهم عن مجلس أبي طالب حين اجتمعوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنده وشكوه على ما تقدّم في سبب النزول ويكون ثم محذوف تقديره يتحاورون. {أَنِ ٱمْشُواْ} وتكون ان مفسرة لذلك المحذوف وامشوا أمر بالمشي وهو نقل الأقدام عن ذلك المجلس. {وَاْصْبِرُواْ} أمر بالصبر على الآلهة أي على عبادتها والتمسك بها والإِشارة بقوله: {إِنَّ هَـٰذَا} ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وعلوه بالنبوة. {لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي يراد {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي بتوحيد المعبود وهو الله تعالى مثل الانقياد إليه أو يريده الله تعالى ويحكم بإِمضائه فليس فيه إلا الصبر. {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} قال ابن عباس: ملة النصارى لأن فيها التثليث ولا توحد. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي افتعال وكذب. {أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم وينزل عليه الكتاب من بينهم وهذا الإِنكار هو ناشىء عن حسد عظيم انطوت عليه صدورهم ونطقت به ألسنتهم. {بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} أي من القرآن الذي أنزلته على رسولي يرتابون فيه والأخبار بأنهم في شك يقتضي كذبهم في قولهم إن هذا إلا اختلاف. {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي بعد فإِذا ذاقوه عرفوا أن ما جاء به حق وزال عنهم الشك ونفى الذوق بلما وهي تقتضي النفي إلى زمان الأخبار وعذابي مضاف لياء المتكلم وحذفت وتحذف كثيراً في الفواصل كقوله: أهانن وأكرمن. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} أي ليسوا متصرفين في خزائن الرحمة فيعطوا ما شاؤا لمن شاؤا ويمنعوا من شاؤا ويصطفوا للرسالة من أرادوا وإنما يملكها ويتصرف فيها. {ٱلْعَزِيزِ} الذي لا يغالب. {ٱلْوَهَّابِ} ما شاء لما استفهم استفهام إنكار في قوله أم عندهم خزائن رحمة ربك وكان ذلك دليلاً على انتفاء تصرفهم في خزائن رحمة الله تعالى أتى الإِنكار والتوبيخ بانتفاء ما هو أعم فقال: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ليس لهم شىء من ذلك. {فَلْيَرْتَقُواْ} أي ألهم شىء من ذلك فليصعدوا. {فِى ٱلأَسْبَابِ} الموصلة إلى السماء والمعارج التي يتوصل بها إلى تدبير العالم فيضعون الرسالة فيمن اختاروا ثم صغرهم وحقرهم وأخبر بما يؤول إليه أمرهم من الهزيمة والخيبة فقال: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ} قيل ما زائدة ويجوز أن تكون صفة أريد به التعظيم على سبيل الهزء بهم أو التحقير لأن ما الصفة تشتمل على هذين المعنيين وهنالك ظرف مكان يشار به للبعيد والظاهر أنه يشار به للمكان الذي تفاوضوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمات السابقة وهو مكة فيكون ذلك إخباراً بالغيب عن هزيمتهم بمكة وهو يوم الفتح فالمعنى أنهم يصيرون مهزومين بمكة يوم الفتح وذوا الأوتاد أي صاحب الأوتاد وأصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده. قال الأفوه الأودي: شعر : والبيت لا يبنى إلا على عمد ولا عماداً إذا لم ترس أوتاد تفسير : فاستعير لثبات العز والملك واستقامة الأمر. {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} أي ما ينظر هؤلاء إشارة إلى كفار قريش ومن جرى مجراهم والصيحة ما نالهم من قتل وأسر وغلبة كما تقول صاح فيهم الدهر. والفواق بضم الفاء وفتحها الزمان الذي ما بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع والمعنى من زمان يسير قدر ما بين الحلبتين يستريحون فيه من العذاب. {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} قال أبو عبيدة والكسائي القط الكتاب بالجوائزة. وقال ابن عباس قطنا نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا ومعنى قبل يوم الحساب أي الذي تزعمون أنه واقع في العالم إذ هم كفرة لا يؤمنون بالبعث ولما كانت مقالتهم تقتضي الاستخفاف أمر تعالى نبيه عليه السلام بالصبر على