٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } أي زيادة خير في الدنيا {وَحُسْنَ مَئَابٍ } مرجع في الآخرة.
ابن عطية
تفسير : "غفرنا": معناه سترنا، وذلك إشارة إلى الذنب المتقدم. و: "الزلفى": القربة والمكانة الرفيعة. و"المآب": المرجع في الآخرة، ومن آب يؤوب إذا رجع، وبعد هذا حذف يدل عليه ظاهر الكلام، تقديره: وقلنا له {يا داود إنا جعلناك خليفه في الأرض}، واستدل بعض الناس من هذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله تعالى. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وليس هذا بلازم من الآية، بل لزومه من الشرع والإجماع، ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله، وأما الخلفاء: فكل واحد منهم خليفة الذي قبله، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله، فذلك تجوز وغلو كما قال ابن قيس الرقيات: [المنسرح] شعر : خليفة الله في بريته جفت بذاك الأقلام والكتب تفسير : ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا كان يدعى مدته، فلما ولي عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله، فطال الأمر، ورأوا أنه في المستقبل سيطول أكثر، فدعوه أمير المؤمنين، وقصر هذا الاسم على الخلفاء. وقوله عز وجل: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد}. إلى قوله: {وليتذكر أولو الألباب} اعتراض بين الكلامين من أمر داود وسليمان، هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وعظة لأمته، ووعيد للكفرة به. وقرأ أبو حيوة: "يُضلون" بضم الياء، و {نسوا} في هذه الآية معناه: تركوا وأخبر تعالى أن الذين كفروا يظنون أن خلق السماء وما بينهما إنما هو باطل لا معنى له، وأن الأمر ليس يؤول إلى ثواب ولا إلى عقاب. وأخبر تعالى عن كذب ظنهم وتوعدهم بالنار، ثم وقف تعالى على الفرق عنده بين المؤمنين العاملين بالصالحات، وبين المفسدين بالكفرة، وبين المتقين والفجار، وفي هذا التوقيف حض على الإيمان وترغيب فيه، ووعيد للكفرة. ثم أحال في طلب الإيمان والتقوى على كتابه العزيز بقوله: {كتاب أنزلناه} المعنى: هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، وفي هذه الآيات اقتضاب وإيجاز بديع حسب إعجاز القرآن العزيز ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه، لأنه يورث الجنة وينقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة. وقرأ جمهور الناس: "ليدّبّروا" بشد الدال والباء، والضمير للعالم. وقرأ حفص عن عاصم: "لتدبروا" على المخاطبة. وقرأ أبو بكر عنه: "لتدَبروا" بتخفيف الدال، أصله: تتدبروا، وظاهر هذه الآية يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن، فالترتيل إذاً أفضل من الهذ، إذ التدبر لا يكون إلا مع الترتيل، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَزُلْفَى} كرامة، أو رحمة {مَئَابٍ} مرجع.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار في قوله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: مقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول الرب جل وعلا "يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول: يا رب كيف وقد سلبته؟ فيقول: إني راده عليك اليوم، فيندفع بصوت يستفز نعيم أهل الجنة". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب أنه قال {وإن له عندنا لزلفى} أول الكائن يوم القيامة داود، وابنه عليهما السلام. وأخرج عبد بن حميد عن السدي بن يحيى قال: حدثني أبو حفص رجل قد أدرك عمر بن الخطاب؛ أن الناس يصيبهم يوم القيامة عطش وحر شديد، فينادي المنادي داود، فيسقي على رؤوس العالمين، فهو الذي ذكر الله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} . وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه ذكر يوم القيامة، فعظم شأنه وشدته قال: ويقول الرحمن لداود عليه السلام مر بين يدي فيقول داود: يا رب أخاف أن تدحضني خطيئتي. فيقول خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عز وجل، فيمر قال فتلك (الزلفى) التي قال الله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: يدنو حتى يضع يده عليه. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه فغفرنا له ذلك الذنب {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال حسن: المنقلب. وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه قال: يبعث داود عليه السلام يوم القيامة وخطيئته في كفه، فإذا رآها يوم القيامة لم يجد منها مخرجاً إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى، ثم يرى فيقلق. فيقال له: ههنا. فذلك قوله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}
ابو السعود
