٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى } لا يكون {لاِحَدٍ مِّن بَعْدِى } أي سواي، نحو { أية : فمن يهديه من بعد الله } تفسير : [23:45] أي سوى الله {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَهَبْ لِى مُلْكاً} سأل ذلك ليكون معجزة له ويستدل به على الرضا وقبول التوبة، أو ليقوى به على عصاته من الجن فسخرت له حينئذ الريح، أو {لا يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِى} في حياتي أن ينزعه مني كالجسد الذي جلس على كرسيه قيل: سأل ذلك بعد الفتنة فزاده الله ـ تعالى ـ الريح والشياطين بعدما ابتُلي "ح".
الخازن
تفسير : {قال رب اغفر لي} أي سأل ربه المغفرة {وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} أي لا يكون لأحد من بعدي وقيل لا تسلبنيه في باقي عمري وتعطيه غيري كما سلبته مني فيما مضى من عمري {إنك أنت الوهاب} فإن قلت قول سليمان لا ينبغي لأحد من بعدي مشعر بالحسد والحرص على الدنيا. قلت لم يقل ذلك حرصاً على طلب الدنيا ولا نفاسة بها ولكن كان قصده في ذلك أن لا يسلط عليه الشيطان مرة أخرى وهذا على قول من قال إن الشيطان استولى على ملكه. وقيل سأل ذلك ليكون علماً وآية لنبوته ومعجزة دالة على رسالته ودلالة على قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه وردَّ ملكه إليه وزاده فيه وقيل كان سليمان ملكاً ولكنه أحب أن يخص بخاصية كما خص داود بإلانة الحديد وعيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فسأل شيئاً يختص به كما روى في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان: {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فرددته خاسئاً "
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد في مسنده والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلا استفتحه بسبحان ربي الأعلى الوهاب". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} يقول: لا أسلبه كما سلبته. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} قال: لا تسلبنيه كما سلبتنيه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عرض لي الشيطان في مصلاي الليلة كأنه هرُّكم هذا، فأردت أن أحبسه حتى أصبح، فذكرت دعوة أخي سليمان {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فتركته ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عفريتاً جعل يتلفت علي البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، وإن الله تعالى أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فرده الله خاسئاً . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : بينا أنا قائم أصلي اعترض الشيطان، فأخذت حلقه، فخنقته حتى أني لأجد برد لسانه على ابهامي، فيرحم الله سليمان لولا دعوته لأصبح مربوطاً تنظرون إليه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خرجت لصلاة الصبح، فلقيني شيطان في السدة. سدة المسجد، فزحمني حتى أني لأجد مس شعره، فاستمكنت منه، فخنقته حتى أني لأجد برد لسانه على يدي، فلولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح مقتولاً تنظرون إليه ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قام يصلي صلاة الصبح فقرأ، فألبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس. فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين، الإِبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، فتلاعب به صبيان المدينة ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مر عليَّ الشيطان، فتناولته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي فقال: أوجعتني أوجعتني.. ولولا ما دعا به سليمان لأصبح مناطا إلى اسطوانة من أساطين المسجد ينظر إليه، وِلْدَانُ أهل المدينة ." تفسير : وأخرج الطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان أراد أن يمر بين يدي، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي. وأيم الله لولا ما سبق إليه أخي سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة ". تفسير : وأخرج الحاكم في المستدرك عن عمر بن علي بن حسين قال: مشيت مع عمي وأخي جعفر فقلت: زعموا أن سليمان عليه السلام سأل ربه أن يهبه ملكاً قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لن يعمر ملك في أمة نبي مضى قبله ما بلغ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم من العمر في أمته ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن وهب بن منبه رضي الله عنه، أنه ذكر من ملك سليمان، وتعظيم ملكه، أنه كان في رباطه اثنا عشر ألف حصان، وكان يذبح على غدائه كل يوم سبعين ثوراً، سوى الكباش، والطير، والصيد. فقيل لوهب: أكان يسع هذا ماله؟! قال: كان إذا ملك الملك على بني إسرائيل اشترط عليهم أنهم رقيقه، وإن أموالهم له؛ ما شاء أخذ منها، وما شاء ترك. وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد البجلي رضي الله عنه قال: بلغني أن سليمان عليه السلام ركب يوماً في موكبه، فوضع سريره فقعد عليه، وألقيت كراسي يميناً وشمالاً، فقعد الناس عليها يلونه، والجن وراءهم، ومردة الجن والشياطين وراء الجن. فأرسل إلى الطير، فأظلته بأجنحتها، وقال للريح: احملينا يريد بعض مسيره، فاحتملته الريح وهو على سريره، والناس على كراسيهم يحدثهم ويحدثونه، لا يرتفع كرسي ولا يتضع، والطير تظلهم. وكان موكب سليمان يسمع من مكان بعيد، ورجل من بني إسرائيل آخذ مسحاته في زرع له، قائماً يهيئه إذ سمع الصوت فقال: إن هذا الصوت ما هو إلا لموكب سليمان وجنوده، فحان من سليمان التفاتة وهو على سريره، فإذا هو برجل يشتد يبادر الطريق فقال عليه السلام في نفسه: إن هذا الرجل ملهوف، أو طالب حاجة، فقال للريح حين وقفت به: قفي.. فوقفت به وبجنود حتى انتهى إليه الرجل وهو منبهر، فتركه سليمان حتى ذهب بهره، ثم أقبل عليه فقال ألك حاجة؟ وقد وقف عليه الخلق فقال: الحاجة جاءت بي إلى هذا المكان يا رسول الله. إني رأيت الله أعطاك ملكاً لم يعطه أحداً قبلك ولا أراه يعطيه أحداً بعدك، فكيف تجد ما مضى من ملكك هذه الساعة؟ قال: أخبرك عن ذاك إني كنت نائماً فرأيت رؤيا، ثم تنبهت فعبرتها قال: ليس إلا ذاك قال: فأخبرني كيف تجد ما بقي من ملكك الساعة؟ قال: تسألني عن شيء لم أره قال: فإنما هي هذه الساعة، ثم انصرف عنه مولياً. فجلس سليمان عليه السلام ينظر في قفاه، ويتفكر فيما قاله، ثم قال للريح إمضي بنا، فمضت به قال الله {رخاء حيث أصاب} قال: الرخاء التي ليست بالعاصف، ولا باللينة وسطاً، قال الله تعالى {أية : غدوها شهر ورواحها شهر} تفسير : [سبأ: 12] ليست بالعاصف التي تؤذيه، ولا باللينة التي تشق عليه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سلمان بن عامر الشيباني رضي الله عنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أرأيتم سليمان، وما أعطاه الله تعالى من ملكه، فلم يكن يرفع طرفه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله تعالى ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما رفع سليمان عليه السلام طرفه إلى السماء تخشعاً حيث أعطاه الله تعالى ما أعطاه ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن عطاء رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يعمل الخوص بيده، ويأكل خبز الشعير، ويطعم بني إسرائيل الحواري. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن عساكر عن صالح بن سمار رضي الله عنه قال: بلغني أنه لما مات داود عليه السلام، أوحى الله تعالى إلى سليمان عليه الصلاة والسلام "سلني حاجتك قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أمي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي. فقال: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبن له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده قال الله تعالى {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب} والتي بعدها مما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه". وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {فسخرنا له الريح..