٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخآءً } لينة {حَيْثُ أَصَابَ } أراد.
ابن عطية
تفسير : قرأ الحسن وأبو رجاء: "الرياح"، والجمهور على الإفراد. وسخر الله تعالى الريح لسليمان وكان له كرسي عظيم يقال يحمل أربعة آلاف فارس، ويقال أكثر، وفيه الشياطين وتظله الطير، وتأتي عليه الريح الإعصار فتقله من الأرض حتى يحصل في الهواء يتولاه الرخاء، وهي اللينة القوية المتشابهة لا تأتي فيها دفع مفرطة فتحمله غدوها شهر ورواحها شهر، و {حيث أصاب} حيث أراد، قاله وهب وغيره، وأنشد الثعلبي: [المتقارب] شعر : أصاب الكلام فلم يستطع فأخطى الجواب لدى المفصل تفسير : ويشبه أن {أصاب} معدى: صاب يصوب، أي حيث وجه جنوده وجعلهم يصوبون صوب السحاب والمطر. قال الزجاج معناه: قصد، وكذلك قولك للمتكلم أصبت: معناه قصدت الحق وقوله: {كل بناء} بدل من {الشياطين}، والمعنى: كل من بنى مصانعه للحروب. و {مقرنين} معناه: موثقين قد قرن بعضهم ببعض و {الأصفاد} القيود والأغلال. واختلف الناس في المشار إليه بقوله: {هذا عطاؤنا} فقال قتادة: أشار إلى ما فعله بالجن {فامنن} على من شئت منهم وأطلقه من وثاقه وسرحه من خدمته {أو أمسك} أمره كما تريد وقال ابن عباس: أشار إلى ما وهبه من النساء وأقدره عليه من جماعهن. وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما تتصرف بحكم الطاعة الله، وهذا أصح الأقوال (وأجمعها لتفسر الآية)، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَسَخَّرْنَا} ذللنا {رُخَآءً} طيبة، أو سريعة، أو لينة أو مطيعة، أو ليست بالعاصف المؤذية ولا بالعصيفة المعصرة "ح". {أَصَابَ} أراد بلسان هجر، أو حيثما قصد من إصابة السهم الغرض المقصود.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء} أي لينة ليست بعاصفة {حيث أصاب} أي حيث أراد {والشياطين} أي وسخرنا له الشياطين {كل بناء} أي يبنون له ما يشاء {وغواص} يعني يستخرجون له اللالىء من البحر وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر {وآخرين} أي وسخرنا له آخرين وهم مردة الشياطين {مقرنين في الأصفاد} أي مشدودين في القيود سخروا له حتى قرنهم في الأًصفاد {هذا عطاؤنا} أي قلنا له هذا عطاؤنا {فامنن} أي أحسن إلى من شئت {أو أمسك} أي عمن شئت {بغير حساب} أي لا حرج عليك فيما أعطيت ولا فيما أمسكت قال الحسن: ما أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان فإنه إن أعطى أجر وإن لم يعط لم تكن عليه تبعة وقيل هذا في أمر الشياطين يعني هؤلاء الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم فخل عنه وأمسك أي احبس من شئت منهم في العمل وقيل في الوثاق لا تبعة عليك فيما تتعاطاه {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} لما ذكر الله تعالى ما أنعم به عليه في الدنيا أتبعه بما أنعم به عليه في الآخرة. قوله عز وجل: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب} أي بمشقة {وعذاب} أي ضر وذلك في المال والجسد وقد تقدمت قصة أيوب {اركض} يعني أنه لما انقضت مدة ابتلائه قيل له اركض أي اضرب {برجلك} يعني الأرض ففعل فنبعت عين ماء عذب {هذا مغتسل بارد} أمره الله تعالى أن يغتسل منه ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فركض برجله الأرض مرة أخرى فنبعت عين ماء عذب أخرى فشرب منه فذهب كل داء كان في باطنه فذلك قوله عز وجل: {وشراب}.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ...} الآية، كَانَ لسليمانَ كُرْسِيٌّ فيه جنودُهُ، وتأتي عليه الريحُ الإعصارُ، فَتَنْقُلُهُ من الأرضِ حتى يَحْصُلَ في الهواء، ثم تتولاَّهُ الرُّخَاءُ؛ وهي اللَّيِّنَةُ القويَّةُ لا تَأْتِي فيها دُفْعٌ مُفْرِطَةٌ فَتَحْمِلُهُ؛ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، {حَيْثُ أَصَابَ}: معناه: حيثُ أراد؛ قاله وهْبٌ وغيره، قال * ع *: وَيُشْبِهُ أنَّ [أَصَابَ] مُعَدَّىٰ «صَابَ يَصُوبُ»، أي: حيث وَجَّه جنودَه، وقال الزَّجَّاج: معناه: قصدَ، قلت: وعليه اقْتَصَرَ أبو حيَّان؛ فإنه قال: أصاب: أي قَصَدَ؛ وأنْشَد الثعلبيُّ: [المتقارب] شعر : أَصَابَ الكَلاَمَ فَلَمْ يَسْتَطِع فَأَخْطَا ٱلْجَوَابَ لَدَى المَفْصِلِ تفسير : انتهى. وقوله: {كُلَّ بَنَّاءٍ} بَدَلٌ من {ٱلشَّيـٰطِينَ} و{مُقْرَّنِينَ} معناه: مُوثَقِينَ؛ قد قُرِنَ بعضُهم ببعضٍ، و{ٱلأَصْفَادِ} القيودُ والأغْلاَلُ، قال الحَسَنُ: والإشارةُ بقوله: {هَـٰذَا عَطَاؤُنَا...} الآية، إلى جميع ما أعطاهُ اللَّه سبحانه مِنَ الملكِ؛ وأمرَه بأن يَمُنَّ عَلى من يشاءُ ويُمْسِكُ عَمَّنْ يشاء، فكأنه وَقَفَهُ علَىٰ قَدْرِ النِّعمة، ثم أباح له التصرُّفَ فيه بمشيئته؛ وهذا أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية، وتقدَّمت قصة أَيُّوبَ في سورة الأنبياء. وقوله: {أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ...} الآية، النُّصْبُ: المَشَقَّةُ، فيحتمل أن يشيرَ إلى مسّه حين سلَّطَهُ اللَّه علَىٰ إهلاكِ مالِه وولدِه وجِسْمِه؛ حَسْبَما رُوِيَ في ذلك، وقِيلَ: أشار إلى مسِّه إياه في تعرُّضِه لأَهْلِه؛ وطلبهِ منْهَا أنْ تُشْرِكَ باللَّه؛ فكأَنَّ أَيُّوبَ تَشَكَّىٰ هذا الفَصْلَ، وكان عليه أشدَّ مِن مَرَضه، وهنا في الآية محذوفٌ تقديرُه: فاسْتَجَابَ له وقَال: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} فَرُوِيَ أَن أيوب رَكَضَ الأرض فَنَبَعَتْ له عينُ ماءٍ صافيةٌ باردةٌ؛ فشرِبَ منها، فذهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في دَاخِلِ جَسَدهِ، ثم اغْتَسَلَ فذهبَ ما كانَ في ظاهِر بَدَنِه، ورُوِيَ أن اللَّه تعالى وَهَبَ له أهلَه ومالَه في الدنيا، ورَدَّ من ماتَ منهم، وما هلكَ من ماشيته وحالِه، ثم باركَ له في جميعِ ذلك، ورُوِيَ أن هذا كلَّه وُعِدَ به في الآخِرَة، والأول أكْثَرُ في قول المفسِّرين. * ت *: وعن عبد اللَّه بن مسعود ـــ رضي اللَّه عنه ـــ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنُ: اللَّهُمَّ، إني عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ ٱسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ ٱسْتَأْثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إلاَّ أذْهَبَ اللَّهُ غَمَّه وَأبدَلَه مكَانَ حُزْنِهِ فَرَحَاً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَنْبَغي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟ قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ»تفسير : قال صاحب «السِّلاَح»: رواه الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ»، وابن حِبَّان في «صحيحه». * ت *: وروينَاهُ من طريقِ النوويِّ عنِ ابن السُّنِّيِّ بسندهِ عَنْ أبي موسى الأشْعَرِيِّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «حديث : أنا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابنُ أَمَتِكَ في قَبْضَتِكَ»تفسير : ، وفيه: «حديث : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إنَّ المَغْبُونَ لَمَنْ غُبِنَ هَؤُلاَءِ الكلماتِ، فَقَالَ: أَجَلْ، فَقُولُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ؛ مَنْ قَالَهُنَّ، ٱلْتِمَاسَ مَا فِيهِنَّ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَىٰ حُزْنَهُ وَأَطَالَ فَرَحَه»تفسير : انتهى. وقوله: {وَذِكْرَىٰ} معناه: موعِظَةٌ وتذكرةٌ يَعْتَبِرُ بها أُولُو العقولِ، وَيَتَأَسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشدائدِ، ولا يَيْئَسُونَ من رحمة اللَّه علَىٰ حال. ورُوِي أن أيُّوبَ ـــ عليه السلام ـــ كانت زوجَتُهُ مدَّةَ مَرَضِه تَخْتَلِفُ إلَيْه فيتلقَّاها الشيطانُ في صورة طَبِيبٍ، ومرةً في هيئة نَاصِح؛ وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سَجَدَ هذَا المريضُ للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبَرِىءَ، لَوْ ذَبَحَ عَنَاقاً للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبِرىءَ، ويَعْرِضُ عليها وجوهاً من الكفر، فكانَتْ هي ربَّما عرضت شَيْئاً من ذلك على أيوب، فيقولُ لها: لقيتِ عَدُوَّ اللَّهِ في طريقك، فلمَّا أغْضَبَتْهُ بهذا ونحوِهِ؛ حلَفَ عليها لَئِن برىء من مرضِه ليضربنَّها مائةَ سَوْطٍ، فلما بَرِىءَ؛ أَمَرَه اللَّه تعالى أن يأخُذَ ضِغْثاً فيه مائةُ قَضِيبٍ، «والضغثُ»: القبضةُ الكبيرةُ من القضبانِ ونحوِها مَنَ الشجرِ الرَّطْبِ؛ قاله الضَّحَّاكُ وأهلُ اللغة، فيضربُ بهِ ضربةً واحدةً، فَتَبَرُّ يمينُهُ؛ وهذا حكمٌ قد وَرَدَ في شرعِنا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم [مِثلُه في حدِّ الزنا لرجُلِ زَمِنٍ، فأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم] بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ شَمَارِيخُ مِائَةٌ أو نَحْوُهَا، فَضُرِبَ ضَرْبَةً، ذكر الحديثَ أبو داود، وقال بهذا بعضُ فقهاء الأمة، وَلَيْسَ يرى ذلك مالكُ بنَ أنس وأصحابه، وكذلك جمهورُ العلماء على ترك القول به، وأن الحدودَ والبِرَّ في الأيمانِ لا تقع إلا بتمام عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، وقرأ الجمهور «أولي الأيدي» يعني: أولي القوة في طاعةِ اللَّه؛ قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة: معناه: أولى الأيدي والنِّعَمِ الَّتي أسْدَاها اللَّهُ إليهم من النبوَّة والمكانةِ، {وَٱلأَبْصَـٰرِ} عبارةٌ عن البصائِر، أي: يُبْصرونَ الحقائِقَ وينظرونَ بنورِ اللَّهِ تعالى، وقرأ نافع وحده: «بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ»، على الإضافة، وقرأ الباقون «بِخَالِصَةٍ» على تنوينِ «خالِصَةٍ» فـ«ذِكْرَىٰ» على هذه القراءةِ بدلٌ من خالِصَةٍ فيحتملُ أنْ يكونَ معنى الآية: أنا أخلصناهم بأن خَلُصَ لهم التذكيرُ بالدارِ الآخرةِ ودعاءِ الناس إليها؛ وهذا قول قتادةَ، وقيل المعنى: أنا أخْلَصْنَاهم، بأنْ خَلُصَ لهم ذكرَهم للدارِ الآخرة وخوفُهم لها والعملُ بحسب ذلك؛ وهذا قول مجاهد، وقال ابن زيد: المعنى أنا وَهَبْنَاهُمْ أَفْضَلَ مَا في الدارِ الآخرةِ، وأخْلَصْناهم به، وأعطيناهم إياه، ويحتمل أن يريدَ بالدارِ دارَ الدنيا على معنى ذكر الثناءِ والتعظيمِ من الناس.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ} [الآية: 36]. قال ابن عطاء: لما طفق سليمان بالأفراس مسحًا بالسوق والأعناق لما فاته من الصلاة بالاشتغال بهن شكر الله له ذلك وأبدله فرسًا لا تحتاج إلى رائض ولا علف ولا يبول ولا يورث وهو الريح قال الله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ} لأن الفرس خلق من الريح على ما ذكر عن الشعبى لما غار سليمان على فوت أمر الله وهى الصلاة وأفنى الذى شغله عن ذكر الله عوّضه الله عليه ما هو أجلّ مما ترك فى جنب الله وهو تأديب بأن من شغله عن الله شىء فتركه وأقبل على ربه عوّضه الله عز وجل عليه ما هو خير وأبقى.
