Verse. 4059 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

تَنْزِيْلُ الْكِتٰبِ مِنَ اللہِ الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ۝۱
Tanzeelu alkitabi mina Allahi alAAazeezi alhakeemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تنزيل الكتاب» القرآن مبتدأ «من الله» خبره «العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الفراء والزجاج: في رفع {تَنزِيلَ } وجهين أحدهما: أن يكون قوله: {تَنزِيلَ } مبتدأ وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } خبر والثاني: أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب، فيضمر المبتدأ كقوله: {أية : سورة أنزلناها} تفسير : [النور: 1] أي هذه سورة، قال بعضهم: الوجه الأول لوجوه الأول: أن الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا الثاني: أنا إذا قلنا: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ } جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة، وهي أن تنزيل الكتاب يكون من الله، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث: أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر، لأن هذا إشارة إلى السورة، والسورة ليست نفس التنزيل، بل السورة منزلة، فحينئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة. المسألة الثانية: القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق والجواب: أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف. المسألة الثالثة: الآيات الكثيرة تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلاً وآيات أخر تدل على كونه منزلاً. أما الأول: فقوله تعالى: {أية : وإنه لتنزيل رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 192]، وقال: {أية : تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : [فصلت: 42] وقال: {أية : حـم * تَنزِيلٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : [فصلت: 1، 2]. وأما الثاني: فقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] وقال: {أية : وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } تفسير : [الإسراء: 105] وأنت تعلم أن كونه منزلاً أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلاً، فكونه منزلاً مجاز أيضاً لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول، بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى: عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة، العلم بجميع المعلومات، والقدرة على كل الممكنات، والاستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً. إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما: أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني: أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيماً إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}. أما قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: لفظ التنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله عليه نجماً على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله عليه دفعة واحدة فكيف الجمع بينهما والجواب: إن صح الفرق بين التنزيل وبين الإنزال من الوجه الذي ذكرتم فطريق الجمع أن يقال المعنى إنا حكمنا حكماً كلياً جزماً بأن يوصل إليك هذا الكتاب، وهذا هو الإنزال، ثم أوصلناه نجماً إليك على وفق المصالح وهذا هو التنزيل. السؤال الثاني: ما المراد من قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ }؟ والجواب: فيه وجهان الأول: المراد أنزلنا الكتاب إليك ملتبساً بالحق والصدق والصواب على معنى كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف فهو حق وصدق يجب العمل به والمصير إليه الثاني: أن يكون المراد إنا أنزلنا إليك الكتاب بناء على دليل حق دل على أن الكتاب نازل من عند الله، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزاً لما عجزوا عن معارضته. ثم قال: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب أردف هنا بعض ما فيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً }، وأما براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ } لأن قوله: {أَلاَ لِلَّهِ } يفيد الحصر، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في المذكور وينتفي عن غير المذكور، واعلم أن العبادة مع الإخلاص لا تعرف حقيقة إلا إذا عرفنا أن العبادة ما هي وأن الإخلاص ما هو وأن الوجوه المنافية للإخلاص ما هي فهذه أمور ثلاثة لا بد من البحث عنها: أما العبادة: فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله. وأما الإخلاص: فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والامتثال، فإن حصل منه داع آخر فإما أن يكون جانب الداعي إلى الطاعة راجحاً على الجانب الآخر أو معادلاً له أو مرجوحاً. وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط، وأما إذا كان الداعي إلى طاعة الله راجحاً على الجانب الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أم لا، وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً ولفظ القرآن يدل على وجوب الإتيان به على سبيل الخلوص، لأن قوله: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً } صريح في أنه يجب الإتيان بالعبادة على سبيل الخلوص وتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينة: 5] وأما بيان الوجوه المنافية للإخلاص فهي الوجوه الداعية للشريك وهي أقسام أحدها: أن يكون للرياء والسمعة فيه مدخل وثانيها: أن يكون مقصودة من الإتيان بالطاعة الفوز بالجنة والخلاص من النار وثالثها: أن يأتي بها ويعتقد أن لها تأثيراً في إيجاب الثواب أو دفع العقاب ورابعها: وهو أن يخلص تلك الطاعات عن الكبائر حتى تصير مقبولة، وهذا القول إنما يعتبر على قول المعتزلة. المسألة الثانية: من الناس من قال: {فاعبد الله مخلصاً له الدين} المراد منه شهادة أن لا إله إلا الله، واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي» تفسير : وهذا قول من يقول: لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر، وأما الأكثرون فقالوا الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي، وهذا هو الأولى لأن قوله: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ } عام، وروي أن امرأة الفرزدق لما قرب وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما صلى عليها ودفنت، قال للفرزدق: يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال الحسن رضي الله عنه: هذا العمود فأين الطنب؟ فبين بهذا أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة، قال القاضي: فأما ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي الدرادء: «حديث : وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء» تفسير : فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجوراً عن الزنا والسرقة، وأن لا يكون متعدياً بفعلهما لأنه مع شدة شهوته للقبيح يعلم أنه لا يضره مع تمسكه بالشهادتين فكأن ذلك إغراء بالقبيح، والكل ينافي حكمة الله تعالى ولا يلزم أن يقال ذلك فالقول بأنه يزول ضرره بالتوبة يوجب أيضاً الإغراء بالقبيح، لأنا نقول إن من اعتقد أن ضرره يزول بالتوبة فقد اعتقد أن فعل القبيح مضرة إلا أنه يزيل ذلك الضرر بفعل التوبة بخلاف قول من يقول إن فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين. هذا تمام كلام القاضي، فيقال له: أما قولك إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] وقال: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } تفسير : [الرعد: 6] أي حال ظلمهم كما يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أي حال كونه آكلاً وشارباً، وقال: {أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53]، وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلاً، وهذا مذهب البغداديين من المعتزلة، وأنت لا تقول به، لأن مذهب البصريين أن عذاب المذنب جائز عقلاً، وأيضاً فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب ألبتة. ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة، فأما في حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فقطع بحصول المغفرة في الجملة، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلاً فلا يكون الإغراء حاصلاً، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء الدين بالرفع، ثم قال: وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام لقوله تعالى: {أية : وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } تفسير : [النساء: 146] حتى يطابق قوله: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ } والخالص والمخلص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون، واعلم أن الضمير في قوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين الأول: أن الضمير في قوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ } ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها. وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر، فهذا هو المراد من قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى }. واعلم أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: الأول: أنه اقتصر في الجواب على مجرد التهديد فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهباً باطلاً وكان مصراً عليه، فالطريق في علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن قلبه، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه، فيكون هذا الطريق أفضى إلى المقصود. والأطباء يقولون: لا بد من تقديم المنضج على سقي المسهل فإن بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال، فإذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام، فكذلك ههنا سماع التهديد والتخويف أولاً يجري مجرى سقي المنضج أولاً، وإسماع الدليل ثانياً يجري مجرى سقي المسهل ثانياً. فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ } والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بقي محروماً عن الهداية، والمراد بهذا الكذب وصفهم لهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الاعتقاد، والأمر ههنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر. ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة، والسبب فيه أن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك الإنعام فالإشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق. ثم قال تعالى: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } والمراد من هذا الكلام: إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد وبيانه من وجوه الأول: أنه لو اتخذ ولداً لما رضي إلا بأكمل الأولاد وهو الإبن فكيف نسبتم إليه البنت الثاني: أنه سبحانه واحد حقيقي والواحد الحقيقي يمتنع أن يكون له ولد، أما أنه واحد حقيقي فلأنه لو كان مركباً لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره، فكان يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يكون واجب الوجود لذاته، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه الأول: أن الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه، ثم يحصل له صورة مساوية لصورة الوالد. وهذا إنما يعقل في الشيء الذي ينفصل منه جزء والفرد المطلق لا يقال ذلك فيه الثاني: شرط الولد أن يكون مماثلاً في تمام الماهية للوالد فتكون حقيقة ذلك الشيء حقيقة نوعية محمولة على شخصين، وذلك محال لأن تعيين كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا يحصل من تلك الماهية إلا الشخص الواحد، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك الماهية كان ذلك التعيين معلوماً بسبب منفصل، فلا يكون إلهاً واجب الوجود لذاته. فثبت أن كونه إلهاً واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحداً في حقيقته، وكونه واحداً في حقيقته يمنع من ثبوت الولد له، فثبت أن كونه واحداً يمنع من ثبوت الولد الثالث: أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لا بد وأن يكونا من جنس واحد، فلو كان له ولد لما كان واحداً بل كانت زوجته من جنسه، وأما أن كونه قهاراً يمنع من ثبوت الولد له، فلأن المحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيحتاج إلى ولد يقوم مقامه، فالمحتاج إلى الولد هو الذي يكون مقهوراً بالموت، أما الذي يكون قاهراً ولا يقهره غيره كان الولد في حقه محالاً، فثبت أن قوله: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } ألفاظ مشتملة على دلائل قاطعة في نفي الولد عن الله تعالى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} رفع بالابتداء وخبره {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}. ويجوز أن يكون مرفوعاً بمعنى هذا تنزيل؛ قاله الفراء. وأجاز الكسائي والفراء أيضاً «تَنْزِيلَ» بالنصب على أنه مفعول به. قال الكسائي: أي اتبعوا واقرؤوا «تَنْزِيلَ الْكِتَابِ». وقال الفراء: هو على الإغراء مثل قوله: {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء: 24] أي الزموا. والكتاب القرآن سمي بذلك لأنه مكتوب. قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق؛ أي بالصدق وليس بباطل وهزل. {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً} فيه مسألتان: الأولى: «مُخْلِصاً» نصب على الحال أي مُوحِّداً لا تشرك به شيئاً {لَّهُ ٱلدِّينِ} أي الطاعة. وقيل: العبادة وهو مفعول به. {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} أي الذي لا يشوبه شيء. وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئاً شورك فيه»تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» و«النساء» و«الكهف» مستوفًى. الثانية: قال ابن العربي: هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافاً لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان إن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطراً ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} يعني الأصنام والخبر محذوف. أي قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم مَن ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي: جواب هذا الكلام في الأحقاف {أية : فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ} تفسير : [الأحقاف: 28] والزلفى القربة؛ أي ليقربونا إليه تقريباً، فوضع «زُلْفَى» في موضع المصدر. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» وفي حرف أُبَيّ «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُكُمْ إِلاَّ لِتُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» ذكره النحاس. قال: والحكاية في هذا بينة. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلاً بما يستحق. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد؛ أي للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام؛ كما قال الله تعالى: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً}تفسير : [المائدة: 3] وفي هذا ردّ على القدرية وغيرهم على ما تقدم. قوله تعالى: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي لو أراد أن يسمي أحداً من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم. {سُبْحَانَهُ} أي تنزيهاً له عن الولد {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}.