} قال: لم يكن في ملكه يوم دعا الريح والشياطين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: لما عقر سليمان عليه السلام الخيل أبدله الله خيراً منها، وأمر الريح تجري بأمره كيف يشاء {رخاء} قال: ليست بالعاصف، ولا باللينة بين ذلك. وأخرج ابن المنذر عن الحسن وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {تجري بأمره رخاء} قال: مطيعة له حيث أراد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {رخاء حيث أصاب} قال: حيث شاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {رخاء} قال: لينة {حيث أصاب} قال: حيث أراد {والشياطين كل بناء} قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل {وغواص} قال: يستخرجون له الحلى من البحر {وآخرين مقرنين في الأصفاد} قال: مردة الشياطين في الأغلال. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {رخاء} قال: الطيبة {والشياطين كل بناء وغواص} قال: يغوص للحلية {وبناء} بنوا لسليمان قصراً على الماء فقال: اهدموه من غير أن تمسه الأيدي. فرموه بالفادقات حتى وضعوه، فبقيت لنا منفعته بعدهم، فكان من عمل الجن، وبقيت لنا منفعة السياط، كان يضرب الجن بالخشب، فيكسر أيديها وأرجلها، فقالوا هل توجعنا فلا تكسرنا؟ قال: نعم. فدلوه على السياط، والتمويه أمر الجن فموهت على ثم أمر به، فألقى على الأساطين تحت قوائم خيل بلقيس، والقارورة لما أخرج الأعور شيطان البحر حيث أراد بناء بيت المقدس قال الأعور: ابتغوا لي بيضة هدهد، ثم قال اجعلوا عليها قارورة، فجاء الهدهد، فجعل يرى بيضته وهو لا يقدر عليها، ويطيف بها فانطلق فجاء بماسة مثل هذه، فوضعها على القارورة، فانشقت فانشق بيت المقدس بتلك الماسة والقذافة. وكان في البحر كنز، فدلوا عليه سليمان عليه السلام، وزعموا أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين سنة لما أعطيَ من الملك في الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {هذا عطاؤنا} قال: كل هذا أعطاه إياه بعد رد الخاتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فامنن} يقول: اعتق من الجن من شئت {أو أمسك} منهم من شئت. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {هذا عطاؤنا...} قال الحسن: الملك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت، وامنع ما شئت، فليس لك تبعة، ولا حساب عليك في ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قال: بغير حرج، إن شئت أمسكت، وإن شئت أعطيت. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: ما أعطيت، أو أمسكت، فليس عليك فيه حساب. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما من نعمة أنعم الله على عبد إلا وقد سأله فيها الشكر إلا سليمان بن داود عليه السلام. قال الله لسليمان عليه السلام {فامنن أو أمسك} بغير حساب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: إن الله أعطى سليمان عليه السلام ملكاً هنيئاً فقال الله {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قال: إن أعطيَ أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} أي حسن مصير. وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: الزلفى القرب {وحسن مآب} قال: المرجع.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} بدل من أنابَ وتفسيره له {رَبّ ٱغْفِرْ لِي} أي ما صدرَ عنِّي من الزَّلَّةِ {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِي} لا يتسهل له ولا يكونُ ليكونَ معجزةً لي مناسبةً لحالي فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا نشأَ في بـيتِ الملكِ والنُّبوة وورثهما معاً استدعى من ربِّه معجزةً جامعةً لحكمهما أو لا ينبغي لأحدٍ أنْ يسلَبه منِّي بعد هذه السَّلبةِ أو لا يصحُّ لأحدٍ من بعدي لعظمتِه كقولِك لفلان ما ليسَ لأحدٍ من الفضلِ والمالِ على إرادة وصف الملكِ بالعظمةِ لا أنْ لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة وقيل كان مُلكاً عظيماً فخاف أنْ يُعطى مثلَه أحدٌ فلا يحافظُ على حدودِ الله تعالى. وتقديمُ الاستغفارِ على الاستيهابِ لمزيد اهتمامِه بأمر الدِّينِ جرياً على سَننِ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ والصَّالحين. وكون ذلك أدخلَ في الإجابةِ. وقُرىء ليَ بفتحِ الياءِ {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تعليلٌ للدُّعاءِ بالمغفرةِ والهبةِ معاً لا بالأخيرة فقط فإنَّ المغفرةَ أيضاً من أحكامِ وصفِ الوهَّابـيةِ فقط. {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ} أي فذللناها لطاعتِه إجابةً لدعوتِه فعاد أمرُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما كان عليهِ قبل الفتنةِ. وقُرىء الرِّياح {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} بـيانٌ لتسخيرِها له {رُخَاء} أي لينةً من الرَّخاوةِ طيبة لا تزعزعُ وقيل: طيعةً لا تمنع عليه كالمأمورِ المنقادِ {حَيْثُ أَصَابَ} أي حيثُ قصدَ وأرادَ. حَكَى الأصمعيُّ عن العربِ أصابَ الصَّوابَ فأخطأَ الجوابَ {وَٱلشَّيَـٰطِينَ} عطفٌ على الرِّيح {كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ} بدلٌ من الشَّياطينَ {وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ} عطفٌ على كلَّ بنَّاءٍ داخلٌ في حُكمِ البدلِ كأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فصَّل الشَّياطينَ إلى عَمَلةٍ استعملهم في الأعمالِ الشَّاقةِ من البناء والغَوص ونحو ذلك وإلى مَرَدةٍ قرن بعضَهم مع بعضٍ في السَّلاسلِ لكفِّهم عن الشرِّ والفسادِ. ولعلَّ أجسامهم شفَّافةٌ فلا تُرى صلبةً فيمكن تقيـيدُها ويقدرون على الأعمال الصَّعبة وقد جُوِّز أن يكون الإقرانُ في الأصفادِ عبارة عن كفِّهم عن الشُّرورِ بطريق التَّمثيلِ. والصَّفدُ القَيدُ وسُمِّي به العطاءُ لأنَّه يرتبط بالمنعمِ عليه وفرَّقوا بـين فعليهما فقالُوا صفَده قيَّده وأصفدَهُ أعطاهُ على عكسِ وَعَد وأَوْعدَ.
التستري
تفسير : قوله: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ}[35] قال: ألهم الله تعالى سليمان أن يسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ليقصم به الجبابرة والكفرة، والذين يخالفون ربهم ويدعون لأنفسهم قدرة من الجن والإنس، فوقع السؤال من سليمان عليه السلام على اختيار الله له، لا على اختياره لنفسه.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: رب {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي} [الآية: 35]. أى المعرفة بك حتى لا أرى معك غيرك ولا تشغلنى بكثرة عروض الدنيا عنك. قال سهل: ألهم الله عز وجل سليمان أن يسأله ملكًا لا ينبغى لأحد من بعده ليقصم به الجبابرة والكفرة الذين يخالفون ربهم ويدّعون لأنفسهم قدره وقوة من الجن والإنس فوقع من سليمان السؤال على اختيار الله له لا على اختياره لنفسه فقال حينئذ هب لى ملكًا على نفسى فإنى إن ملكت الدنيا ولا أملك نفسى أكون عاجزًا. وقال أيضًا: هب لى ملكًا ثم رجع ونظر فيما سأل فقال: لا ينبغى لأحد من بعدى يسأل المُلك فإنه يشغل عن الملك. سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: إنما سأله ذلك لينال حسن الصبر فى الكف عن الدنيا ويظهر جميل الاجتهاد فيها لأن الزاهد فى الدنيا من نالها فصبر عنها. قال جعفر: هب لى القنوع بقسمتك حتى لا يكون مع اختيارك اختيار. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: لما سأل سليمان عليه السلام من الله الملك سخر له الريح وأعلمه بذلك أن ما سواه ريح لا بقاء له ولا دوام وأن العاقل من يكون سؤاله الباقى والدائم. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: سأله ملك الدنيا لينظر كيف صبره عن الدنيا مع القدرة عليها. قال محمد بن على فى قوله: {هَبْ لِي مُلْكاً} قال: هو أن لا يشغله عن ربه شىء مما أتاه من الملك فيكون حجة على ما بعده من الملوك وأبناء الدنيا. قال محمد بن على: فى قوله {هَبْ لِي مُلْكاً} كان سليمان بن داود عليه السلام فى ملكه إذا دخل المسجد وجالس المساكين يقول: مسكين جالس مسكينًا.
