Verse. 3997 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاۗءَ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَہُمَا بَاطِلًا۝۰ۭ ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا۝۰ۚ فَوَيْلٌ لِّــلَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنَ النَّارِ۝۲۷ۭ
Wama khalaqna alssamaa waalarda wama baynahuma batilan thalika thannu allatheena kafaroo fawaylun lillatheena kafaroo mina alnnari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا» عبثا «ذلك» أي خلق ما ذكر لا لشيء «ظن الذين كفروا» من أهل مكة «فويل» وادِ «للذين كفروا من النار».

27

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} أي هزلاً ولعباً. أي ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا. {ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما باطلاً. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} ثم وبخّهم فقال: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} والميم صلة تقديره: أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات {كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ} فكان في هذا ردّ على المرجئة؛ لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه. وبعده أيضاً: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار؛ قاله ابن عباس. وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجّار الكافرين وهو أحسن، وهو ردّ على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد. قوله تعالى: {كِتَابٌ} أي هذا كتاب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} يا محمد {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ} أي ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهَذِّ؛ إذ لا يصح التدبر مع الهَذّ على ما بيناه في كتاب التذكار. وقال الحسن: تدبر آيات الله اتباعها. وقراءة العامة «لِيَدَّبَّرُوا». وقرأ أبو جعفر وشيبة: «لِتَدبَّرُوا» بتاء وتخفيف الدال، وهي قراءة عليّ رضي الله عنه، والأصل لتتدبروا فحذف إحدى التاءين تخفيفاً {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} أي أصحاب العقول واحدها لُبٌّ، وقد جمع على أَلُبِّ، كما جمع بُؤسٌ على أبؤسٍ، ونُعْم على أنعم؛ قال أبو طالب:شعر : قـلـبـي إلـيـه مُـشـرِفُ الأَلُـبِّ تفسير : وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر؛ قال الكُمَيت:شعر : إليكم ذوِي آلِ النَّبيّ تَطَلَّعَتْ نوازِعُ من قلبِي ظِماءٌ وَأَلْبُبُ

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثاً، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم يوم الجمع، فيثيب المطيع، ويعذب الكافر، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: الذين لا يرون بعثاً ولا معاداً، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم بين تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: { أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} أي: لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء؛ فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه، ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال تعالى: { كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ ءَايَـٰتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: ذوو العقول، وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل، قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، رواه ابن أبي حاتم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلاً }. أي عبثاً {ذٰلِكَ } أي خلق ما ذكر لا لشيء {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {فَوَيْلٌ } وادٍ {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إذ عُرِض عليه بالعشي الصافنات الجياد} الخيل وفيه وجهان: أحدهما: أن صفونها قيامها ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من سره أن يقوم الرجال له صفوفاً فليتبوأ مقعده من النار" تفسير : أي يديمون له القيام حكاه قطرب وأنشد قول النابغة: شعر : لنا قبة مضروبة بفنائها عتاق المهاري والجياد الصوافن تفسير : الثاني: أن صفونها رفع احدى اليدين على طرف الحافر حتى تقوم على ثلاث كما قال الشاعر: شعر : ألف الصفون فما يزل كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : وفي {الجياد} وجهان: أحدهما: أنها الطوال العناق مأخوذ من الجيد وهو العنق لأن طول أعناق الخيل من صفات فراهتها. الثاني: أنها السريع، قاله مجاهد واحدها جواد سمي بذلك لأنه يجود بالركض. قوله عز وجل: {فَقَالَ إِني أحببت حُبَّ الخَيْرِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حب المال، قاله ابن جبير والضحاك. الثاني: حب الخيل قاله قتادة والسدي. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" تفسير : وفي قراءة ابن مسعود: حب الخيل. الثالث: حب الدنيا، قاله أسباط. وفي {أحببت حب الخير} وجهان: أحدهما: أن فيه تقديماً وتأخيراً تقديره: أحببت الخير حباً فقدم، فقال: أحببت حب الخير ثم أضاف فقال أحب الخير، قاله بعض النحويين. الثاني: أن الكلام على الولاء في نظمه من غير تقديم ولا تأخير، وتأويله: آثرت حب الخير. {عَن ذِكر ربي} فيه وجهان: أحدهما: عن صلاة العصر، قاله علي رضي الله عنه. الثاني: عن ذكر الله تعالى، قاله ابن عباس. وروى الحارث عن علي كرم الله وجهه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة الوسطى فقال: حديث : هي صلاة العصر التي فرط فيها نبي الله سليمان عليه السلام . تفسير : {حتى توارت بالحجاب} فيه قولان: أحدهما: حت توارت الشمس بالحجاب، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، قاله قتادة وكعب. الثاني: توارت الخيل بالحجاب أي شغلت بذكر ربها إلى تلك الحال، حكاه ابن عيسى. والحجاب الليل يسمى حجاباً لأنه يستر ما فيه. قوله عز وجل: {رُدُّوها عليَّ} يعني الخيل لأنها عرضت عليه فكانت تجري بين يديه فلا يستبين منها شيء لسرعتها وهو اللهم أغضَّ بصري، حتى غابت الحجاب ثم قال ردوها عليّ. {فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} فيه قولان: أحدهما: أنه من شدة حبه لها مسح عراقيبها وأعناقها، قاله ابن عباس. الثاني: أنه لما رآها قد شغلته عن الصلاة ضرب عراقيبها وأعناقها، قاله الحسن وقتادة. ولم يكن ما اشتغل عنه من الصلاة فرضاً بل كان نفلاً لأن ترك الفرض عمداً فسق، وفعل ذلك تأديباً لنفسه. والخيل مأكولة اللحم فلم يكن ذلك منه إتلافاً يأثم به. قال الكلبي: كانت ألف فرس فعرقب تسعمائة وبقي منها مائة. فما في أيدي الناس من الخيل العتاق من نسل تلك المائة.