البيضاوي

تفسير : مكية إلا قوله: قل يا عبادي الآية وآيها خمس وسبعون أو اثنتان وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} خبر محذوف مثل هذا أو مبتدأ خبره. {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } وهو على الأول صلة لـ {تَنزِيلَ }، أو خبر ثان أو حال عمل فيها الإِشارة أو الـ {تَنزِيلَ }، والظاهر أن {ٱلْكِتَـٰبِ } على الأول السورة وعلى الثاني القرآن، وقرىء «تَنزِيلَ» بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ أو الزم. {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } ملتبساً بالحق أو بسبب إثبات الحق وإظهاره وتفصيله. {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينِ} ممحصاً له الدين من الشرك والرياء، وقرىء برفع &#1649«;لدّين» عن الاستئناف لتعليل الأمر وتقديم الخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام كما صرح به مؤكداً وإجراؤه مجرى المعلوم المقرر لكثرة حججه وظهور براهينه فقال: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ} أي ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة، فإنه المتفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } يحتمل المتخذين من الكفرة والمتخذين من الملائكة وعيسى والأصنام على حذف الراجع وإضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم، وهو مبتدأ خبره على الأول. {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } بإضمار القول. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وهو متعين على الثاني، وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيزه حالاً أو بدلاً من الصلة و {زُلْفَىٰ } مصدر أو حال، وقرىء «قالوا ما نعبدهم» و «ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله» حكاية لما خاطبوا به آلهتهم و {نَعْبُدُهُمْ } بضم النون اتباعاً. {فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الدين بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابليهم، وقيل لهم ولمعبوديهم فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونها. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى } لا يوفق للاهتداء إلى الحق. {مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ } فإنهما فاقدا البصيرة. {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } كما زعموا. {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } إذ لا موجود سواه إلا هو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه، ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الوالد له ثم قرر ذلك بقوله: {سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } فإن الألوهية الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للواحدة الذاتية، وهي تنافي المماثلة فضلاً عن التوالد لأن كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة، والتعين المخصوص والقهارية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد، ثم استدل على ذلك بقوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ } يغشى كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة، أو يجعله كاراً عليه كروراً متتابعاً تتابع أكوار العمامة. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} هو منتهى دوره أو منقطع حركته. {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء. {ٱلْغَفَّارُ } حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة. {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوء به من خلق الإِنسان لأنه أقرب وأكثر دلالة وأعجب، وفيه على ما ذكره ثلاث دلالات: خلق آدم أولاً من غير أب وأم، ثم خلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. و {ثُمَّ } للعطف على محذوف هو صفة {نَفْسٌ } مثل خلقها أو على معنى واحدة أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها، أو على {خَلَقَكُمْ } لتفاوت ما بين الآيتين، فإن الأولى عادة مستمرة دون الثانية. وقيل أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منها حواء. {وَأَنزَلَ لَكُمْ } وقضى أو قسم لكم، فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتبت في اللوح المحفوظ، أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار. {مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } ذكر وأنثى من الإِبل والبقر والضأن والمعز. {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ } بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي والأنعام إظهاراً لما فيها من عجائب القدرة، غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون. {خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } حيواناً سوياً من بعد عظام مكسوة لحماً من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف. {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ } ظلمة البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن. {ذٰلِكُمْ } الذي هذه أفعاله. {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } هو المستحق لعبادتكم والمالك. {لَهُ ٱلْمُلْكُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا يشاركه في الخلق غيره. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك. {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ } عن إِيمانكم. {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } لاستضرارهم به رحمة عليهم. {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } لأنه سبب فلا حكم، وقرأ ابن كثير ونافع في رواية وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء لأنها صارت بحذف الألف موصولة بمتحرك، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالمحاسبة والمجازاة. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على أن مبدأ الكل منه. {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } أعطاه من الخول وهو التعهد، أو الخول وهو الافتخار. {نِعْمَةً مّنْهُ } من الله. {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ} أي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو ربه الذي كان يتضرع إليه و {مَا }؛ مثل الذي في قوله: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [الليل: 3] {مِن قَبْلُ} من قبل النعمة. {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء، والضلال والإِضلال لما كانا نتيجة جعله صح تعليله بهما وإن لم يكونا غرضين. {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشه لا سند له، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة ولذلك علله بقوله: {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } على سبيل الاستئناف للمبالغة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن العظيم، من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك؛ كما قال عز وجل: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 192 ــــ 195] وقال تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : [فصلت:41 ــــ 42] وقال جل وعلا ها هنا: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ} أي: المنيع الجناب {الحكيم} أي: في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ} أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. وقال قتادة في قوله تبارك وتعالى: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ}: شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر عز وجل عن عباد الأصنام من المشركين: أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور؛ تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد، فكانوا جاحدين له، كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه، {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلآ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وأخبر أن الملائكة التي في السموات؛ من الملائكة المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [النمل: 74] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي: يوم القيامة {فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } تفسير : [سبأ: 40 ــــ 41] وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ} أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه، ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه؛ كما قال عز وجل: {أية : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 17] {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِين} تفسير : [الزخرف: 81] كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم. وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه، وهو الغني عما سواه، الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن مبتدأ {مِنَ ٱللَّهِ } خبره {ٱلْعَزِيزِ } في ملكه {ٱلْحَكِيمِ } في صنعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو اسم إشارة، أي: هذا تنزيل. وقال أبو حيان: إن المبتدأ المقدّر لفظ هو ليعود على قوله: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [صۤ: 87]، كأنه قيل: وهذا الذكر ما هو؟ فقيل: هو تنزيل الكتاب. وقيل: ارتفاعه على أنه مبتدأ، وخبره الجارّ والمجرور بعده، أي: تنزيل كائن من الله، وإلى هذا ذهب الزجاج، والفراء. قال الفراء: ويجوز أن يكون مرفوعاً بمعنى: هذا تنزيل، وأجاز الفراء، والكسائي النصب على أنه مفعول به لفعل مقدّر، أي: اتبعوا، أو اقرءوا تنزيل الكتاب. وقال الفراء: يجوز نصبه على الإغراء، أي: الزموا، والكتاب هو: القرآن، وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } على الوجه الأوّل صلة للتنزيل، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو متعلق بمحذوف على أنه حال عمل فيه اسم الإشارة المقدّر {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } الباء سببية متعلقة بالإنزال، أي: أنزلناه بسبب الحقّ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف هو: حال من الفاعل، أي: ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي: ملتبساً بالحق، والمراد كلّ ما فيه من إثبات التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وأنواع التكاليف. قال مقاتل: يقول: لم ننزله باطلاً لغير شيء {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينِ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وانتصاب مخلصاً على الحال من فاعل اعبد، والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه، والدين العبادة، والطاعة، ورأسها توحيد الله، وأنه لا شريك له. قرأ الجمهور: {الدين} بالنصب على أنه مفعول مخلصاً. وقرأ ابن أبي عبلة برفعه على أن مخلصاً مسند إلى الدين على طريقة المجاز. قيل: وكان عليه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام. وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب؛ لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال، والأفعال النية، كما في حديث: «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : وحديث: «حديث : لا قول ولا عمل إلا بنية»تفسير : وجملة {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ } مستأنفة مقرّرة لما قبلها من الأمر بالإخلاص، أي: إن الدين الخالص من شوائب الشرك، وغيره هو لله، وما سواه من الأديان، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به. قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إلٰه إلا الله {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } لما أمر سبحانه بعبادته على وجه الإخلاص، وأن الدين الخالص له لا لغيره بيّن بطلان الشرك الذي هو مخالف للإخلاص، والموصول عبارة عن المشركين، ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } وجملة {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } في محل نصب على الحال بتقدير القول، والاستثناء مفرّغ من أعمّ العلل، والمعنى: والذين لم يخلصوا العبادة لله، بل شابوها بعبادة غيره قائلين: ما نعبدهم لشيء من الأشياء إلا ليقرّبونا إلى الله تقريباً، والضمير في نعبدهم راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة، وعيسى، والأصنام، وهم: المرادون بالأولياء، والمراد بقولهم: {إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } الشفاعة، كما حكاه الواحدي عن المفسرين. قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم: من ربكم، وخالقكم، ومن خلق السمٰوات، والأرض، وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله، فيقال لهم: ما معنى عبادتكم للأصنام؟ قالوا: ليقرّبونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي: جواب هذا الكلام قوله في سورة الأحقاف: {أية : فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً ءالِهَةَ } تفسير : [الأحقاف: 28]. والزلفى اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقرّبونا إلى الله تقريباً. وفي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد: (قالوا ما نعبدهم)، ومعنى {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي: بين أهل الأديان يوم القيامة، فيجازي كلا بما يستحقه. وقيل: بين المخلصين للدين، وبين الذين لم يخلصوا، وحذف الأوّل لدلالة الحال عليه، ومعنى {فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }: في الذي اختلفوا فيه من الدين بالتوحيد، والشرك، فإن كلّ طائفة تدّعي أن الحقّ معها {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ } أي: لا يرشد لدينه، ولا يوفق للاهتداء إلى الحقّ من هو كاذب في زعمه: أن الآلهة تقربه إلى الله، وكفر باتخاذها آلهة، وجعلها شركاء لله، والكفار صيغة مبالغة تدلّ على أن كفر هؤلاء قد بلغ إلى الغاية. وقرأ الحسن، والأعرج كذاب على صيغة المبالغة ككفار، ورويت هذه القراءة عن أنس. {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ } هذا مقرّر لما سبق من إبطال قول المشركين: بأن الملائكة بنات الله لتضمنه استحالة الولد في حقه سبحانه على الإطلاق، فلو أراد أن يتخذ ولداً لامتنع اتخاذ الولد حقيقة، ولم يتأتّ ذلك إلا بأن يصطفي {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } أي: يختار من جملة خلقه ما يشاء أن يصطفيه، إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له، ولا يصح أن يكون المخلوق ولداً للخالق لعدم المجانسة بينهما، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبداً كما يفيده التعبير بالاصطفاء مكان الاتخاذ؛ فمعنى الآية: لو أراد أن يتخذ ولداً لوقع منه شيء ليس هو من اتخاذ الولد، بل إنما هو من الاصطفاء لبعض مخلوقاته، ولهذا نزّه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد على الإطلاق، فقال: {سُبْحَـٰنَهُ } أي: تنزيهاً له عن ذلك، وجملة {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } مبينة لتنزّهه بحسب الصفات بعد تنزّهه بحسب الذات، أي: هو المستجمع لصفات الكمال المتوحد في ذاته، فلا مماثل له القهّار لكل مخلوقاته، ومن كان متصفاً بهذه الصفات استحال وجود الولد في حقه، لأن الولد مماثل لوالده، ولا مماثل له سبحانه، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا } تفسير : [الأنبياء: 17] ثم لما ذكر سبحانه كونه منزّهاً عن الولد بكونه إلٰهاً واحداً قهاراً ذكر ما يدل على ذلك من صفاته، فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } أي: لم يخلقهما باطلاً لغير شيء، ومن كان هذا الخلق العظيم خلقه استحال أن يكون له شريك، أو صاحبة، أو ولد. ثم بيّن كيفية تصرفه في السمٰوات، والأرض، فقال: {يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ } التكوير في اللغة: طرح الشيء بعضه على بعض. يقال: كوّر المتاع: إذا ألقي بعضه على بعض، ومنه كوّر العمامة؛ فمعنى تكوير الليل على النهار: تغشيته إياه حتى يذهب ضوؤه، ومعنى تكوير النهار على الليل: تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته، وهو: معنى قوله تعالى: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا} تفسير : [الأعراف: 54] هكذا قال قتادة، وغيره. وقال الضحاك: أي: يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا، وهو مقارب للقول الأوّل. وقيل: معنى الآية: أن ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، وهو: معنى قوله: {أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } تفسير : [الحج:61]، وقيل: المعنى: إن هذا يكرّ على هذا، وهذا يكرّ على هذا كروراً متتابعاً. قال الراغب: تكوير الشيء إدارته، وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة ا هـ. والإشارة بهذا التكوير المذكور في الآية إلى جريان الشمس في مطالعها، وانتقاص الليل، والنهار، وازديادهما. قال الرازي: إن النور، والظلمة عسكران عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك، وذاك هذا؛ ثم ذكر تسخيره لسلطان النهار، وسلطان الليل، وهما: الشمس، والقمر، فقال: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } أي: جعلهما منقادين لأمره بالطلوع، والغروب لمنافع العباد، ثم بيّن كيفية هذا التسخير، فقال: {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى } أي: يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا، وذلك يوم القيامة، وقد تقدّم الكلام على الأجل المسمى لجريهما مستوفي في سورة «يۤس» {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } ألا: حرف تنبيه، والمعنى: تنبهوا أيها العباد، فالله هو: الغالب الساتر لذنوب خلقه بالمغفرة. ثم بيّن سبحانه نوعاً آخر من قدرته، وبديع صنعه، فقال: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ }، وهي: نفس آدم {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } جاء بثمّ للدّلالة على ترتب خلق حواء على خلق آدم، وتراخيه عنه؛ لأنها خلقت منه، والعطف: إما على مقدّر هو صفة لنفس. قال الفراء، والزجاج: التقدير خلقكم من نفس خلقها واحدة، ثم جعل منها زوجها. ويجوز أن يكون العطف على معنى واحدة، أي: من نفس انفردت، ثم جعل إلخ، والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثمّ للدّلالة على أن خلق حوّاء من ضلع آدم أدخل في كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة، لأن خلق آدم هو على عادة الله المستمرة في خلقه، وخلقها على الصفة المذكورة لم تجر به عادة لكونه لم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الأعراف. ثم بيّن سبحانه نوعاً آخر من قدرته الباهرة، فقال: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ }، وهو معطوف على خلقكم، وعبر بالإنزال لما يروى: أنه خلقها في الجنة، ثم أنزلها، فيكون الإنزال حقيقة، ويحتمل أن يكون مجازاً، لأنها لم تعش إلا بالنبات، والنبات إنما يعيش بالماء، والماء منزل من السماء، كانت الأنعام كأنها منزلة، لأن سبب سببها منزل كما أطلق على السبب في قوله:شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : وقيل: إن أنزل بمعنى: أنشأ، وجعل، أو بمعنى: أعطى. وقيل: جعل الخلق إنزالاً، لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء، والثمانية الأزواج هي ما في قوله: {أية : مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الأنعام: 143] {أية : وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الأنعام: 144] ويعني بالاثنين في الأربعة المواضع: الذكر، والأنثى، وقد تقدّم تفسير الآية في سورة الأنعام. ثم بيّن سبحانه نوعاً آخر من قدرته البديعة، فقال: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ }، والجملة استئنافية لبيان ما تضمنته من الأطوار المختلفة في خلقهم، وخلقاً مصدر مؤكد للفعل المذكور، و {مّن بَعْدِ خَلْقٍ } صفة له، أي: خلقاً كائناً من بعد خلق. قال قتادة، والسدّي: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، ثم لحماً. وقال ابن زيد: خلقكم خلقاً في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم، وقوله: {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ } متعلق بقوله: {يَخْلُقُكُمْ }، وهذه الظلمات الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرّحم، وظلمة المشيمة قاله مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. وقال سعيد بن جبير: ظلمة المشيمة، وظلمة الرّحم، وظلمة الليل. وقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرّحم، والإشارة بقوله: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ } إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة، والاسم الشريف خبره {رَبُّكُـمْ } خبر آخر {لَهُ ٱلْمُلْكُ } الحقيقي في الدنيا، والآخرة لا شركة لغيره فيه، وهو: خبر ثالث، وقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } خبر رابع {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } أي: فكيف تنصرفون عن عبادته، وتنقلبون عنها إلى عبادة غيره. قرأ حمزة: (إمهاتكم) بكسر الهمزة، والميم. وقرأ الكسائي بكسر الهمزة، وفتح الميم. وقرأ الباقون بضم الهمزة، وفتح الميم. وقد أخرج ابن مردويه، عن يزيد الرقاشي أن رجلاً قال: يا رسول الله إنا نعطي أموالنا التماس الذكر، فهل لنا في ذلك من أجر؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تفسير : قال: يا رسول الله إنما نعطي التماس الأجر والذكر فهل لنا أجر؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله لا يقبل إلا ما أخلص له» تفسير : ثم تلا هذه الآية: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ } قال: يحمل الليل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } قال: علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ } البطن، والرحم، والمشيمة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {تنزيل الكتاب} والكتاب هو القرآن سمي بذلك لأنه مكتوب. {من الله العزيز الحكيم} فيه وجهان: أحدهما: العزيز في ملكه الحكيم في أمره. الثاني: العزيز في نقمته الحكيم في عدله. قوله عز وجل: {فاعبد الله مخلصاً له الدين} فيه وجهان: أحدهما: أنه الإخلاص بالتوحيد، قاله السدي. الثاني: إخلاص النية لوجهه، وفي قوله {له الدين} وجهان: أحدهما: له الطاعة، قاله ابن بحر. الثاني: العبادة. {ألا لله الدين الخالص} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: شهادة أن لا إله إلا الله، قاله قتادة. الثاني: الإسلام، قاله الحسن. الثالث: ما لا رياء فيه من الطاعات. {والذين اتخذوا من دونه أولياء} يعني آلهة يعبدونها. {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} قال كفار قريش هذه لأوثانهم وقال من قبلهم ذلك لمن عبدوه من الملائكة وعزير وعيسى، أي عبادتنا لهم ليقربونا إلى الله زلفى، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الزلفى الشفاعة في هذا الموضع، قاله قتادة. الثاني: أنها المنزلة، قاله السدي. الثالث: أنها القرب، قاله ابن زيد.

ابن عطية

تفسير : قوله عز وجل: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينِ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} {تنزيل} رفع بالابتداء، والخبر قوله: {من الله} وقالت فرقة: {تنزيل} خبر ابتداء تقديره: هذا تنزيل، والإشارة إلى القرآن. وقرأ ابن أبي عبلة: "تنزيلَ" بنصب اللام. و: {الكتاب} في قوله: {تنزيل الكتاب} قال المفسرون: هو القرآن ويظهر إلي أنه اسم عام لجميع ما تنزل من عند الله من الكتب، فإنه أخبر إخباراً مجرداً أن الكتب الهادية الشارعة إنما تنزيلها من الله، وجعل هذا الإخبار تقدمة وتوطئة لقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب}. و: {العزيز} في قدرته. {الحكيم} في ابتداعه. و: {الكتاب} الثاني: هو القرآن لا يحتمل غير ذلك. وقوله: {بالحق} يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون معناه متضمناً الحق، أي بالحق فيه وفي أحكامه وأخباره. والثاني: أن يكون {بالحق} بمعنى بالاستحقاق والوجوب وشمول المنفعة للعالم في هدايتهم ودعوتهم إلى الله. وقوله تعالى: {فاعبد الله} يحتمل أن تكون الفاء عاطفة جملة من القول على جملة واصلة، ويحتمل أن يكون كالجواب، لأن قوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} جملة كأنه ابتداء وخبر، كما لو قال: الكتاب منزل، وفي الجمل التي هي ابتداء وخبر إبهام ما تشبه به الجزاء، فجاءت الفاء كالجواب، كما تقول: زيد قائم فأكرمه، ونحو هذا: شعر : وقائلة خولان فانكح فتاتهم تفسير : التقدير: هذه خولان: و: {مخلصاً} حال. و: {الدين} نصب به. ومعنى الآية الأمر بتحقيق النية لله في كل عمل، و {الدين} هنا يعم المعتقدات وأعمال الجوارح. وقوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} بمعنى من حقه ومن واجباته لا يقبل غير هذا، وهذا كقوله: {أية : لله الحمد} تفسير : [الجاثية: 36]، أي واجباً ومستحقاً. قال قتادة: {الدين الخالص}، لا إله إلا الله. وقوله تعالى: {والذين اتخذوا} رفع بالابتداء، وخبره في المحذوف المقدر، تقديره: يقولون ما نعبدهم، وفي مصحف ابن مسعود: "قالوا ما نعبدهم"، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن جبير. و: {أولياء} يريد بذلك معبودين، وهذ مقالة شائعة في العرب، يقول كثير منهم في الجاهلية: الملائكة بنات الله ونحن نعبدهم ليقربونا، وطائفة منهم قالت ذلك في أصنامهم وأوثانهم. وقال مجاهد: قد قال ذلك قوم من اليهود في عزير، وقوم من النصارى في عيسى ابن مريم. وفي مصحف أبي بن كعب: "ما نعبدكم" بالكاف "إلا لتقربونا" بالتاء. و {زلفى} بمعنى قربى وتوصلة، كأنه قال: لتقربونا إلى الله تقريباً، وكأن هذه الطوائف كلها كانت ترى نفوسها أقل من أن تتصل هي بالله، فكانت ترى أن تتصل بمخلوقاته. و {زلفى} عند سيبويه مصدر في موضع الحال، كأنه ينزل منزلة متزلفين، والعامل فيه {ليقربونا} هذا مذهب سيبويه وفيه خلاف، وباقي الآية وعيد في الدنيا والآخرة. قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيِلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} هذه الآية إما أن يكون معناها أن الله لا يهدي الكاذب الكفار في حال كذبه وكفره، وإما أن يكون لفظها العموم ومعناها الخصوص فيمن ختم الله عليه بالكفر وقضى في الأزل أنه لا يؤمن أبداً، وإلا فقد وجد الكاذب الكفار قد هدى كثيراً. وقرأ أنس بن مالك والجحدري: "كذب كفار" بالمبالغة فيهما، ورويت عن الحسن والأعرج ويحيى بن يعمر، وهذه المبالغة إشارة إلى المتوغل في الكفر، القاسي فيه الذي يظن به أنه مختوم عليه. قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ}. معناه: اتخاذ التشريف والتبني، وعلى هذا يستقيم. قوله تعالى: {لاصطفى مما يخلق}. وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد فمستحيل أن يتوهم في جهة الله تعالى، ولا يستقيم عليه معنى قوله: {لاصطفى} وقوله: {أية : وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً} تفسير : [مريم: 92] لفظ يعم اتخاذ النسل واتخاذ الأصفياء، فأما الأول فمعقول، وأما الثاني فمعروف لخبر الشرع، ومما يدل على أن معنى قوله: أن يتخذ الاصطفاء والتبني قوله: {مما يخلق} أي من موجوداته ومحدثاته. ثم نزه تعالى نفسه تنزيهاً مطلقاً عن جميع ما لا يكون مدحة، واتصافه تعالى بـ {القهار} اتصاف على الإطلاق، لأن أحداً من البشر إن اتصف بالقهر فمقيد في أشياء قليلة، وهي في حين قهره لغيره مقهور لله تعالى عن أشياء كثيرة. وقوله: {بالحق} معناه بالواجب الواقع موقعه الجامع للمصالح. وقوله: {يكور} معناه يعيد من هذا على هذا، ومنه كور العمامة التي يلتوي بعضها على بعض، فكأن الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزء فيستره، وكأن الآخر الذي يقصر يلج في الذي يطول فيستتر فيه، فيجيء {يكور} على هذا معادلاً لقوله: {أية : يولج} تفسير : [الحج: 61، لقمان: 29، فاطر: 13، الحديد: 6] ضداً له. وقال أبو عبيدة: هما بمعنى، وهذا من قوله تقرير لا تحرير، و"تسخير الشمس" دوامها على الجري واتساق أمرها على ما شاء الله تعالى، و"الأجل المسمى" يحتمل أن يكون يوم القيامة حين تنفسد البنية ويزول جري هذه الكواكب، ويحتمل أن يريد وقت مغيبها كل يوم وليلة، ويحتمل أن يريد أوقات رجوعها إلى قوانينها كل شهر في القمر وسنة في الشمس.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْعَزِيزِ} في ملكه {الْحَكِيمِ} في أمره، أو العزيز في نقمته الحكيم في عدله.