تفسير : {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ} أي ما استغفرَ منه. ورُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقي ساجداً أربعينَ يوماً وليلةً لا يرفعُ رأسَه إلا لصلاةٍ مكتوبةٍ أو لما لا بُدَّ منه ولا يرقأُ دمعُه حتَّى نبتَ منه العشبُ إلى رأسه ولم يشرب ماء إلا ثلثاه دمعٌ وجهد نفسَه راغباً إلى الله تعالى في العفوِ عنه حتَّى كادَ يهلك واشتغل بذلك عن المُلكِ حتَّى وثبَ ابنٌ له يقال له إيشا على ملكِه ودعا إلى نفسِه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغِ من بني إسرائيلَ فلمَّا غُفر له حاربَه فهزمَه {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} لقُربةٍ وكرامة بعد المغفرة {وَحُسْنُ مَـئَابٍ} حسنَ مرجعٍ في الجنَّةِ. {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ} إمَّا حكاية لمَّا خُوطب به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مبـينة لزُلفاه عنده عزَّ وجلَّ وإمَّا مقولُ قولٍ مقدَّرٍ هو معطوف على غفرنا، أو حالٌ من فاعله أو وقُلنا له أو قائلين له يا داودُ الخ أي استخلفناك على المُلك فيها والحكمِ فيما بـينَ أهِلها أو جعلناك خليفةً ممَّن كان قبلك من الأنبـياء القائمينَ بالحقِّ وفيه دليلٌ بـيِّنٌ على أنَّ حالهَ عليه الصَّلاة والسَّلام بعد التَّوبةِ كما كانت قبلها لم تتغيَّرْ قَط. {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ} بحكم الله تعالى فإنَّ الخلافةَ بكلا معنيـيه مقتضيةٌ له حتماً {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدِّين والدُّنيا {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} بالنَّصبِ على أنَّه جوابُ النَّهي. وقيل: هو مجزومٌ بالعطفِ على النَّهيِ مفتوحٌ لالقتاءِ السَّاكنينِ أي فيكون الهوى أو اتِّباعُه سبباً لضلالِك عن دلائلِه التي نصبها على الحقِّ تكويناً وتَشريعاً. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تعليلٌ لما قبله ببـيانِ غائلتِه وإظهار سبـيلِ الله في موقعِ الإضمارِ لزيادة التَّقريرِ والإيذانِ بكمال شناعةِ الضَّلالِ عنه {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} جملة من خبرٍ ومبتدأٍ وقعت خبراً لأنَّ أو الظَّرفُ خبراً لأنَّ وعذابٌ مرتفع على الفاعليةِ بما فيه من معنى الاستقرارِ. {بِمَا نَسُواْ} بسبب نسيانِهم وقوله تعالى: {يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} إما مفعولٌ لنسُوا فيكون تعليلاً صريحاً لثبوت العذابِ الشَّديدِ لهم بنسيان يوم الحسابِ بعد الإشعارِ بعلِّيةِ ما يستتبُعه ويستلزمه أعني الضَّلالَ عن سبـيل الله تعالى فإنَّه مستلزمٌ لنسيانِ يوم الحساب بالمرَّةِ بل هذا فردٌ من أفرادِه أو ظرفٌ لقوله تعالى: لهم أي لهُم عذابٌ شديدٌ يومَ القيامةِ بسببِ نسيانِهم الذي هو عبارةٌ عن ضلالِهم، ومن ضرورتِه أن يكون مفعولُه سبـيلِ الله فيكون التَّعليلُ المصرح به حينئذٍ عينَ التَّعليلِ المشعر به بالذَّاتِ غيره بالعُنوان ومَن لم يتنبه لهذا السرِّ السريِّ قال بسبب نسيانِهم وهو ضلالُهم عن السَّبـيلِ فإنَّ تذكَّره يقتضي ملازمةَ الحقِّ ومخالفةَ الهَوَى فتدبَّر. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً} كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبله من أمرِ البعثِ والحسابِ والجزاءِ وما خلقناهُما وما بـينهما من المخلوقاتِ على هذا النِّظامِ البديعِ الذي تحارُ في فهمِه العقولُ خلقاً باطلاً أي خالياً عن الغايةِ الجليلةِ والحكمةِ الباهرةِ بل منطوياً على الحقِّ المُبـين والحِكم البالغةِ حيثُ خلقنا من بـينِ ما خلقنا نُفوساً أودعناها العقلَ والتَّميـيزَ بـين الحقِّ والباطلِ والنَّافعِ والضَّارِّ ومكنَّاها من التَّصرفاتِ العلميةِ والعمليةِ في استجلابِ منافعِها واستدفاعِ مضارِّها ونصبنا للحقِّ دلائلَ آفاقيةً وأنفسيةً ومنحناها القُدرةَ على الاستشهادِ بها ثم لم نقتصرْ على ذلك المقدارِ من الألطافِ بل أرسلنا إليها رُسلاً وأنزلنا عليها كُتباً بـيّنّا فيها كلَّ دقيقٍ وجليلٍ وأزحنا عللَها بالكلِّية وعرضناها بالتكليف للمنافع العظيمةِ وأعددنا لها عاقبةً وجزاءً على حسب أعمالِها {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما نُفي من خلقِ ما ذُكر باطلاً {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي مظنونهم فإنَّ جحودَهم بأمرِ البعثِ والجزاءِ الذي عليه يدورُ فلكُ تكوينِ العالمِ قولٌ منهم ببطلانِ خلقِ ما ذُكر وخلوِّه عن الحكمةِ سبحانَهُ وتعالى عمَّا يقولون علوّاً كبـيراً. {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} مبتدأٌ وخبرٌ والفاءُ لإفادةِ ترتُّبِ ثبوتِ الويلِ لهم على ظنِّهم الباطلِ كما أنَّ وضع الموصولِ موضعَ ضميرهم للإشعارِ بما في خيِّز الصِّلةِ بعلية كفرهم له، ولا تنافى بـينهما لأنَّ ظنَّهم من باب كُفرِهم. ومِن في قوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّارِ} تعليليةٌ كما في قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 79] ونظائرِه، ومفيدةٌ لعليَّةِ النَّار لثبوتِ الويلِ لهم صَريحاً بعد الإشعارِ بعليةِ ما يُؤدِّي إليها من ظنِّهم وكفرِهم أي فويلٌ لهم بسببِ النَّارِ المترتِّبةِ على ظنِّهم وكفرِهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} [الآية: 25]. قال جعفر: ومن ذلك ما ذكره الله جل وعز من نبيه داود صلى الله عليه وسلم وبلواه ومحنته ما خرج إليه من عظيم التنصل والاعتذار ودوام البكاء والأحزان والخوف العظيم حتى لحق بربه فهذه وإن كانت المواقعة فيها تتسع فإن عاقبتها عظمت وجلَّت وعلت لأن الله قد أعطاه بذلك الزلفى والحظوة قال الله جل وعز: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}. قال أبو سليمان الدارانى: ما عمل داود عملاً أتم له من الخطيَّة ما زال خائفًا منها وهاربًا عنها حتى لحق بالله عز وجل.