النسفي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } من الخلق {بَـٰطِلاً } خلقاً باطلاً لا لحكمة بالغة، أو مبطلين عابثين كقوله {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } تفسير : [الأنبياء:16] وتقديره ذوي باطل، أو عبثاً فوضع {بَـٰطِلاً } موضعه أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ولكن للحق المبين، وهو أنا خلقنا نفوساً أودعناها العقل ومنحناها التمكين وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاءً على حسب أعمالهم. {ذٰلِكَ } إشارة إلى خلقها باطلاً {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الظن بمعنى المظنون أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما لقوله {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان:25] لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤدياً إلى أن خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه، لأن الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } «أم» منقطعة، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكفار لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر، ومن سوّى بينهم كان سفيهاً ولم يكن حكيماً {كِتَابٌ } أي هذا كتاب {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ } يعني القرآن {مُّبَارَكٌ } صفة أخرى {لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَـٰتِهِ } وأصله ليتدبروا قرىء به ومعناه ليتفكروا فيها فيقفوا على ما فيه ويعملوا به. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه وضيعوا حدوده {لتدَبّروا} على الخطاب بحذف إحدى التاءين: يزيد {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } وليتعظ بالقرآن أولو العقول. {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أي سليمان. وقيل: داود، وليس بالوجه فالمخصوص بالمدح محذوف {إِنَّهُ أَوَّابٌ } وعلل كونه ممدوحاً بكونه أواباً أي كثير الرجوع إلى الله تعالى {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ } على سليمان {بِٱلْعَشِىِّ } بعد الظهر {ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ} الخيول القائمة على ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى على طرف حافر { ٱلْجِيَادُ } السراع جمع جواد لأنه يجود بالركض، وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجان وإنما هو العراب. وقيل: وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعاً خفافاً في جريها. وقيل: الجياد الطوال الأعناق من الجيد. ورُوي أن سليمان عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس. وقيل: ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة فقعد يوماً بعدما صلى الظهر على كرسيه واستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر وكانت فرضاً عليه، فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وبقي مائة، فما في أيدي الناس من الجياد، فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره. {فَقَالَ إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِىِّ} أي آثرت حب الخيل عن ذكر ربي كذا عن الزجاج. فأحببت بمعنى آثرت كقوله تعالى { أية : فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }تفسير : [فصلت: 17] و «عن» بمعنى «على»، وسمى الخيل خيراً كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها كما قال عليه السلام «حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة»تفسير : وقال أبو علي: أحببت بمعنى جلست من إحباب البعير وهو بروكه. حب الخير أي المال مفعول له مضاف إلى المفعول {حَتَّىٰ تَوَارَتْ } الشمس {بِٱلْحِجَابِ } والذي دل على أن الضمير للشمس مررو ذكر العشي ولا بد للضمير من جري ذكر أو دليل ذكر، أو الضمير للصافنات أي حتى توارت بحجاب الليل يعني الظلام {رُدُّوهَا عَلَىَّ } أي قال للملائكة: ردوا الشمس علي لأصلي العصر فردت الشمس له وصلى العصر، أو ردوا الصافنات {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } فجعل يمسح مسحاً أي يمسح السيف بسوقها وهي جمع ساق كدار ودور وأعناقها، يعني يقطعها لأنها منعته عن الصلاة. تقول: مسح عُلاوته إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه. وقيل: إنما فعل ذلك كفارة لها أو شكراً لرد الشمس، وكانت الخيل مأكولة في شريعته فلم يكن إتلافاً. وقيل: مسحها بيده استحساناً لها وإعجاباً بها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} قال ابن عباس: أي لا لثوابٍ ولا لعقابٍ، احْتَجَّ الجُبَّائِيّ بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأعمال العِبَادِ قال: لأنه مشتملة على الكفر والفِسْق وكلها أباطيل فلما بين تعالى أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلاً دل هذا على أنه لم يخلق أعمال العباد. (وأيضاً قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً}). وعند المُجْبِرة أنه خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر باطل، فقد خلق الباطل، ثم أكد تعالى ذلك بأن قال: {ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي كل من قال بهذا القول فهو كافر فهذا تصريح بأن مذهب المُجْبِرَةِ من الكفر. واحتج أهل السنة بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى خلق أعمال العباد لأن الآية دَلَّت على أنه تعالى خلق ما بين السماء والأرض وأعمال العباد مما بين السماء والأرض فوجب أن يكون تعالى خالقاً لها. فصل دلت الآية على صحة القَوْل بالحَشْر لأنه تعالى لما خلق الخلق في هذا العالم فإما أن يكون خلقهم للإضرار أو الانتفاع، أو لا لشيء، والأول باطل، لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضاً باطل؛ لأن هذه الحالة حاصلةٌ حين كانوا معدومين، فلم يبق إلا أن يقال: خلقهم للانتفاع فذلك الانتفاع إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة، والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارَّها كثيرة وتحمل الضرر الكثير لوجدان المنفعة القليلة لا يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القول ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة، وذلك هو القول بالحشر والنَّشْرِ والقِيَامَة. قوله: "بَاطِلاً" يجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أو حالاً من ضمير أي خلقاً باطلاً، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل "خَلقنا" أي مُبْطِلِينَ، أو ذَوِي باطِلٍ، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي لِلْبَاطِل، وهو العَبَثُ. قوله: {ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني أهل مكة هم الذين ظنوا أنهم خلقوا لغير شيءٍ وأنه لا بعثَ ولا حِسَاب {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}. قوله: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أم في الموضعين منقطعة، وقد تقدم ما فيها. قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنَا نُعْطَى في الآخرة من الخير ما تُعْطَوْنَ فنزلت هذه الآية: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} أي المؤمنين كالكفار، قيل: أراد بالمتقين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. قوله: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ" يجوز أن يكون "كتاب" خبر مبتدأ مضمر، أي هذا كتاب و "أَنْزَلْنَاهُ" و "مبارك" خبر مبتدأ مضمر أو خبر ثان. ولا يجوز أن يكون نعتاً ثانياً لأنه لا يتقدم عند الجمهور غير الصريح على الصَّريحِ، ومن يرى ذلك استدل بظاهرها. وقد تقدم تحرير هذا في المائِدَةِ. قوله: "ليَدَّبَّرُوا" متعلق "بأَنْزَلْنَاه" وقرىء: مباركاً على الحال اللاَّزمة، لأن البركة لا تفارقه وقرأ علي - رضي الله عنه - ليَتَدبَّرُوا، وهي أصل قراءة العامة، فأدغمت التاء في الدال، وأبو جعفر ورُوِيَتْ عن عاصمٍ والكِسَائيِّ لِتَدَبَّرُوا بتاء الخطاب وتخفيف الدال، وأصلها لتتدبروا بتاءين فحذفت إحداهما، وفيها الخلاف المشهور هل هي الأولى أو الثانية، قال الحسن: تدبروا آياته (أتباعه) "وليتذكَّر" ليتعظ أولو الألباب أي العقول.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: فما قضيناه في الأزل بيوم الحساب وتوعدنا به سدى، عطف عليه قوله صارفاً الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم تأبى له عظمته غير الجد العظيم: {وما خلقنا} أي على ما لنا من العظمة، ويجوز أن تكون الجملة حالية. ولما كان السياق لما وقع من الشقاق عناداً لا جهلاً، ذكر من السماوات ما لا يمكن النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال: {السماء} أي التي ترونها {والأرض وما بينهما} مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا {باطلاً} أي لغير غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء، ومجازاة من فيهما بالثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى الناس عقلاً لا يبني بناء ضخماً إلا لغاية أرادها، وتلك الغاية هي الفصل بين الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار، وبثثنا بينهم الأسباب الموجبة لانتشار الصفاء فيهم والأكدار، وأعطيناهم العقول تنبيهاً على ما يراد، وأرسلنا فيهم الرسل، وأنزلنا إليهم الكتب، بالتعريف بما يرضينا ويسخطنا، فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا الخلق كله باطلاً لا حكمة فيه أصلاً، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد منهما، والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم، والثالث باطل لأنه كان في حال العدم كذلك، فلم يبق للإيجاد مرجح، فتعين الوسط وهو النفع، وهو لا يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها، وتحمل