النسفي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي القرآن مبتدأ خبره {مِنَ ٱللَّهِ } أي نزل من الله، أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، أو غير صلة بل هو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره هذا تنزيل الكتاب هذا من الله {ٱلْعَزِيزِ } في سلطانه {ٱلْحَكِيمِ} في تدبيره {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} هذا ليس بتكرار لأن الأول كالعنوان للكتاب والثاني لبيان ما في الكتاب {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً } حال {لَّهُ ٱلدِّينِ } أي ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر، فـ {ٱلدّينِ } منصوب بـ {مُخْلِصاً } وقرىء {ٱلدّين} بالرفع وحق من رفعه أن يقرأ {مُخْلِصاً } {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} أي هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر لاطلاعه على الغيوب والأسرار. وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن: الإسلام. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي آلهة وهو مبتدأ محذوف الخبر تقديره: والذين عبدوا الأصنام يقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } مصدر أي تقريباً {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بين المسلمين والمشركين {فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } قيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. والمعنى أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ } أي لا يهدي من هو في علمه أنه يختار الكفر يعني لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر ولكنه يخذله، وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء بنات الله، ولذا عقبه محتجاً عليهم بقوله {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء لا ما تختارون أنتم وتشاءون {سُبْحَـٰنَهُ } نزه ذاته عن أن يكون له أخذ ما نسبوا إليه من الأولياء والأولاد، ودل على ذلك بقوله {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } يعني أنه واحد متبريء عن انضمام الأعداد متعال عن التجزؤ والولاد، قهار غلاب لكل شيء ـ ومن الأشياء آلهتهم ـ فأنى يكون له أولياء وشركاء؟. ثم دل بخلق السماوات والأرض وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر وتسخير النيرين وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ } والتكوير اللف واللي يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، والمعنى أن كل واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيّبه عن مطامح الأبصار، أو أن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي يوم القيامة {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب القادر على عقاب من لم يعتبر بتسخير الشمس والقمر فلم يؤمن بمسخرهما {ٱلْغَفَّارُ } لمن فكر واعتبر فآمن بمدبرهما. {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } أي آدم عليه السلام {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي حواء من قُصَيراه. قيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ } أي جعل. عن الحسن: أو خلقها في الجنة مع آدم عليه السلام ثم أنزلها، أو لأنها لا تعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } ذكراً وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز كما بين في سورة الأنعام، والزوج اسم لواحد معه آخر فإذا انفرد فهو فرد ووتر {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ } نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم إلى تمام الخلق {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَٰثٍ} ظلمة البطن والرحم والمشيمة أو ظلمة الصلب والبطن والرحم { ذٰلِكُمُ} الذي هذه مفعولاته هو {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } فكيف يعدل بكم من عبادته إلى عبادة غيره. ثم بين أنه غني عنهم بقوله {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ } عن إيمانكم وأنتم محتاجون إليه لتضرركم بالكفر وانتفاعكم بالإيمان {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } لأن الكفر ليس برضا الله تعالى وإن كان بإرادته {وَإِن تَشْكُرُواْ } فتؤمنوا {يَرْضَهُ لَكُمْ } أي يرض الشكر لكم لأنه سبب فوزكم فيثيبكم عليه الجنة {يرضه} بضم الهاء والإشباع: مكي وعلي: {يرضه} بضم الهاء بدون الإشباع: نافع وهشام وعاصم غير يحيـى وحماد. وغيرهم {يرضه} {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } إلى جزاء ربكم رجوعكم {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بخفيات القلوب {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ } هو أبو جهل أو كل كافر {ضُرٌّ } بلاء وشدة والمس في الأعراض مجاز {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } راجعاً إلى الله بالدعاء لا يدعو غيره {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } أعطاه {نِعْمَةً مِّنْهُ} من الله عز وجل {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ } أي نسى ربه الذي كان يتضرع إليه. و «ما» بمعنى «من» كقوله {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ }تفسير : [الليل: 3] أو نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً } أمثالاً {لِيُضِلَّ} {لَيِضل} مكي وأبو عمرو ويعقوب {عَن سَبِيلِهِ } أي الإسلام {قُلْ } يا محمد {تَمَتَّعَ } أمر تهديد {بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } أي في الدنيا {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } من أهلها. {أَمَّنْ} قرأ بالتخفيف مكي ونافع وحمزة على إدخال همزة الاستفهام على «من»، وبالتشديد غيرهم على إدخال «أم» عليه و «من» مبتدأ خبره محذوف تقديره «أمن» {هُوَ قَانِتٌ } كغيره أي أمن هو مطيع كمن هو عاص والقانت المطيع لله؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جرى ذكر الكافر قبله، وقوله بعده {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } {ءَانَاءَ ٱلَّيْلِ} ساعاته {سَـٰجِداً وَقَائِماً } حالان من الضمير في {قَانِتٌ } {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ } أي عذاب الآخرة {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ } أي الجنة، ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته لا عمله ويحذر عقابه لتقصيره في عمله. ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمناً، والخوف إذا جاوز حده يكون إياساً، وقد قال الله تعالى {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }تفسير : [الأعراف: 99] وقال { أية : إنه لا ييأس من من روح الله إلا القوم الكافرون }تفسير : [يوسف: 87]، فيجب أن لا يجاوز أحدهما حده {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } أي يعلمون ويعملون به كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ويفتنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء، أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلك لا يستوي المطيع والعاصي {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } جمع لب أي إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {تنزيل الكتاب} أي هذا الكتاب وهو القرآن تنزيل {من الله العزيز الحكيم} أي لا من غيره {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي لم ننزله باطلاً لغير شيء {فاعبد الله مخلصاً له الدين} أي الطاعة {ألا لله الدين الخالص} أي شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل يعني الخالص من الشرك وما سوى الخالص ليس بدين الله الذي أمر به لأن رأس العبادات الإخلاص في التوحيد واتباع الأوامر واجتناب النواهي {والذين اتخذوا من دونه} أي من دون الله {أولياء} يعني الأصنام {ما نعبدهم} أي قالوا ما نعبدهم {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} يعني قربة وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من خلقكم وخلق السموات والأرض ومن ربكم قالوا الله فقيل لهم فما معنى عبادتكم الأصنام فقالوا ليقربونا إلى الله زلفى وتشفع لنا عنده {إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون} أي من أمر الدين {إن الله لا يهدي} أي لا يرشد لدينه {من هو كاذب} أي من قال إن الآلهة تشفع له {كفار} أي باتخاذه الآلهة دون الله تعالى {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى} أي لاختار {مما يخلق ما يشاء} يعني الملائكة ثم نزه نفسه فقال تعالى: {سبحانه} أي تنزيهاً له عن ذلك وعما لا يليق بطهارة قلبه {وهو الواحد} أي في ملكه الذي لا شريك له ولا ولد {القهار} أي الغالب الكامل القدرة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يرضه} بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف {يرضه} باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الباقون {يرضه} بسكون الهاء {ليضل} بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. الباقون: بالضم {أمن هو} بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد {يا عبادي الذين} بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء {إني أمرت} {فبشر عبادي} بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء {إني أخاف} بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {سالماً} بالألف: ابن كثير وأبو عمرو. والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف. الوقوف: {الحكيم} ه {له الدين} ه ط {الخالص} ط {أولياء} ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي. وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره {زلفى} ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده {يختلفون} ه ط {كفار} ه {ما يشاء} ز لتعجيل التنزيه {سبحانه} ط {القهار} ه ز {بالحق} ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل {والقمر} ط {مسمى} ط {الغفار} ه {أزواج} ط {ثلاث} ط {الملك} ط {تصرفون} ه {الكفر} ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض {لكم} ط {أخرى} ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار {تعملون} ه {الصدور} ه {سبيله} ط {قليلاً} ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك {النار} ه {رحمة ربه} ه {لا يعلمون} ه {الألباب} ه {ربكم} ط {حسنة} ط {واسعة} ط {حساب} ه {له الدين} ه ط {المسلمين} ه {عظيم} ه {ديني} ه لا {دونه} ط {يوم القيامة} ط {المبين} ه {ومن تحتهم ظلل} ط {عباده} ط {فاتقون} ه {البشرى} ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب {عباد} ه لا {أحسنه} ط {الألباب} ه {العذاب} ه {في النار} ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف {الأنهار} ط {وعد الله} ط {الميعاد} ه {حطاماً} ط {الألباب} ه {من ربه} ط لحذف جواب الاستفهام من {ذكر الله} ط {مبين} ه {ربهم} ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف {ذكر الله} ط {من يشاء} ط {هاد} ه {يوم القيامة} ط لحق الحذف كما مر {تكسبون} ه {لا يشعرون} ه {الدنيا} ج للام الابتداء مع العطف {أكبر} ه {يعلمون} ه {يتذكرون} ه ج لاحتمال كون {قرآنا} نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء {يتقون} ه {متشاكسون} ه {لرجل} ط {مثلاً} ط {الله} ج للإضراب مع اتفاق الجملتين {لا يعلمون} ه {ميتون} ه {تحتصمون} ه. التفسير: {تنزيل الكتاب} مبتدأ وخبره {من الله} وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة. وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه. وفي قوله {من الله} إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان. تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله {العزيز} إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم. وفي قوله {الحكيم} إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل. وقوله {إنا أنزلنا إليك} ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً. والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب. وقوله {بالحق} يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته. ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية. أما الأول فهو قوله {فاعبد الله} أي أنت أو أمتك {مخلصاًً له الدين} وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه. وأما الثاني فذلك قوله {الا لله الدين الخالص} أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي. وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال {والذين اتخذوا} الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله {إن الله يحكم بينهم} والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر {إن الله يحكم بينهم} والقول المضمر للحال أو بدل. وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم. وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم. وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى. قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين. ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار. واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم. ويجوز أن يرجع الضمير في {بينهم} إلى الفريقين المؤمن والمشرك. ولا يخفى ما في الآية من التهديد. ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً. ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات. وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات. وأقول: إنه تعالى أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله {لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى} لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله {سبحانه هو الله الواحد القهار} فقوله {سبحانه} إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد. وقوله {هو الله الواحد القهار} إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق. الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً. والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة. وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه. الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه. هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله {خلق السموات والأرض بالحق} أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً. الثاني. {يكوّر الليل على النهار} والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها. وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه. ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار. ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة. وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : نعوذ بالله من الحور بعد الكور"تفسير : أي من الإدبار بعد الإقبال. الثالث {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} وقد مر مثله في "فاطر" وغيره. وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله {الا هو العزيز الغفار} وفيه ترهيب مع ترغيب. الرابع والخامس قوله {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها} وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه. ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع. وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها. وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء. وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله {أية : ثم اهتدى}تفسير : [طه: 82] {أية : ثم كان من الذين آمنوا} تفسير : [البلد: 17] وكقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" تفسير : السادس قوله {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين. وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة. وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان. وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل. وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب. وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك. السابع قوله {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق} والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم. ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله {جعل منها زوجها} ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : [المؤمنون: 12] إلى قوله {أية : أحسن الخالقين} تفسير : [المؤمنون: 14] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن. {ذلكم} الذي هذه أفعاله {ربكم له الملك} وقد مر إعرابه في "فاطر". {لا إله إلا هو} إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو {فأنى تصرفون} أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟ ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال {وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم} قال المعتزلة: في قوله {ولا يرضى لعباده الكفر} دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به. وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون. قال {أية : وعباد الرحمن الذين يمشون} تفسير : [الفرقان: 63] {أية : عيناً يشرب بها عباد الله} تفسير : [الدهر: 6] فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر. وهذا مما لا نزاع فيه. أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله. ثم بين غاية كرمه بقوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه. ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله {وإذا مس} إلى آخره. وقد مر نظيره أيضاً. وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره. وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره. ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض. قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به. ومنه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم. والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: شعر : إن الغني طويل الذيل مياس تفسير : ومعنى {نسي ما كان يدعو إليه} نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من". والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله. واللام في {ليضل} لام العاقبة. ثم هدّده بقوله {تمتع بكفرك} كقوله {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت: 40] وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار. ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال {أمن هو قانت} قال ابن عباس: القنوت الطاعة. وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام. والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة. وعن قتادة {آناء الليل} أوّله ووسطه وآخره. وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر. والواو في قوله {ساجداً وقائماً} للجمع بين الصفتين. وفي قوله {يحذر الآخرة} أي عذابها {ويرجو رحمة ربه} إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ {أمن} بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده. ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت. وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر. وقيل: المنادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قوله {قل هل يستوي الذين يعلمون} الآية. قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا. ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون. قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم. وفي قوله {إنما يتذكر أولو الألباب} إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: شعر : إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه تفسير : وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟ فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه. وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام. النوع الأوّل. {قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم} قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية. وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء. ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً {للذين أحسنوا} الآية. وقوله {في هذه الدنيا} إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي. ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة. والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها. وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة. قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة. ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها. والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية. ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي. وقيل: هي الثناء الجميل. وقيل: الظفر والغنيمة. وقيل: نور القلب وبهاء الوجه. وفي قوله {وأرض الله واسعة} إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله {أية : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} تفسير : [النساء: 97] وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال {أية : نتبوّأ من الجنة حيث نشاء} تفسير : [الزمر: 74] {إنما يوفّى الصابرون} على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه {أجرهم بغير حساب} أي لا يحاسبون أو بغير حصر. قال جار الله: عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" تفسير : ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل. النوع الثاني {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟ فأنزل الله هذه الآية. وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة {فاعبد الله مخلصاً له الدين} وقوله {وأمرت لأن أكون} ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد. وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي. ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه. وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال {قل إني أخاف} الآية. وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى. قيل: المراد به أمته. وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له. وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب. النوع الثالث {قل الله أعبد مخلصاً له ديني} وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله {فاعبدوا ما شئتم من دونه} النوع الرابع {قل أن الخاسرين} الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم {الذين خسروا أنفسهم} لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها {و} خسروا {أهليهم} لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم. وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا. قال أهل البيان: في قوله {ألا ذلك هو الخسران المبين} تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين. قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً. والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين. ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات. وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر. قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله {أية : لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} تفسير : [الأعراف: 41] {أية : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} تفسير : [العنكبوت: 55] وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و {ذلك} العذاب المعد للكفار {يخوّف الله به عباده} المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة. وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا. ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً {والذين اجتنبوا الطاغوت} وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي. وقوله {أن يعبدوها} بدل اشتمال منه {وأنابوا إلى الله} رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو سبحانه واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره. {لهم البشرى} أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت {أية : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} تفسير : [النحل: 32] وعند دخول الجنة {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} تفسير : [الرعد: 23 ـ 24] وعند لقاء الله {أية : تحيتهم يوم يلقونه سلام}تفسير : [الأحزاب: 44] وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال. وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها. قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي. وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله {فبشر عبادي الذين يستمعون القول} أي من أبي بكر {فيتبعون أحسنه} وهو لا إله إلا الله. وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة. وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر. وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب. وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب. وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين. مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره. وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها. وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها. وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه. ومن الواقفين من يقف على قوله {فبشر عبادي} ويبتدئ {الذين يستمعون} وخبره {أولئك الذين هداهم} وهو إشارة إلى الفاعل {وأولئك هم أولو الألباب} إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله {أفمن حق عليه كلمة العذاب} قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار. ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟ فمن حق إلى آخره. وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟ قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان. ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف} وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار {لهم من فوقهم ظلل} ومعنى قوله {مبنية} والله أعلم. أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك. قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية. وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه} أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء {ينابيع} مثل الدم في العروق. والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض. وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف. وقوله {ثم يخرج} على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض {ثم يهيج} أي يتم جفافه. قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب {ثم يجعله حطاماً} أي فتاتاً متكسراً {إن في ذلك} الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه {لذكرى} لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع {لأولي الألباب} وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء. وإنما قال ههنا {ثم يجعله حطاماً} وفي الحديد {أية : ثم يكون حطاماً} تفسير : [الحديد: 20] لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله {أعجب الكفار نباته} وههنا مسند إلى الله من قوله {أنزل} إلى آخره. وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله {أية : أولئك على هدى} تفسير : [البقرة: 5] والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله {أمن هو قانت} يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي من أجل سماع القرآن. وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة. ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله {الله نزل أحسن الحديث} عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية. والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي. ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب. وقوله {كتاباً} بدل من أحسن أو حال موطئة. ومعنى {متشابهاً} أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله {أية : وإن كنتم في ريب} تفسير : [البقرة: 23] وقيل: هو من قوله {أية : وأخر متشابهات} تفسير : [آل عمران: 7] فيكون صفة لبعض القرآن. وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف. وقوله {مثاني} جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر. وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} تفسير : [الحجر: 87] ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه. قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف. قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم. ومعنى "إلى" في قوله {إلى ذكر الله} هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن. وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا. وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه. قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم. ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء. ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله {ذلك هدى الله} كقوله {أية : هدى للمتقين} تفسير : [البقرة: 2]. ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله {ومن يضلل الله فما له من هاد} وأما في الآخرة فقوله {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً {وقيل للظالمين} القائلون هم خزنة النار. قوله {كذب الذين من قبلهم} تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما. ثم بين بقوله {ولقد ضربنا} إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه. ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك {فيه شركاء متشاكسون} أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه. والشكاسة سوء الخلق والاختلاف. {ورجلاً سالماً لرجل} أي خالصاً من الشرك. ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة. وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك. قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره {أية : وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم} تفسير : [النحل: 76] ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله {هل يستويان مثلاً} وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما. واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين. وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب. قوله {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} كما مرّ في "لقمان" قوله {إنك ميت} وجه النظم أنه سبحانه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم {أية : لا تختصموا لديّ} تفسير : [ق: 28] وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية، {تَنزِيلُ} رفعُ بالابتداءِ، والخبرُ قوله: {مِنَ ٱللَّهِ} وقالتْ فرقَة: {تَنزِيلُ} خَبَرُ مبتدإ محذوفٍ، تقديرُه: هذا تنزيلٌ، والإشَارَةُ إلى القرآنِ؛ قاله المفسرون، ويظهرُ لِي أَنَّه اسمٌ عامٌ لجميعِ ما تَنَزَّلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فكأنَّه أخْبَرَ إخباراً مجرَّداً أَنَّ الكُتُبَ الهاديةَ الشارِعَة إنما تَنْزيلُهَا من اللَّه تعالَىٰ، وجَعَلَ هذا الإخْبَارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ}. وقوله: {بِٱلْحَقِّ} معناه: متضمِّناً الحَقَّ، أي: بالحقِّ فيه، وفي أحْكَامِهِ وأخباره، و{ٱلدِّينَ} هنا يَعُمُّ المُعْتَقَدَاتِ وأعمالَ الجَوَارِحِ، قال قتادة: و{ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ}: «لاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ». وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ...} الآية، أي: يقولون، مَا نَعْبُدُهُمْ إلا ليُقَرِّبُونَا إلى اللَّه زَلْفَىٰ، وفي مصحف ابن مسعودٍ: «قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ» وهي قراءة ابن عبَّاس وغيرِه، وهذه المقالة شائعةٌ في العرب في الجاهلية يقولون في معبوداتِهم منَ الأصْنام وغيرها: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه، قال مجاهد: وقد قال ذلك قومٌ من اليهودِ في عُزَيْرٍ، وقومٌ من النصارَىٰ في عيسَىٰ. و{زُلْفَىٰ} بمعنى قُرْبَةٍ وتَوْصِلَةٍ، [كأنهم] قَالُوا ليقرِّبونا إلى اللَّه تَقْرِيباً، وكأنَّ هذه الطوائفَ كلَّها تَرَى نُفُوسَها أقلَّ من أن تَتَّصِلَ هي باللَّه، فكانت تَرَىٰ أن تَتَّصِلَ بمخلوقاتِه. وَ{زُلْفَىٰ} عند سيبَوَيْهِ، مَصْدَرٌ في موضع الحال كأَنَّه تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ «مُتَزَلِّفِينَ» والعاملُ فيه {لِيُقَرِّبُونَا}، وقرأ الجَحْدَرِيُّ «كذَّابٌ كَفَّارٌ» بالمبالَغَةِ فيهما، وهذه المبالغةُ إشارةٌ إلى التَوَغُّلِ في الكُفْرِ. وقوله تعالى: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} معناه: اتِّخَاذُ التشريفِ والتبنِّي؛ وعلى هذا يستقيمُ قولُه تعالى: {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ} وأمَّا الاتخاذُ المعهودُ في الشاهدِ فَمُسْتَحِيلٌ أن يُتَوَهَّمَ في جهة اللَّه تعالى، ولا يستقيمُ عليه معنى قوله: {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ}، وقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم:92] لفظٌ يعمُّ اتخَاذَ النسلِ واتخاذَ الاصطِفاء، فأما الأول فمعقولٌ، وأمَّا الثاني فمعروفٌ بخبر الشرع، ومما يدل على أن مَعْنى قوله: {أَن يَتَّخِذَ} إنما المقصودُ به اتخاذُ ٱصطِفَاءٍ، وَتَبَنٍّ ـــ قولُهُ: {مِمَّا يَخْلُقُ} أي: مِنْ موجوداتِه ومُحْدَثَاتِه ـــ ثم نَزَّهَ سبحانه نفسَه تنزيهاً مطلقاً عن كلِّ ما لاَ يَلِيقُ بهِ سبحانه. وقوله تعالى: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ...} الآية، معناه: يُعِيدُ مِنْ هَذَا على هذا، ومنه كُورُ العِمَامَة التي يَلْتَوِي بعضُها على بعض، فكأن الذي يطولُ مِن النهارِ أو الليلِ يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي يَطولُ، فيستَتِرُ فيه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} في "تنزيل" وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا تنزيل. وقال أبو حيان: وأقول: إنه خبر والمبتدأ "هو" ليعود على قوله: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [يوسف:104] كأنه قيل: وهذا الذكر ما هو؟ فقيل: هو تنزيلُ الكِتَابِ. الثاني: أنه مبتدأ، والجار بعده خبره أي تَنْزِيلُ الكتاب كَائِنٌ من الله، وإليه ذهب الزَّجَّاج والفراء. قال بعضهم: وهذا أولى من الأول؛ لأن الإضمار خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورةٍ، وأيضاً فإنَّا إذا قلنا: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ} جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدةً شريفة وهي تنزيل الكتاب يكون من الله لا من غيره، وهذا الحصر معنى مُعْتَبَرٌ، وإذا أضمرنا المبتدأ لم تَحْصُلْ هذه الفائدة، وأيضاً فإنا إذا أَضْمَرْنَا المبتدأ صار التقدير: هذا تنزيلُ الكتاب، وحينئذ يلزم مجاز آخر لأن هذا إشارة إلى السورة وهي ليست نفس التنزيل بل السورة منزلة فحينئذ يحتاج إلى أن يقول: المراد منه المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة. قوله: "مِنَ اللَّهِ" يجوز فيه أوجه: أحدها: أنه مرفوع المحل خبر التنزيل كما تقدم. الثاني: أنه خبر بعد خبر إذا جعلنا تَنْزِيل خبر مبتدأ مضمر، كقولك: هَذَا زَيْدٌ مِنْ أهْلِ العِرَاقِ. الثالث: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هَذَا تنزيل هذا من الله. الرابع: أنه متعلق بنفس "تَنْزِيلٍ" إذا جعلناه خبر مبتدأ مضمر. الخامس: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من "تَنْزِيلٍ" عَمِلَ فيه اسم الإشارة المقدر قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ولا يجوز أن يكون حالاً عمل فيها معنى الإشارة؛ لأن معاني الأفعال لا تعمل إذا كان ما هي فيه محذوفاً، ولذلك ردوا على أبي العباس قوله في بيت الفرزدق: شعر : 4287- ....................... .......... وَإِذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ تفسير : أنّ "مِثْلَهُمْ" منصوب بالخبر المحذوف وهو مقدر وإذ ما في الوجود في حال مماثلتهم بشراً. السادس: أنه حال من "الكتاب". قاله أبو البقاء، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه لكونه مفعولاً للمضاف، فإن المضاف مصدر مضاف لمفعوله. والعامة على رفع "تَنْزِيلُ" على ما تقدم، وقرأ زَيْدُ بنُ عَلِيّ (وَعِيسَى) وابنُ أبِي عَبْلَةَ بنصبه بإضمار فعل تقديره الْزَمْ أو اقرأْ ونَحْوَهُمَا. فصل احتج القائلون بخَلْق القرآن بأن الله تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً. وهذا الوصف لا يليق إلا بالمُحْدَثِ المخلوق، قال ابن الخطيب: والجواب أنّا نحمل هذه اللفظة على الصِّيغ والحُرُوف. قوله: "العَزِيزِ الحَكِيمِ" والعزيز هو القادر الذي لايُغْلَبُ، والحكيم هو الذي يفعل (لداعية) الحكمة وهذا إنما يتم إذا كان عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات. قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} اعلم أن لفظ "تنزيل" يُشْعِرُ بأنه تعالى أنزله نجماً نجماً على سبيل التدريج، ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله دفعة واحدة، وطريق الجمع أن يقال: إنا حكمنا حكماً كلياً بأن نوصل إليك هذا الكتاب وهذا الإنزال ثم أوصلنا إليك نَجْماً نجماً على وَفْق المصالح. (وهذا هو التنزيل). قوله: "بالحَقِّ" يجوز أن يتعلق "بالإِنْزَالِ" أي بِسَبَبِ الحق وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي ملتبسين بالحق أو ملتبساً بالحَقّ والصِّدْق والصواب، والمعنى كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمَعَاد وأنواع التكاليف فهو حق يجب العمل به وفي قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} تكرير تعظيم بسبب إبرازه في جملة أخرى مضافاً إنزاله إلى المعظم نفسه. قوله: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً } لما بين أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق وأردفه ببيان بعض ما فيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله على سبيل الإخلاص فقال: فَاعْبُد اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، فقوله: "مُخْلِصاً لَهُ" حال من فاعل "فاعبدْ" و"الدينَ" منصوب باسم الفاعل، والفاء في "فاعبدْ" للربط، كقولك: "أحْسَنَ إِليكَ فلانٌ فاشْكُرْهُ" والعامة على نصب "الدين"، وقرأ ابن أبي عبلة برِفعِهِ، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية رافعهُ "مخلصاً". وعلى هذا فلا بد من تجوز وإضمار، أما التجوز فإسناد الإخلاص للدين وهو لصاحبه في الحقيقة ونظيره قولهم: شِعْرُ شَاعِرٍ، وأما الإضمار فهو إضمارٌ عائد على ذِي الحال، أي مخلصاً له الدين منك، هذا رأي البصريين في مثل هذا، وأما الكوفيون فيجوز أن يكون عندهم "أل" عوضاً عن الضمير أي مُخْلِصاً دينُك. قال الزمخشري: وحقّ لمن رفعه أن يقرأ مُخْلَصاً - بفتح اللام - لقوله تعالى: {أية : وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} تفسير : [النساء:146] حتى يطابق قوله: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} والخالِصُ والمُخْلصَ واحد إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم: "شِعْرُ شَاعِرٍ". الثاني: أنْ يتم الكلام على: "مُخْلِصاً" وهو حال من فاعل "فَاعْبُدْ"، و "لَهُ الدِّين" مبتدأ وخبر، وهو قول الفراء. وقدر ردَّه الزمخشري وقال: فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لِلّه الدين ألا لله الدين الخالص. قال شهاب الدين: وهذا الذي ذكره الزمخشري لا يظهر فيه ردٌّ على هذا الإعراب. فصل المراد بإخلاص الدين الطاعة، {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ } قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله. واعلم أنّ العبادة فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول يؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب الانقياد له وأما الإخلاص فهو أن أن يكون الداعي إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد الانقياد والامتثال، واحتج قَتَادَةُ بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ حِصْنِي، وَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي وهذا قول من يقول لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا ينتفع بالطاعة مع الكفر تفسير : وقال الأكثرون الآية متناولة لكل ما يخلق الله به من الأوامر والنواهي لأن قوله تعالى "فاعبد الله" عام. ورُوِيَ أن امرأة الفَرَزْدَق لما قَرُبَتْ وقاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما دفنت قال الحسن للفرزدق: أبا فِرَاس ما الذي أعددت لهذا الأمر؟ قال شهادة أن لا إله إلاّ الله. قال الحسن: هذا العمود فأي الطُّنُب؟ فبين هذا اللفظ الوجيز أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة. قال القاضي: فأما ما يروى حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ وأبي الدرداء: وإنْ زَنَا وإنْ سَرقَ على رغم أنف أبي الدرداءتفسير : فإن صح فإنه يجب أن يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يَجُز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن، ولأنه يوجب أن يكون الإنسان مزجوراً عن الزّنا والسَّرقة ويكون إغراء له لفعل القبيح، وذلك ينافي حكمة الله، وهذا يدل على أن اعتقاد فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين، هذا تمام قول القاضي. قال ابن الخطيب: فيقال له: أمّا قولك: إن القول بالمغفرة مخالفٌ للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء:48] وقال: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } تفسير : [الرعد: 6] كما يقال: رأيت الأمير على أكله وشربه أي حين كونه آكلاً وشارباً. وقال: {أية : يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر:53] وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح فيقال له: إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلاً. وهذا مذهب البَغْدَاديّ من المعتزلة، وأنت لا تقول به لأن مذهب البصريين غفرانُ الذنب جائز عقلاً، وأيضاً فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة لأنه إذا علم أنه أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر، وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضر(ه) ذلك الذنب البتة. ثم نقول: مَذْهَبُنَا أنّا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة إلا أنه تعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من يشَاء وإذا كان الأمر كذلك كان الخوف حاصلاً والله أعلم. قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} يجوز فيه أوجه: أحدها: أن يكون "الذين" مبتدأ، وخبره قول مضمر حذف وبقي معموله وهو قوله: "مَا نَعْبُدُهُمْ" والتقدير: يَقُولُون مَا نَعْبُدُهُمْ. الثاني: أن يكون الخبر قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} ويكون ذلك القول المضمر (في محل نصب على الحال أي والَّذين اتخذوا قَائِلينَ كذا إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُم. الثالث: أن يكون القول المضمر) بدلاً من الصلة التي هي "اتخذوا" والتقدير: والذين اتخذوا قالوا ما نعبدهم، والخبر أيضاً: إنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ. و"الَّذِينَ" في هذه الأقوال عِبَارَةٌ عن المشركين المتخذين غيرهم أولياء. الرابع: أن يكون "الَّذين" عبارة عن الملائكة وما عبدوا من دون الله كعُزَيْرٍ، واللاَّتِ والعُزَّى ويكون فاعل "اتَّخَذَ" عائداً على المشركين ومفعول الاتّخاذ الأول محذوف هو عائد الموصول، والمفعول الثاني هو: "أَوْليَاء" والتقدير: والذين اتخذهم المشركون أولياء. ثم لك في خبر المبتدأ وجهان: أحدهما: القول المضمر والتقدير والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المشرِكُونَ أولياء يقول فيهم المشركون ما نعبدهم إلا. الثاني: أن الخبر هي الجملة من قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وقرىء: "ما نُعْبُدُهُمْ" بضم النون إتباعاً للباء، ولا يعتدُّ بالساكن. قوله: "زُلْفَى" مصدر مؤكد على غير المصدر ولكنه مُلاَقٍ لعامله في المعنى، والتقدير (والمعنى) ليزْلِفُونا زُلْفَى ولِيُقَرِّبُونَا قُرْبَى. وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً مؤكدة. فصل والذين اتخذوا من دونه أي من دون الله أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله. وهذا الضمير عائد إلى الأشياء التي عبدت، وهذا الكلام إنما يليق بالعقلاء لأن الضمير في: "نَعْبُدُهُمْ" ضمير العقلاء فيحمل على المسيح وعُزَيْر والملائكة لكي يشفعوا لهم عند الله. ويمكن أن يُحْمَل على الأصنام أيضاً لأن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجرٌ، وإنما يعبد ربه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية أو تماثيل الملائكة أو تماثيل الصالحين الذين مضوا ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى أصحاب تلك الصور. ولما حكى الله تعالى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: الأول: أنه اقتصر في الجواب على مجرد القول فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. واعلم أن المبطل إذا ذكر مذهباً باطلاً وأصرّ عليه فعلاجه أن يحتال بحِيلةٍ توجب زَوَالَ والإصرار عن قلبه، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يذكر له الدليل الدالَّ على بُطْلاَنِهِ فيكون هذا الطريق أفضى إلى المقصود كما يقول الأطباء: لا بد من تقديم (المُنْضج) على سقي المُسهل، فإن تناول المنضج يصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال، فإذا سقي المُسهل بعد ذلك حصل النقَاء التامّ فكذلك ههنا سماع التهديد والتخويف أولاً يجري مَجْرَى سَقْي المنضج أولاً، وإسماع الدليل ثَانِياً يجْرِي مَجْرَى المُنْضج المسهل ثانياً. فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد. ثم قال اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} أي من أصر على الكذب والكفر بقي (مَحـ)ـرُوماً من الهداية. والمراد بهذا الكذب وصفهم للأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة، ويحتمل أن يكون المراد بالكفار كفران النعمة لأن العبادة نهاية التعظيم وذلك لا يليق إلا ممن يصدر عنه غاية الإنعام وهو الله تعالى، والأوثان لا مدخل لها في الإنعام فعبادتها توجب كفران نعمة المنعم الحق. قوله: "كَاذِبٌ كَـفَّارٌ" قرأ الحسنُ والأَعْرَجُ - وتُرْوَى عن أنس - كَذَّاب كفار، وزيدُ بنُ عَليٍّ كَذُوبٌ كفورٌ.