اسماعيل حقي
تفسير : {فغفرنا له ذلك} اى ما استغفر منه وكان ذلك فى شهر ذى الحجة كما فى بحر العلوم ـ وروى ـ انه عليه السلام بقى فى سجوده اربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه الا لصلاة مكتوبة او لما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت منه العشب حل رأسه ولم يشرب ماء الا ثلثاه دمع وجهد نفسه راغبا الى الله فى العفو عنه حتى كاد يهلك واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له ايشا على ملكه فاجتمع اليه اهل الزيغ من بنى اسرائيل فلما نزلت توبته بعد الاربعين وغفر له حاربه فهزمه وقد قال نبينا عليه السلام "حديث : اذا بويع لخليفتين" تفسير : اى لأحدهما اولا وللآخر بعده "حديث : فاقتلوا الآخر منهما"تفسير : لأنه كالباغى هذا اذا لم يندفع الا بقتله {وان له} اى داود {عندنا لزلفى} لقربة وكرامة بعد المنفرة كما وقع لآدم عليه السلام. والزلفى القربة والازلاف التقريب والازدلاف الاقتراب ومنه سميت المزدلفى لقربها من الموقف. وعن مالك بن دينا فى قوله {وان له} الخ يقول الله تعالى لداود عليه السلام وهو قائم بساق العرش يا داود مجدنى بذلك الصوت الرخيم اللين فيقول كيف وقد سلبتنيه فى الدنيا فيقول انى ارده عليك فيرفع داود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم اهل الجنة كما فى الوسيط {وحسن مآب} حسن مرجع فى الجنة. وفى كشف الاسرار هو الجنة يعنى الجنة هى مآب الانبياء والاولياء ـ واصل هذه القصة ـ ان داود عليه السلام رأى امرأة رجل يقال له اوريا بن حنانا ويقال لها بنشاوع او بنشاويع بنت شايع فمال قلبه اليها وابتلى بعشقها وحبها من غير اختيار منه كما ابتلى نبينا عليه السلام بزينب رضى الله عنها لما رآها يوما حتى قال يا مقلب القلوب فسأله داود ان يطلقها فاستحيى ان يرده ففعل فتزوجها وهى ام سليمان عليه السلام وكان ذلك جائزا فى شريعته معتادا فيما بين امته غير مخل بالمروءة حيث كان يسأل بعضهم بعضا ان ينزل عن امرأته فيتزوجها اذا اعجبته خلا انه عليه السلام لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شانه نبه بالتمثيل على انه لم يكن ينبغى له ان يتعاطى ما يتعاطاه آحاد امته ويسأل رجلا ليس له الا امرأة واحدة ان ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه بل كان يجب عليه ان يصبر على ما امتحن به كما صبر نبينا عليه السلام حتى كان طالب الطلاق هو زوج زينب وهو زيد المذكور فى سورة الاحزاب لا هو عليه السلام اى لم يكن هو عليه السلام طالب الطلاق. قال البقلى عشق داود عليه السلام لعروس من عرائس الحق حين تجلى الحق منها له فانه كان عاشق الحق فسلاه بواسطة من وسائطه وهذه القصة تسلية لقلب نبينا عليه الصلاة والسلام حيث اوقع الله فى قلبه محبة زينب فضاق صدره فقال سبحانه {أية : سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا} تفسير : وفرح بذلك وزاد له محبة الله والشوق الى لقائه. قال ابو سعيد الخراز قدس سره زلات الانبياء فى الظاهر زلات وفى الحقيقة كرامات وزلف ألا ترى الى قصة داود حين احس باوائل امره كيف استغفر وتضرع ورجع فكان له بذلك عنده زلفى وحسن مآب صدق ابو سعيد فيما قال لان بلاء الانبياء والاولياء لا ينقص اصطفائيتهم بل يزيدهم شرفا على شرفهم وذلك لان مقام الخلافة مظهر الجمال والجلال فيتحقق بتجليات الجلال بالافتتان والابتلاء وفى ذلك ترق له كما قال فى التأويلات النجمية ان من شأن النبى والولى ان يحكم كل واحد منهم بين الخصوم بالحق كما ورد الشرع به بتوفيق الله وان الواجب عليهم ان يحكموا على انفسهم بالحق كما يحكمون على غيرهم كما قال تعالى {أية : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم} تفسير : فلما تنبه داود انه ما حكم على نفسه بالحق كما حكم على غيره استغفر ورجع الى ربه متضرعا خاشعا باكيا بقية العمر معتذرا عما جرى عليه فتقبل الله منه ورحم عليه وعفا عنه كما قال {فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى} اى لقربة بكل تضرع وخضوع وخشوع وبكاء وانين وحنين وتأوّه صدر منه {و} له بهذه المراجعات {حسن مآب} عندنا انتهى وفى الحديث "حديث : اوحى الله تعالى الى داود يا داود قل للعاصين اى يسمعونى ضجيج اصواتهم فانى احب ان اسمع ضجيج العاصين اذا تابوا الىّ يا داود لن يتضرع المتضرعون الى من هو اكرم منى ولا يسأل السائلون اعظم منى جودا وما من عبد يطيعنى الا وانا معطيه قبل ان يسألنى ومستجيب له قبل ان يدعونى وغافر له قبل ان يستغفرنى " تفسير : وقد انكر القاضى عياض ما نقله المؤرخون والمفسرون فى هذه القصة ووهى قولهم فيها ونقل عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم انهما قالا ما زاد داود على ان قال للرجل انزل لى عن امرأتك واكفلنيها فعاتبه الله على ذلك ونبه عليه وانكر عليه شغله بالدنيا قال وهذا هو الذى ينبغى ان يعول عليه من امره ـ وحكى ـ بعضهم ان اوريا كان خطب تلك المرأة: يعنى [اوريا آن زنرا خطبه كرده بود اورا بخواسته واز قوم وى اجابت يافته ودل بروى نهاد "فاما عقد نكاح" هنوز نرفته بود "فلما غاب اوريا" يعنى بغزا رفت] وكان من غزاة البلقاء ثم خطبها داود فزوجت منه لجلال قدره فاغتم لذلك اوريا فعاتبه الله على ذلك فكان ذنبه ان خطب على خطبة اخيه المسلم مع عدم احتياجه لانه كانت تحت نكاحه وقتئذ تسع وتسعون امرأة ولم يكن لاوريا غير من خطبها. يقول الفقير دل نظم القرآن على الرواية فقوله {أية : اكفلنيها} تفسير : دل على انها كانت تحت نكاح اوريا وايضا دل لفظ {أية : الخصم} تفسير : على ان اوريا بصدد الخصام ولا يكون بهذا الصدد الا بكونها تحت نكاحه مطلوبة منه بغير حسن رضاه وصفاء قلبه ومجرد جواز استنزال الرجل عن امرأته فى شريعتهم لا يستلزم جواز الجبر فلما طلقها اوريا استحياء من داود بقيت الخصومة بينه وبين داود اذ كان كالجبر كما دل {أية : وعزنى فى الخطاب} تفسير : فكان السائل العزيز الغالب فهاتان الروايتان اصح ما ينقل فى هذه القصة فانهم وان اكثروا القول فيها لكن الانبياء منزهون عما يشين بكمالهم او لا يزين بجمالهم خصوصا عما يقوله القصاص من حديث قتل اوريا وسببية