٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {رُدُّوهَا عَلَىَّ } أي الخيل المعروضة فردّوها {فَطَفِقَ مَسْحاً } بالسيف {بِٱلسُّوقِ } جمع ساق {وَٱلأَعْنَاقِ } أي ذبحها وقطع أرجلها تقرّباً إلى الله تعالى حيث اشتغل بها عن الصلاة وتصدّق بلحمها فعوّضه الله تعالى خيراً منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَطَفِقَ} بسوقها وأعناقها من شدة حبه لها "ع"، أو ضرب عراقيبها وأعناقها لما شغلته عن الصلاة "ح" وكانت نفلاً ولم تكن فرضاً إذ ترك الفرض عمداً فسوق. فعل ذلك تأديباً لنفسه والخيل مأكولة فلم يكن ذلك إتلافاً يأثم به قاله الكلبي وكانت ألف فرس فعرقبت منها تسعمائة وبقي مائة فما في أيدي الناس من الخيل العتاق فمن نسل تلك المائة.
الخازن
تفسير : {ردوها علي} أي ردوا الخيل علي {فطفق مسحاً بالسوق} جمع ساق {والأعناق} أي جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين وكان ذلك مباحاً له لأن نبي الله سليمان لم يكن ليقدم على محرم ولم يكن ليتوب عن ذنب وهو ترك الصلاة بذنب آخر وهو عقر الخيل، وقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله تعالى على عقره الخيل إذ كان ذلك أسفاً على ما فاته من فريضة ربه عز وجلَّ، وقيل إنه ذبحها وتصدق بلحومها. وقيل معناه إنه حبسها في سبيل الله تعالى وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة. وحكي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: معنى ردوها عليّ يقول بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس ردوها عليّ فردوها عليه فصلى العصر في وقتها قال الإمام فخر الدين بل التفسير الحق المطابق لألفاظ القرآن أن نقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما أنه كذلك في ديننا ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام احتاج إلى غزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد بقوله عن ذكر ربي ثم إنه عليه الصلاة والسلام أمر بإعدائها وإجرائها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ثم أمر برد الخيل إليه وهو قوله ردوها عليّ فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور الأول تشريف لها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والمملكة يبلغ إلى أنه يباشر الأمور بنفسه الثالث أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها من غيره فكان يمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات والمحظورات والعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة فإن قيل فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه فما قولك فيه، فنقول: لنا هاهنا مقامات المقام الأول أن يدعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي ذكروها وقد ظهروا الحمد لله أن الأمر كما ذكرنا ظهوراً لا يرتاب عاقل فيه، المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس وأن الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة الأنبياء ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات. قوله عزَّ وجلَّ: {ولقد فتنا سليمان} أي اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه وكان سبب ذلك ما ذكر عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون وبها ملك عظيم الشأن ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر وكان الله تعالى قد أتى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتاً لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسناً وجمالاً فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه وأحبها حباً لم يحبه شيئاً من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فشقَّ ذلك على سليمان، فقال لها ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ، قالت: إني أذكر أبي وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك فقال سليمان: فقد أبدلك الله ملكاً هو أعظم من ملكه وسلطاناً أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك قالت إن ذلك كذلك ولكني إذ ذكرته أصابني ما تراه من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشياً لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئاً فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه فألبسته ثياباً مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو إليه في ولائدها فتسجد له ويسجدن معها كما كانت تصنع في ملكه وتروح في كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحاً. وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقاً له وكان لا يرد على أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضراً سليمان أو غائباً، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله تعالى وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير أمرهم. فقال: افعل فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيباً فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى وأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله تعالى به حتى انتهى إلى سليمان فقال: ما كان أحكمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك عن كل ما يكره الله تعالى في صغرك ثم انصرف، فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى ملئ غضباً فلما دخل سليمان داره دعاه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيراً في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيراً في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر عمري؟ قال آصف: إنَّ غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحاً في هوى امرأة، فقال سليمان في داري؟ قال: في دارك قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون قد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك. ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثياب الظهيرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائباً إلى الله تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك به في ثيابه تذللاً إلى الله تعالى وتضرعاً إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى ثم رجع إلى داره وكانت له أم ولد يقال لها أمينة كان إذا دخل الخلاء أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمسّ خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوماً عندها ثم دخل مذهبه، فأتاها شيطان اسمه صخر المارد في صورة سليمان لا تنكر منه شيئاً فقال: خاتمي أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس وخرج سليمان فأتى أمينة وقد تغيرت حالته وهيأته عند كل من رآه فقال: يا أمينة خاتمي قالت من أنت قال سليمان بن داود فقالت كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان. فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين فإذ أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها. فمكث على ذلك أربعين صباحاً عدة ما كان يعبد الوثن في داره ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة فقال آصف يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم قالوا نعم فقال أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن من خاصة أمره ما أنكرنا في عامة الناس وعلانيتهم فدخل على نسائه فقال: ويحكن هل أنكرتن من ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الحسن: ما كان الله سبحانه وتعالى ليسلط الشيطان على نساء نبيه صلى الله عليه وسلم قال وهب: ثم إن آصف خرج على بني إسرائيل فقال ما في الخاصة أشد مما في العامة فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وقد عمل له سليمان صدر يومه فلما أمسى أعطاه سمكتيه فباع سليمان إحداهما بأرغفة وبقر بطن الأخرى ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه وجعله في يده ووقع لله ساجداً وعكفت عليه الطير والجن وأقبل الناس عليه وعرف الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر فطلبوه حتى أخذوه فأتي به فأدخله في جوف صخرة وسدَّ عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذفوه في البحر. وقيل في سبب فتنة سليمان عليه الصلاة والسلام أن جرادة كانت أبرَّ نسائه عنده وكان يأتمنها على خاتمه، فقالت له يوماً إن أخي بينه وبين فلان خصومة فأحب أن تقضي له فقال نعم ولم يفعل فابتلي بقوله نعم وذكروا نحو ما تقدم. وقيل إن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده فأعاده في يده فسقط وكان فيه ملكه فأيقن سليمان بالفتنة فأتاه آصف فقال: إنك مفتون بذلك والخاتم لا يتماسك في يدك ففرَّ إلى الله تعالى تائباً فإني أقوم مقامك وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك. ففر سليمان إلى الله تعالى تائباً وأعطى آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت في يده فأقام آصف في ملك سليمان بسيرته أربعة عشر يوماً إلى أن رد الله تعالى على سليمان ملكه وتاب عليه فرجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في يده فثبت فهو الجسد الذي ألقي على كرسيه. وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي فابتلاه الله تعالى وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه، قال القاضي عياض وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله الأخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه وإن الشياطين لا يسلطون على مثله هذا وقد عصم الله تعالى الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون أن سبب فتنته ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وايم الله الذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين" تفسير : وفي رواية لأطوفنَّ بمائة امرأة فقال له الملك قل إن شاء الله فلم يقل ونسي قال العلماء والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه وهي عقوبته ومحنته لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني وقيل نسي أن يستثني كما صح في الحديث لينفذ أمر الله ومراده فيه وقيل إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يربيه في السحاب خوفاً من الشياطين فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذا ألقى ذلك الولد ميتاً على كرسيه فعاتبه الله على خوفه من الشياطين ولم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه فاستغفر ربه فذلك قوله عز وجل: {وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} أي رجع إلى ملكه بعد الأربعين يوماً وقيل أناب إلى الاستغفار وهو قوله: {قال رب اغفر لي}.