البقاعي

تفسير : لما تبين من التهديد في ص أنه سبحانه قادر على ما يريد، ثم ختمها بأن القرآن ذكر للعالمين، وأن كل ما فيه لا بد أن يرى لأنه واقع لا محالة لكن من غير عجلة، فكانوا ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان قادراً لا يعجل ما يريده بعد حين، علل ذلك بأنه {تنزيل} أي بحسب التدريج لموافقة المصالح في أوقاتها وتقريبه للأفهام على ما له من العلو حتى صار ذكراً للعالمين، ووضع موضع الضمير قوله: {الكتاب} للدلالة على جمعه لكل صلاح، أي لا بد أن يرى جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله على سبيل التنجيم للتقريب في فهمه وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان، ثم أخبر عن هذا التنزيل بقوله: {من الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال {العزيز} فلا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في محالها التي هي أوفق لها، فلكونه منه لا من غيره كان ذكراً للعالمين، صادقاً في كل ما يخبر به، حكيماً في جميع أموره. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء، ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض حال من تقدم، وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب، فقال تعالى {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين} {ألا لله الدين الخالص} وجاء قوله تعالى {والذين اتخذوا من دونه أولياء} - الآية في معرض أن لو قيل: عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص، فسترى حاله، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى} - الآية، فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه {هو الله الواحد القهار} ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة، وهي نفس آدم عليه السلام، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شيء وأدل شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل، ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} ثم قال {ولا يرضى لعباده الكفر} فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم أنس من آمن ولم يتبع سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}تفسير : [الأسراء:7] {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} ثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة - انتهى. ولما أخبر أنه من عنده، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير، فقال صارفاً القول عن الغيبة منبهاً على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانياً، مبرزاً له في أسلوب العظمة مختبراً أنه خص به أعظم خلقه، معبراً بالإنزال الظاهر في الكل تجوزاً عن الحكم الجازم الذي لا مرد له: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {أنزلنا} أي بما لنا من العظمة، وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة، بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقاً له صلى الله عليه وسلم، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص به صلى الله عليه وسلم، ومن قرب منه ويسره وسهولته لأمته فقال: {إليك} أي خاصة بواسطة الملك، لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك، فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس، وأظهر موضع الإضمار تفخيماً بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول والفروع واللطائف والمعارف {الكتاب} أي الجامع لكل خير مع البيان القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي، والكائن، متلبساً {بالحق} وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره، فالواقع تابع لأخباره، لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لاخفاء بشيء منها، لا حلية له ولا لباس إلا الحق، فلا دليل على كونه من عنده من ذلك، فليتبعوا خبره، ولينظروا عينه وأثره. ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد، ثبت أنه سبحانه الإله وحده، فتسبب عن ذلك قوله لفتاً للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه بلحظ جميع صفات الكمال لأجل العبادة تعظيماً لقدرها لأنها المقصود بالذات: {فاعبد الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك {مخلصاً} والإخلاص هو القصد إلى الله بالنية بلا علة {له} أي وحده {الدين *} بمعانقة الأمر على غاية الخضوع لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك لذلك وخسأ عنك الأعداء، فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئاً من أمرك فأخلص لتكون رأس المخلصين الذين تقدم آخر سورة ص أنه لا سبيل للشيطان عليهم وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم، ووقع الحث على الاقتداء بهم بما ذكر من أمداحهم لأجل صبرهم في إخلاصهم، قال الرازي: قال الجنيد: الإخلاص أصل كل عمل وهو مربوط بأول الأعمال، وهو تصفية النية ومنوط بأواخر الأعمال بأن لا يلتفت إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال، وهو إفراد الله بالعمل، وفي الخبر "أنا أغنى الشركاء عن الشرك". ولما أمره سبحانه بهذا الأمر، نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير حقه، وأن ذلك لا يتصور أن يكون لغيره، فقال في جواب من كأنه قال: لم منعه من الالتفات إلى غيره؟ منادياً إشارة إلى أنه لا مكافئ له فلا يسع أحداً يبلغه هذا النداء إلا الخضوع طائعاً أو كارهاً: {ألا لله} أي الملك الأعلى وحده {الدين الخالص} لأنه له الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد، فكما تفرد بأن خلقك وخلق كل ما لك من شيء فكذلك ينبغي أن تفرده بالطاعة، ولأنه إذا عبده أحد مخلصاً كفاه كل شيء، وأما غيره فلو أخلص له أحد لم يمكن أن يكفيه شيئاً من الأشياء فضلاً عن كل شيء والدين الذي هو أهل للإخلاص هو الإسلام الذي كان في كل ملة المنبني على القواعد الخمس المثبتة بالإخلاص المحض الناشئ من المراقبة في الأوامر والنواهي وجميع ما يرضي الشارع للدين أو يسخطه، فتكون جملته لله من غير شهوة ظاهرة أو باطنة في شهرة ولا غيرها، وإنما استحقه سبحانه دون غيره لأنه هو الذي شرعه ولا أمر لأحد معه فكيف يشركه من لا أمر له بوجه من الوجوه، وأما ما كان فيه أدنى شرك فهو رد على عامله والله غني حميد، وهذه كما ترى مناداة لعمري تخضع لها الأعناق فتنكس الرؤوس ولا يوجد لها جواب إلا بنعم وعزته وأي وكبريائه وعظمته، قال القشيري: وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد اللهم إلا أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته فأطاعه لا يخرج عن الاحتساب باحتسابه أمره فيه، ولولا هذا لما صح أن يكون في العالم مخلص، قال ابن برجان: وذلك - أي ترك الإخلاص - كله مولد عن حب البقاء في الدنيا ونسيان لقاء الله تعالى، ثم قال ما معناه: إن ذلك من الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك في الإلهية وهو أن يرى مع الله إلهاً آخر، وهو شرك المجوس والمجسمة: والوثنية، ويضاهيه غلط القدرية، الثاني شرك في العبادة بالرياء وإضافة العمل إلى النفس، والثالث الشرك الخفي وهو الشهوة الخفية، وهو أن يخفي العمل ويخاف من إظهار ويحب لو اطلع عليه ومدح بأسراره، ومن أحسن العون على الإخلاص الحياء من الله أن تتزين لغيره بعمل ألهمك إياه وقواك عليه وخلت فيه وزعمت تطلب التقرب إليه فأتاك عدوه إبليس الذي عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك، فاستعن على عبادتك بالستر فاستر حسناتك كما تستر سيئاتك، فإن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفاً، وذلك كالشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها، وأضر بها حرارة الهواء وبرده، وتعرضت للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ولم تحسن فروعها وخف ورقها فقل نفعها، وإذا غاصت عروقها غابت عن الآفات وأمنت القطع من أيدي الناس، فكثر شربها فجرى ماؤها فيها، فتزايدت لذلك فروعها واخضر ورقها وكثر خيرها وطاب ثمرها لجانيها، فكذلك العمل إذا كانت له أصول في القلب مستورة زكا في نفسه وطهر من الأدناس وكثر خيره وطاب ثوابه لعامله، وإذا بدا لم يؤمن عليه من أبصار الناظرين، وإذا خفي لم يبق ما يخاف منه إلا العجب ومحبة أن يطلع عليه، وهي الشهوة الخفية، ومن قولهم "من عرف الله بعد الضلالة وعرف الإخلاص بعد الرياء وأنزل الموت حق منزلته لم يغفل عن الموت والاستعداد له بما أمكنه" انتهى. ولما أخبر سبحانه عما له وحده، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسدة ليتركها، وأرشد السياق إلى أن التقدير: فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره، وإن اشتد الإشكال، وتراكمت وجوه الضلال، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال، والغي والمحال، فقال محذراً من مثل حاله، بما حكم عليه في مآله: {والذين} ولما كان الإنسان مفطوراً على الخضوع للملك الديان، ولا يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان، عبر بصيغة الافتعال فقال: {اتخذوا} أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا، ونبههم على خطئهم في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله: {من دونه} ومعلوم أن كل شيء دونه {أولياء} أي يكلون إليهم أمورهم، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله مع اعترافهم بأن الله تفرد بخلقهم ورزقهم. ولما كان من العجب العجيب فعلهم، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية بينة في أنه لا هدى لهم فقال: {ما} أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه ولياً: ما {نعبدهم} لشيء من الأشياء {إلا ليقربونا} ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف الغاية فقال: {إلى الله} الذي له معاقد العز ومجامع العظمة، تقريباً عظيماً على وجه التدريج ويزلفونا إليه {زلفى} أي تقريباً حسناً سهلاً بهجاً زائداً نامياً متعالياً، قال القشيري: ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فرد الله عليهم، وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت، فكل ذلك اتباع هوى - انتهى - والآية من الاحتباك: ذكر فعل التقريب أولاً دليلاً على فعل الزلف ثانياً، واسم الزلف ثانياً دليلاً على الاسم من التقريب أولاً، وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم، فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة على المعنى بلفظين أجدر في ثباته وتكثيره من لفظ واحد, وبدأ, بأرشق الفعلين وأشهرهما وأخفهما وأوضحهما، وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم الله المعتذر بها، وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول، وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم. ولما كان إنما محط دينهم الهوى، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن الاضطراب في نفسه، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيراً فيكثر الخلاف والنزاع وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة، ولذلك كلن لكل قبيلة ممن يعبد الأصنام صنم غير صنم الأخرى وكان بعض القبائل يعبد الشعرى، وبعضهم يعبد الملائكة وبعضهم غير ذلك {أية : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون} تفسير : [المؤمنون: 53] نبه على ذلك مهدداً لهم بقوله مخبراً مؤكداًَ لأجل إنكارهم: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما لم يقيد الحكم بالقيامة وكانوا معترفين بأن المصائب في الدنيا منه قال: {يحكم بينهم} من غير تأكيد آخر أي بين جميع المخالفين في الأديان وغيرها من المتخذين للأولياء من دونه ومن المخلصين وغيرهم فلا بد أن ينصر أهل الحق على جميع أهل الباطل. ولما كانوا أوزاعاً أكثر قبائلهم على خلاف ما يعتقده غيرها، قال: {في ما} أي في الدين الذي والأمر الذي. ولما كان تحكيمهم للهوى موفراً لدواعيهم على الاختلاف، وكان الاتخاذ الذي يبنى الكلام عليه له نظر عظيم إلى علاج الباطن بخلاف سورة يونس اثبت الضمير هنا فقال: {هم} أي بضمائرهم {فيه يختلفون *} أي ليس لهم أصل يضبطهم، فهو لا يرجعون إلا إلى الخلف كيف ما تقلبوا لأنهم مظروفون لذلك العمل الذي مبناه الهوى هو منشأ الاختلاف، فكيف إذا انضم إلى ذلك خلاف المخلصين وإنكارهم عليهم الذي أرشد إليه اعتذارهم، فظهر من هذا أن اختلاف الأئمة في فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقواعد استنبطوها من ذلك لا يخرجون عنها ليس خلافاً بل وفاق لوحدة ما يرجعون إليه من الأصل الصحيح الثابت عن الله، ومن هذا إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر وأبي وغيرهما رضي الله عنهم لما أنكر كل منهم على من خالفه في القراءة وقال:حديث : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تختلفواتفسير : ، فلا فرق بين أن يستند كل من الأمرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً أو اجتهاداً لأنه في قوة الاتفاق لوحدة مرجعه - والله الموفق، ويجوز أن يكون الضمير في "بينهم" لهم ولمعبوداتهم فإنهم ليس منهم معبود صامت ولا ناطق إلا وهو صارخ بلسان حاله إن لم ينطق لسان قاله بأنه مقهور مربوب عابد لا معبود، فهم مع من يعبدهم في غاية الخلاف. ولما كان من الأمر الواضح أن الدين لا يكون صالحاً إلا أن انتظم بنظام غير مختل، وكان الدين إذا كان معوجاً داعياً إلى التفرق منادياً على نفسه بالانخلاع عنه والبعد منه فكان الحال مقتضياً للتعجب ممن تدين به، فضلاً عمن يدوم عليه، فضلاً عمن لا ينتبه عند التنبيه، فضلاً عمن يقاتل دون ذلك، أجاب من كأنه قال: سبب عكوفهم على هذا الضلال الذي أوجب لهم قطعاً الاختلاف بالفعل أو بالقوة، فقال مؤكداً تكذيباً لمن ينكر ما تضمنه هذا الإخبار وإن ظهر لبعض العمى غير ذلك مما يبدو من الكذبة والكفرة من أعمال مزينة وأفكار دقيقة فتظن هدى وإنما هي استدراج. ولما أرشد السياق إلى أن المعنى: لأنهم غير مهتدين لأن الله لم يخلق الهداية في قلوبهم، نسق به قوله: {إن الله} أي الملك القادر القاهر الحكيم. ولما كان الأصل: لا يهديهم, وأراد سبحانه التعميم وتعليق الحكم بالوصف تنفيراً عنه قال: {لا يهدي} أي لا يخلق الهداية في قلب {من هو} أي لضميره {كاذب} أي مرتكب الكذب عريق فيه حتى أداه كذبه إلى أن يقول على ملك الملوك أن شيئاً يقرب إليه بغير إذنه، ويخضع بالعبادة التي هي نهاية التعظيم، فهي لا تليق بغير من ينعم غاية الإنعام لمن لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولم يعبر في الكذب بصيغة مبالغة لأن الذين السياق لهم لم يقع منهم كذب إلا في ادعائهم أنهم يقربونهم. ولما كان من كفر في حين من الدهر قد ضاعف كفره لكثرة ما على الوحدانية من الدلائل وما لله عليه من الإحسان، وكان هؤلاء الذين لهم السياق قد كفروا بتأهيلهم لشركائهم للعبادة ولعبادتهم بالفعل ولادعائهم فيهم التقريب قال {كفار} بصيغة المبالغة، والأحسن أن يقال: إن المبالغة لإفهام أن الذي لا يهديه إنما هو من ختم عليه سبحانه الموت على ذلك، قال القشيري: والإشارة إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه ويدعي شيئاً ليس بصادق فيه فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده، وعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} يعني القرآن {فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص} قال: شهادة أن لا إله إلا الله {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى} قال: ما نعبد هذه الآلهة إلا ليشفعوا لنا عند الله تعالى. وأخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي رضي الله عنه‏، حديث : أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله انا نعطي أموالنا التماس الذكر، فهل لنا في ذلك من أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله لا يقبل إلا من أخلص له"‏.‏ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏ألا لله الدين الخالص‏} ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏والذين اتخذوا من دونه أولياء‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ أنزلت في ثلاثة أحياء‏: عامر، وكنانة، وبني سلمة‏.‏ كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون الملائكة بناته‏.‏ فقالوا ‏ {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏} ‏ قال‏:‏ قريش يقولون للأوثان، ومن قبلهم يقولونه للملائكة ولعيسى ابن مريم ولعزيز‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد رضي الله عنه قال كان عبد الله رضي الله عنه يقرأ ‏{‏والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأها ‏{‏قالوا‏ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏.‏

ابو السعود

تفسير : (سورة الزمر مكية إلا قوله {قل يا عبادي} الآية وآياتها خمس وسبعون آية) {بِسْمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيم} {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ هو اسم إشارة أُشير به إلى السُّورةِ تنزيلاً لها منزلةَ الحاضر المُشارِ إليه لكونها على شرف الذِّكرِ والحضورِ كما مرَّ مراراً. وقد قيل هو ضميرٌ عائد إلى الذِّكرِ في قوله تعالى: { أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [سورة الأنعام: الآية 90] وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} صلة للتَّنزيلِ أو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ من التَّنزيلِ عاملُها معنى الإشارة أو من الكتابِ الذي هو مفعولٌ معنى، عاملُها المضاف، وقيل هو خبرٌ لتنزيلُ الكتابِ، والوجهُ الأَوَّلُ أو في بمقتضى المقامِ الذي هو بـيانُ أنَّ السُّورةَ أو القُرآنَ تنزيلُ الكتابِ من الله تعالى لا بـيانُ أنَّ تنزيلَ الكتابِ منه تعالى لا من غيرِه كما يفيده الوجهُ الأخيرُ. وقُرىء تنزيلَ الكتابِ بالنَّصبِ على إضمار فعلٍ نحو اقرأْ أو الزمْ. والتَّعرُّضُ لوصفَيْ العزَّةِ والحكمة للإيذانِ بظهور أثريهما في الكتابِ بجريانِ أحكامِه ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مُدافعٍ ولا ممانع، وبابتناءِ جميع ما فيه على أساس الحِكَمِ الباهرةِ. وقولُه تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} شروعٌ في بـيان شأن المنزَّلِ إليه وما يجبُ عليه إثرَ بـيانِ شأن المنَّزلِ وكونِه من عند الله تعالى، والمرادُ بالكتاب هو القُرآنُ وإظهاره على تقدير كونِه هو المرادَ بالأَوَّلِ أيضاً لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنِه. والباء إمَّا متعلِّقةٌ بالإنزال أي بسبب الحقِّ وإثباته وإظهارِه أو بداعية الحقِّ واقتضائه للإنزالِ وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من نون العظمةِ أو من الكتاب أو أنزلناهُ إليك محقِّين في ذلك أو أنزلناه مُلتبِساً بالحقِّ والصواب أي كلُّ ما فيه حقٌّ لا ريبَ فيه موجبٌ للعمل به حَتْماً. والفاءُ في قوله تعالى: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينِ} لترتيب الأمر بالعبادة على إنزالِ الكتاب إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالحقِّ أي فاعبْدُه تعالى ممُحِّضاً له الدِّينَ من شوائب الشِّركِ والرِّياءِ حسبما بُـيِّن في تضاعيف ما أُنزل إليك. وقُرىء برفع الدِّينِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه الظَّرفُ المقدَّمُ عليه لتأكيد الاختصاصِ المُستفاد من اللاَّمِ. والجملةُ استئنافٌ وقع تعليلاً للأمر بإخلاصِ العبادةِ. وقوله تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ} استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله من الأمرِ بإخلاص الدِّينِ له تعالى، ووجوبِ الامتثالِ به. وعلى القراءةِ الأخيرةِ مؤكِّدٌ لاختصاصِ الدِّينِ به تعالى أي أَلاَ هو الذي يجبُ أنْ يُخصَّ بإخلاصِ الطَّاعةِ له لأنَّه المُتفرِّدُ بصفاتِ الأُلوهيَّةِ التي من جُملتها الاطِّلاعُ على السَّرائرِ والضَّمائرِ. وقولُه تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} تحقيقٌ لحقِّيةِ ما ذُكر من إخلاص الدِّينِ الذي هو عبارةٌ عن التَّوحيدِ ببـيان بُطلان الشِّركِ الذي هو عبارةٌ عن ترك إخلاصِه، والموصولُ عبارةٌ عن المُشركين ومحلُّه الرَّفعُ على الابتداءِ خبرُه ما سيأتي من الجُملةِ المُصدَّرةِ بأنْ. والأولياءُ عن الملائكةِ وعيسى عليهم السَّلامُ والأصنامِ. وقولُه تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى} حالٌ بتقدير القَول من واوِ اتَّخذوا مبنيةٌ لكيفيَّةِ إشراكِهم وعدمِ خُلوصِ دينهم. والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العلل. وزُلْفى مصدرٌ مؤكَّدٌ على غير لفظِ المصدرِ ملاقٍ له في المعنى أي والذينَ لم يُخلصوا العبادةَ لله تعالى بل شابُوها بعبادةِ غيره قائلين ما نعبدُهم لشيءٍ من الأشياءِ إلا ليقرِّبونا إلى الله تعالى تقريباً. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي وبـين خصمائِهم الذين هم المُخلِصون للدِّين. وقد حُذفَ لدلالةِ الحالِ عليه كما في قولِه تعالى: { أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 285] على أحدِ الوجهينِ أي بـين أحدٍ منهم وبـين غيرِه وعليه قول النَّابغةِ: [الطويل] شعر : فمَا كانَ بـينَ الخيرِ لو جاءَ سالما أبُو حَجَرٍ إلاَّ ليالٍ قلائلُ تفسير : أي بـين الخيرِ وبـينِي وقيل: ضيمر بـينَهم للفريقينِ جميعاً {فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الدِّين الذي اختلفُوا فيه بالتَّوحيد والإشراكِ وادَّعى كلُّ فريقٍ منهم صحَّةَ ما انتحله وحكمُه تعالى في ذلك إدخالُ الموحِّدينَ الجنَّةَ والمشركين النَّارَ فالضَّميرُ للفريقينِ هذا هو الذي يستدعيِه مساقُ النَّظمِ الكريم، وأمَّا تجويزُ أنْ يكونَ الموصول عبارةً عن المعبودينَ على حذف العائد إليه وإضمارِ المشركينَ من غير ذكر تعويلاً على دلالة المساقِ عليهم، ويكون التَّقديرُ والذين اتَّخذهم المشركون أولياءَ قائلين ما نعبُدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله إنَّ الله يحكم بـينهم أي بـين العَبَدةِ والمعبودينَ فيما هم فيه يختلفُون حيثُ يرجُو العَبَدةُ شفاعتهم وهم يلعنونهم فبعد الإغضاءِ عمَّا فيه من التَّعسُّفاتِ بمعزل من السَّدادِ، كيف لا وليس فيما ذُكر من طلب الشَّفاعةِ واللَّعنِ مادَّةٌ يختلفُ فيها الفريقانِ اختلافاً مُحوِجاً إلى الحكمِ والفصلِ وإنَّما ذاك ما بـين فريقَيْ الموحِّدينَ والمشركينَ في الدُّنيا من الاختلاف في الدِّينِ الباقي إلى يوم القيامة. وقُرىء قالُوا ما نعبدُهم فهو بدلٌ من الصِّلةِ ولا خبرٌ للموصول كما قيل إذ ليس في الإخبارِ بذلك مزيدُ مزيِّةٍ. وقُرىء ما نعبدكم إلاَّ لتُقرِّبونا حكايةً لما خاطبُوا به آلهتَهم. وقُرىء نعبدُهم إتباعاً للباء{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى} أي لا يُوفِّقُ للاهتداءِ إلى الحقِّ الذي هو طريقُ النَّجاةِ عن المكروهِ والفوزُ بالمطلوبِ {مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ} أي راسخٌ في الكذبِ مبالغٌ في الكُفرِ كما يُعربُ عنه قراءةُ كذَّاب وكَذُوب فإنَّهما فاقدانِ للبصيرةِ غيرُ قابلينِ للاهتداءِ لتغيـيرهما الفطرةَ الأصليَّةَ بالتَّمرُّنِ في الضَّلالةِ والتَّمادِي في الغِيِّ. والجملةُ تعليلٌ لما ذُكر من حكمه تعالى.

القشيري

تفسير : أي هذا كتابٌ عزيزٌ نَزَلَ من ربِّ عزيز على عبدٍ عزيز بلسان مَلَكٍ عزيز في شأنِ أَمةٍ عزيزة بأمرٍ عزيز. وفي ورود الرسولِ به من الحبيب الأول نزهةٌ لقلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها، وارتياحٌ عند قراءة فصولها. وكتابُ موسى في الألواح التي كان منها يقرأ موسى، وكتابُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم نَزَلَ به الروحُ الأمينُ على قلبِ المصطفى صلوات الله عليه... وفَصْلٌ بين من يكون كتابُ ربِّه مكتوباً في ألواحه، وبين من يكون خطابُ ربِّه محفوظاً في قلبه، وكذلك أمته، قال تعالى: {أية : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} تفسير : [العنكبوت: 49].

البقلي

تفسير : اى هذا تنزيل الكتاب وهو القرأن وهو صفه القديم بدا منه بنعت التجلى وانزل من عنده للامر والاحكام وظهوره بنعت الصفة للخصوص وبنعت النزول للعموم هو العزيز من حيث لا تفارق صفته عن ذاته وهو الحكيم من حيث مع عباده التمتع بكشفه وانزاله رحمة للعموم والخصوص قال الاستاذ كتاب عزيز نزل من ربّ عزيز على عبد عزيز بلسان ملك عزيز فى شان امة عزيز بامر عزيز ورد الرسول عن الحبيب الاول بعد التلاقى بعد طول تزيل نزهة قلوب الاحباب بعد قبول غصن سرورها فى كتب الاحباب عند قرأة فصولها والعجب منها كيف لا ترهق سرورا بوصالها اورتياحا بحصولها.

