٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية شرح واقعة ثانية لسليمان عليه السلام واختلفوا في المراد من قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } ولأهل الحشو والرواية فيه قول، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات: الأولى: قالوا إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها، وأخذ بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكانت تبكي أبداً على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشياً مع جواريها يسجدن لها، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائباً إلى الله تعالى، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوماً، فأتاها الشيطان ساحب البحر على صورة سليمان. وقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان فأتى عليه الطير والجن والإنس، وتغيرت هيئة سليمان فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته. فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم أخذ يخدم السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان، فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة، وقيل بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجداً لله، ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان وأدخله في صخرة وألقاها في البحر. والرواية الثانية للحشوية: أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان وكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها، فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله. والرواية الثالثة: (لهم) قالوا: إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس؟ فقال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها. إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } أن الله تعالى ابتلاه وقوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً } هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه. والرواية الرابعة: أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وألقى على سريره شيطان عقوبة له. واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء، فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من الشرائع. فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد وعيسى وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية الثاني: أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم وأن يخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق أكابر الأنبياء أولى والثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ ولا شك أنه قبيح الرابع: لو قلنا إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه ألبتة فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه؟ فأما الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء: الأول: أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش صار مسلطاً علينا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يتوكل فيه على الله فاستغفر ربه وأناب الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرساناً أجمعون» تفسير : فذلك قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } الثالث: قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ } منه {جَسَداً } وذلك لشدة المرض. والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضم وجسم بلا روح {ثُمَّ أَنَابَ } أي رجع إلى حال الصحة، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة ألبتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة الرابع: أقول لا يبعد أيضاً أن يقال إنه ابتلاه الله تعالى بتلسيط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب. أما قوله تعالى: {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى } فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه تمسكوا بهذه الآية، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك ألبتة عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنهم أبداً في مقام هضم النفس، وإظهار الذلة والخضوع، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» تفسير : ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى } دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم بعده طلب المملكة. وأيضاً الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم توسل به إلى طلب المملكة، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضاً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } تفسير : [نوح: 10 - 12] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } فإن قيل قوله عليه السلام: {مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى } مشعر بالحسد، والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي، هو أن يعطيه الله ملكاً لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه ألبتة، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه الأول: أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري ألبتة، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي. والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ } فكون الريح جارياً بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله: {هَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى } هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها، فقوله: {لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى } يعني لا يقدر أحد على معارضته والوجه الثاني: في الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر، فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره، وذلك الذي سأله بقوله: {مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى } أي ملكاً لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري الوجه الثالث: في الجواب أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها، فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية، حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل الوجه الرابع: من الناس من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب، لأن هذه اللذات حاضرة وسعادات الآخرة نسيئة، والنقد يصعب بيعه بالنسيئة، فقال سليمان أعطني يا رب مملكة تكون أعظم الممالك الممكنة للبشر، حتى أني أبقى مع تلك القدرة الكاملة في غاية الاحتراز عنها ليظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى الوجه الخامس: أن من لم يقدر على الدنيا يبقى ملتفت القلب إليها فيظن أن فيها سعادات عظيمة وخيرات نافعة، فقال سليمان يا رب العزة أعطني أعظم الممالك حتى يقف الناس على كمال حالها، فحينئذ يظهر للعقل أنه ليس فيها فائدة وحينئذ يعرض القلب عنها ولا يلتفت إليها، وأشتغل بالعبودية ساكن النفس غير مشغول القلب بعلائق الدنيا، ثم قال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ } رخاء أي رخوة لينة وهي من الرخاوة والريح إذا كانت لينة لا تزعزع ولا تمتنع عليه كانت طيبة، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في آية أخرى {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ } قلنا الجواب من وجهين الأول: لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة فكانت رخاء والوجه الثاني: من الجواب أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى ولا منافاة بين الأمرين وقوله تعالى: {حَيْثُ أَصَابَ } أي قصد وأراد، وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون أصاب الصواب فأخطأ الجواب. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما، فقال أين تصيبان؟ فقالا هذا مطلوبنا. وبالجملة فالمقصود أنه تعالى جعل الريح مسخرة له حتى صارت تجري بأمره على وفق إرادته، ثم قال والشياطين كل بناء وغواص، قال صاحب «الكشاف» الشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وآخرين عطف على قوله: {كُلَّ بَنَّاء } وهو بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ، وقوله: {مُقْرِنِينَ } يقال قرنهم في الحبال والتشديد للكثرة {والأصفاد} الأغلال واحدها صفد والصفد العطية أيضاً، قال النابغة: شعر : ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد تفسير : فعلى هذا الصفد القيد فكل من شددته شداً وثيقاً فقد صفدته، وكل من أعطيته عطاء جزيلاً فقد أضفدته، وههنا بحث، وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة، وبسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر، وقدروا على الغوص في البحار، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم، ولقائل أن يقول إن هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم، فليجز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها، وذلك دخول في السفسطة، وإن كان الثاني وهو أن أجسادهم ليست كثيفة، بل لطيفة رقيقة، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفاً بالقوة الشديدة، وأيضاً لزم أن تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال، وذلك يمنع من وصفهم ببناء الأبنية القوية، وأيضاً الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة، فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا؟ ولم لا يخربون ديار الناس؟ مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنهم وعداوتهم. وحيث لم يحس شيء من ذلك، علمنا أن القول بإثبات الجن والشياطين ضعيف. واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها، وأيضاً لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق والتمزق. وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان، ثم إنه لما توفي سليمان عليه السلام، أمات الله أولئك الجن والشياطين، وخلق نوعاً آخر من الجن والشياطين تكون أجسامهم في غاية الرقة، ولا يكون لهم شيء من القوة، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس. ثم قال تعالى: {هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وفيه قولان الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب، أي ليس عليك حرج فيما أعطيت وفيما أمسكت الثاني: أن هذا في أمر الشياطين خاصة، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين فحل عنه، واحبس من شئت منهم في العمل بغير حساب. ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على سليمان في الدنيا، أردفه بإنعامه عليه في الآخرة، فقال: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآب } وقد سبق تفسيره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة؛ ذكره الزمخشري. و«فَتَنَّا» أي ابتلينا وعاقبنا. وسبب ذلك ما رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: اختصم إلى سليمان عليه السلام فريقان أحدهما من أهل جرادة امرأة سليمان؛ وكان يحبها فهوي أن يقع القضاء لهم، ثم قضى بينهما بالحق، فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى. وقال سعيد بن المسيّب: إن سليمان عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد، ولا ينصف مظلوماً من ظالم؛ فأوحى الله تعالى إليه: إني لم أستخلفك لتحتجب عن عبادي، ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم. وقال شَهْر بن حَوْشَب ووهب بن منبّه: إن سليمان عليه السلام سبى بنت ملك غزاه في البحر، في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون. فألقيت عليه محبتها وهي تعرض عنه، لا تنظر إليه إلا شزرا، ولا تكلمه إلا نزرا، وكان لا يرقأ لها دمع حزنا على أبيها، وكانت في غاية من الجمال، ثم إنها سألته أن يصنع لها تمثالاً على صورة أبيها حتى تنظر إليه، فأمر فصنع لها فعظمته وسجدت له، وسجدت معها جواريها، وصار صنماً معبوداً في داره وهو لا يعلم، حتى مضت أربعون ليلة، وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره، وحرقه ثم ذرّاه في البحر. وقيل: إن سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون واسمها جرادة ـ فيما ذكر الزمخشري ـ أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت، فخوفها فقالت: اقتلني ولا أسلم، فتزوّجها وهي مشركة، فكانت تعبد صنماً لها من ياقوت أربعين يوماً في خفية من سليمان؛ إلى أن أسلمت فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوماً. وقال كعب الأحبار: إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن: إنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض أو غيره. وقيل: إنه أُمِرَ ألاّ يتزوّج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوّج امرأة من غيرهم، فعوقب على ذلك؛ والله أعلم. قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قيل: شيطان في قول أكثر أهل التفسير؛ ألقى الله شبه سليمان عليه السلام عليه، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر، وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فصوتت الحجارة لما صنعت بالحديد، فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والفصوص وغيرها ولا تصوت. قال ابن عباس: كان مارداً لا يقوى عليه جميع الشياطين، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان بن داود، وكان سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان أمّ ولد له يقال لها الأمينة؛ قاله شهر ووهب. وقال ابن عباس وابن جبير: اسمها جرادة. فقام أربعين يوماً على ملك سليمان وسليمان هارب، حتى ردّ الله عليه الخاتم والمُلْك. وقال سعيد بن المسيّب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه، فأخذه الشيطان من تحته. وقال مجاهد: أخذه الشيطان من يد سليمان؛ لأن سليمان سأل الشيطان وكان اسمه آصف: كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك. فأعطاه خاتمه، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسيّ سليمان، متشبهاً بصورته، داخلاً على نسائه، يقضي بغير الحق، ويأمر بغير الصواب. واختلف في إصابته لنساء سليمان، فحكي عن ابن عباس ووهب بن منبّه: أنه كان يأتيهنّ في حيضهنّ. وقال مجاهد: منع من إتيانهنّ. وزال عن سليمان ملكه فخرج هارباً إلى ساحل البحر يتضيّف الناس؛ ويحمل سموك الصيادين بالأجر، وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه. قال قتادة: ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوتة من صياد. قيل: إنه استطعمها. وقال ابن عباس: أخذها أجرة في حمل حوت. وقيل: إن سليمان صادها فلما شق بطنها وجد خاتمه فيها، وذلك بعد أربعين يوماً من زوال ملكه، وهي عدد الأيام التي عُبِد (فيها) الصنم في داره، وإنما وجد الخاتم في بطن الحوت؛ لأن الشيطان الذي أخذه ألقاه في البحر. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: بينما سليمان على شاطىء البحر وهو يعبث بخاتمه، إذ سقط منه في البحر وكان ملكه في خاتمه. وقال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله»تفسير : . وحكى يحيـى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان، فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعاً لله تعالى. قال ابن عباس وغيره: ثم إن سليمان لما ردّ الله عليه ملكه، أخذ صخراً الذي أخذ خاتمه، ونقر له صخرة وأدخله فيها، وسدّ عليه بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه وألقاها في البحر؛ وقال: هذا محبسك إلى يوم القيامة. وقال علي رضي الله عنه: لما أخذ سليمان الخاتم، أقبلت إليه الشياطين والجن والإنس والطير والوحش والريح، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه، ولكنه يَرِد عينا في الجزيرة في كل سبعة أيام يوماً، ولا نقدر عليه حتى يسكر! قال: فنزح سليمان ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: والله إنك لشراب طيب إلا أنك تطيشين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم عطش عطشاً شديداً ثم أتاه فقال مثل مقالته، ثم شربها فغلبت على عقله؛ فأرَوه الخاتم فقال: سمعاً وطاعة. فأتوا به سليمان فأوثقه وبعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان فقالوا: إن الدخان الذي ترون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل من بوله. وقال مجاهد: اسم ذلك الشيطان آصف. وقال السدي اسمه حبقيق؛ فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من حيث إن الشيطان لا يتصوّر بصورة الأنبياء، ثم من المحال أن يلتبس على أهل مملكة سليمان الشيطان بسليمان حتى يظنوا أنهم مع نبيهم في حقّ، وهم مع الشيطان في باطل. وقيل: إن الجسد وَلدٌ وُلِدَ لسليمان، وأنه لما ولد اجتمعت الشياطين؛ وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ابن لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة، فتعالوا نقتل ولده أو نخبله. فعلم سليمان بذلك فأمر الريح حتى حملته إلى السحاب، وغدا ابنه في السحاب خوفاً من مضرة الشياطين، فعاقبه الله بخوفه من الشياطين، فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتاً. قال معناه الشعبي. فهو الجسد الذي قال الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً}. وحكى النقاش وغيره: إن أكثر ما وطىء سليمان جواريه طلباً للولد، فولد له نصف إنسان، فهو كان الجسد الملقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته هناك. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال سليمان لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله؛ فقال له صاحبه قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهنّ جميعاً فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايمُ الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون»تفسير : وقيل: إن الجسد هو آصف بن برخيا الصدّيق كاتب سليمان، وذلك أن سليمان لما فُتِن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه، فأعاده إلى يده فسقط فأيقن بالفتنة؛ فقال له آصف: إنك مفتون ولذلك لا يتماسك في يدك، ففِرّ إلى الله تعالى تائباً من ذلك، وأنا أقوم مقامك في عالمك إلى أن يتوب الله عليك، ولك من حين فتنت أربعة عشر يوماً. ففرّ سليمان هارباً إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت، وكان عنده علم من الكتاب. وقام آصف في ملك سليمان وعياله، يسير بسيره ويعمل بعمله، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائباً إلى الله تعالى، وردّ الله عليه ملكه؛ فأقام آصف في مجلسه، وجلس على كرسيه وأخذ الخاتم. وقيل: إن الجسد كان سليمان نفسه؛ وذلك أنه مرض مرضاً شديداً حتى صار جسداً. وقد يوصف به المريض المضنى فيقال: كالجسد الملقى. صفة كرسيّ سليمان وملكه روي عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ستمائة كرسيّ، ثم يجيء أشراف الناس فيجلسون مما يليه، ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلّهم، ثم يدعو الريح فتقلّهم، وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر. وقال وهب وكعب وغيرهما: إن سليمان عليه السلام لما مَلَك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء، وأمر أن يعمل بديعاً مهولاً بحيث إذا رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب؛ فأمر أن يعمل من أنياب الفيلة مُفصَّصة بالدر والياقوت والزبرجد، وأن يحفَّ بنخيل الذهب؛ فحف بأربع نخلات من ذهب، شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منهما طاووسان من ذهب، وعلى رأس نخلتين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسيّ أسدين من ذهب، على رأس كل واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر. وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر؛ واتخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث أظل عريش الكروم النخل والكرسي. وكان سليمان عليه السلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى، فيستدير الكرسيّ كلّه بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النُّسور والطواويس أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض بأذنابهما. وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها سليمان، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه، ويدور معه النسران والطاووسان والأسدان مائلان برؤوسهما إلى سليمان، وينضحن عليه من أجوافهن المسك والعنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب قائمة على عمود من أعمدة الجواهر فوق الكرسي التوراة، فيفتحها سليمان عليه السلام ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء. قالوا: ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة بالجواهر، وهي ألف كرسيّ عن يمينه، ويجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره وهي ألف كرسيّ، ثم تحف بهم الطير تظلهم، ويتقدّم الناس لفصل القضاء. فإذا تقدّمت الشهود للشهادات، دار الكرسيّ بما فيه وعليه دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتهما، فتفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق. وقيل: إن الذي كان يدور بذلك الكرسيّ تِنِّين من ذهبٍ ذلك الكرسي عليه، وهو عظيم مما عمله له صخر الجنيّ؛ فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسد والطواويس التي في أسفل الكرسيّ إلى أعلاه دُرْن معه، فإذا وقفن وقفْن كلهنّ على رأس سليمان وهو جالس، ثم ينضحن جميعاً على رأسه ما في أجوافهنّ من المسك والعنبر. فلما توفي سليمان بعث بُخْتَنصَّر فأخذ الكرسيّ فحمله إلى أنطاكية، فأراد أن يصعد إليه ولم يكن له علم كيف يصعد إليه؛ فلما وضع رجله ضرب الأسد رجله فكسرها، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعاً. ومات بُخْتَنصَّر وحُمل الكرسيّ إلى بيت المقدس، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه، ولكن لم يدر أحد عاقبة أمره، ولعله رُفع. قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَابَ} أي رجع إلى الله وتاب. وقد تقدّم. قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} أي اغفر لي ذنبي {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا، مع ذمها من الله تعالى، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟. فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرّح بذلك لملائكته فقال: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 30] وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلباً لنفس الدنيا؛ لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله؛ فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة. وقد قيل: إن ذلك كان بأمر من الله جل وعز على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده، أو أراد أن يقول ملكاً عظيماً