داود فى ذلك بتزوج امرأته ولذلك قال على رضى الله عنه من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على الانبياء صلوات الله عليهم اجمعين. وفى الفتوحات المكية فى الباب السابع والخمسين بعد المائة ينبغى للواعظ ان يراغب الله فى وعظه ويجتنب عن كل ما كان فيه تجر على انتهاك الحرمات مما ذكره المؤرخون عن اليهود من ذكر زلات الانبياء كداود ويوسف عليهما السلام مع كون الحق اثنى عليهم واصطفاهم ثم الداهية العظمى ان يجعل ذلك فى تفسير القرآن ويقول قال المفسرون كذا وكذا مع كون ذلك كله تأويلات فاسدة باسانيد واهية عن قوم غضب الله عليهم وقالوا فى الله ما قصه الله علينا فى كتابه وكل واعظ ذكر ذلك فى مجلسه مقته الله وملائكته لكونه ذكر لمن فى قلبه مرض من العصاة حجة يحتج بها ويقول اذا كان مثل الانبياء وقع فى مثل ذلك فأى شىء انا فعلم ان الواجب على الواعظ ذكر الله وما فيه تعظيمه وتعظيم رسله وعلماء امته وترغيب الناس فى الجنة وتحذيرهم من النار واهوال الموقف بين يدى الله تعالى فيكون مجلسه كله رحمة انتهى كلام الفتوحات على صاحبه اعلى التجليات. قال الشيخ الشعرانى قدس سره فى الكبريت الاحمر وكذلك لا ينبغى له ان يحقق المناط فى نحو قوله تعالى {أية : ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} تفسير : ولا نحو قوله {أية : منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} تفسير : وقوله {أية : ولا تزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا} تفسير : فان العامة اذا سمعوا مثل ذلك استهانوا بالصحابة ثم احتجوا بافعالهم انتهى كلامه. قال حجة الاسلام الغزالى رحمه الله يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضى الله عنه وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم اعلام الدين وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة فلعل ذلك الخطأ فى الاجتهاد لا لطلب الرياسة او الدنيا كما لا يخفى انتهى والحاصل ان معاصى الخواص ليست كمعاصى غيرهم بان يقعوا فيها بحكم الشهوة الطبيعية وانما تكون معاصيهم بالخطأ فى التأويل فاذا اظهر الله لهم فساد ذلك التأويل الذى اداهم الى ذلك الفعل حكموا على انفسهم بالعصيان وتابوا ورجعوا الى حكم العزيز المنان
الجنابذي
تفسير : {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} التّبادر {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} قربة {وَحُسْنَ مَـآبٍ يٰدَاوُودُ} على طريق الحكاية اى قلنا يا داود {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} لنا او للانبياء والملوك الماضين {فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} قد سبق فى سورة لقمان بيانٌ ما لخلافة داود (ع) فى ذيل بيان حال لقمان (ع) وحكمته وعن الرّضا (ع) فى بيان عصمة الانبياء، وامّا داود (ع) فما يقول من قبلكم فيه؟- فقيل يقولون: انّ داود (ع) كان يصلّى فى محرابه اذ تسوّر له ابليس على صورة طيرٍ احسن ما يكون فقطع داود صلٰوته وقام ليأخذ الطّير فخرج الطّير الى الدّار فخرج فى اثره فطار الطّير الى السّطح فصعد فى طلبه فسقط الطّير فى دار اوريا بن حيّان، فاطّلع داود فى اثر الطّير، فاذا بامرأة اوريا تغتسل فلمّا نظر اليها هويها وكان قد اخرج اوريا فى بعض غزواته فكتب الى صاحبه ان قدّم اوريا امام التّابوت فقدّم فظفر اوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود (ع) فكتب اليه ثانية ان قدّمه امام التّابوت فقدّم فقتل اوريا فتزوّج داود بامراته، قال: فضرب الرّضا (ع) يده على جبهته وقال: انّا لله وانّا اليه راجعون.! لقد نسبتم نبيّاً من انبياء الله الى التّهاون بصلٰوته حتّى خرج فى اثر الطّير ثمّ بالفاحشة ثمّ بالقتل، فقيل: يا بن رسول الله (ص) فما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك! انّ داود (ع) انّما ظنّ انّه ما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً هو اعلم منه، فبعث الله عزّ وجلّ اليه الملكين فتسوّر المحراب فقالا له: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحقّ ولا تشطط واهدنا الى سواء الصّراط انّ هذا اخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال: اكفلنيها وعزّنى فى الخطاب فعجلّ داود (ع) على المدّعى عليه فقال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه ولم يسأل المدّعى البيّنة على ذلك ولم يقبل على المدّعى عليه فيقول له: ما تقول؟- فكان هذا خطيئته رسم حكم لا ما ذهبتم اليه، الا تسمع الله يقول: يا داود انّا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين النّاس بالحقّ (الى آخر الآية) فقيل: يا بن رسول الله (ص) فما قصّته مع اوريا؟- قال الرّضا (ع): انّ المرأة فى ايّام داود (ع) كانت اذا مات بعلها او قتل لا تتزوّج بعده ابداً فاوّل من اباح الله تعالى ان يتزوّج بامرأةٍ قتل بعلها، داود (ع)، فتزوّج بامرأة اوريا قتل وانقضت عدّتها فذلك الّذى شقّ على اوريا والاخبار فى انكار ماروته العامّة كثيرة عن ائمّتنا (ع) حتّى انّه روى عن امير المؤمنين (ع) انّه: من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصّاص جلدته مائة وستّين جلّدة، يعنى جلدته حدّين للمفترى، وفى خبر عنه حدّاً للنّبوّة وحدّاً للاسلام وروى عنهم تصديق ما روته العامّة ايضاً وقد ذكر فى بيان الحكم بين النّاس بالحقّ ان يكون المدّعى والمدّعى عليه عند الحاكم متساويين فى النّظر والتّكلّم والمجلس والبشر، وقد ذكر انّ الحكم بالحقّ ان يكونا متساويين فى ميل القلب بمعنى انّه يكون ميل قلبه من حيث حكومته ومن حيث احقاق الحقّ اليهما متساوياً لا انّه يحبّ ان يكون الحقّ لاحدهما، ولا يختلف الحال عنده ايّهما كان محقّاً، ولا يبعد ان يكون قوله تعالى {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} تلويحاً اليه فانّ النّهى عن اتّباع الهوى يشير الى النّهى عن الهوى وميل النّفس الى احدهما من باب المقدّمة {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهو الحكم بالحقّ {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} واتّبعوا هوى النّفس.
الهواري
تفسير : قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى} أي: لقربى في المنزلة {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي: حسن مرجع. قال الكلبي: إن داوود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، فوددت أنك أعطيتني من ذلك ما أعطيتهم. قال الله: إني ابتليتهما بما لم ابتلك به. قال: فإن شئت أبتليك بما ابتليتهما وأعطيك مثل ما أعطيتهما. قال: رب، نعم. قال: اعمل عملك حتى يتبيّن بلاؤك. فمكث ما شاء الله بذلك؛ يصوم النهار ويقوم الليل. فكان على ذلك. فبينما هو في المحراب ذات يوم، والزبور بين يديه، إذ جاء طائر فوقع قريباً منه. فتناوله داوود، فطار إلى الكوى، فقام ليأخذه قال بعضهم: فوقع في مضجعه فقام ليأخذه، فوقع الطير إلى البستان، فأشرف داوود فنظر، فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان. فعجب من حسنها. فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطاها. فزاده ذلك عجباً بها. ثم أرسل غلاماً له فقال: اتبع هذه المرأة فاعلم من هي، أو ابنة من هي، وهل لها زوج. فاتبعها الغلام حتى عرفها فرجع فقال: هي ابنة فلان، وزوجها فلان، وكان يومئذ مع ابن أخت داوود في بعث. فكتب داوود إلى ابن أخته: أن ابعث فلاناً [واجعله بين يدي التابوت] فلا يرجع حتى يفتح المدينة أو يقتل. فبعثه فقتل. فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها فتزوجها، وهي أم سليمان بن داوود. فلما علم الله ما وقع في عبده أحب أن يستنقذه فأرسل إليه ملكين فأتياه في المحراب، والحرس حول المحراب، وهم ثلاثة وثلاثون ألفاً. فرأى داوود الرجلين قد تسوّروا المحراب، ففزع منهما وقال: لقد ضعف سلطاني حتى إن الناس تسوّروا محرابي. فقال أحدهما: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ}... إلى قوله: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}. تفسير هذا المقرإ عند الكلبي: إن دعا دعوة يكون أكثر نداء مني، وإن بطش بطشه يكون اشد بطشاً مني. فقال له داوود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}... إِلى: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}. فنظر أحدهما لصاحبه فضحكا، وعلما أن داوود لم يفطن، فرجعا من حيث أقبلا. قال الله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}... إلى آخر الآية. فسجد داوود أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل ولا يشرب، ولا يرفع رأسه، ولا يقوم، ولا يفتر من الدعاء. فتاب الله عليه. قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع.
اطفيش
تفسير : {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} الذنب بكى على خطيئته قيل: ثلاثين سنة لا يرقى دمعه ليلاً ولا نهاراً وقيل أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة. قال وهب بن منبه: قسم الدهر بعدها يوماً للقضاء ويوماً لنسائه ويوماً تسبيح في الجبال والفيافي والساحل ويوماً يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب فيجتمع اليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك واذا كان يوم سياحته يخرج الى الفيافي ويرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعه ودموع الطير والوحوش مثل الأنهار ثم يجيء الى الجبال ويرفع صوته ويبكي فتبكي معه الجبال والحجارة فيرفع صوته ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء فاذا أمسى رجع واذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه أن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده ويدخل الدار التى فيها المحاريب فيبسط فيها ثلاثة فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانيس وفى أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم فما يزال يبكي حتى يغرق الفرش في دموعه ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول يا رب اغفر لي فلو عدل بكاء داود بكاء أهل الدنيا لعدله وقيل: ان الوحوش والطير كانت تسمع الى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغى اليها وقالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان ولقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء فى الأرض"تفسير : . قالوا: لما تاب الله عليه قال يا رب غفرت لي فكيف أفعل حتى لا أنسى خطيئتي فاستغفر لي وللخاطئين الى يوم القيامة فوسم الله خطيئته في يده اليمنى فما رفع طعاماً ولا شراباً الا بكى اذا رآها ولا قام خطيباً في الناس الا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته وكان يستغفر للخاطئين قبل نفسه أي لأنه قد غفر له. وعن الحسن كان بعد الخطيئة لا يجالس الا الخاطئين يقول تعالوا الى داود الخاطئ ولا يشرب شراباً الا مزجه بدموعه وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته فلا يزال يبكى عليه حتى يبتل بالدموع ويذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين قال وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر وبعدها يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله. قال ثابت: كان اذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله واذا ذكر رحمة ربه تراجعت {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا} يوم القيامة بعد المغفرة* {لَزُلْفَى} أي لقربى* {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي مرجع ومنقلب في الجنة وقلنا: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً}
اطفيش
