Verse. 4039 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍؚبِالْمَلَاِ الْاَعْلٰۗي اِذْ يَخْتَصِمُوْنَ۝۶۹
Ma kana liya min AAilmin bialmalai alaAAla ith yakhtasimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما كان ليَ من علم بالملإ الأعلى» أي الملائكة «إذ يختصمون» في شأن آدم حين قال الله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) الخ.

69

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ }أي الملائكة {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأن آدم حين قال الله تعالى: { أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }تفسير : [30:2].

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْمَلإِ الأَعْلَى} الملائكة {يَخْتَصِمُونَ} قولهم {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 30] "ع"، أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم سألني ربي فقال يا محمد "حديث : فيم يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات والتعقيب في المساجد انتظار الصلوات قال وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ".

ابن عادل

تفسير : قوله: "إِذْ يَخْتَصِمُونَ" فيه وجهان: أحدهما: هو منصوب بالمصدر أيضاً. والثاني: بمضاف مقدر أي بكَلاَم الملأ الأعلى إذْ؛ قال الزمخشري، والضمير في "يَخْتَصِمُونَ" للملأ الأعلى هذا هو الظاهر، وقيل: لقُرَيْش أي يختصمون في الملأ الأعلى فبعضهم يقول: بنات الله، وبعضهم يقول غير ذلك فالتقدير إذْ يختصمون فيهم؛ (يعني) في شأنِ آدم، قال الله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة:30]. فإن قيل: الملائكة لا يجوز أن يقال: إنهم اختصموا بسبب قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، والمخاصمة مع الله كفر. فالجواب: لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ولما أمر الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول: {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} يعني أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحي. قوله: {إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ} العامة على فتح همزة "أنَّما" وفيها وجهان: أحدهما: أنها مع ما في خبرها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل أي ما يوحى إلَيَّ (إلا) الإنذار أو إلا كوني نذيراً مبيناً. والثاني: أنها في محل نصب أو جر بعْدَ إسقاط لام العلة والقائمة مقام الفاعل على هذا الجار والمجرور أيْ ما يوحى إليّ إلاّ للإنذار، أو لكوني نذيراً، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل على هذا ضميراً يدل عليه السياق أي ما يوحى إليّ ذَلِكَ الشيءُ إلا للإنذار. وقرأ أبو جعفر بالكسر؛ لأن الوحي قول، قاله البغوي. وهي القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية كأنه قيل: ما يُوحَى إلَيَّ إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخْبار، وقال الزمخشري: (على) الحكاية أي إلا هذا القول وهو أنْ أقولَ لكم إِنَّمَا أَنَا نذيرٌ مبينٌ ولا أَدَّعِي شيئاً آخَرَ. قال أبو حيان: وفي تخريجه تعارض لأنه قال إلا هذا فظاهره الجملة التي هي "إنِما أنَا نذيرٌ مبين" ثم قال: وهو أن أقول لكم إني نذير، فالقائم مقام الفاعل هو أن أقوال لكم وإنِّي وما بعده في موضع نصب. وعلى قوله: "إلاّ هذا القول" يكون في موضع رفع فتَعَارَضَا. قال شهاب الدين: ولا تعارض البتة لأنه تفسير معنى في التقدير الثاني وفي الأول تفسير إعراب فلا تعارض. قوله: "إِذْ قَالَ" يجوز أن يكون بدلاً من "إذْ" الأولى وأن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً. قال الأول الزمخشري وأطلق، (و) أبو البقاء الثاني وأطلق. وفصل أبو حيان فقال بدل من "إِذْ يَخْتَصِمُونَ" هذا إذا كانت الخصومة في شأن مَنْ يستخلف في الأرض وعلى غيره من الأقوال يكون منصوباً "باذْكُرْ" انتهى. قال شهاب الدين: وتِلْكَ الأقوال أن التَّخَاصُمَ إما بين الملأ الأعلى أو بين قريش وفي ما (إ) ذا كان المخاصمة خلاف. قوله: "مِنْ طِينٍ" يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة "لِبَشَراً" وأن يتعلق بنفس "خَالِق". فصل اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحَسَد والكِبْر؛ لأن إبليس وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر والكفار إنما نازعُوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - بسبب الحَسَد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ليصير سماعُها زاجراً لهم عن هاتين الخَصْلَتَيْن المذمومتين، والمراد بالبشر ههنا: آدم - عليه (الصلاة و) السلام -. قوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أتممت خلقه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} فأضاف الروح إلى نفسه وذلك يدل على أنه جوهر شريف علويّ قدسيّ، والفاء في قوله: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} يدل على أنه كما تم (نفخ) الروح في الجَسَد توجه أمر الله عليهم بالسجود. وقد تقدم الكلام في الملائكة المأمورين بالسجود (و) هل هم ملائكة الأرض أو يدخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل والروح الأعظم المذكور في قوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} تفسير : [النبأ:38]. وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم هم القوى النَّباتيّة والحيوانية والحسيّة والحركيّة فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة، وإبليس الذي لم يسجد هو القوى الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل. قوله: "كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ" تأكِيدان. وقال الزمخشري "كل" للإحَاطَةِ و "أجْمَعُونَ" للاجْتماع، فأفادا معاً أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد وأنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرّقين. وقد تقدم الكلام معه في ذلك في سورة الحِجرِ. قوله: "أَن تَسْجُدَ" قد يستدل به من يرى أن "لا" في "أنْ لا تَسْجُدَ" في السورة الأخرى زائدة، حيث سقطت هنا والقصة واحدة. وقوله: "لِمَا خَلَقْتُ" قد يستدل به من يرى جواز وقوع "ما" على العاقل؛ لأن المراد به آدم، وقيل: لا دليل فيه لأنه كان فَخَّاراً غير جسم حسَّاسٍ فأشير إليه في تلك الحالة. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا الخطاب إنما كان بعد نَفْخ الرُّوح فيه لقوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} فلما امتنع من السجود قال: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}. وقيل: ما مصدرية والمصدر غير مراد فيكون واقعاً موقع المفعول به أي لمخْلُوقي. وقرأ الجَحْدريّ "لَمَّا" بتشديد الميم وفتح اللام وهي "لَمَّا" الظرفية عند الفارسيِّ، وحرف وجوب لوجوب عند سيبَويْهِ. والمسجود له على هذا غير مذكور؛ أي ما منعك من السجود لَمَّا خلقتُ أي حين خلقتُ لمن أمرتك بالسجود له. قرىء: "بِيَدَيِّ" بكسر الياء كقراءة حمزة: {بِمُصْرِخِيِّ} [إبراهيم:22]، وتقدم ما فيها وقرى: بِيَدِي بالإِفراد. قوله: "أَسْتَكْبَرْتَ" قرأ العامة بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ وإنكار، و"أم" متصلة هنا، وهذا قول جمهور النَّحْويِّينَ ونقله ابنُ عطيةَ عن بعض النحويين أنها لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين وإنما تكون معادلة إذا دخلتا على فعل واحد كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو، وأزيدٌ قَامَ أمْ عمرٌو، وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست معادلةً. وهذا الذي حكاه عن بعض النحاة مذهب فاسد بل جمهور النحاة على خلافه. قال سيبويه: وتقول: أَضَرَبْتَ زيداً أمْ قَتَلْتَهُ، فالبداءَةُ هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحَدِهما لا تدري أيُّهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أيّ ذلك كان. انتهى، فعادل بها الألف مع اختلاف الفعلين، وقرأ جماعة منهم ابنُ كَثيرٍ - وليست مشهورةً عنه - اسْتكْبَرْتَ بألف الوصل؛ فاحتملت وجهين: أحدهما: أن يكون الاستفهام مراداً يدل عليه "أم" كقوله: شعر : 4282-................. بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمانِ تفسير : وقوله: شعر : 4283- تَرَوَّحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ ................. تفسير : فتتفق القراءتان في المعنى، واحتمل أن يكون خبراً محضاً، وعلى هذا "فأم" منقطعة لعدم شرطها. فصل