ابو السعود
تفسير : {رُدُّوهَا عَلَىَّ} من تمام مقالةِ سليمانَ عليه السَّلامُ ومرمى غرضِه من تقديم ما قدَّمه ومَن لم يتنبه له مع ظهورِه توهَّم أنَّه متَّصل بمضمرٍ هو جوابٌ لمضمرٍ آخرَ كأنَّ سائلاً قال: فماذا قال سليمانُ عليه السَّلامُ فقيل قال: ردُّوها فتأمَّلْ والفاء في قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً} فصيحةٌ مفصحةٌ عن جملةٍ قد حُذفتْ ثقةً بدلالهِ الحالِ عليها وإيذاناً بغاية سرعةِ الامتثالِ بالأمرِ أي فردُّوها عليه فأخذ يمسحُ السَّيفَ مسحاً {بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} أي بسوقِها وأعناقِها يقطعها من قولِهم مسحَ عِلاوتَه أي ضربَ عنقَه عنه وقيل: جعل يمسحُ بـيدهِ أعناقَها وسوقَها حُبَّاً لها وإعجاباً بها وليس بذاكَ وقُرىء بالسُّؤُقِ على همز الواوِ لضمَّتها كما في أدؤُر وقرىء بالسُّؤوقِ تنزيلاً لضمَّةِ السِّينِ منزلة ضمَّه الواوِ وقُرىء بالسَّاق اكتفاءً بالواحدِ عن الجمعِ لأمنِ الالباسِ. {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} أظهرُ ما قيل في فتنتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما رُوي مرفُوعاً أنَّه قال: « حديث : لأطوفنَّ الليلةَ على سبعينَ امرأة تأتِي كلُّ واحدةٍ بفارسٍ يجاهدُ في سبـيلِ الله تعالى ولم يقُل إنْ شاءَ الله تعالى فطافَ عليهنَّ فلم تحمل إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءتْ بشقِّ رجلٍ، والذي نفسِي بـيدِه لو قالَ إنْ شاء الله لجاهدُوا في سبـيلِ الله فُرساناً أجمعون » تفسير : وقيل: وُلد له ابنٌ فاجتمعتِ الشَّياطينُ على قتلِه فعلم ذلكَ فكانَ يغذُوه في السَّحابِ فَما شعرَ به إلى أنْ أُلقي عَلَى كرسيِّه ميتاً فتنبَّه لخطئِه حيثُ لَم يتوكَّل على الله عزَّ وعَلاَ. وقيل إنَّه غَزَا صيدونَ من الجزائرِ فقتلَ ملكَها وأصابَ بنْتاً له تسمَّى جرادةَ من أحسنِ النَّاسِ فاصطفَاها لنفسِه وأسلمتْ وأحبَّها وكان لا يرقأُ دمعُها جَزَعاً على أبـيها فأمرَ الشَّياطينَ فمثَّلوا لها صورتَه وكانت تغدُو إليها وتروحُ مع ولائدِها يسجُدن لها كعادتهنَّ في مُلكِه فأخبرهَ آصفُ بذلك فكسرَ الصُّورةَ وعاقَب المرأةَ ثم خرج وحدَهُ إلى فَلاَة وفُرش له الرَّمادُ فجلس عليه تائباً إلى الله تعالى باكياً متضرِّعاً وكانتْ له أمُّ ولدٍ يُقال لها أمينةُ إذا دخلَ للطَّهارةِ أو لإصابةِ امرأةٍ يعطيها خاتمه وكان ملكُه فيه فأعطاها يوماً فتمثَّل لها بصورتِه شيطانٌ اسمه صخر وأخذ الخاتمَ فتختَّم به وجلس على كُرسِّيه فاجتمعَ عليه الخلقُ ونفَّذ حكمَه في كلِّ شيءٍ إلاَّ في نسائِه وغيَّر سليمانَ عن هيئتِه فأتى أمينةَ لطلبِ الخاتمِ فأنكرتْهُ وطردتْهُ فعرفَ أنَّ الخطيئةَ قد أدركتْهُ فكان يدورُ على البـيوتِ يتكفَّفُ وإذا قال أنَا سليمانُ حثَوا عليه التُّرابَ وسبُّوه ثم عمد إلى السَّماكين ينقلُ لهم السَّمك فيعطونَه كلَّ يومٍ سمكتينِ فمكثَ على ذلك أربعينَ صباحاً عددَ ما عُبد الوثنُ في بـيتِه فأنكر آصفُ وعظماءُ بني إسرائيلَ حكمَ الشَّيطانِ ثم طارَ اللعينُ وقذفَ الخاتمَ في البحرِ فابتلعتْهُ سمكةٌ فوقعتْ في يدِ سليمانَ فبقرَ بطنَها فإذَا هُو بالخاتمِ فتختَّم به وخرَّ ساجداً وعادَ إليه ملكه وجاب صخرةً لصخرٍ فجعلَه فيها وسدَّ عليه بأُخرى ثم أوثَقهما بالحديدِ والرَّصاص وقذفه في البحرِ وعلى هذا. فالجسدُ عبارةٌ عن صخرٍ سمِّي به وهو جسمٌ لا رُوحَ فيه لأنَّه تمثَّل بما لم يكن كذلكَ والخطيئةُ تغافلُه عليه الصَّلاةُ السَّلام عن حالِ أهلِه لأنَّ اتِّخاذَ التَّماثيلِ لم يكُن محظُوراً حينئذٍ، وسجودُ الصُّورةِ بغير علمٍ منه لا يضرُّه.
السلمي
تفسير : قال أبوسعيد القرشى من غار الله وتحرك له فإن الله يشكر له ذلك ألا ترى سليمان لما شغلته الأفراس عن الصلوات حتى توارت الشمس بالحجاب قال: ردوها عَلَىَّ فطفق مسحًا بالسوق والأعناق. وقيل: إنه كان عشرون ألف فرس منقش ذوات أجنحة أخرجتهم الشياطين من البحر فشكر الله له صنيعه فقال فسخرنا له الريح أبدله مركبًا أهنى منهم وأنعم. قال بعضهم: قالت النملة لسليمان عليه السلام تدرى لم سخر لك الريح من جميع المملكة فقال لا قالت إنما فعل ذلك لتعتبروا لحكم أن جميع ما أعطيتك زواله كزوال الريح فلا تغتر به.