فقال: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} وهذا فيه نظر. والأوّل أصح. ثم قال له: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال الحسن: ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود عليه السلام فإنه قال: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} الآية. قلت: وهذا يردّ ما روي في الخبر: إن آخر الأنبياء دخول الجنة سليمان بن داود عليه السلام لمكان ملكه في الدنيا. وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً؛ ذكره صاحب القوت وهو حديث لا أصل له؛ لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه لأنه من طريق المنّة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولاً الجنة، وهو سبحانه يقول: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ }. وفي الصحيح: «حديث : لكل نبيّ دعوة مستجابة فتعجل كل نبيّ دعوته»تفسير : الحديث. وقد تقدّم فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم تكن عليه تبعة. ومعنى قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} أي أن يسأله. فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة. وقيل: إن سؤاله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محلّه وكرامته من الله ظاهراً في خلق السموات والأرض؛ فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافس في المحلّ عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محلّه عنده، ولهذا: لما أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه، أراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان: «ربِّ اغْفِرْ لِي وَهْب لي مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بعْدِي» فردّه خاسِئاً. فلو أعطى أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية، فكأنه كره صلى الله عليه وسلم أن يزاحمه في تلك الخصوصية، بعد أن علم أنه شيء هو الذي خُصَّ به من سخرة الشياطين، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده. والله أعلم. قوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} أي لَيِّنة مع قوّتها وشدّتها حتى لا تضرّ بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما روي فرسخاً في فرسخ، مائة درجة بعضها فوق بعض، كل درجة صنف من الناس، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه؛ صلوات الله وسلامه عليه. وذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا أحمد بن جعفر، قال حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدّثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن وهب بن منبّه، قال حدّثني أبي قال: كان لسليمان بن داود عليه السلام ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد، فركب الريح يوماً فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكاً عظيما فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان، قال فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه؛ لتسبيحةٌ واحدة يقبلها الله منك لخيرٌ مما أوتي آل داود. فقال الحرّاث: أذهب الله هَمَّك كما أذهبتَ هَمِّي. قوله تعالى: {حَيْثُ أَصَابَ} أي أراد؛ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. أي أراد الصواب وأخطأ الجواب؛ قاله ابن الأعرابي. وقال الشاعر:شعر : أَصَابَ الكلامَ فلم يَستطِعْ فأَخْطأ الجوابَ لَدى المفصَلِ تفسير : وقيل: أصاب أراد بلغة حِمْير. وقال قتادة: هو بلسان هَجَر. وقيل: «حيْثُ أَصَابَ» حيثما قصد، وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. {وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ } أي وسخرنا له الشياطين وما سُخرت لأحد قبله. «كُلَّ بنَّاءٍ» بدل من الشياطين أي كل بناء منهم، فهم يبنون له ما يشاء. قال:شعر : إلاَّ سُلَيْمَانَ إذ قال الإلٰهُ لَهُ قُمْ في البرِيَّةِ فاحْدُدْهَا عنِ الفَنَدِ وَخَيِّسِ الجِنَّ إِني قَد أَذِنْتُ لَهُمْ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعُمُدِ تفسير : «وَغَوَّاصٍ» يعني في البحر يستخرجون له الدرّ. فسليمان أوّل من استخرج له اللؤلؤ من البحر. {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } أي وسخرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في سلاسل الحديد وقيود الحديد؛ قاله قتادة. السدّي: الأغلال. ابن عباس: في وثاق. ومنه قول الشاعر:شعر : فآبوا بالنِّهاب وبالسَّبايا وأُبنا بالملوك مصفدينا تفسير : قال يحيـى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخّرهم. قوله تعالى: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} الإشارة بهذا إلى الملك، أي هذا الملك عطاؤنا، فأعطِ من شئت أو امنع من شئت لا حساب عليك؛ عن الحسن والضحاك وغيرهما. قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان عليه السلام؛ فإن الله تعالى يقول: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }. وقال قتادة: الإشارة في قوله تعالى: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} إلى ما أعطيه من القوّة على الجماع، وكانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، وكان في ظهره ماء مائة رجل؛ رواه عكرمة عن ابن عباس. ومعناه في البخاري. وعلى هذا «فَامْنُنْ» من المنيِّ؛ يقال: أَمْنى يُمنِي ومنَى يمنِي لغتان، فإذا أمرت من أمنى قلت أَمْنِ؛ ويقال: من منَى يَمْنِي في الأمر ٱمنِ، فإذا جئت بنون الفعل نون الخفيفة قلت امنن. ومن ذهب به إلى المِنّة قال: مَنَّ عليه؛ فإذا أخرجه مخرج الأمر أبرز النونين؛ لأنه كان مضاعفاً فقال امنُنْ. فيروى في الخبر أنه سخر له الشياطين، فمن شاء منّ عليه بالعتق والتخلية، ومن شاء أمسكه؛ قاله قتادة والسّدي. وعلى ما روى عكرمة عن ابن عباس: أي جامع من شئت من نسائك، واترك جماع من شئت منهن لا حساب عليك. {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ } أي إن أنعمنا عليه في الدنيا فله عندنا في الآخرة قربة وحسن مرجع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ} أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: يعني: شيطاناً، {ثُمَّ أَنَابَ} أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبهته. قال ابن جرير، وكان اسم ذلك الشيطان صخراً، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة. وقيل: آصف، قاله مجاهد. وقيل: أصروا، قاله مجاهد أيضاً. وقيل: حقيق، قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة، وقد قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قال: أمر سليمان عليه الصلاة والسلام ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابنه، ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر شبه المارد، قال: فطلبه، وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده، فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً، قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً، قال: ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأري الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فذل، قال: وكان ملكه في خاتمه، فأتى به سليمان عليه الصلاة والسلام، فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد، قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس، فوضعه عليها، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه، فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام، لم يدخل بالخاتم، فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه، قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان. قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: فتن نبي الله، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في القوة، فقال: والله لأجربنه. قال: فقال: يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله، أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا، فبينما هو كذلك أربعين ليلة، إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: هو الشيطان صخر. وقال السدي: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ} أي: ابتلينا سليمان، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: شيطاناً، جلس على كرسيه أربعين يوماً. قال: كان لسليمان عليه الصلاة والسلام مئة امرأة، وكانت امرأة منهم يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة، نزع خاتمة ولم يأمن عليه أحداً من الناس غيرها، فأعطاها يوماً خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان عليه الصلاة والسلام، وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا، وخرج وكأنه تائه، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً. قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا لهن: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان، فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك. قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به، ثم نشروا يقرؤون التوارة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة، والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. وقال: وأقبل سليمان عليه الصلاة والسلام في حاله التي كان فيها، حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر، وهو جائع وقد اشتد جوعه، فسألهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته، قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم، ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطىء البحر، فشق بطونهما، فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فردّ الله عليه بهاءه وملكه، فجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان عليه الصلاة والسلام، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال: فجاء حتى أتى ملكه، وأرسل إلى الشيطان فجيء به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبيق. قال: وسخر الله له الريح، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تبارك وتعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: شيطاناً يقال له آصف، فقال له سليمان عليه الصلاة والسلام: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه، نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه الصلاة والسلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تبارك وتعالى من نساء سليمان، فلم يقربهنَّ ولم يقربنه، وأنكرنه. قال: فكان سليمان عليه الصلاة والسلام يستطعم فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني أنا سليمان، فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر آصف فدخل البحر. وأرى هذه كلها من الإسرائيليات، ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية، أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} قال: أراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت الجرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته إياه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء، قال لها: هاتي خاتمي، قالت: أعطيته سليمان، قال: أنا سليمان قالت: كذبت، ما أنت بسليمان، فجعل لا يأتي أحداً يقول له: أنا سليمان، إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك سليمان، عرف أنه من أمر الله عز وجل. قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله تبارك وتعالى أن يرد على سليمان سلطانه، ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهن: أتنكرن من سليمان شيئاً؟ قلن: نعم إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرؤوها على الناس، وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان عليه الصلاة والسلام، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يحمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه الصلاة والسلام فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم قال: بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك، قال: فحمل سليمان عليه الصلاة والسلام السمك، ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى بابه، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه الصلاة والسلام، فشق بطنها فإذا بالخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه الصلاة والسلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فبنوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه من الرصاص، قال: فأخذوه فأوثقوه، وجاؤوا به إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، فأمر به فنقر له تخت من رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سدَّ بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} يعني: الشيطان الذي كان سلط عليه، إسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما، إن صح عنه، من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات، من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهن الله عز وجل منه تشريفاً وتكريماً لنبيه عليه السلام. وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قال يحيى بن أبي عمرو الشيباني: وجد سليمان خاتمه بعسقلان، فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعاً لله عز وجل، رواه ابن أبي حاتم. وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبراً عجيباً، فقال: حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار: أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد، قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام وما كان عليه، ومن أي شيء هو؟ فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة، مرصعاً بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وقد جعل له درجة منها مفصصاً بالدر والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحف من جانبيه بالنخل؛ نخل من ذهب، شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخل التي على يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسوراً من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتي صنوبر من ذهب، وعلى يسارها أسدان من ذهب، وعلى رؤوس الأسدين عمودان من زبرجد، وجعل من جانبي الكرسي كرم من ذهب، قد أظلتا الكرسي، وجعل عناقيدهما دراً وياقوتاً أحمر، ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكاً وعنبراً، فإذا أراد سليمان عليه السلام أن يصعد على كرسيه، استدار الأسدان ساعة، ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام، ثم يوضع منبران من ذهب: واحد لخليفته، والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان، ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبراً من ذهب، عليها سبعون قاضياً من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبراً من ذهب، ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه، وضع قدميه على الدرجة السفلى، فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى، وينشر النسر جناحه الأيسر، ثم يصعد سليمان عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثانية، فيبسط الأسد يده اليسرى، وينشر النسر جناحه الأيمن، فإذا استوى سليمان عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثالثة، وقعد على الكرسي، أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان عليه الصلاة والسلام، فوضعه على رأسه، فإذا وضعه على رأسه، استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة، فقال معاوية رضي الله عنه: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب، ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني، فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه، فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رؤوسهن على رأس سليمان عليه الصلاة والسلام وهو جالس، ثم ينضحن جميعاً ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة، فتجعلها في يده، فيقرؤها سليمان عليه الصلاة والسلام على الناس. وذكر تمام الخبر، وهو غريب جداً { قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} قال بعضهم معناه: لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي؛ كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه، لا أنه يحجر على من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكاً لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن عفريتاً من الجن تفلت عليّ البارحة ــــ أو كلمة نحوها ــــ ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله تبارك وتعالى منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ} ــــ قال روح: ــــ فرده خاسئاً»تفسير : . وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن زيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فسمعناه يقول: «حديث : أعوذ بالله منك ــــ ثم قال ــــ ألعنك بلعنة الله» تفسير : ثلاثاً وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال صلى الله عليه وسلم «حديث : إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يتأخر، ثلاث مرات، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة سليمان، لأصبح موثقاً يلعب به صبيان أهل المدينة»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا ميسرة بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي، فذهبت أمر بين يديه، فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح، وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: «حديث : لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين ــــ الإبهام والتي تليها ــــ ولولا دعوة أخي سليمان، لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل» تفسير : وقد روى أبو داود منه: «حديث : من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل» تفسير : عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد الزبيري به. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط، وهو مخاصر فتى من قريش يُزَنُّ بشرب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث أنه «حديث : من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله عز وجل له توبة أربعين صباحاً، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى البيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم يوم ولدته أمه» تفسير : فلما سمع الفتى ذكر الخمر، اجتذب يده من يده، ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من شرب الخمر شربة، لا تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب، تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه - قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال - فإن عاد كان حقاً على الله تعالى أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة» تفسير : قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ، اهتدى، ومن أخطأه، ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل» تفسير : وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن سليمان عليه السلام سأل الله تعالى ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد، خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله عز وجل قد أعطانا إياها» تفسير : وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن سليمان عليه الصلاة والسلام لما بنى بيت المقدس، سأل ربه عز وجل خلالاً ثلاثاً» تفسير : وذكره. وقد روي من حديث رافع بن عمير رضي الله عنه بإسناد وسياق غريبين. فقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قال الله عز وجل لداود عليه الصلاة والسلام: ابن لي بيتاً قي الأرض، فبنى داود بيتاً لنفسه قبل البيت الذي أمر به، فأوحى الله إليه: يا داود نصبت بيتك قبل بيتي، قال: يا رب هكذا قضيت، من ملك، استأثر. ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور، سقط ثلاثاً، فشكا ذلك إلى الله عز وجل، فقال: يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتاً، قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء، قال: يا رب أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى، ولكنهم عبادي، وأنا أرحمهم، فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه: لا تحزن، فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان. فلما مات داود، أخذ سليمان في بنائه، ولما تمَّ، قرَّب القرابين، وذبح الذبائح، وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيتي، فسلني أعطك، قال: أسألك ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الثنتان، فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة الأكوع عن أبيه رضي الله عنه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلا استفتحه بـ «حديث : سبحان الله ربي العلي الأعلى الوهاب» تفسير : وقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن برقان عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود عليه السلام، أوحى الله تبارك وتعالى إلى ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام: أن سلني حاجتك، قال: أسألك أن تجعل لي قلباً يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي، فقال الله عز وجل: أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبن له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. قال الله جلت عظمته: { فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} والتي بعدها. قال: فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه. هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام في تاريخه، وروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله عز وجل إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي، أكن له كما كنت لك. وقوله تبارك وتعالى: { فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} قال الحسن البصري رحمه الله: لما عقر سليمان عليه الصلاة والسلام الخيل غضباً لله عز وجل، عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع؛ الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر. وقوله جل وعلا: {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حيث أراد من البلاد. وقوله جل جلاله: { وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} أي: منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلىء والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها { وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ} أي: موثوقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى. وقوله عز وجل: { هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلت، فهو جائز لك، احكم بما شئت، فهو صواب. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خير بين أن يكون عبداً رسولاً ــــ وهو الذي يفعل ما يؤمر به، وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به ــــ وبين أن يكون نبياً ملكاً، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعدما استشار جبريل عليه الصلاة والسلام فقال له: تواضع، فاختار المنزلة الأولى؛ لأنها أرفع قدراً عند الله عز وجل، وأعلى منزلة في المعاد، وإن كانت المنزلة الثانية، وهي النبوة مع الملك، عظيمة أيضاً في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تبارك وتعالى ما أعطى سليمان عليه الصلاة والسلام في الدنيا، نبه تعالى على أنه ذو حظ عند الله يوم القيامة أيضاً، فقال تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ} أي: في الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ } ابتليناه بسلب ملكه وذلك لتزوّجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه، وكان ملكه في خاتمه فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته فجاءها جنّيّ في صورة سليمان فأخذه منها {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً } هو ذلك الجني وهو (صخر) أو غيره: جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان فأنكروه {ثُمَّ أَنَابَ } رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } أي: ابتليناه، واختبرناه. قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: تزوّج سليمان امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته عن ذلك. وقيل: إن سبب الفتنة: أنه تزوّج سليمان امرأة يقال لها: جرادة، وكان يحبها حباً شديداً، فاختصم إليه فريقان: أحدهما: من أهل جرادة، فأحبّ أن يكون القضاء لهم، ثم قضى بينهم بالحق. وقيل: إن السبب: أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد. وقيل: إنه تزوّج جرادة هذه، وهي مشركة؛ لأنه عرض عليها الإسلام، فقالت: اقتلني، ولا أسلم. وقال كعب الأحبار: إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن: إنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض أو غيره. وقيل: إنه أمر أن لا يتزوّج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوّج امرأة من غيرهم. وقيل: إن سبب فتنته ما ثبت في الحديث الصحيح: أنه قال: لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة تأتي كلّ واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله. وقيل غير ذلك. ثم بيّن سبحانه ما عاقبه به، فقال: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً } انتصاب {جسداً} على أنه مفعول {ألقينا}، وقيل: انتصابه على الحال على تأويله بالمشتق، أي: ضعيفاً، أو فارغاً، والأوّل أولى. قال أكثر المفسرين: هذا الجسد الذي ألقاه الله على كرسيّ سليمان هو شيطان اسمه: صخر، وكان متمّرداً عليه غير داخل في طاعته، ألقى الله شبه سليمان عليه، وما زال يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان، وذلك عند دخول سليمان الكنيف؛ لأنه كان يلقيه إذا دخل الكنيف، فجاء صخر في صورة سليمان، فأخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان، فقعد على سرير سليمان، وأقام أربعين يوماً على ملكه، وسليمان هارب. وقال مجاهد: إن شيطاناً قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهنّ، وكان سليمان يستطعم، فيقول: أتعرفونني أطعموني؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، فشقّ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وهو معنى قوله: {ثُمَّ أَنَابَ } أي: رجع إلى ملكه بعد أربعين يوماً. وقيل: معنى أناب: رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه، وهذا هو الصواب، وتكون جملة: {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى } بدلاً من جملة أناب، وتفسيراً له، أي: اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله. ثم لما قدّم التوبة، والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته، فقال: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأحَدٍ مّن بَعْدِى } قال أبو عبيدة: معنى لا ينبغي لأحد من بعده: لا يكون لأحد من بعدي. وقيل: المعنى: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته، وليس هذا من سؤال نبيّ الله سليمان عليه السلام للدنيا، وملكها، والشرف بين أهلها، بل المراد بسؤاله الملك: أن يتمكن به من إنفاذ أحكام الله سبحانه، والأخذ على يد المتمرّدين من عباده من الجنّ، والإنس، ولو لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله، وجملة: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، أي: فإنك كثير الهبات عظيم الموهوبات. ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته، وإعطاءه لمسألته، فقال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ } أي: ذللناها له، وجعلناها منقادة لأمره. ثم بيّن كيفية التسخير لها بقوله: {تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء } أي: لينة الهبوب ليست بالعاصف، مأخوذ من الرخاوة، والمعنى: أنها ريح لينة لا تزعزع، ولا تعصف مع قوة هبوبها، وسرعة جريها، ولا ينافي هذا قوله في آية أخرى {أية : وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ } تفسير : [الأنبياء: 81] لأن المراد: أنها في قوة العاصفة، ولا تعصف. وقيل: إنها كانت تارة رخاء، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان، ويشتهيه، وهذا أولى في الجمع بين الآيتين {حَيْثُ أَصَابَ } أي: حيث أراد. قال الزجاج: إجماع أهل اللغة والمفسرين أن معنى {حيث أصاب}: حيث أراد، وحقيقته حيث قعد. وقال الأصمعي، وابن الأعرابي: العرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب. وقيل: إن معنى أصاب بلغة حمير: أراد، وليس من لغة العرب، وقيل: هو بلسان هجر، والأول أولى، وهو مأخوذ من إصابة السهم للغرض {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } معطوف على الريح، أي: وسخرنا له الشياطين، وقوله: {كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ } بدل من الشياطين، أي: كل بناء منهم، وغواص منهم يبنون له ما يشاء من المباني، ويغوصون في البحر، فيستخرجون له الدر منه، ومن هذا قول الشاعر:شعر : إلا سليمان إذ قال الجليل له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن أني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد تفسير : {وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } معطوف على كل داخل في حكم البدل، وهم مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد. يقال: قرنهم في الحبال إذا كانوا جماعة كثيرة، والأصفاد: الأغلال واحدها صفد. قال الزجاج: هي السلاسل، فكل ما شددته شداً وثيقاً بالحديد، وغيره، فقد صفدته. قال أبو عبيدة: صفدت الرجل، فهو: مصفود، وصفدته، فهو: مصفد، ومن هذا قول عمرو بن كلثوم في معلقته:شعر : فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا تفسير : قال يحيـى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم، ولم يسخرهم، والإشارة بقوله: {هذا} إلى ما تقدم من تسخير الريح، والشياطين له، وهو بتقدير القول، أي: وقلنا له: {هَـٰذَا عَطَاؤُنَا } الذي أعطيناكه من الملك العظيم الذي طلبته {فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ } قال الحسن، والضحاك، وغيرهما: أي فأعط من شئت، وامنع من شئت {بِغَيْرِ حِسَابٍ } لا حساب عليك في ذلك الإعطاء، أو الإمساك، أو عطاؤنا لك بغير حساب لكثرته، وعظمته. وقال قتادة: إن قوله: {هَـٰذَا عَطَاؤُنَا } إشارة إلى ما أعطيه من قوة الجماع، وهذ لا وجه لقصر الآية عليه لو قدّرنا أنه قد تقدم ذكره من جملة تلك المذكورات، فكيف يدعي اختصاص الآية به مع عدم ذكره؟ {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } أي: قربة في الآخرة {وَحُسْنُ مَـئَابٍ }، وحسن مرجع، وهو: الجنة. وقد أخرج الفريابي، والحكيم الترمذي، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً } قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان امرأة يقال لها: جرادة، وكان بين بعض أهلها، وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فأوحى الله إليه أن سيصيبك بلاء، فكان لا يدري أيأتيه من السماء أم من الأرض؟ وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند قوي: عن ابن عباس قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء، فأعطى لجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنس، والجن، والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال: هاتي خاتمي، قالت: قد أعطيته سليمان. قال: أنا سليمان، قالت: كذبت لست سليمان، فجعل لا يأتي أحداً يقول: أنا سليمان إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله، وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهن: تنكرن من أمر سليمان شيئاً؟ قلن: نعم إنه يأتينا، ونحن نحيض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر، وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها، وقرءوها على الناس، وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس، ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر فتلقته سمكة، فأخذته، وكان سليمان يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل، فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان، فقال: تحمل لي هذا السمك؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك، فحمل سليمان السمك، ثم انطلق به إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان، فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الجنّ، والإنس، والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطاناً مريداً، فجعلوا يطلبونه، ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاءوا، فبنوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص، فأخذوه، فأوثقوه، وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به، فنقر له تخت من رخام، ثم أدخله في جوفه، ثم شدّ بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر، فذلك قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً } يعني: الشيطان الذي كان سلط عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً } قال: صخر الجني تمثل على كرسيه على صورته. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ عفريتاً من الجنّ جعل يتفلت عليّ البارحة؛ ليقطع عليّ صلاتي، وإن الله أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأحَدٍ مّن بَعْدِى } فردّه الله خاسئاً»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَٱمْنُنْ } يقول: اعتق من الجنّ من شئت، وأمسك منهم من شئت.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد فتنا سُليمان} فيه وجهان: أحدهما: يعني ابتليناه قاله السدي. الثاني: عاقبناه، حكاه النقاش. وفي فتنته التي عوقب بها ستة أقاويل: أحدهما: أنه كان قارب بعض نسائه في بعض الشيء من حيض أو غيره قاله الحسن. الثاني: ما حكاه ابن عباس قال كانت لسليمان امرأة تسمى جرادة وكان بين أهلها وبين قوم خصومة فاختصموا إلى سليمان ففصل بينهم بالحق ولكنه ود أن الحق كان لأهلها فقيل له إنه سيصيبك بلاء فجعل لا يدري أمن الأرض يأتيه البلاء أم من السماء. الثالث: ما حكاه سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد ولم ينصف مظلوماً من ظالم فأوحى الله تعالى إليه إني لم أستخلفك لتحجب عن عبادي ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم. الرابع: ما حكاه شهر بن حوشب أن سليمان سبى بنت ملك غزان في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، فألقيت عليه محبتها وهي معرضة عنه تذكر أمر أبيها لا تنظر إليه إلا شزراً ولا تكلمه إلا نزراً، ثم إنها سألته أن يضع لها تمثالاً على صورته فصنع لها فعظمته وسجدت له وسجد جواريها معها، وصار صنماً معبوداً في داره وهو لا يعلم به حتى مضت أربعون يوماً وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره وحرقه ثم ذراه في الريح. الخامس: ما حكاه مجاهد أن سليمان قال لآصف الشيطان كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان أعطني خاتمك حتى أخبرك، فأعطاه خاتمه فألقاه في البحر حتى ذهب ملكه. السادس: ما حكاه أبان عن أنس أن سليمان قال ذات ليلة: والله لأطوفن على نسائي في هذه الليلة وهن ألف امرأة كلهن تشتمل بغلام، كلهم يقاتل في سبيل الله، ولم يستثن. قال أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : والذي نفس محمد بيده لو استثنى لكان ما قال" تفسير : فما حملت له تلك الليلة إلا امرأة واحدة فولدت له شق إنسان. {وألقينا على كُرْسيِّه جسداً} فيه قولان: أحدهما: معناه وجعلنا في ملكه جسداً، والكرسي هو الملك. الثاني: وألقينا على سرير ملكه جسداً. وفي هذا الجسد أربعة أقاويل: أحدها: أنه جسد سليمان مرض فكان جسده ملقى على كرسيه، قاله ابن بحر. الثاني: أنه ولد له ولد فخاف عليه فأودعه في السحاب يغذى في اليوم كالجمعة، وفي الجمعة كالشهر وفي الشهر كالسنة، فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتاً، قاله الشعبي. الثالث: أنه أكثر من وطء جواريه طلباً للولد، فولد له نصف إنسان، فهو كان الجسد الملقى على كرسيه، حكاه النقاش. الرابع: أن الله كان قد جعل ملك سليمان في خاتمه فكان إذا أجنب أو ذهب للغائط خلعه من يده ودفعه إلى أوثق نسائه حتى يعود فيأخذه، فدفعه مرة إلى بعض نسائه وذهب لحاجته فجاء شيطان فتصور لها في صورة سليمان فطلب الخاتم منها فأعطته إياه، وجاء سليمان بعده فطلبه، فقالت قد أخذته فأحس سليمان. واختلف في اسم امرأته هذه على قولين: أحدهما: جرادة، قاله ابن عباس وابن جبير. الثاني: الأمينة، قاله شهر بن حوشب. وقال سعيد بن المسيب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه فأخذه الشيطان من تحته. وقال مجاهد: بل أخذه الشيطان من يده لأن سليمان سأل الشيطان كيف تضل الناس؟ فقال الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك فأعطاه خاتمه، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان متشبهاً بصورته داخلاً على نسائه، يقضي بغير الحق ويأمر بغير صواب. واختلف في إصابته النساء، فحكي عن ابن عباس: أنه كان يأتيهن في حيضهن. وقال مجاهد: منع من إتيانهن، وزال عن سليمان ملكه فخرج هارباً إلى ساحل البحر يتضيف الناس ويحمل سموك الصيادين بالأجرة، وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه، فجلس الشيطان على سريره، وهو معنى قوله تعالى وألقينا على كرسيه جسداً. واختلف في اسم هذا الشيطان على أربعة أقاويل: أحدها: أن اسمه صخر، قاله ابن عباس. الثاني: آصف، قاله مجاهد. الثالث: حقيق، قاله السدي. الرابع: سيد، قاله قتادة. ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوته من صياد قيل إنه استطعمها، وقال ابن عباس أخذها أجراً في حمل حوت حمله، فلما شق بطنه وجد خاتمه فيها، وذكل بعد أربعين يوماً من زوال ملكه عنه، وهي عدة الأيام التي عُبد الصنم في داره. قاله مقاتل وملك أربعين سنة، عشرين سنة قبل الفتنة وعشرين بعدها. وكانت الأربعون يوماً التي خرج فيها عن ملكه ذا القعدة وعشراً من ذي الحجة، فسجد الناس له حين عاد الخاتم إليه وصار إلى ملكه. وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعاً لله. قال ابن عباس: ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تخت من رخام وشده بالنحاس وألقاه في البحر. فهذا تفسير قوله تعالى {وألقينا على كرسيه جسداً}. {ثم أناب} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ثم رجع إلى ملكه، قاله الضحاك. الثاني: ثم أناب من ذنبه، قاله قتادة. الثالث: ثم برأ من مرضه، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {قال ربِّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليكون ذلك معجزاً له يعلم به الرضا ويستدل به على قبول التوبة. الثاني: ليقوى به على من عصاه من الجن، فسخرت له الريح حينئذٍ. الثالث: لا ينبغي لأحد من بعدي في حياتي أن ينزعه مني كالجسد الذي جلس على كرسيه، قاله الحسن. {إنك أنت الوهاب} أي المعطي، قال مقاتل: سأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده بعد الفتنة فزاده الله تعالى الريح والشياطين بعدما ابتلى، وقال الكلبي حكم سليمان في الحرث وهو ابن إحدى عشرة سنة، وملك وهو ابن اثنتي عشرة سنة. قوله عز وجل: {فسخرنا له الريح} أي ذللناها لطاعته. {تجري بأمره} يحتمل وجهين: أحدهما: تحمل ما يأمرها. الثاني: تجري إلى حيث يأمرها. {رخاء} فيه خمسة تأويلات: أحدها: طيبة، قاله مجاهد. الثاني: سريعة، قاله قتادة. الثالث: مطيعة، قاله الضحاك. الرابع: لينة، قاله ابن زيد. الخامس: ليست بالعاصفة المؤذية ولا بالضعيفة المقصرة، قاله الحسن. {حيث أصاب} فيه وجهان: أحدهما: حيث أراد، قاله مجاهد وقال قتادة: هو بلسان هجر. قال الأصمعي: العرب تقول أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي أراد الصواب. الثاني: حيث ما قصد مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. قوله عز وجل: {والشياطين كلَّ بناءٍ وغواص} يعني سخرنا له الشياطين كل بناء يعني في البر، وغواص يعني في البحر على حليّه وجواهره. {وآخرين مقرنين في الأصفاد} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في السلاسل: قاله قتادة. الثاني: في الأغلال، قاله السدي. الثالث: في الوثاق، قاله ابن عيسى، قال الشاعر: شعر : فآبُوا بالنهابِ وبالسبايا وأبنا بالملوك مُصَفّدينا تفسير : قال يحيى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفرهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم. ووجد على سور مدينة سليمان عليه السلام: شعر : لو أن حيّاً ينال الخُلد في مهل لنال ذاك سليمان بن داوِد سالت له العين عين القطر فائضة فيه ومنه عطاءٌ غير موصود لم يبق من بعدها في الملك مرتقياً حتى تضمن رمْساً بعد أخدود هذا التعْلَم أنّ الملك منقطع إلاّ من الله ذي التقوى وذي الجود تفسير : قوله عز وجل: {هذا عطاؤنا...} في المشار إليه بهذا ثلاثة أقاويل: أحدها: ما تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بتسخير الريح والشياطين. فعلى هذا في قوله {فامنن أو أمسك بغير حساب} وجهان: أحدهما: امنن على من شئت من الجن بإطلاقه، أو امسك من شئت منهم في عمله من غير حرج عليك فيما فعلته بهم، قاله قتادة والسدي. الثاني: اعط من شئت من الناس وامنع من شئت منهم. {بغير حساب} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بغير تقدير فيما تعطي وتمنع حكاه ابن عيسى. الثاني: بغير حرج، قاله مجاهد. الثالث: بغير حساب تحاسب عليه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان فإن الله تعالى يقول: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} وحكى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {هذا عطاؤنا} الآية. قال سليمان عليه السلام: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا فلم نر شيئاً هو أفضل من خشية الله في الغيب والشهادة، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة الحق في الرضا والغضب. والقول الثاني: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك، فعلى هذا في قوله فامنن أو أمسك وجهان: أحدهما: بغير جزاء. الثاني: بغير قلة. والقول الثالث: إن هذا إشارة إلى مضمر غير مذكور وهو ما حكي أن سليمان كان في ظهره ماء مائة رجل وكان له ثلاثمائة امرأته وسبعمائة سرية فقال الله تعالى {هذا عطاؤنا} يعني الذي أعطيناك من القوة على النكاح {فامنن} بجماع من تشاء من نسائِك {أو أمسك} عن جماع من تشاء من نسائِك. فعلى هذا في قوله بغير حساب وجهان: أحدهما: بغير مؤاخذة فيمن جامعت أو عزلت. الثاني: بغير عدد محصور فيمن استبحت أو نكحت. وهذا القول عدول من الظاهر إلى ادعاء مضمر بغير دليل لكن قيل فذكرته.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} ابتليناه، أو عاقبناه بأنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض، أو غيره، أو كانت له زوجة اسمها جرادة وكان بين أهلها وبين قوم خصومة فحكم بينهم بالحق ولكنه وَدَّ أن الحق كان لأهلها فقيل له: سيصيبك بلاء فجعل لا يدري أيأتيه البلاء من الأرض أم من السماء، أو احتجب ثلاثة أيام عن الناس فأوحى الله ـ تعالى ـ إليه إني لم أستخلفك لتحتجب عن عبادي ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم من ظالمهم، أو غزا ملكاً وسبا ابنته وأحبها وهي معرضة عنه تذكراً لأبيها لا تكلمه ولا تنظر إليه إلا شزراً ثم سألته أن يصنع لها تمثال على صورة أبيها ففعل فعظمته وسجدت له هي وجواريها وعبد في داره إربعين يوماً حتى فشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره ثم حرقه ثم ذراه في الريح، أو قال للشيطان: كيف تضلون الناس فقال: أعطني خاتمك حتى أخبرك فأعطاه خاتمه فألقاه في البحر حتى ذهب ملكه، أو قال والله لأطوفن على نسائي في هذه الليلة كلهن سيحملن بغلام يقاتل في سبيل الله ـ تعالى ـ ولم يسْتثْنِ فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة فولدت له شق إنسان {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً} وجعلنا في ملكه جسداً والكرسي المُلْك، أو ألقينا على سرير ملكه جسداً وهو جسد سليمان كان مريضاً ملقى على كرسيه، أو وُلد له ولد فخاف عليه الجن فأودعه في السحاب يغذى في اليوم كالجمعة وفي الجمعة كالشهر فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتاً قاله الشعبي، أو جعل الله ـ تعالى ـ ملكه في خاتمه وكان إذا أجنب، أو أتى الغائط دفعه لأوثق نسائه فدفعه إليها يوماً فجاء شيطان في صورته فأخذه منها واسمها جرادة، أو الأمينة. فجاء سليمان يطلبه فقالت: قد أخذته فأحسَّ سليمان، أو وضع الخاتم تحت فراشه فأخذه الشيطان من تحته، أو قال للشيطان: كيف تضلون الناس فقال: أعطني خاتمك حتى أخبرك فأعطاه الخاتم فجلس على كرسيه متشبهاً بصورته يقضي بغير الحق ويأتي نساء سليمان في الحيض أو منعه الله ـ تعالى ـ منهن فالجسد الشيطان الذي قعد على كرسيه واسمه صخر، أو آصف، أو حبقيق، أو أسيد ثم وجد سليمان خاتمه في جوف سمكة بعد أربعين يوماً من زوال ملكه قيل: وجد الخاتم بعسقلان فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعاً لله ـ تعالى ـ ثم ظفر بالشيطان فجعله في تخت رخام وشده بالنحاس وألقاه في البحر {ثُمَّ أَنَابَ} تاب من ذنبه، أو رجع إلى ملكه، أو برىء من مرضه.