القشيري
تفسير : أي مُلْكاً لا يسلبه أحدٌ مني بعد هذا كما سُلِبَ مني في هذه المرة. وقيل أراد انفراده به ليكونَ معجزةً له على قومه. وقيل أراد أنه لا ينبغي لأحدٍ من بعدي أن يسأل المُلْكَ، بل يجب أن يَكِلَ أمرَه إلى الله في اختياره له. ويقال لم يقصد الأنبياء، ولكن قال لا ينبغي من بعدي لأحدٍ من الملوك. وإنما سأل المُلْكَ لسياسة الناس، وإنصافِ بعضهم من بعض، والقيام بحقِّ الله، ولم يسأله لأَجْلِ مَيْلِه إلى الدنيا... وهو كقول يوسف: {أية : ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 55]. ويقال لم يطلب المُلْكَ الظاهرَ، وإنما أراد به أن يَمْلِكَ نَفْسَه، فإن المَلِكَ - على الحقيقة - مَنْ يَمْلِكَ نَفْسَه، ومَنْ مَلََكَ نَفْسَه لم يَتَّبعْ هواه. ويقال أراد به كمالَ حالهِ في شهود ربِّه حتى لا يَرَى معه غيرَه. ويقال سأل القناعةَ التي لا يبقى معها اختيار. ويقال علم أن سِرَّ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ألا يلاحِظَ الدنيا ولا ملكَها فقال: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} [ص: 35] لا لأنه بَخِلَ به على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ولكن لِعِلْمِه أنه لا ينظر إلى ذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} سليمان وهو بدل من اناب وتفسير له {رب} [اى بروردكار من] {اغفر لى} ما صدر منى من الزلة التى لا تليق بشانى وتقديم الاستغفار على الاستيهاب الآتى لمزيد اهتمامه بامر الدين جريا على سنن الانبياء والصالحين وكون ذلك ادخل فى الاجابة {وهب لى} [وببخش مرا] {ملكا} [بادشاهى وتصرفى كه] {لا ينبغى} [نسزد ونشايد] {لاحد} من الخلق {من بعدى} الى يوم القيامة بان يكون الظهور به بالفعل فى عالم الشهادة فى الامور العامة والخاصة مختصا بى وهو الغاية التى يمكنه بلوغها دل على هذا المعنى قول نبينا عليه السلام "حديث : ان عفريتا من الجن" تفسير : وهو الخبيث المنكر "حديث : تفلت علىّ البارحة" تفسير : اى تعرض فى صورة هر كما فى حياة الحيوان. قال فى تاج المصادر [التفلت بجستن] وفى الحديث "حديث : ان عفريتا من الجن تفلت علىّ البارحة" تفسير : اى تعرض له فلتة اى فجأة "حديث : ليقطع على صلاتى فامكننى الله منه" تفسير : الامكان القدرة على الشىء مع ارتفاع الموانع اى اعطانى الله مكنة من اخذه وقدرة عليه "حديث : فاخذته فاردت ان اربطه" تفسير : بكسر الباء وضمها اى اشده "حديث : على سارية من سوارى المسجد" تفسير : اى اسطوانة من اساطينه "حديث : حتى تنظروا اليه كلكم ويلعب به ولدان اهل المدينة فذكرت دعوة اخى سليمان رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى فرددته خاسئا" تفسير : اى ذليلا مطرودا لم يظفر بى ولم يغلب على صلاتى فدل على ان الملك الذى آتاه الله سليمان ولم يؤته احدا غيره من بعده هو الظهور بعموم التصرف فى عالم الشهادة لا التمكن منه فان ذلك مما آتاه الله غيره من الكمل نبيا كان او وليا ألا ترى ان نبينا عليه السلام قال "حديث : فامكننى الله منه" تفسير : اى من العفريت فعلمنا ان الله تعالى قد وهب التصرف فيه بما شاء من الربط وغيره ثم ان الله تعالى ذكره فتذكر دعوة سليمان فتأدب معه كمال التأدب حيث لم يظهر بالتصرف فى الخصوص فكيف فى العموم فرد الله ذلك العفريت ببركة هذا التأدب خاسئا عن الظفر به. وكان فى وجود سليمان عليه السلام قابلية السلطنة العامة ولهذا الهمه الله تعالى ان يسأل الملك المخصوص به فلم يكن سؤاله للبخل والحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة والرغبة فيها كما توهمه الجهلة. واما سلطان الانبياء صلى الله عليه وسلم فقد افنى جميع ما فى ملك وجوده من جهة الافعال والصفات فلم يبق شىء فظهر مكانه شىء لا يوصف حيث وقع تجلى الذات فى مرتبة لم ينلها احد من افراد الخلق سابقا ولا لاحقا وستظهر سلطنته الصورية ايضا بحيث يكون آدم ومن دونه تحت لوائه شعر : در بزم احتشام تو سياره هفت جام وز مطبخ نوال تو افلاح نه طبق هر خطبه كمال بنام تو شد ازل كس تا ابد زلوح نمىخوانده اين سبق تفسير : {انك انت الوهاب} لجميع استعدادات كل ما سألت من الكمالات كما قال تعالى{أية : وآتاكم من كل ما سألتموه } تفسير : وفى التأويلات النجمية بقوله {قال رب اغفر لى} الآية يشير الى معان مختلفة. منها انه لما اراد طلب الملك الذى هو رفعة الدرجة بنى الامر فى ذلك على التواضع الموجب للرفعة وهو قوله {رب اغفر لى}. ومنها انه قدم طلب المغفرة على طلب الملك لانه لو كان طلب الملك زلة فى حق الانبياء كانت مسبوقة بالمغفرة لا يطالب بها. ومنها ان الملك مهما يكن فى يد مغفور له منظور بنظر العناية ما يصدر منه تصرف فى الملك الا مقرونا بالعدل والنصفة وهو محفوظ من آفات الملك وتبعاته. ومنها قوله {وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى} اى يكون ذلك موهوبا له بحيث لا ينزعه منه ويؤتيه من يشاء كما هى السنة الالهية جارية فيه. ومنها قوله {لا ينبغى لاحد من بعدى} اى لا يطلبه احد غيرى لئلا يقع فى فتنة الملك على مقتضى قوله تعالى {أية : ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى} تفسير : فان الملك جالب للفتنة كما كان جالبا لها الى سليمان بقوله {أية : ولقد فتنا سليمان}تفسير : . ومنها قوله {لا ينبغى لاحد من بعدي} اى لا يكون هذا الملك ملتمس احد منك غيرى للتمتع والانتفاع به وهو بمعزل عن قصدى ونيتى فى طلب هذا فان لى فى طلب هذا الملك نية لنفسى ونية لقلبى ونية لروحى ونية للممالك باسرها ونية للرعايا. فاما نيتى لنفسى فتزكيتها عن صفاتها الذميمة واخلاقها اللئيمة وذلك فى منعها عن استيفاء شهواتها وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار دون الاضطرار وانما يتيسر ذلك عد القدرة الكاملة عليه بالمالكية والملكية بلا مانع ولا منازع وكماليته فى المملكة بحيث لا يكون فيها ما يحرك داعية من دواعى البشرية المركوزة فى جبلة الانسان ليكون كل واحدة من المشتهيات والمستلذات النفسانية محركة لداعية تناسبها عند تملكها والقدرة عليها عند توقان النفس اليها وغلبات هواها فيحرم على النفس مراضعها ويحرمها من مشاربها وينهاها عن هواها خالصا لله وطلبا لمرضاته فتموت النفس عن صفاتها كما يموت البدن عند اعواز فقدان ما هو غذاء يعيش به فاذا ماتت عن صفاتها الذميمة يحييها الله بالصفات الحميدة كما