القشيري
تفسير : قيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراماً منه لها بعد لها بعد أن فَرَغَ من صلاته. وقيل عَرْقَبَها (ليذبحها فَحَبَسَها بالعرقبة عن النفار)، وقيل وَضَعَ عليها الكيَّ فَسَبَّلَها، وإيش ما كان فكلُّ ذلك كان جائزاً في شرعه.
البقلي
تفسير : هذا من جملة امتحان الله سبحانه عبده سليمان فى مقام المعرفة والمحبة هو بجلاله وعزته ذوقه طعم عشقه ومحبته ثم عرض نفسه بنعت ظهور حسن جمال تجليه ليزيد عليه شوق جماله فراى ذلك الحسن والجمال قد ظهر من الصافنات الجياد فشغله تلك الروية عن حقائق الفردانية وتجرد الوحدانية عن الوسائط وغاب عنه شمس جمال القدم صرفا فادرك نفسه خاليا عن شهود عين العين فغار على احواله فقال ردوها على فلما قدس طرق الوحدانية بمكنسة الغيرة رجعت اليه انوار الالوهية والفردانية بنعت الكشف وذهاب الحجاب فلما مسح الصوافن شكراً لانعامه وغيرة على سلطانه سخر الله له الريح التى جناحاها بالمشرق والمغرب قال ابو سعيد القرشى من غار لله وتحرك له فان الله يشكر له ذلك الا ترى سليمان لما شغله الافراس عن الصلاة حتى تورات الشمس بالحجاب قال ردوها على فطفق مسحا بالسوق والاعناق قيل انه كان عشرين الف فرس منقش ذوات اجنحة اخرجه الشياطين من البحر فشكر الله له صنيعة فسخر ناله الريح ابد له مركبا اهنى منها وانعم وقال ابن عطا شكر الله صنيعه وابد له فرسا لا يحتاج الى رائص ولا الى علف ولا يبول ولا يروث.
اسماعيل حقي
تفسير : {ردوها علىّ} من تمام مقالة سليمان ومرمى غرضه من تقديم ما قدمه والخطاب لاهل العرض من قومه اى اعيدوا تلك الخيل على {فطفق مسحا بالسوق والاعناق} الفاء فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وايذانا بغاية سرعة الامتثال بالامر وطفق من افعال المقاربة الدالة على شروع فاعلها فى مضمون الخبر فهو بمعنى اخذ وشرع وخبر هذه الافعال يكون فعلا مضارعا فى الاغلب ومسحا نصب على المصدرية بفعل مقدر هو خبر طفق والمسح امرار اليد على الشىء والجمهور على ان المراد به هنا القطع من قولهم مسح علاوته اى ضرب عنقه وقطع رأسه والعلاوة بالكسر اعلى الرأس او العنق قال فى المفردات مسحته بالسيف كناية عن الضرب والسوق جمع ساق كدور ودار والساق ما بين الكعبين كعب الركبة وكعب الرجل. والاعناق جمع عنق بالفارسية [كردن] والباء مزيدة كما فى قوله تعالى {أية : وامسحوا برؤسكم} تفسير : فان مسحت رأسه ومسحت برأسه بمعنى واحد. والمعنى فردوها عليه فاخذ يمسح بالسيف مسحا سوقها واعناقها اى يقطع اعناقها ويعرقب ارجلها اى هو واصحابه او يذبح بعضها ويعرقب بعضها ازالة للعلاقات ورفعا للحجاب الحائل بينه وبين الحق واستغفارا وانابة اليه بالترك والتجريد وفى الآية اشارة الى ان حب غير الله شاغل عن الله وموجب للحجاب وان كل محبوب سوى الله اذا حجبك عن الله لحظة يلزمك ان تعالجه بسيف نفى لا اله الا الله شعر : "لا" نهنكيست كائنات آشام عرش تا فرش در كشيده بكام هر كجا كرده آن نهنك آهنك ازمن وما نه بودى ماند ونه رنك تفسير : وقال الامام فى تفسيره الصواب ان يقال ان رباط الخيل كان مندوبا اليه فى دينهم كما هو مندوب اليه فى شرعنا ثم ان سليمان عليه السلام احتاج الى الغزو فجلس على كرسيه وامر باحضار الخيل وامر باجرائها وذكر انى لا اجريها لاجل الدنيا وحظ النفس وانما جريها واحبها لامر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربى ثم انه امر باجرائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب اى غابت عن بصره فانه كان له ميدان واسع مستدير يسابق فيه بين الخيل حتى تتوارى عنه وتغيب عن عينه ثم انه امر الرائضين بان يردوها فردوا تلك الخيل اليه فلما عادت اليه طفق يمسح سوقها واعناقها اى بيده حبا لها وتشريفا وابانة لعزتها لكونها من اعظم الاعوان فى قهر الاعداء واعلاء الدين وهو قول الزهرى وابن كيسان وليس فيه نسبة شىء من المنكرات الى سليمان عليه السلام فهو احق بالقبول عند اولى الافهام وفى الفتوحات المكية معنى الآية احببت الخير عن ذكر ربى الخير بالخيرية فاحببته لذلك والخير هى الصافنات الجياد من الخيل واما قوله فطفق مسحا اى يمسح بيده على اعناقها وسوقها فرحا واعجابا بخير ربه لا فرحا بالدنيا لان الانبياء منزهون عن ذلك وهذه تشبه ما وقع لايوب عليه السلام حين ارسل الله له جرادا من ذهب فصار يحثو فى ثوبه منه ويقول لا غنى لى عن بركتك يا رب فما احب سليمان الخير الا لكونه تعالى احب حب الخير ولذلك اشتاق اليها لما توارت بالحجاب يعنى الصافنات الجياد لكونه فقد المحل الذى اوجب له حب الخير عن ذكر ربه فقال ردوها علىّ. وليس للمفسرين الذين جعلوا التوارى للشمس دليل فان الشمس ليس لها هنا ذكر ولا الصلاة التى يزعمون ومساق الآية لا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة انتهى كلام الفتوحات وعن على رضى الله عنه اشتغل سليمان عليه السلام بعرض الافراس للجهاد حتى تورات بالحجاب اى غربت الشمس فقال بامر الله للملائكة الموكلين بالشمس ردوها يعنى الشمس فردوها الى موضع وقت العصر حتى صلى العصر فى وقتها فذلك من معجزات سليمان عليه السلام قال فى كشف الاسرار [سليمان عليه السلام درراه خدا آن همه اسبان فدا كرد ودل ازان زينت وآرايش دنيا بر داشت وباعبادت الله برداخت لاجرم رب العزة اورا به ازان عوض داد بجاى اسبان بادرا مركب اوساخت وبسبب آن اندوه كه بوى رسيد برفوت عبادت فرشته قرص آفتاب ازمغرب باز كردانيد از بهروى تانماز ديكر بوقت خويش بكزارد و