أذاهم وذكر قصصاً للأنبياء عليهم السلام داود وسليمان وأيوب وغيرهم وما عرض لهم فصبروا حتى فرج الله عنهم وصارت عاقبتهم أحسن عاقبة فكذلك أنت تصبر ويؤول أمرك إلى أحسن مآل. {ذَا ٱلأَيْدِ} أي ذا القوة في الدين والشرع وفي ذلك تأنيس له صلى الله عليه وسلم بالظفر بأعدائه كما أظفر داود بالأعداء وقتل جالوت. والأواب الرجاع إلى طاعة الله تعالى. والاشراق مصدر أشرق أي صفت وأضاءت وشرقت بمعنى طلعت. {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} تقدم الكلام عليه. {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال ابن عباس القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه. {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ} مجيء مثل هذا الاستفهام إنما يكون لغرابة ما يجيء معه من القصص كقوله: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 9] فيتهيأ المخاطب بهذا الاستفهام لما يأتي بعده ويصغي لذلك والخصم مصدر ينطلق على الواحد والجمع. {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين وطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحراس فتسوروا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان تسور الحائط والسور وتسنمه والبعير علا أعلاه قال ابن عباس: كان عليه السلام جزأ أيامه أربعة أجزاء يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للاشتغال بخواص أمره ويوماً لجميع بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم فجاؤوه في غير يوم القضاء ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الاحتجاب والحرس حول لا يتركون من يدخل عليه فخاف أن يؤذوه ذلك ليلاً وكان كل واحد منهما آخذاً برأس صاحبه ولما أدركوا منه الفزع. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} أي لسنا ممن جاء إلا لأجل التحاكم. {خَصْمَانِ} يحتمل أن يكون هذا موصولاً بقولهما لا تخف بادراً بأخبار ما جاآ إليه ويحتمل أن يكون سألهم ما أمركم فقالوا خصمان أي نحن خصمان. {بَغَىٰ} أي جار بعضنا على بعض كما قال الشاعر: شعر : ولكن الفتى حمل بن بدر بغي والبغي مرتعه وخيم تفسير : وفي أمرهما له ونهيهما له بعض فظاظة على الحكم حمل على ذلك ما هما فيه من التخاصم والتشاجر فاستدعيا عدله من غير ارتياب بأنه يحكم بالعدل. {وَلاَ تُشْطِطْ} من أشط رباعياً وسواء الصراط وسط طريق الحق لا ميل فيه من هنا ولا هنا والظاهر أنهم كانوا جماعة فلذلك أتى بضمير الجمع فإِن كان المتحاكمان اثنين فيكون قد جاء معهما غيرهما على جهة المعاضدة والمؤانسة وأخي بدل والأخوة هنا مستعارة إذ هما ملكان لما ظهرا في صورة إنسانين تكلما بالأخوة ومجازها أنها أخوة في الدين والإِيمان. {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} وكني بالنعجة عن الزوجة والعرب تذكر ذلك كثيراً في شعرها قال: شعر : أغادي الصبوح عند هر وفرتنا وليداً وهل أفنى شبابي سوى هي هما نعجتان من نعاج تبالة لدى جؤذرين أو كبعض دمى هكر تفسير : هو علم لامرأة وفرتنا كذلك وتبالة مكان فيه النعاج الحسان ودمى جميع دمية وهي صور الرخام وهكر موضع فيه هذه الصور. {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي ردّها في كفالتي وقال ابن كيسان اجعلها كفلى أي نصيبي وكفل يتعدى لواحد ولاثنين بالتضعيف والهمزة فمن التضعيف قراءة من قرأ وكفلها زكريا بالتشديد ونصب زكريا وبالهمزة كقوله: أكفلنيها فالنون للوقاية والياء المفعول الأول وها المفعول الثاني والفصيح إتصاله ولو كان في غير القرآن لجاز أن يجيء منفصلاً فكان يكون أكفلني إياها والأحسن الإِتصال. {وَعَزَّنِي} أي غلبني ومضارعه يعز بضم العين وروي أن داود عليه السلام لما سمع كلام الشاكي قال للآخر: ما تقول فأقر فقال له لئن لم ترجع إلى الحق لأكسرن الذي فيه عيناك وقال الثاني: لقد ظلمك فتبسما عند ذلك وذهبا ولم يرهما لحينه. وسؤال مصدر أضيف إلى المفعول وهو على حذف مضاف والتقدير بسؤال ضم نعجتك إلى نعاجه. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} الظاهر أنه من كلام داود عليه السلام والخلطاء جمع خليط وهو الرفيف قال الشاعر: شعر : ان الخليط أجد البين فانفرقا وعلق القلب من أسماء ما علقا تفسير : {وَقَلِيلٌ} خبر مقدّم وما زائدة تفيد معنى التعظيم والتعجيب وهم مبتدأ. {وَظَنَّ دَاوُودُ} لما كان الظن الغالب يقارب العلم استعير له ومعناه وعلم داود وأيقن أنا ابتليناه بمحاكمة الخصمين. {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً} حال والخرور الهوى إلى الأرض فإِما أنه عبر بالركوع عن السجود وإما أنه ذكر أول أحوال الخرور أي راكعاً ليسجد وخر ساجداً ورجع إلى الله تعالى وأنه تعالى غفر له ذلك الظن ولذلك أشار بقوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} ولم يتقدم سوى قوله: وظن داود إنما فتناه. {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} الآية فيضلك منصوب بإِضمار ان بعد الفاء في جواب النهي والفاعل في فيضلك ضمير الهوى أو ضمير المصدر المفهوم من قوله ولا تتبع بما نسوا ما مصدرية تقديره بنسيانهم ثم ذكر ما بين المؤمن عامل الصالحات والمفسد من التباين وأنهما ليساسيين وقابل الصلاح بالفساد والتقوى بالفجور والاستفهام بأم في الموضعي استفهام إنكار والمعنى أنه لا يستوي عند الله من أصلح ومن أفسد ولا من أتقى ومن فجر ولما انتفت التسوية بين ما تصلح به لمتبعه السعادة الأبدية وهو كتاب الله فقال: كتاب أنزلناه. وارتفاعه على إضمار مبتدأ أي هذا كتاب وقرىء: مباركاً على الحال اللازمة لأن البركة لا تفارقه واللام في ليدبر ولام كي وأسند التدبر إلى الجميع وهو التفكر في الآيات والتأمل الذي يفضي بصاحبه إلى النظر في عواقب الأشياء وأسند التذكر إلى أولي العقول لأن ذا العقل ما يهديه إلى الحق وهو عقله فلا يحتاج إلا إلى ما يذكره فيتذكر. {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} المخصوص بالمدح محذوف تقديره نعم العبد هو أي سليمان عليه السلام. {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ} قال الجمهور عرضت عليه الخيل تركها أبوه له فأجريت بين يديه عشياً فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها عن ذكر له فقال: ردوها علي فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف لما كانت سبب الذهول عن ذلك الذكر فأبدله الله تعالى أسرع منها الريح والصافن من الخيل الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك برجله وهي علامة الفراهة. وأنشد الزجاج: شعر : ألف الصفون فلا يزال كأنه مما يقر على الثلاث كسيرا تفسير : وقال أبو عبيدة الصافن الذي يجمع يديه ويسويهما وأما الذي يقف على طرف السنبك فهو المتخيم والجياد جمع جواد وهو الفرس وانتصب حب الخير على أنه مفعول به لتضمن أحببت معنى آثرت والظاهر أن الضمير في توارث للشمس وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العشي عليها وحتى غاية لما قبلها فالمعنى داومت حب الخير ذاهلاً عن ذكر ربي وطفق من أفعال المقاربة للشروع في الفعل وحذف خبرها لدلالة المصدر عليه أي فطفق يمسح مسحاً يمسح اعرافها وسوقها محبة لها وقال ابن عباس: مسحة بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف بل بيديه تكريماً لها ومحبة والباء في وبالسوق زائدة في قوله: فامسحوا برؤوسكم وحكى سيبويه مسحت برأسه ورأسه بمعنى واحد وقرىء: بالسوق على وزن فعل وهو جمع ساق وقرىء: بهمزة بعدها واد بالسؤوق على وزن فعول. {وَلَقَدْ فَتَنَّا} أي ابتلينا. {سُلَيْمَانَ} ذكر المفسرون أشياء لا يصح نقلها وأقرب ما قيل فيه أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال فيه حديث : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل ان شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة وجاءت بشق رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون تفسير : والمراد بقوله: ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً هو هذا والجسد الملقى هو المولود شق