القشيري
تفسير : شكَرَ اللَّهُ سَعْيَه، وسَخَّرَ له الريحَ بَدَلاً من الأفراس؛ فلا يحتاج في إمساكها إلى العَلَفِ والمُؤَنِ.
البقلي
تفسير : كان عليه السّلام من فرط حبه جمال الحق يحب ان ينظر الى صنايعه وممالكه ساعة فساعة من المشرق الى المغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته فسخر الله له الريح الرخاء واجراها بمراده حيث اصاب وهذا جزاء صبه فى ترك حظوظ نفسه وفى اشارة الحقيقة سهل له هبوب رياح الشوق والمحبة فتسرى بروحه الى قرب مولاه اذا قصد بسره اليه قال محمد بن الفضل انظر الى ما اوتى سليمان من الملك الريح التى لا حاصل لها والشياطين التى هم اعداؤه ليعلم ان الركون الى الدنيا ركون الى ما لا حاصل له ومجاورة الاعداء.
اسماعيل حقي
تفسير : {فسخرنا له الريح} قال ابو عمرو انه ريح الصبا اى فذللناها لطاعة سليمان اى جعلناها مطيعة لا تخالفه اجابة لدعوته فعاد امره عليه السلام على ما كان عليه قبل الفتنة فيكون ذلك مسببا عن انابته: وبالفارسية [بس رام كردانيدم مر سليمان را باد تافرمان وى برد]. وفيه اشارة الى ان سليمان لما فعل بالصافنات الجياد ما فعل فى سبيل الله عوضه الله مركبا مثل الريح كان غدوها شهرا ورواحها شهرا كما فى التأويلات النجمية وقد سبق ايضا من كشف الاسرار. قال البقلى رحمه الله كان سليمان عليه السلام من فرط حبه جمال الحق يحب ان ينظر الى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من الشرق الى الغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته فسخر الله له الريح واجراها بمراده وهذا جزاء صبره فى ترك حظوظ نفسه {تجرى بامره} بيان لتسخيرها له {رخاء} حال من ضمير تجرى. والرخاء الريح اللينة من قولهم شىء رخو كما فى المفردات: وبالفارسية [نرم وخوش]. وفى الفتوحات المكية ان الهواء لا يسمى ريحا الا اذا تحرك وتموج فان اشتدت حركته كان زعزعا وان لم تشتد كان رخاء وهو ذو روح يعقل كسائر اجزاء العالم وهبوبه تسبيحه تجرى به الجوارى ويطفأ به السراج وتشتعل به النار وتتحرك المياه والاشجار ويموج البحر وتزلزل الارض ويزجى السحاب انتهى. والمعنى حال كون تلك الريح لينة طيبة لا تزعزع ولا تنافى بين كونها لينة الهبوب وبين قوله تعالى{أية : ولسليمان الريح عاصفة} تفسير : لان المراد ان تلك الريح ايضا فى قوة الرياح العاصفة الا انها لما جرت بامره عليه السلام كانت لينة رخاء او تسخر له كلا نسيميها {حيث اصاب} ظرف لتجرى او لسخرنا. واصاب بمعنى اراد لغة حميرا وهجر. وفى القاموس الاصابة القصد اى حيث قصد واراد من النواحى والاطراف. واعلم ان المراد بقوله بامره جريان الريح بمجرد امره من غير جمعية خاطر ولا همة قلب فهو الذى جعل الله من الملك الذى لا ينبغى لاحد من بعده لا مجرد التسخير فان الله تعالى سخر لنا ايضا ما فى السموات وما فى الارض وما بينهما لكن انما تفعل اجرام العالم لهمم النفوس اذا اقيمت فى مقام الجمعية فهذا التسخير عن امر الله لا عن امرنا كحال سليمان عليه السلام
الجنابذي
تفسير : {فَـ} اجبناه وأعطيناه ذلك و {سَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} ليّنة {حَيْثُ أَصَابَ} اى اراد اصابته.
اطفيش
تفسير : {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} وقرئ (الرياح) أي (ذللها لطاعته) اجابة له تنقله في كرسيه وجنوده من الأرض ثم {تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً} أي حال كونها لينة طيبة لا تزعزع ولا تدفع الدفع المفرط فتحمله غدوها شهراً ورواحها شهراً، وقيل مرخية له العنان لا تعصيه أو رخاء مصدر رخى أي رخاء {حَيْثُ أَصَابَ} أي حيث أراد وقصد. حكى الأصمعي: (أصاب الصواب فأخطأ الجواب) أو حيث صوب جنوده تقول صاب يصوب أي توجه يتوجه اصابه غيره أي وجهه {وَالشَّيَاطِينَ} عطف على الريح {كُلَّ بَنَّآءٍ} بدل من الشياطين بدل كل بحسب ما عطف عليه وهو (وآخرين) بناء مبالغة من بنى يبني والمراد سخرنا جميع البانين يبنون له كل ما أراد من البنيان العجيب* {وَغَوَّاصٍ} يدخل البحر ليستخرج اللؤلؤ وهو أول من استخرجه منه
اطفيش
تفسير : {فسخَّرنا له الرِّيحَ} بسبب قوله: {هب لي ملكا} ولو انسحب القول على المغفرة والهبة، كأنه قيل سخرنا له الريح لشمول دعائه ملك الدنيا الذى منه الريح، ولو أريد التفريع على القول كله لقيل فغفرنا له، وسخرنا له الريح، ومع ذلك قد أجاب له فى الغفران، لأنه أمر متقرر شرعا لمن استغفر، ولو كان غير نبى فلم يصرح به، بخلاف طلب الهبة، فانه لم يتقرر أن الهبة لطالبها، وقد يقال جعل إجابة الدعاء فى الهبة علامة على قبول الاستغفار، والريح هنا فى الخير مع افرادها اذ لا يلزم أن الرياح فى الخير، كما قرأ بها بعض هنا، وأن الريح فى الشر، وجاء فى الحديث: "حديث : اللهم اجعلها رياحاً لا ريحا" تفسير : أى لا ريح سوء بدليل أنه قابلها بالجمع، وتسخيرها تذليلها إدامتها على ما هى عليه غالبا، أو تسخيرها جعلها مطاوعة له فيكون قوله: {تَجْري بأمْره} حالا مقدرة مفسرة لتسخيرها، ويكون مستأنفا أو حالا أيضا اذا فسرنا لتسخير بابقائها ذليلة، وانما قلت مقدرة لأنه تعالى يثبتها كما يشاء له، ثم يأمرها سليمان بما يشاء {رُخاءً} حال بمعنى لينة، وهو وصف لا مصدر تجريد رخاء اذا أرادوا عاصفة اذا أراد بحسب أحواله، كما اذا أراد شدة السرعة، أو ثقل الحمل فتعصف، واذا أراد مطلق السير لانت، أو الجرى بأمره رخاء معناه الانقياد له، لا تخالفه والعصوف بحسب أصلها، وترخو اذا أراد رخاوتها فلا ينافى قوله تعالى: "أية : ولسليمان الريح عاصفة"تفسير : [الأنبياء: 81] {حَيثُ} متعلق بسخر أو تجرى {أصاب} قال الزجاج: تقول العرب أصاب الصواب، وأخطأ الجواب، أى قصد الصواب، قصد رجلان ممن يطلب علم اللغة رؤبة ليسألاه عن "أصاب" فى الآية، فخرج اليهما فقال: أين تصيبان أى تقصدان؟ فقالا: هذه طلبتنا، فرجعنا اذ علما من كلامه أن أصاب بمعنى قصد، وأجيز أن يكون همزة لتعدية صاب يصوب بمعنى نزل، أى حيث يصيب جنده أى ينزلهم.
الالوسي
تفسير : {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ } إلى آخره تفريع على طلبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ولو كان الاستغفار مقصوداً أيضاً لقيل فغفرنا له وسخرنا له الريح الخ. وأجيب بأنه يجوز أن يقال: إن المغفرة لمن استغفر لا سيما الأنبياء عليهم السلام لما كانت أمراً معلوماً بخلاف هبة ملك لمن استوهب لم يصرح بها واكتفى بدلالة ما ذكر في حيز الفاء مع ما في الآية بعد على ذلك، وتقوى هذه الدلالة على تقدير أن يكون طلب الملك علامة على قبول استغفاره وإجابة دعائه فتأمل. والتسخير التذليل أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته، وقيل أدمنا تذليلها كما كان. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر {ٱلرّيَاحِ } بالجمع قيل: وهو أوفق لما شاع من أن الريح تستعمل في الشر والرياح في الخير، وقد علمت أن ذلك ليس بمطرد. وقوله تعالى: {تَجْرِى بِأَمْرِهِ } بيان لتسخيرها له عليه السلام أو حال أي جارية بأمره {رُخَاءً} أي لينة من الرخاوة لا تحرك لشدتها. واستشكل هذا بأنه ينافي قوله تعالى: {أية : وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ عَاصِفَةً }تفسير : [الأنبياء: 81] لوصفها ثمت بالشدة وهنا باللين. وأجيب بأنها كانت في أصل الخلقة شديدة لكنها صارت لسليمان لينة سهلة أو أنها تشتد عند الحمل وتلين/ عند السير فوصفت باعتبار حالين أو أنها شديدة في نفسها فإذا أراد سليمان عليه السلام لينها لانت على ما يشير إليه قوله تعالى: {بِأَمْرِهِ } أو أنها تلين وتعصف باقتضاء الحال، وقال ابن عباس والحسن والضحاك: رخاء مطيعة لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد، فالمراد بلينها انقيادها له وهو لا ينافي عصفها، واللين يكون بمعنى الإطاعة وكذا الصلابة تكون بمعنى العصيان. {حَيْثُ أَصَابَ } أي قصد وأراد كما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة، وحكى الزجاج عن العرب أصاب الصواب فأخطأ الجواب، وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما فقال: أن تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا ورجعا، ويقال أصاب الله تعالى بك خيراً، وأنشد الثعلبـي: شعر : أصاب الكلام فلم يستطع فأخطأ الجواب لدى المفصل تفسير : وعن قتادة أن أصاب بمعنى أراد لغة هجر وقيل لغة حمير، وجوز أن يكون أصاب من صاب يصوب بمعنى نزل، والهمزة للتعدية أي حيث أنزل جنوده، و (حيث) متعلقة بسخرنا أو بتجري.
ابن عاشور
تفسير : اقتضت الفاء وترتيب الجمل أن تسخير الريح وتسخير الشياطين كانا بعد أن سأل الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده أن أعطاه هاتين الموهبتين زيادة في قوة ملكه وتحْقِيقاً لاستجابة دعوته لأنه إنما سأل ملكاً لا ينبغي لأحد غيره ولم يسأل الزيادة فيما أعطيه من الملك. ولعل الله أراد أن يعطيه هاتين الموهبتين وأن لا يعطيهما أحداً بعده حتى إذا أعطى أحداً بعده مُلكاً مثل ملكه فيما عدا هاتين الموهبتين لم يكن قد أخلف إجابته. والتسخير الإِلجاء إلى عمل بدون اختيار، وهو مستعار هنا لتكوين أسباب صرف الريح إلى الجهات التي يريد سليمان توجيه سفنه إليها لتكون معينة سفنَه على سرعة سيرها، ولئلا تعاكس وجهة سفنه، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر}تفسير : في سورة [سبأ: 12]. وقرأ أبو جعفر {الرّياحَ} بصيغة الجمع. وتقدم قوله: {أية : تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها}تفسير : في سورة [الأنبياء: 81]. واللام في {له} للعلة، أي لأجله، أي ذلك التسخير كرامَة من الله له بأن جعل تصريف الرياح مقدّراً على نحو رغبته. والأمر في قوله: {بِأمْرِهِ} مستعار للرغبة أو للدعاء بأن يدعو الله أن تكون الريح متجهة إلى صوب كذا حسب خطة أسفار سفائنه، أو يرغب ذلك في نفسه، فيصرف الله الريح إلى ما يلائم رغبته وهو العليم بالخفيّات. والرُّخاء: اللينة التي لا زعزعة في هبوبها. وانتصب {رُخَاءً} على الحال من ضمير {تَجْرِي} أي تجري بأمره لينة مساعدة لسير السفن وهذا من التسخير لأن شأن الريح أن تتقلب كيفياتُ هبوبِها، وأكثر ما تهب أن تهب شديدة عاصفة، وقد قال تعالى في سورة [الأنبياء: 81]: {أية : ولسليمان الريح عاصفة} تفسير : ومعناه: سخرنا لسليمان الريح التي شأنها العصوف، فمعنى {أية : فسخَّرْنَا لهُ}تفسير : جعلناها له رخاء. فانتصب {عاصفة} في آية سورة الأنبياء على الحال من {الريح} وهي حال منتقلة. ولما أعقبه بقوله: {تجري بأمره} علم أن عصفها يصير إلى لَيْن بأمر سليمان، أي دعائه، أو بعزمه، أو رغبته لأنه لا تصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين. و {أصَابَ} معناه قصد، وهو مشتق من الصَّوْب، أي الجهة، أي تجري إلى حيث أي جهة قصد السير إليها. حكَى الأصمعي عن العرب: «أَصَابَ الصواب فأخطأ الجواب» أي أراد الصواب فلم يُصب. وقيل: هذا استعمال لها في لغة حِمير، وقيل في لغة هَجَر. و {الشياطين} جمع شيطان، وحقيقته الجنّي، ويستعمل مجازاً للبالغ غاية المقدرة والحذق في العمل الذي يعمله. ومنه قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن}تفسير : [الأنعام: 112]، فسخر الله النوع الأول لسليمان تسخيراً خارقاً للعادة على وجه المعجزة فهو مسخر له في الأمور الروحانية والتصرفات الخفية وليس من شأن جنسهم إيجاد الصناعات المتقنة كالبناء، وسخر النوع الثاني له تسخير إذلال ومغلوبية لعظم سلطانه وإلقاء مهابته في قلوب الأمم فكانوا يأتون طوعاً للانضواء تحت سلطانه كما فعلت بلقيس وقد تقدم في سورة سبأ. فيجوز أن يكون {الشياطين} مستعملاً في حقيقته ومجازه. و {كُلَّ بناءٍ} بدل من {الشَيَاطِينَ}بدل بعض من كل، أي كل بنّاء وغوّاص منهم، أي من الشياطين. و {كُلَّ} هنا مستعملة في معنى الكثير، وهو استعمال وارد في القرآن والكلام الفصيح، قال تعالى: {أية : ولو جاءتهم كل آية}تفسير : [يونس: 97] وقال: {أية : ثم كلي من كل الثمرات}تفسير : [النحل: 69]. وقال النابغة:شعر : بها كلُّ ذَيَّال وخنساءَ ترعوي تفسير : وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها}تفسير : في سورة [الأنعام: 25]. والبنَّاء: الذي يَبني وهو اسم فاعل مصوغ على زنة المبالغة للدلالة على معنى الصناعة مثل نَجَّار وقصَّار وحدَّاد. والغواص: الذي يغوص في البحر لاستخراج محار اللؤلؤ، وهو أيضاً مما صِيغ على وزن المبالغة للدلالة على الصناعة، قال النابغة: شعر : أو درّة صدفية غوَّاصها بَهج مَتَى يَرها يَهِلَّ ويَسْجُدِ تفسير : قال تعالى: {أية : ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك}تفسير : [الأنبياء: 82]. وقد بلغت الصناعة في مُلك سليمان مبلغاً من الإِتقان والجودة والجلال، وناهيك ببناء هيكل أورشليم وهو الذي سُمي في الإِسلام المسجد الأقصى وما جلب إليه من مواد إقامته من الممالك المجاورة له، وكذلك الصرح الذي أقامه وأدخلت عليه فيه مملكة سبَأ. و {ءَاخَرِينَ} عطف على {كُلَّ بناءٍ وغوَّاصٍ} فهو من جملة بدل البعض. وجمع آخر بمعنى مغاير، فيجوز أن تكون المغايرة في النوع من غير نوع الجن، ويجوز أن تكون المغايرة في الصفة، أي غير بنائين وغوّاصين. وقد كان يجلب من الممالك المجاورة له والداخلة تحت ظل سلطانه ما يحتاج إليه في بناء القصور والحصون والمدن وكانت مملكته عظيمة وكل الملوك يخشون بأسه ويصانعونه. والمقرَّن: اسم مفعول من قرنه مبالغة في قرنه أي جعله قريناً لغيره لا ينفك أحدهما عن الآخر. و {الأصفاد}: جمع صَفَد بفتحتين وهو القيد. يقال: صفده، إذا قيّده. وهذا صنف ممن عبر عنهم بالشياطين شديد الشكيمة يخشى تفلته ويرام أن يستمر يعمل أعمالاً لا يجيدها غيرُه فيصفد في القيود ليعمل تحت حراسة الحراس. وقد كان أهل الرأي من الملوك يَجعلون أصحاب الخصائص في الصناعات محبوسين حيث لا يتصلون بأحد لكيلا يستهويهم جواسيس ملوك آخرين يستصنعونهم ليتخصص أهل تلك المملكة بخصائص تلك الصناعات فلا تشاركها فيها مملكة أخرى وبخاصة في صنع آلات الحرب من سيوف ونبال وقِسِيّ ودرق ومَجَانَ وخُوذ وبيضات ودروع، فيجوز أن يكون معنى: {مُقَرَّنينَ في الأصفَادِ} حقيقة، ويجوز أن يكون تمثيلاً لمنع الشياطين من التفلت. وقد كان ملك سليمان مشتهراً بصنع الدروع السابغات المتقنة. يقال: دروع سليمانية. قال النابغة:شعر : وكل صَموت نثلة تُبَّعِيّة ونَسْج سُلَيم كلَّ قمصاء ذائل تفسير : أراد نسج سليمان، أي نسج صنّاعه.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام عليه موضحاً بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} تفسير : [الأنبياء: 81] الآية. وفسرنا هناك قوله هنا حيث أصاب وذكرنا هناك أوجه الجمع، بين قوله هنا: {رُخَآءً}، وقوله هنا:، وقوله هناك: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} ووجه الجمع أيضاً بين عموم الجهات المفهوم من قوله هنا {حَيْثُ أَصَاب} أي حيث أراد وبين خصوص الأرض المباركة المذكورة هناك في قوله {أية : تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأنبياء: 81].
د. أسعد حومد
تفسير : (36) - فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدَعْوَتِهِ، وَسَخَّرَ لَهُ الرِّيَاحَ، وَجَعَلَهَا مُذللَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ لَيِّنَةً طَيِّعَةً، حَيْثُ أَرَادَ تُوْجِيهَهَا، لاَ تَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ. حَيْثُ أَصَابَ - حَيْثُ أَرَادَ مِنَ البِلاَدِ. رُخَاءً - لَيِّنَةً أَوْ مُنْقَادَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قال سبحانه: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ ..} [ص: 36] وكان تسخير الريح لسليمان أول نعمة أضيفتْ إلى ملكه لم تكُنْ موجودة من قبل، ومعنى {رُخَآءً ..} [ص: 36] أي: لينة ناعمة كالمطية التي تمشي براكبها مَشْياً هادئاً لا تزعجه ولا توقعه. إلا أن بعض المفسرين قالوا إن كلمة رخاء تتعارض مع قوله تعالى في نفس القصة: {أية : ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً ..} تفسير : [الأنبياء: 81] ونقول: هي بالفعل عاصفة، لكن في موقف آخر؛ لأن الريح في القصة لها عدة استعمالات، فالريح إنْ كانت تحمله للنزهة فهي رُخاء لينة، وإنْ كانت لحمل الأشياء فهي عاصفة، إذن: فالجهة في الوصف مُنفكَّة. وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 41-42] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..} تفسير : [الحجر: 22]. ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36]. وقوله: {حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] حيث قصد وأنّى ذهب. وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ ..} تفسير : [النمل: 16]. لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟ ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النمل: 18-19]. إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم. ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ..} تفسير : [النمل: 20] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: {أية : أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} تفسير : [النمل: 20] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 22-23]. والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النمل: 24]. وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله. ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} تفسير : [النمل: 25]. لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه. وقوله تعالى: {وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص: 37] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه {وَآخَرِينَ ..} [ص: 38] أي: من الشياطين {مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} [ص: 38] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة. فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة. ثم يقول سبحانه: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا ..} [ص: 39] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: {أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تفسير : [ص: 35] فردَّ الله عليه {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا ..} [ص: 39] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك {فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع. والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس. فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23] أي: بلقيس. وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: {أية : أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} تفسير : [النمل: 36]. وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت. والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [النمل: 29-30]. أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم {أية : مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} تفسير : [النمل: 32]. وانتهت القصة بقولها: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [النمل: 44]. إذن: دَلّ قوله تعالى {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها. ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق. لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب. وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير. فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} فالرُّخاءُ: الرّخوةُ اللينةُ. وأصابَ: أَرادَ. وهي بِلغةِ هجر. وقال طوعٌ حيثُ أَرادَ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 832 : 15 : 19 - سفين في قوله {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} قال، طيبة لينة. [الآية 36].
همام الصنعاني
تفسير : 2597- معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ}: [الآية: 36]، قال: حيث أرَادَ. 2598- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا (التيمي)، عن قرة، عن الحسن، في قول الله تعالى: {رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ}: [الآية: 36]، قال: ليست بالعاصفة الشديدة، وَلاَ بالهينة اللينة، {رُخَآءً} بين ذلك، قال معمر: وبلغني أنَّ الرخاء: اللينة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):