٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أنه تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض، وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في تلك القصة، لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين، راغباً في انتزاع أزواجهم منهم ثم يذكر عقيبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه، ثم نقول في تفسير كونه خليفة وجهان الأول: جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى، وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه، وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال الثاني: إنا جعلناك مالكاً للناس ونافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خلفاء الله في أرضه، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم. ثم قال تعالى: {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } واعلم أن الإنسان خلق مدنياً بالطبع، لأن الإنسان الواحد لا تتنظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة حتى أن هذا يحرث، وذلك يطحن، وذلك يخبز، وذلك ينسج، وهذا يخيط، وبالجملة فيكون كل واحد منهم مشغولاً بمهم، وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الإنسان مدني بالطبع وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس، ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق، وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك، أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحق الإلهية انتظمت مصالح العالم، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه. فهذا هو المراد من قولهم: {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك الحاكم ثم قال: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } الآية، وتفسيره أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب، فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء العذاب. أما المقام الأول: وهو أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله فتقريره أن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية، والاستغراق فيها يمنع من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات، لأنهما حالتان متضادتان فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص الآخر. أما المقام الثاني: وهو أن الضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب، فالأمر فيه ظاهر لأن الإنسان إذا عظم ألفه بهذه الجسمانيات ونسي بالكلية أحواله الروحانيات، فإذا مات فقد فارق المحبوب والمعشوق، ودخل دياراً ليس له بأهل تلك الديار إلف وليس لعيته قوة مطالعة أنوار تلك الديار، فكأنه فارق المحبوب ووصل إلى المكروه، فكان لا محالة في أعظم العناء والبلاء، فثبت أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله. وثبت أن الضلال عن سبيل الله يوجب العذاب، وهذا بيان في غاية الكمال. ثم قال تعالى: {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } يعني أن السبب الأول لحصول ذلك الضلال هو نسيان يوم الحساب، لأنه لو كان متذكراً ليوم الحساب لما أعرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد، ولما صار مستغرقاً في هذه اللذات الفاسدة. روي عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز هل سمعت ما بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية؟ فقال: يا أمير المؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء؟ ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } ثم قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } ونظيره قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } تفسير : [آل عمران: 191] وقوله تعالى: {أية : مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الروم: 8] وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأعمال العباد قال لأنها مشتملة على الكفر والفسق وكلها أباطيل. فلما بين تعالى أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً دل هذا على أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد. ومثله قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الحجر: 85] وعند المجبرة أنه خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر باطل، وقد خلق الباطل، ثم أكد تعالى ذلك بأن قال: {ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي كل من قال بهذا القول فهو كافر، فهذا تصريح بأن مذهب المجبرة عين الكفر، واحتج أصحابنا رحمهم الله بأن هذه الآية تدل على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد فقالوا هذه الآية تدل على كونه تعالى خالقاً لكل ما بين السموات والأرض، وأعمال العباد حاصلة بين السماء والأرض، فوجب أن يكون الله تعالى خالقاً لها. المسألة الثانية: هذه الآية دالة على صحة القول بالحشر والنشر والقيامة، وذلك لأنه تعالى خلق الخلق في هذا العالم، فإما أن يقال إنه خلقهم للإضرار أو للإنفاع أو لا للإنفاع ولا للإضرار والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضاً باطل لأن هذه الحالة حاصلة حين كانوا معدومين، فلم يبق إلا أن يقال إنه خلقهم للإنفاع، فنقول وذلك الإنفاع، إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة، والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة، وتحمل المضار الكثيرة للمنفعة القليلة لا يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيوية، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة، واعلم أن هذا الدليل يمكن تقريره من وجوه كثيرة، وقد لخصناها في أول سورة يونس بالاستقصاء، فلا سبيل إلى التكرير فثبت بما ذكرنا أنه تعالى ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلاً وإذا لم يكن خلقهما باطلاً كان القول بالحشر والنشر لازماً، وأن كل من أنكر القول بالحشر والنشر كان شاكاً في حكمة الله في خلق السماء والأرض، وهذا هو المراد من قوله: {ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } ولما بين الله تعالى على سبيل الإجمال أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى بين ذلك على سبيل التفصيل، فقال: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } وتقريره أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة، فلو لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، وإذا كان ذلك قادحاً في الحكمة، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله. ثم قال تعالى: {كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـٰتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة دلت الآية على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن لأجل الخير والرحمة والهداية، وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن أفعال الله معللة برعاية المصالح والثاني: أنه تعالى أراد الإيمان والخير والطاعة من الكل بخلاف قول من يقول إنه أراد الكفر من الكافر. المسألة الثانية: في تقرير نظم هذه الآيات فنقول، لسائل أن يسأل فيقول إنه تعالى حكى في أول السورة عن المستهزئين من الكفار، أنهم بالغوا في إنكار البعث والقيامة، وقالوا: {أية : رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 16] ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك لم يذكر الجواب، بل قال: {أية : ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ } تفسير : [ص: 17] ومعلوم أنه لا تعلق لذكر داود عليه السلام بأن القول بالقيامة حق، ثم إنه تعالى أطنب في شرح قصة داود، ثم أتبعه بقوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ } ومعلوم أنه لا تعلق لمسألة إثبات حكمة الله بقصة داود، ثم لما ذكر إثبات حكمة الله وفرع عليه إثبات أن القول بالحشر والنشر حق، ذكر بعده أن القرآن كتاب شريف فاضل كثير النفع والخير، ولا تعلق لهذا الفصل بالكلمات المتقدمة، وإذا كان كذلك كانت هذه الفصول فصولاً متباينة لا تعلق للبعض منها بالبعض، فكيف يليق بهذا الموضع وصف القرآن بكونه كتاباً شريفاً فاضلاً؟ هذا تمام السؤال والجواب أن نقول: إن العقلاء قالوا من أبلى بخصم جاهل مصر متعصب، ورآه قد خاض في ذلك التعصب والإصرار، وجب عليه أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة، لأنه كلما كان خوضه في تقريره أكثر كانت نفرته عن القبول أشد، فالطريق حينئذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة، وأن يخوض في كلام آخر أجنبي عن المسألة الأولى بالكلية ويطنب في ذلك الكلام الأجنبي، بحيث ينسى ذلك المتعصب تلك المسألة الأولى، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي المسألة الأولى، فحينئذ يدرج في أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة مناسبة لذلك المطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب يسلم هذه المقدمة، فإذا سلمها، فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول، وحينئذ يصير ذلك الخصم المتعصب منقطعاً مفحماً، إذا عرفت هذا فنقول إن الكفار بلغوا في إنكار الحشر والنشر والقيامة إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء {أية : رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 16] فقال يا محمد اقطع الكلام معهم في هذه المسألة، واشرع في كلام آخر أجنبي بالكلية عن هذه المسألة، وهي قصة داود عليه السلام، فإن من المعلوم أنه لا تعلق لهذه القصة بمسألة الحشر والنشر، ثم إنه تعالى أطنب في شرح تلك القصة، ثم قال في آخر القصة: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } تفسير : [ص: 26] وكل من سمع هذا قال نعم ما فعل حيث أمره بالحكم بالحق، ثم كأنه تعالى قال: وأنا لا آمرك بالحق فقط، بل أنا مع أني رب العالمين لا أفعل إلا بالحق، ولا أفضي بالباطل، فههنا الخصم يقول نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يقال لما سلمت أن حكم الله يجب أن يكون بالحق لا بالباطل، لزمك أن تسلم صحة القول بالحشر والنشر، لأنه لو لم يحصل ذلك لزم أن يكون الكافر راجحاً على المسلم في إيصال الخيرات إليه، وذلك ضد الحكمة وعين الباطل، فبهذا الطريق اللطيف أورد الله تعالى الإلزام القاطع على منكري الحشر والنشر إيراداً لا يمكنهم الخلاص عنه، فصار ذلك الخصم الذي بلغ في إنكار المعاد إلى حد الاستهزاء مفحماً ملزماً بهذا الطريق، ولما ذكر الله تعالى هذه الطريقة الدقيقة في الإلزام في القرآن، لا جرم وصف القرآن بالكمال والفضل، فقال: {كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـٰتِهِ وليتذكّر أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ } فإن من لم يتدبر ولم يتأمل ولم يساعده التوفيق الإلهي لم يقف على هذه الأسرار العجيبة المذكورة في هذا القرآن العظيم، حيث يراه في ظاهر الحال مقروناً بسوء الترتيب، وهو في الحقيقة مشتمل على أكمل جهات الترتيب، فهذا ما حضرنا في تفسير هذه الآيات، وبالله التوفيق.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} أي ملّكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلُف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين. وقد مضى في «البقرة» القول في الخليفة وأحكامه مستوفى والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} أي بالعدل. وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك بعدل. فقيل له بعد هذا؛ فاحكم بين الناس بالعدل {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي عن طريق الجنة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يحيدون عنها ويتركونها {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ} في النار {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} أي بما تركوا من سلوك طريق الله؛ فقوله: «نَسُوا» أي تركوا الإيمان به، أو تركوا العمل به فصاروا كالناسين. ثم قيل: هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوّة. وقيل: بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته. الثالثة: الأصل في الأقضية قوله تعالى: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} وقوله: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ} تفسير : [المائدة: 49] وقوله تعالى: {أية : لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 105] وقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ}تفسير : [المائدة: 8] الآية. وقد تقدّم الكلام فيه. الرابعة: قال ابن عباس في قوله تعالى: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال: إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوًى، فلا تشته في نفسك الحق له لِيفلُج على صاحبه، فإن فعلتَ محوتُ اسمك من نبوّتي، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي. فدلّ هذا على بيان وجوب الحكم بالحق، وألاّ يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة، أو غيرهما. وقال ابن عباس: إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام، لأنه تقدّم إليه خصمان فهوِي أن يكون الحق لأحدهما. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: بلغني أن قاضياً كان في زمن بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علَما، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك؛ وإذا هو قصّر عرف ذلك، فقيل له: ادخل منزلك، ثم مدّ يدك في جدارك، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطاً؛ فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه، فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصّرت عن الحق قصّر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاماً ولا شراباً، ولم يفِض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحلّ الله له من أهل أو مطعم أو مشرب. فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء، أقبل إليه رجلان يريدانه، فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقاً وخِدْناً، فتحرّك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له، فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمدّ يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمّر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه فخرّ ساجداً وهو يقول: يا ربّ شيئاً لم أتعمده ولم أردْه فبيِّنْه لي. فقيل له؛ أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك، حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك لتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد ردّ الحق إلى أهله وأنت كاره. وعن ليث قال: تقدّم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما، ثم عادا فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال: تقدّما إليّ فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك، ثم عادا فوجدت بعض ذلك له، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما. وقال الشعبي: كان بين عمر وأُبَيٍّ خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أوّل جورك؛ أجلسني وإياه مجلساً واحداً؛ فجلسا بين يديه. الخامسة: هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه؛ لأن الحكام لو مكِّنوا أن يحكموا بعلمهم، لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليّه ويهلك عدوّه إلا ادعى علمه فيما حكم به. ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر؛ قال: لو رأيت رجلاً على حدّ من حدود الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي ان امرأة جاءت إلى عمر فقالت له: احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده. فقال لها: إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه اشترى فرساً فجحده البائع، فلم يحكم عليه بعلمه وقال: «من يشهد لي» فقام خزيمة فشهد فحكمتفسير : . خرّج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في «البقرة».
ابن كثير
تفسير : هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد، والعذاب الشديد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة، وكان قد قرأ الكتاب: أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن، وفقهت، فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله، أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة، ثم توعده في كتابه فقال تعالى: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. وقال عكرمة: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} هذا من المقدم والمؤخر، لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أمشى على ظاهر الآية، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَئَابٍ يٰدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } تدبر أمر الناس {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } أي هوى النفس {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي عن الدلائل الدالة على توحيده {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي عن الإِيمان بالله {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ } بنسيانهم {يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } المرتب عليه تركهم الإِيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا.