قال {أية : ولنحيينه حياة طيبة} تفسير : وقال {أية : قد افلح من زكاها} تفسير : فلا يبقى لها نظر الى الدنيا وسائر نعمها كما كان حال سليمان لم يكن له نظر الى الدنيا ونعيمها وانما كان مع تلك الوسعة فى المملكة يأكل كسرة من كسب يده مع جليس مسكين ويقول مسكين جالس مسكينا وامانيته لقلبه فتصفيته عن محبة الدنيا وزينتها وشهواتها وتوجيهه الى الآخرة بالاعراض عنها عند القدرة عليها والتمكن فيها ثم صرفها فى سبيل الله وقلع اصلها من ارض القلب ليبقى القلب صافيا من الدنس قابلا للفيض الالهى فانه خلق مرآة لجميع الصفات الالهية. وامانيته لروحه فلتحيته بالاخلاق الحميدة الربانية ولا سبيل اليها الا بعلو الهمة وخلوص النية فان المرء يطير بهمته كالطائر يطير بجناحيه وتربية الهمة بحسب نيل المقاصد الدنيوية الدينية وصرفها فى نيل المراتب الدينية الاخروية الباقية وان ترك المقاصد الدنيوية الدينية وان كان اثر التربية الهمة ولكن لا يبلغ حد اثر صرف ما يملك من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية فلما كان من اخلاق الله ان يحب معالى الامور ويبغض سفسافها التمس سليمان اقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها لئلا يلتفت ويستعملها فى تربية الهمة لتتخلى روحه بان يحسن اليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه فان القلوب جبلت على حب من احسن اليها فانهم اذا احبوا نبى الله لزمهم حب الله فيكون حب الله وحب نبيه فى قلوبهم محض الايمان ومن لم يمكن ان يؤمن بالاحسان فيدخلهم فى الايمان بالقهر والغلبة بان يأتيهم بجنود لم يروها كما ادخل بلقيس وقومها فى الايمان. واما نيته للممالك فبان يجعل الممالك الدنيوية الفانية اخروية باقية بان يتوسل بها الى الحضرة بصرفها باظهار الدين واقامة الحق واعلاء كلمة الاسلام. فان قيل قوله {لا ينبغى لاحد من بعدى} هل يتناول النبى عليه السلام اولا. قلنا اما بالصورة فيتناول ولكن لعلو همته وكمال قدره لا لعدم استحقاقه لانه حديث : عرض عليه صلى الله عليه وسلم ملك اعظم من ملكه فلم يقبله "وقال الفقر فخرى" تفسير : واما بالمعنى فلم يتناول النبى صلى الله عليه وسلم لانه قال "حديث : فضلت على الانبياء بست" تفسير : يعنى على جميع الانبياء ولا خفاء فى ان سليمان عليه السلام ما بلغ درجة واحدة من اولى العزم من الرسل مع اختصاصه بصورة الملك منهم وهم معه مفضولون بست فضائل من النبى عليه السلام فمعنى الملك الحقيقى الذى كان ملك سليمان صورته بلا ريب يكون داخلا فى الفضائل التى اختصه الله بها واخبر عنها بقوله {أية : وكان فضل الله عليك عظيما} تفسير : بل اعطاه الله ما كان مطلوب سليمان من صورة الملك ومعناه اوفر ما اعطى سليمان وفتنه به من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتتان به عزة ودلالا انتهى كلام التأويلات على مكاشفه اعلى التجليات
الجنابذي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} بعدما استشعر بانّا فتنّاه {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} يعنى لانّك تكون كثير الهبة وكانت عادتك ذلك وكانت الوهّابيّة منحصرة فيك سألتك هذا السّؤال فانّه ان كان عظيماً بالنّسبة الينا فهو حقيرٌ بالنّسبة الى وهّابيّتك. اعلم، انّه يرى من ظاهر الآية انّ سليمان (ع) بخل بعطاء الملك لغيره وقد اشير فى الاخبار الى ذلك مثل قول رسول الله (ص): "حديث : رحم الله اخى سليمان بن داود (ع) ما كان ابخله"تفسير : ، وقد ذكر فى الاخبار فى دفع توهّم البخل انّ مراده (ع) لا ينبغى ان يقال من بعدى انّه مأخوذ بالغلبة والجور فأعطاه الله تعالى ملكاً لا يمكن ان يقال: انّه مأخوذ بالغلبة مثل ملك الجبابرة حيث سخّر له الرّيح وجملة دوابّ الارض وطيرها، وذكر فى الاخبار فى بيان قول النّبىّ (ص) انّ مراده (ع) ما كان ابخله بعرضه وسوء القول فيه، او المراد ما كان ابخله ان كان اراد ما كان يذهب اليه الجهّال، وعن الاكابر انّ مراده هب لى ملكاً لائقاً بمقامى لا ينبغى لاحدٍ يكون مقامه بعد مقامى وليس هذا بخلاً بل سؤالاً لما يليق بمقامه او بما يليق بمن يكون مقامه فوق مقامه.
الأعقم
تفسير : {قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب}، قال جار الله: دعاه فقال: {فسخّرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب} {والشياطين} أي سخرنا {كل بناء وغوّاص} يغوصون في البحر ويستخرجون اللآلئ والحلي {وآخرين} هم المردة الكفرة {مقرنين في الأصفاد}، قيل: القيود، وقيل: الأغلال، وقيل: السلاسل تجمع اليدين إلى العنق {هذا عطاؤنا} يا سليمان {فامنن} اعط {أو أمسك} ولا تعط {بغير حساب} أي أعط كما شئت أو أمسك كما شئت بغير حساب {وإن له عندنا لزلفى} لقربى {وحسن مآب} أي حسن مرجع {واذكر عبدنا} إضافة إلى نفسه تشريفاً لأيوب {إذ نادى ربه} دعاه {أني مسّني} الضر {الشيطان بنصب} ومشقة {وعذاب} بوسوسة يقول: ذهب الأهل والمال وطال مرضك، وذكر في سبب بلائه أن رجلاً استغاثه على ظالم فلم يغثه، وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه، وقيل: أعجب بكثرة ماله {اركض برجلك} أي اضرب برجلك الأرض فنبعت عين فقيل له: {هذا مغتسل بارد وشراب} أي هذا ما يغتسل به ويشرب منه، وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من أحدهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله، قيل: ضرب برجله اليمنى فنبعت عين فاغتسل منها ثم اليسرى فنبعت باردة فشرب منها {ووهبنا له أهله} أعطيناه، وقيل: زال وجعه ورجع أهله، وقيل: كانوا مائة فأحياهم، ويخيل أنهم كانوا مرضى فشفاهم، وقيل: عافاه وقوّاه حتى كثر ماله وأولاده {رحمة منا} أي نعمة على أيوب {وذكرى لأولي الألباب} أي تذكرة وموعظة لذوي العقول {وخذ بيدك ضغثاً} أي قلنا خذ بيدك ضغثاً والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): قبضه من الشجر كان حلف في مرضه ليضرب امرأته إذا برئ فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها وهذه الرخصة ثابتة، وكان السبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فضاق صدره، وقيل: باعت ذوابتها برغيفين وكانت متعلق أيوب (عليه السلام) إذ قام، وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدة فأرد عليكم أموالكم وأولادكم فأدركتها العصمة فذكرت ذلك له فحلف {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب}.