آن ويرا معجزه كشت وجنانكه اين معجزه ازبهر سليمان بيغمبر بيدا كشت درين امت ازبهر امير المؤمنين على رضى الله عنه ازروى كرامت بيداكشت درخبرست مصطفى عليه السلام سربر كنار على نهاد وبخفت على نماز ديكر نكرده بود نخواست كه خواب بررسول قطع كند مرد عالم بود كفت نماز طاعت حق وخدمت راست رسول طاعت حق همجنان مى بود تاقرص آفتاب بمغرب فروشد مصطفى عليه السلام از خواب درآمد على كفت يا رسول الله وقت نماز ديكر فوت شد ومن نماز نكردم رسول كفت اى على جرانماز نكردى كفت نخواستم كه لذت خواب برتو قطع كنم جبريل آمدكه يا محمد حق تعالى مرا فرمود تاقرص آفتاب را از مغرب باز آرم تا على نماز ديكر بوقت بكزارد بعض ياران كفتند قرص آفتاب را جندان باز آوردكه شعاع آفتاب ديدم كه بر ديوار هاى مدينه مى تافت قال الكاشفى وانكه آفتاب بدعاى حضرت بيغمبر عليه السلام در صهباى خيبر بعد از غروب بازكشت وبجاى عصر آمد تا حضرت على رضى الله عنه نماز كزارد ونزد محدثان مشهورست وامام طحاوى در شرح آثار خويش فرمودكه روات اين ثقات اند وازاحمد ابن صالح رحمه الله نقل كرده كه اهل علم را سزاوار نيست كه تغافل كنند از حفظ اين حديث كه از علامات نبوتست] ولا عبرة بقول بعضهم بوضعه شعر : كه دعوتش كرفته كريبان آفتاب بالا كشيده ازجه مغرب برآ سمان كه قرص بدررا بسر كردخوان جرخ دستش دونيم كرده بيك ضربت بنان تفسير : واعلم ان حبس الشمس وردها وقع مرارا ومعنى حبسها وقوفها عن السير والحركة بالكلية او بطؤ حركتها او ردها الى ورائها ومعنى ردها اعادتها بعد غروبها ومغيبها فقد حبست لداود عليه السلام وذلك فى رواية ضعيفة وردت لسليمان على ما قرر. وحبست ايضا لخليفة موسى عليه السلام وهو يوشع بن نون فانه سار مع بنى اسرائيل لقتال الجبارين وكان يوم الجمعة ولما كاد يفتحها كادت الشمس تغرب فقال للشمس ايتها الشمس انك مأمورة وانا مأمور بحرمتى عليك ألا ركدت اى مكثت ساعة من النهار وفى رواية اللهم احبسها علىّ فحبسها الله حتى افتتح المدينة وانما دعا بحبسها خوفا من دخول البيت المحرم عليهم فيه المقاتلة. وردت ايضا لعلى رضى الله عنه بدعاء نبينا عليه السلام على ما سبق. وحبست ايضا على الغروب لنبينا عليه السلام وذلك انه اخبر فى قصة المعراج ان عير قريش تقدم يوم كذا فلما كان ذلك اليوم اشرفت قريش ينتظرون ذلك وقد ولى النهار حتى كادت الشمس تغرب فدعا الله تعالى فحبس الشمس عن الغروب حتى قدمت العير وفى بعض الروايات حبست له عن الطلوع لانه عليه السلام قال "حديث : وتطلع العير عليكم من الثنية عند طلوع الشمس" تفسير : فحبس الله الشمس عن الطلوع حتى قدمت العير. وحبست ايضا له عليه السلام فى بعض ايام الخندق الى الاحمرار والاصفرار وصلى حينئذ وفى بعضها لم تحبس بل صلى بعد الغروب واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى" تفسير : اى عن صلاة العصر وفى كلام سبط ابن الجوزى ان قيل حبسها ورجوعها مشكل لانها لو تخلفت او ردّت لاختلت الافلاك وفسد النظام قلنا حبسها وردها من باب المعجزات ولا مجال للقياس فى خرق العادات. وذكر انه وقع لبعض الوعاظ ببغداد انه قعد يعظ بعد العصر ثم اخذ فى ذكر فضائل آل البيت فجاءت سحابة غطت الشمس وظن الناس الحاضرون عنده ان الشمس غابت فارادوا الانصراف فاشار اليهم ان لا يتحركوا ثم ادار وجهه الى ناحية المغرب وقال شعر : لا تغربى يا شمس حتى ينتهى مدحى لآل المصطفى ولنجله ان كان للمولى وقوفك فليكن هذا الوقوف لولده ولنسله تفسير : فطلعت الشمس فلا يحصى ما رمى عليه من الحلىّ والثياب هذا كلامه رحمه الله سبحانه وتعالى
الجنابذي
تفسير : قد ورد الاخبار من طريق الخاصّة انّ سليمان (ع) اشتغل ذات يومٍ بالعشىّ بعرض الخيل لانّه كان يريد الجهاد ففات وقت صلٰوة عصره وتوارت الشّمس وغربت، وفى بعض الاخبار فات اوّل وقت صلٰوة وقيل فات صلٰوة نفلته فقال: للملائكة بأمر الله ردّوا الشّمس علىّ حتّى اصلىّ صلٰوتى فى وقتها فردّوها عليه، فمسح ساقيه وعنقه وامر اصحابه الّذين فاتتهم الصّلٰوة معه بمثل ذلك وكان ذلك وضوءهم ثمّ قام فصلّى فلمّا فرغ غابت الشّمس وطلعت النّجوم، وقيل: انّه قال لاصحابه: ردّوا الخيل علىّ فردّوها عليه فضرب سوقها واعناقها بالسّيف لانّها كانت سبب فوت صلٰوته، وقيل فى تصحيحه: انّها كانت اعزّ ماله فذبحها ليتصدّق بلحومها على المساكين فانّه {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران:92] وقيل: جعل يمسح اعراف خيله وعراقيبها بيده حبّاً لها، وقيل: مسح اعناقها وسوقها وجعلها مسبّلة فى سبيل الله، وقيل: انّه لمّا قتل الخيل ضلّ خاتمه بسبب قتلها سرقه شيطان اربعين يوماً وجلس مكانه وفرّ سليمان ثمّ وجد خاتمه فى بطن الحوت، وقد ذكر قصّته فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} تفسير : [البقرة:102] قال ابن عبّاس: سألت عليّاً عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها يابن عبّاس؟- قلت: سمعت كعباً يقول: اشتغل سليمان (ع) بعرض الافراس حتّى فاتته الصّلٰوة فقال: ردّوها يعنى الافراس كانت اربعة عشر فامر بضرب سوقها واعناقها بالسّيف فقتلها فسلبه الله ملكه اربعة عشر يوماً لانّه ظلم الخيل بقتلها، فقال علىّ (ع): كذب كعب لكن اشتغل سليمان (ع) بعرض الافراس ذات يوم لانّه اراد جهاد العدوّ حتّى توارت الشّمس بالحجاب فقال بامر الله للملائكة الموكّلين بالشّمس: ردّوها علىّ فردّت فصلّى العصر فى وقتها، وانّ انبياء الله تعالى لا يظلمون ولا يأمرون بالظّلم لانّهم معصومون مطهرّون.