المعنى استكبرت الآن أم كنت من المتكبرين أبداً أي من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم فأجاب إبليس بقوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فبين كونه خيراً منه بأن أصله من النار، وأصل آدم من الطين، والنار أشرف من الطين، والدليل على أن النَّارَ أفضلُ من الطين أن الأجرام الفَلَكِيَّة أفضلُ من الأجرام العُنْصُريَّة، والنار أقرب العناصر من الفَلَك والأرض أبعدها عنه، فوجب كونُ النار أفضلَ من الأرض وأيضاً فالنار خليفة الشمس والقمر في إضاءة العالم عند غيبتهما، والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض وأيضاً فالكيفية الفاعلة الأصلية إما الحرارة أو البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحَرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت، وأيضاً فالنار لطيفة، والأرض كثيفة، واللطافة أشرف من الكثافة وأيضاً فالنار مشرقة والأرض مظلمة، والنور خير من الظلمة، وأيضاً فالنار خفيفة تشبه الروح، والأرض كثيفة تشبه الجسد، والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض، وذهب آخرون إلى تفضيل الأرض على النار، وقالوا: إن الأرض أمينٌ مُصلح فإذا أوْدَعْتَهُ حبَّةً ردَّها إليك شجرةً مثمرةً، والنار خائنٌ مفسد كُلَّ ما سلمته إليه وأيضاً فالنار بمنزلة الخادم لِمَا في الأرض إن احتيج إليها استُدْعِيَتْ استدعَاء الخادم وإن استغني عنها طردت وأيضاً والأرض مستولية على النار فإنها تطفىء النار وأيضا فإن استدلال إبليس بكون أصله خيراً من أصله فهو استدلال فاسد لأن أصل الرماد وأصل البساتين المزهرة والأشجار المثمرة هو الطين، ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد وأيضاً (هب) أن اعتبار هذه الجهة يوجب الفَضيلة إلا ان هذا يمكن أن يعارَض بجهةٍ أخرى فوجب الرُّجْحَانُ مثل إنسان نَسِيب عارٍ عن كل الفضائل فإنّ نَسَبَهُ يوجب رُجْحَانَهُ إلا أن من لا يكون نسيباً قد يكونُ كثيرَ العلم والزهد فيكون أفضل من النّسيب بدرجات لا حدّ لها فكذبت مقدمة إبليس. فإن قيل: هب أن إبليس أخطأ في هذا القياس لكنه كيف لزمه الكفر في تلك المخالفة؟ وتقرير هذا السؤال من وجوه: الأول: أن قوله: "اسْجُدُوا" أمرٌ والأمر لا يقتضي الوجوب بل النَّدْبَ، ومخالفة الندب لا تقضي العصْيَانَ فضلاً عن الكفر، (وأيضاً فالذين يقولون: إن الأمر للوجوب فهم لا ينكرون كونه محتملاً للندب احتمالاً ظاهراً ومع قيام الاحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلاً عن الكفر؟!). الثاني: هب أنها للوجوب إلاّ أنَّ إبليس ما كان من الملائكة فالأمر (بالسجود) لآدم لا يدخل فيه إبليس. الثالث: هب أنه تناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فجاز أن يخصص نفسه من عموم ذلك الأمر بالقياس. الرابع: هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان مأموراً به إلا أن هذا القدر يوجب العِصْيَانَ ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر؟!. فالجواب: هب أن صيغة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها من القرائن ما يدل على الوجوب وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}، فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد ودل ذلك على أنه إنما ذكر القياس ليتوسل به إلى القَدْح في أمر الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر. وإذا عرفتَ هذا فنقول: إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى: {ٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} وقد ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معلَّلاً بذلك الوصف، وههنا الحكم بكونه رجيماً ورد عقيبَ ما حكى عنه أنه خصص النص بالقياس فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا الحكم. قوله: "مِنْهَا" أي من الجنة أو من الخِلْقَة لأنه كان حَسَناً فرَجَعَ قبيحاً؛ وكان نُورَانِيًّا فعاد مُظْلِماً. وقيل: من السَّمَوَاتِ. وقال هنا لَعْنَتِي وفي غيرها اللَّعنة، وهما وإن كانا في اللفظ عامًّا وخاصًّا إلا أنهما من حيث المعنى عامَّان بطريق اللازم لأن من كانت عليه لعنة الله كانت عليه لعنة كل أحدٍ لا مَحَالَةَ، وقال تعالى: {أية : أُوْلَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [البقرة:161] وباقي