ضر كثير لنفع غير لائق بالحكيم الكريم، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء. ولما كان هذا - وهو منابذة الحكمة - عظيماً جداً، عظمه بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد عن الصواب {ظن الذين كفروا} أي من أوقع هذا الظن في وقت ما، فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال والمجازاة بالثواب والعقاب، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق، فكان إقراره بأنه خالق كلا إقرار فكان كافراً به، ثم سبب عن هذا الظن قوله: {فويل} أي هلاك عظيم بسبب هذا الظن، وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {للذين كفروا} أي مطلقاً بهذا الظن وبغيره {من} أي مبتدأ من {النار *} أي الحكم عليهم بها. ولما كان التقدير: أفنحن نخلق ذلك باطلاً؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه حكمته ونحن منزهون عن العبث، عطف عليه قوله إنكاراً لما يلزم من ترك البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه، وذلك أشد من العبث وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء: {أم نجعل} أي على عظمتنا {الذين آمنوا} أي امتثالاً لأوامرنا {وعملوا} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات} من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات أم نجعل المصلحين في الأرض {كالمفسدين} أي المطبوعين على الفساد الراسخين فيه {في الأرض} أي بالكفر وغيره، والتسوية بينهم لا يشك عاقل في أنها سفه {أم نجعل} على ما لنا من العز والمنعة الذين اتقوا كالذين فجروا أم نصيّر {المتقين} أي الراسخين من المؤمنين في التقوى الموجبة للتوقف عن كل ما لم يدل عليه دليل {كالفجار *} أي الخارجين من غير توقف عن دائرة التقوى من هؤلاء الذين كفروا أو من غيرهم في أن كلاًّ من المذكورين يعيش على ما أدى إليه الحال في الدنيا، وفي الأغلب يكون عيش الطالح أرفع من عيش الصالح، ثم يموت ولا يكون شيء بعد ذلك، ولا شك أن المساواة بين المصلح والمفسد والمتقي والمارق لا يراها حكيم ولا غيره من سائر أنواع العقلاء فهو لا يفعلها سبحانه وإن كان له أن يفعل ذلك، فإنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك، وأنه مشير إلى احتباك آخر، فإنه ذكر {الذين أمنوا} أولاً دليلاً على {الذين أفسدوا} ثانياً، وذكر {المفسدين} ثانياً دليلاً {على المؤمنين} أولاً، وأفهم ذلك ذكر {الذين اتقوا} وأضدادهم وسر ما ذكر وما حذف أنه ذكر أدنى أسنان الإيمان تنبيهاً على شرفه وأنه سبب السعادة وإن كان على أدنى الوجوه وذكر أعلى أحوال الفساد، إشارة إلى أنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء وذكر أعلى أحوال التقوى إيماء إلى أنه لا يوصف بها ويستحق جزاءها إلا الراسخ فيها ترغيباً للمؤمن في أن يترقى إلى أوجها. ولما ثبت بما ذكر من أول السورة إلى هنا ما ذكر في هذا الذكر من البراهين التي لا يأباها إلا مدخول الفكر مخالط العقل، ثبت أنه ذو الذكر والشرف الأعظم فقال تعالى منبهاً على ذلك تنبيهاً على أنه القانون الذي يعرف به الصلاح ليتبع والفساد ليجتنب مخبراً على مبتدأ تقديره هو: {كتاب} أي له من العظمة ما لا يحاط به، ووصفه بقوله: {أنزلناه} أي بما من العظمة {إليك} وذلك من عظمته لأنك اعظم الخلق، ثم أخبر عن مبتدأ آخر مبين لما قبله على طريق الاستئناف فقال: {مبارك} أي دائم الخير كثير النفع ثابت كل ما فيه ثباتاً لا يزول أبداً ولا ينسخه كتاب ولا شيء. ولما ذكر ما له من العظمة إشارة وعبارة، ذكر غاية إنزاله المأمور بها فقال: {ليدبروا} بالفوقانية وتخفيف الدال بالخطاب في قراءة أبي جعفر مشرفاً للأمة بضمهم بالخطاب إلى حضرته الشماء صلى الله عليه وسلم، ولافتاً للقول في قراءة الجماعة بالغيب وتشديد الدال إلى من يحتاج إلى التنبيه على العلل، لما له من الشواغل الموقعة في الخلل، وأما هو صلى الله عليه وسلم ففي غاية الإتعام للنظر، والتدبر بأجلى الفكر، من حين الإنزال، لعلمه بعلة الإنزال بحيث إنه من شدة إتعابه لنفسه الشريفة بالتخفيف وضمن له تعالى جمعه وقرآنه {آياته} أي لينظروا في عواقب كل آية وما تؤدي إليه وتوصل إليه من المعاني الباطنة التي أشعر بها طول التأمل في الظاهر، فمن رضي بالاقتصار على حفظ حروفه كان كمن له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نتوج لا يستولدها، وكان جديراً بأن يضيع حدوده فيخسر خسراناً مبيناً. ولما كان كل أحد مأموراً بأن ينتبه بكل ما يرى ويسمع على ما وراءه ولم يكن في وسع كل أحد الوصول إلى النهاية في ذلك، قنع منهم بما دونها فأدغمت تاء التفعل في فاء الكلمة إشارة إلى ذلك كما تشير إليه قراءة أبي جعفر، وربما كانت قراءة الجماعة إشارة إلى الاجتهاد في فهم خفاياه - والله أعلم. ولما كان السياق للذكر، وأسند إلى خلاصة الخلق، وكان استحضار ما كان عند الإنسان وغفل عنه لا يشق لظهوره، أظهر التاء حثاً على بذل الجهد في إعمال الفكر والمداومة على ذلك فإنه يفضي بعد المقدمات الظنية إلى أمور يقينية قطعية إما محسوسة أولها شاهد في الحس فقال: {وليتذكر} أي بعد التدبر تذكراً عظيماً جلياً - بما أشار إليه الإظهار {أولوا الألباب *} أي كل ما أرشد إليه مما عرفه الله لهم في أنفسهم وفي الآفاق فإنهم يجدون ذلك معلوماً لهم بحس أو غيره في أنفسهم أو غيرها، لا يخرج شيء مما في القرآن عن النظر إلى شيء معلوم للإنسان لا نزاع له فيه أصلاً، ولكن الله تعالى يبديه لمن يشاء ويخفيه عمن يشاء {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} تفسير : [فصلت: 53] وأظهره يوم القيامة فإنه مركوز في طبع كل أحد أن الرئيس لا يدع من تحت يده بغير حساب أصلاً. ولما كان الإنسان وإن أطال التدبر وأقبل بكليته على التذكر لا بد له من نسيان وغفلة وذهول، ولما كان الممدوح إنما هو الرجاع "حديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" تفسير : وكان الله تعالى هو الملك الذي لا شريك له والمالك الذي له الملك كله فهو يرفع من يشاء ممن لا يخطر في وهم أن يرتفع، ويخفض من يشاء ممن علا في الملك حتى لا يقع في خاطر أنه يحصل له خلل ولا سيما إن كان على أعلى خلال الطاعة ليبين لكل ذي لب أن الفاعل لذلك هو الفاعل المختار، فلا يزال خيره مرجواً، وانتقامه مرهوباً مخشياً، قال تعالى: {ووهبنا} أي بما لنا من الحكمة والعظمة {لدواد سليمان} فجاء عديم النظير في ذلك الزمان ديناً ودنياً وعلماً وحكمة وحلماً وعظمة ورحمة، ولذلك نبه على أمثال هذه المعاني باستئناف الإخبار عما حرك النفس إلى السؤال عنها من إسناد الهبة إلى نون العظمة فقال: {نعم العبد} ولما كان السياق لسرعة الانتباه من الغفلات، والتفضي من الهفوات، والتوبة من الزلات، وبيان أن الابتلاء ليس منحصراً في العقوبات، بل قد يكون لرفعة الدرجات، وكان هذا بعيداً من العادات، علل مدحه مؤكداً له بقوله: {إنه أواب *} أي رجاع إلى الازدياد من الاجتهاد في المبالغة في الشكر والصبر على الضر كلما علا من مقام بالاستغفار منه وعده مع ما له من الكمال مما يرغب عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما خلقنا السماء والارض وما بينهما} من المخلوقات {باطلا} اى خلقا باطلا لا حكمة فيه بل ليكون مدارا للعلم والعمل ومذكرا للآخرة وما فيها من الحساب والجزاء فان الدنيا لا تخلو عن الصفو والكدر وكل منهما يفصح عما فى الآخرة من الراحة والخطر وايضا ليكون مرآة يشاهد فيها المؤمنون الذين ينظرون بنور الله شواهد صفات الجمال والجلال شعر : جهان مرآت حسن شاهد ماست فشاهد وجهه فى كل ذرات تفسير : {ذلك} اى كونه خلقا باطلا خاليا عن الغاية الجليلة والحكمة الباهرة {ظن الذين كفروا} اى مظنون كفار مكة فانهم وان كانوا مقرين بان الله هو الخالق لكن لما اعتقدوا بان الجزاء الذى هو علة خلق العالم باطل لزمهم ان يظنوا ان المعلول باطل ويعتقدوا ذلك {فويل} اى فاذا كان مظنونهم هذا فالهلاك كل الهلاك اى فشدة هلاك حاصل: وبالفارسية [بس واى] {للذين كفروا} خبر لويل {من النار} من تعليلية مفيدة لعلية النار لثبوت الويل لهم صريحا بعد الاشعار بعلية ما يؤدى اليها من ظنهم وكفرهم اى فويل لهم بسبب النار المرتبة على ظنهم وكفرهم فلا بد من رؤية الحق حقا والباطل باطلا وتدارك زاد اليوم اى يوم الجزاء ظاهرا وباطنا ليحصل الخلاص والنجاة والنعيم واللذات فى اعلى الدرجات

الجنابذي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} هذه من تتمّة خطاب داود (ع) فتكون الجملة حاليّة او استيناف خطابٍ لمحمّد (ص) كما يشعر به اخبارنا فتكون معطوفة بلحاظ المعنى كأنّه قال: ما فتنّا داود عبثاً انّما فتنّاه لنخلّصه من النّقص الّذى كان فيه وما خلقنا السّماء، او تكون حاليّة يعنى لخلق السّماء والارض غايات عديدة هى مشهودة ومعلومة لكم وهى توليد المواليد، ولتوليد المواليد ايضاً غايات عديدة هى ايضاً مشهودة ومعلومة لكم، وترجع جملتها الى انتفاع الانسان فى معاشه وليس حيٰوة الانسان حياته الدّانية غاية الغايات ونهاية النّهايات لفنائها وعدم بقائها، ولا يكون الفانى الدّاثر غايةً للدّائم الباقى فبقى ان يكون حياته الباقيه الدّائمة غاية الغايات ونهاية النّهايات حتّى لا يكون خلق الكلّ باطلاً، وعليهذا لا يكون المؤمن والمفسد ولا المتّقى والفاجر متساويين {ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او بالرّسالة او بالخلافة او بالآخرة {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} المراد بالمتّقين والفجّار هما المؤمنون والمفسدون كرّرهما بتغيير الوصفين تأكيداً وتصريحاً بانّ التّقوى لا تكون الاّ للمؤمن، والفجور ليس الاّ للمفسد، سئل الصّادق (ع) عن هذه الآية فقال: الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات امير المؤمنين (ع) واصحابه كالمفسدين فى الارض قال: حبتر وزريق واصحابهما، ام نجعل المتّقين كالفجّار حبتر وزلام واصحابهما.