الهواري
تفسير : قال: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحَاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}. فضرب أعناقها وعراقيبها، وإنما هو شيء قَبِله عن الله. قال بعضهم: فذهبت ولم يبق من أصلها شيء. وقال بعضهم: مسح أعناقها ووجوهها بثوبه، وقالوا: هو أعرف بالله من أن يضرب أعناقها وعراقيبها. قال بعضهم: كانت ألف فرس فضرب أعناق تسعمائة وعراقيبها فترك مائة. فالخيل اليوم من نسولها. حديث : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة .
اطفيش
تفسير : {رُدُّوهَا} أي الخيل المعروضة* {عَلَىَّ} فردوها عليه* {فَطَفِقَ} بكسر الفاء وفتحها أي شرع واسمه مستتر عائد لسليمان مرفوع المحل وخبرها جملة محذوفة أي يمسح* {مَسْحاً} وفيه دليل على جواز حذف عامل المصدر المؤكد الا أنه علق الجارية لا بالمحذوف فيكون نوعياً والا ان جعل بدلاً من عاملة فلا توكيد لكنه قلت المنابة في الاخبار بالمفرد عن (ردوها) جاعلاً له جواباً عن سؤال قائل كما قال سليمان وهو نبي من أنبياء الله وحيث اشتغل بالدنيا حتى فاتته الصلاة* {بِالسُّوقِ} جمع ساق وقرئ (بهمز الواو) بضم ما قبلها كأنها المضمومة والواو المضمومة تقلب همزة جوازاً كما بينته في (شرح اللامية) وقال القاضي: قرأ ذلك ابن كثير وقرأ أبو عمرو (بالسؤق) بهمز الواو وضمها. وقرئ بالساق بأل الجنسية لا اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن اللبس. قال الزمخشري وتبعه القاضي كذا ظهر لي {وَالأَعْنَاقِ} و (مسح السوق والاعناق) قطعها وعقرها بالسيف قاله ابن عباس وأكثر المفسرين وعن بعض قطع أرجلها وذبحها تقرباً الى الله تعالى حيث اشتغل بها عن الصلاة وتصدق بلحمها فعوضه الله خيراً منها وأسرع وهى الريح تجرى بأمره كيف شاء وكان العقر مباحاً لهم ولذلك فعله سليمان وقيل (مسحها) بيده حباً لها واعجاباً بها وقيل (حبسها) فى سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بكّي الصدقة ورجح المسح بيده ونسب لابن عباس وقيل مسح العنق مسح عرف العنق وعن بعض أنه لم تنته الصلاة بل عرضت عليه مصلياً فأشار اليهم اني في الصلاة فأزالوها فأدخلوها الاصطبلات ولما صلى قال: {إِني أحببت حب الخير} أي الذي عند الله فى الآخرة بسبب ذكر ربي فشغلني عن رؤيتها حتى دخلت فردوها فشرع يمسحها تكريماً لانها للجهاد ورجحه الرازى وكأن عن عند صاحب هذا القول بمعنى (ال) والمشهور أنها للمجاوزة و (أحببت) معنان (أنبت) وأبدلت وعوضت أو للاستعمال و (أحببت) بمعنى آثرت وزعم أنه لو مسحها قطعها لكان القطع معنى في {أية : وامسحوا برؤوسكم} تفسير : وليس بشيء للقرينة فيهما وقال: على ضمير ردوها للشمس أو للملائكة برد الشمس فردوها فصلى العصر في وقتها ووجه المسح باليد (التكريم) لانها أعظم الأعوان في دفع العدو أعنى الخيل واظهار السياسة وضبط المملكة حيث باشر الأمور بيده ونفسه واختيار عرضها لعلمه بأحوالها
اطفيش
تفسير : {ردُّوها عليَّ} أى ردوا الخيل المعروضة فردّوها {فطَفِقَ مَسْحاً} بالسيف أى ضرباً بالسيف {بالسُّوق} جمع ساق {والأعْنَاق} أى ذبحها وقطع أرجلها تقربا الى الله تعالى، حيث اشتغل بها عن الصلاة المفروضة وتصدق بلحمها تكفيراً عما فعل، فعوضه الله خيرا منها وأسرع، حيث سخر له الريح تجرى بأمره كيف شاء.
الالوسي
تفسير : والضمير المنصوب في قوله تعالى: {رُدُّوهَا عَلَىَّ } للصافنات على ما قال غير واحد. وظاهر كلامهم أنه للصافنات المذكور في الآية، ولعلك تختار أنه للخيل الدال عليها الحال المشاهدة أو الخير في قوله: {أية : إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ }تفسير : [ص: 32] لأن {ردوها} من تتمة مقالته عليه السلام والصافنات غير مذكورة في كلامه بل في كلام الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم. والكلام على ما قال الزمخشري على إضمار القول أي قال ردوها عليّ. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل: فماذا قال سليمان؟ فقيل قال: ردوها، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إلى الإضمار إذ الجملة مندرجة تحت حكاية القول في قوله تعالى: {أية : فَقَالَ إِنّى }تفسير : [ص: 32] الخ. والفاء في قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً } فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذاناً بغاية سرعة الامتثال بالأمر كما في قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا }تفسير : [البقرة: 60] أي فردوها عليه فطفق الخ وطفق من أفعال الشروع واسمها ضمير سليمان و {مَسْحاً } مفعول مطلق لفعل مقدر هو خبرها أي شرع يمسح مسحاً لا حال مؤول بماسحاً كما جوزه أبو البقاء إذ لا بد لطفق من الخبر وليس هذا مما يسد الحال فيه مسده. وقرأ زيد بن علي {مساحاً} على وزن قتال. {بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } أي بسوقها وأعناقها على أن التعريف للعهد وإن أل قائمة مقام الضمير المضاف إليه، والباء متعلقة بالمسح على معنى شرع يمسح السيف بسوقها وأعناقها، وقال: جمع هي زائدة أي شرع يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، ومسحته بالسيف كما قال الراغب: كناية عن الضرب. وفي «الكشاف» ((يمسح السيف بسوقها وأعناقها يقطعها تقول مسح علاوته إذا ضرب عنقه ومسح المسفر/ الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه، وعن الحسن كسف عراقيبها وضرب أعناقها أراد بالكسف القطع ومنه الكسف في ألقاب الزحاف والعروض ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف))، وكون المراد القطع قد دل عليه بعض الأخبار. أخرج الطبراني في «الأوسط» والإسمٰعيلي في «معجمه» وابن مردويه بسند حسن عن أبـي بن كعب عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } قطع سوقها وأعناقها بالسيف، وقد جعلها عليه السلام بذلك قرباناً لله تعالى وكان تقريب الخيل مشروعاً في دينه، ولعل كسف العراقيب ليتأتى ذبحها بسهولة، وقيل: إنه عليه السلام حبسها في سبيل الله تعالى وكان ذلك المسح الصادر منه وسما لها لتعرف أنها خيل محبوسة في سبيل الله تعالى وهو نظير ما يفعل اليوم من الوسم بالنار ولا بأس به في شرعنا ما لم يكن في الوجه، ولعله عليه السلام رأى الوسم بالسيف أهون من الوسم بالنار فاختاره أو كان هو المعروف في تلك الأعصار بينهم، ويروى أنه عليه السلام لما فعل ذلك سخر له الريح كرامة له، وقيل: إنه عليه السلام أراد بذلك إتلافها حيث شغلته عن عبادة ربه عز وجل وصار تعلق قلبه بها سبباً لغفلته، واستدل بذلك الشبلي قدس سره على حل تحريق ثيابه بالنار حين شغلته عن ربه جل جلاله؛ وهذا قول باطل لا ينبغي أن يلتفت إليه وحاشا نبـي الله أن يتلف مالاً محترماً لمجرد أنه شغل به عن عبادة وله سبيل لأن يخرجه عن ملكه مع نفع هو من أجل القرب إليه عز وجل على أن تلك الخيل لم يكن عليه السلام اقتناها واستعرضها بطراً وافتخاراً معاذ الله تعالى من ذلك وإنما اقتناها للانتفاع بها في طاعة الله سبحانه واستعرضها للتطلع على أحوالها ليصلح من شأنها ما يحتاج إلى إصلاح وكل ذلك عبادة فغاية ما يلزم أنه عليه السلام نسى عبادة لشغله بعبادة أخرى فاستدلال الشبلي قدس سره غير صحيح، وقد نبه أيضاً على عدم صحته عبد الوهاب الشعراني من السادة الصوفية في كتابه "اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر" ولكن بحمل الآية على محمل آخر، وما ذكرناه في محملها وتفسيرها هو المشهور بين الجمهور ولهم فيها كلام غير ذلك فقيل ضمير {رُدُّوهَا } للشمس والخطاب للملائكة عليهم السلام الموكلين بها، قالوا: طلب ردها لما فاته صلاة العصر لشغله بالخيل فردت له حتى صلى العصر، وروي هذا القول عن علي كرم الله تعالى وجهه كما قال الخفاجي والطبرسي وتعقب ذلك الرازي بأن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها عليَّ دون {رُدُّوهَا } بضمير الجمع. فإن قالوا: هو للتعظيم كما في {أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ }تفسير : [المؤمنون: 99] قلنا: لفظ {ردوها} مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم؟ وأيضاً إن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقله أحد علم فساده. والذي يقول برد الشمس لسليمان يقول هو كردها ليوشع وردها لنبينا صلى الله عليه وسلم في حديث العير ويوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر وردها لعلي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام، فقد روي عن أسماء بنت عميس أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي كرم الله تعالى وجهه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صليت يا علي؟ قال: لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الأرض وذلك بالصهباء في خيبر»تفسير : ، وهذا الخبر في صحته خلاف فقد ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، وقال إنه موضوع/ بلا شك وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب كما قاله الدارقطني، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، وقال ابن الجوزي: قد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال: وهذا حديث باطل ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح عدم الفائدة فيها وأن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفاً في الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع. وقال الإمام أحمد: لا أصل له، وصححه الطحاوي والقاضي عياض، ورواه الطبراني في «معجمه الكبير» بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في «شرح التقريب» عن أسماء أيضاً لكن بلفظ آخر ورواه ابن مردويه عن أبـي هريرة وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة. وكذا اختلف في حديث الرد يوم الخندق فقيل ضعيف، وقيل: موضوع، وادعى العلامة ابن حجر الهيثمي صحته، وما في حديث العير - وأظن أنهم اختلفوا في صحته أيضاً - ليس صريحاً في الرد فإن لفظ الخبر أنه لما أسرى بالنبـي صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا: متى يجيء؟ قال: يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم يجيء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس والحبس غير الرد ولو كان هناك رد لأدركه قريش ولقالوا فيه ما قالوا في انشقاق القمر ولم ينقل، وقيل: كأن ذلك كان بركة في الزمان نحو ما يذكره الصوفية مما يعبرون عنه بنشر الزمان وإن لم يتعلقه الكثير وكذا ما كان ليوشع عليه السلام فقد جاء في الحديث الصحيح"حديث : لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع بن نون"تفسير : والقصة مشهورة وهذا الحديث الصحيح عند الكل يعارض جميع ما تقدم، وتأويله بأن المراد لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع أو بالتزام أن المتكلم غير داخل في عموم كلامه بعد تسليم قبوله لا ينفي معارضته خبر الرد لسليمان عليه السلام فإنه بظاهره يستدعي نفي الرد الذي هو أعظم من الحبس له عليه السلام. وبالجملة القول برد الشمس لسليمان عليه السلام غير مسلم، وعدم قولي بذلك ليس لامتناع الرد في نفسه كما يزعمه الفلاسفة بل لعدم ثبوته عندي، والذوق السليم يأبى حمل الآية على ذلك لنحو ما قال الرازي ولغيره من تعقيب طلب الرد بقوله تعالى: {فَطَفِقَ } الخ ثم ما قدمنا نقله من وقوع الصلاة بعد الرد قضاء هو ما ذهب إليه البعض. وفي "تحفة العلامة ابن حجر الهيتمي" لو عادت الشمس بعد الغروب عاد الوقت كما ذكره ابن العماد، وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة انتهى كلام الزركشي، وما ذكر آخراً بعيد وكذا أولاً فالأوجه كلام ابن العماد ولا يضر كون عودها معجزة له صلى الله عليه وسلم لأن المعجزة [في] نفس العود وأما بقاء الوقت بعودها فبحكم الشرع ومن ثم لما عادت صلى علي كرم الله تعالى وجهه العصر أداء بل عودها لم يكن إلا لذلك انتهى. ولا يحضرني الآن ما لأصحابنا الحنفية في ذلك بيد أني رأيت في «حواشي تفسير البيضاوي» لشهاب الدين الخفاجي وهو من أجلة الأصحاب ادعاء أن الظاهر أن الصلاة بعد الرد أداء ثم قال: وقد بحث الفقهاء فيه بحثاً طويلاً ليس هذا محله. وقيل ضمير {تَوَارَتْ } للخيل كضمير {رُدُّوهَا } واختاره جمع فقيل الحجاب اصطبلاتها أي حتى دخلت اصطبلاتها، وقيل حتى توارت في المسابقة بما يحجبها عن النظر، وبعض من قال بإرجاع الضمير للخيل جعل (عن) للتعليل ولم يجعل المسح بالسوق والأعناق بالمعنى السابق فقالت طائفة: عرض على سليمان/ الخيل وهو في الصلاة فأشار إليهم أني في صلاة فأزالوها عنه حتى دخلت في الاصطبلات فقال لما فرغ من صلاته: {أية : إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ }تفسير : [ ص: 32] أي الذي لي عند الله تعالى في الآخرة بسبب ذكر ربـي كأنه يقول فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى دخلت اصطبلاتها ردوها عليَّ فطفق يمسح أعرافها وسوقها محبة لها وتكريماً. وروي أن المسح كان لذلك عن ابن عباس والزهري وابن كيسان ورجحه الطبري، وقيل كان غسلاً بالماء ولا يخفى أن تطبيق هذه الطائفة الآية على ما يقولون ركيك جداً. وقال الرازي: قال الأكثرون إنه عليه السلام فاته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى الخيل فاستردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلى الله تعالى، وعندي أنه بعيد ويدل عليه وجوه، الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله تعالى: {أية : وَٱمْسَحُواْ برؤسكم}تفسير : [المائدة: 6] اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ذلك البتة، الثاني: أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان أنواعاً من الأفعال المذمومة، فأولها: ترك الصلاة، وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة»تفسير : وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة، ورابعها: على القول برجوع ضمير {رُدُّوهَا } إلى الشمس أنه خاطب رب العالمين بكلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس، وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل سوقها وأعناقها وقد ورد النهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله. فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لا يدل على شيء منها، وسادسها: أن ذكر هذه القصة وكذا التي قبلها بعد أمره بالصبر على سفاهة الكفار يقتضي أن تكون مشتملة على الأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة والصبر على طاعة الله تعالى والإعراض عن الشهوات واللذات وأما اشتمالها على الإقدام على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة فبمراحل عن مقتضى التعقيب أن كتاب الله تعالى ينادي على القول المذكور بالفساد. والصواب أن يقال: إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين نبينا صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد من قوله: {أية : عَن ذِكْرِ رَبِى }تفسير : [ص: 32] ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور. الأول: تشريف لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو، والثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه، والثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض؟ فهذا التفسير الذي ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقاً موافقاً، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات إلى نبـي من الأنبياء عليهم السلام، ثم قال: وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا ما شاع من الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردانها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة ولفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرها الجمهور كما قد ظهر ظهوراً لا يرتاب العاقل فيه، وبفرض الدلالة يقال: إن الدلائل الكثيرة/ قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام ولم يدل دليل على صحة تلك الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم انتهى كلامه. وكان عليه الرحمة قد اعترض القول برجوع ضمير {تَوَارَتْ } إلى الشمس دون الصافنات بأن الصافنات مذكورة بصريحها والشمس ليست كذلك وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر، وأيضاً أنه قَال{ أية : إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ }تفسير : [ص: 32] وظاهره يدل على أنه كان يعيد ويكرر قوله إني أحببت حب الخير عن ذكر ربـي إلى أن توارت بالحجاب فإذا كانت المتوارية الشمس يلزم القول بأنه كرر ذلك من العصر إلى المغرب وهو بعيد، وإذا كانت الصافنات كان المعنى أنه حين وقع بصره عليها حال عرضها كان يقول ذلك إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب، وأيضاً القائلون بالعود إلى الشمس قائلون بتركه عليه السلام صلاة العصر ويأباه {إِنِّى أَحْبَبْتُ} الخ لأن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله تعالى لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله عز وجل، وأقول: ما عند الجمهور أولى بالقبول وما ذكره عليهم من الوجوه لا يلتفت إليه ولا يعول عليه. أما ما قاله من أنه لو كان مسح السوق والأعناق بمعنى القطع لكان امسحوا برؤسكم أمراً بقطعها ففيه أن هذا إنما يتم لو قيل إن المسح كلما ذكر بمعنى القطع ولم يقل ولا يقال وإنما قالوا: إن المسح في الآية بمعنى القطع وقد قال بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في خبر حسن وقد قدمناه لك عن الطبراني والإسمٰعيلي وابن مردويه وليس بعد قوله عليه الصلاة والسلام قول لقائل، ويكفي مثل ذلك الخبر في مثل هذا المطلب إذ ليس فيه ما يخالف العقل أو نقلاً أقوى كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر هذا المعنى للمسح الزمخشري أيضاً وهو من أجلة علماء هذا الشأن، وصح نقله عن جماعة من السلف، وقال الخفاجي: استعمال المسح بمعنى ضرب العنق استعارة وقعت في كلامهم قديماً، نعم احتياج ذلك للقرينة مما لا شبهة فيه، والقرينة عند من يدعيه هٰهنا السياق وعود ضمير {تَوَارَتْ } على الشمس وهو كالمتعين كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى. وأما قوله: إنهم جمعوا على سليمان عليه السلام أنواعاً من الأفعال المذمومة ففرية من غير مرية. وقوله: أولها: ترك الصلاة فيه أن الترك المذموم ما كان عن عمد وهم لا يقولون به وما يقولون به الترك نسياناً وهو ليس بمذموم إذ النسيان لا يدخل تحت التكليف على أن كون ما ترك فرضاً مما لم يجزم به الجميع، وقوله: ثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث ترك الصلاة، فيه أن ذلك اشتغال بخيل الجهاد وهو عبادة. وقوله: ثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة، فيه أنا لا نسلم أنه عليه السلام ارتكب ذنباً حقيقة فضلاً عن كونه عظيماً، نعم ربما يقال: إنه عليه السلام لم يستحسن ذلك بمقامه فأتبعه التقرب بالخيل التي شغل بسببها وذلك يدل على التوبة دلالة قوية ولم يكن ليتعطل أمر الجهاد به فقد أوتي عليه السلام غير ذلك على أن كون ما ذكر كالاستشهاد على قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ أَوَّابٌ }تفسير : [ص: 30]مشعر بتضمنه الأوبة وإن ذهبنا إلى تعلق {أية : إِذْ عُرِضَ }تفسير : [ص: 32] بأواب يكاد لا يرد هذا الكلام رأساً. وقوله: رابعها: أنه خاطب ربه عز وجل بلفظ غير مناسب، فيه أنه إن ورد فإنما يرد على القول برجوع ضمير {رُدُّوهَا } إلى الشمس ونحن لا نقول به فلا يلزمنا الجواب عنه، والذي نقوله: إن الضمير للخيل والخطاب لخدمته ومع هذا لم يقل تلك الكلمة تهوراً وتجبراً كما يتوهم، وقوله: خامسها: أنه اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل وقد ورد النهي الخ، فيه أنه عليه السلام لم يفعل معصية ليقال أتبع هذه المعاصي وأن الخيل عقرت قرباناً وكان تقريبها مشروعاً في دينه فهو طاعة، ومن مجموع ما ذكرنا يعلم ما في قوله سادسها: الخ على أنه قد تقدم لك وجه ربط هذه القصص بما قبلها وهو لا يتوقف على التزام ما قاله في هذه القصة وما زعمه من أنه الصواب ففي إرجاع ضمير {تَوَارَتْ} إلى الخيل، ولا يخفى على ذي ذوق سليم وطبع مستقيم أن تواري الخيل بالحجاب عبارة ركيكة يجل عنها الكتاب المتين، وفيه أيضاً أنه لا يكاد ينساق إلى الذهن متعلق {حَتَّىٰ تَوَارَتْ } الذي أشار إليه في تقرير ما زعم صوابيته وتعلقه بقال على ما يشير إليه كلامه المنقول آخراً مما يستبعد جداً فإن الظاهر أن قوله: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ }تفسير : [ص: 32] من المحكي كالذي قبله والذي بعده لا من الحكاية، وأيضاً كون الرد للمسح الذي ذكره خلاف ما جاء في الخبر الحسن وهو في نفسه بعيد، والأغراض التي ذكرها فيه لا يخفى حالها، ودعواه أن هذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن مما لا يتم لها دليل ولعل الدليل على عدم الانطباق ظاهر. وقوله: أنا شديد التعجب من الناس الخ أقول فيه: أنا تعجبـي منه أشد من تعجبه من الناس حيث خفي عليه حسن الوجه الذي استحسنه الجمهور ولم يطلع على ما ورد فيه من الأخبار الحسان وظن أن القول به مناف للقول بعصمة الأنبياء عليهم السلام حتى قال ما قال ورشق على الجمهور النبال، وقوله في ترجيح رجوع ضمير {تَوَارَتْ } إلى {ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ } على رجوعه إلى الشمس أنها مذكورة بصريحها دون الشمس ليس بشيء فإن رجوعه إلى الشمس يجعل الكلام ركيكاً فلا ينبغي ارتكابه لمجرد أن فيه رجوع الضمير إلى مذكور صريحاً على أن في كونه راجعاً إلى الصافنات المذكورة صريحاً بحثاً، ولا يرد على الجمهور لزوم تخالف الضمائر في المرجع وهو تفكيك لأن التخالف مع القرينة لا ضير فيه، وأعجب مما ذكر زعمه أنه يلزم على ما قال الجمهور أن سليمان عليه السلام كرر قوله: {أية : إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى }تفسير : [ص: 32] من العصر إلى المغرب فإن الجمهور ما حاموا حول ما يلزم منه ذلك أصلاً إذ لم يقل أحد منهم بأن حتى متعلق بقال كما زعم هو بل هي عندهم متعلقة بأحببت على المعنى الذي أسلفناه، ومن أنصف لا يرتضي أيضاً القول بأنه عليه السلام كرر ذلك القول إلى أن غابت الخيل عن عينه كما قاله به هذا الإمام، ويرد على قوله القائلون بالعود إلى الشمس قائلون بتركه عليه السلام صلاة العصر ويأباه {إِنّى أَحْبَبْتُ } الخ لأن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله تعالى لما نسي الصلاة أن الجمهور لا يقولون بأن على للتعليل والإباء المذكور على تقدير تسليمه لا يتسنى إلا على ذلك وما يقولونه وقد أسلفناه لك بمراحل عنه. وبالجملة قد اختلت أقوال هذا الإمام في هذا المقام ولم ينصف مع الجمهور وهم أعرف منه بالمأثور، نعم ما ذكره في الآية وجه ممكن فيها على بعد إذا قطع النظر عن الأخبار وما جاء عن السلف من الآثار، وقد ذكر نحوه عبد الوهاب الشعراني في كتابه "اليواقيت والجواهر" وهو في الحقيقة والله تعالى أعلم من كلام الشيخ الأكبر محيـي الدين قدس سره وقد خالف الجمهور كالإمام. قال في الباب المائة والعشرين من "الفتوحات": ليس للمفسرين الذين جعلوا التواري للشمس دليل فإن الشمس ليس لها هنا ذكر ولا للصلاة التي يزعمون ومساق الآية لا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة، وأما استرواحهم فيما فسروه بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ }تفسير : [ص: 34] فالمراد بتلك الفتنة إنما هو الاختبار بالخيل هل يحبها عن ذكر ربه تعالى لها أو يحبها لعينها؟ فأخبر عليه السلام عن نفسه/ أنه أحبها عن ذكر ربه سبحانه إياها لا لحسنها وكمالها وحاجته إليها إلى آخر ما قال، وقد كان قدس سره معاصراً للإمام وكتب إليه رسالة يرغبه فيها بسلوك طريقة القوم ولم يجتمعا، وغالب الظن أنه لم يأخذ أحدهما من الآخر ما قال في الآية بل لم يسمعه وعلم كل منهما لا ينكر والشيخ بحر لا يدرك قعره، وما ذكره في الاسترواح مما لم أقف عليه لأحد من المفسرين والله تعالى أعلم. وقرأ ابن كثير {بالسؤق} بهمزة ساكنة قال أبو علي: وهي ضعيفة لكن وجهها في القياس أن الضمة لما كانت تلي الواو وقدر أنها عليها كما يفعلون بالواو المضمومة حيث يبدلونها همزة، ووجهها من القياس أن أبا حبة النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وكان ينشد: شعر : أحب الوافدين إلى مؤسى تفسير : وقال أبو حيان: ليست ضعيفة لأن الساق فيه الهمزة فوزنه فعل بسكون العين فجاءت هذه القراءة على هذه اللغة. وتعقب بأن همز الساق إبدال على غير القياس إذ لا شبهة في كونه أجوف فلا بد من التوجيه بما تقدم. وقرأ ابن محيصن {بالسؤوق} بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة بوزن الفسوق، ورواها بكار عن قنبل وهو جمع ساق أيضاً. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {بِٱلسَّاقِ } مفرداً اكتفى به عن الجمع لأمن اللبس.
د. أسعد حومد
تفسير : (33) - فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِمَنْ حَوْلَهُ: رُدُّوا هَذِهِ الخَيْلَ فَكَفَى مَا قَامَتْ بِهِ مِنْ جَريٍ فِي ذَلِكَ اليَومِ، وَلَما رُدَّتْ إِلَيْهِ أَخَذَ يَمْسَحُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِيَدَيْهِ تَكْرِيماً لَهَا. (وَقِيلَ بَلْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُ طَلَبَ أَنْ تُرَدَّ الخَيْلُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لاَ تَشْغَلِينَنِي عَنْ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهَا، وَعَرَاقِيبُها بالسُّيُوفِ. وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ).
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ} معناه ما زَالَ يَضرِبُ أسواقَ الخَيلِ وأعناقَها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):