الهواري
تفسير : قوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}. فسخر الله له الريح والشياطين: وسخر له الشيطان الذي فعل به الفعل، واسم الشيطان صخر. فأخذه سليمان فجعله في تخت من رخام، ثم أطبق عليه، وسد عليه بالنحاس، ثم ألقاه في جوف البحر. فمكث سليمان في ملكه راضياً مطمئناً حتى قبضه الله إليه. قوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}. فزاده الله ملكاً إلى ملكه الذي ورثه من داوود، فسخّر له الريح والشياطين. قال الله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ}. ذكروا عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بينا أنا البارحة في مصلاي إذ عرض علي الشيطان، فأخذته بحلقه فخنقته، حتى إني لأجد برد لسانه على ظهر كفي، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً تنظرون إليه . تفسير : قوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} ذكروا عن الحسن قال: الرخاء التي ليست بالعاصف التي تؤذيه، ولا بالبطيئة التي تقصر به عن حاجته، رخاء بين ذلك. قوله: {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حيث أراد، وهي بلسان هجر. وهو تفسير مجاهد. غير أنه قال: حيث شاء. وتفسير الحسن: أن سليمان إذا أراد أن يركب جاءت الريح فوضع سرير مملكته عليها، ووضع الكراسي والمجالس على سريره، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإنس، والجن يومئذ ظاهرة للإِنس، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدْمٌ، يحجون ويصلون جميعاً ويعتمرون جميعاً، والطيور ترفرف على رأسه ورؤوسهم، والشياطين حَرَسَة لا يتركون أحداً يتقدم بين يديه، وهو قوله: (أية : وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) تفسير : [النمل: 17] على كل صنف منهم وزعة يرد أولهم على آخرهم. قوله: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} أي يغوصون في البحر ويستخرجون له اللؤلؤ. {وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} أي: في السلاسل، ولم يكن يسخر منهم ويستعمل في هذه الأشياء ولا يصفد في السلاسل إلا الكفار منهم، فإذا تابوا وآمنوا حلهم من تلك الأصفاد. هذا تفسير الحسن.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي} عدم استثنائي ناسياً في حيث قلت (لأطوفن).. الخ أو غفلت عن عبادة الصنم في داري غير عالم به وغير باحث وأغراني احتجابي عن الناس أو قولي لامرأتي: (نعم أحكم لأخيك) غير مستثن ناسياً أغفر لي ارسالي ابني الى السحاب والتصوير غير حرام عندهم* {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} أي لا يكون لأحد من بعدي أهلاً أو هب لي ملكاً يقال فيه لم يؤت أحد مثله كما يقال لزيد ما ليس لغيره أو لا يكون لأحد ليكون معجزة لي مناسبة لحالي أو لا تسلبه في باقي عمري وتعطيه لغيري كما سلبته من قبل هذا كقوله فمن يهديه من بعد الله أي سوى الله، وقيل: سأل ذلك ليكون دليلاً على رسالته وقبول توبته حيث أجاب له ورد ملكه وزاد فيه وقيل سأل ذلك ليختص به كما اختص داود بالانة الحديد وعيسى باحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عفريتاً من الجن عارضني البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه في سارية من سواري المسجد حتى تنظروا اليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان {هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فرددته خاسئاً" تفسير : وقيل: لا تعط لأحد من بعدي أو غيرى في زماني أو غيره لعله لا يحافظ فيه على حدودك لعظمته كقول الملائكة: {أية : أتجعل فيها من يفسد}؟... تفسير : الخ. وقيل: علم الله أنه لا يقوم به غيره فأمره أن يستوهبه ولم يقل ذلك حرصاً على الدنيا وحسداً كما قال الحجاج حين قيل له: انك لحسود فقال: أحسد مني من قال: {وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} جزاه على الله كقوله: (طاعة أوجب من طاعة الله) لانه اشترط فى طاعته اذا قال: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : وأطلق الاستطاعة وقال: {وأولي الأمر منكم} وانما قدم الاستغفار على الاسباب لمزيد اهتمامه بأمر الدين وليجاب دعاؤه ويحتمل أن الواو عطفت السابق على اللاحق. وقرأ غير نافع وأبي عمرو وأبي جعفر باسكان ياء بعدي* {إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء
اطفيش
تفسير : {قال ربِّ اغْفر لي وهَبْ لي مُلكاً لا ينْبَغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدي} أى ملكا لا يكون لأحد غيرى، كما أن الريح منها وانما طلب ذلك الملك العظيم لتجبر أهل زمانه جدا، فطلب الزيادة على ملك آبائه والزيادة على معجزة أبيه، ولتكثر الطاعة، وليعلم بحصول الاجابة قبول انابته والمعجزة، أو زيادتها لا تختص بأول البنوة، ولا سيما أن رجوع ملكه بعد سلب كابتداء النبوة، وقد قيل: المعنى هب لى ملكا لا يسلبه أحد عنى فى حياتى بعد كهذه السلبة، كما تسلب الأملاك عمن قبل لمن بعد، فلا يسلط عليه الشيطان مرة أخرى، كما قيل: أنه أخذ عفريت خاتمه، فاستولى على ملكه، وقيل: أراد أن يختص بهذا الملك، كما اختص أبوه بإلانة الحديد، وعيسى بإحياء الموتى وشفاء الأضرار، وقد قيل: أقام قبل الفتنة عشرين سنة، وبعدها عشرين. وليست الآية صريحة فى أن هذا الدعاء بعد الفتنة، اذ لا مانع من الدعاء بدوام الملك وزيادته، ولا بأس باستخدام الجنى، ولا على مدعيه ان صدق، لأن هذا فى بعض الجن لا فى الكل أو الجل، وبالعلاج والاذكار، والذى لسليمان للكل أو الجل وبالله تعالى لا بعلاج. {إنَّك أنْت الوَهَّاب} تعليل لهب كما ذكرت الهبة فيها معا، وأجيز أن يكون تعليلا له، ولا غفر، كأنه قيل: استجب لى فيهما، لأنك أنت الوهاب أو رب اغفر لى لأنك أنت الوهاب، وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} بدل من {أية : أَنَابَ }تفسير : [ص: 34] وتفسير له على ما في «إرشاد العقل السليم» وهو الظاهر. ويمكن أن يكون استئنافاً بيانياً نشأ من حكاية ما تقدم كأنه قيل فهل كان له حال لا يضر معه مسح الخيل سوقها وأعناقها؟ وهل كان بحيث تقتضي الحكمة فتنته؟ فأجيب بما أجيب وحاصله نعم كان له حال لا يضر معه المسح وكان بحيث تقتضي الحكمة فتنته فقد دعا بملك عظيم فوهب له، ويمكن أن يقرر الاستئناف على وجه آخر، وكذا يمكن أن يكون استئنافاً نحوياً لحكاية شيء من أحواله عليه السلام فتأمل. {رَبّ ٱغْفِرْ لِى } ما لم أستحسن صدوره عني. {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } أي لا يصح لأحد غيري لعظمته فبعد هنا نظير ما في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ }تفسير : [الجاثية: 23] أي غير الله تعالى، وهم أعم من أن يكون الغير في عصره، والمراد وصف الملك بالعظمة على سبيل الكناية كقولك لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال وربما كان في الناس أمثاله تريد أن له من ذلك شيئاً عظيماً لا أن لا يعطي أحد مثله ليكون منافسة، وما أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، وابن مردويه عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن عفريتاً جعل يتفلت عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي وإن الله تعالى أمكنني منه فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان {رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } فرده الله تعالى خاسئاً»تفسير : لا ينافي ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أراد كمال رعاية دعوة أخيه سليمان عليه السلام بترك شيء تضمنه ذلك الملك العظيم وإلا فالملك العظيم ليس مجرد ربط عفريت إلى سارية بل هو سائر ما تضمنه قوله تعالى الآتي: {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ }تفسير : [ص: 36] الخ. وقيل: إن عدم المنافاة لأن الكناية تجامع إرادة الحقيقة كما تجامع إرادة عدمها، ولعله إنما طلب عليه السلام ذلك ليكون علامة على قبول سؤاله المغفرة وجبر قلب عما فاته بترك الاستثناء أو ليتوصل به إلى تكثير طاعته لله عز وجل ونعمة الدنيا الصالحة للعبد الصالح فلا