الأعقم

تفسير : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} والباطل ما لا يكون فيه غرض صحيح {ذلك ظن الذين كفروا} أي خلقهما للعبث لا للحكمة {فويل للذين كفروا من النار} {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية {كتاب أنزلناه إليك} يعني القرآن {مبارك} لما فيه من منافع الدين والدنيا {ليدّبروا آياته} يعني ليفكروا فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله حفظوا حروفه وضيّعوا حدوده {وليتذكر أولوا الألباب} يعني أولوا العقول، ثم عطف على داوود حديث ابنه سليمان فقال سبحانه: {ووهبنا لداوود سليمان} أي أعطينا داوود سليمان {نعم العبد} كناية عن سليمان لأنه أقرب المذكورين، وقيل: كناية عن داوود {إنه أواب} الى طاعة الله سبحانه {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} الواقعات على ثلاث قوائم، وقيل: أن ترفع أحد يديها حتى تكون على طرف، وروي أن سليمان (عليه السلام) غزا أهل دمشق فأصاب ألف فرس، وقيل: ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة، وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يوماً بعدما صلى الأولى على كرسيه واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر وعن ورده ومن الذكر كان له وقت العشي وتهيبوه فلم يعلموه، واغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وبقي مائة، فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها، وقيل: لما عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"تفسير : ، وقال في زيد الخيل حين قدم عليه {فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} يعني أحببت حب الخيل، وقيل: أراد بالخير المال، عن ذكر ربي أي عن صلاة العصر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال أبو علي: كانت صلاة العصر لم تكن مفروضة فاشتغل عنها بالخيل، وقيل: كانت صلاة منذورة {حتى توارت بالحجاب}، قيل: توارت الشمس بالحجاب، يعني غربت {ردّوها علي} الهاء كناية عن الخيل عن أكثر المفسرين، وقيل: كناية عن الشمس يعني سأل الله أن يردها عليه فردت حتى صلى {فطفق مسحاً بالسوق والأعناق}، قيل: عقرها بالسيف، وقيل: جعل يمسح أعناق الخيل والأعقاب {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل ان شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فألقته على كرسيه بين يديه، فلو قال: ان شاء الله كان كما قال"تفسير : ، وكان الابتلاء لأجل الاستثناء، والجسد هو نصف الولد، وقيل: بل ولد له ولداً ميتاً بلا روح فألقي على سريره، وقيل: امتحنه بمرض شديد ومرض على كرسيه، وأما ما يرووا من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان قال جار الله: فالله أعلم بصحته، والذي ذكره في الحاكم في تفسير الطرسشس أن هذا من كلام الحسوتة ولا يجوز على سليمان ذلك {ثم أناب} أي رجع إلى الله.

اطفيش

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} خلقاً* {بَاطِلاً} لا حكمة فيه فهو مفعول مطلق أو ذوي باطل فهو حال من (نا) أي مبطلين أو هو مفعول لأجله مصدر على وزن اسم الفاعل أي لأجل الباطل الذي هو متابعة الهوى بل للحق. وقال ابن عباس: باطلاً لا لثواب ولا لعقاب* {ذَلِكَ} الذي هو البعيد عقلاً أو شرعاً الذي هو الخلق باطلاً* {ظَنَّ} مصدر بمعنى اسم مفعول أي مظنون* {الَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل مكة القائلين لا بعث ولا حساب* {فَوَيْلٌ} أي هلاك وعذاب أو واد فى جهنم أو نحو ذلك* {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ} أجاز بعض كون النار نعتاً لويل وكان لهم الويل بسبب ذلك الظن كما دلت عليه الفاء أم للاضراب الانتقالي والاستفهام الانكاري

اطفيش

تفسير : {ومَا خَلقْنا السَّماء والأرْض وما بيْنهما باطِلاً} عبثاً ولهواً {ذلك} أى خلق ما ذكر، وهو خلق السماء والأرض، لا لشىء {ظنُّ الَّذينَ كفرُوا} من أهل مكة الذين كانوا يعبدون الأصنام {فَويلٌ} هو وادٍ فى جهنم أعد لمن لم يؤمن بالرسل {للَّذين كَفرُوا من النار} عذاب شديد.

الالوسي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } أي خلقاً باطلاً فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق نحو كل هنيئاً أي أكلاً هنيئاً، والباطل ما لا حكمة فيه، وجوز كونه حالاً من فاعل {خَلَقْنَا } بتقدير مضاف/ أي ذوي باطل، والباطل اللعب والعبث أي ما خلقنا ذلك مبطلين لاعبين كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ }تفسير : [الدخان: 38] وجوز كونه حالاً من المفعول أيضاً بنحو هذا التأويل. وأياً ما كان فالكلام مستأنف مقرر لما قبله من أمر المعاد والحساب فإن خلق السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات مشتملاً على الحكم الباهرة والأسرار البالغة والفوائد الجمة أقوى دليل على عظم القدرة وأنه لا يتعاصاها أمر المعاد والحساب فإن خلق ذلك كذلك مؤذن بأنه عز وجل لا يترك الناس إذا ماتوا سدى بل يعيدهم ويحاسبهم ولعله الأولى. وجوز كون الجملة في موضع الحال في فاعل {أية : نَسُواْ }تفسير : [ص: 26] جىء بها لتفظيع أمر النسيان كأنه قيل: بما نسوا يوم الحساب مع وجود ما يؤذن به وهو كما ترى، وجوز كون {بَـٰطِلاً } مفعولاً له ويفسر بخلاف الحق ويراد به متابعة الهوى كأنه قيل: ما خلقنا هذا العالم للباطل الذي هو متابعة الهوى بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] ولا يخفى بعده، وعليه تكون الجملة مستأنفة لتقرير أمر النهي عن اتباع الهوى، وقيل: تكون عطفاً على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: لا تتبع الهوى لأنه يكون سبباً لضلالك ولأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل متابعة الهوى بل خلقه للتوحيد والتمسك بالشرع فلا تغفل. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما نفى من خلق ما ذكر باطلاً {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي مظنونهم ليصح الحمل أو يقدر مضاف أي ظن ذلك ظن الذين كفروا فإن إنكارهم المعاد والجزاء قول بأن خلق ما ذكر خال عن الحكمة وإنما هو عبث ولذا قال سبحانه: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ }تفسير : [المؤمنون: 115] أو فإن إنكارهم ذلك قول بنفي عظم القدرة وهو قول بنفي دليله وهو خلق ما ذكر مشتملاً على الحكم الباهرة والإسرار، وهذا بناءً على الوجه الأول في بيان التقرير وهو كما ترى. {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } مبتدأ وخبر والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل كما أن وضع الموصول موضع ضميرهم لإشعار ما في حيز الصلة بعلية كفرهم له، ولا تنافي بينهما لأن ظنهم من باب كفرهم فيتأكد أمر التعليل، و {مِنْ } في قوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّارِ } ابتدائية أو بيانية أو تعليلية كما في قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ }تفسير : [البقرة: 79] ونظائره وتفيد على هذا علية النار لثبوت الويل لهم صريحاً بعد الإشعار بعلية ما يؤدي إليها من ظنهم وكفرهم أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم، قيل والكلام عليه على تقدير مضاف أي من دخول النار.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى في خطاب داود ذكرُ نسيان يوم الحساب وكان أقصى غايات ذلك النسيان جحودُ وقوعه لأنه يفضي إلى عدم مراعاته ومراقبته أبداً اعتُرِض بين القصتين بثلاث آيات لبيان حكمة الله تعالى في جعل الجزاء ويومه احتجاجاً على منكريه من المشركين. والباطل: ضد الحق، فكل ما كان غير حقّ فهو الباطل، ولذلك قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : ما خلقناهما إلا بالحق}تفسير : [الدخان: 39]. والمراد بالحقّ المأخوذِ من نفي الباطل هنا، هو أن تلك المخلوقات خلقت على حالة لا تخرج عن الحق؛ إمّا حَالاً كخلق الملائكة والرسل والصالحين، وإمّا في المآل كخلق الشياطين والمفسدين لأن إقامة الجزاء عليهم من بعد استدراك لمقتضى الحق. وقد بنيت هذه الحجة على الاستدلال بأحوال المشاهدات وهي أحوال السماوات والأرض وما بينهما، والمشركون يعلمون أن الله هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، فأقيم الدليل على أساس مقدمة لا نزاع فيها، وهي أن الله خلق ذلك وأنهم إذا تأملوا أدنى تأمل وجدوا من نظام هذه العوالم دلالةً تحصل بأدنى نظر على أنه نظام على غاية الإِحكام إحكاماً مطرداً، وهو ما نبههم الله إليه بقوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}. ومصب النفي الحالُ وهو قوله: {باطِلاً} فهو عام لوقوعه في سياق النفي، وبعد النظر يعلم الناظر أن خالقها حكيم عادل وأن تصرفات الفاعل يستدل بالظاهرِ منها على الخَفي، فكان حقاً على الذين اعتادوا بتحكيم المشاهدات وعدم تجاوزها أن ينظروا بقياس من خفي عنهم على ما هو مشاهد لهم، فلما استقرّ أن نظام السماء والأرض وما بينهما كان جارياً على مقتضى الحكمة وكامل النظام، فعليهم أن يتدبّروا فيما خفي عنهم من وقوع البعث والجزاء فإن جميع ما في الأرض جارٍ على نظام بديع إلا أعمال الإِنسان، فمن المعلوم بالمشاهدة أن من الناس صالحين نافعين، ومنهم دون ذلك إلى صنف المجرمين المفسدين، وإن من الصالحين كثيراً لم ينالوا من حظوظ الخيرات الدنيوية شيئاً أو إلاّ شيئاً قليلاً هو أقلّ مما يستحقه صلاحه وما جاهده من الارتقاء بنفسه إلى معارج الكمال. ومن المفسدين من هم بعكس ذلك. والفساد: اختلال اجتلبه الإِنسان إلى نفسه باتِّباعه شهواته باختياره الذي أودعه الله فيه، وبقواه الباطنية قال تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [التين: 4 - 6] وفي هذه المراتب يدنو الناس دُنُوّاً متدرّجاً إلى مراتب الملائكة أو دُنُوًّا متدلِّياً إلى أحضية الشياطين فكانت الحكمة الإِلٰهية تقتضي أن يلتحق كل فريق بأشباهه في النعيم الأبدي أو الجحيم السرمدي. ولولا أن حكمة نظام خلق العوالم اقتضت أن يُـحال بين العوالم الزائلة والعوالم السرمدية في المدة المقدرة لبقاء هذه الأخيرة لأطار الله الصالحين إلى أوج النعيم الخالد، ولَدَسّ المجرمين في دركات السعير المؤبد، لعلل كثيرة اقتضت ذلك جُماعها رْعيُ الإِبقاء على خصائص المخلوقات حتى تؤدي وظائفها التي خلقت لها، وهي خصائص قد تتعارض فلو أوثر بعضها على غيره بالإِبقاء لأفضى إلى زوال الآخر، فمكّن الله كل نوع وكل صنف من الكدَح لنوال ملائمه وأرشد الجميع إلى الخير وأمر ونهى وبيّن وحدد. وجعل لهم من بعد هذا العالم الزائل عالَماً خالداً يكون فيه وجود الأصناف محوطاً بما تستحقه كمالاتُها وأضدادُها من حُسْن أو سوء، ولو لم يجعل الله العالمَ الأبدي لذهب صلاح الصالحين باطلاً أجهدوا فيه أنفسهم وأضاعوا في تحصيله جمّاً غفيراً من لذائذهم الزائلة دون مقابل، ولعاد فساد المفسدين غُنما أرضَوْا به أهواءَهم ونالوا به مشتهاهم فذهب ما جَرُّوه على الناس من أرزاء باطلاً، فلا جرم لو لم يكن الجزاء الأبدي لعاد خلق الأرض باطلاً ولفاز الغويّ بغوايته. فإذا استقرت هذه المقدمة تعين أن إنكار البعث والجزاء يلزمه أن يكون منكرُه قائلاً بأن خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من الباطل، وقد دلّت الدلائل الأخرى أن لا يكون في خلق ذلك شيء من الباطل بقياس الخفي على الظاهر، فبطل ما يفضي إلى القول بأن في خلق بعض ما ذكر شيء من الباطل. والمشركون وإن لم يصدر منهم ذلك ولا اعتقدوه لكنهم آيلون إلى لزومه لهم بطريق دلالة الالتزام لأن من أنكر البعث والجزاء فقد تقلد أن ما هو جارٍ في أحوال الناس باطل، والناس من خلق الله فباطلهم إذا لم يؤاخِذهم خالقهم عليه يكون مما أقرّه خالقهم، فيكون في خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من الباطل، فتنتقض كلية قوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}، وهو ما ألزمهم إياه قوله تعالى: {ذٰلِكَ ظنُّ الذين كفروا}. والإِشارة إلى القضية المنفية لا إلى نفيها، أي خَلق المذكورات باطلاً هو ظن الذين كفروا، أي اعتقادهم. وأُطلق الظن على العلم لأن ظنهم علم مخالف للواقع فهو باسم الظن أجدر لأن إطلاق الظن يقع عليه أنواع من العلم المُشْبِه والباطل. وفي هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولاً، وأن لازم المذهب مذهب وهو الذي نحاه فقهاء المالكية في موجبات الردة من أقوال وأفعال. وفرع على هذا الاستدلال وعدمِ جري المشركين على مقتضاه قوله: {فويلٌ للذين كفروا مِنَ النَّارِ} أي نار جهنم. وعُبر عنهم بالموصول لما تشير إليه الصلة من أنهم استحقوا العقاب على سوء اعتقادهم وسوء أعمالهم، وأن ذلك أيضاً من آثار انتفاء الباطل عن خلق السماوات والأرض وما بينهما، لأنهم كانوا على باطل في إعراضهم عن الاستدلال بنظام السماوات والأرض، وفي ارتكابهم مفاسد عوائد الشرك وملته، وقد تمتّعوا بالحياة الدنيا أكثر مما تمتع بها الصالحون فلا جرم استحقوا جزاء أعمالهم. ولفظ: «وَيل» يدل على أشدّ السوء. وكلمة: وَيْلٌ له، تقال للتعجيب من شدة سوء حالة المتحدث عنه، وهي هنا كناية عن شدة عذابهم في النار. و {من} ابتدائية كما في قوله تعالى: {أية : فويل لهم مما كتبت أيديهم}تفسير : [البقرة: 79]، «حديث : وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن الزبير حين شرب دم حِجامته: ويل لك من الناس وويل للناس منك».