رجل. {ثُمَّ أَنَابَ} أي بعد امتحاننا إياه دوام الإِنابة والرجوع. {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} هذا دأب الأنبياء والصالحين من طلب المغفرة من الله تعالى هضماً للنفس وإظهاراً للذلة والخشوع وطلباً للترقي في المقامات والظاهر أنه طلب ملكاً زائد على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإِعجاز ليكون ذلك دليلاً على نبوته عليه السلام ولما بالغ في صفة هذا الملك الذي طلبه أتى في صفته تعالى باللفظ الدال على المبالغة فقال: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} أي الكثير الهبات لا تتعاظم عنده هبة ولما طلب الهبة التي اختص بها وهبه تعالى وأعطاه ما ذكر من قوله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي} جملة حالية أي جارية. {رُخَآءً} أي لينة مشتقة من الرخاوة حيث أصاب أي حيث قصد وأراد. {وَٱلشَّيَاطِينَ} معطوف على الريح وكل بناء وغواص بدل وأتى ببنية المبالغة كما قال يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل الآية وقال النابغة: شعر : إلا سليمان إذ قال إلاله له قم في البرية فاحددها عن الفند وجيش الجن أنى قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد تفسير : والمعطوف على العام عام فالتقدير وكل غواص أي في البحر يستخرجون له الحلية وهو أول من استخرج الدر. {وَآخَرِينَ} عطف على كل فهو داخل في البدل إذ هو بدل كل من كل بدل التفصيل أي من الجن وهم المردة أي سخرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم وقال النابغة في ذلك: شعر : فمن أطاعك فأنفعه بطاعته كما أطاعك وادْلُلْهُ على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد تفسير : ومقرنين تقدم الكلام عليه في سورة إبراهيم. {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} إشارة لما أعطاه الله تعالى من الملك الضخم وتسخير الإِنس والجن والطير وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك على من يشاء وقفه على قدر النعمة ثم أباح له التصرف فيها بمشيئته وهو تعالى قد علم أنه لا يتصرف إلا بطاعة الله تعالى وبغير حساب في موضع الحال من عطاؤنا تقديره كائناً بغير حساب. {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} الآية، وأيوب عطف بيان أو بدل من عبدنا. النصب والنصب كالرشد والرشد وهو التعب والمشقة والعذاب الألم والظاهر أنه تعالى ابتلى أيوب عليه السلام في جسده وأهله وماله على ما روي في الأخبار وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أن أيوب عليه السلام بقي في محنته ثماني عشرة سنة تفسير : ولم يبين لنا تعالى السبب المقتضى لعلته وأما إسناده المس إلى الشيطان فسبب ذلك أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل ألقي إليه الشيطان أن الله تعالى لا يبتلي الأنبياء والصالحين فحينئذٍ قال مسني الشيطان نزل عليه السلام لشفقته على المؤمنين مس الشيطان ذلك المؤمن حتى ارتد منزلة مسه لنفسه لأن المؤمن الخير يتألم برجوع المؤمن الخير إلى الكفر وفي الكلام حذف تقديره فاستجبنا له وقلنا له اركض برجلك فركض فنبعت عين فقلنا له هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك فاغتسل فبرأ ووهبنا له ويدل على هذه المحذوفات معنى الكلام وسياقه. {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} قيل وهبه من كان حياً منهم وعافاه من الأسقام وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى تضاعف عددهم وصار مثلهم ورحمة وذكرى مفعولان لهما أي أن الهبة كانت لرحمتنا إياه وليتذكر أرباب العقول ما يحصل للصابر من الخير وما يؤول إليه من الأجر وفي الكلام حذف تقديره وكان حلف ليضربنَّ امرأته مائة ضربة لسبب جرى منها وكانت محسنة له فجعلنا له خلاصاً من يمينه بقولنا وخذ بيدك ضغثاً قال ابن عباس الضغط عثكال النخل ومحصول أقوالهم هو ان الشيطان تمثل لها في صورة ناصح أو مداو وعرض لها بشفاء أيوب على يديه على شرط لا يمكن وقوعه فذكرت ذلك له فعلم أن الذي عرض لها هو الشيطان وغضب لعرضها ذلك عليه فحلف فحلل الله تعالى يمينه بأهون شىء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها وقرىء عبادنا وعبدنا. {أُوْلِي ٱلأَيْدِي} لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم والأبصار عبارة عن البصائر التي يبصرون بها الحقائق وينظرون بنور الله تعالى. {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ} أي جعلناهم لنا خالصين وقرىء بخالصة بالتنوين وبغير تنوين على الإِضافة والدار دار الآخرة.