الجملة تقدم نظيرُها. قوله: "الرَّجِيم" المرجوم والرَّجم ههنا عبارة عن الطَّرْد؛ لأن الظاهر أن من طُرِدَ فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد. فإن قيل: الطرد هو اللَّعن، فلو حملنا قوله: "رَجيمٌ" (على الطرد) لكان قوله بعد ذلك: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ} تَكْرَاراً. فالجواب: من وجهين: الأول: أنّا نحمل الرجم على الطرد من الجنة ومن السموات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله. الثاني: أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله: {عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} على أنه الطرد إلى يوم القيامة فيكون على هذا فيه فائدة زائدة ولا يكون تكراراً، وقيل: المراد بالرجم كون الشياطِين مرجومين بالشهب. فإن قيل: كلمة "إلى" لانتهاء الغاية فقوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين وأجاب الزمخشري بأن اللعنةَ باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة حصل مع اللعنة أنواع من العذاب فتصير اللعنة مع حصرها منفية واعمل أنَّ إِبليس لما صار مغلوباً قال: {فَأَنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، قيل: إنما طلب الإنظار إلى يوم القيامة لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أُنظر إلى يوم البعث لم يَمُت قبل يوم البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت فقال تعالى: {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} أي إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه فقال إبليس: "فَبِعِزَّتِكَ" وهو قسم بعزة الله وسلطانه {لأُغْوِيَنَّهُم أَجْمَعِينَ} فههنا أضاف الإغواء إلى نفسه على مذهب القَدَرِيَّة، وقال مرة أخرى: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي فأضاف الإغواء إلى الله على ما هو مذهبُ الجَبْرية. ثم قال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} قيل: إِن غرض إبلس من هذا الاستثناء أن لا يقع في كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء او أدعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله المخلصين وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكفُ منه إبليس فكيف يليق بالمسلم (الإقدام عليه)؟ وهذا يدل على أن إبليس لا يُغْوِي عباد الله المخلصين، وقد قال الله تعالى في صفة يُوسُفَ عليه (الصلاة و) السلام -: {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [يوسف: 24] فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسفَ عليه السلام فدل على كذب المَانَوِيَّة فيما نسبوه إلى يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - من القبائح. قوله: {فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ} قرأهما العامة منصوبيين، وفي نصب الأول أوجه: أحدها: أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب كقوله: شعر : 4284- فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ تفسير : وقوله: لأَمْلأَن (جَهَنَّمَ) جواب القسم، قال أبو البقاء: إِلاَّ أَنَّ سِيبَوَيْهِ يدفعه لأنه لا يجوز حذف حرف القسم إِلاَّ مع اسم الله ويكون قوله: "وَالحَقّ أَقُولُ" معترضاً بين القسم وجوابه قال الزمخشري: كأنه قيل: ولا أقولُ إلاَّ الحَقَّ يعني أن تقديم المفعول أفاد الحصر. والمراد بالحق إما الباري تعالى كقوله: {أية : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [النور: 25] وإمّا نقيض الباطل. والثاني: أنه منصوب على الإغراء أي الزَمُوا الحَقَّ. والثالث: أنه مصدر مؤكد لمضْمُونِ قَوْلِهِ: "لأَمْلأَنَّ"، قال الفَّرَاء: هو على معنى قولك: حَقًّا لآتَينَّكَ، ووجود الألف واللام وطرحهما سواء (أي لأملأن جهنم حقاً) انتهى. وهذا لا يتمشّى مع قول البصريين، فإن شرط نصب المصدر المؤكد لمضمون الجملة أن يكون بعد جملة ابتدائية جزءاها معرفتان جَامِدان. وجوز ابن العِلْجِ أن يكون الخبر نكرة، وأيضاً فإن المصدر المؤكد لا يجوز تقديمه على الجملة المؤكد هو لمضمونها؛ وهذا قد تقدم. وأما الثاني فمنصوب "بأَقُولُ" بعده، والجملة معترضة كما تقدم، وجوز الزمخشري أن يكون منصوباً على التكرير بمعنى (أنَّ) الأولَ والثانيَ كليهما منصوبان بأقُولُ وسيأتي إيضاح ذلِك في عبارته وقرأ عاصمٌ وحمزة برفع الأول ونصب الثاني، فرفع الأول من أوجه: أحدهما: أنه مبتدأ وخبره مضمر تقديره فالحق مِنِّي أو فالحَقُّ أَنَا. والثاني: أنه مبتدأ خيره "لأَمْلأَنَّ"، قاله ابن عطية، قال: لأن المعنى إني أمْلأُ. قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأن "لأَمْلأَنَّ" جوابُ قسم ويجب أن يكون جملة فلا تَتَقَدَّرُ بمفرد، وأيضاً ليس مصدراً مقدراً بحرف مصدريّ والفعل حتى ينحل إليهما وَلِكنَّهُ لما صحَّ إِسناد ما قدر إلى المبتدأ حكم أنَّه خبرٌ عنه. قال شهاب الدين: وتأويل ابن عطية صحيحٌ من حيث المعنى لا من حيثُ الصناعةُ. الثالث: أنه مبتدأ خبره مضمر تقديره فالحَقُّ قَسَمِي و "لأَمْلأَنَّ" جواب القسم، كقوله: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الحجر: 72] ولكن حذف الخبر هنا ليس بواجب لأنه ليس نصاً في اليمين، بخلاف "لعمرك" ومثله قول امرىء القيس: شعر : 4285- فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي تفسير : وأما نصب الثاني فبالفعل بعده، أي وأنا أقولُ الحقَّ وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ ومجاهدٌ والأعمشُ برفعهما، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني بالابتداء وخبره الجملة بعده، والعائدُ محذوفٌ كقوله تعالى في قراءة ابن عارم: {وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى} وقوله أبي النَّحْمِ: شعر : 4286- قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ تفسير : ويجوز أن يرتفع على التكرير عند الزمخشري وسيأتي، وقرأ الحسن وعيسى بجرِّهما وتخريجهما على أن الأول مجرور بواو القسم مقدرة أي فَوَالحَقِّ و"الحَقّ" عطف عليه كقولك: "وَاللَّهِ وَاللَّهِ لأَقُومَنّ"، و"أَقُولُ" اعتراضٌ بين القسم وجوابه ويجوز أن يكون مجرواً على الحكاية وهو منصوب المحلّ "بأقولُ" بعده، قال الزمخشريّ: ومجرورين - أي وَقُرِئَا مَجْرُورَيْنِ - على أن الأول مقسم به قد أضمِر حرف قسمه كقولك: "(و) اللَّهِ لأَفْعَلَنّ والحَقِّ أقولُ" أي ولا أقولُ إلاّ الحقَّ على حكاية لفظ المقسم به ومعناه التوكيد والتشديد، وهذا الوجه جائز في المرفوع والمنصوب أيضاً وهو وجهٌ دقيقٌ حسنٌ. انتهى. يعني أنه أعمل القول في قوله: "وَالحَقّ" على سبيل الحكاية فيكون منصوباً بأقول سواء نُصب أو رُفِعَ أو جر كأنه قيل: وأقول هذا اللفظ المتقدم مقيداً بما لفظ به أولاً. فصل معنى لأملأن جهنم منك أي من جنْسِكَ وهم الشياطين وممَّن تبعك منهم من ذرية آدم. قوله: "أَجْمَعِينَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه توكيد للضمير في "منك" ولمن عطف عليه في قوله "وممَّنْ تَبِعَكَ" والمعنى لأملأن جهنم من (المَتْبُوعينَ والتابعين لا أترك منهم أحداً، وجيء بأجمعين دون كل، وقد تقدم أن الأكثر خلافُهُ وجوز الزمخشري أن يكون تأكيداً للضمير في "مِنْهُمْ" خاصة، فقدر: لأملأن جهنَّم من) الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في ذلك بين ناسٍ وناسٍ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما كان لى} قرأ حفص عن عاصم بفتح الياء والباقون باسكانها اى ما كان لى فيما سبق {من علم} اى علم ما بوجه من الوجوه على ما يفيده حرف الاستغراق {بالملأ الاعلى} اي بحال الملأ الاعلى وهم الملائكة وآدم عليهم السلام وابليس عليه اللعنة سموا بالملأ الاعلى لانهم كانوا فى السماء وقت التقاول قال الراغب الملأ الجماعة يجتمعون على رأى فيملأون العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء {اذ يختصمون} اى بحالهم وقت اختصامهم ورجوع بعضهم الى بعض فى الكلام فى شأن آدم فان اخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم من قولهم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : حين قال الله لهم {أية : انى جاعل فى الارض خليفة} تفسير : على ما ورد فى الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصور الا بالوحى اى فلو لم يكن لى نبوة ما اخبرتكم عن اختصامهم واذ متعلق بالحال المحذوف الذى يقتضيه المقام اذ المراد نفى علمه بحالهم لا بذواتهم والحال يشمل الاقوال الجارية فيما بينهم والافعال ايضا من سجود الملائكة واستكبار ابليس وكفره