الشوكاني
تفسير : لما تمم سبحانه قصة داود أردفها ببيان تفويض أمر خلافة الأرض إليه، والجملة مقولة لقول مقدر معطوف على غفرنا أي: وقلنا له {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ} استخلفناك على الأرض، أو {جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً } لمن قبلك من الأنبياء لتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } أي: بالعدل الذي هو حكم الله بين عباده {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } أي: هوى النفس في الحكم بين العباد. وفيه تنبيه لداود عليه السلام أن الذي عوتب عليه ليس بعدل، وأن فيه شائبة من اتباع هوى النفس {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بالنصب على أنه جواب للنهي، وفاعل يضلك هو الهوى، ويجوز أن يكون الفعل مجزوماً بالعطف على النهي، وإنما حرك لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول يكون المنهي عنه الجمع بينهما، وعلى الوجه الثاني يكون النهي عن كلّ واحد منهما على حدة. وسبيل الله: هو طريق الحق، أو طريق الجنة. وجملة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ } تعليل للنهي عن اتباع الهوى، والوقوع في الضلال، والباء في: {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } للسببية، ومعنى النسيان: الترك، أي: بسبب تركهم العمل لذلك اليوم. قال الزجاج: أي: بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون، ويذكرون. وقال عكرمة، والسدّي: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ولهم عذاب يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل، والأوّل أولى. وجملة: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } مستأنفة مقرّرة لما قبلها من أمر البعث والحساب، أي: ما خلقنا هذه الأشياء خلقاً باطلاً خارجاً على الحكمة الباهرة، بل خلقناها للدلالة على قدرتنا، فانتصاب {باطلاً} على المصدرية، أو على الحالية، أو على أنه مفعول لأجله، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى المنفيّ قبله، وهو مبتدأ، وخبره {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: مظنونهم، فإنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض، ويقولون: إنه لا قيامة، ولا بعث، ولا حساب، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلاً {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم، وكفرهم. ثم وبخهم، وبكتهم فقال: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ } قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطي في الآخرة كما تعطون، فنزلت، و"أم" هي: المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة، أي: بل أنجعل الذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، وعملوا بفرائضه كالمفسدين في الأرض بالمعاصي. ثم أضرب سبحانه إضراباً آخر، وانتقل عن الأول إلى ما هو أظهر استحالة منه، فقال: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } أي: بل تجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين، والمنافقين، والمنهمكين في معاصي الله سبحانه من المسلمين، وقيل: إن الفجار هنا خاص بالكافرين، وقيل: المراد بالمتقين الصحابة، ولا وجه للتخصيص بغير مخصص، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ } ارتفاع كتاب على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأنزلناه إليك صفة له، ومبارك خبر ثانٍ للمبتدأ ولا يجوز أن يكون صفة أخرى لكتاب لما تقرر من أنه لا يجوز تأخير الوصف الصريح عن غير الصريح، وقد جوزه بعض النحاة، والتقدير: القرآن كتاب أنزلناه إليك يا محمد كثير الخير، والبركة. وقرىء: (مباركاً) على الحال، وقوله: {لّيَدَّبَّرُواْ } أصله: ليتدبروا، فأدغمت التاء في الدال، وهو متعلق بأنزلناه. وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر، والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر. قرأ الجمهور: {ليدبروا} بالإدغام. وقرأ أبو جعفر، وشيبة: (لتدبروا) بالتاء الفوقية على الخطاب، ورويت هذه القراءة عن عاصم، والكسائي، وهي قراءة علي رضي الله عنه، والأصل لتتدبروا بتاءين، فحذف إحداهما تخفيفاً {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: ليتعظ أهل العقول، والألباب جمع لب وهو: العقل. {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } أخبر سبحانه: بأن من جملة نعمه على داود أنه وهب له سليمان ولداً، ثم مدح سليمان، فقال: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم العبد سليمان، وقيل: إن المدح هنا بقوله: {نعم العبد} هو لداود، والأول أولى، وجملة: {إِنَّهُ أَوَّابٌ } تعليل لما قبلها من المدح، والأواب: الرجاع إلى الله بالتوبة كما تقدم بيانه، والظرف في قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ } متعلق بمحذوف وهو: اذكر، أي: اذكر ما صدر عنه وقت عرض الصافنات الجياد عليه {بِٱلْعَشِىّ } وقيل: هو متعلق بنعم، وهو مع كونه غير متصرف لا وجه لتقييده بذلك الوقت، وقيل: متعلق بأواب، ولا وجه لتقييد كونه أواباً بذلك الوقت، والعشي: من الظهر، أو العصر إلى آخر النهار، و{الصافنات} جمع صافن. وقد اختلف أهل اللغة في معناه، فقال القتيبي، والفراء: الصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل، أو غيرها، وبه قال قتادة، ومنه الحديث: «حديث : من أحب أن يتمثل له الناس صفونا، فليتبوأ مقعده من النار»تفسير : ، أي: يديمون القيام له، واستدلوا بقول النابغة:شعر : لنا قبة مضروبة بفنائها عتاق المهارى والجياد الصوافن تفسير : ولا حجة لهم في هذا فإنه استدلال بمحل النزاع، وهو مصادرة؛ لأن النزاع في الصافن ماذا هو؟ وقال الزجاج: هو الذي يقف على إحدى اليدين، ويرفع الأخرى، ويجعل على الأرض طرف الحافر منها حتى كأنه يقوم على ثلاث، وهي: الرجلان، وإحدى اليدين، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه، وهي: علامة الفراهة. وأنشد الزجاج قول الشاعر:شعر : ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : ومن هذا قول عمرو بن كلثوم:شعر : تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدّة أعنتها صفونا تفسير : فإن قوله: صفونا لا بدّ أن يحمل على معنى غير مجرّد القيام، لأن مجرّد القيام قد استفيد من قوله: عاكفة عليه. وقال أبو عبيد: الصافن هو: الذي يجمع يديه، ويسويهما، وأما الذي يقف على سنبكه، فاسمه: المتخيم، والجياد جمع جواد، يقال: للفرس إذا كان شديدا العدو. وقيل: إنها الطوال الأعناق، مأخوذ من الجيد، وهو: العنق، قيل: كانت مائة فرس، وقيل: كانت عشرين ألفاً، وقيل: كانت عشرين فرساً، وقيل: إنها خرجت له من البحر، وكانت لها أجنحة {فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى } انتصاب {حب الخير} على أنه مفعول أحببت بعد تضمينه معنى: آثرت. قال الفراء: يقول: آثرت حب الخير، وكل من أحب شيئاً، فقد آثره. وقيل: انتصابه على المصدرية بحذف الزوائد، والناصب له أحببت، وقيل: هو مصدر تشبيهي، أي: حباً مثل حب الخير، والأول أولى. والمراد بالخير هنا: الخيل. قال الزجاج: الخير هنا: الخيل. وقال الفراء: الخير، والخيل في كلام العرب واحد. قال النحاس: وفي الحديث: «حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير»تفسير : ، فكأنها سميت خيراً لهذا. وقيل: إنها سميت خيراً لما فيها من المنافع. «وعن» في {عَن ذِكْرِ رَبِى } بمعنى: على. والمعنى: آثرت حبّ الخيل على ذكر ربي، يعني: صلاة العصر {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } يعني: الشمس، ولم يتقدّم لها ذكر، ولكن المقام يدلّ على ذلك. قال الزجاج: إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء، أو دليل الذكر، وقد جرى هنا الدليل، وهو قوله: بالعشيّ. والتواري: الاستتار عن الأبصار، والحجاب: ما يحجبها عن الأبصار. قال قتادة، وكعب: الحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، وهو جبل قاف، وسمي الليل حجاباً؛ لأنه يستر ما فيه، وقيل: الضمير في قوله: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ } للخيل، أي: حتى توارت في المسابقة عن الأعين، والأوّل أولى، وقوله: {رُدُّوهَا عَلَىَّ } من تمام قول سليمان، أي: أعيدوا عرضها عليّ مرّة أخرى. قال الحسن: إن سليمان لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله، وقال: ردّوها عليّ، أي: أعيدوها. وقيل: الضمير: في {ردّوها} يعود إلى الشمس، ويكون ذلك معجزة له، وإنما أمر بإرجاعها بعد مغيبها لأجل أن يصلي العصر، والأوّل أولى، والفاء في قوله: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } هي: الفصيحة التي تدل على محذوف في الكلام، والتقدير هنا: فردّوها عليه. قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل ما زال يفعل، وهو مثل ظلّ، وبات. وانتصاب {مسحاً} على المصدرية بفعل مقدّر، أي: يمسح مسحاً؛ لأن خبر طفق لا يكون إلا فعلاً مضارعاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال، والأول أولى. والسوق جمع ساق، والأعناق جمع عنق، والمراد: أنه طفق يضرب أعناقها، وسوقها، يقال: مسح علاوته، أي: ضرب عنقه. قال الفراء: المسح هنا: القطع، قال: والمعنى: أنه أقبل يضرب سوقها، وأعناقها؛ لأنها كانت سبب فوت صلاته، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج: ولم يكن يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له، وجائز أن يباح ذلك لسليمان، ويحضر في هذا الوقت. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، فقال قوم: المراد بالمسح ما تقدّم. وقال آخرون: منهم الزهري وقتادة: إن المراد به: المسح على سوقها، وأعناقها لكشف الغبار عنها حباً لها. والقول الأوّل أولى بسياق الكلام، فإنه ذكر أنه آثرها على ذكر ربه حتى فاتته صلاة العصر، ثم أمرهم بردّها عليه؛ ليعاقب نفسه بإفساد ما ألهاه عن ذلك، وما صدّه عن عبادة ربه، وشغله عن القيام بما فرضه الله عليه، ولا يناسب هذا أن يكون الغرض من ردّها عليه هو كشف الغبار عن سوقها، وأعناقها بالمسح عليها بيده، أو بثوبه، ولا متمسك لمن قال: إن إفساد المال لا يصدر عن النبيّ، فإن هذا مجرد استبعاد باعتبار ما هو المتقرّر في شرعنا مع جواز أن يكون في شرع سليمان أن مثل هذا مباح على أن إفساد المال المنهيّ عنه في شرعنا إنما هو مجرّد إضاعته لغير غرض صحيح، وأما لغرض صحيح، فقد جاز مثله في شرعنا كما وقع منه صلى الله عليه وسلم من إكفاء القدور التي طبخت من الغنيمة قبل القسمة، ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة، ومن ذلك ما وقع من الصحابة من إحراق طعام المحتكر. وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ } قال: الذين آمنوا: عليّ، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، والمفسدين في الأرض: عتبة، وشيبة، والوليد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: {ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ }. خيل خلقت على ما شاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ } قال: صفون الفرس: رفع إحدى يديه حتى يكون على أطراف الحافر، وفي قوله: {ٱلْجِيَادُ }: السراع. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: {حُبَّ ٱلْخَيْرِ } قال: الماء، وفي قوله: {ردّوها عليّ} قال: الخيل {فَطَفِقَ مَسْحاً } قال: عقراً بالسيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال: الصلاة التي فرّط فيها سليمان صلاة العصر. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله: {إذ عرض عليه بالعشيّ الصافنات الجياد} قال: كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن مسعود بقوله: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } قال: توارت من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال: كان سليمان لا يكلم إعظاماً له، فلقد فاتته صلاة العصر، وما استطاع أحد أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {عَن ذِكْرِ رَبِى } يقول: من ذكر ربي {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } قال: قطع سوقها، وأعناقها بالسيف.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} فيه وجهان: أحدهما: خليفة لله تعالى وتكون الخلافة هي النبوة. الثاني: خليفة لمن تقدمك لأن الباقي خليفة الماضي وتكون الخلافة هي الملك. {فاحكم بين الناس بالحق} فيه وجهان: أحدهما: بالعدل. الثاني: بالحق الذي لزمك لنا. {ولا تتبع الهوى} فيه وجهان: أحدهما: أن تميل مع من تهواه فتجور. الثاني: أن تحكم بما تهواه فتزلّ. {فيضلك عن سبيل الله} فيه وجهان: أحدهما: عن دين الله. الثاني: عن طاعة الله. {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نَسُوا يوم الحساب} فيه وجهان: أحدهما: بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي. الثاني: بما أعرضوا عن يوم الحساب، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلِيفَةً} لله ـ تعالى ـ والخلافة: النبوة، أو ملكاً، أو خليفة لمن تقدمك {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} لا تمل مع من تهواه فتجور أو لا تحكم بما تهواه فتزل {سَبِيلِ اللَّهِ} دينه، أو طاعته {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ} تركهم العمل له، أو بإعراضهم عنه "ح".
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} أي لتدبر أمر الناس بأمر نافذ الحكم فيهم {فاحكم بين الناس بالحق} أي بالعدل {ولا تتبع الهوى} أي لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى {فيضلك عن سبيل الله} أي عن دين الله وطريقه {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} أي بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقيل بتركهم العمل بذلك اليوم وقيل بترك العدل في القضاء. قوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} قال ابن عباس: لا لثواب ولا لعقاب. وقيل معناه ما خلقناهما عبثاً لا لشيء {ذلك ظن الذين كفروا} يعني أهل مكة هم الذين ظنوا أنما خلقناهم لغير شيء وأنه لا بعث ولا حساب {فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} قيل إن كفار قريش قالوا للمؤمنين إنما نعطي في الآخرة من الخير ما تعطون فنزلت هذه الآية {أم نجعل المتقين} يعني الذين اتقوا الشرك وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {كالفجار} يعني الكفار والمعنى لا نجعل الفريقين سواء في الآخرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: { يَٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلاْرْضِ} تقديرُ الكلامِ: وقُلْنَا لَهُ يا داوُدُ، قال * ع *: ولاَ يُقَالُ خليفةُ اللَّهِ إلا لرسولِه، وأما الخلفاءُ، فكل واحدٍ خَليفَةٌ للذي قَبْلَهُ، ومَا يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِنْ تَسْمِيَة أحدهِم خليفةَ اللَّه فذلك تجوُّزٌ وَغُلُوٌّ؛ أَلا تَرىٰ أن الصَّحابَةَ ـــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ـــ حَرَزُوا هذا المعنى، فقالوا لأبي بَكْرٍ: خليفةُ رسولِ اللَّهِ، وبهذا كَانَ يُدْعَىٰ مدةَ خلافَتِه، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ؛ قالُوا: يا خليفةَ خليفةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَطالَ الأمْرُ، وَرأَوْا أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ سَيَطُولُ أكْثَرَ؛ فَدَعَوْهُ أَمِيرَ المُؤمنينَ، وقُصِرَ هَذا الاسْمُ عَلى الخُلَفَاءِ. وقوله: {فَيُضِلَّكَ} قالَ أبو حيان: منصوبٌ في جوابِ النَّهْي، (ص) أبو البقاءِ وقيل: مجزومٌ عَطْفاً عَلَى النَّهْيِ وفُتِحَتِ [اللامُ] لالْتِقَاءِ الساكنين، انتهى. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} إلى قوله: {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ}: اعْتِرَاضٌ فصيحٌ بين الكلامينِ من أمرِ دَاوُدَ وسليمانَ، وهو خطابٌ لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعِظَةٌ لأمَّتِه، و{نَسُواْ} في هذه الآية مِعْنَاهُ تَرَكُوا، ثم وقفَ تَعالى عَلى الفَرْقِ عندَه بيْنَ المؤمِنينَ العامِلينَ بالصَّالِحَاتِ وبَيْنِ المفْسِدِينَ الكَفَرَةِ وبَيْنَ المتَّقِينَ والفُجَّارِ، وفي هَذَا التوقيفِ حَضٌّ عَلَى الإيمانِ والتَّقْوَىٰ، وتَرْغِيبٌ في عَمَل الصالحات، قَال ابنُ العَرَبِيِّ: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى المساواةَ بَيْنَ المؤمِنينَ والكافِرِينَ، وبَيْنَ المتقينَ والفُجَّار؛ فلا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ في الآخرةِ، كَما قَالهُ المفَسِّرون ولاَ في الدُّنْيَا أيْضاً؛ لأنَّ المؤمنينَ المتقينَ معصومُونَ دَماً ومالاً وعرْضاً، والمُفْسِدُونَ في الأرض والفُجَّارُ مُبَاحُو الدَّمِ والمالِ والعِرْضِ، فَلاَ وَجْهَ لِتَخْصِيصِ المفسِّرِينَ بِذَلِكَ في الآخرة دون الدُّنْيَا، انتهى، من «الأحكام»؛ وهذا كما قال: وقوله تعالى في الآية الأخرَىٰ: {أية : سَوَاءً مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ }تفسير : [الجاثية:21] يشهد له، وباقي الآية بَيِّنٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج الثعلبي من طريق العوّام بن حوشب قال: حدثني رجل من قومي شهد عمر رضي الله عنه، أنه سأل طلحة، والزبير، وكعباً، وسلمان، ما الخليفة من الملك قال طلحة والزبير: ما ندري! فقال سلمان رضي الله عنه: الخليفة الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، ويقضي بكتاب الله تعالى. فقال كعب: ما كنت أحسب أحداً يعرف الخليفة من الملك غيري. وأخرج ابن سعد من طريق مردان عن سلمان رضي الله عنه؛ أن عمر رضي الله عنه قال له: أنا ملك أم خليفة؟ فقال له سلمان رضي الله عنه: الخليفة الذي يعدل إن أنت جَبَيْتَ من أرض المسلمين درهماً، أو أقل، أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر رضي الله عنه. وأخرج ابن سعد عن ابن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً، ولا يضعه إلا في حق، وأنت الحمد لله كذلك. والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا. وأخرج ابن سعد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إن الامارة ما ائتمرتها، وإن الملك ما غلب عليه بالسيف. وأخرج الثعلبي عن معاوية رضي الله عنه، أنه كان يقول إذا جلس على المنبر: يا أيها الناس إن الخلافة ليست بجمع المال، ولكن الخلافة العمل بالحق، والحكم بالعدل، وأخذ الناس بأمر الله. وأخرج الحكيم الترمذي عن سالم مولى أبي جعفر قال: خرجنا مع أبي جعفر أمير المؤمنين إلى بيت المقدس، فلما دخل وشق بعث إلى الأوزاعي، فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين حدثني حسان بن عطية عن جدك ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} قال: إذا ارتفع إليك الخصمان، فكان لك في أحدهما هوى، فلا تشتهِ في نفسك الحق له، فيفلح على صاحبه، فأمحو اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي، ولا كرامة. يا أمير المؤمنين حدثنا حسان بن عطية عن جدك قال: من كره الحق فقد كره الله، لأن الحق هو الله. يا أمير المؤمنين حدثني حسان بن عطية عن جدك في قوله {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة}تفسير : [الكهف: 49] قال: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك فكيف ما جنته الأيدي؟ وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله {فاحكم بين الناس بالحق} يعني بالعدل والانصاف {ولا تتبع الهوى} يقول: ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل، فتزوغ عن الحق، فيضلك عن سبيل الله. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} قال: هذا من التقديم والتأخير. يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي السليل رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يدخل المسجد، فينظر أغمض حلقة من بني إسرائيل، فيجلس إليهم ثم يقول: مسكيناً بين ظهراني مساكين. وأخرج أحمد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه، أن ابنا لداود مات، فاشتد عليه جزعه، فقيل ما كان يعدل عندك؟ قال: كان أحب إليَّ من ملء الأرض ذهباً. فقيل له: إن الأجر على قدر ذلك. وأخرج عبد الله في زوائده والحكيم الترمذي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان من دعاء داود عليه السلام: سبحان مستخرج الشكر بالعطاء، ومستخرج الدعاء بالبلاء. وأخرج عبد الله عن الأوزاعي رضي الله عنه قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام "الا أعلمك علمين إذا عملتهما ألقيت وجوه الناس إليك، وبلغت بهما رضاي. قال: بلى يا رب قال احتجز فيما بيني وبينك بالورع، وخالط الناس باخلاقهم". وأخرج أحمد عن يزيد بن منصور رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام إلا ذاكر لله فاذكر معه، إلا مذكر فاذكر معه. وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يصنع القفة من الخوص، وهو على المنبر ثم يرسل بها إلى السوق، فيبيعها فيأكل بثمنها. وأخرج أحمد عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام إذا قام من الليل يقول: اللهم نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم الذي لا تأخذك سنة ولا نوم. وأخرج أحمد عن عثمان الشحام أبي سلمة قال: حدثني شيخ من أهل البصرة كان له فضل، وكان له سن قال: بلغني أن داود عليه السلام سأل ربه قال: يا رب كيف لي أن أمشي لك في الأرض بنصح، واعمل لك فيها بنصح؟ قال "يا داود تحب من يحبني من أحمر وأبيض، ولا تزال شفتاك رطبتين من ذكري، واجتنب فراش الغيبة قال: رب كيف لي أن تحببني في أهل الدنيا البر والفاجر؟ قال: يا داود تصانع أهل الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتختار إليك دينك بيني وبينك، فإنك إذا فعلت ذلك لا يضرك من ضل إذا اهتديت قال: رب فأرني أضيافك من خلقك من هم؟ قال: نقي الكفين، نقي القلب، يمشي تماماً، ويقول صواباً". وأخرج الخطيب في تاريخه عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام لابنه سليمان عليه السلام: أتدري ما جهد البلاء؟ قال شراء الخبز من السوق، والانتقال من منزل إلى منزل. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي، وسمعي، وبصري، وأهلي، ومن الماء البارد. وأخرج أحمد عن وهب رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة قال: فأي عبادك أبغض إليك؟ قال كافر حسن الصورة، شكر هذا وكفر هذا قال: يا رب فأي عبادك أبغض إليك؟ قال عبد استخارني في أمر، فَخِرْتُ له، فلم يرض به. وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن أبي مليكة رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: إلهي لا تجعل لي أهل سوء، فأكون رجل سوء. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن قال: بلغني أنه كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم لا تفقرني فأنسى، ولا تغنني فأطغى. وأخرج أحمد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: إلهي أي رزق أطيب؟ قال: ثمرة يدك يا داود. وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه، أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود انذر عبادي الصديقين لا يعجبن بأنفسهم، ولا يتكلن على أعمالهم، فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب، وأقيم عليه عدلي إلا عذبته من غير أن أظلمه، وبشر الخاطئين أنه لا يتعاظم ذنب أن أغفره، وأتجاوز عنه. وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه، أن داود عليه السلام أمر منادياً فنادى: الصلاة جامعة، فخرج الناس وهم يرون أنه سيكون منه يومئذ موعظة، وتأديب، ودعاء، فلما رقي مكانه قال: اللهم اغفر لنا وانصرف، فاستقبل آخر الناس أوائلهم قالوا: ما لكم! قالوا: إن النبي إنما دعا بدعوة واحدة، فاوحى الله تعالى إليه: أن أبلغ قومك عني، فإنهم قد استقلوا دعاءك. إني من أغفر له أصلح له أمر آخرته ودنياه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام اصبر الناس على البلاء، وأحلمهم وأكظمهم للغيظ. وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام يا رب كيف أسعى لك في الأرض بالنصيحة؟ قال: تكثر ذكري، وتحب من أحبني من أبيض وأسود، وتحكم للناس كما تحكم لنفسك، وتجتنب فراش الغيبة. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الله الجدلي رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يقول: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني. إن رأى خيراً دفنه، وإن رأى شراً أشاعه. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إني أعوذ بك من الجار السوء. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن بريدة رضي الله عنه، أن داود عليه السلام كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من عمل يخزيني، وهم يرديني، وفقر ينسيني، وغنى يطغيني. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام: أحبب عبادي، وحببني إلى عبادي قال: يا رب هذا أحبك، وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال تذكرني عندهم، فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن. وأخرج أحمد عن أبي الجعد رضي الله عنه قال: بلغنا أن داود عليه السلام قال: إلهي ما جزاء من عزى حزيناً لا يريد به إلا وجهك؟ قال: جزاؤه إن ألبسه لباس التقوى قال: إلهي ما جزاء من شيع جنازة لا يريد بها إلا وجهك؟ قال: جزاؤه أن تشيعه ملائكتي إذا مات، وإن أصلي على روحه في الأرواح قال: إلهي ما جزاء من أسند يتيماً أو أرملة لا يريد بها إلا وجهك؟ قال جزاؤه إن أظله تحت ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي قال: إلهي ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك؟ قال: جزاؤه أن أؤمنه يوم الفزع الأكبر، وأن أقي وجهه فيح جهنم. وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قرأت في مساءلة داود عليه السلام أنه قال: إلهي ما جزاء من يعزي الحزين المصاب ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن أكسوه رداء من أردية الإِيمان أستره به من النار، وأدخله الجنة قال: إلهي فما جزاء من شيع الجنازة ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وإن أصلي على روحه في الأرواح قال: إلهي فما جزاء من أسند اليتيم والأرملة ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن أظله في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي قال: إلهي فما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: جزاؤه إن أحرم وجهه على النار، وأن أؤمنه يوم الفزع الأكبر. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام لسليمان: كن لليتيم كالأب الرحيم، وأعلم أنك كما تزرع تحصد، واعلم أن خطيئة [أمام] القوم كالمسيء عند رأس الميت، واعلم أن المرأة الصالحة لأهلها كالملك المتوّج المخوّص بالذهب، واعلم أن المرأة السوء لأهلها كالشيخ الضعيف على ظهره الحمل الثقيل، وما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى، وإن وعدت صاحبك فانجز ما وعدته، فإنك إن لا تفعل تورث بينك وبينه عداوة، ونعوذ بالله من صاحب إذا ذكرت لم يعنك، وإذا نسيت لم يذكرك. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يقول: اللهم لا مرض يفنيني، ولا صحة تنسيني، ولكن بين ذلك. وأخرج عبد الله بن زيد بن رفيع قال: نظر داود عليه السلام مبخلاً يهوي بين السماء والأرض فقال: يا رب ما هذا؟ قال: هذه لعنتي، أدخلها بيت كل ظلام. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبزى رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: نعم العون اليسار على الدين. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: يا رب طال عمري، وكبر سني، وضعف ركني، فأوحى الله إليه "يا داود طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله". وأخرج الخطيب من طريق الأوزاعي عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: أُعطي داود عليه السلام من حسن الصوت ما لم يُعْطَ أحد قط، حتى إن كان الطير والوحش حوله حتى تموت عطشاً وجوعاً، وإن الأنهار لتقف. والله أعلم.
التستري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}[26] قال: أي ظلمة الهوى تستر أنوار ذهن النفس والروح وفهم العقل وفطنة القلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الهوى والشهوة يغلبان العقل والعلم"تفسير : والبيان لسابق القدرة من الله تعالى.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 26]. قال أبو سعيد الخراز: النفس مطبوعة إلى ما يجلب الهوى ما لم يحجزها الخوف وأن الشر بحذافيره فى حرمان الخوف وما تجلب النفس من الطبع واتباع الهوى وقد حرم الله عليك هواها فى محكم الكتاب وحسبك من معرفة شرها أن جعل هواها ضد الحق فقال: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. أعلمَك فى اتباع الهوى ضلالاً. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: {جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} لتحكم فى عبادى بحكمى ولا تتبع هواك فيهم ورأيك وتحكم لهم كحكمك لنفسك بل تضييق على نفسك وتوسع عليهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ}. {جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} أي بعد مَنْ تَقَدَّمَكَ من الأنبياء عليهم السلام. وقيل حاكماً من قِبَلِي لتحكمَ بين عبادي بالحقِّ، وأوصاه بألا يتبعَ في الحكم هواه تنبيهاً على أنَّ أعظمَ جنايات العبد وأقبحَ خطاياه متابعةُ الهوى. ولما ذَكَرَ اللَّهُ هذه القصة أعقبها بقوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}. {بَاطِلاً} أي وانا مُبْطِلُ في خلقهما، بل كان لي ما فعلْتُ وأنا فيه مُحِقٌّ. ويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحقِّ. ثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط، ثم قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} لما خرج من امتحان الحق وبلاياه كساه خلعة الربوبية والبسه لباس العزة والسلطنة كأدم خرج من البلاء وحبس فى الارض على بساط ملك الخلافة وذلك بعد كونهما متخلفين بخلق الرحمن مصورين بصورة الروح الا عظم فاذا تمكن داود فى العشق والمحبة والنبوة والرسالة والتخلق صار امره امر الحق ونهيه نهى الحق بل هو الحق ظهر من لباس الملك والملكوت كقول سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه حيث قال جاء الله من سيناء واستعلن بساعير واشرق من جبال ----- ثم لما وضع الحق معجون سر قهر الازل فى الطبع الانسانى وهو محل الاستدراج الذى يجرى عليه احكام مكر القدم دقق عليه الامر وحذره ان يرى نفسه فى البين فى اجراء الحكم بين الخليقة فقال {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} اى فاحكم بحكمى حين عاينتنى فيك واحرج منك ولا تتبع الهوى بان تنظر اليك فيضلك ذلك عن رؤيتى وحكم الاتحاد فينطمس عليك سبيل الصواب فى ظهور لطائف حكمنى وحقائق امور ربوبيتى فمن احتجب به منى فهو محجوب به عنى لا يسلك بعد ذلك طرق الحقائق فيقع فى اليم عذاب الحجاب وهذا معنى قوله سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ} قال ابن عطا جعلتك خليفة فى الارض لتحكم فى عبادى بحكمى ولا تتبع هواك فيهم ورائك وتحكمهم كحكمك لنفسك بل تضيق على نفسك وتوسع عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا داود} اى فغفرنا له ذلك وقلنا له يا داود {انا جعلناك خليفة فى الارض} الخلافة النيابة عن الغير اما لغيبة المنوب عنه واما لموته واما لعجزه واما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الاخير استخلف الله اولياءه فى الارض اذ الوجوه الاول محال فى حق الله تعالى فالخليفة عبارة عن الملك النافذ الحكم وهو من كان طريقته وحكومته على طريقة النبى وحكومته والسلطان اعم والخلافة فى خصوص مرتبة الامامة ايضا اعم. والمعنى استخلفناك على الملك فى الارض والحكم فيما بين اهلها اى جعلناك اهل تصرف نافذ الحكم فى الارض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها وكان النبوة قبل داود فى سبطه والملك فى سبط آخر فاعطاهما تعالى داود عليه السلام فكان يدبر امر العباد بامره تعالى. وفيه دليل بين على ان حاله عليه السلام بعد التوبة كما كان قبلها لم يتغير قط بل زادت اصطفائيته كما قال فى حق آدم عليه السلام {أية : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } تفسير : قال بعض كبراء المكاشفين ثم المكانة الكبرى والمكانة الزلفى التى خصه الله بها التنصيص على خلافته ولم يفعل ذلك مع احد من ابناء جنسه وهم الانبياء وان كان فيهم خلفاء. فان قلت آدم عليه السلام قد نص الله على خلافته فليس داود مخصوصا بالتنصيص على خلافته قلنا ما نص على خلافة آدم مثل التنصيص على خلافة داود وانما قال للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة فيحتمل ان يكون الخليفة الذى اراده الله غير آدم بان يكون بعض اولاده ولو قال ايضا انى جاعل آدم لم يكن مثل قوله انا جعلناك خليفة بضمير الخطاب فى حق داود فان هذا محقق ليس فيه احتمال غير المقصود. قال بعضهم تجبرت الملائكة على آدم فجعله الله خليفة وتجبر طالوت على داود فجعله خليفة وتجبرت الانصار على ابى بكر رضى الله عنه فجعله خليفة فلذا جعل الله الخلفاء ثلاثة آدم وداود وابا بكر. وكان مدة ملك داود اربعين سنة مما وهبه الخليفة الاول من عمره فان آدم وهب لداود من عمره ستين سنة فلذا كان خليفة فى الارض كما كان آدم خليفة فيها. وفى الآية اشارة الى معان مختلفة. منها ان الخلافة الحقيقية ليست بمكتسبة للانسان وانما هى عطاء وفضل من الله يؤتيه من يشاء كما قال تعالى {انا جعلناك خليفة} اى اعطيناك الخلافة. ومنها ان استعداد الخلافة مخصوص بالانسان كما قال تعالى {أية : وجعلكم خلائف الارض } تفسير : ومنها ان الانسان وان خلق مستعدا للخلافة ولكن بالقوة فلا يبلغ درجاتها بالفعل الا الشواذ منهم. ومنها ان الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما ان الخلقية تتعلق بعالم الصورة ولهذا لما اخبر الله تعالى عن صورة آدم عليه السلام قال {أية : انى خالق بشرا من طين} تفسير : ولما اخبر عن معناه قال {أية : انى جاعل فى الارض خليفة } تفسير : ومنها ان الروح الانسانى هو الفيض الاول وهو اول شىء تعلق به امر كن ولهذا نسبه الى امره فقال تعالى {أية : قل الروح من امر ربى} تفسير : فلما كان الروح هو الفيض الاول كان خليفة الله. ومنها ان الروح الانسانى خليقة الله بذاته وصفاته اما بذاته فلانه كان له وجود من جود وجوده بلا واسطة فوجوده كان خليفة وجود الله واما بصفاته فلانه كان له صفات من جود صفات الله بلا واسطة فكل وجود وصفات تكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة خليفة الله بالذات والصفات وهلم جرا الى ان يكون القالب الانسانى هو اسفل سافلين الموجودات وآخر شىء لقبول الفيض الالهى واقل حظ من الخلافة فلما اراد الله ان يجعل الانسان خليفة خليفته فى الارض خلق لخليفة روحه منزلا صالحا لنزول الخليفة فيه وهو قالبه واعدّ له عرشا فيه ليكون محل استوائه عليه وهو القلب ونصب له خادما وهو النفس فلو بقى الانسان على فطرة الله التى فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضا من الحق تعالى فائضا بخلافة الحق تعالى على عرش القلب والقلب فائض بخلافة الروح على خادم النفس والنفس فائضة بخلافة القلب على القالب والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا وهى ارض الله فيكون الروح بهذه الاسباب والآلات خليفة الله فى ارضه بحكمه وامره بتواقيع الشرائع. ومنها ان من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق والاعراض عن الهوى بترك متابعته كما ان من خصوصية اكل الحلال العمل الصالح قال تعالى {أية : كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } تفسير : ومنها ان الله تعالى جعل داود الروح خليفة فى ارض الانسانية وجعل القلب والسر والنفس والقالب والحواس والقوى والاخلاق والجوارح والاعضاء كلها رعية له ثم على قضية كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته امر بان يحكم بين رعيته بالحق اى بامر الحق لا بامر الهوى كما قال تعالى {فاحكم بين الناس بالحق} اى بحكم الله تعالى فان الخلافة مقتضية له حتما وحكم الله بين خلقه هو العدل المحض وبه يكون الحاكم عادلا لا جائرا. والحكم لغة الفصل وشرعا امر ونهى يتضمنه الزاما {ولا تتبع الهوى} اى ما تهواه النفس وتشتهيه فى الحكومات وغيرها من امور الدين والدنيا: وبالفارسية [وبيروى مكن هواى نفس را وآرزوهاى اورا]. قال بعضهم وهو يؤيد ما قيل ان ذنب داود الهم الذى هم به حين نظر الى امرأة اوريا وهو ان يجعلها تحت نكاحه او ما قيل ان ذنبه المبادرة الى تصديق المدعى وتظليم الآخر قبل مسألته {فيضلك عن سبيل الله} بالنصب على انه جواب النهى اى فيكون الهوى او اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التى نصبها على الحق تكوينا وتشريعا. قال بعض الكبار {ولا تتبع الهوى} اى ما يخطر لك فى حكمك من غير وحى منى {فيضلك عن سبيل الله} اى عن الطريق الذى اوحى بها الى رسلى انتهى. فان قلت كيف يكون متابعة الهوى سببا للضلال قلت لان الهوى يدعو الى الاستغراق فى اللذات الجسمانية فيشغل عن طلب السعادات الروحانية التى هى الباقيات الصالحات فمن ضل عن سبيل الله الذى هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق او اتباع الحق فى الامور وقع فى سبيل الشيطان بل فى حفرة النيران والحرمان {ان الذين يضلون عن سبيل الله} تعليل لما قبله ببيان غائلته واظهار فى سبيل الله فى موضع الاضمار للايذان بكمال شناعة الضلال عنه {لهم عذاب شديد بما نسوا} اى بسبب نسيانهم {يوم الحساب} مفعول لنسوا. ولما كان الضلال عن سبيل الله مستلزما لنسيان يوم الحساب كان كل منهما سببا وعلة لثبوت العذاب الشديد تأدب سبحانه وتعالى مع داود حيث لم يسند الضلال اليه بان يقول فلئن ضللت عن سبيلى فلك عذاب شديد لما هو مقتضى الظاهر بل اسنده الى الجماعة الغائبين الذين داود عليه السلام واحد منهم. واعلم ان الله تعالى خلق الهوى الباطل على صفة الضلالة مخالفا للحق تعالى فان من صفته الهداية والحكمة فى خليفته يكون هاديا الى الحضرة بضدية طبعه ومخالفة امره كما ان الحق تعالى كان هاديا الى حضرته بنور ذاته وموافقة امره ليسير السائر الى الله على قدمى موافقته امر الله ومخالفته هواه ولهذا قال المشايخ لولا الهوى ما سلك احد طريقا الى الله واعظم جنايات العبد واقبح خطاياه متابعة الهوى كما قال عليه السلام "حديث : ما عبد اله فى الارض ابغض على الله من الهوى" تفسير : وفى الحديث "حديث : ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه" تفسير : وللهوى كمالية فى الاضلال لا توجد فى غيره وذلك لانه يحتمل ان يتصرف فى الانبياء عليهم السلام باضلالهم عن سبيل الله كما قال لداود عليه السلام {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} وبقوله {ان الذين} الخ يشير الى ان الضلال الكبير هو الانقطاع عن طلب الحق ومن ضل عن طريق الحق اخذ بعذاب شديد القطيعة والحرمان من القرب وجوار الحق وذلك بما نسوا يوم الحساب وهو يوم يجازى فيه كل محق بقدر هدايته وكل مبطل بحسب ضلالته كما فى التأويلات النجمية. وفى الآية دليل بين على وجوب الحكم بالحق وان لا يميل الحاكم الى احد الخصمين بشىء من الاشياء وفى الحديث انه عليه السلام قال لعلى "حديث : يا على احكم بالحق فان لكل حكم جائر سبعين درعا من النار لو ان درعا واحدا وضع على رأس جبل شاهق لاصبح الجبل رمادا" تفسير : [درفوائد السلوك آورده كه بنكركه بادشاهى جه صعب كاريست كه حضرت داود عليه السلام با كمال درجه نبوت وجلال مرتبه رسالت بحمل اعابى جنين امرى مأمور وبخطب اثقال جنين خطابى مخاطب مى شودكه {فاحكم بين الناس بالحق} ميان مردمان حكم بطريق معدلت ونصفت كن وداورى برمنهج عدل وانصاف نماى وباى بر جاى حق نه بر طريق باطل ومتابعت هواى نفس برمتابعت مراد حق اختيار مكن كه ترا از مسالك مراضىء ما كمراه كردند: ودر سلسلة الذهب ميفرمايد شعر : نص قرآن شنوكه حق فرمود در مقام خطاب يادود كه ترازان خليفكى داديم سوى خلقان ازان فرستاديم تادهى ملك را زعدل اساس حكم رانى بعدل بين الناس هركرا نه زعدل دستورست از مقام خليفكى دورست آنكه كيرد ستم زديو سبق عدل جون خواندش خليفه حق بيشه كرده خلاف فرمان را كشته نائب مناب شيطان را حق زشاهان بغير عدل نخواست آسمان وزمين بعدل بياست شاه باشد شبان خلق همه رمه وكرك آن رمه ظلمه بهر آنست هاى هوى شبان تا بيابد رمه زكرك امان جون شبان سازكار كرك بود رمه را آفت بزرك بود هركرا دل بعدل شد مائل طمع از مال خلق كوبكسل طمع و عدل آتش وآبند هردو يكجا قرار كى يابند هر كرا از خليفكىء خداى نشود سير نفس بد فرماى سيرمشكل شود ازان زروسيم كه كشدكه زبيوه كه زيتيم تفسير : ومن الله التوفيق للعدل فى الانفس والآفاق واجراء احكام الشريعة وآداب الطريقة على الاطلاق انه المحسن الخلاق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا داودُ إِنا جعلناك خليفةً في الأرض} أي: استخلفناك على المُلك فيها، والحُكم فيما بين أهلها، أو: جعلناك عمَّن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه دليل على أن حاله عليه السلام بعد التوبة، كما كان قبلها، لم يتغير قط، خلاف ما نقله الثعلبي من تغيُّر حاله وصوته، ومنع الطيور من إجابته، فانظره. {فاحكمْ بين الناس بالحق}؛ بحكم الله تعالى، إذ كنت خليفته، أو: بالعدل، {ولا تتبع الهوى} أي: هوى النفس في الحكومات، وغيرها من أمور الدين والدنيا، بل قِفْ عند ما حدّ لك. وفيه تنبيه على أن أقبح جنايات العبد متابعةُ هواه، {فيُضلك عن سبيل الله} أي: فيكون الهوى، أو اتباعه، سبباً لضلالك عن دلائله اللاتي نصبها على الحق، تكويناً وتشريعاً. و "يُضلك": منصوب في جواب النهي، أو: مجزوم، فُتح؛ لالتقاء الساكنين. {إِن الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}؛ عن طريقه الموصلة إليه. وأظهر "سبيلَ الله" في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، {لهم عذاب شديد بما نَسُوا}؛ بسبب نسيانهم {يوم الحساب}؛ فإنَّ تذكره وترداده على القلب يقتضي ملازمة الحق ومباعدة الهوى. {وما خلقنا السماء والأرضَ وما بينهما} من المخلوقات على هذا النظام البديع {باطلاً} أي: خلقاً باطلاً، عارياً عن الحكمة، أو: مبطلين عابثين، بل لحِكَم بالغة، وأسرارٍ باهرة، حيث خلقنا من بيْنها نفوساً، أودعناها العقل؛ لتميز بين الحق والباطل، والنافع والضار، ومكنَّاها من التصرفات العلمية والعملية، في استجلاب منافعها، واستدفاع مضارها، ونصبنا لها للحق دلائل آفاقية، ونفسية، ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها، ثم لم نقتصر على ذلك المقدار من الألطاف، بل أرسلنا إليها رسلاً، وأنزلنا عليها كتباً، بيَّنَّا فيها كيفية الأدب معنا، وهيئة السير إلى حضرة قدسنا، وقيَّضنا لها جهابذة، غاصوا على جواهر معانيها، فاستخرجوا منها كيفية المعاملة معنا، ظاهراً وباطناً، وأوعدنا فيها بالعِقَاب لمَن أعرض عنها، ووعدنا بالثواب الجزيل لمَن تمسّك بها، ولم نخلق شيئاً باطلاً. {ذلك ظنُّ الذين كفروا}، الإشارة إلى خلق العبث، والظن بمعنى المظنون، أي: خَلْقُها عبثاً هو مظنون الذين كفروا، وإنما جُعلوا ظانين أنه خلقها للعبث، وإن لم يصرحوا بذلك؛ لأنه لمّا كان إنكارهم للبعث، والثواب، والحساب، والعقاب، التي عليها يدور فلك تكوين العالم، مؤدياً إلى خلقها عبثاً، جُعِلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمَن جحده فقد جحد الحكمة في خَلْق العالم. {فويل للذين كفروا من النار}. الفاء سببية؛ لإفادة ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بأن الكفر علة ثبوت الويل لهم، و "من النار": تعليلية، كما في قوله: {أية : فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 79] أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم. {أم نجعلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض}، "أم": منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، والمراد أنه لو بطل الجزاء ـ كما تقول الكفَرة ـ لاستوت أحوال أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة، ومَن سوّى بينهما كان سفيهاً، ولم يكن حكيماً، أي: بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض، كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء؛ لاستواء الفريقين في التمتُّع في الحياة الدينا، بل الكفرة أوفر حظًّا فيها من المؤمنين، مع صبر المؤمنين، وتعبهم في مشاق الطاعات، لكن ذلك الجعل محال، فتعيّن البعث والجزاء؛ لرفع الأولين إلى أعلى عليين، وخفض الآخرين إلى أسفل سافلين. {أم نجعلُ المتقين كالفجارِ}؛ إنكار للتسوية بين الفريقين المذكورين، وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يُساعده المقام، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين، ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين، هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين. وقيل: قالت قريش للمؤمنين: إنا نُعْطَى من الخير يوم القيامة مثل ما تُعْطَونَ، فنزلت. الإشارة: قال الورتجبي: ولَمَّا خرج داودُ من امتحان الحق وبلائه، كساه خلعة الربوبية، وألبسه لباسَ العزة والسلطنة، كآدم خرج من البلاء، وجلس في الأرض على بساط فلك الخلافة، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن، مصوّرين بصورة الروح الأعظم، فإذا تمكن داود في العشق، والمحبة، والنبوة، والرسالة، والتخلٌّق، صار أمرُه أمرَ الحق، ونهيُه نهيَ الحق. هـ. وقال ابن عطية: لا يُطلق خليفة الله إلا لنبي، وإطلاقه في غير الأنبياء تجوُّز وغلوٌّ. هـ. قلت: يُطلق عند الأولياء على مَن تحققت حريته، ورسخت ولايته، وظهر تصرفه في الوجود بالهمة، حتى يكون أمره بأمر الله، غالباً، وهو مقام القطبانية، فالمراتب ثلاث: صلاح، وولاية، وخلافة، فالصلاح لِمن صلح ظاهره بالتقوى، والولاية لِمن تحقق شهوده، مع بقية من نفسه، بحيث تقل عثراته جدًّا، والخلافة لِمن تحققت حريته، وظهرت عصمته، بجذب العناية، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {ولا تتبع الهوى}، الهوى: ما تهواه النفس، وتميل إليه، من الحظوظ الفانية، قلبية كانت، كحب الجاه، والمال، وكالميل في الحُكم عن صريح الحق، أو: نفسانية، كالتأنُّق في المآكل، والمشارب، والمناكح. واتباعُ الهوى: طلبُه، والسعي في تحصيله، فإن كان حراماً قدح في الإيمان، وإن كان مباحاً قدح في نور مقام الإحسان، فإن تَيسَّرَ من غير طلب وتشوُّف، وكان موافقاً للسان الشرع، جاز تناول الكفاية منه، مع الشكر وشهود المنَّة. قال عمر بن عبد العزيز: إذا وافق الحقُّ الهوى، كان كالزبد بالبرسَام، أي: السكر. وفي الحِكَم: "لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك" وغلبة الهوى: قهره وسلطنته، بحيث لا يملك نفسه عند هيجان شهوتها. وقوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرضَ وما بينهما باطلاً} أي: بل خلقناهما لنُعرف بهما، فما نُصبت الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها. وقد تقدّم هذا مراراً. ولا ينال هذا المقام إلا بعبادة التفكُّر والتدبُّر، كما أشار إلى ذلك بقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ يحيى عن ابي بكر {لتدبروا} بالتاء وتقديره لتتدبروا من التدبر فحذف تاء الفعل وبقي تاء المضارعة، وتقديره: لتتدبر انت يا محمد والمسلمون ومن قرأ بالياء، فعلى ليتدبر المسلمون فيتقرر عندهم صحتها وتسكن أنفسهم إلى العلم بها. لما اخبر الله تعالى عن داود انه رجع اليه وتاب واستغفر ربه عن التقصير الذي وقع منه في الحكم، وانه تعالى غفر له ذلك وأجاب دعوته، ووعده بالزلفى عنده والقربة من ثوابه ناداه ايضاً فقال له {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} والخليفة هو المدبر للامور من قبل غيره بدلا من تدبيره، فداود لما جعل الله اليه تدبير الخلق فكان بذلك خليفة، ولذلك يقال: فلان خليفة الله في أرضه إذا جعل اليه تدبير عباده بأمره. وقيل: معناه جعلناك خليفة لمن كان قبلك من رسلنا. ثم أمره فقال {فاحكم بين الناس} ومعناه افصل بين المختلفين من الناس والمتنازعين {بالحق} بوضع الاشياء مواضعها على ما أمرك الله {ولا تتبع الهوى} أي ما يميل طبعك اليه ويدعوك هواك اليه إذا كان مخالفاً للحق، فلا تمل اليه {فيضلك عن سبيل الله} ومعناه انك متى اتبعت الهوى في ذلك عدل بك الهوى عن سبيل الله الذي هو سبيل الحق. ثم اخبر تعالى {إن الذين يضلون عن سبيل الله} يعني يعدلون عن العمل بما أمرهم الله به {لهم عذاب شديد} يعني شديد ألمه {بما نسوا يوم الحساب} وقيل في معناه قولان: احدهما - لهم عذاب شديد يوم الحساب بما تركوا طاعاته في الدنيا، فعلى هذا يكون يوم الحساب متعلقاً بـ {عذاب شديد} وهو قول عكرمة والسدي: الثاني - قال الحسن {لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} أي بما اعرضوا عنه، صاروا بمنزلة الناسي، فيكون على هذا العامل في {يوم} قوله {نسوا}. ثم اخبر تعالى انه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما باطلا، بل خلقهما وما بينهما بالحق لغرض حكمي، وهو ما في ذلك من إظهار الحكمة وتعريض انواع الحيوان للمنافع الجليلة وتعويض العقلاء لمنافع الثواب، وذلك يفسد قول المجبرة الذين قالوا: إن كل باطل وضلال من فعل الله. وقوله {ذلك ظن الذين كفروا} معناه إن خلق السماء والارض وما بينهما باطلا ظن من يكفر بالله ويجحد وحدانيته وحكمته، ثم توعد من هذه صفته فقال {فويل للذين كفروا من النار} ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع للكفار بلفظ الاستفهام {أم نجعل الذين آمنوا...} معناه هل نجعل الذين صدقوا بالله وأقروا برسله وعملوا الصالحات مثل الذين أفسدوا في الارض وعملوا بالمعاصي؟! ام هل نجعل الذين اتقوا معاصي الله خوفاً من عقابه كالفجار الذين عملوا بمعاصيه وتركوا طاعته؟! فهذا لا يكون ابداً. وكيف يكون كذلك وهؤلاء يستحقون الثواب بطاعتهم وأولئك يستحقون العقاب بمعاصيهم. وقال ابو عبيدة: ليس لها جواب استفهام فخرجت مخرج الوعيد. وقال الزجاج: تقديره، أنجعل الذين آمنوا وعموا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار، فهو استفهام بمعنى التقرير. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال {كتاب أنزلناه إليك مبارك} أي هذا كتاب انزلناه، يعني القرآن الذي أنزله الله عليه، ووصفه بأنه مبارك، لان به يستديم الناس ما أنعم الله عليهم به، وبين أن غرضه تعالى بانزال هذا القرآن {ليدبروا آياته} بأن يتفكروا في أدلته {وليتذكر أولو الألباب} يعني أولو العقول. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في خلق القبائح من حيث بين الله انه يعاقبهم جزاء بما نسوا طاعاته في الدنيا. وقوله {ذلك ظن الذين كفروا} يدل على فساد قول من يقول: ان المعارف ضرورة، لانهم لو كانوا عارفين ضرورة لما كانوا ظانين.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [يعني فيستزلّك الهوى عن طاعة الله في الحكم، وذلك من غير كفر] {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} أي: أعرضوا عن يوم الحساب، لم يؤمنوا به. قوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} أي: ما خلقناهما إلا للبعث والحساب والجنة والنار. وذلك أن المشركين قالوا إن الله خلق هذه الأشياء لغير بعث، كقوله تعالى: (أية : وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) تفسير : [الأنعام: 29] فقال الله: (أية : أَفَحَسِبْتُم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) تفسير : [المؤمنون: 115]. قال الله: {ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أنهم لا يبعثون، وأن الله خلق هذه الأشياء باطلاً. قال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} أي: كالمشركين في الآخرة. أي: لا نفعل.
اطفيش
تفسير : {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} تأوه للنقل من الوصفية الى الاسمية وهو مذكر وتأنيثه بسبب التاء نادر شاذ أي جعلناك مستخلفاً عن الملك* {فِى الأَرْضِ} جعلناك خليفة عمن قبلك من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم القائمين بالحق {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} أي بالعدل أي بحكم الله ولا يقال خليفة الله الا لرسوله وأما الخلفاء فكل واحد خليفة للذي قبله وربما قيل لغيره مجازاً ومبالغة ويقولون لأبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما ولي عمر قالوا له خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن الأمر سيطول فاخترعوا له أمير المؤمنين وهو أول من سمي به فقصر هذا الاسم على الخلفاء والحق أنه يجوز أن يقال لجميع الرسل خليفة الله {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى} هوى النفس ولا تتبع ما تهواه النفس مخالفاً لأمر الله، قيل قوله: {يا داود إنا جعلناك خليفة}... الخ. دليل على أن ذنبه المبادرة الى تصديق المدعي ونسبة المدعي عليه الى الظلم* {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} بنصب (يضل) في جواب النهي وقيل مجزوم عطفاً على (تتبع) فتح للساكنين و (سبيل الله) دينه الحق وقيل: دلائله التى نصب على الحق وزعم بعضهم أن المراد الدلائل على توحيده {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ} ما مصدرية أي بسبب نسيانهم يوم الحساب ويوم مفعول أو موصولة اسمية أي بالنسيان الذي نسي يوم الحساب وما نسوا ضمير المصدر والمراد بنسيان يوم الحساب ترك الايمان أو ترك العمل له أو ترك الخوف له مع جورهم في القضاء والمراد ضلالتهم عن السبيل فان تذكره يقتضي ملازمة الحق وطرح الهوى ويصح جعله ظرفاً لعذاب أو للاستقرار أي لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا من العهد المأخوذ عنهم اذا كانوا ذراً
اطفيش
تفسير : {يا داود إنَّا جَعَلناك خَليفةً} عنا أو عن الأنبياء قبلك، وغير الرسول خليفة عمن قبله، لا يقال عن الله الا توسعا {في الأرْض} فى الحكم بالحق، وقتال العدو كما قيل: ادعى ابنه ايشا الملك فى أيام بكائه وتبعه أهل الزيغ من بنى اسرائيل وأفسد، ولما غفر له وقام قاتلهم وهزمهم، والجملة مفعول لحال من الضمير فى غفرنا، أى قائلين: يا داود، ومفعول لمعطوف أى غفرنا، وقتلنا يا داود، وفى الآية كما قال ابن العربى دلالة على احتياج الأرض للخليفة، ولا واجب على الله. {فاحْكُم بيْن النَّاس بالحقِّ} بما شرعه الله، ومن التكلف أن يقال: الحق اسم الله فيقدر بحكم الله اذا احتيج الى تقدير، المضاف وهو حكم فاستغن عن تقديره بتفسيره الحق بالشرع، وهو الحكم، ولا سيما قوله: {ولا تتَّبع الهَوَى} يناسب تفسير الحق بالشرع، وهو حكم الله تعالى، والمراد: دم على الحكم بالحق ومخالفة الهوى لا تتبعه فى الدين ولا فى الدنيا، كما فانه ما حكم بالجور قط، ولا اتبع هواه فيه، وقد يقال: المراد بالهوى مثل ما صدر عنه، وغفر له، ويقال نفس خطؤه فى كفه لئلا ينساها، وكلما رآها اضطربت يداه، وما رجع رأسه الى السماء بعدها حتى مات. وكل من الأمر بالحكم، والنهى عن اتباع الهوى مفرع على جعله خليفة فى الأرض، لأن استخلافه يقتضى أن لا يملكه أحد غيره {فيضلُّك عَن سَبِيل الله} أى عن الدلائل الدالة على توحيده، سبحانه وتعالى {إنَّ الَّذين يضلُّون عن سَبيل الله} أى عن الايمان بالله تعالى، ولا يتبعون الطريق القويم الذى يدعو الى الايمان، والوصول الجنة. {لَهْم عذابٌ شَديدٌ بما نَسُوا} أى لهم عذاب مؤلم بسبب نسيانهم، وبعدهم عن الهداية والرضا {يَوم الحِسَاب} يوم القيامة المرتب عليه تركهم الايمان، ولو أيقنوا وآمنوا بيوم الحساب، لآمنوا فى الدنيا واتبعوا الرسل.
الالوسي
تفسير : {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلاْرْضِ } إما حكاية لما خوطب به عليه السلام مبينة لزلفاه عنده عز وجل وإما مقول لقول مقدر معطوف على {أية : غَفَرْنَا}تفسير : [ص: 25] أو حال من فاعله أي وقلنا له أو قائلين له يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض أي استخلفناك على الملك فيها والحكم فيما بين أهلها أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وهو على الأول: مثل فلان خليفة السلطان إذا كان منصوباً من قبله لتنفيذ ما يريده، وعلى الثاني: من قبيل هذا الولد خليفة عن أبيه أي ساد مسده قائم بما كان يقوم به من غير اعتبار لحياة وموت وغيرهما، والأول أظهر والمنة به أعظم فهو عليه السلام خليفة الله تعالى بالمعنى الذي سمعت، قال ابن عطية: ((ولا يقال خليفة الله تعالى إلا لرسوله وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفة من قبله، وما يجىء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله فذلك تجوز كما قال قيس الرقيات: شعر : خليفة الله في بريته جفت بذاك الأقلام والكتب تفسير : وقالت الصحابة لأبـي بكر: خليفة رسول الله وبذلك كان يدعى إلى أن توفي فلما ولي عمر قالوا خليفة خليفة رسول الله فعدل عنه اختصاراً إلى أمير المؤمنين)). وذهب الشيخ الأكبر محيـي الدين قدس سره إلى أن الخليفة من الرسل من فوض إليه التشريع ولعله من جملة اصطلاحاته ولا مشاحة في الاصطلاح. واستدل بعضهم بالآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله عز وجل وهو قول من أوجب على الله تعالى نصب الإمام لأنه من اللطف الواجب عليه سبحانه، والجماعة لا يقولون بذلك والإمامة عندهم من الفروع وإن ذكروها في كتب العقائد، وليس في الآية ما يلزم منه ذلك كما لا يخفى وتحقيق المطلب في محله. {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } الذي شرعه الله تعالى لك فالحق خلاف الباطل وأل فيه للعهد، وجوز أن يراد به ما هو من أسمائه تعالى أي بحكم الحق أي الله عز وجل للعلم بأن الذوات لا يكون محكوماً بها. وتعقب بأن مقابلته بالهوى تأبـى ذلك، ولعل من يقول به يجعل المقابل المضاف المحذوف والمقابلة باعتبار أن حكم الله تعالى لا يكون إلا بالحق، وفرع الأمر بالحكم بالحق على ما تقدم لأن الاستخلاف بكلا المعنيين مقتض للحكم العدل لا سيما على المعنى الأول لظهور اقتضاء كونه عليه السلام خليفة له تعالى أن لا يخالف حكمه حكم من استخلفه بل يكون على وفق إرادته ورضاه. وقيل المترتب مطلق الحكم لظهور ترتبه على كونه خليفة. وذكر الحق لأن به سداده، وقيل ترتب ذلك لأن/ الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل. وفي «البحر» ((أن هذا أمر بالديمومة وتنبيه لغيره ممن ولي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق وإلا فهو من حيث أنه معصوم لا يحكم إلا بالحق))، وعلى نحو هذا يخرج النهي عندي في قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } فإن اتباع الهوى مما لا يكاد يقع من المعصوم. وظاهر السياق أن المراد ولا تتبع هوى النفس في الحكومات، وعمم بعضهم فقال: أي في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا. وأيد بهذا النهي ما قيل إن ذنبه عليه السلام المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مساءلته لا الميل إلى امرأة أوريا فكأنه قيل ولا تتبع الهوى في الحكم كما اتبعته أولاً، وفيه أن اتباع الهوى وحكمه بغير ما شرع الله تعالى له غير مناسب لمقامه لا سيما وقد أخبر الله تعالى قبل الإخبار بمسألة المتحاكمين أنه أتاه الحكم وفصل الخطاب فليس هذا إلا إرشاداً لما يقتضيه منصب الخلافة وتنبيهاً لمن هو دونه عليه السلام. وأصل الهوى ميل النفس إلى الشهوة، ويقال للنفس المائلة إليها ويكون بمعنى المهوى كما في قوله: شعر : هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق تفسير : وبه فسره هنا بعضهم فقال: أي لا تتبع ما تهوى الأنفس. {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بالنصب على أنه جواب النهي، وقيل هو مجزوم بالعطف على النهي مفتوح لالتقاء الساكنين أي فيكون الهوى أو اتباعه سبباً لضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق وهي أعم من الدلائل العقلية والنقلية، وصد ذلك عن الدلائل إما لعدم فهمها أو العمل بموجبها، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ } تعليل لما قبله ببيان غائلته وإظهار سبيل الله في موضع الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، وخبر (إن) إما جملة {لَهُمْ عَذَابَ } على أن {لَهُمْ } خبر مقدم و {عذاب} مبتدأ وإما الظرف و {عذاب} مرتفع على الفاعلية بما فيه من الاستقرار. وقرأ ابن عباس والحسن بخلاف عنهما وأبو حيوة {يُضِلُّونَ } بضم الياء قال أبو حيان: وهذه القراءة أعم لأنه لا يضل إلا ضال في نفسه، وقراءة الجمهور أوضح لأن المراد الموصول من أضلهم اتباع الهوى وهم بعد أن أضلهم صاروا ضالين. وقوله تعالى: {بِمَا نَسُواْ } متعلق بالاستقرار والباء سببية و (ما) مصدرية، وقوله سبحانه: {يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } مفعول {نَسُواْ } على ما هو الظاهر أي ثابت لهم ذلك العذاب بسبب نسيانهم وعدم ذكرهم يوم الحساب؛ وعليه يكون تعليلاً صريحاً لثبوت العذاب الشديد لهم بنسيان يوم الحساب بعد الإشعار بعلية ما يستتبعه ويستلزمه أعني الضلال عن سبيل الله تعالى فإنه مستلزم لنسيان يوم الحساب بالمرة بل هذا فرد من أفراده. وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن الكلام من التقديم والتأخير أي لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا فيكون {يوم الحساب} ظرفاً لقوله تعالى: {لَهُمْ } وجعل النسيان عليه مجازاً عن ضلالهم عن سبيل الله بعلاقة السببية ومن ضرورته جعل مفعول النسيان سبيل الله تعالى، وعليه يكون التعليل المصرح به عين التعليل المشعر به بالذات غيره بالعنوان فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : مقول قول محذوف معطوف على {أية : فغفرنا له ذلك}تفسير : [ص:25] أي صفَحنا عنه وذكرناه بنعمة المُلك ووعظناه، فجمع له بهذا تنويهاً بشأنه وإرشاداً للواجب. وافتتاح الخطاب بالنداء لاسترعاء وَعْيه واهتمامه بما سيقال له. والخليفة: الذي يخلف غيره في عملٍ، أي يقوم مقامه فيه، فإن كان مع وجود المخلوف عنه قيل: هو خليفة فُلان، وإن كان بعدما مضى المخلوف قيل: هو خليفة مِن فلان. والمراد هنا: المعنى الأول بقرينة قوله: {فاحكم بين الناس بالحق}. فالمعنى: أنه خليفة الله في إنفاذ شرائعه للأمة المجعول لها خليفة مما يوحي به إليه ومما سبق من الشريعة التي أوحي إليه العمل بها. وخليفةٌ عن موسى عليه السلام وعن أحبار بني إسرائيل الأولين المدعوين بالقُضاة، أو خليفة عمن تقدمه في الملك وهو شاول. و {الأرض}: أرض مملكته المعهودة، أي جعلناك خليفة في أرض إسرائيل. ويجوز أن يجعل الأرض مراداً به جميع الأرض فإن داود كان في زمنه أعظم ملوك الأرض فهو متصرف في مملكته ويَخاف بأسَه ملوكُ الأرض فهو خليفة الله في الأرض إذ لا ينفلت شيء من قبضته، وهذا قريب من الخلافة في قوله تعالى: {أية : ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم}تفسير : [يونس: 14] وقوله: {أية : ويجعلكم خلفاء الأرض}تفسير : [النمل: 62]. وهذا المعنى خلاف معنى قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] فإن الأرض هنالك هي هذه الكرة الأرضية. قال ابن عطية: ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفةُ الذي قبلَه، ألاَ ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرّروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله، وبهذا كان يدعى بذلك مدة حياته، فلما ولي عمر قالوا: يا خليفةَ خليفة رسول الله فطال ورأوْا أنه سيطول أكثر في المستقبل إذا ولي خليفة بعد عمر فدعوا عُمر أميرَ المؤمنين، وقصر هذا على الخلفاء، وما يجيء في الشعر من دعاء أحد الخلفاء خليفة الله فذلك تجوّز كما قال ابنُ قيسِ الرقياتِ: شعر : خليفة الله في بريته جَفَّت بذاك الأقلام والكتب تفسير : وفُرع على جعله خليفة أمرُه بأن يحكم بين الناس بالحق للدلالة على أن ذلك واجبه وأنه أحق الناس بالحكم بالعدل، ذلك لأنه هو المرجع للمظلومين والذي تُرفع إليه مظالم الظلمة من الولاة فإذا كان عادلاً خشيهُ الولاة والأمراء لأنه ألف العدل وكره الظلم فلا يُقر ما يجري منه في رعيته كلما بلغه فيكون الناس في حذر من أن يصدر عنهم ما عسى أن يرفع إلى الخليفة فيقتص من الظالم، وأمّا إن كان الخليفة يظلم في حكمه فإنه يألف الظلم فلا يُغضبه إذا رفعت إليه مظلمة شخص ولا يحرص على إنصاف المظلوم. وفي «الكشاف»: أن بعض خلفاء بني أمية قال لعمر بن عبد العزيز أو للزهري: هل سمعتَ ما بلغَنا؟ قال: وما هو؟ قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا تُكتب له معصية، فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء، ثم تلا هذه الآية. والمراد بــــ {النَّاسِ} ناس مملكته فالتعريف للعهد أو هو للاستغراق العرفي. والحق: هو ما يقتضيه العدل الشرعي من معاملة الناس بعضهم بعضاً وتصرفاتهم في خاصّتهم وعامّتهم ويتعين الحق بتعيين الشريعة. والباء في {بالحَقِّ} باء المجازية، جعل الحق كالآلة التي يعمل بها العامل في قولك: قطعه بالسكين، وضربه بالعصا. وقوله: {ولا تَتَّبِعِ الهوىٰ} معطوف على التفريع، ولعله المقصود من التفريع. وإنما تقدم عليه أمره بالحكم بالحق ليكون توطئة للنهي عن اتباع الهوى سَدًّا لذريعة الوقوع في خطأ الحق فإن داود ممن حكم بالحق فأمره به باعتبار المستقبل. والتعريف في {الهوىٰ} تعريف الجنس المفيد للاستغراق، فالنهي يعمّ كل ما هو هوى، سواء كان هوى المخاطب أو هوى غيره مثل هوى زوجه وولده وسيده، وصديقه، أو هوى الجمهور: {أية : قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون}تفسير : [الأعراف: 138]. ومعنى الهوى: المحبة، وأطلق على الشيء المحبوب مبالغة، أي ولو كان هوى شديداً تعلقُ النفس به. والهوى: كناية عن الباطل والجور والظلم لِما هو متعارف من الملازمة بين هذه الأمور وبين هوى النفوس، فإن العدل والإنصاف ثقيل على النفوس فلا تهواه غالباً، ومن صارت له محبة الحق سجية فقد أوتي العلم والحكمة وأيّد بالحِفظ أو العصمة. والنهي عن اتباع الهوى تحذير له وإيقاظ ليحذّر من جراء الهوى ويتّهم هوى نفسه ويتعقبه فلا ينقاد إليه فيما يدعوه إليه إلا بعد التأمل والتثبت، وقد قال سهل بن حُنيْف رضي الله عنه: «اتهموا الرَّأي»، ذلك أن هوى النفس يكون في الأمور السهلة عليها الرائقة عندها ومعظم الكمالات صعبة على النفس لأنها ترجع إلى تهذيب النفس والارتقاء بها عن حضيض الحيوانية إلى أوج المَلكية، ففي جميعها أو معظمها صرف للنفس عما لاصَقَها من الرغائب الجسمانية الراجع أكثرها إلى طبع الحيوانية لأنها إما مدعوة لِداعي الشهوة أو داعي الغضب فالاسترسال في اتباعها وقوع في الرذائل في الغالب، ولهذا جُعل هنا الضلال عن سبيل الله مسبباً على اتباع الهوى، وهو تسبب أغلبي عرفي، فشبه الهوى بسائرٍ في طريق مهلكة على طريقة المكنية ورمز إليه بلازم ذلك وهو الإضلال عن طريق الرشاد المعبر عنه بسبيل الله، فإن الذي يتبع سائراً غيرَ عَارف بطريق المنازل النافعة لا يلبث أن يجد نفسه وإياه في مهلكة أو مَقطعة طريق. واتّباع الهوى قد يكون اختياراً، وقد يكون كرهاً. والنهي عن اتباعه يقتضي النهي عن جميع أنواعه؛ فأما الاتّباع الاختياري فالحذر منه ظاهر، وأما الاتباع الاضطراري فالتخلص منه بالانسحاب عما جرّه إلى الإِكراه، ولذلك اشترط العلماء في الخليفة شروطاً كلّها تحوم حول الحيلولة بينه وبين اتباع الهوى وما يوازيه من الوقوع في الباطل، وهي: التكليف، والحُرّية، والعدالة، والذكورة، وأما شرط كونه من قريش عند الجمهور فلئلا يضعف أمام القبائل بغضاضة. وانتصب {فَيُضِلَّكَ} بعد فاء السببية في جواب النهي. ومعنى جواب النهي جواب المنهي عنه فهو السبب في الضلال وليس النهي سبباً في الضلال. وهذا بخلاف طريقة الجزم في جواب النهي. و{سبيل الله}: الأعمال التي تحصُل منها مرضاته وهي الأعمال التي أمر الله بها ووعد بالجزاء عليها، شُبّهت بالطريق الموصل إلى الله، أي إلى مرضاته. وجملة: {إنَّ الذين يضلون عن سبيل الله} إلى آخرها يظهر أنها مما خاطب الله به داود، وهي عند أصحاب العدد آية واحدة من قوله: {ياداود إنَّا جعلناك خليفة في الأرض} إلى {يومَ الحِسَابِ}، فهي في موقع العلة للنهي، فكانت (إنّ) مغنية عن فاء التسبب والترتب، فالشيء الذي يفضي إلى العذاب الشديد خليق بأن يُنهى عنه، وإن كانت الجملة كلاماً منفصلاً عن خطاب داود كانت معترضة ومستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان خطر الضلال عن سبيل الله. والعموم الذي في قوله {الذين يضلون عن سبيل الله} يُكسب الجملة وصف التذييل أيضاً وكلا الاعتبارين موجب لعدم عطفها. وجيء بالموصول للإِيماء إلى أن الصلة علة لاستحقاق العذاب. واللام في {لهُم عَذَابٌ} للاختصاص، والباء في {بِما نسُوا يومَ الحِسَابِ} سببية. و (ما) مصدرية، أي بسبب نسيانهم يوم الحساب، وتتعلق الباء بالاستقرار الذي ناب عنه المجرور في قوله: {لَهُم عَذَابٌ}. والنسيان: مستعار للإِعراض الشديد لأنه يشبه نسيان المعرض عنه كما في قوله تعالى: {أية : نسوا الله فنسيهم}تفسير : [التوبة: 67]، وهو مراتب أشدها إنكار البعث والجزاء، قال تعالى: {أية : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم}تفسير : [السجدة: 14]. ودونه مراتب كثيرة تكون على وفق مراتب العذاب لأنه إذا كان السبب ذا مراتب كانت المسببات تبعاً لذلك. والمراد بــــ {يَوْمَ الحسابِ}ما يقع فيه من الجزاء على الخير والشر، فهو في المعنى على تقدير مضاف، أي جزاء يوم الحساب على حدّ قوله تعالى: {أية : ونسي ما قدمت يداه}تفسير : [الكهف: 57]، أي لم يفكر في عاقبة ما يقدمه من الأعمال. وفي جعل الضلال عن سبيل الله ونسيان يوم الحساب سببين لاستحقاق العذاب الشديد تنبيه على تلازمهما فإن الضلال عن سبيل الله يفضي إلى الإِعراض عن مراقبة الجزاء. وترجمة داود تقدمت عند قوله تعالى: {أية : ومن ذريته داوود}تفسير : في [الأنعام: 84] وقوله: {أية : وآتينا داوود زبوراً}تفسير : في [النساء: 163].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ}، قد بينا الحكم الذي دل عليه، في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَة} تفسير : [البقرة: 30] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قد أمر نبيه داود فيه، بالحكم بين الناس بالحق ونهاه فيه عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى، علة للضلال عن سبيل الله، لأن الفاء في قوله فيضلك عن سبيل الله تدل على العلية. وقد تقرر في الأصول، في مسلك الإيماء والتنبيه، أن الفاء من حروف التعليل كقوله: سهى فسجد، وسرق فقطعت يده، أو لعلة السهو في الأول، ولعلة السرقة في الثاني، وأتبع ذلك بالتهديد الشديد لمن اتبع الهوى، فأضله ربنا عن سبيل الله، في قوله تعالى بعده يليه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [ص: 26]. ومعلوم أن نبي الله داود، لا يحكم بغير الحق، ولا يتبع الهوى، فيضله عن سبيل الله، ولكن الله تعالى، يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، وينهاهم، ليشرع لأممهم. ولذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم، بمثل ما أمر به داود، ونهاه أيضاً عن مثل ذلك، في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [المائدة: 42]. وقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : [المائدة: 49] وكقوله تعالى: أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 1و 48] وقول تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} تفسير : [الكهف: 28] الآية. وقد قدمنا الكلام على هذا، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} تفسير : [الإسراء: 22]. وبينا أن من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أن النبي يخاطب بخطاب، والمراد بذلك الخطاب غيره يقيناً قوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَاً} تفسير : [الإسراء: 23] الآية، ومن المعلوم أن أباه صلى الله عليه وسلم توفي قبل ولادته، وأن أمه ماتت وهو صغير، ومع ذلك فإن الله يخاطبه بقوله تعالى: {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} تفسير : [الإسراء: 23] ومعلوم أنه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما، ولا كلاهما لأنهما قد ماتا قبل ذلك بزمان. فتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 23ـ24] الآية: إنما يراد به التشريع على لسانه لأمته، ولا يراد به هو نفسه صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا هناك أن من أمثال العرب. إياك أعني واسمعي يا جارة، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري الذي خاطب به امرأة، وهو يقصد أخرى وهي أخت حارثة بن لأم الطائي وهو قوله: شعر : يا أخت خير البدو والحضاره كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره تفسير : وذكرنا هناك الرجز الذي أجابته به المراة، وقول بعض أهل العلم إن الخطاب في قوله: {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} تفسير : [الإسراء: 23] الآية، هو الخطاب بصيغة المفرد، الذي يراد به عموم كل من يصح خطابه. كقول طرفة بن العبد في معلقته: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود تفسير : أي ستبدي لك ويأتيك أيها الإنسان الذي يصح خطابك، وعلى هذا فلا دليل في الآية، غير صحيح، وفي سياق الآيات قرينة قرآنية واضحة دالة على أن المخاطب بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم وعليه. فالاستدلال بالآية، استدلال قرآني صحيح، والقرينة القرآنية المذكورة، هي أنه تعالى قال في تلك الأوامر والنواهي التي خاطب بها رسوله صلى الله عليه وسلم، التي أولها {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَر} تفسير : [الإسراء: 23] الآية. ما هو صريح، في أن المخاطب بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم، لا عموم كل من يصح منه الخطاب، وذلك في قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الإسراء: 39].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنا جعلناك خليفة: أي خلفت من سبقك تدبر أمر الناس بإِذننا. ولا تتبع الهوى: أي هوى النفس وهو ما تميل إليه مما تشتهيه. فيضلك عن سبيل الله: أي عن الطريق الموصل إلى رضوانه. إن الذين يضلون عن سبيل الله: أي يخطئون الطريق الموصل إلى رضوانه وهو الإِيمان والتقوى. بما نسوا يوم الحساب: أي بنسيانهم يوم القيامة فلم يتقوا الله تعالى. باطلا: أي عبثا لغير حكمة مقصودة من ذلك الخلق. ذلك ظن الذين كفروا: أي ظنُّ أن السماوات والأرض وما بينهما خلقت عبثا لا لحكمة مقصودة منها ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار: أي من واد في النار بعيد غوره كريه ريحه لا يطاق. مبارك: أي لا تفارقه البركة يجدها قارئه والعامل به والحاكم بما فيه. وليتذكر أولوا الألباب: أي ليتعظ به أصحاب العقول الراجحة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر قصة داود للعظة والاعتبار وتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى {يٰدَاوُودُ} أي وقلنا له أي بعد توبته وقبولها يا داود {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} خلفت من قبلك من الأنبياء تدبر أمر الناس {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} أي بالعدل الموافق لشرع الله ورضاه، {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} وهو ما تهواه نفسك دون ما هو شرع الله، {فَيُضِلَّكَ} أي اتباع الهوى يضلك عن سبيل الله المفضي بالعباد إلى الإِسعاد والكمال وذلك أنّ الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الإِلهية انتظمت بها مصالح العباد ونفعت العامة والخاصة أما إذا كانت على وفق الهوى وتحصيل مقاصد النفس للحاكم لا غير أفضت إلى تخريب العالم بوقوع الهرج والمرج بين الناس وفي ذلك هلاك الحاكم والمحكومين، وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ} القائم على الإِيمان والتقوى وإقامة الشرع والعدل هؤلاء {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} أي بسبب نسيانهم ليوم القيامة فتركوا العمل له وهو الإِيمان والتقوى التقوى التي هي فعل الأوامر الإِلهية واجتناب النواهي في العقيدة والقول والعمل، وقوله تعالى في الآية [27] {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} ينفي تعالى ما يظنه المشركون وهو أن خلق الكون لم يكن لحكمة اقتضت خلقه وإيجاده وهي أن يعبد الله تعالى بذكره وشكره المتمثل في الإِيمان والتقوى. وقوله {ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ظن أن الله خلق السماء والأرض وما بينهما لا لحكمة مقصودة وهي عبادة الله تعالى بما يشرع لعباده من العبادات القلبية والقولية والفعلية ظن الذين كفروا من كفار مكة وغيرهم. ثم توعدهم تعالى على كفرهم وظنهم الخاطئ الذي نتج عنه كفرهم وعصيانهم فقال {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} أي ويل للذين كفروا من واد في جهنم بعيد الغور كريه الريح. وقوله تعالى في الآية [28] {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} هذا أولاً ردٌّ لما زعمه المشركون من أنهم يعطون في الآخرة من النعيم مثل ما يعطى المؤمنون، وثانيا ينفي تعالى أن يسوى بين من آمن به واتبع هداه فأطاعه في الأمر والنهي، وبين من أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي كما نفى أن يجعل المتقين الذين آمنوا واتقوا فتركوا الشرك والمعاصي كالفجار الذين فجروا أي خرجوا عن طاعة الله ورسوله فلم يؤمنوا ولم يوحدوا فعاشوا كفاراً فجاراً وماتوا على ذلك. أي فحاشا لله ربّ العالمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين أن يسوي بين أهل الإِيمان والتقوى وبين أهل الشرك والمعاصي بل ينعم الأولين في دار النعيم، ويعذب الآخرين في سواء الجحيم وقوله تعالى في الآية [29] {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ} أي هذا كتاب مبارك أنزلناه على رسولنا ليدبروا آياته بمعنى يتأملوها ويترووها بعقولهم فيحصلوا على هداية القلوب والعقول فيؤمنوا بالله ويعملوا بطاعته فينجوا ويسعدوا. وليذكّر أولوا الألباب أي وليتعظ بمواعظه وينزجر بزواجره أولو الألباب اي العقول السليمة ووصف الكتاب وهو القرآن بالبركة هو كما أخبر الله لا تفارق القرآن البركة وهي الخير الدائم فكل من قرأه متدبراً عرف الهدى ومن قرأه تقرباً حصل على القرب وفاز به ومن قرأه حاكماً عدل في حكمه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الحكم بالعدل على كل من حكم ولا عدل في غير الشرع الإِلهي. 2- حرمة اتباع الهوى لما يفضي بالعبد إلى الهلاك والخسار. 3- تقرير البعث والجزاء. 4- إبطال ظن من يظن أن الحياة الدنيا خلقت عبثا وباطلا. 5- تنزيه الربّ تعالى عن العبث والظلم. 6- فضيلة العقول لمن استعملها في التدبر والتذكر. 7- بركة القرآن لا تفارقه أبداً وما طلبها أحد إلا وجدها.