الجيلاني
تفسير : {صۤ} أيها الصفي، الصافي مشربه عن الأمور المنافية لتوحيد الحق وإيجاده وصرافة وحدته الذاتية، والصدوق الصادق في ادعاء الرسالة والنبوة بمقتضى الوحي الإلهي وإلهامه، والصبور الصابر على متاعب الدعوة والتبليغ وحمل أعباء الرسالة. {وَ} حق {ٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1] والبيان وأنواع الدلائل والبرهان، المنزل من عندنا عليك يا أكمل الرسل؛ لتبيين أحكام دين الإسلام، وتحقيق شعائر الإيمان، والتنبيه على مرتبة التوحيد والعرفان المنتهي إلى الكشف والعيان، ما الكفار المنكرون بك وبكتابك ودينك مطلعون بعيب ونقصان في دينك وكتابك يتشبثون به. {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وأعرضوا عنَّا وعنك وعن كتابك لا سند لهم أصلاً لا عقلاً ولا نقلاً، بل هم {فِي عِزَّةٍ} كبر وخيلاء عند نفوسهم {وَشِقَاقٍ} [ص: 2] خلاف لنا ولك بعيد عن توحيدننا وتصديقك. وبعدما سمعت حالهم لا تبالِ بهم وبخلافهم ومرائهم وكبرهم وخيلائهم، اذكر {كَمْ} أي: كثير {أَهْلَكْنَا} أمثالهم {مِن قَبْلِهِم مِّن} أهل {قَرْنٍ} مغمورين في الكبر والخيلاء، متمكنين في الخلاف والشقاق أمثالهم {فَنَادَواْ} واستغاثوا متضرعين إلينا، راجين منَّا عفونا إياهم حين أخذناهمم بظلمهم بغتة {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3] أي: ليس حينئذ وقت تأخير ونجاة لهم وخلاص، فلم نجبهم لذلك؛ لمضي وقت الاختبار والاعتبار، بل أهلكناهم واستأصلناهم {أية : إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [النور: 44]. {وَ} من شدة شقاقهم وخلافهم {عَجِبُوۤاْ} وتعجبوا؛ أي: أهل مكة {أَن جَآءَهُم} وأرسل عليهم {مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: من جنسهم وبني نوعهم؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} من كمال تعجبهم وشدة إنكارهم واستبعادهم، وضع الظاهر موضع الضمير تنصيصاً بأنه ما حملهم على هذا القول إلا كفرهم وإنكارهم: {هَـٰذَا} أي: محمد صلى الله عليه وسلم فيما أظهره في صورة المعجزة الخارقة للعادة {سَاحِرٌ} يسميه معجزة تغريراً وتلبيساً، وفيما نسبه إلى الوحي والإنزال {كَذَّابٌ} [ص: 4] مبالغ في الكذب مستغرق فيه. ثم لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشق ذلك على قريش، وفرح المؤمنون، فازدحم صناديدهم عند أبي طالب، وقالوا له: أنت شيخنا وسيدنا، وقد لعمت ما فعل هؤلاء، فأتيناك لتقضي بينننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحضره معهم، فقال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السُؤْل، فلا تم ل كل الميل على قومك. حديث : فقال صلى الله عليه وسلم: "وماذا يسألون". قالوا له: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، وعلى هذا نعاهد معك عند عمك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أتعطونني كلمة واحدة، وتملكون بها العرب وتدين بها العجم؟". فقال أبو جهل: لتعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله ". تفسير : فنفروا من ذلك، وقاموا قائلين على سبيل الإنكار والاستبعاد: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} فمن أنَّى يسع الإله الواحد للخلق الكثير؟ {إِنَّ هَـٰذَا} الذي يطلب هذا المدعي {لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] أي: عجيب بديع ابتدعه من تلقاء نفسه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {صۤ} [ص: 1]، بقوله: {صۤ} يشير إلى: القسم بصاد الصمدية في الأزل، وبصاد صانعيته في الأواسط، وبصاد صبوريته في الأبد، وبصاد صدق الذي جاء بالصدق، وبصاد صديقيته الذي صدق به، وبصاد صفاء صفوته في مودته ومحبته، وبقوله: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} [ص: 1]، يشير إلى: القسم بالقرآن الذي هو مخصوص بالذكر؛ وذلك لأن القرآن قانون معالجات القلوب المريضة، وأعظم مرض القلب نسيان الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67]، وأعظم علاج مرض النسيان ذكر الله، كما قال تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]؛ ولأن العلاج بأضدادها. وبقوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2]، يشير إلى: انحراف مزاج قلوب الكفار لمرض نسيان الله تعالى من اللين والسلامة إلى الغلظة والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن الوصلة إلى الفرقة، ومن المحبة إلى العداوة، ومن مطالعة الآيات إلى الإعراض عن البحث للأدلة والسير للشواهد. {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ} [ص: 3] عند هجوم البلاء، {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3] إذ فات وقت الإشكاء، {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} [ص: 4] ولم يعجبوا أن يكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة، فلما تحيروا في شأن أنبيائهم رموهم بالسحر، {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4]، والإشارة في هذا أنهم لما كان منحرف مزاج القلوب بمرض نسيان الحق، جاءت النبوة على مذاق عقولهم المتغيرة سحراً، والصديق كذاباً، ومن حول نظرهم رأوا الإله الواحد آلهة، وقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} [ص: 5] ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة، {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، لم تباشر خلاصة التوحيد قلبهم، وتعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحكماً، فلا عرفوا الله ولا معنى الإلهية، فإن الإلهية؛ هي القدرة على الاختراع، وتقدير قادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجوده المانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كمالي الوصف لم يكونا إلهين، وكل أمر جر تنويه بسقوطه مطوع باطل بقوله: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} [ص: 6]، يشير إلى: إن الكفار إذا تواصلوا فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم، بل الطالب الصادق، والعاشق الوامق أولى بالصبر والثبات على قدم الصدق في طلب المعبود المحبوب المعشوق، {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] في الزل في المقبول والمردود. وبقوله: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} [ص: 7]، يشير إلى أن ركون الجهال إلى البشرية والعادة وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلالة، واستناموا إلى التقليد والهوادة، وبقوله: {أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} [ص: 8]، يشير إلى أن القرآن قديم؛ لأنه سماه الذكر، ثم أضافه إلى نفسه تعالى بقوله: {مِّن ذِكْرِي} [ص: 8]، ولا خفاء بأن ذكره قديم؛ لأن الذكر المحدث يكون مسبوقاً بالنسيان، وهو منزه عن النسيان، وبقوله: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} [ص: 8]، فيشير إلى أنهم مستغرقون في عذاب الطرد والبعد ونار القطيعة، ولكنهم عن ذوق العذاب بمعزل؛ لغلبة الحواس إلى أن يكون {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ}تفسير : [الطارق: 9]، فيغلب السرائر على الصور، والبصائر على البصر، فيقال لهم: {أية : فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}تفسير : [الأحقاف: 34]؛ يعني: كنتم معذبين، وما كنتم ذائقي العذاب؛ فالمعنى: إنهم لو ذاقوا عذابي ووجدوا ألماً لما قدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، وفيه إشارة إلى حال أكثر علماء زماننا وعُبَّادهم