الجنابذي

تفسير : {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ} مقول قوله (ص) يعنى قل لهم ما كان لى علم ان سألوك عن الملأ الاعلى او نبّههم على انّ الملأ الاعلى الّذين لا التفات لهم الى الارض واهلها يختصمون فى هذا النّبأ لسبب العلم باختصامهم عن نفسك وقل: ما كان لى من علم قليل {بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فى هذا النّبأ العظيم لعظم اختصامهم وعظم المختصم فيه كأنّه لا يمكن للبشر العلم باختصامهم مع انّى قد اطّلعت على مقامهم وكلامهم.

اطفيش

تفسير : {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْملإِ الأَعْلَى} أي بالجماعة الأعلى شأناً ومكاناً وهم الملائكة* {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} بقولهم لله في شأن آدم {أية : أتجعل فيها من يفسد}تفسير : ... الخ ووجه احتجاجه أنه أخبرهم بأمر لم يعلمه ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلك الناس في علم ما لم يعلموا وهو الأخذ على الافواه أو الكتب فما حصل له ذلك الا بالوحي وقيل: (الملأ الأعلى) الملائكة وآدم وحواء وابليس لانهم كانوا في السماء وان قلت لِمَ يختصم الملائكة فيما بينهم؟ قلت نعم بل قالوا: الله وقال لهم الله فكان اختصامهم معه ولان قول الله بواسطة ملك لا يخلق كلام يسمعونه في الهواء ولا كما يكون في الوجه الأول الذي أجبت به فذلك الملك من جماعة الملأ الأعلى وعلو ابليس علو مكانة فقط مقالته مقالة الاغواء وطلب الأنظار الى يوم يبعثون ونحو ذلك وقول آدم وحواء {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : .. الخ ونحوه وما قالا لابليس وشبه التقاول بالاختصام بجامع ان كلا يقول للآخر (وإذ) متعلقة بمضاف محذوف أي من علم بالملأ الأعلى؛ وقيل: اختصم الملائكة في الكفارات وغفر الذنوب ونحو ذلك فالاختصام كان بينهم اذا فعل العبد حسنة اختلفوا في قدر ثوابه حتى يقضي الله ويقول ملك اليمين لا تكتب السيئة حتى تمضي سبع ساعات وذكر قومنا هنا حديثاً زعم بعضهم أنه رواه معاذ وبعض انه رواه مالك وبعض عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني ربي في أحسن صورة قالوا: (يعنى في المنام) فقال: يا محمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى قلت: لا قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو قال في نحري فعلمت ما في السموات وما في الارض قال: يا محمد هل تدري فيما يختصمون قلت نعم في الكفارات، والكفارات المكث في المساجد بعد الصلاة والمشي على الاقدام الى الجماعات واسباغ الوضوء على المكره ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال يا محمد اذا صليت فقل: (اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين واذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني اليك غير مفتون قال: والدرجات افشاء السلام واطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام)" تفسير : وفي رواية "حديث : قلت لبيك وسعديك في المرتين وفيهما وعلم ما في المشرق والمغرب" تفسير : وفي رواية حديث : لما قال النبي لا أعلم قال الله: اختصموا في الكفارات والدرجات فأما الكفارات فاسباغ الوضوء في الغدوات الباردة ومشي الاقدام الى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة وذكر الدرجات كما مر تفسير : وفي هذه الرواية بعد قوله (حب المساكين) حديث : أن تغفر لي وترحمنى وبعد قوله (غير مفتون) وأسألك حبك وحب من يحبك وعملاً يقربني الى حبك وقالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان هذه الرؤية حق فارسموها وتعلموها وادرسوها. " تفسير : قلت: مذهبنا نحن الاباضية أنه تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ولا في اليقظة ولا في المنام والحديث من موضوعات الكاذبين كيف يريه الله نفسه وهو نهانا عن التشبيه منزه عنه وعن المخبأ والصورة وهو لا تدركه الابصار ولو رآه كان في رؤيته تشبيه بالخلق فى ادراكه واحاطة الجهات وكذا يلزم من المخبأ احاطة الجهات به وخلو الاماكن عنه وان صح الحديث قدر مضاف أي أتاني رسول ربى وهو ملك والملك يجوز وصفه بالصورة دون الله لان التصوير التركيب والله هو المصور لغيره ففي أحسن صورة متعلق أتاني أو بمحذوف حال من الرسول محذوف ويجوز تعليقه بمحذوف حال من ياء أتاني أي حال كوني في أحسن صورة زاده الله جمالاً وحسناً وقت مجئ الرسول وتغير لشدة الوحى وان جعل في أحسن صورة بمعنى أحسن صفة من الانعام عليه فجايز ويمتنع وصفه بالمخبأ وأما يده فالضمير للرسول المحذوف والملك يوصف باليد والفم والأنف ونحوهما مما لا بشاعة فيه لكنها من نور وتعالى الله عنها وعن المس نعم يوصف باليد بمعنى النعمة والرحمة كما يوصف بها بمعنى القوة ولا يوصف بالبرد والحر هذا واختصام الملأ في أي الكفارات والدرجات فضل وسميت كفارات لانها تكفر الذنوب وهي سبب التكفير والمكفر حقيقة هو الله ويلزم من فعلها التكفير