إشكال في طلب الملك في هذا المقام إذا قلنا بما يقتضيه ظاهر النظم الجليل من صدور الطلبين معاً. وقال الزمخشري: ((كان سليمان عليه السلام ناشئاً في بيت الملك والنبوة ووارثاً لهما فأراد أن يطلب من ربه عز وجل معجزة فطلب على حسب إلفه ملكاً زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ليكون/ ذلك دليلاً على نبوته قاهراً للمبعوث إليهم ولن تكون معجزة حتى تخرق العادات فذلك معنى {لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى })) فقوله من {بَعْدِى} بمعنى من دوني وغيري كما في الوجه السابق، وحسن طلب ذلك معجزة مع قطع النظر عن الإلف أنه عليه السلام كان زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك ومعجزة كل نبـي من جنس ما اشتهر في عصره، ألا ترى أنه لما اشتهر السحر وغلب في عهد الكليم عليه السلام جاءهم بما يتلقف ما أتوا به، ولما اشتهر الطب في عهد المسيح عليه السلام جاءهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ولما اشتهر في عهد خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم الفصاحة أتاهم بكلام لم يقدروا على أقصر فصل من فصوله. واعترض بأن اللائق بطلب المعجزة أن يكون في ابتداء النبوة وظاهر النظم الجليل أن هذا الطلب كان بعد الفتنة والإنابة كيف لا وقوله تعالى: {قَالَ } الخ بدل من {أَنَابَ } وتفسير له والفتنة لم تكن في الابتداء كما يشعر به النظم. وأجيب بأنا لا نسلم أن اللائق بطلب المعجزة كونها في ابتداء النبوة وإن سلم فليس في الآية ما ينافي وقوعه، وكذا وقوع الفتنة في ابتدائها لا سيما إن قلنا: إن قوله تعالى: {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى } الخ ليس تفسيراً لأناب. وأجيب على القول بأن الفتنة كانت سلب الملك بأن رجوعه بعد كالابتداء. وذكر بعض الذاهبين إلى ذلك أنه عليه السلام أقام في ملكه قبل هذه الفتنة عشرين سنة وأقام بعدها عشرين سنة أيضاً وقالوا في هذه الآية: إن مصب الدعاء الوصف فمعنى الآية هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد غيري ممن هو في عصري بأن يسلبه مني كهذه السلبة. وروي هذا المعنى عن عطاء بن أبـي رباح وقتادة، وحاصله الدعاء بعدم سلب ملكه عنه في حياته، ويفهم مما في سياق التفريع إجابة سؤاله عليه السلام وأن ما وهب له لا يسلب عنه بعد. وجوز أن يكون هذا دعاء بعدم السلب وإن لم يتقدم سلب ودوام نعمة الله عز وجل مما يحسن الدعاء به والآثار ملأى من ذلك فهذا الوجه لا يتعين بناؤه على تفسير الفتنة بسلب الملك على ما حكى سابقاً. وقال الجبائي: إنه عليه السلام طلب ملكاً لا يكون لغيره أبداً ولم يطلب ذلك إلا بعد الإذن فإن الأنبياء عليهم السلام لا يطلبون إلا ما يؤذن لهم في طلبه وجائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه إن سأل ذلك كان أصلح له في الدين وأعلمه أن لا صلاح لغيره فيه وهو نظير قول القائل: اللهم اجعلني أكثر أهل زماني مالاً إذا علمت أن ذلك أصلح لي فإنه حسن لا ينسب قائله إلى شح اهـ. قيل ويجوز أن يكون معنى الآية عليه هب لي ملكاً ينبغي لي حكمة ولا ينبغي حكمة لأحد غيري وأراد بذلك طلب أن يكون عليه السلام متأهلاً لنعم الله عز وجل وهو كما ترى. وقيل غير ذلك، ومن أعجب ما رأيت ما قاله السيد المرتضى: إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة ويكون معنى قوله: {لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } لا يستحقه بعد وصوله إليه من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به ذلك لانقطاع التكليف، ولا يخفى أنه مما لا يرتضيه الذوق والتفريع الآتي آب عنه كل الإباء. واستدل بعضهم بالآية على بعض الأقوال المذكورة فيها على تكفير من ادعى استخدام الجن وطاعتهم له وأيد ذلك بالحديث السابق، والحق أن استخدام الجن الثابت لسليمان عليه السلام لم يكن بواسطة أسماء ورياضات بل هو تسخير إلهي من غير واسطة شيء وكان أيضاً على وجه أتم وهو مع/ ذلك بعض الملك الذي استوهبه فالمختص على تقدير إفادة الآية الاختصاص مجموع ما تضمنه قوله تعالى: {أية : فَسَخَّرْنَا} تفسير : [ص: 36] الخ فالظاهر عدم إكفار من يدعي استخدام شيء من الجن، ونحن قد شاهدنا مراراً من يدعي ذلك وشاهدنا آثار صدق دعواه على وجه لا ينكره إلا سوفسطائي أو مكابر. ومن الاتفاقيات الغريبة أني اجتمعت يوم تفسيري لهذه الآية برجل موصلي يدعي ذلك وامتحنته بما يصدق دعواه في محفل عظيم ففعل وأتى بالعجب العجاب، وكانت الأدلة على نفي احتمال الشعبذة ونحوها ظاهرة لذوي الألباب إلا أن لي إشكالاً في هذا المقام وهو أن الخادم الجني قد يحضر الشيء الكثيف من نحو صندوق مقفل بين جمع في حجرة أغلقت أبوابها وسدت منافذها ولم يشعر به أحد، ووجه الإشكال أن الجني لطيف فكيف ستر الكثيف فلم ير في الطريق؟ وكيف أخرجه من الصندوق وأدخله الحجرة وقد سددت المنافذ؟ وتلطف الكثيف ثم تكثفه بعد مما لا يقبله إلا كثيف أو سخيف، ومثل ذلك كون الإحضار المذكور على نحو إحضار عرش بلقيس بالإعدام والإيجاد كما يقوله الشيخ الأكبر أو بوجه آخر كما يقول غيره، ولعل الشرع أيضاً يأبـى هذا، وسرعة المرور إن نفعت ففي عدم الرؤية في الطريق، وقصارى ما يقال لعل للجني سحراً أو نحوه سلب به الإحساس فتصرف بالصندوق ومنافذ الحجرة حسبما أراد وأتى بالكثيف يحمله ولم يشعر به أحد من الناس فإن تم هذا فبها وإلا فالأمر مشكل. وظاهر جعل جملة {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى } تفسيراً للإنابة يقتضي أن الاستغفار مقصود لذاته لا وسيلة للاستيهاب. وفي كون الاستيهاب مقصوداً لذاته أيضاً احتمالان. وتقديم الاستغفار على تقدير كونهما مقصودين بالذات لمزيد اهتمامه بأمر الدين وقد يجعل مع هذا وسيلة للاستيهاب المقصود أيضاً فإن افتتاح الدعاء بنحو ذلك أرجى للإجابة، وجوز على بعد بعد التزام الاستئناف في الجملة كون الاستيهاب هو المقصود لذاته والاستغفار وسيلة له، وسيجىء إن شاء الله تعالى ما قيل في الاستئناس له. وقرىء {من بعدي} بفتح الياء وحكى القراءة به في {لي}. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } تعليل للدعاء بالمغفرة والهبة معاً لا للدعاء بالأخيرة فقط فإن المغفرة أيضاً من أحكام وصف الوهابية قطعاً. ومن جوز كون الاستيهاب هو المقصود استأنس له بهذا التعليل ظناً منه أنه للدعاء بالأخيرة فقط وكذا بعدم التعرض لإجابة الدعاء بالأولى فإن الظاهر أن قوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : (35) - فَسَأَلَ سُلَيْمَانُ رَبَّهُ المَغْفِرَةَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَمْنَحَهُ مُلْكاً عَظِيماً لاَ يَتَسَنَّى لأَِحَدٍ بَعْدَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلاَلَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الوَهَّابُ الوَاسِعُ العَطَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية تعطينا لقطةً من لقطات قصة سيدنا سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولسيدنا سليمان في قَصَصه لقطات متعددة، كل لقطة تمثل عبرةً من العبر، وعظةً من العظات، وموقفاً من مواقف سيدنا سليمان في أمر دعوته. وأول لقطة في القصة مع أبيه داود - عليه السلام - حينما حكم في الحرث أي: الزرع، وكان الزرع لرجل فجاءت غنم رجل آخر فأكلت الزرع، وقد حكى لنا الحق سبحانه قصة الحكم الذي حكمه داود، والأمر الذي انتهى إليه الحكم من استدراك على حكم داود من كلام ولده سليمان. وصوَّبَ الله الحكمين، وقال سبحانه: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..} تفسير : [الأنبياء: 78-79]. معنى: {أية : نَفَشَتْ فِيهِ ..} تفسير : [الأنبياء: 78] يعني: انتشرت فيه الغنم وأكلته، فلمَّا عُرِض الأمر على داود قضى بأنْ يأخذَ صاحبُ الزرع الغنَم. فلما علم سليمان بهذا الحكم ردَّه. وقال: بل نعطي الأرض لصاحب الغنم ليزرعها حتى تعود كما كانت، ونعطي الغنم لصاحب الأرض يستفيد منها، ثم يعود كل حقٍّ إلى صاحبه، فكأن الله تعالى ألهم سليمان صحة الحكم ليستدرك على أبيه داود، فانظر كيف كانت قداسة كلمة السماء مع كلمة أهل الأرض، وبعد ذلك صوَّب الله تعالى الحكمين، وقال {أية : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..