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } ابتليناه. {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ } سرير ملكه {جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } رجع إلى الله. قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة، وكان من فتنته أنه ولد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك سليمان عليه السلام فكان يغذوه في السحابة خوفاً من مضرة الشياطين، فألفى ولده ميتاً على كرسيه فتنبه على زلته في أن لم يتوكل فيه على ربه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة منهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون»تفسير : وأما ما يُروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السلام فمن أباطيل اليهود. {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً } قدم الاستغفار على استيهاب الملك جرياً على عادة الأنبياء عليهم السلام والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال {لاَّ يَنبَغِى } لا يتسهل ولا يكون {لأَِحَدٍ مّن بَعْدِى} أي دوني. وبفتح الياء: مدني وأبو عمرو، وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسداً وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ } {ٱلرّيَاح } أبو جعفر. {تَجْرِى } حال من {ٱلرّيحَ } {بِأَمْرِهِ } بأمر سليمان {رُخَآءَ } لينة طيبة لا تزعزع وهو حال من ضمير {تَجْرِى } {حَيْثُ } ظرف {تَجْرِى } {أَصَابَ } قصد وأراد. والعرب تقول: أصاب الصواب فاخطأ الجواب {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } عطف على {ٱلرّيحَ } أي سخرنا له الشياطين {كُلَّ بَنَّآءٍ} بدل من {ٱلشَّيـٰطِينِ } كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية {وَغَوَّاصٍ } أي ويغوصون له في البحر لإخراج اللؤلؤ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر. والمعنى وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين {وَءَاخَرِينَ} عطف على {كُلَّ بَنَّاء } داخل في حكم البدل {مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. والصفد: القيد وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك {هَـٰذَا } الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة {عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ } فأعط منه ما شئت من المنة وهي العطاء {أَوْ أَمْسِكْ } عن العطاء، وكان إذا أعطى أجر وإن منع لم يأتم بخلاف غيره {بِغَيْرِ حِسَابٍ } متعلق بـ {عَطَاؤُنَا } وقيل: هو حال أي هذا عطاؤنا جماً كثيراً لا يكاد يقدر على حصره، أو هذه التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق أو أمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب أي لا حساب عليك في ذلك {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ } {لَزُلْفَىٰ }اسم «إن» والخبر {لَهُ } والعامل في {عِندَ } الخبر. {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ } هو بدل من {عَبْدَنَا } أو عطف بيان {إِذْ } بدل اشتمال منه {نَادَىٰ رَبَّهُ } دعاه {إِنِّى مَسَّنِىَ } بأني مسني حكاية لكلامة الذي ناداه بسببه ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب {ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ } قراءة العامة {بِنُصُب}، يزيد تثقيل نُصْب {بِنَصَب} كرشد ورشد، يعقوب {بِنصب} على أصل المصدر هبيرة ـ والمعنى واحد وهو التعب والمشقة {وَعَذَابٍ } يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. ورُوي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع، أو رأى منكراً فسكت عنه، أو ابتلاه الله لرفع الدرجات بلا زلة سبقت منه {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام أي أرسلنا إليه جبريل عليه السلام فقال له: اركض برجلك أي اضرب برجلك الأرض وهي أرض الجابية فضربها فنبعت عين فقيل: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك. وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله تعالى. {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } قيل: أحياهم الله تعالى بأعيانهم وزاده مثلهم {رَحْمَةً مّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } مفعول لهما أي الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره رغبهم في الصبر على البلاء {وَخُذْ } معطوف على {ٱرْكُضْ } {بِيَدِكَ ضِغْثاً } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قبضة من الشجر {فَٱضْرِب بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ } وكان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه، وهذه الرخصة باقية ويجب أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة. والسبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فحرج صدره. وقيل: باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب عليه السلام إذا قام {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ } علمناه {صَابِراً } على البلاء نعم قد شكا إلى الله ما به واسترحمه لكن الشكوى إلى الله لا تسمى جزعاً فقد قال يعقوب عليه السلام {أية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ }تفسير : [يوسف: 86] على أنه عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة حيث كان الشيطان يوسوس إليهم أنه لو كان نبياً لما ابتلي بمثل ما ابتلي به وإرادة القوة على الطاعة فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ }.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ} الآية، * ت *: اعْلَمْ ـــ رَحِمَكَ اللَّهُ ــــ أن الناسَ قَدْ أَكْثَرُوا في قَصَصِ هذهِ الآيةِ بما لاَ يُوقَفُ على صِحَّتِه، وحكى الثعلبي في بعض الروايات؛ أنَّ سليمانَ ـــ عليه السلام ـــ لَما فُتِنَ، سَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِه، وَكَانَ فِيه مُلْكُهُ، فأعاده إلَىٰ يده، فَسَقَطَ؛ وأَيْقَنَ بالفتنة، وأَنَّ آصِف بْنَ بَرْخِيَّا قال له: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّكَ مَفْتُونٌ؛ ولذلكَ لاَ يَتَمَاسَكُ الخَاتَمُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً؛ فَفِرَّ إلى اللَّهِ تَعَالَىٰ تَائِباً مِنْ ذَنْبِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ في عَالَمِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ إلَىٰ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعَالَىٰ عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِباً إلَىٰ رَبِّهِ مُنْفَرِداً لِعِبَادَتِهِ، وأَخَذَ آصِفُ الخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ في يدِه، فَثَبَتَ، وقيلَ: إن الجَسَدَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} هُو آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وهو الذي عندَه عِلْمٌ مِن الكتَابِ، وأقام آصِفُ في ملكِ سليمانَ وعيالِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ الحسَنةِ، ويَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يوماً إلَىٰ أَنْ رَجَعَ سليمانُ إلى منزله تائِباً إلى اللَّه تعالَىٰ، ورَدَّ اللَّه تعالَىٰ عليه مُلْكَهُ، فأَقَامَ آصِفُ عن مجلسهِ، وجَلَسَ سليمانُ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ، وأعادَ الخاتَمَ، وقالَ سَعِيدُ بن المسيِِّب: إن سليمانَ بنَ دَاوُدَ ـــ عليهمَا السلامُ ــــ ٱحْتَجَبَ عنِ الناسِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَنْ يا سُلَيْمَانُ، ٱحْتَجَبْتَ عنِ الناسِ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ، فَلَمْ تَنْظُرْ في أمُورِ عِبَادِي، ولم تُنْصِفْ مَظْلُوماً مِنْ ظَالِمٍ، وذكر حديثَ الخاتم كما تقدَّم، انتهى، وهذَا الذي نقلناه أشْبَهُ ما ذُكِرَ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ؛ واللَّه أعلم، وقال عِيَاضٌ: قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ} معناه: ابتَلَيْنَاهُ، وابتلاؤه: هُو مَا حُكِي في الصحيحِ أنه قال: «لأَطُوفَنَّ الليلةَ عَلَىٰ مِائَةِ ٱمْرَأَةٍ كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجِاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ»، الحديث، قال أصحابُ المعانِي: والشِّقُّ هو الجسدُ الذي أُلْقِيَ عَلَىٰ كرسيه حين عُرِضَ عليه؛ وهي كانتْ عقوبتُهُ ومحنته، وقيل: بَلْ مَاتَ، وألْقِيَ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ مَيِّتاً، وأما عَدَمُ استثْنَائِه، فأحْسَنُ الأجوبةِ عنه، ما رُوِيَ في الحديثِ الصحيح أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ»، ولاَ يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الإخباريُون من تَشَبُّه الشيطانِ به وتسَلُّطِهِ عَلَىٰ مُلْكِهِ، وتصرُّفِه في أمَّتِه؛ لأن الشَيَاطِينَ لاَ يُسَلَّطُونَ عَلَىٰ مِثْلِ هذا، وقد عُصِمَ الأنبياءُ من مثله، انتهى، * ت *: قالَ ابن العربي: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} يَعني جسدَه لا أجْسَادَ الشَّيَاطينِ؛ كما يقولُه الضعفاءُ، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامَه»: وما ذكره بعضُ المفسِّرينَ مِنْ أن الشيطان أخذَ خاتَمَهُ، وجَلَسَ مجلسَه، وحَكمَ الخَلْقَ عَلَىٰ لسانِه ـــ قولٌ باطلٌ قَطْعاً ـــ؛ لأن الشياطينَ لا يَتَصَوَّرُونَ بِصُوَرِ الأَنْبِيَاءِ؛ ولا يُمَكَّنُونَ من ذلك؛ حتَّىٰ يظنَّ الناسُ أنَّهم مع نبيِّهم في حَقٍّ، وهم مَعَ الشياطينِ في بَاطِلٍ؛ ولو شاءَ ربُّكَ لوَهَبَ من المعرفةِ (والدِّينِ) لمنْ قَالَ هٰذا القولَ ما يَزَعُهُ عن ذِكْرِهِ، ويَمْنَعُهُ مِن أَنْ يَسْطُرَهُ في دِيوَان من بعده، انتهى. وقوله: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ} الآية، قال * ع *: من المقطوعِ به أَنَّ سُلَيْمَانَ ـــ عليه السلامُ ـــ إنما قَصَدَ بذلكَ قَصْداً بِرًّا؛ لأن للإنسان أن يرغبَ من فضلِ اللَّهِ فيما لا يَنَالهُ أحدٌ؛ لا سيما بِحَسَبِ المَكَانَةِ والنبوَّةِ.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان عليه السلام امرأة يقال لها جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ودَّ أن الحق كان لأهلها؛ فأوحى الله تعالى إليه: أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري يأتيه من السماء أم من الأرض. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم بسند قوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. فقالت: قد أعطيته سليمان قال: أنا سليمان قالت: كذبت لست سليمان. فجعل لا يأتي أحداً يقول أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله عز وجل، وقام الشيطان يحكم بين الناس. فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان عليه السلام سلطانه، ألقى في قلوب الناس انكار ذلك الشيطان، فارسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام فقالوا لهن: أيكون من سليمان شيء؟ قلن: نعم. إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرأوها على الناس قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه السلام فقال: تحمل لي هذه السمك؟ ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه السلام، فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الانس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فنقبوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان عليه السلام، فأمر به فنقر له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر. فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} يعني الشيطان كان تسلط عليه. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي حتى سألت عنهن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله {أية : قوم تبع}تفسير : [الدخان: 73] في القرآن، ولم يذكر تبع فقال: إن تبعاً كان ملكاً، وكان قومه كهاناً، وكان في قومه قوم من أهل الكتاب، وكان الكهان يبغون على أهل الكتاب ويقتلون تابعهم فقال أهل الكتاب لتبع: أنهم يكذبون علينا فقال تبع: إن كنتم صادقين فقربوا قرباناً فأيكم كان أفضل أكلت النار قربانه. فقرب أهل الكتاب والكهان، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان أهل الكتاب، فأتبعهم تبع فأسلم. فلهذا ذكر الله قومه في القرآن ولم يذكره قال ابن عباس رضي الله عنه وسألته عن قوله {وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تصدق عليه بتلك السمكة، فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} قال: صخر الجني. مثل على كرسيه على صورته. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: أمر سليمان عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له إن شيطاناً يقال له صخر شبه المارد، فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب، تصيب من الحليم، وتزيد من الجاهل جهلاً ثم جفل حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها، فشربها حتى غلب على عقله، فأوتي بالخاتم، فختم بين كتفيه، فذل وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال: أنا قد أمرنا ببناء هذا البيت فقيل لنا: لا تسمعن فيه صوت حديد، فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بألماس، فوضعها عليه، فقطعها حتى أفضى إلى بيضه، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بخاتمه. فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان عليه السلام منه، وألقى على الشيطان شبه سليمان، فجاء فقعد على كرسيه، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم أربعين يوماً حتى وجد سليمان عليه السلام خاتمه في بطن السمكة فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: هو الشيطان صخر {ثم أناب} قال: تاب ثم أقبل يعني سليمان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: شيطاناً يقال له آصف. فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه السلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان عليه السلام فلم يقربهن ولا يقربنه وأنكرنه، وأنكر الناس أمر سليمان عليه السلام. وكان سليمان عليه السلام يستطعم فيقول: أتعرفوني أنا سليمان؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، وطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر الشيطان فدخل البحر فاراً. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولد لسليمان ولد فقال للشيطان: تواريه من الموت؟ قالوا نذهب به إلى المشرق. فقال يصل إليه الموت. قالوا فإلى المغرب. قال يصل إليه. قالوا إلى البحار. قال يصل إليه الموت. قال نضعه بين السماء والأرض، ونزل عليه ملك الموت فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض؛ فلم أصبها، فبينا أنا صاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} ". تفسير : وقال ابن سعد رضي الله عنه، أخبرنا الواقدي، حدثنا معشر عن المقبري: أن سليمان بن داود عليه السلام قال: لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي، فتأتي كل امرأة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يستثنِ ولو استثنى لكان، فطاف على مائة امرأة، فلم تحمل امرأة إلا امرأة واحدة، حملت بشق إنسان ولم يكن شيء أحب إلى سليمان من تلك الشقة. قال وكان أولاده يموتون، فجاء ملك الموت في صورة رجل، فقال له سليمان عليه السلام: إن استطعت أن تؤخر إبني هذا ثمانية أيام إذا جاءه أجله فقال: لا. ولكن أخبرك قبل موته بثلاثة أيام. قال لمن عنده من الجن: أيكم يُخَبِّىء لي إبني هذا؟ قال أحدهم؟ أنا أخبؤه لك في المشرق قال: ممن تخبئوه؟ قال: من ملك الموت. قال يبصره. قال آخر: أنا أخبؤه لك بين قرينين لا يريان. قال سليمان عليه السلام إن كان شيء فهذا. فلما جاء أجله، نظر ملك الموت في الأرض، فلم يره في مشرقها، ولا في مغربها، ولا شيء من البحار، ورآه بين قرينين، فجاءه، فأخذه، فقبض روحه على كرسي سليمان. فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان} وهو قول الله {وألقينا على كرسيه جسداً}". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بينما سليمان بن داود جالساً على شاطىء البحر، وهو يعبث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، فانطلق وخلف شيطاناً في أهله، فأتى عجوزاً، فأوى إليها، فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلب وأكفيك عمل البيت، وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وانطلق فالتمس. قال: فانطلق يلتمس، فأتى قوماً يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا سمكات، فانطلق بهن حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته وقالت لسليمان عليه السلام: ما هذا؟ فأخذه سليمان عليه السلام، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين، والانس، والجن، والطير، والوحش، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه أنه يرد عيناً في جزيرة في البحر في سبعة أيام، ولا نقدر عليه حتى يسكر. قال فصب له في تلك العين خمراً، فأقبل فشرب فسكر، فأروه الخاتم فقال: سمعاً وطاعة، فأوثقه سليمان عليه السلام، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فالدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: هو الشيطان. دخل سليمان عليه السلام الحمام، فوضع خاتمه عند امرأة من أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان، فتمثل لها على صورة سليمان عليه السلام، فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان عليه السلام أتاها فقال لها: هاتي الخاتم فقالت: قد دفعته إليك. قال ما فعلت..! فهرب سليمان عليه السلام وجلس الشيطان على ملكه، وانطلق سليمان عليه السلام هارباً في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمر الشيطان، فقال بعضهم لبعض: هل تنكرون من أمر ملككم ما ننكر عليه؟ قالوا: نعم. قال أما لقد هلكتم أنتم العامة، وأما قد هلك ملككم، فقالوا: والله ان عندكم من هذا الخبر، نساؤه معكم، فاسألوهن، فإن كن أنكرن ما أنكرنا فقد ابتلينا. فسألوهن، فقلن: أي والله لقد أنكرنا. فلما انقضت مدته انطلق سليمان عليه السلام حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين يصيدون السمك، فصادوا سمكاً كثيراً غلبهم بعضه، فألقوه فأتاهم سليمان عليه السلام، فاستطعمهم، فأعطوه تلك الحيتان قال: لا بل أطعموني من هذا، فأبوا فقال: أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضباً لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا، فأخذ منها حوتين، فانطلق بهما إلى البحر، فغسلهما فشق بطن أحدهما، فإذا فيه الخاتم، فأخذه فجعله في يده، فعاد في ملكه، فجاءه الصيادون يبيعون إليه فقال لهم: لقد كنت استطعمتكم فلم تطعموني، فلم أظلمكم إذا هنتموني، ولم أحمدكم إذا أكرمتموني. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان سليمان عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه أحب نسائه إليه، فإذا هو قد خرج وقد وضع له وضوءه فدفع خاتمه إلى امرأته، فلبث ما شاء الله. وخرج عليها شيطان في صورة سليمان، فدفعت الخاتم إليه، فضاق ذرعاً به، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، فخرج سليمان عليه السلام على امرأته، فسألها الخاتم فقالت: قد دفعته إليك. فعلم سليمان عليه السلام أنه قد ابتلى، فخرج وترك ملكه، ولزم البحر، فجعل يجوع، فأتى يوماً على صيادين قد صادوا سمكاً بالأمس فنبذوه، وصادوا يومهم سمكاً فهو بين أيديهم، فقام عليهم سليمان عليه السلام فقال: أطعموني بارك الله فيكم، فإني ابن سبيل، فلم يلتفتوا إليه، ثم عاد فقال لهم: مثل ذلك، فرفع رجل منهم رأسه إليه فقال: ائت ذلك السمك فخذ منه سمكة، فأتاه سليمان عليه السلام فأخذ منه أدنى سمكة، فلما أخذها إذا فيها ريح، فأتى بها البحر، فغسلها وشق بطنها فإذا هو بخاتمه، فحمد الله وأخذه فتختم به، ونطق كل شيء كان حوله من جنوده، وفزع الصيادون لذلك، فقاموا إليه، وحيل بينهم ولم يصلوا إليه، ورد الله إليه ملكه. وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن سليمان بن داود عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور العباد، ولم تنصف مظلوماً من ظالم. وكان ملكه في خاتمه، وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه. فجاء الشيطان فأخذه، فأقبل الناس على الشيطان فقال سليمان: يا أيها الناس أنا سليمان نبي الله، فدفعوه، فساح أربعين يوماً، فأتى أهل سفينة، فأعطوه حوتاً فشقها، فإذا هو بالخاتم فيها، فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصيته فقال عند ذلك {رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}. قال وكان أول من أنكره نساؤه. فقال بعضهم لبعض: أتنكرون منه شيئاً؟ قلن: نعم. وكان يأتيهن وهن حيض فقال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله يسلطه على نسائه. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن رافع رضي الله عنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : حدث عن فتنة سليمان عليه السلام قال: إنه كان في قومه رجل كعمر بن الخطاب في أمتي، فلما أنكر حال الجان الذي كان مكانه أرسل إلى أفاضل نسائه، فقال: هل تنكرن من صاحبكن شيئاً؟ قلن: نعم. كان لا يأتينا حيضاً، وهذا يأتينا حيضاً، فاشتمل على سيفه ليقتله، فرد الله على سليمان ملكه، فأقبل فوجده في مكانه، فأخبره بما يريد ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع سليمان عليه السلام إليه خاتمه، فقذفه في البحر، وكان ملك سليمان عليه السلام في خاتمه، وكان اسم الجني صخراً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه شيطاناً يقال له آصف. وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوماً. كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمنهن، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحداً من الناس غيرها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال: نعم. ولم يفعل، وابتلى فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته فقال: هات الخاتم. فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان عليه السلام بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا. قال وخرج مكانه تائهاً، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرأوا التوراة، فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. وأقبل سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شط البحر، فشق بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه. فأرسل إلى الشيطان، فجيء به فأمر به، فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر. فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {ثم أناب} قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشق بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة، ولا على شيء إلا سجد له، حتى أتى ملكه وأهله. فذلك قوله {ثم أناب} يقول: ثم رجع.