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الحجر: 85] وفي آخر سورة قد أفلح المؤمنون. في الكلام على قوله: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} تفسير : [المؤمنون: 115] الآية. قوله تعالى: {ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}. الإشارة في قوله ذلك راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، ذلك أي خلقنا السماوات والأرض باطلاً هو ظن الذين كفروا بنا، والنفي في قوله ما خلقنا، منصب على الحال لا على عاملها الذي هو خلقنا، لأن المنفي بأداة النفي التي هي ما: ليس خلقه للسماوات والأرض، بل هو ثابت، وإنما المنفي بها، هو كونه باطلاً، فهي حال شبه العمدة وليست فضلة صريحة، لأن النفي منصب عليها هي خاصة، والكلام لا يصح دونها. والكلام في هذا معلوم في محله، ونفي كون خلقه تعالى للسماوات والأرض باطلاً نزه عنه نفسه ونزهه عنه عباده الصالحون، لأنه لا يليق بكماله وجلاله تعالى. أما تنزيهه نفسه عنه ففي قوله تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115] ثم نزه نفسه، عن كونه خلقهم عبثاً، بقوله تعالى: {أية : فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 116] أي تعالى وتقدس وتنزه عن كونه خلقهم عبثاً. وأما تنزيه عباده الصالحين له عن ذلك، ففي قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} تفسير : [آل عمران: 190ـ191] فقوله تعالى عنهم سبحانك أي تنزيهاً لك، عن أن تكون خلقت السماوات والأرض باطلاً. فقولهم سبحانك تنزيه له، كما نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى: {أية : فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [المؤمنون: 116] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّار} يدل على أن من ظن بالله ما لا يليق به جل وعلا، فله النار. وقد بين تعالى في موضع آخر أن من ظن بالله ما لا يليق به أرداه وجعله من الخاسرين، وجعل النار مثواه. وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} تفسير : [فصلت: 22ـ23ـ24] الآية. وقولنا في أول هذا المبحث الإشارة في قوله ذلك راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9]، وبينا هناك أن الفعل نوعان، أحدهما الفعل الحقيقي، والثاني الفعل الصناعي، أما الفعل الحقيقي، فهو الحدث المتجدد المعروف عند النحويين بالمصدر. وأما الفعل الصناعي، فهو المعروف في صناعة علم النحو بالفعل الماضي، والفعل المضارع، وفعل الأمر على القول بأنه مستقل عن المضارع. ومعلوم أن الفعل الصناعي ينحل عند النحويين، عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن تفسير : وعند جماعات من البلاغيين، أنه ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة، وهو الأقرب، كما حرره بعض علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية، وبذلك تعلم أنه لا خلاف بينهم في أن المصدر، والزمن كامنان في الفعل الصناعي فيصح رجوع الإشارة والضمير إلى كل من المصدر والزمن الكامنين في الفعل الصناعي. فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن في الفعل، قوله هنا {ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، فإن المصدر الذي هو الخلق، كامن في الفعل الصناعي، الذي هو الفعل الماضي في قوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِك} أي خلق السماوات المذكور الكامن في مفهوم خلقنا ظن الذين كفروا. ومثال رجوع الإشارة إلى الزمن الكامن في مفهوم الفعل الصناعي، قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ} تفسير : [ق: 20] أي ذلك الزمن الكامن في الفعل هو يوم الوعيد. ومثال رجوع الضمير للمصدر الكامن في مفهوم الفعل قوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8] فقوله: هو، أي العدل الكامن في مفهوم اعدلوا، كما تقدم إيضاحه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 27- وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما عبثاً، ذلك ما يظنه الكافرون، فأجروا الأحكام على أهوائهم، فعذاب شديد للذين كفروا من النار. 28- أيليق بحكمتنا وعدلنا أن نسوِّى بين المؤمنين الصالحين وبين المفسدين فى الأرض؟، أم يليق أن نسوِّى بين من خاف عذابنا واتقى عقابنا وبين المتمردين على أحكامنا؟. 29- هذا المُنَزَّل عليك - يا محمد - كتاب أنزلناه كثير النفع، ليتعمقوا فى فهم آياته، وليتعظ به أصحاب العقول الصحيحة والبصائرة النَّيِّرة. 30- ووهبنا لداود سليمان المستحق للثناء، الخليق أن يُقال فيه: نعم العبد، لأنه رجَّاع إلى الله فى كل أحواله. 31- واذكر من أخبار سليمان أنه عرض عليه بعد الظهر الخيل الأصيلة التى تسكن حين وقوفها وتسرع حين سيرها. 32- فقال سليمان: إنى أشربت حب الخيل - لأنها عدة الخير وهو الجهاد فى سبيل الله - حبا ناشئاً عن ذكر ربى، وما زال مشغولا بعرضها حتى غابت الشمس عن ناظريه. 33- أمر بردها عليه ليتعرف أحوالها، فأخذ يمسح سوقها وأعناقها ترفقاً بها وحباً لها.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَاطِلاً} (27) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لِلْعَبَثِ وَاللَّهْوِ والتَّسْلِيَةِ، وَإِنَّمَا خَلَقَهَا بِالحَقِّ وَقَائِمَةً عَلَى الحَقِّ، لِلْعَمَلِ فِيهَا بِأَمْرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللهُ عِبَادَهُ عَنْهُ، وَإِنَّهُ تَعَالَى لَنْ يَتْرُكَ الخَلْقَ سُدىً، بَلْ إِنَّهُ سَيَبْعَثُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَرَّةً أُخْرَى لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يَلقَى كُلُّ وَاحِدٍ جَزَاءَهُ حَسْبَ عَمَلِهِ. والذِينَ كَفَرُوا ظَنُّوا أَنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ عَبَثاً وَبَاطِلاً، وَلَمْ يُدْرِكُوا الحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ الخَلْقَ إِنَّمَا وُجِدَ لِيَكُونَ دَلِيلاً عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى الذِي خَلَقَهُ، وَبُرْهَاناً عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ فَالوَيْلُ والهَلاَكُ لِلكَافِرِينَ مِنَ النَّارِ، التِي سَيُعَذِّبُهُم اللهُ فِيهَا، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَسُوءِ أَعْمَالِهِمْ. بَاطِلاً - عََبَثاً وَلَهْواً وَلَعِباً. فَوَيلٌ - فَهَلاَكٌ وَخِزيٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، بل خلقناهما بالحق، لذلك تجدها ثابتة لا تتغير، كما قال سبحانه: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] ولو كان هذا الخَلْق على غير ذلك لحدثَ صدام في كل دقيقة وفي كل لحظة بين هذه الأجرام والأفلاك. ومعنى {ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [ص: 27] أي: أنهم يظنون أنها خُلِقَتْ باطلاً، ذلك ظَنُّهم وهو مجرد ظن، ولو جاء الخَلْق كما يظنون ما كان خَلْقاً، لأن الخَلْق لا بُدَّ أن يكون له غاية عند الخالق قبل أنْ يخلق، كما قلنا أن الذي اخترع الغسالة أو الثلاجة قبل أنْ يخلقها حدَّدَ لها مهمتها، لا أنه خلقها. وقال: انظروا فيما تصلح هذه الآلة. فالذي صنع هو الذي يحدد الغاية، وهو الذي يضع قانون الصيانة لصناعته. لذلك نقول: إن ضلالَ العالم كله ناشئ من أنهم يريدون أنْ يقننوا بأنفسهم غاية ما صنع الله، ويريدون أنْ يضعوا لخَلْق الله قانون صيانته، وأنْ يتجاهلوا ما وضع الله، لا رد الأمر إلى صاحبه كما تفعل في أمور الدنيا، فكل صانع أعلم بما يُصلح صَنْعته. ثم يأتي هذا التهديد: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} [ص: 27] كثيراً ما يُهدِّد الخالق سبحانه خَلْقه بالنار، ويتوعَّدهم بالعذاب، والبعض يرى في ذلك لوناً من القسوة، والحقيقة أنها لَوْنٌ من ألوان الرحمة لا القسوة، فمن رحمة الله بنا أنْ يعظم الذنب، وأنْ يُظهر العقوبة، ومن رحمته بنا أنْ يضعَ الجزاء قبل أنْ يقع الذنْب؛ لأنك حين تستحضر الجزاء ترتدع ولا تفعل. إذن: التهديد والوعيد لحكمة.