} تفسير : [الأنبياء: 79]. إذن: فاستدراك هيئة تحكم على هيئة حكمت ليس عيباً في الأولى، وإنما هذا فهم فَهْماً حكم بمقتضاه، وذلك فَهم فَهْماً آخر حكم بمقتضاه، لذلك نجد في المحاكم الحكم الابتدائي والاستئنافي، وبعد ذلك حكم النقض، فهل حكم الاستئناف يطعن في الحكم الابتدائي، أو حكم النقض يطعن في حكم الاستئناف؟ لا، لأن الحكم الأعلى يراعي شيئاً فاتَ صاحب الحكم الأدنى، فلا غضاضةَ في هذا. ونحن حين نستعرض القصة نجد المفسرين لم يُظهروا لنا حجة داود في الحكم الذي قضى به، ولا حجة سليمان في الحكم الذي قضى به، وبالاستقراء. قلنا: الزرع قديماً لم يكُنْ في أرض محكرة مملوكة للناس، إنما كانت الأرض على المشاع، ففي أي مكان تبذر الحب وتسقيه السماء حتى يثمر فتأخذه ثمره دون أنْ تمتلك أرضه، يعني: من سبق إلى أيِّ حقل زرعه. إذن: الملكية كانت للزرع فحسب لا للأرض، فعلى هذا قام حكم سيدنا داود، وما دامت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع فالمسألة زرع وغنم. أما سيدنا سليمان فرأى أن الزرع يمثل كما نقول وَضْع يد على الأرض، ووَضع اليد يبيح الملكية، فأبقى لصاحب الملك ملكه في الأرض، فحكم بأنْ يأخذ صاحبُ الأرض الغنم ينتفع بها وأن يأخذ صاحب الغنم الأرض يزرعها إلى أنْ تعود كما كانت، ثم يأخذ كل منهما ماله. إذن: كان لكل منهما مَلْحظ، وبناءً عليه حكم لذلك؛ فقال تعالى في حقهما: {أية : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..} تفسير : [الأنبياء: 79]. اللقطة الأخرى هي الفتنة التي وقعتْ لسيدنا سليمان، وقلنا: إن الأصل في كلمة الفتنة هي صَهْر المعدن وإحراقه في النار ليخرج منه الخَبَث والشوائب، فيصير نقياً وتزداد صلابته، ثم أُطْلِقَتْ الفتنة على مطلق الامتحان الذي يُميِّز الجيد من الرديء في البشر، فهي بمعنى الابتلاء. ولو نظرتَ إلى الفتنة لوجدتها شائعة في خَلْق الله جميعاً، فكل واحد من الخَلْق فاتن ومفتون، بمعنى أن الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة وابتلاء للغني، فالغني يُبتلَى بالفقير، أيضنّ عليه بالنعمة أم يعطيه منها؟ أيحتقره لفقره أم يحترم قدر الله فيه؟ كذلك يبتلي الفقير بالغني، أيحسده لغناه ويعترض على قدر الله بالفقر؟ أم يصبر ويتمنى الزيادة لغيره. كذلك الحال في القوي والضعيف، وفي الصحيح والسقيم، وفي الجاهل والمتعلم .. إلخ، إذن: كلٌّ مِنَّا فاتنٌ ومفتون، المهم مَنْ يفوز، ومن ينجح في هذا الابتلاء؟ وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ..} تفسير : [الفرقان: 20] قالوا: كلمة بعض هنا ليستْ تحديداً لشخص بعينه، إنما هي جزء من كل متساو، لكن مُبْهم فيه، كما في قوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ..} تفسير : [الزخرف: 32]. فأيُّنا مرفوع وأيُّنا مرفوع عليه؟ قالوا: كل منَّا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالناس كلهم إذن سواء، أنت لك مجال تجيده وتبدع فيه، فأنت مرفوع في هذا المجال، ولك مجال آخر لا تجيده ولا تعرف فيه شيئاً، فغيرك مرفوع عليك فيه، لأنه يُجيد ما لا تجيده أنت. وهذه المسألة تأتي من استطراق المواهب في الخَلْق، لأنهم جميعاً عباد الله، وليس منهم مَنْ هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة أو نسب، لذلك نثر الحق سبحانه فضله على عباده جميعاً، ووزّع بينهم المواهب بالتساوي؛ لأن الله تعالى لو جعل إنساناً مجمعَ خير وفضائل ما احتاجَ أحدٌ إلى أحد. والله يريد للعباد أن تتشابك أيديهم، وأنْ يتعاونوا في حركة الحياة، فالقوي يحتاج للضعيف، والضعيف يحتاج للقوي، العَالِم يحتاج للجاهل، والجاهل يحتاج للمتعلم. وهكذا يرتبط الناس ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بالباشا أو العظيم الذي يعود من عمله، فيجد مجاري البيت مسدودة، ويشم في بيته رائحة كريهة، فيسرع إلى عامل المجاري لينقذ الموقف، وربما ركب سيارته وذهب إليه في مكان عمله، بل وترجاه أنْ يأتي معه، فالعامل في هذه الحالة مرفوع، والباشا مرفوع عليه. وأذكر زمان عندنا في ميت غمر في (بورصة) مقهى اسمها (باباه)، العمال هناك عملوا ثورة وقالوا: لا يصح أن العامل يخدم غيره، ولا يصح أنْ يمسح أحذية الخَلْق، لماذا يا ناس؟ قالوا: لأن في ذلك مهانةً ومَذَلةً فقلنا لهم: إذن نمسح نحن لأنفسنا، وفعلاً عملنا إضراباً واشترى كل منا علبة ورنيش، وصار يمسح الحذاء لنفسه، وبعد فترة جاء هؤلاء إلى البورصة وضَجُّوا من البطالة وقِلَّة الرزق، وراحوا يرجُونَ الناس العودة إلى ما كانوا عليه. بعدها ناقشناهم. وقال بعض الإخوان لأحدهم: بالله أنت حين تسألني سؤالاً وأجيبك عليه: هل آخذ منك جُعْلاً على الإجابة؟ قال: لا، لو عرفت كم كلفني هذا الجواب من عمري وجدِّي واجتهادي، ومن تعب أهلي في تربيتي لعرفت أنني كنتُ أيامها مُسخَّراً لك كما أنك مُسخَّر لي الآن، لكنكم نظرتُمْ لنا في وقت راحتنا، ونظرتم إلى أنفسكم وقت عملكم، إذن: القسمة متساوية وكُلٌّ منا مُسخَّر للآخر، والمسألة ليس فيها إهانة ولا مَذلَّة، بل هو التكامل في حركة الحياة. لذلك قال الحق سبحانه بعدها: {أية : أَتَصْبِرُونَ ..} تفسير : [الفرقان: 20] يعني: أتصبرون على فتنة بعضكم ببعض، حتى الرسل فُتِنوا بالكفار يؤذونهم ويضطهدونهم، وفُتِن الكفار بالرسل. إذن: من النعم أن الله تعالى وزَّعَ المواهب في الكون كله، ووزَّع فضله على الخَلْق {أية : فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ..} تفسير : [النحل: 71]. نعود إلى سيدنا سليمان ونقول: ما يدرينا أن الملْك والنبوة معاً أغرت سليمان، فوجد في نفسه شيئاً من ذلك، فأراد الله أنْ يُصحح له خواطره في نفسه، لأنه يريده لمهمة أعلى مما هو فيه الآن؛ لذلك مَرَّ بهذه التجربة، ووجد نفسه على كرسيه جسداً لا يستطيع الحركة. لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً مُؤدَّباً مع ربه ومع الخَلْق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : معنى هذا أن الأنبياء يمكن أنْ يخالطهم شيء، وأنهم يمكن أنْ يُبْتَلُوا، لكن ممن يكون الابتلاء من الله الذي أرسلهم، والابتلاء يكون تصحيحاً لمسار المبتلَى، وليس كرهاً له لا سمحَ الله. كذلك ابتلى اللهُ سيدنا سليمان، لأنه يعده لأمر أسمى من هذا، هو ملْك في ظاهر الملك، إنما ربه يريد أن يُعدِّه ليعطيه شيئاً من الملكوت. لما عاد سليمان - عليه السلام - وأناب إلى ربه، قال {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} [ص: 35] يعني: استغفر ربه مما وقع فيه من الغرور. يعني: ربِّ اغفر لي ما سبَّب أن تجعلني جسداً. وكأنه قال: يا رب، لقد ابتليتني بالملك والنبوة، وهذه مسألة لم تحدث لأحد من قبلي فاغتررت بها، فهَبْ لي مُلْكاً أعظم منه لا ينبغي لأحد من بعدي وسوف أوفي هذه المرة ولن أغتر، وكأنه يقول لربه: يا ربّ جربني وأعطني فرصة أخرى، فلما دعا سليمان هذا الدعاء أجابه ربه وأعطاه ما طلب. لذلك احترم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة أخيه سليمان، فقد ورد في الحديث الشريف حديث : أن الشيطان عَرض لرسول الله وهو يصلي ليشغله عن صلاة، فأمسك به رسول الله وهَمَّ أنْ يربطه في سارية المسجد يلهو به صبيان المدينة، لكنه صلى الله عليه وسلم تذكّر دعاء أخيه سليمان {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ ..} فلم يفعل تقديراً لسليمان عليه السلام . تفسير : ومعنى {ٱلْوَهَّابُ} [ص: 35] صيغة مبالغة، تدل على كثرة الوهب وقلنا: الهبة عطاء بلا مقابل، والمعنى أن من ضمن ما تهبه يا رب الملك، وهذا يعني أن الملْك لا يناله أحد بمجهوده ومهارته، إنما هو هبة من الله، فالله هو الذي يهَبُ الملْك ووهبه حتى للكافر الذي حَاجّ إبراهيم في ربه، كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ..} تفسير : [البقرة: 258]. وقال سبحانه: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ..} تفسير : [آل عمران: 26].