القطان
تفسير : باطلا: عبثا. ويل: هلاك. مبارك: كثير الخيرات. ليدّبّروا: ليتفكروا. وليتذكر: وليتعظ. اولو الالباب: أصحاب العقول المدركة. يا داود إنا استخلفناك في الأرض، فاحكم بين الناس بما شرعتُ لك، {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} في الحكم وغيره من امور الدين والدنيا، فيحيد بك عن سبيل الله. ان الذين يَضلّون ويحيدون عن سبيل الله باتباع أهوائهم لهم عذاب شديد {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}. أيليق بحكمتنا وعدلنا ان نسوّي بين المؤمنين الصالحين، وبين المفسدين في الأرض؟ ام يليق ان نسوي بين المتقين وبين الفجارالمتمردين على أحكامنا!؟ ان هذا الذي أنزلناه اليك كتابٌ مبارك كثير الخيرات، ليتدبروا آياته ويفهموها، وليتعظ به أصحاب العقول السليمة، والبصائر المدركة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰدَاوُودُ} {جَعَلْنَاكَ} (26) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِدَاوُدَ: إِنَّهُ جَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ، نَافِذَ الكَلِمَةِ والحُكْمِ بَينَ الرَّعِيَّةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، وَأَنْ لاَ يَتَّبعَ الهَوَى لأَِنَّ اتِّبَاعَ الهَوَى يَكُونُ سَبَباً لِلضَّلاَلَةِ وَالجَوْرِ عَنِ الطَّرِيقِ القَويمِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى. ثَمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَهُدَاهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ (يَوْمَ الحِسَابِ) عَذَابٌ شَدِيدٌ لِنِسْيَانِهِمْ ذَلِكَ اليَومَ، وَإِنَّ اللهَ سَيُحَاسِبُ العِبَادَ فِيهِ عَلَى أَعَمَالِهِمْ جَمِيعاً، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {خَلِيفَةً} [ص: 26] هنا إما خليفة لله في الأرض خلافة عامة لأن الإنسان كله خليفة لكنه عليه السلام عمدة على الخليفة، أو خليفة الأنبياء في حَمْل رسالاتهم إلى الناس، وما دام هو مستخلفاً فهو موظف إنْ أحسنَ الوظيفة دامتْ له، وإنْ لم يحسن نُزِعَتْ منه. فآفة الإنسان أنه إذا ما استجابتْ له الأشياء وطاوعتْه الأسباب يظن أنه صار أصيلاً في الكون، ونسي أنه مُسْتخلف غيرِ أصيل، إنما لو ظَلَّ على ذِكْرِ لخلافته في الأرض، وأنه من الممكن أنْ يُعزِلَ عن الخلافة في أيِّ وقت لظلَّ مؤدباً مع ربه الذي استخلفه: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. وقوله تعالى {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} [ص: 26] يعني: ما دُمْتَ خليفة لله في الأرض تعمرها بالأحكام وتقيم فيها الحق {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} [ص: 26] وهذه نصيحة غالية لكل مَنْ يحكم بين الناس، فالحق أمامك نبراس يهديك، فضعْهُ في موضعه أياً كان، ولا تتبع هواك لأن الرأي يُفسِده الهوى. لذلك وقف بعض المفكرين أمام قول الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4]. قالوا: ما دام هو وَحْي يُوحَى، فلماذا يُعدِّل الله له كما في قوله سبحانه: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 43]. وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]. وقوله تعالى: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} تفسير : [عبس: 1-2]. قالوا: إن الحق سبحانه لا يعدل لرسوله، إنما يخبر أنه لا هوى له يجعله يميل عند الحكم، فهو صلى الله عليه وسلم يدخل على المسألة بدون هوى، سواء أكان الأمر من عند الله أو من المفوَّض له أنْ يشرع فيه. والحق سبحانه حينما أراد أنْ يحدد مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم حدَّد مهمة كتابه بأنه كتاب مُعجز، ويحمل أصول المنهج لا فروعه، وأنه مهيمن على غيره من الكتب السابقة، لأن الكتب السابقة عليه أثبتَ الله أنها بُدِّلَتْ وحُرِّفت، فلم يأمن عليها المؤمنين بها كما قال سبحانه: {أية : بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المائدة: 44]. ومعنى استحفظوا: طُلب منهم حفظه وحفظ منهجه، فحِفْظ الكتاب المنزَّل كان تكليفاً والتكليف عُرْضة أَنْ يُطاع وأنْ يُعصَى، وهؤلاء عَصَوْا وبدَّلوا وحرَّفوا، كما قال الله {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 13] والذين لم ينسوا حرَّفوا {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} تفسير : [المائدة: 13] ومنهم مَنْ جاء بكلام من عند نفسه، وأدخله في كلام الله {أية : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 78]. إذن: مثل هؤلاء لا يُؤتَمنون على حفظ كتاب الله، وقد ثبت ذلك بهذه التجربة، لذلك لم يجعل الحق سبحانه حِفْظ القرآن إلى المؤمنين به، إنما تكفَّل سبحانه بحفظ القرآن، فقال سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ولأن الحق سبحانه جعل لنبيه محمد هذه المنزلة أراد أنْ يُبينها، فقال: "حديث : مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قَبْلي كَمَثَل رجل بنى بيتاً فحسَّنه وأجمله، إلا موضعَ لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هَلاَّ وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ". تفسير : والحق سبحانه يُبيِّن منزلة رسوله في إكمال الأديان، فيقول {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ..} تفسير : [المائدة: 3] ليس هذا فحسب، إنما يعطيه مهمة أخرى، هي صيانة هذه الأديان به وبالعلماء الذين يخلفون مَنْ بعده، لذلك قال سبحانه: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143]. فالرسول يشهد أنه بلغنا، وعلينا نحن أنْ نمد رسالة رسول الله، فنشهد أننا بلغنا الناس من بعده. لذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طائفة تأتي ممَّن لا يؤمنون بسنته يقولون: علينا بكتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. وحين تتتبع لفظ الطاعة في القرآن تجد أنه أتى على صور متعددة. فمرة يقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [التغابن: 12] بتكرار الأمر بالطاعة. ومرة يقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} تفسير : [آل عمران: 132] بدون تكرار لفعل الأمر. ومرة يقول: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأنفال: 20]. فتكرار الأمر بالطاعة مرة لله ومرة لرسول الله حين يكون لله أمر في القضية الإجمالية مثل الصلاة مثلاً، ولرسول الله أمر في تفصيل كيفية الصلاة. فإنْ توارد أمر رسول الله مع أمر الله جاء الأمر واحداً بدون تكرار، فإنْ كان الأمر خاصاً برسول الله، ولم يردْ فيه من الله شيء قال: أطيعوا الرسول. لذلك تلحظ العظمة في الأداء في قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ ليلفتنا إلى أن طاعة أُولي الأمر من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله يعني ليس لهم طاعة خاصة بهم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقوله تعالى {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} [ص: 26] أي: حكماً عاماً للناس جميعاً ليس خاصاً بك، وهنا لا بُدَّ أنْ نذكر قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105]. ولهذه الآية قصة، فقد نزلت في كل من زيد بن السمين، وكان رجلاً أميناً مع أنه يهودي، وفي قتادة بن النعمان وطعمة بن أبيرق، فقد كان لقتادة دِرْع سرقه ابن أبيرق واتهِم فيه اليهودي ابن السمين، وبعد استقصاء الأمر وجدوا الدرع عند ابن أبيرق المسلم وظهرت براءة اليهودي. وهنا أسرع الناس إلى رسول الله حتى لا يحكم على المسلم، فتكون سبة في حق المسلمين أمام اليهود، فتردَّد رسولُ الله في المسألة، فأنزل الله عليه: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [النساء: 105] أي: الناس جميعاً اليهود والنصارى والمسلمين وفعلاً حكم رسول الله على المسلم وبرَّأ ساحة اليهودي ولم يُبَال أحد لا رسولُ الله ولا المسلمون بأنْ ينتصر اليهودي على المسلم؛ لأن الحق أعزُّ من هذا ومن ذاك. وحين رأى اليهودُ رسولَ الله يحكم لليهودي ويدين المسلم أقبلوا على الإسلام، وأسلم منهم كثيرون على رأسهم (مخيريق) الذي أعلن إسلامه، ووهب كل ماله لرسول الله، ثم خرج للغزو لما أعجله النفير قبل أن يصلي لله ركعة واحدة، وقُتِل (مخيريق) في هذه الغزو شهيداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: "حديث : نِعْمَ مُخيريق، دخل الجنة ولم يُصَلِّ لله ركعة ". تفسير : هذا معنى {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ..} [ص: 26]. ومعنى {خَلِيفَةً ..} [ص: 26] أن الله استخلفنا جميعاً في الأرض، وجعل للمستخلفين خليفة يدبر أمرهم ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمنهج من استخلف الكُلَّ. أو خليفة للرسل الذين سبقوه يُنبه إلى ما انطمس من مواكب الحق في الخَلْق، والحكومة بين الناس لا تكون إلا عن اختلاف بينهم؛ لأنهم لو لم يختلفوا ما تحاكموا، وما لم يختلف فيه الناس فلا دَخْلَ للحاكم فيه إلا أنْ يكونوا قد اختلفوا مع الحق الأعلى، فعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل. وكلمة {بِٱلْحَقِّ ..} [ص: 26] الحق يعني: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وهذا لله تعالى، أما الإنسان فأموره تتغير ولا تستقر على حال، ونحن منها أغيار، لكن الحكم الذي يحكم حركة الإنسان ما دام من الله فهو ثابت لا يتغير، وما دام الله تعالى قد أتمَّ النعمة وأكمل الدين ورضي الإسلام، فلا استدراك لأحد عليه في شيء من الأشياء؛ لأن الاستدراك طَعْنٌ في استقصاء الله لحكمة الحكم. والحق يقابله الباطل، وقد يعلو الباطل في بعض الأحيان، لكن يظل الحق هو الحق حتى يعلوَ في نهاية المطاف. والحق سبحانه يترك الباطلَ يعلو في بعض الأحيان لحكمة، هي أن يعضَّ الباطلُ الناسَ، ويكويهم بناره لتظهر لهم حلاوة الحق، فإذا لَذَعهم مُرُّ الباطل فزعوا هم إلى طلب الحق. إذن: فإنْ عَلاَ الباطل فالحق أعْلَى، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً يوضح هذه المسألة، فقال سبحانه: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. إذن: فالحق ثابت، وبهذا الثبات نفهم أن المناهج الإلهية ما جاءت لتجعل كلمة الله هي العليا، إنما جاءت لتجعلَ كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا ..} تفسير : [التوبة: 40] فلم يعطف الثانية على الأولى، ولم يقل: وكلمة الله هي العليا. لأن كلمة الله ليستْ جعلاً، وإنما هي شيء ثابت، وهي حَقٌّ أزلاً. ثم يقول سبحانه مخاطباً سيدنا داود: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [ص: 26] الهوى: مَيْلُ النفس إلى شيء تهواه بغَضِّ النظر عن منهج يحكمه، والهوى يختلف باختلاف الناس، حتى الأصدقاء الحميمون المتلازمون في المأكل والمشرب والميول إذا ذهبوا لشراء شيء اشتروا أشياء مختلفة وألواناً متباينة. نعم، هناك جامعة تجمعهم هي الصداقة، لكن الأهواء مختلفة، فإذا كان هواي يخالف هواك، فلا بُدَّ أنْ نرجع إلى شيء لا نختلف فيه، فإنْ كان هذا الشيء الذي لا نختلف فيه من أعلى مِنّا فلا غضاضة، الغضاضة تأتي حين تخضع لمن يساويك وتحكّمه، وتنتهي إلى رأيه. لذلك الحق سبحانه يحكم هذه المسألة بقوله تعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. ونحن نفهم أن اختلاف الأهواء يفسد الحياة على الأرض، لكن كيف يفسد السماء؟ ولماذا بدأ بفساد السماوات قبل الأرض؟ قالوا: نعم، لأن الفساد سيتعدَّى فسادَ الأرض، ويفسد أيضاً السماء، بمعنى أنه سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء، وما دام سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء وهو الحق، وهذا الفساد سابق لفساد ما على الأرض. لذلك لم يقولوا: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..} تفسير : [الإسراء: 92] هذا هوى، ولو أجابهم الله فيما طلبوا لفَسدتْ فعلاً السماوات والأرض، فمن رحمة الله بالخَلْق أنْ عَصَم أهواءهم في المناهج النظرية التي تحكم الناس فيما يختلفون فيه، أما الشيء الذي لا يُختلف فيه فتركه لكم تربعون فيه كما تشاءون. فإنْ قلتَ: فلماذا ترك لهم الأمور التي لا اختلاف فيها؟ نقول: لأنهم سينتهون فيها إلى حَقٍّ واحد مجْمع عليه، وهذا ما نراه مثلاً في العلوم المادية التجريبية، فهي مجال مفتوح للجميع، الروس مثل الأمريكان، بل نراهم يجعلون على هذه العلوم حواجز حديدية حتى لا تصل إلى غيرهم، والبعض يتلصَّص ويسرق ما وصل إليه الآخرون. إذن: فالشيء الذي سنتفق فيه لا تتدخَّل فيه السماء، وهذه المسألة حكمها سيدنا رسول الله، وأعطانا مثالاً في نفسه صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير النخل، فلما اقترح عليهم عدم تأبير النخل فسد في هذا العام ولم يثمر، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنتم أعلم بشئون دنياكم ". تفسير : لماذا؟ لأنكم ستصلون بالتجربة إلى شيء واحد، تتفقون عليه وتسرقونه من الآخرين، أما في الأهواء فهي مختلفة من واحد لآخر، ويحصل منها الصدام بارداً كان أو حاراً. ثم يُبيِّن الحقُّ سبحانه العِلَّة من النهي عن اتباع الهوى، فيقول: {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [ص: 26] يعني: لا تتبع الهوى، لأن اتباع الهوى يُضلّك عن سبيل الله، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة حين خَطَّ للصحابة خطاً مستقيماً، وخَطَّ حوله خطوطاً متعددة، ثم تلا: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 153]. وتفرُّق السُّبُل ينشأ من الاختلاف مهما كان يسيراً، (فالمللي) الواحد يُفرِّق السبل، ولو رسمتَ خطَّيْن من مركز واحد ومال أحدهما عن الآخر (مللي) واحد لنتج عن ذلك تباعدهما بالتدريج كلما بَعُدَا عن المركز، أرأيتَ مثلاً المحولجي الذي يقوم بتحويل مسار القطار ماذا يفعل؟ إنه يحرك طرف القضيب الذي لا يتجاوز سمكه خمسة (مللي) متر، فينتج عن هذه الحركة تحويل مسار القطار من الإسكندرية إلى أسوان. وهكذا تتفرق السبل، وينشأ عن الاختلاف اليسير اختلاف عظيم، فالتباعد الهيِّن البسيط عند المركز ينتج عنه تباعد واسع كلما طالت المسافة، وكما يكون التفرُّق في السُّبُل المتعددة يكون التفرق كذلك في الطريق الواحد حين يكون واسعاً يسمح بالتفرق. فمثلاً الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية طريق واسع من اتجاهين، ويمكنك أنْ تسير في أحدهما بطريقة ملتوية تميل مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فينشأ عن ذلك طول الطريق؛ لذلك قالوا سواء السبيل يعني: أن تجعل الجانبين على سواء. ثم يوضح الحق سبحانه عاقبة الضلال والانحراف عن جادة الطريق، فيقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} [ص: 26]. إذن: فالغفلة عن هذا اليوم ونسيان العاقبة هو سبب الوقوع في العذاب الشديد، فلو ذكر الإنسانُ الجزاءَ على السيئة ما فعلها، ولو ذكر ثوابَ الحسنة مَا غفل عنها، ولا تكاسل عن أدائها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 831 : 14 : 18 - سفين في قوله {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ} يوم القيامة {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ}. [الآية 26].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):