اطفيش

تفسير : {ما كَانَ لي مِنْ عِلْمٍ بالملأ الأعْلى} الملائكة {إذ يخْتَصمُون} متعلق بقوله: " لى " أو بعلم على التوسع فى الزمان، والمضارع لاستحضار الحالة الماضية، ويجوز أن يكون إذ بدل اشتمال من الملأ، فتكون خارجة الى الجر بالحرف، وضمير يختصمون للملائكة، وهم الملأ الأعلى، وزعم بعض أنه لقريش على طريق الالتفات من الخطاب فى " أية : أنتم عنه معرضون" تفسير : الى الغيبة، وأن اختصاصهم فى رسالته، والقرآن والبعث، وذلك بعيد، والصواب أنه للملآ الأعلى، وهم الملائكة، فيكون الاخبار باختصام الملائكة، وفيما يختصمون فيه معجزة عظيمة إذ لا يقرأ مكتوبا، ولا يكتب، ولا ينظر فى الكتب، ولا يستمع من أهل الكتاب. وقيل: الاختصام يوم القيامة، وعليه ابن عباس والحسن، كقوله تعالى: " أية : عم يتساءلون * عن النبأ العظيم " تفسير : [النبأ: 1 - 2] وقيل: المراد أخبار الأنبياء، وقيل المراد تخاصم أهل النار، والملأ الأعلى الأشراف يملئون العيون عظماؤهم الملائكة، وآدم، ومن قال هما وابليس فالعلو حسى إذا اختصموا فى السماء.