القشيري
تفسير : اختلف الناسُ في هذه الفتنة؛ ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال: "لأَطوفَنَّ على هؤلاء فيولد من كل واحدةٍ منهن غلام يقاتل في سبيل الله" ولم يَقُلْ إن شاء الله، ولم تَحْمِلْ إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءت بشق مولود، فألقته على كرسيِّه، فاستغفر ربه من تَرْك الاستنشاء، وكان ذلك ترك ما هو الأَوْلَى. وقيل كان له ابن، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرثه، فَهَمُّوا بقَتْلِه، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطين، فمات الولد، وألقته الريح على كرسيه ميتاً. فالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء، وكان الأوْلَى به التوكل وتَرْكَ الاستعانة بالريح. وقيل في التفاسير: إنه تزوج بامرأة كانت زوجة مَلِكٍ قهره سليمان، وسَبَاها، فقالت له: إن أَذِنْتُ لي أَنْ اتَّخِذَ تمثالاً على صورةٍ لأبي لأتسلَّى بنظري إليه؟ فأَذِنَ لها، فكانت (تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوماً)، وكانت تعبده سِرّاً، فعوقب عليه. وقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت مِنْ أَحَبِّ نسائه إليه، وكان إذا أراد دخول الخلاء نَزَعَ خاتمه ودَفَعَه إليها، وهي على باب الخلاء، فإذا خَرَجَ استردَّه. وجاء يوماً شيطانٌ يُقَال له "صخر" على صورة سليمان وقال لامرأته: ادفعي إليَّ الخاتم فدفعته، ولبسه، وقعد على كرسيه، يُمَشِّي أمورَه - إلا التصرفَ في نسائه - فقد منعه اللَّهُ عن ذلك. فلمَّا خرج سليمانُ طَالَبَ المرأة بالخاتم، فقالت: الساعةَ دَفَعْتُه إليك. فظَنَّ أنه فُتِنَ، وكان إذا أخبر الناسَ أنه سليمان لا يُصَدِّقُونه، فخرج (هارباً إلى ساحل البحر)، وأصابته شدائد، وحمل سَمَكَ الصيادين بأجرةٍ حتى يجدَ قُوتاً. ولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطانَ (واستنكروا حُكْمَه) نشروا التوراة بين يديه ففرَّ ورمى بالخاتم في البحر، وطار في الهواء. ولمَّا أَذِنَ اللَّهُ رَدَّ مُلْكَ سليمان إليه، ابتلعت سمكةٌ خاتمه، ووقعت في حبال الصيادين، ودفعوها إلى سليمان في أجرته، فلمَّا شقَّ بَطْنَهَا ورأى خاتَمه لبسه، وسَجَدَ له الملاحون، وعاد إلى سرير مُلْكَه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} هذه الفتنة ايضا فتنة العشق التى ظهرت له من محبته بنت الملك وهكذا كل فتنة لو تراها بالحقيقة ما ولدت الا من العشق شغف فى محبتها بحسنها وجمالها فغار عليه الحق واسقطه من منازل الملك حتى غرّ به فى القفار والبوادى وانساه ذكرها غيرة عليه حتى لا يبقى فى قلبه غيرة واجلس مكانه فى الملك صخرا حتى افسد فى الارض فتلطف عليه الحق وارجعه الى مكانه ومكانته فسال الحق تمكينه فى الملك والمملكة {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً} سال المغفرة فيما قصّر فى واجب المعرفة وحقيقتها التى يوجب انفراد القلب عن غير جمال الحق من العرش الى اثرى ثم سال ملك تمكينه فى ذلك المقام وسال ان لا يحتجب بالملك عن المالك ولا يجرى عليه بعد ذلك الامتحان ولا يسلط عليه جنود المكر والقهر حتى لا يحتجب بنفسه عن نفسه وقوله {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} ليس هذا من البخل هذا شفقة على المقصرين لو كانوا مبتلين بذلك الملك لكيونون محتجبين به عنه وايضا يبلغ السّالك فى المعرفة والمحبة الى ان لا يطيق ان يرى غير نفسه مقام للمشاهدة قال ابن عطا مكنّى من مخالفة نفسى حتى اوافقها بحال وقال بعضهم هب لى ملكا اى المعرفة بك حتى لا ارى معك غيرك ولا تشغلنى كثرة عروض الدنيا عنك قال الجنيد هب لى ملكاً ثم رجع ونظر فيما سال فقال لا ينبغى لاحد من بعدى ان يسال الملك فانه يشغل عن المالك وقال ابن عطا ساله ملك الدنيا لينظر كيف صبره من الدنيا مع القدرة عليها وقال ابن زانيا اولا استغفر ثم سال الملك اعلم بذلك ان الملك لا يخلوا من الفتن ظاهر وباطنا فجعل او سواله الاستغفار.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد فتنا سليمن} الفتنة الاختبار والابتلاء {والقينا} الالقاء الطرح {على كرسيه} الكرسى اسم لما يقعد عليه والمراد سريره المشهور وقد سبق فى سورة سبأ {جسدا}. قال فى المفردات الجسد الجسم لكنه اخص قال الخليل لا يقال الجسد لغير الانسان من خلق الارض ونحوه وايضا فان الجسد يقال لما له لون والجسم يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء. وقال فى انوار المشارق الفرق بين الجسد والبدن ان الاول يعم لذى الروح وغيره ويتناول الرأس والشوى والثانى مخصوص بذى الروح ولا يتناولهما ومن هذا قد اشتهر فيما بينهم حشر الاجساد باضافة الحشر الخاص بذى الروح الى الاجساد العامة له ولغيره دون الابدان المخصوصة وذلك لان فى اضافته الى البدن باعتبار انه لا يتناول الرأس والشوى على ما نص عليه الزمخشرى فى الفائق والخليل فى كتاب العين قصورا مخلا بحكم الاعادة بعينه واما ما فى الجسد من العموم الزائد على قدر الحاجة فمندفع بقرينة اضافة الحشر انتهى كلام الانوار والمراد به فى الآية القالب بلا روح كما سيأتى {ثم اناب} اى سليمان عليه السلام. والانابة الرجوع الى الله تعالى ـ روى ـ ان سليمان كان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية وكان فى ظهره ماء مائة رجل اى قوتهم وهكذا انبياء الله اعطى كل منهم من القوة الجماعية ما لم يعط احد من افراد امته وكذا الولى الاكمل فان له قوة زائدة على سائر الآحاد وان لم تبلغ مرتبة قوة النبى فقال سليمان عليه السلام يوما لاطوفن الليلة على سبعين امرأة اى اجامعهن او تسعين او تسع وتسعين او مائة تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله ولم يقل ان شاء الله فقال له صاحبه اى وزيره آصف قل ان شاء الله فلم يقل فطاف عليهن تلك الليلة فلم تحمل الا امرأة واحدة جاءت بشق ولد له عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فالقته القابلة على كرسيه وهو الجسد المذكور قال نبينا عليه السلام "حديث : لو قال ان شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا اجمعون " تفسير : قال القاضى عياض رحمه الله وان سئل لم لم يقل سليمان فى تلك القصة المذكورة ان شاء الله فعنه اجوبة. اسدّها ما روى فى الحديث الصحيح انه نسى ان يقولها اى كلمة ان شاء الله وذلك لينفذ مراد الله. والثانى انه لم يسمع صاحبه وشغل عنه انتهى فمعنى ابتلائه قوله لاطوفن الخ وتركه الاستثناء ومعنى القاء الجسد على كرسيه القاء الشق المذكور عليه ومعنى انابته رجوعه الى الله تعالى عن زلته وهو تركه الاستثناء فى مثل ذلك الامر الخطير لان ترك الاولى زلة للانبياء اذ حسنات الابرار سيآت المقربين ألا ترى حديث : ان نبينا عليه السلام لما سئل عن الروح وعن اصحاب الكهف وذى القرنين قال"ائتونى غدا اخبركم" ولم يستثن فحبس عنه الوحى اياما ثم نزل قوله تعالى{ولا تقولون لشىء انى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله} تفسير : ـ وروى ـ ان سليمان عليه السلام ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله وذلك انهم كانوا يقدرون فى انفسهم انهم سيستريحون مما هم فيه من تسخير سليمان اياهم على التكاليف الشاقة والاعمال المستمرة الدائمة بموته فلما ولد له ابن قال بعضهم لبعض ان عاش له ولده لم ننفك عما نحن فيه من البلاء فسبيلنا ان نقتل ولده او نخبله والتخبيل افساد العقل والعضو فعلم سليمان بذلك فامر السحاب فحمله وكانت الريح تعطيه غذاءه وربى فيه خوفا من مضرة الشياطين فابتلاه الله لاجل خوفه هذا وعدم توكله فى امر ابنه على ربه العزيز بموت ابنه حيث مات فى السحاب والقى ميتا على كرسيه فهو المراد من الجسد الملقى على كرسيه. قال فى شرح المقاصد فتنبه لخطأه فى ترك التوكل فاستغفر وتاب فهذا مما لا بأس به وغايته ترك الاولى اذ ليس فى التحفظ ومباشرة الاسباب ترك الامتثال لامر التوكل على ما قال عليه السلام "حديث : اعقلها وتوكل" تفسير : انتهى. فان قلت كان الشياطين يصعدون الى السماء وقتئذ فما فائدة رفعه فى السحاب فى المنع عنهم قلت فائدته ان الشياطين التى خاف سليمان على ابنه منهم كانوا فى خدمته الدائمة فى الارض فكان فى الرفع الى السحاب رفعه عن ابصارهم وتغييبه عن عملهم وتسليمه الى محافظة الملائكة ولما القى ابنه الميت على كرسيه جزع سليمان عليه اذ لم يكن له الا ابن واحد فدخل عليه ملكان فقال احدهما ان هذا مشى فى زرعى فافسده فقال له سليمان لم مشيت فى زرعه قال لان هذا الرجل زرع فى طريق الناس فلم اجد مسلكا غير ذلك فقال سليمان للآخر لم زرعت على طريق الناس أما علمت ان الناس لا بد لهم من طريق يمشون فيه فقال لسليمان صدقت لم ولدت على طريق الموت أما علمت ان ممر الخلق على الموت ثم غابا عنه فاستغفر سليمان واناب الى الله تعالى: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : مكن خانه در راه سيل اى غلام كه كس را نكشت اين عمارت تمام نه از معرفت باشد وعقل ورأى كه در ره كند كاروانى سراى ز هجران طفلى كه در خا رفت جه نالى كه باك آمد و باك رفت تو باك آمدى بر حذر باش وباك كه ننكست نا باك رفتن بخاك مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف تفسير : قال الكاشفى [ومشهور آنست كه بواسطه ترك ازلى انكشتر مملكت سليمان بدست صخرجن افتاد وجهل روز برتخت سليمان نشست وباز آن خاتم بدست سليمان آمد بمملكت بازكشت] فيكون المعنى ولقد ابتليناه بسبب ملكه والقينا على كرسيه جسدا يعنى العفريت الذى اخذ خاتمه وجلس على كرسيه وهو صخر صاحب البحر على اشهر الاقاويل وسمى جسدا لانه تمثل بصورة سليمان ولم يكن هو فكان جسدا محضا وصورة بلا معنى ثم اناب اى رجع الى ملكه بعد اربعين يوما. يقول الفقير ارشده الله القدير هذا وان كان مشهورا محررا خصوصا فى نظم بعض العرب والعجم لكنه مما ينكر جدا ولا يكاد يصح قطعا وذلك لوجوه. احدها انه ليس فى جلوس الجن على الكرسى معنى الالقاء الا ان يتكلف. والثانى ان جميع الانبياء معصومون من ان يظهر شيطان بصورهم فى النوم واليقظة لئلا يشتبه الحق بالباطل ولان الانبياء عليهم السلام صور الاسم الهادى ومظاهر صفة الهداية والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان فلا يجتمعان ولا يظهر احدهما بصورة الآخر وقس على الانبياء احوال الكمل من الاولياء فانهم ورثتهم ومتحققون بمعارفهم وحقائقهم. فان قيل عظمة الحق سبحانه اتم من عظمة كل عظيم فكيف امتنع على ابليس ان يظهر بصورة الانبياء مع ان اللعين قد ترأى لكثيرين وخاطبهم بانه الحق طلبا لاضلالهم وقد اضل جماعة بمثل هذا حتى ظنوا انهم رأوا الحق وسمعوا خطابه قلنا ان كل عاقل يعلم ان الحق ليست له صورة معينة معلومة توجب الاشتباه ولذا جوز بعض العلماء رؤية الله فى المنام فى أى صورة كانت لان ذلك المرئى غير ذات الله اذ ليس لها صورة واما الانبياء فانهم ذووا صور معينة معلومة مشهودة توجب الاشتباه. والثالث انه كيف يصح من الحكيم ان يجلس شيطانا من الشياطين على كرسى نبى من الانبياء ويسلطه على المسلمين ويحكمه عليهم مع انه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شعر : كس نيايد بزير سايه بوم ورهماى ازجهان شود معدوم تفسير : . والرابع ان الخاتم كان نورانيا فكيف صح ان يستقر فى يد الشيطان الظلمانى بطريق تقلد الحكومة وقد ثبت ان الشيطان يحرقه النور مطلقا ولذا جعل الشهاب رجما للشياطين. والخامس انه كان ملك سليمان فى الخاتم فكيف يصح ان يجلس الجنى على كرسيه على تقدير قذف الخاتم فى البحر على ما قالوا. قال فى كشف الاسرار [ملك سليمان در خاتم وى بود ونكين آن خاتم كبريت احمر بود] انتهى. وفى عقد الدرر انه كان خاتم آدم عليه السلام قبل خروجه من الجنة البسه الحق اياه ثم اودع فى ركن من اركان العرش وكان مكتوب عليه فى السطر الاول "بسم الله الرحمن الرحيم" وفى الثانى "لا اله الا الله" وفى الثالث "محمد رسول الله" فلما انزله جبريل الى سليمان اضطرب العالم من مهابته ولما وضعه فى اصبعه غاب عن اعين الناس فقالوا يا نبى الله نريد ان نتشرف بمشاهدة جمالك فقال اذكروا الله فلما ذكروه رأوه فالتأثير من الله وبسليمان المظهرية والخاتم واسطة فى الحقيقة. وانما وضع ملكه فى فص خاتم لانه تعالى اراه فى ذلك ان ما اعطيت فى جنب ما لم تعط قدر هذا الحجر من بين سائر الاحجار اذ كان ملك الدنيا عند الله تعالى كقدر حجر من الاحجار والله يعز من يشاء بما يشاء
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد فتنَّا سليمانَ} أي: ابتليناه، {وألقينا على كرسيه}؛ سرير ملكه، {جسداً}؛ شق ولد، أو جِنياً، {ثم أنابَ}؛ رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما رُوي مرفوعاً: أنه قال: لأطُوفَنَّ الليلةَ على سبعين ـ أو تسع وتسعين ـ امرأةً، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يُجاهد في سبيل الله، ولم يقل "إن شاء الله" فطاف عليهنَّ، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشقّ رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "حديث : والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء اللهُ، لجاهدوا في سبيل الله فُرساناً أجمعون" تفسير : فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: "إن شاء الله" والجسد هو شق الإنسان الذي وُلد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجْمعَت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلمَّا عَلِمَ ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسداً ميتاً، فتنبّه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل مَلِكها، وأخذ بنتاً له تُسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دَمْعها، جزعاً على أبيها، فأمر الشياطين فمثَّلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدْنَ لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفُرش له الرماد، وجلس عليه تائباً إلى الله متضرعاً. وكانت له أم ولد، يقال لها: "أمينة" إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها مُلكه، فأعطاها يوماً، فتمثّل لها بصورته شيطان، اسمه "صخر" وأخذ الخاتم، فتختّم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغُيرَ سليمان عن هيئته، فأتى "أمينة" لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبُّوه، ثم عمد إلى السمَّاكين ينقل لهم السمك، فيُعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحاً، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماءُ بني إسرائيل حُكمَ الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حُكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبَقَر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختّم به، وخرّ ساجداً لله، وعاد إليه مُلكه، وقبض الجني "صخر" فجعله في وسط صخرة، وشدّ عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه. فالجسد على هذا عبارة عن "صخر" سمي به، وهو جسم لا روح فيه؛ لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافُلُه عليه السلام عن حال أهله؛ لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظوراً حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبُّه الشيطان بنبيه، وتسلُّطه على ملكه، وتصرُّفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضاً. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدّم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخُ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلّط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده؛ لأن ذلك إنما فيه تسلُّط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : تفلت عليّ البارحة عفريتٌ..."تفسير : الحديث. وكذا سُحر، وسُمّ، وشُجّ. والتسلُّط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رُفع اللبس بعد ذلك، كما في آية: {أية : فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ} تفسير : [الحج:52]، والله أعلم هـ. {قال ربِّ اغفر لي}، هو بدل من "أناب"، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، {وهب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}، ليكون معجزةً لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لمَّا نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معاً، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي؛ لعظمته وشدته. قال القشيري: ويُقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل المُلْك، بل يجب أن يَكِلَ أمرَه إلى الله ـ ومثله للجنيد، وزاد: فإن المُلْكَ شُغل عن المالك ـ أو يقال: لا ينبغي لأحدٍ من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل المُلكَ لسياسة الناس، وإنصافِ بعضهم من بعض، والقيام بحقِّ الله، ولم يسأله لأجل مَيْلِه إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام: {أية : اجْعَلْنِى عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ...} تفسير : [يوسف: 55]. ثم قال: عَلِمَ أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحِظَ الدنيا، ولا يملكها، تحقيراً لها فقال: {لا ينبغي لأحد من بعدي} لا لأنه بَخِلَ به عليه، ولكن لِعِلْمِه أنه لا ينظر إلى ذلك. هـ. هذا، وقد يُقال: إن قوله: {وهب لي مُلْكاً} قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل: {أية : وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً} تفسير : [البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب؛ لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جرياً على سنَن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. {إِنك أنت الوهابُ}؛ تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معاً، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهَّابية قطعاً، {فسخَّرنا له الريحَ}؛ فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح {تجري بأمره}؛ بيان لتسخيرها، {رُخَاءً} أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تُقِلّ السرير من الأرض الإعصارُ، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، {حيث أصابَ} أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر: شعر : أصَابَ الْكَلاَمَ فَلَمْ يَستَطِعْ فأَخْطَا الجَوابَ لَدَى المِفْصَلِ تفسير : {و} سخرنا له {الشياطينَ كلَّ بناءٍ وغَوَّاصٍ}: بدل من "الشياطين". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر؛ لاستخراج اللآلىء، وهو أول مَن استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخّرنا له كلَّ بنّاء وغوّاص من الشياطين، {وآخرين مقرَّنِينَ في الأصفاد}؛ فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد؛ لأنه ارتباط للمنعَّم عليه في يد المنعِم. ومنه قول عليّ رضي الله عنه: (مَن برَّك فقد أسرك، ومَن جفاك فقد أطلقك)، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإنَّ خيرهم يُصيبك في قلبك، وشرهم يُصيبك في بدنك، ولئن تُصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. هـ. {هذا عطاؤنا}، هو حكاية لما خُوطب به سليمان من قِبَل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من المُلك العظيم، والسلطنة، والتسلُّط على ما لم يُسلط عليه غيرُك، هو عطاؤنا الخاص بك، {فامْنُنْ أو أَمْسِكْ} أي: أعطِ مَن شئت، وامنع مَن شئت، {بغير حسابٍ} أي: غير محاسَب على منِّه ومنعه لتفويض التصرُّف فيه إليك، فكان إذا أعطى أُجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعطِ أحداً عطية إلا جعل فيها حساباً، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاءً هيناً. وهذا مما خُصّ به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويُعاقب على منعه من حقه، و {بغير حساب}: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جمّاً كثيراً، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على مَن شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك مَن شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك. {وإِنَّ له عندنا لزُلفى}؛ لقُربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، {وحُسنَ مآب}؛ مرجع، وهي الجنة. وزُلفى: اسم إن، و "له": خبر، و "عند": متعلق بالاستقرار. رُوي أن سليمان عليه السلام لما ورث مُلك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياماً، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب؛ الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى اللهُ عبداً مُكنةً إلا بعد محنة، ولا رفع مقاماً إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إنْ صَحِبه رجوع وانكسار. كأنّ الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبداً أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمّته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث: "حديث : أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي"تفسير : . ومَن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: {وهَبْ لي مُلكاً...} الخ، قال القشيري: لم يطلب المُلكَ الظَاهر، وإنما أراد به أن يَمْلِكَ نَفْسَه، فإن المَلِكَ ـ على الحقيقة ـ مَن ملَك نفسَه، فمَن مَلِكَها لم يَتَّبعْ هواه، أي: فيكون حرّاً، فيملكه الله التصرُّف في الوجود. ثم قال: ويُقال أراد به كمالَ حاله في شهود ربه، حتى لا يَرى معه غيرَه، ويقال: سأل القناعةَ التي لا يبقى معها اختيار. هـ. وقوله تعالى: {هذا عطاؤنا فامنُنْ أو أَمسك بغير حساب}، هو عند الأولياء ليس خاصّاً بسليمان، فكل مَن تمكَّن مع الله التمكُّن الكبير يُفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الوليّ مبلغاً يُقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلِمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ}.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} امتحنّاه {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} روى عن النّبىّ (ص) انّ سليمان (ع) قال: يوماً فى مجلسه لاطُوفنّ اللّيلة على سبعين امرأة تلد كلّ امرأةٍ منهنّ غلاماً يضرب بالسّيف فى سبيل الله، ولم يقل، ان شاء الله، فطاف عليهنّ فلم تحمل منهنّ الا امرأة واحدة جائت بشقّ ولدٍ ثمّ قال: فوالّذى نفس محمّد بيده لو قال: ان شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرساناً والجسد الّذى كان على كرسيّه كان هذا، وعن الصّادق (ع) انّ الجنّ والشّياطين لمّا ولد لسليمان بن داود (ع) قال بعضهم لبعض: ان عاش له ولد لنلقينّ منه ما لقينا من ابيه من البلاء، فاشفق منهم عليه فاسترضعه فى المزن وهو السّحاب فلم يشعر الاّ وقد وضع على كرسيّه ميّتاً لتنبيهه على انّ الحذر لا ينفع من القدر وانّما عوتب على خوفه من الشّياطين، وقيل: انّ المراد بالجسد هو الشّيطان الّذى جلس مكانه على كرسيّه سمّى بالجسد لخلوّه من روح الانسان، وذكر فى سبب ابتلائه (ع) بسلب ملكه انّ امرأةً كانت تعبد فى بيته صورةً اربعين يوماً ولم يشعر به، ونقل انّ سليمان (ع) لمّا تزوّج باليمانيّة ولد منها ولد وكان يحبّه فنزل ملك - الموت على سليمان وكان كثيراً ما ينزّل عليه فنظر الى ابنه نظراً ففزع سليمان من ذلك فقال لامّه: انّ ملك الموت نظره اظنّه قد امر بقبض روحه فقال للجنّ والشّياطين: هل لكم حيلة ان تفرّوه من الموت؟ فقال واحد منهم: انا اضعه تحت عين الشّمس فى المشرق فقال سليمان (ع): انّ ملك الموت يبلغ ذلك، فقال آخر: انا اضعه فى السّحاب والهواء فرفعه ووضعه فى السّحاب وجاء ملك الموت فقبض روحه فى السّحاب فوقع جسده ميّتاً على كرسىّ سليمان، فعلم انّه قد اخطأ فحكى الله ذلك فى قوله {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} وامثال هذه وامثال روايات سلب ملك سليمان (ع) وجلوس الشّيطان على كرسيّه وكون ملكه منوطاً بخاتم ليس الاّ من الرّموز الّتى رمزها الاقدمون ثمّ اخذها العامّة بصورها الظّاهرة ومفاهيمها العامّيّة ونسبوا الى الانبياء عليهم السّلام ما لا يليق ان ينسب الى مؤمنٍ فكيف بكاملٍ او نبىّ (ع).
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} أي: ابتلينا سليمان {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثًمَّ أَنَابَ} يعني الشيطان الذي خلفه في ملكه تلك الأربعين ليلة. قال بعضهم: كان اسمه صخراً. وقال بعضهم: كان اسمه آصف، اسم وافق اسم الذي عنده علم من الكتاب، كان يحسن الاسم الأكبر. وتفسير قوله (جَسَداً) عند الحسن أن الشيطان لما أخذ خاتم سليمان صعد على كرسيه، وهو سرير المملكة لا يأكل ولا يشرب، ولا يأمر ولا ينهى. وهو قول الله (جَسَداً) كقول الرجل للرجل: ما أنت إلا جسد. وأذهب الله ذلك من أذهان الناس، أي أصابتهم غفلة، فلا يرون إلا أن سليمان في مكانه، يرون أنه يصلّي بهم، ويجمع ويقضي بينهم، ولا يرى الناس إلا أنه على منزلته الأولى فيما بينه وبينهم. فأذهب الله ذلك من أذهانهم كما أذهب من أذهانهم موته سنة، وهو متكئ علىعصاه، لا يرون إلا أنه يصلي بهم ويجهز عذابهم ويحكم بينهم. وهي في قراءة ابن مسعود: ولقد كانوا يعملون له حولاً. قال الكلبي: إن سليمان أصابَ ذنباً فأراد الله أن يجعل عقوبته في الدنيا. قال الحسن: كان قارب بعض نسائه في المحيض. قال الكلبي: كانت له امرأة من أكرم نسائه عليه وأحبّهن إليه، فقالت: إن بين أبي وبين رجل خصومة، فزيّنت حجة أبيها. فلما جاءا يختصمان جعل يحب أن تكون الحجة لختنه. فابتلاه الله بما كان من أمر الشيطان الذي خلفه، وذهب ملك سليمان. وذلك أنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء دفع خاتمه إلى امرأة من نسائه كان يثق بها، فدفعه إليها يوماً ثم دخل الخلاء. فجاءها ذلك الشيطان في صورة سليمان، فأخذ الخاتم منها. فلما خرج سليمان من الخلاء طلب الخاتم منها فقالت: قد أعطيتكه. فقال: أنشدك بالله أن تخونيني. وذهب الخبيث فقعد على كرسي سليمان، وألقى عليه شبهه وهيئته. فخرج سليمان فإذا هو بالشيطان قاعد على كرسيه. فذهب في الأرض وذهب ملكه. وجعل يستطعم إذا أصابه الجهد ويقول: أنا سليمان بن داوود، فيكذبونه ويستخِفّون به ويطردونه حتى كاد أن يموت من الجوع. وقال مجاهد: كان يقول: لو عرفتموني لأطعمتموني، أنا سليمان ويكذّبونه. قال الكلبي: لما انقضت المدة، ونزلت الرحمة عليه من الله، ألقى الله في أنفاس الناس استنكار الشيطان. فمشوا إلى آصف، أحد الثلاثة خزان بيت المقدس، فقالوا: يا آصف، إنا أنكرنا قضاء الملك وعمله، فلا ندري أنكرت مثل الذي أنكرنا أم لا. قال نعم، ولكن سوف أدخل على نسائه، فإن كن أنكرن مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عام في الناس، فاصبروا حتى يكشف الله عنكم، فإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خصصنا به، فادعوا الله لملككم بالصلاح. فانطلق آصف فدخل على نساء سليمان، فسألهن عنه، فقلن: إن كان هذا سليمان فقد هلكنا وهلكتم، وقال مجاهد فأنكرته أم سليمان. قال الكلبي: فخرج آصف إلى الناس فأخبرهم، فدعوا الله ربهم أن يكشف عنهم. فلما رأى الشيطان الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحراً كثيراً على لسان آصف، ثم دفنوه في مصلّى سليمان وبيت خزائنه وتحت كرسيه، ثم أضربوا عنه. وفشا الاستنكار من الناس للشيطان، وانقضت أيامه، ونزلت الرحمة من الله لسليمان. فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر؛ فأخذه حوت من حيتان البحر. وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن بنقل السمك من السفن إلى البر على سمكتين كل يوم. فأخذ في حقه يوماً سمكتين، فباع إحداهما برغيفين؛ وأما الأخرى فشق بطنها وجعل يغسلها، فإذا هو بالخاتم، فأخذه، فالتفت إليه الملاحون فعرفوه، فأقبلوا إليه، فسجدوا له. وكذلك تحية من كان قبلكم، كانت تحيتهم السجود، وجعل الله تحية هذه الأمة السلام، وهي تحية أهل الجنة. قال الكلبي: فقال سليمان: فما آخذكم الآن على السجود، ولا ألومكم على ما تفعلون؛ وذلك الفعل هو أنه كان إذا أصابه الجوع استطعم فقال: أنا سليمان بن داوود، لو عرفتموني لأطعمتموني، أنا سليمان، فيكذبونه ويستخفون به. وقال مجاهد: إن سليمان قال لآصف، الشيطان الذي خلفه، وكان يقول: كان اسمه آصف، كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه خاتمه نبذه في البحر، فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيّه، ومُنِع أن يقرب نساء سليمان. قال الكلبي: فأقبل سليمان إلى ملكه فعرفه الناس واستبشروا به، وأخبرهم أنه إنما فعله به الشيطان، فاستغفر سليمان ربه.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه بسبب ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتى بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه قل ان شاء الله ولم يقل فطاف عليهن فلم تحبل الا واحدة جاءت بشق رجل وايم الذي نفسي بيده لو قال ان شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون. وفيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : قال سليمان: لأطوفن الليل على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس مجاهد يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه قل: ان شاء الله فلم يقل فطاف عليهن فلم تحمل منهن الا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم الذي نفس محمد بيده لو قال: ان شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون ". تفسير : وقيل سبب سلب ملكه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض ان عاش له ولد ولم يعفك من الخدمة فسبيله أن نقتله أو نخبله أي نسلب عقله فعلم سليمان ذلك فأمر الملائكة فرفعوه فى الحجاب وقيل: أمر السحاب فيحمله فبينما هو في بعض أشغاله اذ هو ملقى على كرسيه ميتاً فعاتبه الله على خوفه من الشياطين ولم يتوكل عليه فتاب وسميت شدة حرصه عدم توكل، وقيل: سمع بمدينة تسمى صيدون بجزيرة ملكها عظيم ولا يقدر عليه أحد لتحصنه بالبحر فحملته الريح مع جنوده فنزل عليها وقتل ملكها وسبى ما فيها وأصاب بنت الملك واسمها جرادة لم ير مثلها جمالاً ودعاها للاسلام فأسلمت على قلة فتزوجها وأحبها أكثر من نسائه فحزنت حتى لا يرقأ لها دمع فشق عليه فقال ويحك ما هذا الحزن والدمع؟ فقالت لتذكر أبي وملكه وما أصابه فقال أنت الآن في سلطان أعظم وفى الاسلام الذي هو خير من ذلك قالت: نعم لكن يصيبني ذلك اذا تذكرته فلو أمرت الشياطين أن يصوروه في داري أراه بكرة وعشية لرجوت ذهاب ذلك فصنعوا صورته الا الحياة فألبسنها مثل ثياب أبيها وصارت تسجد لها صباحا ومساء هي وجواريها وصار صنماً معبوداً في بيته وسليمان لا يعلم وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقه ولا يرد عن أبوابه ساعة أراد حاضراً سليمان أو غائباً فدخل وقال يا نبي الله كبرت وضعفت وحان موتي وأحب أن أخطب الناس قبل الموت أذكر الأنبياء الماضين وأثنى عليهم بما علمت وأعلم الناس بعض ما جهلوه من أمرهم فجمع له الناس فخطب ومدحهم وذكر ما فضلهم الله به حتى بلغ الى سليمان فقال ما كان أحلمك في صغرك وأورعك فيه وأفضلك فيه وأحكم أمرك فيه وأبعدك فيه عن كل ما يكره وانصرف فملئ سليمان غضباً فلما دخل داره دعاه فقال يا آصف ذكرتهم وأثنيت فى كل حال وأثنيت عليَّ في صغري فما أحدثت في كبري؟ قال: يعبد غير الله في دارك أربعين صباح في هوى امرأة قال: في داري؟ قال: فى دارك قال: انا لله وانا اليه راجعون قد علمت انك ما قلت الا لشيء بلغك فكسر الصنم وعاتب المرأة ومن معها فلبس ثياب الظهيرة لا يصنعها ولا يمسها الا بكر فخرج الى فلاة وأمر أن يفرش له الرماد وتمعك فيه متضرعاً باكياً ويرجع لداره كل يوم مساء وله أم ولد يقال لها الأمينة اذا أراد الخلاء أو الجماع وضع خاتمه عندها حتى يتطهر ولا يمسه الا طاهراً أو فيه ملكه فتمثل لها صخر المارد وهو شيطان حتى لا تنكر انه سليمان فقال: خاتمي يا أمينة فناولته فتختم به وجلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والوحش والجن والانس وخرج سليمان فقال لها خاتمي وقد تغير عند كل من رآه فقالت: من أنت؟ قال: سليمان بن داود قالت كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه فعرف أنه أدركته خطيئته فجعل يقف على كل دار من دور بني اسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب وصبت عليه عجوز بولها من اناء ويقولون انظروا الى هذا المجنون يزعم أنه سليمان فعمد الى البحر فكان ينقل الحوت لأصحابه الى السوق ويعطونه سمكتين فاذا أمسى باع احداهما برغيف ويشوى الأخرى ويأكل وكان ذلك أربعين يوماً كمدة عبادة الصنم في داره وأنكر آصف حكم الشيطان في المدة فقال لبني اسرائيل فقالوا مثل ما قال فقال دعوني أسأل نساءه فقال هل أنكرتن من حكم ابن داود ما أنكرنا فى عامة الناس؟ فقلن أشده ما يدع حائضاً ولا يغتسل من الجنابة فقال: انا لله وانا اليه راجعون فخرج اليهم وقال في الخاصة أشد مما في العامة ولما تمت أربعون يوماً طار الشيطان ومر بالبحر فقذف الخاتم فبلعته سمكة فأخذها صايد وقد عمل له سليمان صدر يومه فلما أمسى أعطاه سمكتين فباع احداهما برغيف ومزق بطن الاخرى ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها فتختم به ووقع لله ساجداً وأعطف عليه الطير والجن وأقبل الناس وأظهر التوبة وأمر الشياطين أن يأتوا بصخر فطلبوه فأخذوه فأدخله في جوف صخرة وسد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر فقذفه في البحر وقيل: ان سبب فتنته أن جرادة كانت أبر نسائه ويأمنها على خاتمه فقالت: اقض لأخي على فلان في خصومة فقال: نعم ولن يأتي القضاء له فلم يفعل فابتلي لقوله: نعم فكان ما مر من أمر الشيطان وقيل: ان سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله اليه احتجبت ولم تنظر في أمور عبادي فابتلاه بذلك. قال بذلك سعيد ابن المسيب. قال الحسن: لا يسلط الله الشيطان على نساء نبيه وكذا قال المحققون لا يقدر الشيطان على التصرف فى ملكه ونسائه وانما أثبت ذلك اليهود وقيل: ان الشيطان لم يسلط على ذلك ولم ينفذ أمره بل بقى الملك معطلاً وقيل: ان سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده فيعيده ولا يتماسك فقال له آصف انك مفتون فخر الى الله تائباً فانى أقوم مقامك وأسير سيرتك الى أن يتوب الله عليك ففر وأعطاه اياه فقام مقامه أربعة عشر يوماً الى أن رد الله على سليمان ملكه ورجع لسريره وتماسك الخاتم بيده* {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً} هو ابنه الذي أرسل الى السحاب ألقاه الله جسداً ميتاً لا روح فيه وقيل: شق الرجل الذي ولدت امرأته عرض عليه وهو على كرسيه؛ وقيل: صخر سمى جسداً كأنه لا روح فيه لانه تمثل بما لم يكنه، وقيل: آصف حين ناب عنه وقيل: جسد سليمان* {ثُمَّ أَنَابَ} قيل قام الجسد مقامه وهو آصف أو صخر وقيل رجع سليمان الى ملكه وقيل الى الاستغفار وهو قوله* {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي}