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى إنكار المشركين للقرآن والرسالة والحشر والنشر، وأعقبها بذكر قصة داود تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، ذكر هنا بعض البراهين على البعث والنشور، ثم بيَّن الحكمة من نزول القرآن، ثم تابع الحديث عن قصة سليمان بن داود تتميماً وتكميلاً للهدف السامي من ذكر قصص القرآن. اللغَة: {ٱلأَلْبَابِ} العقول واحدها لبٌّ، ولبُّ الشيء صفوته وخلاصته ولذلك سُمي العقل لُبّاً {ٱلصَّافِنَاتُ} الخيول الواقفة على ثلاثة قوائم وطرف حافر الرابعة جمع صافن قال الفراء: الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها قال الشاعر: شعر : تركنا الخيل عاكفةً عليه مُقلدة أعنَّتها صُفونا تفسير : {ٱلْجِيَادُ} السِّراع السَّوابق في العدو قال المبرد: الجياد جمع جواد وهو الشديد الجري كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل {تَوَارَتْ} اختفت {رُخَآءً} لينة أو منقادة حيث أراد {ٱلأَصْفَادِ} سلاسل الحديد والأغلال واحدها صفد وفي الحديث: "حديث : صُفدت الشياطين"تفسير : أي ربطت بالسلاسل قال الشاعر: شعر : فآبوا بالنِّهاب وبالسبايا وأُبنا بالمُلوك مصفَّدينا تفسير : {ضِغْثاً} الضغث: حزمة من الحشيش أو غيره مختلطة الرطب باليابس، وأصله: الشيء المختلط ومنه "أضغاث أحلام" للرؤيا المختلطة. التفسِير: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} أي ما خلقنا هذا الكون البديع بما فيه من المخلوقات العجيبة عبثاً وسُدى {ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي خلق ما ذكر لا لحكمة هو ظنُّ الكفار الفجار الذين لا يؤمنون بالبعث والنشور {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} أي فويلٌ للكفار من عذاب النار، ثم وبخهم تعالى على هذا الظنِّ السيء فقال {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ}؟ أي هل نجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين؟ {أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} أي أم نجعل الأخيار الأبرار كالأشرار الفجار؟ والغرض: أنه لا يتساوى في حكمته تعالى المحسن مع المسيء، ولا البرُّ مع الفاجر، ففي الآية استدلال على الحشر والجزاء، وفيها أيضاً وعدٌ ووعيد قال ابن كثير: بيَّن تعالى أنه ليس من عدله وحكمته أن يساوي بين المؤمنين والكافرين، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدَّ من جزاء يُثاب فيها المطيع، ويعاقب فيها الفاجر، وقد دلت العقول السليمة على أنه لا بدَّ من جزاء ومعاد، فإِنا نرى الظالم الباغي يزداد مالُه وولدُه ونعيمُه ويموت دون عقاب، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بدَّ في حكمه الحكيم العليم إنصاف هذا من هذا، وإِذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعيَّن أن هناك داراً أُخرى لهذا الجزاء والمواساة وهي الدار الآخرة.. ثم بيَّن تعالى الغاية من نزول القرآن وهي العمل والتفكر فقال {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} أي هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك يا محمد كتابٌ عظيم جليل، كثير الخيرات والمنافع الدينية والدنيوية {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} أي أنزلناه ليتدبروا آياته ويتفكروا بما فيها من الأسرار العجيبة، والحكم الجليلة {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة قال الحسن البصري: واللهِ ما تدبُّره بحفظ حروفه وإِضاعة حدوده، حتى إنَّ أحدهم ليقول: واللهِ لقد قرأتُ القرآن فما أسقطتُ منه حرفاً، وقد أسقطه واللهِ كلَّه، ما يُرى للقرآن عليه أثرٌ في خُلُق ولا عمل.. اللهم اجعلنا ممن قرأه وتدبَّره وعمل بما فيه {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} شروعٌ في بيان قصة سليمان بن داود عليهما السلام أي رزقنا عبدنا داود بالولد الصالح المسمَّى سليمان وأعطيناه النبوة قال المفسرون: المراد بالهبة هنا هبة النبوة كما قال تعالى {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}تفسير : [النمل: 16] أي في النبوة، وإلا فقد كان له أولاد كثيرون غيره {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي نعم العبدُ سليمان فإِنه كان كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإِنابة {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} أي اذكر حين عُرض على سليمان عشية يوم من الأيام - أي بعد العصر - الخيل الواقفة على طرف الحافر، السريعة الجري قال الرازي: وُصفت تلك الخيل بوصفين: الأول: الصفون وهو صفة دالة على فضيلة الفرس، والثاني: الجياد وهي الشديدة الجري، والمراد وصفها بالفضيلة والكمال في حالي الوقوف والحركة، فإِذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإِذا جرت كانت سراعاً في جريها {فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} أي آثرت حبَّ الخيل حتى شغلتني عن ذكر الله قال المفسرون: عُرضت عليه آلاف من الخيل تركها له أبوه، فأُجريت بين يديه عشياً فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها عن ذكرٍ له حتى غابت الشمس {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} أي حتى غابت الشمس واختفت عن الأنظار {رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي قال سليمان ردُّوا هذه الخيل عليَّ {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} أي فشرع يذبحها ويقطع أرجلها تقرباً إلى الله، لتكون طعاماً للفقراء لأنها شغلته عن ذكر الله قال الحسن: لما رُدَّت عليه قال: لا والله لا تشغليني عن طاعة ربي ثم أمر بها فعقرت وكذلك قال السدي، وأما قول من قال: إنها شغلته عن صلاة العصر حتى غابت الشمس فضعيف، لأنه لا يتصور من نبيٍ أن يترك صلاة العصر من أجل اشتغاله بالدنيا، والنصُّ صريح {عَن ذِكْرِ رَبِّي} {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} هذه إشارة إلى ابتلاء آخر لسليمان ابتلي به، ثم تاب وأناب من تلك الهفوة والزلة، ولعلَّ هذه الفتنة ما روي في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال سليمان: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة، كلُّ واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ـ ولم يقل: إن شاء الله ـ فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده: لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون"تفسير : قال ابن كثير: "وقد أورد بعضُ المفسرين آثاراً كثيرة عن جماعةٍ من السلف، وأكثرها أوكلُّها متلقاة من الإِسرائيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة" واختار الإِمام الفخر أن الفتنة المذكورة في الآية الكريمة يقصد بها فتنته في جسده، حيث إن سليمان ابتلي بمرضٍ شديد نحل منه وضعف، حتى صار لشدة المرض كأنه جسد ملقى على كرسي، قال والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم، وجسم بلا روح، ثم أناب أي رجع إلى حالة الصحة {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} أي اغفر لي ما صدر مني وأعطني ملكاً واسعاً لا يكون لأحدٍ غيري ليكون دلالة على نبوتي {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} أي واسع الفضل كثير العطاء {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ} أي فذللنا الريح لطاعته إجابةً لدعوته {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} أي تسير بأمره لينةً طيبة حيث قصد وأراد {وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} أي وسخرنا له الشياطين كذلك تعمل بأمره، منهم من يستخدمه لبناء الأبنية الهائلة العجيبة، ومنهم من يغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} أي وآخرين من الشياطين - وهم المردة - موثوقون في الأغلال، مربوطون بالقيود والسلاسل لكفرهم وتمردهم عن طاعة سليمان {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي وقلنا له: هذا عطاؤنا الواسع لك، فأعطِ من شئت وامنعْ من شئت، لا حساب عليك في ذلك، لأنك مطلق اليد فيما وهب الله لك الواسع لك من سلطة ومن نعمة {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ} أي وإِنّ له عندنا لمكانة رفيعة في الدنيا، وحسن مرجع في الآخرة {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة، والإِضافة للتشريف أي اذكر يا محمد عبدنا الصالح أيوب عليه السلام، الذي ابتلي بأنواع البلاء فصبر. {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي حين نادى ربه متضرعاً إليه قائلاً إني مسني الشيطان بتعبٍ ومشقة، وألمٍ شديد في بدني قال المفسريون: وإِنما نسبَ ذلك إلى الشيطان تأدباً مع الله تعالى، وإنْ كانت الأشياء كلها خيرها وشرها من الله تعالى، وكان أيوب قد أُصيب في ماله وأهله وبدنه، وبقي في البلاء ثمان عشرة سنة، وقد تقدمت قصته {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} أي وقلنا له اضرب برجلك الأرض فضربها فنبعت له عين ماءٍ صافية {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أي وقلنا له هذا ماءٌ تغتسل به، وشراب تشرب منه، فاغتسل منها فذهب ما كان بظاهر جسده، وشرب منها فذهب كل مرضٍ كان داخل جسده قال أبو حيان: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ} أي ما يُغتسل به {وَشَرَابٌ} أي ما يشرب منه، فباغتسالك يبرأ ظاهرك، وبشربك يبرأ باطنك، والجمهور على أنه نبعت له عينان، شرب من إحداهما واغتسل من الأُخرى فشفي {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أي أحيا الله من مات من أولاده ورزقه مثلهم قال الرازي: الأقرب أن الله تعالى متعه بصحته وبماله وقوَّاه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك وعن الحسن أنه أحياهم بعد أن هلكوا وقال أبو حيان: الجمهور على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع عليه من شتت منهم {رَحْمَةً مِّنَّا} أي رحمةً منَّا به لصبره وإِخلاصه {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي وعبرة لذوي العقول المستنيرة قال ابن كثير: أي وذكرى لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} أي وقلنا له خذْ بيدك حزمة من القضبان الرفيعة فاضرب بها زوجتك لتبرَّ بيمينك ولا تحنث قال المفسرون: كان أيوب قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوطٍ إذا برىء من مرضه، وسبب ذلك أنها كانت تخدمه في حالة مرضه، فلما اشتد به البلاء وطالت به المدة وسوس إليها الشيطان: إلى متى تصبرين؟ فجاءت إلى أيوب وفي نفسها الضجر فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ فغضب من هذا الكلام وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ حزمةً من قضبانٍ خفيفة فيها مئة عود ويضربها بها ضربة واحدةً ويبرَّ في يمينه، ورحمةً من الله به وبزوجه التي قامت على رعايته، وصبرت على بلائه، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولهذا قال تعالى {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} أي ابتليناه فوجدناه صابراً على الضراء {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي نعم العبد أيوب إنه كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإِنابة والعبادة {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} أي اذكر يا محمد هؤلاء الأنبياء الأخيار وتأسَّ بهم، الذين جمعوا بين القوة في العبادة، والبصائر في الدين قال الطبري: أي أهل القوة في عبادة الله، وأهل العقول المبصرة {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} أي خصصناهم بخصلةٍ خالصة عظيمة الشأن، هي عدم التفاتهم إلى الدنيا وتذكرهم للدار الباقية قال مجاهد: جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم همٌّ غيرها {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} أي وهم عندنا المختارون المجتبون على سائر الناس لأنهم أخيار أبرار {وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} أي واذكر يا محمد هؤلاء الرسل أيضاً وكلٌّ من خيرة الله فاقتد بهم في الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله {هَـٰذَا ذِكْرٌ} أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من سيرة الرسل الكرام ذكرٌ جميلٌ لهم في الدنيا، وشرفٌ يذكرون به أبداً {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي وإِن لكل متقٍ لله مطيع لرسله لحسن مرجع ومنقلب، ثم فسره بقوله {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} أي جنات إقامة في دار الخلد والنعيم قد فتحت لهم أبوابها انتظاراً لقدومهم قال الرازي: إن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا المؤمنين فتحوا لهم أبوابها، وحيوهم بالسلام، فيدخلون كذلك محفوفين بالملائكة على أعزَّ حال، وأجمل هيئة {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} أي متكئين في الجنة على الأرائك وهي السرر الوثيرة {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} أي وهم متكئون على الأسرَّة يطلبون أنواع الفواكة، وألوان الشراب كعادة الملوك في الدنيا قال ابن كثير: أي مهما طلبوا وجدوا، ومن أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام قال الصاوي: والاقتصار على دعاء الفاكهة للإِيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي لأنه لا جوع في الجنة {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ} أي وعندهم الحور العين اللواتي لا ينظرن إلى غير أزواجهن أتراب أي في سنٍّ واحدة {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي هذا جزاؤكم الذي وعدتم به في الدنيا {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} أي هذا النعيم عطاؤنا لأهل الجنة لا زوال له ولا انقطاع ولا انتهاء أبداً قال في الظلال: يبدأ هذا المشهد بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع والأجزاء، وفي السِّمات والهيئات: منظر المتقين لهم {حُسْنَ مَآبٍ} ومنظر الطاغين لهم {شَرُّ مَآبٍ} فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحةً لهم الأبواب، ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب، وهنَّ مع شبابهن {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} لا يتطلعن ولا يمددن بأبصارهن، وكلهن شواب أتراب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [ص: 27]، يشير إلى أنا خلقناهما وما بينهما بالحق؛ ليكون مرآة يشاهد فيها المؤمنون الذين ينظرون بنور الله شواهد صفات جمالنا وجلالنا، مرآة {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]، وقالوا: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}تفسير : [آل عمران: 191]، فظن الذين كفروا أنا خلقناهما باطلاً، {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [ص: 27] بما ظنوا، {مِنَ ٱلنَّارِ} [ص: 27]؛ أي: من عذاب نار القطيعة والبعد. وبقوله: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} [ص: 28]، يشير إلى أن أهل الإيمان والعمل الصالح وأهل التقوى هم مظهر صفات لطفنا، والمفسدون والفجار هم مظهر صفات قهرنا، فلا تجعل كلتا الطائفتين كل واحدة منهما كالأخرى. وبقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} [ص: 29]، يشير إليه أنه مبارك على من يعمل به، {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} [ص: 29] بالفكر السليم، {وَلِيَتَذَكَّرَ} [ص: 29]؛ أي: وليتعظ به {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [ص: 29]؛ وهم الذين انسلخوا من حلل بشريتهم كما تنسلخ الحية في جلدها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السماوات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلا أي: عبثا ولعبا من غير فائدة ولا مصلحة. { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } بربهم، حيث ظنوا ما لا يليق بجلاله. { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } فإنها التي تأخذ الحق منهم، وتبلغ منهم كل مبلغ. وإنما خلق اللّه السماوات والأرض بالحق وللحق، فخلقهما ليعلم العباد كمال علمه وقدرته وسعة سلطانه، وأنه تعالى وحده المعبود، دون من لم يخلق مثقال ذرة من السماوات والأرض، وأن البعث حق، وسيفصل اللّه بين أهل الخير والشر. ولا يظن الجاهل بحكمة اللّه أن يسوي اللّه بينهما في حكمه، ولهذا قال: { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } هذا غير لائق بحكمتنا وحكمنا. { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ } فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق العالم منذ أنشأه اللّه. { لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود. { وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب.