Verse. 4037 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

قُلْ ہُوَنَبَؤٌا عَظِيْمٌ۝۶۷ۙ
Qul huwa nabaon AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «هو نبأ عظيم».

67

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ }.

ابن عطية

تفسير : الإشارة بقوله تعالى: {قل هو نبأ عظيم} إلى التوحيد والمعاد، فهي إلى القرآن وجميع ما تضمن، وعظمه أن التصديق به نجاة، والتكذيب به هلكة. وحكى الطبري: أن شريحاً اختصم إليه أعرابي فشهد عليه، فأراد شريح أن ينفذ الحكم، فقال له الأعرابي: أتحكم بالنبأ؟ فقال شريح: نعم، إن الله يقول: {قل هو نبأ}، وقرأ الآية حكم عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا الجواب من شريح إنما هو بحسب لفظ الأعرابي ولم يحرر معه الكلام، وإنما قصد إلى ما يقطعه به، لأن الأعرابي لم يفرق بين الشهاد والنبأ. والنبأ في كلام العرب بمعنى: الخبر، ووبخهم بقوله: {أنتم عنه معرضون}، ثم قال: {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون} وهذا احتجاج لصحة أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأنه يقول: هذا أمر خطر وأنتم تعرضون عنه مع صحته، ودليل صحته أني أخبركم فيه بغيوب لم تأت إلا من عند الله، فإني لم يكن لي علم بالملأ الأعلى، أراد به الملائكة. والضمير في: {يختصمون} عند جمهور المفسرين هو للملائكة. واختلف الناس في الشيء الذي هو اختصامهم فيه، فقالت: فرقة اختصامهم في أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض، ويدل على ذلك ما يأتي من الآيات، فقول الملائكة: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] هو الاختصام، وقالت فرقة: بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلف الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء، وورد في هذا حديث فسره ابن فورك، لأنه يتضمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ربه عز وجل في نومه: فيم يختصمون؟ فقلت لا أدري، فقال في الكفارات، وهي إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الخطى إلى الجماعات الحديث بطوله قال: فوضع الله يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي. قال القاضي أبو محمد: فتفسير هذا الحديث أن اليد هي نعمة العلم. وقوله: بردها، أي السرور بها والثلج، كما تقول العرب في الأمر السار: يا برده على الكبد ونحو هذا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة بالليل هي الغنيمة الباردة" تفسير : . أي السهلة التي يسر بها الإنسان. وقالت فرقة: المراد بقوله: {بالملإ الأعلى} الملائكة. وقوله: {إذ يختصمون} مقطوع منه معناه: إذ تختصم العرب الكافر في الملإ فيقول بعضها هي بنات الله، ويقول بعضها: هي آلهة تعبد، وغير ذلك من أقوالهم، وقالت فرقة: أراد بـ"الملأ الأعلى" قريشاً. وهذا قول ضعيف لا يتقوى من جهة. وقرأ جمهور الناس: "ألا أنما" بفتح الألف، كأنه يقول: ألا إنذار. وقرأ أبو جعفر "إلا أنما أنا" على الحكاية، كأنه قيل له: أنت نذير مبين، فحكى هذا المعنى، وهذا كما يقول إنسان: أنا عالم، فيقال له: قلت إنك عالم، فيحكي المعنى. و: {إذ} في قوله: {إذ قال ربك} بدل من قوله: {إذ} الأولى على تأويل من رأى الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض، وعلى الأقوال الأخر يكون العامل في {إذ} الثانية فعل مضمر تقديره: واذكر إذ قال. والبشر المخلوق من الطين. هو آدم عليه السلام و: {سويته} يريد به شخصه. {ونفخت} هي عبارة عن إجراء الروح فيه، هي عبارة على نحو ما يفهم من إجراء الأشياء بالنفخ. وقوله: {من روحي} هي إضافة ملك إلى مالك، لأن الأرواح كلها هي ملك لله تعالى، وأضاف إلى نفسه تشريفاً. وقوله: {ساجدين} اختلف الناس فيه، فقالت فرقة: على السجود المتعارف. وقالت فرقة معناه: خاضعين على أصل السجود في اللغة. ثم أخبر تعالى أن الملائكة بأمره سجدوا {إلا إبليس} فإنه {استكبر} عن السجود. وقوله تعالى: {وكان من الكافرين} يحتمل أن يريد به: وكان من أول أمره من الكافرين في علم الله تعالى، قاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد: ووجد عند هذه الفعلة من الكافرين، وعلى القولين فقد حكم الله على إبليس بالكفر، وأخبر أنه كان عقد قلبه في وقت الامتناع.

ابن عبد السلام

تفسير : {هُوَ نَبَؤٌاْ} القيامة لأن الله ـ تعالى ـ أنبأ بها في كتابه، أو القرآن لأنه أنبأنا به فعرفناه، أو أنبأ به عن الأولين {عَظِيمٌ} زواجره وأوامره أو عظيم قدره كثير نفعه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الابانة عن مجاهد في قوله ‏{‏قل هو نبأ عظيم‏} ‏ قال‏:‏ القرآن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد في الابانة ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير عن قتادة ‏ {‏قل هو نبأ عظيم‏}‏ قال‏:‏ إنكم تراجعون نبأ عظيماً فأعقلوه عن الله ‏ {‏ما كان لي من علم بالملإِ الأعلى إذ يختصمون‏} ‏ قال‏:‏ هم الملائكة عليهم السلام كانت خصومتهم في شأن آدم عليه السلام ‏{‏أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء‏}تفسير : ‏[البقرة: 30] إلى قوله ‏{أية : ‏إني خالق بشراً من طين فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين‏}‏ ‏تفسير : [البقرة: 30]‏ ففي هذا اختصم الملأ الأعلى‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ما كان لي من علم بالملإِ الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة حين شووروا في خلق آدم عليه السلام فاختصموا فيه‏:‏ قالوا أتجعل في الأرض خليفة‏. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ما كان لي من علم بالملإِ ‏الأعلى إذ يختصمون‏}‏ قال‏:‏ هي الخصومة في شأن آدم ‏{‏أتجعل فيها من يفسد فيها‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : هل تدرون فيم يختصم الملأ‏ الأعلى‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏:‏ يختصمون في الكفارات الثلاث: اسباغ الوضوء في المكروهات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه ومحمد بن نصر رضي الله عنه في كتاب الصلاة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أتاني ربي الليلة في أحسن صورة أحسبه قال في المنام قال‏:‏ يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قلت لا‏.‏ فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو في نحري، فعلمت ما في السموات وما في الأرض ثم قال‏:‏ يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ‏ الأعلى‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ في الكفارات، والمكث في المسجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، واسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقل يا محمد إذا صليت‏:‏ اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون‏.‏ قال‏:‏ والدرجات‏.‏ افشاء السلام، واطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وصححه ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال‏:‏ احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعاً فثوّب بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم دعا بسوطه فقال‏:‏ ‏"‏حديث : على مصافكم كما أنتم‏.‏ ثم انفتل إلينا ثم قال‏:‏ أما أني أحدثكم ما حبسني عنكم الغداة‏.‏ إني قمت الليلة، فقمت وصليت ما قدر لي، ونعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال‏:‏ يا محمد قلت لبيك ربي قال‏:‏ فيم يختصم الملأ‏ الأعلى‏؟‏ قلت‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏!‏ فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفته فقال‏:‏ يا محمد قلت لبيك رب قال‏:‏ فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قلت‏:‏ في الدرجات، والكفارات، فقال‏:‏ ما الدرجات‏؟‏ فقلت‏:‏ اطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام‏.‏ قال‏:‏ صدقت فما الكفارات‏؟‏ قلت‏:‏ اسباغ الوضوء في المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ونقل الاقدام إلى الجماعات‏.‏ قال‏:‏ صدقت قل يا محمد‏:‏ اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون‏.‏ اللهم إني أسألك حبك، وحب من أحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ تعلموهن وادرسوهن فانهن حق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله تجلى لي في أحسن صورة فسألني فيم يختصم الملائكة‏؟‏ قلت‏:‏ يا رب ما لي به علم‏.‏ فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي. فما سألني عن شيء إلا علمته قلت‏:‏ في الدرجات، والكفارات، واطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام‏ "‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: رأيت ربي في أحسن صورة قال‏:‏ يا محمد فقلت لبيك ربي وسعيدك ثلاث مرات‏.‏ قال‏:‏ هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، ففهمت الذي سألني عنه فقلت‏:‏ نعم يا رب‏.‏ يختصمون في الدرجات، والكفارات‏.‏ قلت‏:‏ الدرجات‏:‏ اسباغ الوضوء بالسبرات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والكفارات‏:‏ اطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ أصبحنا يوماً فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏أتاني ربي البارحة في منامي في أحسن صورة، فوضع يده بين ثدي وبين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمني كل شيء قال‏:‏ يا محمد قلت‏:‏ لبيك رب وسعديك قال‏:‏ هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قلت‏:‏ نعم يا رب في الكفارات، والدرجات، قال‏:‏ فما الكفارات‏؟‏ قلت‏:‏ افشاء السلام، واطعام الطعام، والصلاة والناس نيام‏.‏ قال‏:‏ فما الدرجات‏؟‏ قلت‏:‏ اسباغ الوضوء في المكروهات، والمشي على الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن نصر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : أتاني ربي في أحسن صورة فقال‏:‏ يا محمد فقلت‏:‏ لبيك وسعديك‏.‏ قال‏:‏ فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قلت لا أدري‏!‏ فوضع يده بين ثديي، فعلمت في منامي ذلك ما سألني عنه من أمر الدنيا والآخرة فقال‏:‏ فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ فقلت في الدرجات، والكفارات، فأما الدرجات‏:‏ فاسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة‏.‏ قال‏:‏ صدقت من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه‏.‏ وأما الكفارات‏:‏ فاطعام الطعام، وافشاء السلام وطيب الكلام، والصلاة والناس نيام‏. ثم قال‏:‏ اللهم إني أسألك فعل الحسنات، وترك السيئات، وحب المساكين، ومغفرة وأن تتوب عليّ، وإذا أردت في قوم فتنة فنجني غير مفتون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ ‏حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قال‏:‏ في الدرجات، والكفارات‏.‏ فأما الدرجات‏:‏ فاطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام‏.‏ وأما الكفارات‏:‏ فاسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لما سري بي إلى السماء السابعة قال‏:‏ يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟ فذكر الحديث ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في السنة والخطيب عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:حديث : ‏ لما كان ليلة أسري بي رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال‏:‏ يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ قلت‏:‏ في الكفارات، والدرجات‏.‏ قال‏:‏ وما الكفارات‏؟‏ قلت‏:‏ اسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، قال‏:‏ فما الدرجات‏؟‏ قلت‏:‏ اطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام‏.‏ ثم قال‏:‏ قل‏.‏‏.‏‏.‏ قلت‏:‏ فما أقول‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ قل اللهم إني أسألك عملاً بالحسنات، وترك المنكرات، وإذا أردت بقوم فتنة وأنا فيهم فاقبضني إليك غير مفتون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة والطبراني في السنة عن عبد الرحمن بن عابس الحضرمي رضي الله عنه قال‏:‏"‏حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، فقال له قائل‏:‏ ما رأيناك أسفر وجهاً منك الغداة‏؟‏ قال‏: وما لي لا أكون كذلك وقد رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال‏:‏ فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد‏؟‏ فقلت‏:‏ في الكفارات‏.‏ قال‏:‏ وما هن‏؟‏ قلت‏:‏ المشي على الاقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد لانتظار الصلوات، ووضع الوضوء أماكنه في المكان، قال‏:‏ وفيم‏؟‏ قلت‏:‏ في الدرجات‏.‏ قال‏:‏ وما هن‏؟‏ قال‏:‏ اطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام‏.‏ ثم قال‏:‏ يا محمد قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين فوالذي نفسي بيده إنهن حق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن نصر والطبراني في السنة عن ثوبان رضي الله عنه قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن ربي عز وجل أتاني الليلة في أحسن صورة فقال لي‏:‏ يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ فقلت‏:‏ لا أعلم يا رب. قال فوضع كفيه بين كتفي حتى وجدت أنامله في صدري، فتجلى لي بين السماء والأرض قلت‏:‏ نعم يا رب يختصمون في الكفارات، والدرجات، قال‏:‏ فما الدرجات‏؟‏ قلت‏:‏ اطعام الطعام، وافشاء السلام، وقيام الليل والناس نيام‏.‏ وأما الكفارات‏:‏ فمشي على الأقدام إلى الجماعات، واسباغ الوضوء في الكراهيات، وجلوس في المساجد خلف الصلوات‏.‏ ثم قال‏:‏ يا محمد قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، قلت‏:‏ اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت في قوم فتنة فتوفني إليك وأنا غير مفتون‏.‏ اللهم إني أسألك حبك، وحب من أحبك، وحب عمل يبلغني إلى حبك‏ "‏‏.‏

القشيري

تفسير : أي الذي أَتَيْتُكم به من الأخبار عن القيامة والحَشْرِ، والجنة والنار، وما أخبرتكم به عن نُبُوَّتي وصِدْقي هو نبأ عظيمٌ، وأنتم أعرضْتُم عنه. وما كان لي من عِلْم بالملأ الأعلى واختصامهم فيه لولا أَنَّ الله عَرَّفني، وإلا ما كُنْتُ عَلِمْتُه. والملأَ الأعلى قومٌ من الملائكة في السماء العليا، واختصامهم كان في شأن آدم حيث قالوا: أتجعل فيها مَنْ يُفْسِد فيها؟ وقد ورد في الخبر: "حديث : أن جبريل سأل الرسولَ صلى الله عليه وسلم عن الاختصام فقال: لا أدري. فقال جبريل: في الكفارات والدرجات؛ فالكفارات إسباغُ الوضوء في السَّبْرَات، ونَقْل الأقدامِ إلى الجماعات، وأما الدرجات فإفشاءُ السلام، وإطعامُ الطعام، والصلاةُ بالليل والناسُ نيام"تفسير : ، وإنما اختلفوا في بيان الأجر وكمية الفضيلة فيها - فيجتهدون ويقولون إن هذا أفضل من هذا، ولكنهم في الأصل لا يجحدون. ... وهذا إنما يُوحى إليَّ وأنا منذر مبين.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل هو} اى القرآن وما انبأكم به من امر التوحيد والنبوة واخبار القيامة والحشر والجنة والنار وغيرها {نبأ عظيم} وشأن جسيم لانه كلام الرب القديم وارد من جانبه الكريم يستدل به على صدقى فى دعوى النبوة. والنبأ ما اخبر النبى عليه السلام عن الله تعالى ولا يستعمل الا فى خبر ذى فائدة عظيمة

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لهم* {هُوَ} أي ما أخبرتكم به من كوني رسولا منذراً فقط وكون الله واحداً قهاراً رب السموات والأرض وما بينهما عزيزاً غفاراً* {نَبَأٌ} أي خبر أخبرتكم به* {عَظِيمٌ}. قال ابن عباس: (القرآن) وقيل: (يوم القيامة)؛ وعليه الحسن؛ وقيل: (قصص آدم والانبياء) عليهم السلام، وقيل: (قصة آدم) {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} توبيخ لهم لتماديهم في غفلتهم فانه لا يعرض عنه الا غافل شديد الغفلة وانهم كانوا لا يتفكرون في صدق النبوة وغيرها من نحو التوحيد واحتج على نبوته بقوله:

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد لقومك، وكرر القول إيذانا بأن المقول أمر جليل يستأنف له الكلام، لا مما يدرج مع ما قبله، فربما غفل عنه السامع {هُو} أى ما أخبرتكم به من أنى رسول، وأن لا إله إلا الله الواحد القهَّار، مالك كل شىء، والعزيز الغفَّار، وعن ابن عباس: المراد القرآن قوله تعالى: " أية : قُل ما أسألكم عليه من أجر" تفسير : [ص: 86] إلخ، ولدخول ما ذكر فيه {نَبَأ} خبر {عَظيمٌ} ذاتا وفائدة.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } تكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل له شأن خطير لا بد من الاعتناء به أمراً وائتماراً {هُوَ } أي ما أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً وأن الله تعالى واحداً لا شريك له {نَبَأٌ عَظِيمٌ} خبر ذو فائدة عظيمة جداً لا ريب فيه أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : إعادة الأمر بالقَول هنا مستأنَفاً. والعدولُ عن الإِتيان بحرف يعطف المقول أعني {هُوَ نَبؤٌا عَظِيمٌ}على المقول السابق أعني {أية : أنا مُنذِرٌ}تفسير : [ص: 65]، عدول يشعر بالاهتمام بالمقول هنا كي لا يؤتى به تابعاً لمقولٍ آخر فيضعف تصدي السامعين لوعيه. وجملة {قُلْ هو نبؤا عظيمٌ أنتُم عنه مُعرضونَ} يجوز أن تكون في موقع الاستئناف الابتدائي انتقالاً من غرض وصف أحوال أهل المحشر إلى غرض قصة خلق آدم وشقاء الشيطان، فيكون ضمير {هُوَ} ضميرَ شأن يفسره ما بعده وما يُبيّن به ما بعده من قوله: {أية : إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين}تفسير : [ص: 71] جعل هذا كالمقدمة للقصة تشويقاً لتلقّيها فيكون المراد بالنبأ نبأَ خَلق آدم وما جرى بعده، ويكون ضمير {يَخْتصِمُونَ} عائداً إلى الملأ الأعلى لأن الملأ جماعة. ويراد بالاختصام الاختلاف الذي جرى بين الشيطان وبين من بلَّغ إليه من الملائكة أمرَ الله بالسجود لآدم، فالملائكة هم الملأ الأعلى وكان الشيطان بينهم فعُدّ منهم قبل أن يطرد من السماء. ويجوز أن تكون جملة {قُلْ هو نبؤا عظيمٌ} الخ تذييلاً للذي سبق من قوله: {أية : وإنَّ للمتَّقينَ لحُسنَ مآبٍ}تفسير : [ص: 49] إلى هنا، تذييلاً يشعر بالتنويه به وبطلب الإِقبال على التدبر فيه والاعتبار به. وعليه يكون ضمير {هُوَ} ضميراً عائداً إلى الكلام السابق على تأويله بالمذكور فلذلك أُتِي لتعريفه بضمير المفرد. والمراد بالنبأ: خبر الحشر وما أُعد فيه للمتقين من حسن مآب، وللطاغين من شر مآب، ومن سوء صحبة بعضهم لبعض، وتراشقهم بالتأنيب والخصام بينهم وهم في العذاب، وترددهم في سبب أن لم يجدوا معهم المؤمنين الذين كانوا يَعدّونهم من الأشرار. ووصف النبأ بــــ {عَظِيمٌ} تهويل على نحو قوله تعالى: {أية : عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون}تفسير : [النبأ: 1ـــ3]. وعظمة هذا النبأ بين الأنباء من نوعه من أنباء الشر مثل قوله: {أية : فساد كبير}تفسير : [الأنفال: 73]، فتم الكلام عند قوله تعالى: {أنتم عنه معرضون}. فتكون جملة {ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى} إلى قوله: {نَذِيرٌ مبينٌ} استئنافاً للاستدلال على صدق النبأ بأنه وحي من الله ولولا أنه وحي لما كان للرسول صلى الله عليه وسلم قِبَل بمعرفة هذه الأحوال على حد قوله تعالى: {أية : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون}تفسير : [آل عمران: 44]، ونظائر هذا الاستدلال كثيرة في القرآن. وتكون جملة {أية : إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً}تفسير : [ ص: 71] إلى آخره استئنافاً ابتدائياً. وعلى هذا فضمير {يختصمون} عائد إلى أهل النار من قوله: {أية : تخاصُمُ أهلِ النارِ}تفسير : [ص: 64] إذ لا تخاصم بين أهل الملأ الأعلى. والمعنى: ما كان لي من علم بعالَم الغيب وما يجري فيه من الإِخبار بما سيكون إذ يَختصم أهل النار في النار يوم القيامة. وعلى كلا التفسيرين فمعنى {أنتُم عنهُ مُعْرِضُونَ}، أنهم غافلون عن العلم به فقد أُعلموا بالنبأ بمعناه الأول وسيَعلَمون قريباً بالنبأ بمعناه الثاني. وجيء بالجملة الاسمية في قوله: {أنتُم عنه معرِضُونَ} لإِفادة إثبات إعراضهم وتمكنه منهم، فأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الأول فظاهر تمكنُه من نفوسهم لأنه طالما أنذرهم بعذاب الآخِرة ووصفه فلم يكترثوا بذلك ولا ارْعَوَوْا عن كفرهم. وأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الثاني، فتأويلُ تمكنه من نفوسهم عدم استعدادهم للاعتبار بمغزاهُ من تحقق أن ما هم فيه هو وسوسة من الشيطان قصداً للشَّرّ بهم. ولعل هذه الآية من هذه السورة هي أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر قِصة خلق آدم وسجود الملائكة وإباء إبليس من السجود، فإن هذه السورة في ترتيب نزول سور القرآن لا يُوجد ذكر قصة آدم في سورة نزلت قبلَها. فذلك وجهُ التوطئة للقصة بأساليب العناية والاهتمام مما خلا غيرُها عن مثله وبأنها نبأ كانوا معرضين عنه. وأيًّا مَّا كان فقوله: {أنتُم عنْهُ مُعرِضُونَ} توبيخ لهم وتحميق. وجملة {ما كَانَ لي من علمٍ بالملأ الأعلىٰ إذ يختصمونَ} اعتراض إبلاغ في التوبيخ على الإِعراض عن النبأ العظيم، وحجة على تحقق النبأ بسبب أنه موحىً به من الله وليس للرسول صلى الله عليه وسلم سبيل إلى عمله لولا وحي الله إليه به. وذكر فعل {كان} دال على أن المنفي علمه بذلك فيما مضى من الزمن قبل أن يوحى إليه بذلك كما قال تعالى: {أية : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون}تفسير : [آل عمران: 44] وقوله: {أية : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين}تفسير : [القصص: 44]. والباء في قوله: {بالمَلأ الأعلىٰ} على كلا المعنيين للنبأ، لتعدية {عِلم} لتضمينه معنى الإِحاطة، وهو استعمال شائع في تعدية العلم. ومنه ما في حديث سؤال الملكين في «الصحيح» "فيقال له: ما علمك بهذا الرجل". ويجوز على المعنى الثاني في النبأ أن تكون الباء ظرفية، أي ما كان لي علم كائن في الملأ الأعلى، أي ما كنت حاضراً في الملأ الأعلى فهي كالباء في قوله: { أية : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر}تفسير : [القصص: 44]. والملأُ: الجماعة ذات الشأن، ووصفه بــــ {الأعْلَىٰ} لأن المراد ملأُ السماوات وهم الملائكة ولهم علوّ حقيقي وعلوّ مجازيّ بمعنى الشرف. و {إذْ يَخْتَصِمُونَ} ظرف متعلق بفعل {ما كانَ لي من عِلم} أي حين يختصم أهل الملأ الأعلى على أحد التأويلين، أي في حين تنازع الملائكة وإبليس في السماء. والتعبير بالمضارع في موضع المضيّ لقصد استحضار الحالة، أو حين يختصم الطاغون وأتباعهم في النار بين يدي الملأ الأعلى، أي ملائكة النار أو ملائكة المحشر، والمضارع على أصله من الاستقبال. والاختصام: افتعال من خَصمَه، إذا نازعه وخالفه فهو مبالغة في خَصَم. وجملة {إن يُوحىٰ إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} مبيّنة لجملة {ما كانَ لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون}، أي ما علمتُ بذلك النبأ إلا بوحي من الله وإنما أوحَى الله إليّ ذلك لأكون نذيراً مبيناً. وقد رُكّبت هذه الجملة من طريقين للقصر: أحدهما طريق النفي والاستثناء، والآخر طريق {أَنما} المفتوحة الهمزة وهي أخت (إنما) المكسورة الهمزة في معانيها التي منها إفادة الحصر، ولا التفات إلى قول من نفوا إفادتها الحصر فإنها مركبة من (أنّ) المفتوحة الهمزة و (ما) الكافّة وليست (أنّ) المفتوحة الهمزة إلا (إِن) المكسورة تُغَيَّر كسرة همزتها إلى فتحة لتفيد معنىً مصدرياً مشرباً بــــ (أَنْ) المصدرية إشراباً بديعاً جعل شعاره فتح همزتها لتشابه (أَنْ) المصدرية في فتح الهمزة وتشابه (أَنَّ) في تشديد النون، وهذا من دقيق الوضع في اللغة العربية. وتكون {أَنما} مفتوحةَ الهمزة إذا جعلت معمولة لعامل في الكلام. والذي يقتضيه مقام الكلام هنا أن فتح همزة {أَنما} لأجل لام تعليل مقدرة مجرور بها {أنما}. والتقدير: إلاّ لأَنما أنا نذير، أي إلا لعلّة الإِنذار، أي ما أوحي إلي نبأ الملأ الأعلى إلا لأنذركم به، أي ليس لمجرد القصص. فالاستثناء من علل، وقد نُزِّل فعل {يُوحَىٰ} منزلة اللازم، أي ما يوحى إلي وحيٌ فلا يقدّر له مفعول لقلة جدواه وإيثار جدوى تعليل الوحي. وبهذا التقدير تكمل المناسبة بين موقع هذه الجملة وموقع جملة {ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون} المبيّنة بها جملةُ {قُل هُوَ نبؤا عظيم أنتم عنه مُعرضون}، إذ لا مناسبة لو جعل {أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} مستثنى من نائب فاعل الوحي بأن يقدر: إن يوحى إليّ شيء إلا أنما أنا نذير مبين، أي ما يوحى إليّ شيء إلا كوني نذيراً، وإن كان ذلك التقدير قد يسبق إلى الوهم لكنه بالتأمل يتّضح رجحان تقدير العلة عليه. فأفادت جملة {إن يُوحىٰ إليَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} حصر حكمة ما يأتيه من الوحي في حصول الإِنذار وحصر صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة النذارة، ويستلزم هذان الحصران حصراً ثالثاً، وهو أن إخبار القرآن وحي من الله وليست أساطير الأولين كما زعموا. فحصل في هذه الجملة ثلاثة حصور: اثنان منها بصريح اللفظ، والثالث بكناية الكلام، وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى: {أية : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك}تفسير : [القصص: 46]. وهذه الحصور: اثنان منها إضافيان، وهما قصر ما يوحى إليه على علة النذارة وقصر الرسول صلى الله عليه وسلم على صفة النذارة، وكلاهما قلب لاعتقادهم أنهم يسمعون القرآن ليتخذوه لعباً واعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ساحر أو مجنون. وعلم من هذا أن ذكر نبأ خلق آدم قصد به الإِنذار من كيد الشيطان. وقرأ أبو جعفر {إلاَّ إنَّما} بكسر همزة {إنما} على تقدير القول، أي ما يوحى إلا هذا الكلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {نَبَأٌ} (67) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، وَمَا يُعْرِضُونَ عَنْهُ هُوَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِمَا يَظُنُّونَ، وَإِنَّ وَرَاءَهُ مَا وَرَاءَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى (نَبأ) هو الخبر الهام الذي وراءه حقائق لا يُكذِّبها الواقع. وقال في سورة (النبأ): {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1-2] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها. وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة. وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها. لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد {هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67-68]. وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره. وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 34-35]. هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة {أية : هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} تفسير : [التوبة: 35]. إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ. ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} تفسير : [البقرة: 30] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26-27]. إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل. ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [ص: 70] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب. والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف. كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى. فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق. وقال هنا أيضاً {نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [ص: 70] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم {أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [ص: 70].