اسماعيل حقي

تفسير : {تنزيل الكتاب} اى القرآن وخصوصا منه هذه السورة الشريفة وهو مبتدأ خبره قوله {من الله العزيز الحكيم} لا من غيره كما يقول المشركون ان محمدا تقوّله من تلقاء نفسه. وقيل معناه تنزيل الكتاب من الله فاستمعوا له واعملوا به فهو كتاب عزيز نزل من رب عزيز على عبد عزيز بلسان ملك عزيز فى شأن امة عزيزة والتعرض لوصفى العزة والحكمة للايذان بظهور اثريهما فى الكتاب بجريان احكامه ونفاذ اوامره ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع وبابتناء جميع ما فيه على اساس الحكم الباهرة. وقال الكاشفى {العزيز} [خداوند غالب در تقدير {الحكيم} دانا است در تدبير]. وفى فتح الرحمن العزيز فى قدرته الحكيم فى ابداعه

ابن عجيبة

تفسير : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ...}. قلت: {تنزيل} خبر، أي: هذا تنزيل، و {من الله}: صلة لتنزيل، أو: خبر ثان، أو: حال من التنزيل، عاملها: معنى الإشارة. يقول الحق جلّ جلاله: هذا الذي تتلوه هو {تنزيلُ الكتاب}، نزل {من} عند {الله العزيزِ} في سلطانه {الحكيم} في تدبيره. وإيثار الوصفين للإيذان بجريان أثريهما في الكتاب، بجريان أحكامه ونفوذ أوامره ونواهيه. {إِنا أنزلنا إِليك الكتاب بالحق}: ليس بتكرُّر؛ لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. قال أبو السعود: والمراد بالكتاب: القرآن، وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول؛ لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء إما متعلقة بالإنزال، أي: بسبب الحق وإظهاره، أو: بداعيته واقتضائه، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة، أو: من الكتاب، أي: أنزلناه إليه محقين في ذلك، أو: ملتبساً بالحق والصواب، أي: ما فيه حق لا ريب فيه موجب العمل به حتماً. قال القشيري: بالحق، أي: بالدين الحق والشرع الحق، وأنا مُحِق في إنزاله. {فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً له الدينَ} أي: فاعبده تعالى مخلصاً دينه من شوائب الشرك والرياء، حسبما بُيِّن في تضاعيف ما أنزل إليه. {ألاَ للهِ الدينُ الخالِصُ} أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة؛ لأنه المنفرد بصفات الألوهية، التي من جملتها: الاطلاع على السرائر والضمائر. الإشارة: قال القشيري: كتابٌ عزيزٌ، نزل من ربٍّ عزيز، على عبدٍ عزيز، بلسان مَلَكٍ عزيز، في شأنِ أمةٍ عزيزة، بأمرٍ عزيز. وأنشدوا: شعر : ورَدَ الرسولُ من الحبيب الأوَّلِ بعد البلاء، وبعد طُول الأمل تفسير : تنزيل تنزّهت قلوب الأحباب بعد ذُبولِ عصن سرورها، في كتاب الأحباب، عند قراءة فصولها. والعجب منها كيف لا تزهو سروراً بوصولها، وارتياحاً بحصولها، وكتابُ موسى في الألواح، ومنها كان يقرأ موسى، وكتابُ نبينا صلى الله عليه وسلم نَزَلَ به الروح، الأمين، على قلبك، وفَصْلٌ بين مَن يكون خطابُ ربه مكتوباً في ألواحه، وبين مَن يكون خطاب ربه محفوظاً في قلبه، وكذلك أمته، {أية : بَلْ هُوَ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} تفسير : [العنكبوت: 49]. هـ. وقوله تعالى: {فاعْبُد اللهَ مخلصاً له الدينَ}، قال القشيري: العبادة: معانقة الطاعات على نعت الخضوع، وتكون بالنفس وبالقلب وبالروح، فالتي بالنفس ـ أي: بالجوارح ـ الإخلاص فيها: التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب، أي: كالفكرة والنظرة، الإخلاص فيها: التباعد عن رؤية الأشخاص ـ أي: الحس من حيث هو ـ والتي بالروح، الإخلاص فيها: التنقِّي عن رؤية طلب الاختصاص. قوله تعالى: {ألا لله الدينُ الخالصُ} هو ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد، اللهم إلا أن يكون بأمره، فإنه إذا أَمَرَ العبدَ أن يحتسب الأجرَ على طاعته، فأطاعه، لا يخرج عن الإخلاص بامتثاله ما أمره به، ولولا هذا مَا صحَّ أن يكون في العالَم مُخْلِصٌ، يعني: أن جُل الناس إنما يطيعون لاحتساب الأجر، إلا الفرد النادر، فمَن زال عنه الحجاب فإنه يعبد الله بالله، شكراً، وإظهاراً للأدب، فإن قصد الاحتساب، ثم طرأ عليه خواطر بعد تحقق الإخلاص، فلا يضر، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"تفسير : وهذا في أصل القصد، والعوارض غير مضرة، كما هو صريح حديث آخر. والله تعالى أعلم. ثمّ ردّ على المشركين، فقال: {... وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}. قلت: {والذين}: مبتدأ، و {ما نعبدهم}: محكي بقول محذوف، حال من واو "اتخذوا" وجملة "إن الله": خبر، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، و "زلفى": مصدر. يقول الحق جلّ جلاله: {والذين اتخذوا من دونه أولياء} أي: لم يخلصوا في عبادتهم، بل شاوبُوها بعبادة غيره، كالأصنام، والملائكة، وعيسى، قائلين: {ما نعبدهم} لشيء من الأشياء {إِلا لِيُقَربُونا إِلى الله زُلفى} أي: تقريباً، {إِن الله يحكم بينهم} وبين خصمائهم، الذين هم المخلصون للدين، وقد حذف لدلالة الحال عليه، كقوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} تفسير : [البقرة: 285] على أحد الوجهين، أي: بين أحد منهم وبين غيره. قيل: كان المسلمون إذا قالوا للمشركين: مَن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. {إِن الله يحكُم} يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين {فيما هم فيه يَختلِفُون} من التوحيد والإشراك، وادعاء كل واحد صحة ما انتحله. وحكمُه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار. وقيل: الموصول واقع على الأصنام، والعائد محذوف، أي: والذين اتخذوهم من دونه أولياء، قائلين: ما نعبدهم... الخ، إن الله يحكم بينهم، أي: بين العبَدة والمعبودين فيما هم فيه يختلفون، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم، وهذا بعيد. {إِن الله لا يهدي}: لا يُوفِّق للاهتداء {مَن هو كاذب كفَّار} أي: راسخ في الكذب، مبالغ في الكفر، كما يُعرب عنه قراءة من قرأ: "كذاب" أو: "كذوب"، أي: لا يهديهما اليوم لدينه؛ لسابق الشقاء، ولا في الآخرة لثوابه؛ لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة، غير قابلين للاهتداء؛ لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرُّن في الضلالة والتمادي في الغي. {لو أراد اللهُ أن يتخذ ولداً} كما يزعم مَن يقول: الملائكة بنات الله، والمسيح وعزير ابن الله، تعالى الله عن قولهم عُلواً كبيراً، {لاصْطَفى مما يَخْلُقُ ما يشاء} أي: لاختار مِن خلقه ما يشاء، ممن له مناسبة صمدانية، كالملائكة، فإنهم منزَّهون عن نقائض البشرية، كالأكل والشرب والنكاح، لكن لم يُرد ذلك؛ لاستحالته في حقه تعالى. قال القشيري: خاطَبَهم على قَدْرِ عقولهم وعقائدهم، فقال: لو أراد الله أن يتخذ ولداً بالتبنِّي والكرامة لاختار من الملائكة، الذين هم مبرَّؤون من الأكل والشرب وأوصافِ الخلق، ثم أخبر عن تَقَدُّسه عن ذلك، فقال: {سبحانه} أي: تنزيهاً له عن اتخاذ الولد على الحقيقة؛ لاستحالة معناه في نَعْتِه، ولا بالتبني، لتقدُّسه عن الجنسية، والمحالات تدل على وجه الإبعاد. هـ. والحاصل: أن الولد في حقه تعالى؛ إن كان عن طريق التولُّد فهو محال، عقلاً ونقلاً، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمُحال سمعاً، وقيل: وعقلاً. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: قوله، أي: القشيري: لتقدُّسه عن الجنسية، يعني لوحدته وقهره، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين، أي: الواحد القهّار، وهما عاملان في كل مخلوق، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضي للجنسية، المباينة للوحدانية والقهر، فلا يمكن إلا العبودية، عقلاً، ونقلاً، وحقيقة، وهذا أشد من كلام ابن عطية، فإنه جوّز اتخاذه على جهة التشريف والتبني عقلاً، وإن امتنع شرعاً، لعموم آية: {أية : وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم: 92]؛ لاتخاذ النسل المستحيل عقلاً ونقلاً، ولاتخاذ الاصطفاء الممتنع شرعاً. وهو أيضاً أشدُّ من كلام الزمخشري، حيث قال: معنى الآية: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، ولكنه يصطفي مَن يشاء من عباده، على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولداً. هـ. فأجمل في الامتناع، وإن كان المتبادر منه شمول القسمين، وكذا قرر جواب "لو"، أي: لامتنع، وجعل قوله: {لاصطفى} الذي هو ظاهر في كونه جواباً غير جواب "بل" على معنى الاستئناف، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جري الكلام. والله أعلم. وما ذكره الزمخشري أيضاً من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلُّق الإرادة بالممتنع، وهي إنما تتعلق بالجائز، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في إرادة بعض ما لم يقع، وهو شنيع مذهبه، بل ويلزمه عود القهر عليه ـ تعالى عن ذلك، وهو الله الواحد القهّار، فكيف يريد ويمتنع ما يريده؟! هل ذلك إلا عين القهر؟ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. هـ. قال تعالى: {سبحانه} أي: تنزّه بالذات عن اتخاذ الولد، تنزهه الخاص به، على أن {سبحان} مصدر، من: سبّح: إذا بعّد. {هو اللهُ الواحدُ القهّارُ}: استئناف مبينٌ لتنزهه بحسب الصفات، إثر بيان تنزُّهه عنه بحسب الذات، فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال، النافية لسمات النقصان، والوحدة الذاتية، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق، مما يقتضي تنزهه تعالى عما قالوه، قضاء متيقناً، وكذا وصف القهارية؛ لأن اتخاذ الولد شأنُ مَن يكون تحت ملكوت الغير، عرضة للفناء، ليقوم الولد مقامه عند فنائه، ومَن هو مستحيل الفناء، قهّار لكل الكائنات، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية مَن يقوم مقامه؟ قاله أبو السعود. الإشارة: الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، كان على وجه الواسطة والتقريب، أو: على وجه الاستقلال. لذلك حَرُم السجود لغير الله، وأما الخضوع للأولياء، العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله؛ لأن الله تعالى أمر بالخضوع للرسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم، كما قال الشاعر: شعر : يا مَن يلوم خمرة المحبه فخذوا عني هي حلال ومَن يرد يسقي منها عبهْ خَدّ يضع لأقدام الرجال رأسي حططت بكل شيبه هم الموالي سقوني زلال تفسير : وجعل القشيري مناطَ الرد على الكفرة حيث فعلوا ذلك، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، بغير إذن الله، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم. فردَّ الله عليهم. قال: وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القُرَبِ، بنشاط نَفْسِه، من غير أن يقتضيه حُكْمُ الوقت، وما يعقد بينه وبين الله تعالى من عقودٍ لا يفي بها، وكان ذلك اتباعُ هوىً. قال الله تعالى: {أية : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} تفسير : [الحديد: 27]. قلت: ولأجل هذا وجب على مَن أراد الوصول إلى الله أن يتخذ شيخاً عارفاً بأحكام الوقت، ذا بصيرة بدسائس النفس، فيأمره في كل وقت، وفي كل زمان، بما يناسبه؛ ليُخرجه من هوى نفسه، وأسر طبعه، وإلا بقي في العنت والبُعد عن الله، يعبد الله على حرف، كلما زاد عبادة وقرباً ـ في زعمه ـ زاد بُعداً من ربه، وهو لا يشعر، فالنفس إن لم تتصل بمَن يرفع عنها الحجاب، كانت كدود القزِّ، تنسج الحجاب على نفسها بنفسها، حتى تموت في وسطه. وفي ذلك يقول الششتري في نونيته رضي الله عنه: شعر : ونحن كَدُودِ القزِّ يحصرُنا الذي صنعنا لدفع الحصر سجناً لنا مِنَّا تفسير : وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيده تعالى، قال: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}.

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفي وست في ما عداه، عدَّ الكوفي {يختلفون} رأس آية، ولم يعده الباقون. قوله {تنزيل الكتاب} رفع بالابتداء، وخبره {من الله}. ويجوز ان يكون رفعاً على انه خبر الابتداء. والابتداء محذوف، وتقديره: هذا تنزل، والمراد بالكتاب القرآن - في قول قتادة - وسمي كتاباً لأنه مما يكتب. و (العزيز) هو القادر الذي لا يقهر ولا يمنع، و (الحكيم) هو العليم بما تدعو اليه الحكمة وما تصرف عنه. وعلى هذا يكون من صفات ذاته تعالى. وقد يكون بمعنى أن افعاله كلها حكمة ليس فيها وجه من وجوه القبيح. فيكون من صفات الأفعال، وعلى الأول يكون تعالى موصوفاً في ما لم يزل بأنه حكيم، وعلى الثاني لا يوصف إلا بعد الفعل. وقيل {العزيز} في انتقامه من اعدائه {الحكيم} في ما يفعله بهم من انواع العقاب. والذي اقتضى ذكر (العزيز الحكيم) في إنزال الكتاب انه تعالى يحفظ هذا الكتاب حتى يصل اليك على وجهه من غير تغيير ولا تبديل لموضع جهته ولا لشيء منه، وفي قوله {العزيز الحكيم} تحذير عن مخالفته. ثم اخبر تعالى عن نفسه انه أنزل الكتاب الذي هو القرآن {إليك} يا محمد {بالحق} أي بالدين الصحيح. ثم امره فقال {فاعبد الله مخلصاً له الدين} ومعناه توجه عبادتك اليه تعالى وحده مخلصاً من شرك الأوثان والأصنام. وقوله {مخلصاً له الدين} نصب {مخلصاً} على الحال. ونصب {الدين} بأنه مفعول لـ {مخلصاً}. وقال الفراء: يجوز أن يرفع {الدين}، ولم يجزه الزجاج، قال: لأنه يصير ما بعده تكريراً. ثم قال تعالى {ألا لله الدين الخالص} والاخلاص لله أن يقصد العبد بطاعته وعمله وجه الله، لا يقصد الرياء والسمعة، ولا وجهاً من وجوه الدنيا، والخالص - في اللغة - ما لا يشوبه شيء غيره، ومنه خلاصة السمن لأنه تخلصه. وقال الحسن: معناه الاسلام. وقال غيره: معناه ان له التوحيد في طاعة العباد التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون لغيره، لاستحالة أن يملك هذا الأمر سواه. وقوله {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} معناه الحكاية عما يقول الكافرون الذين يعبدون الاصنام فانهم يقولون: ليس نعبد هذه الاصنام إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي قربى - في قول ابن زيد - وقال السدي: الزلفى المنزلة. و (الأولياء) جمع ولي، وهو من يقوم بأمر غيره في نصرته، وحذف (يقولون) لدلالة الكلام عليه، وهو أفصح، واوجز. ثم اخبر تعالى فقال {إن الله يحكم بينهم يوم القيامة في ما هم فيه يختلفون} من إخلاص العبادة لله والاشراك به. ثم قال {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} معناه إن الله تعالى لا يهديه إلى طريق الجنة او لا يحكم بهدايته إلى الحق، {من هو كاذب} على الله في أنه أمره باتخاذ الاصنام، كافر بما أنعم الله عليه، جاحد لاخلاص العبادة، ولم يرد الهداية إلى الايمان، لأنه قال {أية : وأما ثمود فهديناهم}. تفسير : ثم قال تعالى {لو أراد الله أن يتخذ ولداً} على ما يقول هؤلاء: من أن الملائكة بنات الله، أو على ما يقوله النصارى: من ان عيسى ابن الله، أو ما يقوله اليهود: من أن عزيزاً ابن الله، {لاصطفى} أي لاختار مما يخلق ما يشاء. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال {سبحانه هو الله الواحد القهار} الذي لا نظير له، القهار لجميع خلقه. ومن هذه صفته كيف يجوز أن يتخذ الأولاد؟!. ثم بين عن قدرته فقال {خلق السماوات والأرض بالحق} أي لغرض حكمي دون العبث وما لا فائدة فيه. {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} أي يدخل كل واحد منهما على صاحبه، ومنه كور العمامة. وقال قتادة: معناه يغشي. {وسخر الشمس والقمر} بأن أجراهما على وتيرة واحدة وتقدير واحد، وكل ذلك يجرى {لأجل مسمى} يعني إلى مدة قدرها الله لهما ان يجريا اليها. وقيل: إلى قيام الساعة. ثم قال {ألا هو العزيز الغفار} يعني الله الذي لا يقهر ولا يغالب، الغفار لمعاصي عباده إذا تابوا واقلعوا عن ذنوبهم. وفائدة الآية أن من قدر على خلق السموات والارض وتسخير الشمس والقمر. وإدخال الليل فى النهار ينبغي ان ينزه عن اتخاذ الولد، واضافة شريك اليه لأن جميع ذلك لا يليق به، لأنه من صفات المحتاجين.

الجنابذي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} تنزيل الكتاب مبتدء خبره من الله، او خبره محذوف، او خبرٌ مبتدءه محذوف اى هذا تنزيل الكتاب ووصف الله بالعزيز الحكيم تفخيماً لشأن الكتاب وتحذيراً عن مخالفته وترغيباً فى اتّباعه والمراد بالكتاب القرآن او الرّسالة والنّبوّة واحكامهما، او الولاية وآثارها، او كتاب ولاية علىّ (ع) وخلافته، وقد سبق فى اوّل البقرة بيان للكتاب.