أنهم إذا رأوا عالماً ربَّانياً من أرباب الحقائق يخبر عن حقائق لم يفهموها، ويشير إلى دقائق لم يذوقوها، دعتهم النفوس المتمردة إلى تكذيبه، ويقولون: أكوشف هو بهذه الحقائق من بيننا، ويقعون في الشك من أمرهم، لو استبصروا في دينهم لما جحدوهم، واغتنموا أنفاسهم، واقتبسوا من أنوارهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا بيان من اللّه تعالى لحال القرآن، وحال المكذبين به معه ومع من جاء به، فقال: { ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } أي: ذي القدر العظيم والشرف، المُذَكِّرِ للعباد كل ما يحتاجون إليه من العلم، بأسماء اللّه وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام اللّه الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء، فهو مذكر لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يحتاج إلى ذكر المقسم عليه، فإن حقيقة الأمر، أن المقسم به وعليه شيء واحد، وهو هذا القرآن، الموصوف بهذا الوصف الجليل، فإذا كان القرآن بهذا الوصف، علم ضرورة العباد إليه، فوق كل ضرورة، وكان الواجب عليهم تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج ما يتذكر به منه. فهدى اللّه من هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزله، وصار معهم { عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } عزة وامتناع عن الإيمان به، واستكبار وشقاق له، أي: مشاقة ومخاصمة في رده وإبطاله، وفي القدح بمن جاء به. فتوعدهم بإهلاك القرون الماضية المكذبة بالرسل، وأنهم حين جاءهم الهلاك، نادوا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم ولكن { وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } أى: وليس الوقت، وقت خلاص مما وقعوا فيه، ولا فرج لما أصابهم، فَلْيَحْذَرْ هؤلاء أن يدوموا على عزتهم وشقاقهم، فيصيبهم ما أصابهم. { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ } أي: عجب هؤلاء المكذبون في أمر ليس محل عجب، أن جاءهم منذر منهم، ليتمكنوا من التلقي عنه، وليعرفوه حق المعرفة، ولأنه من قومهم، فلا تأخذهم النخوة القومية عن اتباعه، فهذا مما يوجب الشكر عليهم، وتمام الانقياد له. ولكنهم عكسوا القضية، فتعجبوا تعجب إنكار وَقَالُوا من كفرهم وظلمهم: { هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } وذنبه -عندهم- أنه { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } أى: كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة للّه وحده. { إِنَّ هَذَا } الذي جاء به { لَشَيْءٌ عُجَابٌ } أي: يقضي منه العجب لبطلانه وفساده. { وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ } المقبول قولهم، محرضين قومهم على التمسك بما هم عليه من الشرك. { أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ } أى: استمروا عليها، وجاهدوا نفوسكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردكم عنها راد، ولا يصدنكم عن عبادتها، صاد. { إِنَّ هَذَا } الذي جاء به محمد، من النهي عن عبادتها { لَشَيْءٌ يُرَادُ } أي: يقصد، أي: له قصد ونية غير صالحة في ذلك، وهذه شبهة لا تروج إلا على السفهاء، فإن من دعا إلى قول حق أو غير حق، لا يرد قوله بالقدح في نيته، فنيته وعمله له، وإنما يرد بمقابلته بما يبطله ويفسده، من الحجج والبراهين، وهم قصدهم، أن محمدا، ما دعاكم إلى ما دعاكم، إلا ليرأس فيكم، ويكون معظما عندكم، متبوعا. { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } القول الذي قاله، والدين الذي دعا إليه { فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ } أي: في الوقت الأخير، فلا أدركنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه، فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم، فإنه الحق، وما هذا الذي دعا إليه محمد إلا اختلاق اختلقه، وكذب افتراه، وهذه أيضا شبهة من جنس شبهتهم الأولى، حيث ردوا الحق بما ليس بحجة لرد أدنى قول، وهو أنه قول مخالف لما عليه آباؤهم الضالون، فأين في هذا ما يدل على بطلانه؟. { أَءُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا } أي: ما الذي فضله علينا، حتى ينزل الذكر عليه من دوننا، ويخصه اللّه به؟ وهذه أيضا شبهة، أين البرهان فيها على رد ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلا بهذا الوصف، يَمُنُّ اللّه عليهم برسالته، ويأمرهم بدعوة الخلق إلى اللّه، ولهذا، لما كانت هذه الأقوال الصادرة منهم لا يصلح شيء منها لرد ما جاء به الرسول، أخبر تعالى من أين صدرت، وأنهم { فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي } ليس عندهم علم ولا بينة. فلما وقعوا في الشك وارتضوا به، وجاءهم الحق الواضح، وكانوا جازمين بإقامتهم على شكهم، قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحق، لا عن بينة من أمرهم، وإنما ذلك من باب الائتفاك منهم. ومن المعلوم، أن من هو بهذه الصفة يتكلم عن شك وعناد، إن قوله غير مقبول، ولا قادح أدنى قدح في الحق، وأنه يتوجه عليه الذم واللوم بمجرد كلامه، ولهذا توعدهم بالعذاب فقال: { بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } أي: قالوا هذه الأقوال، وتجرأوا عليها، حيث كانوا ممتعين في الدنيا، لم يصبهم من عذاب اللّه شيء، فلو ذاقوا عذابه، لم يتجرأوا. { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ } فيعطون منها من شاءوا، ويمنعون منها من شاءوا، حيث قالوا: { أَءُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا } أي: هذا فضله تعالى ورحمته، وليس ذلك بأيديهم حتى يتحجروا على اللّه. { أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } بحيث يكونون قادرين على ما يريدون. { فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ } الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمة عن رسول اللّه، فكيف يتكلمون، وهم أعجز خلق اللّه وأضعفهم بما تكلموا به؟! أم قصدهم التحزب والتجند، والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحق؟ وهو الواقع فإن هذا المقصود لا يتم لهم، بل سعيهم خائب، وجندهم مهزوم، ولهذا قال: { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 818 : 1 : 11 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد في قوله {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} قال، ذي الشرف. [الآية 1].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم [سورة] ص 456 - أخبرنا إبراهيمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حديث : مرض أبو طالبٍ، فأتتهُ قريشٌ، وأتاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، وعند رأسه مقعدُ رجلٍ، فجاء أبو جهلٍ فقعد فيه، ثم قال: ألا ترى إلى ابن أخيكَ يقعُ في آلِهتِنَا، فقال: ابن أخي، ما لِقومك يشكونك؟، قال: "أُريدهم على كلمةٍ تدين لهم بها العربُ، وتُؤدِّي إليهم العجمُ الجزية". قال: وما هي؟. قال: "لا إله إلاَّ اللهُ" فقالوا: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـهاً وَاحِداً". فنزلت {صۤ}، [فقرأ] حتى بلغ {عُجَابٌ} . تفسير : 457 - أخبرنا الحسنُ بنُ أحمد بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا محمدٌ - وهو: ابن عبد الله بن نُميرٍ، قال: حدثنا أبو أُسامة، قال حدثنا الأعمش، قال: حدثنا عَبَّادٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ - نحوهُ. 458 - أخبرني إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا حجاجُ بن محمدٍ، عن عمر بن ذرٍّ، عن أبيه،/ عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، حديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ في {صۤ}، وقال: "سَجَدَهَا داوُدُ عليهِ السَّلامُ توبةً، ونَسْجُدُهَا شُكراً ".
همام الصنعاني
تفسير : 2572- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {صۤ}: [الآية: 1]، قال: يقول: {صۤ} كما تقول: تَلَقّ كذا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):