اطفيش
تفسير : {ولقد فتنَّا سُليمان} ابتليناه بسلب ملكه،وذلك لتزوجه، بأمرأة هواها، وكانت تعبد الصنم فى داره من غير علمه، وكان ملكه فى خاتمه، فنزعه مرة عند ارادة الخلاء، ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاء جنىّ فى صورة سليمان، فأخذه منها. {وألْقينا على كُرسيِّه جَسَداً} هو ذلك الجنى، وهو صخر أو غيره، وجلس على كرسىّ سليمان، وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان فى غير هيئته، فرآه على كرسيه، وقال للناس: أنا سليمان فأنكروه {ثمَّ أنابَ} رجع سليمان الى ملكه بعد أيام، بأن وصل الى الخاتم الذى أخذه الجنى، فلبسه وجلس على كرسيه.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } أظهر ما قيل في فتنته عليه السلام أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة مرفوعاً وفيه: «فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرساناً» لكن الذي في «صحيح البخاري» أربعين بدل سبعين وأن الملك قال له: قل إن شاء الله فلم يقل وغايته ترك الأولى فليس بذنب وإن عده هو عليه السلام ذنباً، فالمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولد له، ومعنى إلقائه على كرسيه وضع القابلة له عليه ليراه. وروى الإمامية عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه ولد لسليمان ابن فقالت الجن والشياطين: إن عاش له ولد لنلقين منه من أبيه من البلاء فأشفق عليه السلام منهم فجعله وظئره في السحاب من حيث لا يعلمون فلم يشعر إلا وقد ألقي على كرسيه ميتاً تنبيهاً على أن الحذر لا ينجي من القدر وعوتب على تركه التوكل اللائق بالخواص من ترك مباشرة الأسباب، وروي ذلك عن الشعبـي أيضاً، ورواه بعضهم عن أبـي هريرة على وجه لا يشك في وضعه إلا من يشك في عصمة الأنبياء عليهم السلام، وأنا في صحة هذا الخبر لست على يقين بل ظاهر الآية أن تسخير الريح بعد الفتنة وهو ظاهر في عدم صحة الخبر لأن الوضع في السحاب يقتضي ذلك. وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن سليمان عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله تعالى إليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي ولم تنصف مظلوماً من ظالم وكان ملكه في خاتمه وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه فجاء الشيطان فأخذه فأقبل الناس على الشيطان فقال سليمان: يا أيها الناس أنا سليمان نبـي الله تعالى فدفعوه فساح أربعين يوماً فأتى أهل سفينة فأعطوه حوتاً فشقها فإذا هو بالخاتم فيها فتختم به ثم جاء فأخذ بناصيته فقال عند ذلك: {أية : رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى }تفسير : [ص: 35]. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبـي حاتم قال ابن حجر: والسيوطي بسند قوي عن ابن عباس أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه وكانت امرأته وكانت أحب نسائه إليه فجاء الشيطان/ في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي فأعطته فلما لبسه دانت الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان قال لها: هاتي خاتمي قالت: قد أعطيته سليمان قال أنا سليمان قالت كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحداً فيقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله تعالى وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله تعالى أن يرد عليه سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا: أتنكرن من سليمان شيئاً؟ قلن: نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فأمر الشياطين فكتبوا كتباً فيها سحر ومكر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرؤها على الناس وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فاكفر الناس سليمان وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته وكان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة، فدعا سليمان فحمل معه السمك إلى باب داره فأعطاه تلك السمكة فشق بطنها فإذا الخاتم فيه فأخذه فلبسه فدانت له الإنس والجن والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان إلى جزيرة في البحر فأرسل في طلبه وكان مريداً فلم يقدروا عليه حتى وجدوه نائماً فبنوا عليه بنياناً من رصاص فاستيقظ فأوثقوه وجاؤا به إلى سليمان فأمر فنقر له صندوق من رخام فأدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر. وذكر في سبب ذلك أنه عليه السلام كان قد غزا صيدون في الجزائر فقتل ملكها وأصاب ابنته وهي جرادة المذكورة فأحبها وكان لا يرقأ دمعها جزعاً على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته وكان ذلك جائزاً في شريعته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه فأخبره آصف فكسر الصورة وضرب المرأة فعوتب بذلك حيث تغافل عن حال أهله. واختلف في اسم ذلك الشيطان فعن السدي أنه حبقيق؛ وعن الأكثرين أنه صخر وهو المشهور. وإنما قال سبحانه: {جَسَداً } لأنه إنما تمثل بصورة غيره وهو سليمان عليه السلام وتلك الصورة المتمثلة ليس فيها روح صاحبها الحقيقي وإنما حل في قالبها ذلك الشيطان فلذا سميت جسداً وعبارة «القاموس» صريحة في أن الجسد يطلق على الجني. وقال أبو حيان وغيره: ((إن هذه المقالة من أوضاع اليهود وزنادقة السوفسطائية ولا ينبغي لعاقل أن يعتقد صحة ما فيها، وكيف يجوز تمثل الشيطان بصورة نبـي حتى يلتبس أمره عند الناس ويعتقدوا أن ذلك المتصور هو النبـي، ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبـي نسأل الله تعالى سلامة ديننا وعقولنا)) ومن أقبح ما فيها زعم تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيض الله أكبر هذا بهتان عظيم وخطب جسيم ونسبة الخير إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تسلم صحتها، وكذا لا تسلم دعوى قوة سنده إليه وإن قال بها من سمعت. وجاء عن ابن عباس برواية عبد الرزاق وابن المنذر ما هو ظاهر في أن ذلك من أخبار كعب ومعلوم أن كعباً يرويه عن كتب اليهود وهي لا يوثق بها على أن إشعار ما يأتي بأن تسخير الشياطين بعد الفتنة يأبى صحة هذه المقالة كما لا يخفى، ثم إن أمر خاتم سليمان عليه السلام في غاية الشهرة بين الخواص والعوام ويستبعد جداً أن يكون الله تعالى قد ربط ما أعطى نبيه عليه السلام من الملك بذلك الخاتم وعندي أنه لو كان في ذلك الخاتم السر الذي يقولون لذكره الله عز وجل في كتابه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقال قوم: مرض سليمان عليه السلام مرضاً كالإغماء حتى صار على كرسيه كأنه جسد بلا روح وقد شاع/ قولهم في الضعيف: لحم على وضم وجسد بلا روح فالجسد الملقى على الكرسي هو عليه السلام نفسه. وروي ذلك عن أبـي مسلم وقال في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَابَ } أي رجع إلى الصحة وجعل {جَسَداً } حالاً من مفعول {ألقينا} المحذوف كأنه قيل ولقد فتنا سلميان أي ابتليناه وأمرضناه وألقيناه على كرسيه ضعيفاً كأنه جسد بلا روح ثم رجع إلى صحته، ولا يخفى سقمه، والحق ما ذكر أولاً في الحديث المرفوع. وعطف {أَنَابَ} بثم وكان الظاهر الفاء كما في قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} تفسير : [ص: 24] قيل إشارة إلى استمرار إنابته وامتدادها فإن الممتد يعطف بها نظراً لأواخره بخلاف الاستغفار فإنه ينبغي المسارعة إليه ولا امتداد في وقته، وقيل: إن العطف بثم هنا لما أنه عليه السلام لم يعلم الداعي إلى الإنابة عقيب وقوعه وهذا بخلاف ما كان في قصة داود عليه السلام فإن العطف هناك على ظن الفتنة واللائق به أن لا يؤخر الاستغفار عنه، وقيل: العطف بها هنا لما أن بين زمان الإنابة وأول زمان ما وقع منه عليه السلام من ترك الاستثناء مدة طويلة وهي مدة الحمل وليس بين زمان استغفار داود عليه السلام وأول زمان ما وقع منه كذلك.
ابن عاشور
تفسير : قد قلت آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ووهبنا لداوود سليمان}تفسير : [ ص: 30] إن ما ذكر من مناقب سليمان لم يخل من مقاصد ائتساء وعبرة وتحذير على عادة القرآن في ابتدار وسائل الإِرشاد بالترغيب والترهيب، فكذلك كانت الآيات المتعلقة بندمه على الاشتغال بالخيل عن ذكر الله موقع أسوة به في مبادرة التوبة وتحذير من الوقوع في مثل غفلته، وكذلك جاءت هذه الآيات مشيرة إلى فتنة عرضت لسليمان أعقبتها إنابة ثم أعقبتها إفاضة نعم عظيمة فذكرت عقب ذكر قصة ما ناله من السهو عن عبادته وهو دون الفتنة. والفَتن والفتون والفتنة: اضطراب الحال الشديد الذي يظهر به مقدار صبر وثبات من يحلّ به، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : إنما نحن فتنة }.تفسير : في سورة البقرة (102) وقد أشارت الآية إلى حدث عظيم حلّ بسليمان، واختلفت أقوال المفسرين في تعيين هذه الفتنة فذكروا قصصاً هي بالخرافات أشبه، ومقام سليمان عن أمثالها أنزه. ومن أغربها قولهم: إنه ولد له ابن فخاف عليه الناسَ أن يقتلوه فاستودعه الريح لتحضنه وترضعه دَرّ ماء المُزن فلم يلبث أن أصابه الموت وألقته الريح على كرسي سليمان ليعلم أنه لا مردّ لمحتوم الموت. وهذا ما نظمه المعري تبعاً لأوهام الناس فقال حكاية عن سليمان: شعر : خَاف غدْر الأنامِ فاستودع الريــــ ـــحَ سَليلاً تغذوه دَرَّ العِهَاد وتوخّى النجاةَ وقد أيْـــ ـــقَنَ أن الحِمام بالمرصاد فرمتْه به على جَانب الكُر سِيِّ أمّ اللّهَيْم أُخْتُ النّآد تفسير : والذي يظهر من السياق أن قوله تعالى: {وألقينا على كرسيه جسداً} إشارة إلى شيء من هذه الفتنة ليرتبط قوله: {ثمَّ أنابَ} بذلك. ويحتمل أنه قصة أخرى غير قصة فتنته. وأظهر أقوالهم أن تكون الآية إشارة إلى ما في «صحيح البخاري» «عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قال سليمان لأَطُوفَنّ الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا إمرأة واحدة جاءت بشقِّ رَجل، وأيْم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون»تفسير : . وليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك تأويل هذه الآية ولا وضع البخاري ولا الترمذي الحديثَ في التفسير من كتابيهما. قال جماعة: فذلك النصف من الإِنسان هو الجَسد الملقَى على كرسيّه جاءت به القابلة فألقته له وهو على كرسيه، فالفتنة على هذا خيبة أمله ومخالفة ما أبلغه صاحبُه. وإطلاق الجسد على ذلك المولود؛ إمّا لأنه وُلِد ميتاً، كما هو ظاهر قوله: «شق رجل»، وإمّا لأنه كان خلقة غير معتادة فكان مجرد جسد. وهذا تفسير بعيد لأن الخبر لم يقتض أن الشق الذي ولدته المرأة كان حيّاً ولا أنه جلس على كرسي سليمان. وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلّف. وقال وهب بن منبه وشَهْر بن حَوْشَب: تزوج سليمان ابنة ملك صيدون بعد أن غزا أباها وقتله فكانت حزينة على أبيها، وكان سليمان قد شغف بحبها فسألته لترضى أن يأمر المصورين ليصنعوا صورة لأبيها فصنعت لها فكانت تغدو وتروح مع ولائدها يسجدن لتلك الصورة فلما علم سليمان بذلك أمر بذلك التمثال فكسر، وقيل: كانت تعبد صنماً لها من ياقوت خُفية فلما فطن سليمان أو أسلمت المرأة ترك ذلك الصنم. وهذا القول مختزل مما وقع في «سفر الملوك» الأول من كتب اليهود إذ جاء في الإِصحاح الحادي عشر: "وأحَب سليمان نساء غريبة كثيرة بنت فرعون ومعها نساء مؤابيات وعمونيات، وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم التي قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم لأنهم يُميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فبنى هيكلاً للصنم (كموش) صنَم المؤابيين على الجبل الذي تُجاه أورشليم فقال الله له: من أجل أنك لم تحفظ عهدي فإني أمزق مملكتك بعدك تمزيقاً وأعطيها لعبدك ولا أعطي ابنك إلا سِبطاً واحداً" الخ. ويؤخذ من ذلك كله: أن سليمان اجتهد وسمح لنسائه المشركات أن يعبدْن أصنامهن في بيوتهن التي هي بيوته أو بنى لهن معابد يعبدْنَ فيها فلم يرضَ الله منه ذلك لأنه وإن كان قد أباح له تزوج المشركات فما كان ينبغي لنبيء أن يسمح لنسائه بذلك الذي أبيح لعامة الناس الذين يتزوجون المشركات وإن كان سليمان تأول أن ذلك قاصر على المرأة لا يتجاوز إليه. وعلى هذا التأويل يكون المراد بالجسد الصنم لأنه صورة بلا روح كما سمى الله العجل الذي عبده بنو إسرائيل جَسداً في قوله: {أية : فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار}تفسير : [طه: 88]. ويكون معنى إلقائه على كرسيّه نصبه في بيوت زوجاته المشركات بقرب من مواضع جلوسه إذ يكون له في كل بيت منها كرسي يجلس عليه. وعطف {ثُمَّ أنابَ} بحرف {ثمّ} المفيد للتراخي الرتبي لأن رتبة الإِنابة أعظم ذكر في قوله: {أية : فقال إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}تفسير : [ص: 32]. والإِنابة: التوبة. وجملة {قال ربّ اغفر لي} بدل اشتمال من جملة {أنَابَ} لأن الإِنابة تشتمل على ترقب العفو عما عسى أن يكون قد صدر منه مما لا يرضي الله تعالى صدوره من أمثاله. وإردافه طلب المغفرة باستيهاب مُلْك لا ينبغي لأحدٍ من بعده لأنه توقع من غضب الله أمرين: العقاب في الآخرة، وسلب النعمة في الدنيا إذ قصّر في شكرها، وكان سليمان يومئذٍ في مُلْك عظيم فسؤال موهبة الملك مراد به استدامة ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. وتنكير {مُلْكاً} للتعظيم. وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكاً أنه لا ينبغي لأحد من بعده، أي لا يتأتى لأحد من بعده، أي لا يعطيه الله أحداً يبتغيه من بعده. فكنّى بــــ {لا ينبغي} عن معنى لا يُعطَى لأحد، أي لا تعطيه أحداً من بعدي. ففعل: {ينبغِي} مطاوع بغاه، يقال: بغاه فانبغى له وليس للملْك اختيار وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسّر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي، وحقيقته: انبغاء سببه. وهذا من التأدّي في دعائه إذ لم يقل: لا تعطه أحداً من بعدي. وسأل الله أن لا يقيم له منازعاً في ملكه وأن يبقى له ذلك الملكُ إلى موته، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده (يربعام بن نباط) من سبط أفرايم عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى (شيشق) فرعون مصر وبقي في مصر إلى وفاة سليمان. فهذا أيضاً مما حمل سليمان أن يسأل الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحداً غيره. وكان لسليمان عدوَّان آخران هما (هدد) الأدومي و (رزون) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي أن يكون الله هيأهما لإِزالة ملكه. واستعمل {مِن بعدي} في معنى: من دوني، كقوله تعالى: {أية : فمن يهديه من بعد الله}تفسير : [الجاثية: 23]، فيكون معنى {لا ينبغِي} أنه لا ينبغي لأحد غيري، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يُسلط أحد على ملكه مدة حياته. وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعدّ من الحسد. ويجوز أن يبقى {مِن بعدي} على ظاهره، أي بعد حياتي. فمعنى {لا يَنبغِي}: لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي. وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإِشفاق من أن يلِي مثل ذلك الملك من ليس له من النُبوءة والحكمة والعصمة ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للمَلِك على مُلْكه، فينتفِي أيضاً على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه أن يعطَى أحد غيرُه مثلَ ملكه (مما تشمّ منه رائحة الحسد). وقد تضمنت دعوته شيئين: هما أن يعطى ملكاً عظيماً، وأن لا يُعطَى غيرُه مثلَه في عظمته. وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سرّ بينه وبين ربه إشعاراً بأنه ألهمه إياه، وأنه استجاب له دعوته تعريفاً برضاه عنه وبأنه جعل استجابته مكرمة توبتِه. ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما لسليمان فإن ملك سليمان عمّ التصرف في الجن وتسخير الريح والطير، ومجموعُ ذلك لم يحصل لأحد من بعده. وفي «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن عفريتاً من الجن تفلَّتَ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردتُ أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلُّكُم فذكرتُ دعوة أخي سليمان: {رب هَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي} فرددته خاسِئاً»تفسير : . وجملة {إنَّك أنتَ الوهابُ} علة للسؤال كله وتمهيد للإِجابة، فقامت (إنّ) مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في {الوَهَّابُ} على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة. و {أنْتَ} ضميرُ فصل، وأفاد الفصل به قصراً فصار المعنى: أنت القوي الموهبة لا غيرك، لأن الله يَهَب ما لا يملك غيره أن يهبه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} الآية. وقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وعلى ما يذكره المفسرون فيها، من الروايات التي لا يخفى سقوطها، وأنها لا تليق بمنصب النبوة، في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23ـ24]. وما روي عنه من السلف من جملة تلك الروايات، أن الشيطان أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه وطرد سليمان إلى آخره يوضح بطلانه، قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} تفسير : [الحجر: 42] واعتراف الشيطان بذلك في قوله: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 34- ولقد امتحنا سليمان حتى لا يغتر بأبَّهة الملك، فألقينا جسداً على كرسيه لا يستطيع تدبير الأمور، فتنبه إلى هذا الامتحان فرجع إلى الله - تعالى - وأناب. 35- دعا سليمان ربه - منيباً إليه -: رب اغفر لى ما بدر منى، وهب لى ملكاً لا يليق لأحد من بعدى، إنك أنت الوهَّاب الكثير العطاء. 36- فذللنا له الريح، تجرى حسب مشيئته رخية هينة، حيث قصد وأراد. 37- وذللنا له كل بنَّاء وغواص فى أعماق البحار من الشياطين المتمردين. 38- وآخرين من هؤلاء الشياطين قرن بعضهم ببعض فى الأغلال والسلاسل، ليكف فسادهم عن الآخرين. 39- وأوحى إليه أن هذا الذى أنعمنا به عليك عطاؤنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، فلا حساب عليك فى الإعطاء أو المنع. 40- إن لسليمان عندنا لقربة عظيمة وحُسْن مرجع ومآل. 41- واذكر - يا محمد - عبدنا أيوب إذ دعا ربه أنى أصابنى الشيطان بالتعب والألم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد فتنا سليمان: أي ابتليناه. وألقينا على كرسيّه جسداً: أي شق ولد ميت لا روح فيه. ثم أناب: أي رجع إلى ربه وتاب إليه من عدم استثنائه في يمينه. وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي: أي أعطني ملكاً لا يكون لسواي من الناس. فسخرنا له الريح: أي استجبنا له فسخرنا له الريح تجري بأمره. رخاء حيث أصاب: أي لينة حيث أراد. والشياطين كل بناء وغواص: أي وسخرنا له الشياطين من الجن منهم البناء ومنهم الغواص في البحر. مقرنين في الأصفاد: أي مشدودين في الأصفاد أيديهم إلى أعناقهم في السجون المظلمة وذلك إذا تمردوا وعصوا أمراً من أوامره. هذا عطاؤنا: أي وقلنا له هذا عطاؤنا. فامنن أو امسك: أي أعط من شئت وما شئت وامنع كذلك. بغير حساب: أي مِنَّا لك. وإن له عندنا لزلفى: أي وإن لسليمان عندنا لقربة يوم القيامة. وحسن مآب: أي مرجع في الجنة في الدرجات العلا. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إنعام الله على آل داود فقد أخبر تعالى هنا عما منّ به على سليمان فأخبر تعالى أنه ابتلاه كما ابتلى أباه داود وتاب سليمان كما تاب داود ولم يسقط ذلك من علو منزلتهما وشرف مقامهما قال تعالى في الآية [34] {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} أي ابتليناه، وذلك أنه كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لأطأن الليلة مائة جارية تلد كل جارية ولداً يصبح فارساً يقاتل في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله أي لم يستثن ووطئ نساءه في تلك الليلة فعوقب لعدم استثنائه فلم يلدن إلا واحدة جاءت بولد مشلول بالشلل النصفي فلما وضعته أمه أتوا به إلى سليمان ووضعوه على كرسيه. وهو قوله تعالى {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} سليمان إلى ربه فاستغفر وتاب فتاب الله عليه وقال {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} أي لا يكون مثله لسواي من الناس وتوسل إلى الله في قبول دعائه بقوله {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} فاستجاب الله تعالى له فسخر له الريح تجري بأمره حيث يريد لأنها تحمل بساطه أو سفينته الهوائية التي غدوها شهر ورواحها رخاء أي ليّنة حيث أصاب أي أراد، كما سخر له شياطين الجن منهم البناء الذي يقوم بالبناء للدور والمصانع ومنهم الغواص في أعمال البحر لاستخراج اللآلي، ومنهم من إذا عصاه وتمرد عليه جمع يديه إلى عنقه بصفدٍ ووضعه تحت الأرض. هذا ما جاء في قول الله تعالى {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} وقوله تعالى {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي أعطيناه ما طلب منا وقلنا له هذا اعطاؤنا لك فامنن أي أعط ما شئت لمن شئت وامنع ما شئت عمن شئت بغير حساب منا عليك. وفوق هذا وإن لك عندنا يوم القيامة للقربة وحسن المرجع وهو قوله تعالى {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير قول بعضهم حسنات الأبرار سيئات المقربين إذ عدم الاستثناء في قوله لأطأن الليلة مائة جارية الحديث عوقب به فلم تلد امرأة من المائة إلا واحدة وولدت طفلا مشلولا، وعوقب به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فانقطع عنه الوحي نصف شهر وأَكْرَبه ذلك لأنه لم يستثن عندما سئل عن ثلاث مسائل وقال غدا أجيبكم. 2- مشروعية التوبة من كل ذنب صغيرا كان أو كبيراً. 3- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى. 4- بيان إنعام الله تعالى على عبده سليمان. 5- بيان تسخير الله تعالى لسليمان الريح والجن وهذا لم يكن لأحد غيره من الناس.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلَيْمَانَ} (34) - وَلَقَدِ امْتَحَنَ اللهُ تَعَالَى سُلَيْمَانَ حَتَّى لاَ يَغْتَرَّ بِأُبَّهَةِ المُلْكِ، فَابْتَلاَهُ بِمَرَضٍ عُضَالٍ، فَأَصْبَحَ مُلْقى وَكَأَنَّهُ الجَسَدُ الذِي لاَ حَيَاةَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ وَعَافِيَتَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. (وَقِيلَ بَلْ إِنَّ سُلَيْمَانَ سَلَبَهُ اللهُ مُلْكَهُ وَسُلْطَانَهُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِ شَيْطَاناً جَلَسَ عَلَى كُرسِيٍّ مُلْكِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيهِ مُلْكَهُ وَهَيْبَتَهُ). (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ اللهَ وَهَبَهُ شِقَّ إِنْسَانٍ وُلِدَ لَهُ). ابْتَلَيْنَاهُ - امْتَحَنَّاهُ وَعَاقَبْنَاهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفتنة معناها الاختبار، والفتنة في ذاتها ليست مكروهة، إنما المكروه أنْ تُخفق فيها وتفشل في خوضها، فماذا عليك لو فتناك. يعني: اختبرناك ونجحتَ في الاختبار؟ وأصل الفتنة من فتنة الذهب لتنقيته، فالذهب منه المخلوط بمواد أخرى، ونريده ذهباً إبريزاً صافياً فماذا نفعل؟ نصهر الذهب في النار ليخرج منه الخبث إلى أن يصير خالصاً نقياً، كذلك تفعل الفتنة بالناس تمحِّصهم لتبين الجيد من الرديء. وقد فتن الله سليمان كما فتن من قَبْل أباه داود - عليهما السلام - في مسألة المحراب. ومعنى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ..} [ص: 34] الكرسي هو العرش الذي يجلس عليه الملك، والجسد هو قالب الكائن الحي. ويقال لهذا القالب (جسد) إذا كان خالياً من الروح، وللمفسرين في هذه الآية عدة أقوال: قالوا: إن سيدنا داود كان له ولد آخر غير سليمان، إلا أنه كان ولداً فاسداً مثل ولد نوح، فاحتال هذا الولدُ وقام بانقلاب على سليمان، حتى أخذ المُلْكَ منه، وظل مَلِكاً مدة طويلة، فلما أراد الحق سبحانه أنْ يعيد سليمان إلى مُلْكه ألقى هذا الولد الفَاسِد على كرسي عرشه جسداً هامداً لا حركة فيه، يعني: بعد أنْ كان مَلِكاً مُطاعاً مُسيطراً صار لا يسيطر حتى على نفسه وجوارحه. بعد ذلك خرجتْ عليه رعيته فقتلوه، وجاء بعده سليمان. وقالوا: إن سيدنا سليمان كان لديه جَوَارٍ كثيرات. فقال: سأطوف الليلة على سبعين جارية، وآت من كل واحدة بولد فارس يركب فرسه في سبيل الله، يعني: المسألة كلها كانت في الخير وفي الله، إلا أنه لم يقدم المشيئة ولم يقُلْ: إنْ شاء الله، فلم تَلِدْ منهن إلا جارية واحدة، ولدتْ له جسداً لا حركةَ فيه ولا تصرُّفَ؛ لأن المؤمن مُطالب بأنْ يقدم مشيئة الله إذا عزم على شيء في المستقبل، كما قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24]. لأنك حين تقول: سأفعل غداً كذا وكذا، فقد حكمتَ على فعل لا تملك عنصراً واحداً من عناصره، فأنت لا تضمن بقاء نفسك إلى أنْ تفعل، ولا تضمن تغيُّر الأحوال وتغيُّر الأسباب، فحين تعلِّق فعلَك على مشيئة الله إنما تحفظ كرامتك وتبرئ نفسك من الكذب، فقد شئتَ ولكن الله لم يَشَأْ. ويبدو أن المُلْكَ أغرى سليمان، فداخله شيء من الزَّهْو؛ لأنه متحكم في عوالم الإنس والجن والطير والحيوان ومُطَاع من الكون كله من حوله، لذلك لم يقُلْ إنْ شاء الله، فجازاه الله بذلك. وقال آخرون: إن سليمان - عليه السلام - أنجب ولداً، وأن الجن أرادتْ به سوءاً؛ لأنها خافت أنْ يفعل بها كما يفعل سليمان، فأرادوا قتله، فما كان من سليمان إلا أنْ رفعه فوق السحاب يرضع من المزْن، فكأنه - عليه السلام - أراد أنْ يفر من قدر الله. وقالوا: إن الجسد هو سليمان نفسه؛ لأن الإنسان العادي، جعله الله يتحكَّم في جوارح نفسه حين يريد اللهُ ذلك، فيقوم بمجرد أنْ يريد القيام، ويتحرك بمجرد أنْ يريدَ الحركةَ دون أنْ يعرفَ هو نفسه ماذا يجري في أعضائه ومفاصله، فكأن الله تعالى يعطي الإنسان مثلاً في نفسه؛ ليقرب له المسائل المتعلقة بالحق في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. فإذا كنتَ أنت أيها المخلوق تفعل ما تشاء، وتنفعل لك جوارحك وتطاوعك بمجرد الإرادة، ودون أنْ تأمرها بشيء فهل تستبعد هذا في حقِّ الخالق سبحانه، حين يقول: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. إن الحق سبحانه يقول للشيء: كُنْ. أما أنت فلا تقول: كُنْ وقد أراحك الله منها، وجعل الأعضاء تطاوعك دون أمر منك، لأنك لو أمرتَها ما استجابتْ لك، هي تستجيب للخالق سبحانه، فإذا أراد الخالق سبحانه سَلبك هذه القدرة، فتريد أنْ تحرك يدك فلا تستطيع؛ لينبهك إلى أنها موهوبة لك، ليستْ ذاتية فيك. الحق سبحانه وهب سيدنا سليمان القدرةَ على السيطرة على جوارح ذاته، ثم عَدَّى هذه القدرة إلى السيطرة على الآخرين من جنسه ومن غير جنسه، وجعل له سيطرةً على الكون كله، ينفعل له ويجاوبه، يعني: المسألةُ كانت استعلاءً في التسلُّط على جنود الله. ويبدو أن سليمان - عليه السلام - داخله شيء في نفسه، فأراد الحق سبحانه أنْ يلفته إلى أن هذه القدرة ليستْ ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك، أسلبها حين أشاء، فلا تستطيع السيطرة على جوارحك ولا السيطرة على الآخرين، وألقاه الله فترة جسداً على كرسيه لا يقدر على شيء، ولا يأمر بشيء. فما دامتْ هذه النعمة موهوبةً من الله الذي أعطاك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدك، فلا بُدَّ أنْ تظل مُتمسِّكاً بحبله، لاجئاً دائماً إلى مَنْ ملَّككَ هذا الملْكَ. لذلك، يُرْوَى أنه - عليه السلام - ركب مرة البساط، وسارتْ به الريح كما يشاء، وفجأة مال به البساط، وكاد أنْ يُوقعه فأمره أنْ يستوي به. فقال له البساط: أُمِرْنَا أنْ نطيعك ما أطعتَ الله. إذن: فتناه لأننا مَلَّكناه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، لكن لا نريد له أنْ يطغى أو يتعالى، والحق سبحانه لا يكذب كلامه، وقد قال سبحانه: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. وسليمان - عليه السلام - إنسان، فأراد الحق سبحانه أنْ يُثبت لنا أن الإنسان تملَّك في جوارحه، وتملَّك فيمن حوله، وتملَّك في جنس آخر غير جنسه، لكن هذا كله ليس ذاتياً فيه، بل هو موهوب له؛ بدليل أن الله سلبه هذا المُلْك في لحظة ما، وألقاه على كُرسيه جسداً لا أمرَ له ولا نهيَ ولا سلطانَ على شيء. فلما فهم سليمان المسألة آبَ ورجع {ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 24] يعني: رجع إلى ما كان عليه قبل التجربة التي مَرَّ بها. يعني: رجع وعاد إلى الجسد الذي فيه روح، أو أناب ورجع إلى الله وعرف السبب فالمعنى يحتمل المعنيين: أناب في السبب، أو أناب في المسبب. والجسد هو الجِرْم والهيكل الظاهري الذي لا روحَ فيه، والذي قال الله عنه {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ..} تفسير : [الحجر: 29] أي: الجسد، ومنه قوله تعالى في قصة السامري: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ..} [طه: 88] يعني: هيكل العجل وصورته الظاهرية، لكن بدون روح. فإنْ قَلْتَ: فهل يحدث هذا من الرسل؟ يعني: هل يخطئ الرسول ويُصحِّح له؟ نعم، العيب أنْ يصحح لك المسَاوي لك، إنما ليس عيباً أنْ يصحح لك الأعلى، فماذا فيها إنْ كان الذي يُصحِّح لسليمان ربه عز وجل لا أنت. إذن: من الشرف أنَّ الله يُعدِّل لسليمان، لذلك لما عَدَّلَ الحق سبحانه الحكم لنبيه محمد، فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ..} تفسير : [التحريم: 1]. وقال: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} تفسير : [عبس: 1-2] فهل استنكف رسول الله أنْ يُعدِّل له ربه؟ لا لم يستنكف بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أبلغ هذا التعديل وأخبرنا به، وأنا لا أخبر إلا بما فيه شَرفٌ لي.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} معناه شَيطانٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 2591- معمر، عن قتادة في قوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}: [الآية: 34]، قال: كَانَ علَى كرسيه شيطان، أربعين ليلةً، حتى ردَّ الله عليه ملكه. 2592- قال عبد الرزاق، قال معمر، وَقَال الحسن: لم يسلط على نسائه. 2596- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا إسرائيل، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أربع آيات في كتاب الله لم أدر ما هنّ، حتى سألت عنهن كَعْب الأحبار، قوم تبع في القرآن، ولم يذكر تبع قال: إن تبَّعاً كانَ ملكاً، وكان قومه كهاناً، وكان في قومه قوم من أهل الكتاب فكان الكهان يبغون عَلَى أَهْلِ الكتاب، ويقتلونَ تابعتهم. فقال أصحاب الكتاب لتبع: إنهم يكذبون علينا، قال: فإن كنتم صادقين فقربوا قرباناً، فأيكم كان أفضل أكلت النار قربانه، قال: فقرب أهل الكتاب والكهان، فنزلت نارٌ من السماء فأكلت قربانَ أهل الكتاب، قال: فابتعهم تبع، فأسلم، فلهذا ذكر قومه في القرآن ولم يذكره، وسألته عن قوله الله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}: [الآية: 34]، قال: شيطان أخذ خاتم سليمان، الذي فيه ملكه فقذف به في البحر فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذْ تُصُدِّقَ عليه بتلك السمكة، فاشتراها، فَأَكَلَهَا فإذا فيها خاتمه، فَرَجَعَ إليه مُلْكَه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):