الأعقم

تفسير : {تنزيل الكتاب} أي هذا القرآن المنزل تنزيل {من الله} أنزله فاعلموا أنه {العزيز} القادر الذي لا يمتنع عليه {الحكيم} الذي أحكمه لأنه يحكم أقواله وأفعاله، وقيل: معناه العليم أنزله وهو عليم بما تقتضيه الحكمة {إنا أنزلنا إليك} يا محمد {الكتاب بالحق} لأن جميع ما فيه حق من الأخبار والأوامر والوعد والوعيد {فاعبد الله} وحده كما أمرتم {مخلصاً له الدين} بمعنى أخلصوا العبادة له لا تعبدوا غيره {ألا لله الدين الخالص}، قيل: جميع العبادات خالصة له لا يستحقها إلا هو، وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله، وعن الحسن: الاسلام {والذين اتخذوا من دونه أولياء} وهي الأصنام والملائكة وعيسى، والمتخذ هم الكفرة {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، قيل: كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قيل: ما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: يقربنا إلى الله زلفى يشفع لنا عند الله تعالى: {إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون} من أمر الدين فيثيب المحق ويعاقب المبطل {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي لا يهدي طريق النجاة، وقيل: لا يحكم بالهداية لمن كان كافر {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء} يعني لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح لكونه محالاً ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصّهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقرّبه، وقد فعل ذلك في الملائكة فافتتنتم به وغرّكم اختصاصه إياهم فزعمتم أنهم أولاده جهلاً منكم به، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفائه الملائكة وما شاء من خلقه، إلاَّ أنكم لجهلكم حسبتم أنه اصطفاهم اتخذهم أولاداً فكنتم كافرين متتابعين بالافتراء على الله وملائكته {سبحانه} أي تنزيهاً له {هو الله الواحد القهار} فوق عباده بالقدرة.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الزمر، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} يعني القرآن؛ أنزله مع جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم. {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} أي: لا تشرك به شيئاً. {أَلاَ لِلهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} أي الإسلام. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي: يتخذونهم آلهة يعبدونهم من دون الله. {مَا نَعْبُدُهُمْ}. يقول والذين اتخذوا من دون الله أولياء (مَا نَعْبُدُهُمْ) فيها إضمار؛ وإضمارها، قالوا ما نعبدهم، وهي قراءة الأعمش. {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} والزلفى القربة. زعمو أنَّهم يتقرّبون إلى الله بعبادة الأوثان لكي يصلح لهم معايشهم في الدنيا، وليس يقرّون بالآخرة. قال مجاهد: [هذا قول] قريش، تقوله لأوثانهم،وَمَن قبلهم يقولونه للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزيز. قال: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: يحكم بين المؤمنين والمشركين يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المشركين النار. قال: {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} يعني من مات على كفره.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {تَنزِيلُ} مبتدأ {الْكِتَابِ مِنَ اللهِ} خبر أي ثابت من الله أو تنزيل من الله أو تنزيل خبر لمحذوف أي هذا تنزيل أو المتلو تنزيل ومن الله متعلق بتنزيل أو بمحذوف خبر ثان أو حال من الكتاب لصلاحية المضاف للعمل لانه مصدر أو تنزيل فعلى الحالية من الكتاب عامل الحال تنزيل وعلى الحالية من تنزيل عامله معنى الاشارة أو بمحذوف خبر لمحذوف أي هو من الله. قال القاضي تبعاً للزمخشري: الظاهر أن الكتاب هو السورة اذا جعل التنزيل خبر لمحذوف والقرآن اذا جعل مبتدأ خبره من الله ويجوز ارادة السورة أو القرآن مطلقاً وكذا في قراءة النصب على المفعولية أي اقرأ أو الزم وما أحسن أن تجعل المراد بالكتاب الجنس أي الكتب الهادية الشارعة تنزيلها من الله* {الْعَزِيزِ} في ملكه* {الْحَكِيمِ} في صنعه يضع الأشياء موضعها واذا جعل للجنس كان الاخبار تقدمة وتوطئة لقوله سبحانه

اطفيش

تفسير : {تنْزيل الكتاب} القُرآن على الصحيح، أو السورة، أو جنس كتب الله تبارك وتعالى، وتنزيل باق على معنى المصدرية أو مأول باسم مفعول على اضافة الصفة للموصوف، أى الكتاب المنزل، والخبر على كل حال قوله تعالى: {مِن الله العَزيز الحَكِيم} فعلى أن المراد الجنس يكون تمهيدا لقوله: {إنَّا أنْزلنا إليْكَ الكتابَ} أى القرآن أو السورة، وتوطئة له، وعلى أن المراد بالكتاب أو القرآن أو السورة، يكون مقتضى الظاهر ثانيا الإضمار هكذا انا أنزلناه إليك، ولكنه أظهر لزيادة التفخيم، ولأن ما هنا شروع فى بيان المنزل عليه، وما يجب عليه وما قبله فى نفس المنزل، وكما أخبر هنا عن المصدر بما يتبادر تعلقه به، كذلك يجوز فى لا حولا عن معاصى الله الخ الإخبار بما يتبادر تعلقه باسم لا، فصح أن يجعل عن معاصى خبر لا، وكذا ما أشبهه، وإن علق بما بعد لا، وقيل فى نحو: لا حول عن معاصى الله، أنه مشبه بالمضاف معرب، وعدم تنوينه لشبهه بالمضاف معرب، وعدم تنوينه لشبهه بالمضاف {بالحَقِّ} لأجل إثبات الحق، أو مع الحق، فان معانى ألفاظ القرآن حق، وألفاظه حق، وألفاظ الخلق غير القرآن تكون معانيها باطلة، وتكون حقاً {فاعْبُد الله} بسبب القرآن الآمر بعبادته حقا {مَخْلصاً لَه الدين} العبادة عن الشرك والرياء والشبهة.

الالوسي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال الفراء والزجاج: هو مبتدأ وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } خبره أو خبر مبتدأ محذوف أي هذا المذكور تنزيل، و {مِنَ ٱللَّهِ } متعلق بتنزيل والوجه الأول أوجه كما في «الكشف». والكتاب القرآن كله وكأن الجملة عليه تعليل لكونه ذكراً للعالمين أو لقوله تعالى: {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }تفسير : [ص: 88] والظاهر أن المراد بالكتاب على الوجه الثاني السورة لكونها على شرف الذكر فهي أقرب لاعتبار الحضور الذي يقتضيه اسم الإشارة فيها. و {تَنزِيلُ} بمعنى منزل أو قصد به المبالغة، وقدر أبو حيان المبتدأ هو عائداً على الذكر في {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ }تفسير : [ص: 87] وجعل الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل هذا الذكر ما هو؟ فقيل هو تنزيل الكتاب والكتاب عليه القرآن وفي {تَنزِيلُ} الاحتمالان، وجوز على احتمال كونه خبر مبتدأ محذوف كون {مِنَ ٱللَّهِ } خبراً ثانياً وكونه خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي هذا أو هو تنزيل الكتاب هذا أو هو من الله وكونه حالاً من {ٱلْكِتَـٰبِ } وجاز الحال من المضاف إليه لأن المضاف مما يعمل عمل الفعل وكونه حالاً من الضمير المستتر في {تَنزِيل } على تقدير كونه بمعنى منزل وكونه حالاً من {تَنزِيلَ } نفسه والعامل فيه معنى الإشارة. وتعقب بأن معاني الأفعال لا تعمل إذا كان ما هي فيه محذوفاً ولذلك ردوا على المبرد قوله في بيت الفرزدق: وإذ ما مثلهم بشر أن مثلهم منصوب على الحالية وعامله الظرف المقدر أي ما في الوجود بشر مماثلاً لهم بأن الظرف عامل معنوي لا يعمل محذوفاً. وقرأ ابن أبـي عبلة وزيد بن علي وعيسى {تَنزِيلَ } بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ والزم. والتعرض لوصفي العزة والحكمة للإيذان بظهور أثريهما في الكتاب بجريان أحكامه ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع وبابتناء جميع ما فيه على أساس الحكم الباهرة.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة تكاد تكون مقصورة على علاج قضية التوحيد. وهي تطوف بالقلب البشري في جولات متعاقبة وتوقع على أوتاره إيقاعات متلاحقة؛ وتهزه هزاً عميقاً متواصلاً لتطبع فيه حقيقة التوحيد وتمكنها، وتنفي عنه كل شبهة وكل ظل يشوب هذه الحقيقة. ومن ثم فهي ذات موضوع واحد متصل من بدئها إلى ختامها؛ يعرض في صور شتى. ومنذ افتتاح السورة تبرز هذه القضية الواحدة التي تكاد السورة تقتصر على علاجها: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص.. الخ}.. وتترد في مقاطعها على فترات متقاربة فيها إما نصاً. وإما مفهوماً.. نصاً كقوله: {أية : قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل: الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه.. الخ}.. تفسير : أو قوله: {أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون؟ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين }. تفسير : ومفهوماً كقوله: {أية : ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون، ورجلا سلما لرجل. هل يستويان مثلاً: الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}..تفسير : أو قوله: {أية : أليس الله بكاف عبده؟ ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يهد الله فما له من مضل. أليس الله بعزيز ذي انتقام؟ }.. تفسير : وإلى جانب حقيقة التوحيد التي تعالج السورة أن تطبعها في القلب وتمكنها نجد في السورة توجيهات وإيحاءات لإيقاظ هذا القلب واستجاشته وإثارة حساسيته، وإرهافه للتلقي والتأثر والاستجابة. ذلك كقوله: {أية : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى. فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب}.. {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله: ذلك هدى الله يهدي به من يشاء. ومن يضلل الله فما له من هاد}.. {أية : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل. وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. قل: تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار }.. تفسير : وهناك ظاهرة ملحوظة في جو السورة. إن ظل الآخرة يجللها من أولها إلى آخرها. وسياقها يطوّف بالقلب البشري هناك في كل شوط من أشواطها القصيرة؛ ويعيش به في ظلال العالم الآخر معظم الوقت! وهذا هو مجال العرض الأول فيها والمؤثر البارز المتكرر في ثناياها. ومن ثم تتلاحق فيها مشاهد القيامة أو الإشارة إليها في كل مقطع من مقاطعها الكثيرة. مثل هذه الإشارات: {أية : أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟}.. {أية : قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم؟}.. {أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار؟}.. {أية : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة؟}.. {أية : ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}.. {أية : أليس في جهنم مثوى للكافرين؟}.. {أية : ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة؛ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}.. {أية : وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين..}.. تفسير : وهذا غير المشاهد الكاملة التي تشغل حيزاً من السورة كبيراً، وتظلل جوها بظلال الآخرة. أما المشاهد الكونية التي لاحظنا كثرتها وتنوعها في السور المكية في ثنايا عرضها لحقائق العقيدة فهي قليلة في هذه السورة.. هنالك مشهد كوني يرد في مطلعها: {خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. ألا هو العزيز الغفار}.. ومشهد آخر في وسطها: {أية : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض؛ ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه؛ ثم يهيج فتراه مصفراً؛ ثم يجعله حطاماً؟ إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب }.. تفسير : وهناك إشارات سريعة إلى خلق السماوات والأرض غير هذين المشهدين البارزين. كذلك تتضمن السورة لمسات من واقع حياة البشر، وفي أغوار نفوسهم، تتوزع في ثناياها. يرد في مطالعها عن نشأة البشرية: {خلقكم من نفس واحدة؛ ثم جعل منها زوجها. وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث. ذلكم الله ربكم له الملك. لا إله إلا هو، فأنى تصرفون؟}. ويرد عن طبيعة النفس البشرية في الضراء والسراء: {أية : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه؛ ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل.. الخ}.. {أية : فإذا مس الإنسان ضر دعانا؛ ثم إذا خولناه نعمة منا قال: إنما أوتيته على علم بل هي فتنة.. }.. تفسير : ويرد في تصوير أنفس البشر في قبضة الله في كل حالة: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها؛ فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }.. تفسير : ولكن ظل الآخرة وجوها يظل مسيطراً على السورة كلها كما أسلفنا. حتى تختم بمشهد خاشع يرسم ظل ذلك اليوم وجوه: {أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وقضي بينهم بالحق، وقيل: الحمد لله رب العالمين }. تفسير : هذا الظل يتناسق مع جو السورة، ولون اللمسات التي تأخذ القلب البشري بها. فهي أقرب إلى جو الخشية والخوف والفزع والارتعاش. ومن ثم نجد الحالات التي ترسمها للقلب البشري هي حالات ارتعاشه وانتفاضه وخشيته. نجد هذا في صورة القانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. وفي صورة الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم لهذا القرآن ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. كما نجده في التوجيه إلى التقوى والخوف من العذاب، والتخويف منه: {أية : قل: يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم}. {أية : قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}.. {أية : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. ذلك يخوف الله به عباده. يا عباد فاتقون}.. تفسير : ثم نجده في مشاهد القيامة وما فيها من فزع ومن خشية، وما فيها كذلك من إنابة وخشوع. والسورة تعالج الموضوع الواحد الرئيسي فيها في جولات قصيرة متتابعة؛ تكاد كل جولة منها تختم بمشهد من مشاهد القيامة، أو ظل من ظلالها. وسنحاول أن نستعرض هذه الجولات المتتابعة؛ كما وردت في السياق. إذ أنه يصعب تقسيم السورة إلى دروس كبيرة. وكل مجموعة قليلة من آياتها تصلح حلقة تعرض في موضعها. ومجموع هذه الحلقات يتناول حقيقة واحدة. حقيقة التوحيد الكبيرة.. {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون. إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار}. تبدأ السورة بهذا التقرير الحاسم. {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}.. العزيز القادر على تنزيله. الحكيم الذي يعلم فيم أنزله ولماذا أنزله؛ ويفعل ذلك بحكمة وتقدير وتدبير. ولا يتلبث السياق عند هذه الحقيقة طويلاً؛ فهي مقدمة للقضية الأصيلة التي تكاد السورة تكون وقفاً عليها؛ والتي نزل الكتاب لتقريرها وتوكيدها. قضية توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له، وتنزيهه عن الشرك في كل صورة من صوره؛ والاتجاه إليه مباشرة بلا وسيط ولا شفيع: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق}. وأساس الحق الذي أنزل به الكتاب، هو الوحدانية المطلقة التي يقوم عليها الوجود وفي الآية الخامسة من السورة يجيء: {خلق السماوات والأرض بالحق}. فهو الحق الواحد الذي قامت به السماوات والأرض، وأنزل به هذا الكتاب. الحق الواحد الذي تشهد به وحدة النظام الذي يصرف السماوات والأرض؛ والذي ينطق به هذا الكتاب. الحق الذي يتسم به كل ما خرج من يد الصانع المبدع في هذا الوجود.. {فاعبد الله مخلصاً له الدين}. والخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أنزل إليه الكتاب بالحق. وهو منهجه الذي يدعو إليه الناس كافة.. عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وقيام الحياة كلها على أساس هذا التوحيد. وتوحيد الله وإخلاص الدين له، ليس كلمة تقال باللسان؛ إنما هو منهاج حياة كامل. يبدأ من تصور واعتقاد في الضمير؛ وينتهي إلى نظام يشمل حياة الفرد والجماعة. والقلب الذي يوحد الله، يدين لله وحده، ولا يحني هامته لأحد سواه، ولا يطلب شيئاً من غيره ولا يعتمد على أحد من خلقه. فالله وحده هو القوي عنده، وهو القاهر فوق عباده. والعباد كلهم ضعاف مهازيل، لا يملكون له نفعاً ولا ضراً؛ فلا حاجة به إلى أن يحني هامته لواحد منهم. وهم مثله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. والله وحده هو المانح المانع، فلا حاجة به إلى أن يتوجه لأحد غيره وهو الغني والخلق كلهم فقراء. والقلب الذي يوحد الله، يؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله؛ ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره الله للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد، لا تصلح حياة البشر ولا تستقيم مع الكون الذي يعيشون فيه إلا باتباعه. ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله من النظم، ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله ونظام الحياة. والقلب الذي يوحد الله يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت يد الله في هذا الكون من أشياء وأحياء؛ ويحيا في كون صديق يعاطفه ويتجاوب معه؛ ويحس يد الله في كل ما حوله، فيعيش في أنس بالله وبدائعه التي تلمسها يداه وتقع عليها عيناه ويشعر كذلك بالتحرج من إيذاء أحد، أو إتلاف شيء أو التصرف في أحد أو في شيء إلا بما أمره الله. خالق كل شيء، ومحيي كل حي. ربه ورب كل شيء وكل حي.. وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر، كما تبدو في السلوك والتصرفات. وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً متميزاً. ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان. ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب الذي أنزله الله: وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد، في كل عصر، وفي كل بيئة. فالتوحيد بمعناه ذلك معنى ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدراك. {ألا لله الدين الخالص}.. يعلنها هكذا مدوية عالية في ذلك التعبير المجلجل. بأداة الافتتاح {ألا} وفي أسلوب القصر {لله الدين الخالص}. فيؤكد معناها بالبناء اللفظي للعبارة.. فهي القاعدة التي تقوم عليها الحياة كلها. بل التي يقوم عليها الوجود كله. ومن ثم ينبغي أن ترسخ وتتضح وتعلن في هذا الأسلوب الجازم الحاسم: {ألا لله الدين الخالص}.. ثم يعالج الأسطورة المعقدة التي كان المشركون يواجهون بها دعوة التوحيد. {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون. إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار}.. فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض.. ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا شريك. إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه. ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها. ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة ـ وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة ـ ليست عبادة لها في ذاتها؛ إنما هي زلفى وقربى لله. كي تشفع لهم عنده، وتقربهم منه! وهو انحراف عن بساطة الفطرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخريف. فلا الملائكة بنات الله. ولا الأصنام تماثيل للملائكة. ولا الله ـ سبحانه ـ يرضى بهذا الانحراف. ولا هو يقبل فيهم شفاعة. ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق! وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول. وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة ـ أو تماثيل الملائكة ـ تقرباً إلى الله ـ بزعمهم ـ وطلباً لشفاعتهم عنده. وهو سبحانه يحدد الطريق إليه. طريق التوحيد الخالص الذي لا يتلبس بوساطة أو شفاعة على هذا النحو الأسطوري العجيب! {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار}.. فهم يكذبون على الله. يكذبون عليه بنسبة بنوة الملائكة إليه؛ ويكذبون عليه بأن هذه العبادة تشفع لهم عنده! وهم يكفرون بهذه العبادة؛ ويخالفون فيها عن أمر الله الواضح الصريح. والله لا يهدي من يكذب عليه، ويكفر به. فالهداية جزاء على التوجه والإخلاص والتحرج، والرغبة في الهدى، وتحري الطريق. فأما الذين يكذبون ويكفرون فهم لا يستحقون هداية الله ورعايته. وهم يختارون لأنفسهم البعد عن طريقه. ثم يكشف عن سخف ذلك التصور وتهافته: {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء. سبحانه! هو الله الواحد القهار}. وهو فرض جدلي لتصحيح التصور. فالله لو أراد أن يتخذ ولداً لاختار ما يشاء من بين خلقه؛ فإرادته مطلقة غير مقيدة. ولكنه ـ سبحانه ـ نزه نفسه عن اتخاذ الولد. فليس لأحد أن ينسب إليه ولداً، وهذه إرادته، وهذه مشيئته، وهذا تقديره؛ وهذا تنزيهه لذاته عن الولد والشريك: {سبحانه! هو الله الواحد القهار}.. وما اتخاذه الولد؟ وهو مبدع كل شيء؛ وخالق كل شيء، ومدبر كل شيء؟ وكل شيء وكل أحد ملكه يفعل به ما يشاء: { خلق السماوات والأرض بالحق، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل؛ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. ألا هو العزيز الغفار}.. وهذه اللفتة إلى ملكوت السماوات والأرض، وإلى ظاهرة الليل والنهار، وإلى تسخير الشمس والقمر توحي إلى الفطرة بحقيقة الألوهية التي لا يليق معها أن يكون هناك ولد ولا شريك. فالذي يخلق هذا الخلق وينشئه إنشاء، لا يحتاج إلى الولد ولا يكون معه شريك. وآية الوحدانية ظاهرة في طريقة خلق السماوات والأرض، وفي الناموس الذي يحكم الكون. والنظر المجرد إلى السماوات والأرض يوحي بوحدة الإرادة الخالقة المدبرة. وما كشفه الإنسان ـ حتى اليوم ـ من دلائل الوحدة فيه الكفاية. فقد اتضح أن الكون المعروف للبشر مؤلف كله من ذرات متحدة في ماهيتها، وأنها بدورها تتألف من إشعاعات ذات طبيعة واحدة. وقد اتضح كذلك أن جميع الذرات وجميع الأجرام التي تتألف منها سواء في ذلك الأرض التي نسكنها أم الكواكب والنجوم الأخرى في حركة دائمة، وأن هذه الحركة قانون ثابت لا يتخلف لا في الذرة الصغيرة ولا في النجم الهائل. واتضح أن لهذه الحركة نظاماً ثابتاً هو الآخر يوحي بوحدة الخلق ووحدة التدبير.. وفي كل يوم يكشف الإنسان عن جديد من دلائل الوحدة في تصميم هذا الوجود. ويكشف عن حق ثابت في هذا التصميم لا يتقلب مع هوى، ولا ينحرف مع ميل، ولا يتخلف لحظة ولا يحيد. {خلق السماوات والأرض بالحق}.. وأنزل الكتاب بالحق.. فهو الحق الواحد في ذلك الكون وفي هذا الكتاب.. وكلاهما صادر من مصدر واحد. وكلاهما آية على وحدة المبدع العزيز الحكيم. {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل}.. وهو تعبير عجيب يقسر الناظر فيه قسراً على الالتفات إلى ما كشف حديثاً عن كروية الأرض ومع أنني في هذه الظلال حريص على ألا أحمل القرآن على النظريات التي يكشفها الإنسان، لأنها نظريات تخطئ وتصيب، وتثبت اليوم وتبطل غداً. والقرآن حق ثابت يحمل آية صدقه في ذاته، ولا يستمدها من موافقة أو مخالفة لما يكشفه البشر الضعاف المهازيل! مع هذا الحرص فإن هذا التعبير يقسرني قسراً على النظر في موضوع كروية الأرض. فهو يصور حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض. فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس؛ فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهاراً. ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور. وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار. وهذا السطح مكور فالنهار كان عليه مكوراً والليل يتبعه مكوراً كذلك. وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل. وهكذا في حركة دائبة: {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل}.. واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها. وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيراً أدق من أي تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية. {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى}.. والشمس تجري في مدارها. والقمر يجري في مداره. وهما مسخران بأمر الله. فما يزعم أحد أنه يجريهما. وما يقبل منطق الفطرة أن يجريا بلا محرك، يدبرهما بمثل هذا النظام الدقيق الذي لا يختل شعرة في ملايين السنين. وستجري الشمس وسيجري القمر {لأجل مسمى}.. لا يعلمه إلا الله سبحانه. {ألا هو العزيز الغفار}.. فمع القوة والقدرة والعزة، هو غفار لمن يتوب إليه وينيب، ممن يكذبون عليه ويكفرون به، ويتخذون معه آلهة، ويزعمون له ولداً ـ وقد سبق حديثهم ـ والطريق أمامهم مفتوح ليرجعوا إلى العزيز الغفار.. ومن تلك اللفتة إلى آفاق الكون الكبير، ينتقل إلى لمسة في أنفس العباد؛ ويشير إلى آية الحياة القريبة منهم في أنفسهم وفي الأنعام المسخرة لهم: {خلقكم من نفس واحدة. ثم جعل منها زوجها. وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث. ذلكم الله ربكم له الملك. لا إله إلا هو فأنى تصرفون؟}. وحين يتأمل الإنسان في نفسه. نفسه هذه التي لم يخلقها. والتي لا يعلم عن خلقها إلا ما يقصه الله عليه. وهي نفس واحدة. ذات طبيعة واحدة. وذات خصائص واحدة. خصائص تميزها عن بقية الخلائق، كما أنها تجمع كل أفرادها في إطار تلك الخصائص. فالنفس الإنسانية واحدة في جميع الملايين المنبثين في الأرض في جميع الأجيال وفي جميع البقاع. وزوجها كذلك منها. فالمرأة تلتقي مع الرجل في عموم الخصائص البشرية ـ رغم كل اختلاف في تفصيلات هذه الخصائص ـ مما يشي بوحدة التصميم الأساسي لهذا الكائن البشري. الذكر والأنثى. ووحدة الإرادة المبدعة لهذه النفس الواحدة بشقيها. وعند الإشارة إلى خاصية الزوجية في النفس البشرية ترد الإشارة إلى هذه الخاصية في الأنعام كذلك. مما يشي بوحدة القاعدة في الأحياء جميعاً: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}: والأنعام الثمانية كما جاءت في آية أخرى: هي الضأن والمعز والبقر والإبل. من كل ذكر وأنثى. وكل من الذكر والأنثى يسمى زوجاً عند اجتماعهما. فهي ثمانية في مجموعها.. والتعبير يعبر عن تسخيرها للإنسان بأنه إنزال لها من عند الله. فهذا التسخير منزل من عنده. منزل من عليائه إلى عالم البشر. ومأذون لهم فيه من عنده تعالى. ثم يعود ـ بعد هذه الإشارة إلى وحدة خاصية الزوجية في الناس والأنعام ـ إلى تتبع مراحل الخلق للأجنة في بطون أمهاتها: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق}.. من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام. إلى الخلق الواضح فيه عنصر البشرية. {في ظلمات ثلاث}.. ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين. وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس. وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم. ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة خلقاً من بعد خلق. وعين الله ترعى هذه الخليقة وتودعها القدرة على النمو. والقدرة على التطور: والقدرة على الارتقاء. والقدرة على السير في تمثيل خطوات النفس البشرية كما قدر لها بارئها. وتتبع هذه الرحلة القصيرة الزمن، البعيدة الآماد؛ وتأمل هذه التغيرات والأطوار؛ وتدبر تلك الخصائص العجيبة التي تقود خطى هذه الخلية الضعيفة في رحلتها العجيبة.. في تلك الظلمات وراء علم الإنسان وقدرته وبصره.. هذا كله من شأنه أن يقود القلب البشري إلى رؤية يد الخالق المبدع. رؤيتها بآثارها الحية الواضحة الشاخصة والإيمان بالوحدانية الظاهرة الأثر في طريقة الخلق والنشأة. فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه الحقيقة؟: {ذلكم الله ربكم له الملك. لا إله إلا هو. فأنى تصرفون؟}.. وأمام هذه الرؤية الواضحة لآية الوحدانية المطلقة، وآية القدرة الكاملة، يقفهم أمام أنفسهم. في مفرق الطريق بين الكفر والشكر. وأمام التبعة الفردية المباشرة في اختيار الطريق. ويلوح لهم بنهاية الرحلة، وما ينتظرهم هناك من حساب، يتولاه الذي يخلقهم في ظلمات ثلاث. والذي يعلم ما تكن صدورهم من خفايا الصدور: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم. ولا يرضى لعباده الكفر. وإن تشكروا يرضه لكم. ولا تزر وازرة وزر أخرى. ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون. إنه عليم بذات الصدور}.. إن هذه الرحلة في بطون الأمهات هي مرحلة في الطريق الطويل. تليها مرحلة الحياة خارج البطون. ثم تعقبها المرحلة الأخيرة مرحلة الحساب والجزاء. بتدبير المبدع العليم الخبير. والله ـ سبحانه ـ غني عن العباد الضعاف المهازيل. إنما هي رحمته وفضله أن يشملهم بعنايته ورعايته. وهم من هم من الضعف والهزال! {إن تكفروا فإن الله غني عنكم}.. فإيمانكم لا يزيد في ملكه شيئاً. وكفركم لا ينقص منه فتيلاً. ولكنه لا يرضى عن كفر الكافرين ولا يحبه: {ولا يرضى لعباده الكفر}.. {وإن تشكروا يرضه لكم}.. ويعجبه منكم، ويحبه لكم، ويجزيكم عليه خيراً. وكل فرد مأخوذ بعمله، محاسب على كسبه؛ ولا يحمل أحد عبء أحد. فلكل حمله وعبؤه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.. والمرجع في النهاية إلى الله دون سواه؛ ولا مهرب منه ولا ملجأ عند غيره: {ثم إلى ربِّكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون}.. ولا يخفى عليه من أمركم شيء: {إنه عليم بذات الصدور}.. هذه هي العاقبة. وتلك هي دلائل الهدى. وهذا هو مفرق الطريق.. ولكل أن يختار. عن بينة. وعن تدبر وبعد العلم والتفكير..