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان بن داود عن الناس ثلاثة أَيام فأَوحى الله، عز وجل، إِليه: يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أَيام فلم تنظر في أُمور عبادي، ولم تنصف لي مظلوماً من ظالم. وكان ملك سليمان في خاتمه. وكان إِذا دخل الحمام وضعه تحت فراشه. فدخل الحمام يوماً ووضع خاتمه تحت فراشه، فأَخذه الشيطان، فأَلقاه في البحر، وجلس في مجلسه على فراشه، وأَقبل الناس نحو الشيطان، وجاءَ سليمان، فجعل يقول للناس: أَنا سليمان. أَنا نبي الله. فيدفعونه. فسأَل في كفه أَربعين يوماً، ثم أَتى أَهل سفينة فأَعطوه حوتاً، فشقه، فإِذا هو بالخاتم، فتختم به ثم جاءَ فأَخذ بناصية ذلك الشيطان. فعند ذلك قال: {رَبِّ} {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} [الآية: 35]. وكان أَول من أَنكره نساؤه. فقال بعضهن لبعض: أَتنكون ما ننكر؟. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا حماد بن سلمة، عن أَبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: كان سليمان بن داود يأْوي إِلى عجوز، فاذا نام بالنهار جاءَت حية بيضاءُ تذب عن وجهه. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {رُخَآءً} [الآية: 36]. قال: الرخاء، الطيبة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَيْثُ أَصَابَ} [الآية: 36]. يعني: حيث شاءَ. وبإِسناده في قوله: {فَٱمْنُنْ} [الآية: 39]. قال: اعط {أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الآية: 39]. قال: يعني بغير حرج. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة عن أَبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: كان {ٱلشَّيْطَانُ} [الآية: 41] الذي سلط على أَيوب اسمه مسوط. أَنا عبدالرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم /66 ظ/ قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَذَا ٱلْكِفْلِ} [الآية: 48]. قال: كان ذو الكفل رجلا صالحاً ولم يكن نبياً، وكان تكفل لنبي أَن يكفيه قومه، ويقضي بينهم بالعدل. فلذلك سمي ذا الكفل.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} معناه لاَ يكونُ لَهُ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} [35] 459 - أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن حُصينٍ، عن عُبيد الله، عن عائشةَ، حديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصلي، فأتاهُ الشيطانُ، فأخذه، فصرعهُ، فخنقهُ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حتى وجدتُ/ بردَ لِسانِهِ على يدي، ولولا دعوةُ أخي سُليمان [عليه السلام] لأصبحَ مُوثَقاً حتى يراهُ الناسُ ". تفسير : 460 - أخبرنا محمدُ بن بشارٍ، عن محمدٍ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن محمد بن زيادٍ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : إنَّ عفريتاً من الجنِ انفلت البارحةَ؛ ليقطع عَلَيَّ صلاتي، فأمكنني اللهُ منه، فأخذتهُ فأردتُ أن أربطهُ إلى ساريةٍ من سواري المسجدِ حتى تنظُرُون إليه، فذكرتُ دعوة أخي سُليمان بن داوُدَ، وقوله {رَبِّ [ٱغْفِرْ لِي وَ]هَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} فَرَدَدْتُهُ خَاسِئاً ".
همام الصنعاني
تفسير : 2593- قال معمر وقال قتادة، إن سليمان قال للشَّياطين: إني قد أُمِرْتُ أن أبني مسجداً يعني بيت المقدس، لا أسمع فيه صَوْتَ منقار ولا ميشار. فقالت له الشياطين: إنَّ في البحر شيطاناً فلعلك إن قدرت عليه أن يخبرك بذلك، وكان ذلك الشيطان يرد كل سبعة أيام عيناً يشرب مِنْها، فعمدت الشياطين إلى تلك العين، فنزحتها ثم ملأتها خمراً، فجاء ذلك الشيطان، فقالت: إنك لطيبة الريح، ولكنك تُسَفِّهِينَ الحليم، وتزيدين السفيه سفَهاً، ثم ذهب فلم يشرب، ثم أدركه العطش، فرجع، فقال له مثل ذلِكَ ثلاث مرات، ثم إنه كرع فشرب فسكر، فأخذوه، فجاءوا به إلى سليمان، فأراه سليمان خاتمه، فلما رآه ذلّ، وكانَ ملك سليمان في خاتمه، قال له سليمان: إ ني قدْ أُمِرْتُ أن أبني مسجداً لا اسمع فيه صوت منقار ولا ميشار فأمر الشياطين بزجاجة، فَصُنِعت له، ثم وُضِعَت على بيض الهدهد، فجاء الهدهد ليربض عَلَى بَيْضه، فلَمْ يقدِرَ عَلَيْهِ فذهب فقال الشيطان: انظروا ما يأتي به الهدهد فخذوه، فجاء بالماء فوضعه على الزجاجة ففلقها، فأخذوا الماس، فجعلو يقطّون به الحجارة قَطّاً حتى بُني بيت المقدس، قال: فاطلق سليمان يوماً إلى الحمام وكان قد قارف بعض نسائه في بعضِ المأثم. قال معمر: لا أعلمه إلا قال حائضاً، فدخل الحمام، فوضع خاتمه ومعه ذلك الشيطان، فلما دخل أخذ ذلك الشيطان خاتمه فألقاه في البحر، وَأُلْقِيَ علت الشيطان شبه سليمان فخرج سليمان وقد ذهب ملكه وكان الشيطان على سرير سليمان أربعين يوماً، فاستنكره صحابة سليمان، وقالوا: لقد افتتن سليمان من تهاونه بالصَّلاَةِ، وكَانَ ذلِكَ الشيطان يتهاون بالصلاة وبأشياء من أمر الدين، وكان معه من صحابة سليمان رجل يشبه بعمر بن الخطاب في الجلد والقوة، فقال: إني سائله لكم، فجاء فقال: يا نبي الله ما تقول في أحدنا يصيب مِنْ امرأته في الليلة الباردة ثم ينام حتى تطلع الشمس، لا يغتسل ولا يصلِّي، هل تَرَى عليه في ذَلِكَ بأساً؟ قال: لا بأس عليه؛ فرجع إلى أصحابه فقال: قد افتتن سليمان، قال: فبينما سليمان ذاهب في الأرض إذ أوى إلى امرأة فصنعت له حُوتاً أو قال: فجاءته بِحُوتٍ، فَشَقَّت بطنه فرأى سليمان خاتمه في بطن الحوت، فَعَرَفه، فأخذه فلبسه، فسجد له كل شيء لقيه من طير أو دابة أو شيء، وَرَدَّ اللهُ إليه ملكه. فقال عند ذلك: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ}: [الآية: 35]، قال قتادة يقول: لا تَسْلُبْنِيهِ مَرَّة ً أُخرى. 2594- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: فحينئذٍ سُخِّرَت له الشيطاين و الرياح. 2595- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّورْي، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ قال: هي صلاة العَصْرِ التي شُغِلَ عنها سليمان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):