تفسير : {فغَفَرنا له ذلِكَ} الذى فارق، واستغفر منه، كانا لوزيره أوريا امرأة واحدة، فطلبه أن يطلقها ليتزوجها، مع أن له تسع وتسعين امرأة غيرها، فاستحيى أن يريده فطلقها فتزوجها داود، وهى أم سليمان فيما قيل، وكان ذلك جائزا عندهم عندهم غير مخل بالمروءة، كما كان الأنصارى فى أول الإسلام ينزل عن احدى امرأتيه أو نسائه للمهاجر يتزوجها، ومع حل ذلك عد عليه ذنبا اذ لم تغلبه الرأفة بأخيه، واذا لم يقهر نفسه، ومثل ذلك أنه خطبها أوريا، وخطبها مع علمه بخطبة أوريا، فاختاره أولياؤها على أوريا، فمن جاز ذلك فى شرعه والا فهو بعيد عنه، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يساوم على سومه، وقيل: خطبها ولم يعلم بخطبة أوريا، فعوقب بأنه لم يسأل لعلها فى خطبة أحد قبله، وفى هذا تشديد، وقد يسيغه كثرة نسائه التى تدعوه أن يتورع. ويقال تمنى أن يتزوجها ان مات زوجها أوريا فى الجهاد بعوقب اذ غلب حبها على حب أخيه فى ذلك، وكفر من قال: أعطاه الراية وقدمه ليموت فيتزوجها، وقيل: كان فى شرعه أن أولياء الميت أولى بتزوج امرأته، وتزوجها وليس منهم، ولا يحل أن ينسب ذلك اليه أن حرم على غير الولى، ولعله كان ذلك ندبا فعوقب لاختياره غير الأولى، وقد قيل: انه امره بقتل البلقاء مرارا ليموت فيتزوجها، وذلك خطأ وضلال من قائله، وفى تلك الأقوال بدون التأويل الذى ذكرت يقع قول على أن صح عنه أنه من حدث بحديث داود على ما قصه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وذلك ضعف الحد فى الافتراء، لأنه نبى وذك حد من افترى على نبى. وقيل: مالت نفسه طبعا الى امرأة نظر اليها فى الخصام ليثبتها لا لشهوة، فمنعته بعض نفله وهو بعيد عن منصب النبوة، ويقال: أنه ظن أن الخصمين، وهما آدميان أرادا قتله ولم يريداه، وقيل: أراد الانتقام منهما قدم، وهذان لا يناسبان التشديد عليه بحسب ما يظهر فلا يفسر بهما الا أن لله تعالى أن يفعل ما يشاء، وأنه قيل: انه بكى أربعين ليلة حتى نبت من دموعه نبات عطى رأسه، ولا يشرب الا وثلثا شرابه دموع، وفيه بعد، ونقول: من أين هذه الدموع؟ من داود؟ وهل الدمع ينبت النبات به كما ينبت بالماء {وإنَّ لهُ عنْدَنا} متعلق بله لنيابته عن ثابتة، أو بثابتة {لَزُلْفى} قربة بعد المغفرة {وحُسْن مآب} حسن رجوع، أى ذهاب الى الجنة أو مآب اسم مكان، وحسن نعته قدم وأضيف اليه بمعنى الوصف، أى مآبا حسنا يفتح الحاء والسين، أو ذا حسن بضم واسكان.
الالوسي
تفسير : {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } أي ما استغفرنا منه. أخرج أحمد وعبد بن حميد عن يونس بن حبان أن داود عليه السلام بكى أربعين ليلة حتى نبت العشب حوله من دموعه ثم قال: يا رب قرح الجبين ورقأ الدمع وخطيئتي عليَّ كما هي فنودي يا داود أجائع فتطعم؟ أم ظمآن فتسقى؟ أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحبة هاج ما هنالك من الخضرة فغفر له عند ذلك، وفي رواية عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن مجاهد أنه خر ساجداً أربعين ليلة حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه ثم قال الخ، وروي أنه لم يشرب ماء إلا وثلثاه من دمعه وجهد نفسه راغباً إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل فلما غفر له حاربه فهزمه. وأخرج أحمد عن ثابت أنه عليه السلام اتخذ سبع حشايا وحشاهن من الرماد حتى أنفذها دموعاً ولم يشرب شراباً إلا مزجه بدمع عينيه، وأخرج عن وهب أنه اعتزل النساء وبكى حتى رعش وخددت الدموع في وجهه، ولم ينقطع خوفه عليه السلام وقلقه بعد المغفرة، فقد أخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير عن عطاء الخراساني أن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها وكان إذا رآها اضطربت يداه. وأخرج أحمد وغيره عن ثابت عن صفوان وعبد بن حميد من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حتى مات. {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } قربة بعد المغفرة. {وَحُسْنَ مَـآبٍ} وحسن مرجع في الجنة، وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أنه قال في الآية: يدنو من ربه سبحانه حتى يضع يده عليه، وهو إن صح من المتشابه. وأخرج أحمد في "الزهد" والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مالك بن دينار أنه قال فيها: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول الرب عز وجل: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في/ الدنيا فيقول: يا رب كيف وقد سلبته؟ فيقول: إني راده عليك اليوم فيندفع بصوت يستغرق نعيم أهل الجنة. هذا واختلف في أصل قصته التي ترتب عليها ما ترتب فقيل إنه عليه السلام رأى امرأة رجل يقال له أوريا من مؤمني قومه ـ وفي بعض الآثار أنه وزيره ـ فمال قلبه إليها فسأله أن يطلقها فاستحي أن يرده ففعل فتزوجها وهي أم سليمان وكان ذلك جائزاً في شريعته معتاداً فيما بين أمته غير مخل بالمروءة حيث كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وقد كان الرجل من الأنصار في صدر الإسلام بعد الهجرة إذا كانت له زوجتان نزل عن إحداهما لمن اتخذه أخاً له من المهاجرين لكنه عليه السلام لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شأنه نبه بالتمثيل على أنه لم يكن ينبغي له أن يتعاطى ما يتعاطاه آحاد أمته ويسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة أن ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه بل كان يجب عليه أن يغالب ميله الطبيعي ويقهر نفسه ويصبر على ما امتحن به. وقيل إنه أضمر في نفسه إن قتل أوريا تزوج بها وإليه مال ابن حجر في "تحفته". وقيل لم يكن أوريا تزوجها بل كان خطبها ثم خطبها هو فآثره عليه السلام أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن، وفي بعض الآثار أنه فعل ذلك ولم يكن عالماً بخطبة أخيه فعوتب على ترك السؤال هل خطبها أحد أم لا؟ وقيل إنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأة فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزوج بها فلما قتل أوريا خطب امرأته ظاناً أن أولياءه رغبوا عنها فلما سمعوا منعتهم هيبته وجلالته أن يخطبوها. وقيل إنه كان في عبادة فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها وهو نظر مباح فمالت نفسه ميلاً طبيعياً إليها فشغل عن بعض نوافله فعوتب لذلك، وقيل إنه لم يتثبت في الحكم وظلم المدعى عليه قبل سؤاله لما ناله من الفزع وكانت الخصومة بين المتخاصمين وكانا من الإنس على الحقيقة إما على ظاهر ما قص أو على جعل النعجة فيه كناية عن المرأة، ونقل هذا عن أبـي مسلم. والمقبول من هذه الأقوال ما بعد من الإخلال بمنصب النبوة، وللقصاص كلام مشهور لا يكاد يصح لما فيه من مزيد الإخلال بمنصبه عليه السلام ولذا قال علي كرم الله تعالى وجهه على ما في بعض الكتب: من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، وهذا اجتهاد منه كرم الله تعالى وجهه، ووجه مضاعفة الحد على حد الأحرار أنهم عليهم السلام سادة السادة وهو وجه مستحسن إلا أن الزين العراقي ذكر أن الخبر نفسه لم يصح عن الأمير كرم الله تعالى وجهه. وقال أبو حيان: الذي نذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظاناً أنهم يغتالونه إذ كان منفرداً في محرابه لعبادة ربه عز وجل فلما اتضح له أنهم جاؤا في حكومة وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قص الله تعالى وأن داود عليه السلام ظن دخولهم عليه في ذلك الوقت ومن تلك الجهة ابتلاء من الله تعالى له أن يغتالوه فلم يقع ما كان ظنه فاستغفر من ذلك الظن حيث أخلف ولم يكن ليقع مظنونه وخر ساجداً ورجع إلى الله تعالى وأنه سبحانه غفر له ذلك الظن فإنه عز وجل قال: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } ولم يتقدم سوى قوله تعالى: {أية : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ }تفسير : [ص: 24] ونعلم قطعاً أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطايا لا يمكن وقوعهم في شيء منها ضرورة أنا لو جوزنا عليهم شيئاً من ذلك بطلت الشرائع ولم يوثق بشيء مما يذكرون أنه وحي من الله تعالى فما حكى الله تعالى في كتابه يمر على ما أراده الله تعالى وما حكى القصاص مما فيه/ نقص لمنصب الرسالة طرحناه، ونحن كما قال الشاعر: شعر : ونؤثر حكم العقل في كل شبهة إذا آثر الأخبار جلاس قصاص تفسير : انتهى؛ ويقرب من هذا من وجه ما قيل إن قوماً قصدوا أن يقتلوه عليه السلام فتسوروا المحراب فوجدوا عنده أقواماً فتصنعوا بما قص الله تعالى من التحاكم فعلم غرضهم فقصد أن ينتقم منهم فظن أن ذلك ابتلاء من الله تعالى وامتحان له هل يغضب لنفسه أم لا فاستغفر ربه مما عزم عليه من الانتقام منهم وتأديبهم لحق نفسه لعدوله عن العفو الأليق به، وقيل: الاستغفار كان لمن هجم عليه وقوله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ } على معنى فغفرنا لأجله، وهذا تعسف وإن وقع في بعض كتب الكلام، وعندي أن ترك الأخبار بالكلية في القصة مما لا يكاد يقبله المنصف، نعم لا يقبل منها ما فيه إخلال بمنصب النبوة ولا يقبل تأويلاً يندفع معه ذلك ولا بد من القول بأنه لم يكن منه عليه السلام إلا ترك ما هو الأولى بعلي شأنه والاستغفار منه وهو لا يخل بالعصمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَـآبٍ} (25) - فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ، وَغَفَرَ لَهُ تَسَرُّعَهُ فِي الحُكْمِ، وَسَتَكُونُ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ قُرْبَةٌ يُقَرِّبُهُ اللهُ بِهَا، وَسَيَكُونُ لَهُ حُسْنُ مَرْجِعٍ، لِتَوْبَتِهِ وَعَدْلِهِ التَّامِ فِي مُلْكِهِ. لَزُلْفَى - لَقُرْبَةً وَمَكَانَةً. حُسْنَ مَآبٍ - حُسْنَ مَرْجِعٍ فِي الآخِرَةِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} معناه قُربى ومَنزلةٌ. واحدُها زُلفةٌ {وَحُسْنَ مَـآبٍ} معناه حُسنُ مَرجعٍ.
الجيلاني
تفسير : {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} الذنب بعدما أخلص في الإنابة والرجوع إلينا، بل جميع ذنوبه التي صدرت عنه {وَ} كيف لا نغفر {إِنَّ لَهُ} أي: لداوود عليه السلام {عِندَنَا} وفي ساحة قربتنا وعزتنا {لَزُلْفَىٰ} لقربة ومنزلة رفيعة {وَحُسْنَ مَـآبٍ} [ص: 25] أي: خير مرجع ومنقلب من مقامات القرب ودرجات الوصول. وأسر في ابتلاء الله إياه أنه لما رأى في كتب التواريخ أوصاف أسلافه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أضمر في نفسه أن يؤتى له مثل ما أتى إياهم من الخير الحسنى، فأوحى إليه أنهم قد ابتلوا فصبروا، فأعطي لهم ما أعطي فقال داود عليه السلام: يا رب لو ابتليت لصبرت أيضاً مثلهم، فأوحى أنك تُبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاستحفظ الأوقات. فلما جاء الموعد دخل محرابه وأغلق الباب على نفسه، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب في غاية الحسن والبهاء ووقعت بين رجليه، فأراد أخذها؛ ليُري بني إسرائيل عجائب صنع الله وبدائع قدرته، فطارت وجلست في كوة هناك فأراد أخذها فذهبت فنظر من الكوة فإذا هو بامرأة حسناء من أجمل النساء تغتسل فتعجب منها، فالتفت وأبصرت ظله فنفضت شعرها، فغطى جميع بدنها، فازداد داوود عجباً فوق العجب. وبالجملة: قد ابتلي عليه السلام بمحبة تلك المرأة، وكان عمره حينئذ سعبين سنة، فسأل عنها، فقيل: هي امرأة أوريا بن حنان، فأوجس في نفسه قتله ليتزوج امرأته، وكان أوريا حينئذ مع ابن أخت داود في جيش، فأرسل إلى ابن أخته أن يقدم أوريا قدام التابوت، وكان من عادته من يقدمه قدام التابوت لا يحل له الرجوع حتى يُفتح أو يُقتل، فقدمه ففتح، فأمره أن يقدمه إلى أخرى، فقدمه ففتح أيضاً، ثم أمر أن يقدمه ثالثاً، فقدمه إلى جيش عظيم فقتل. وبعدما انقضت عدة امرأته تزوجها داود عليه السلام، وهي أم سليمان عليه السلام، فعاتبه سبحانه بما عاتبه، فاستغفر