الالوسي

تفسير : الخ حيث تضمن ذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة معرفة به ولا مباشرة سبب من أسبابها المعتادة كالنظر في الكتب الإلهية والسماع من الكتابين وهو حجة بينة دالة على أنه بطريق الوحي من عند الله تعالى وأن سائر أنبائه أيضاً كذلك. وهو على ما قلنا تذكير لإثبات النبوة بذكر مختصر منه تمهيداً لإرشاد الطريق وتذكيراً للباقي وتسلقاً منه إلى استماع ما ذكره لطف للمدعوين وتنويه للداعي، وعدم التعرض لنحو ذلك في أمر التوحيد لظهور أدلته مع كونه ذكر شيء منها غضاً طرياً وهو ما أشارت إليه الصفات المذكورة آنفاً، فلا يقال: إن التعرض لإثبات النبوة دون التوحيد دليل على/ أن المقصود بالإفادة هو النبوة وأن الثاني جيء به تتميماً لذلك. وأنت تعلم أن النبوة وكون القرآن وحياً من عند الله تعالى متلازمان متى ثبت أحدهما ثبت الآخر، لكن يرجح جعل الآية في النبوة وإثباتها القرب وتصدير هذه الآية بنحو من صدرت به الآية المتضمنة دعوى النبوة قبلها من قوله تعالى: {أية : قُلْ }تفسير : [ص: 67] فإن سلم لك هذا المرجح فذاك وإلا فلا تعدل عما روي عن ابن عباس ومن معه، وعن الحسن أن ذلك يوم القيامة كما في قوله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ }تفسير : [النبأ: 1ـ2] وقيل: ما تقدم من أنباء الأنبياء عليهم السلام، وقيل تخاصم أهل النار، وعدي العلم بالباء نظراً إلى معنى الإحاطة، والملأ الجماعة الأشراف لأنهم يملؤن العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء وهو اسم جمع ولذا وصف بالمفرد أعني {ٱلاْعْلَىٰ} والمراد به عند ملأ الملائكة وآدم عليهم السلام وإبليس عليه اللعنة وكانوا في السماء فالعلو حسي وكان التقاول بينهم على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وإذ متعلقة بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير ما كان لي فيما سبق علم ما بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم، وهو أولى من تقدير الكلام كما ذهب إليه الجمهور أي ما كان لي علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم لأن علمه صلى الله عليه وسلم غير مقصور على ما جرى بينهم من الأقوال فقط بل عام لها وللأفعال أيضاً من سجود الملائكة عليهم السلام وإباء إبليس واستكباره حسبما ينطق به الوحي فالأولى اعتبار العموم في نفيه أيضاً. وقيل: إذ بدل اشتمال من {ٱلْمَلاَ } أو ظرف لعلم وفيه بحث والاختصام فيما يشير إليه سبحانه بقوله عز وجل: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ }تفسير : [البقرة: 30] الخ، والتعبير بيختصمون المضارع لأنه أمر غريب فأتى به لاستحضاره حكاية للحال، وضمير الجمع للملأ. وحكى أبو حيان كونه لقريش وابتعده وكأن في {يَخْتَصِمُونَ } حينئذ التفاتاً من الخطاب في {أية : أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }تفسير : [ص: 68] إلى الغيبة والاختصام في شأن رسالته صلى الله عليه وسلم أو في شأن القرآن أو شأن المعاد وفيه عدول عن المأثور وارتكاب لما لا يكاد يفهم من الآية من غير داع إلى ذلك ومع هذا لا يقبله الذوق السليم، وقوله تعالى: {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ...}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 69- ما كان لى من علم بأخبار الملأ الأعلى وقت اختصامهم فى شأن آدم، لأنى لم أسلك للعلم الطريق المتعارف بين الناس من قراءة الكتب، أو التلقى عن المعلمين، وطريق علمى هو: الوحى. 70- ما يوحى إلى إلا لأننى رسول أبلِّغكم رسالة ربى بِأَبْيَن عبارة. 71- اذكر لهم حين قال ربك للملائكة: إنى خالق بشراً - وهو آدم عليه السلام - من طين. 72- فإذا أتممت خلقه ونفخت فيه سر الحياة - وهو الروح - فخِروا له ساجدين سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة. 73، 74- فامتثل الملائكة كلهم أجمعون، وخروا له ساجدين، إلا إبليس لم يسجد، وتعاظم وتكبر، وكان بهذا التكبر من الكافرين. 75- قال الله تعالى: يا إبليس، ما منعك من السجود لما خلقته بنفسى بلا واسطة؟ أتكبرت مع أنك غير كبير، أم أنت فى حقيقة نفسك من المتفوقين؟. 76- قال إبليس: أنا خير من آدم لأنك خلقتنى من نار وخلقته من طين، فكيف أسجد له.

د. أسعد حومد

تفسير : (69) - وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّهُ لَوْلاَ مَا عَلَّمَنِي رَبِّي عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ، مَا كَانَ لِي أَنْ أَعْلَمَ شَيئاً مِنْ هَذَا الذِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ المَلأِ الأَعْلَى: مِنْ أَمْرِ اللهِ لِلْمَلاَئِكَةِ بالسُّجُودِ لآِدَمَ، وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ عَنِ السُّجُودِ، وَأمَرِ اللهِ لآِدَمَ وَزَوْجِهِ وَإِبْلِيسَ بِالهُبُوطِ إِلَى الأَرْضِ. المَلأِ الأَعْلَى - المَلاَئِكَةِ. يَخْتَصِمُونَ - يَتَجَادَلُونَ فِي آدَمَ وَخَلْقِِهِ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 845 : 28 : 29 - سفين قال {هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} قال، القرآن. [الآية 67].

همام الصنعاني

تفسير : 2611- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}: [الآية: 69]، قال: اخْتَصَمُوا إذ قال ربّكَ للملائكة {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً} [الآية: 71]، للذي خلقه بيده. 2612- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني رَبِّي الليلة في أحسن صورة أحْسَبُه قال: يعني في المنام. فقال: يا محمد، هَلْ تدري فيم تختصم الملأ الأعلى؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: لاَ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فوضع يده بين كنفي فوجدت بردها بين ثديي، أو قَالَ: نحري، فعلمت ما في السماوات والأرض. ثم قا ل: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال، قلت: نعم، يختصمونَ في الكفارات. والكفارات: المكث في المساجد بعد الصَّلواتِ، والمشي على الأقْدامِ إلى الجمعة، وإسباغ الوضوء في المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصَّلاة، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أُمّه، وقال: يا محمد إذ صَلَّيْت فقل: اللهم إني أسألك الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادِك فتنة، أن تقْبضني إليك غير مفتون. الدرجات: بذل الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة والناس نِيامٌ ".