ربه وخرَّ راكعاً وأناب، والعهدة على الراوي، وأنكر بعضهم هذه القصة؛ لأن الأنبياء معصومون عن أمثاله. وعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: من تحدث بحديث داوود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهي حد الفرية على الأنبياء، والعلم عند الله. ثم لما عاتب سبحانه داود عليه السلام بما عاتب، وقبل توبته بعدما اتسغفر وأناب، أراد سبحانه من كمال خلوصه في توبته رجوعه نحو الحق عن صميم طويته أن يشرفه بخلعة الخلافة، فقال منادياً له، إظهاراً لكمال اللطف والكرم معه: {يٰدَاوُودُ} المتأثر عن عتبنا، التائب إلينا، المنيب نحونا عن محض الندم والإخلاص {إِنَّا} بعدما طهرناك عن لوث بشريتك، وغفرنا لك ما طرأ عليه من لوازم هويتك ولواحق ناسوتك {جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل الكون والفساد، وأنواع الفتن والعناد، فلك أن تستخلف عليها نيابة عنَّا. {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} المستحكمين لك، المتمردين إليك في الوقائع والخطوب ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} السوي بلا ميل إلى كلا طرفي الإفراط والتفريط على الوجه الذي وصل إليك في كتابنا صريحاً أو استنبط منه ضمناً {وَ} عليك أن {لاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} في حكوماتك وقطعك للخصومات بين الأنام؛ يعني: عليك أن ترجع في جميع الأحكام إلى كتابنا، ولا تميل في حال من الأحوال إلى ما تهواه نفسك ويقتضيه رأيك ويشتهيه قلبك، إن كان مخالفاً لما في الكتاب، وإن اتبعت إليه بعدما نهيناك {فَيُضِلَّكَ} اتباعك أياه {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الموصل إلى توحيده، المبني على القسط والاعتدال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد الذي استوى على عروش عموم ما لمع عليه بروق تجلياته بالقسط والاستقامة {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ} يوم يرجعون إلى الله، ويحشرون إلى عرصات العرض {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} [ص: 26] أي: بسبب فطرتهم الأصلية، وعهدهم الذي عهدوا مع الله فيها، وإنكارهم على تنقية الحق أعمالهم في يوم البعث والجزاء، وضلالهم عن الإيمان به وبجميع ما فيه من الأمور الأخروية. {وَ} كيف لا نبعث الأموات، ولا نحاسب أعمالهم التي أتوا بها في دار الاختبار؛ إذ {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ} وجميع ما فيها ومن فيها {وَٱلأَرْضَ} وجميع من عليها وما عليها {وَ} كذا {مَا بَيْنَهُمَا} من الممتزجات الكائنة فوق الأرض وتحت السماء {بَاطِلاً} عبثاً بلا طائل ومصلحة تقتضيها الحكمة الباعثة على إظهارها، مع أنَّا ما كنَّا من العابثين اللاعبين. وما يليق بشأننا أن ينسب أفعالنا إلى البطلان، والخلو عن الحكمة {ذَلِكَ} أي: القول ببطلان أفعالنا، وخلائها عن الفائدة، وعرائها عن الحكمة والمصلحة {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالحق العليم الحكيم، وأعرضوا عن الإيمان وأنكروا توحيده، فاستحقوا بذلك الظن أسوأ العذاب وأشد النكال {فَوَيْلٌ} عظيم وعذاب أليم {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} [ص: 27] إذ هم في أوحش أمكنة جهنم وأهولها وأعمقها. {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: بل ظنوا وزعموا من شدة جهلهم وسخافة فطنتهم، أنَّا نسوي في الرتبة بين أرباب الهداية والإيمان وأصحاب الضلال والطغيان {أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} [ص: 28] بل زعموا، واعتقدوا مساواة أهل المغفرة والتقوى مع أصحاب الغفلة والهوى، المنهمكين في أودية الضلالات بمتابعة اللذات والشهوات. ثم قال سبحانه مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم على سبيل العظة والتذكير: هذا {كِتَابٌ} جامع لفوائد الكتب السالفة، مشتمل على زوائد خلت عنها تلك الكتب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أيها الجامع لجميع مراتب الوجود من مقام عظيم جودنا معك، ومع من تبعك من المؤمنين {مُبَارَكٌ} كثير الخبر والبركة على من أمتثل بأوامره، واجتنب عن نواهيه، وانكشف بما فيه من الرموز والإشارات المنبهة إلى التوحيد وإسقاط الإضافات، والتخلق بصفات الحق وأخلاقه، والاتصاف بمقتضيات أسمائه الحسنى، وإنما أنزلناه {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ} أي: ليتدبر المتدبرون المتفكرون في أساليب {آيَاتِهِ} الكريمة، واتساق تراكيبه البديعة، وإفاضاتها المعاني العجيبة المنتشئة المترشحة من بحر الذات حسب شئون الأسماء والصفات الظاهرة آثارها على وفق التجليات الحبية، {وَلِيَتَذَكَّرَ} ويتعظ بعدما تأمل وتدبر {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [ص: 29] المستكشفون عن حقائق الموجودات، ولباب الكائنات والفاسدات المعرضين عن قشورها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 830 : 13 : 17 - سفين عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} قال، يدنوا من الرب تبارك وتعالى حتى يضع يده قريباً. [الآية 25].
همام الصنعاني
تفسير : 2587- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: علم أنه هو المعني بذلك، فسَجَدَ أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة، قال: ولم يذق طعاماً ولا شراباً، حتى أوحى الله أنِ ارفع رأسك؛ فقد غفرت لك، قال: يا رب إني قد علمت أنك لست بتاركي حتى تأخذ لعبدك منِّي، قال: إني استوهبك من عبدي، فيهبك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء، قَال: الآن علمت يا رب أنك قد غفرت لي، قال: الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} [الآية: 25].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):