ابن عاشور

تفسير : فاتحة أنيقة في التنويه بالقرآن جعلت مقدمة لهذه السورة لأن القرآن جامع لما حوته وغيره من أصول الدين. فــــ {تَنزِيلُ} مصدر مراد به معناه المصدريّ لا معنى المفعول، كيف وقد أضيف إلى الكتاب وأصل الإِضافة أن لا تكون بيانية. وتنزيل: مصدر نزّل المضاعف وهو مشعر بأنه أنزله منجّماً. واختيار هذه الصيغة هنا للرد على الطاعنين لأنهم من جملة ما تعلّلوا به قولهم: {أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32]. وقد تقدم الفرق بين المضاعف والمهموز في مثله في المقدمة الأولى. والتعريف في {الكِتٰبِ} للعهد، وهو القرآن المعهود بينهم عند كل تذكير وكل مجادلة. وأجرى على اسم الجلالة الوصف بــــ {العزيز الحكيمِ} للإِيماء إلى أن ما ينزل منه يأتي على ما يناسب الصفتين، فيكون عزيزاً قال تعالى: {أية : وإنه لكتاب عزيز}تفسير : [فصلت: 41]، أي القرآن، عزيز غالب بالحجة لمن كذّب به، وغالب بالفضل لما سواه من الكتب من حيث إن الغلبة تستلزم التفضل والتفوق، وغالب لبلغاء العرب إذ أعجزهم عن معارضة سورة منه، ويكون حكيماً مثل صفة منزِّله. والحكيم: إمّا بمعنى الحاكم، فالقرآن أيضاً حاكم على معارضيه بالحجة، وحاكم على غيره من الكتب السماوية بما فيه من التفصيل والبيان قال تعالى: {أية : مصدقاً لمن بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه}تفسير : [المائدة: 48]. وإمّا بمعنى: المحكِم المتقِن، فالقرآن مشتمل على البيان الذي لا يحتمل الخطأ، وإما بمعنى الموصوف بالحكمة، فالقرآن مشتمل على الحكمة كاتصاف منزّله بها. وهذه معان مرادة من الآية فيما نرى، على أن في هذين الوصفين إيماء إلى أن القرآن معجز ببلاغة لفظه وبإعجازه العلمي، إذا اشتمل على علوم لم يكن للناس علم بها كما بيّناه في المقدمة العاشرة. وفي وصف {الحَكِيمِ} إيماء إلى أنه أنزله بالحكمة وهي الشريعة {أية : يؤتي الحكمة من يشاء}تفسير : [البقرة: 269]. وفي هذا إرشاد إلى وجود التدبر في معاني هذا الكتاب ليتوصل بذلك التدبر إلى العلم بأنه حق من عند الله، قال تعالى: {أية : سنريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}تفسير : [فصلت: 53]. ومعنى {العَزيزِ الحكيمِ} في صفات الله تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : فإن زللتم من بعد ما جاءئكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم}تفسير : في سورة [البقرة: 209]. وافتتاح جملة {إنَّا أنزلنا إليكَ الكتَابَ بالحقّ} بحرف (إنَّ) مراعى فيه ما استعمل فيه الخبر من الامتنان. فيحمل حرف (إنّ) على الاهتمام بالخبر. وما أريد به من التعريض بالذين أنكروا أن يكون منزّلاً من الله فيحمل حرف (إنّ) على التأكيد استعمالاً للمشترك في معنييه. ولما في هذه الآية من زيادة الإِعلان بصدق النبي المنزل عليه الكتاب جدير بالتأكيد لأن دليل صدقه ليس في ذاته بل هو قائم بالإِعجاز الذي في القرآن وبغيره من المعجزات، فكان مقضى التأكيد موجوداً بخلاف مقتضى الحال في قوله: {تَنزيلُ الكتاببِ من الله}. فجملة {إنَّا أنزلنا إليك الكتابَ} تتنزل منزلة البيان لجملة {تَنزيلُ الكتابِ من الله}. وإعادة لفظ {الكِتَابِ} للتنويه بشأنه جرياً على خلاف مقتضى الظاهر بالإِظهار في مقام الإِضمار. وتعدية {أنزَلْنَا} بحرف الانتهاء تقدم في قوله: {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك}تفسير : في أول [البقرة: 4]. والباء في {بالحق} للملابسة، وهي ظرف مستقرّ حالاً من {الكتابِ}، أي أنزلنا إليك القرآن ملابساً للحق في جميع معانيه {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}تفسير : [فصلت: 42]. وفرع على المعنى الصريح من قوله: {إنَّا أنزلنا إليكَ الكتابَ بالحق} أن أمر بأن يعبد الله مخلصاً له العبادة. وفي هذا التفريع تعريض بما يناسب المعنى التعريضي في المفرّع عليه وهو أن المعرّض بهم أن يعبدوا الله مخلصين له الدين عليهم أن يدبَّروا في المعنى المعرض به. وهذا إيماء إلى أن إنزال الكتاب عليه نعمة كبرى تقتضي أن يقابلها الرسول صلى الله عليه وسلم بالشكر بإفراده بالعبادة، وإيماء إلى أن إشراك المشركين بالله غيره في العبادة كفر لنعَمِه التي أنعم بها، فإن الشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، وفي العبادة تحقيق هذا المعنى قال تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56]. فالمقصود من الأمر بالعبادة التوطئة إلى تقييد العبادة بحالة الإِخلاص من قوله {مُخلِصاً له الدينَ}، فالمأمور به عبادة خاصة، ولذلك لم يكن الأمر بالعبادة مستعملاً في معنى الأمر بالدوام عليها. ولذلك أيضاً لم يُؤت في هذا التركيب بصيغة قصر خلاف قوله: {أية : بل الله فاعبد}تفسير : [الزمر: 66] لأن المقصود هنا زيادة التصريح بالإِخلاص والرسول صلى الله عليه وسلم منزه عن أن يعبد غير الله. وقد توهم ابن الحاجب من عدم تقديم المعمول هنا أن تقديم المفعول في قوله تعالى: {بل الله فاعبد} في آخر هذه السورة لا يفيد القصر وهي زلّة عالم. والإِخلاص: الإِمْحاض وعدم الشوب بمغاير، وهو يشمل الإِفراد. وسميت السورة التي فيها توحيد الله سورة الإِخلاص، أي إفراد الله بالإِلٰهية. وأوثر الإِخلاص هنا لإِفادة التوحيد وأخصَّ منه وهو أن تكون عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ربه غير مشوبة بحظ دنيوي كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَا أسْئَلُكُمْ عَلَيهِ مِن أجْرٍ}تفسير : [ص: 86]. والدين: المعاملة. والمراد به هنا معاملة المخلوق ربّه وهي عبادته. فالمعنى: مخلصاً له العبادة غير خالط بعبادته عبادة غيره. وانتصب {مُخلصاً} على الحال من الضمير المستتر في أعبد. ولما أفاد قوله: {مُخلصاً له الدين} معنى إفراده بالعبادة لم يكن هنا مقتضٍ لتقديم مفعول {أعبد الله}على عامله لأن الاختصاص قد استفيد من الحال في قوله: {مخلصاً له الدين}، وبذلك يبطل استناد الشيخ ابن الحاجب لهذه الآية في توجيه رَأيه بإنكار إفادة تقديم المفعول على فعله التخصيصَ، وتضعيفِه لاستدلال أيمة المعاني بقوله تعالى: {أية : بل الله فاعبدتفسير : آخر السورة [66] بأنه تقديم لمجرد الاهتمام لورود {فاعبد الله}، قال في «إيضاح المفصل» في شرح قول صاحب «المفصل» في الديباجة «الله أحمدُ على أن جعلني من علماء العربية»، الله أحمد على طريقة {أية : إياك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5] تقديماً للأهم، وما قيل: إنه للحصر لا دليل عليه والتمسك فيه بنحْو {أية : بل الله فاعبد}تفسير : [الزمر: 66] ضعيف لورود {فاعبد الله} ا هــ. ونقل عنه أنه كتب في حاشيته على الإِيضاح هنالك قوله: (لا دليل فيه على الحصر فإن المعبودية من صفاته تعالى الخاصة به، فالاختصاص مستفاد من الحال لا من التقديم) ا هــــ. وهو ضغث على إبَّالَة فإنه لم يقتصر على منع دليل شَهد به الذوق السليم عند أيمة الاستعمال وعلى سند منعه بتوهمه أن التقديم الذي لوحظ في مقام يجب أن يلاحظ في كل مقام، كأنَّ الكلام قد جُعل قوالب يؤتى بها في كل مقام، وذلك ينبو عنه اختلاف المقامات البلاغية، حتى جعل الاختصاص بالعبادة مستفاداً من القرينة لا من التقديم، كأن القرينة لو سلم وجودها تمنع من التعويل على دِلالة النطق.

الشنقيطي

تفسير : قد دل استقراء القرآن العظيم، على أن الله جل وعلا، إذا ذكر تنزيله لكتابه، أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى، المتضمنة صفاته العليا. ففي أول هذه السورة الكريمة، لما ذكر تنزيله كتابه، بين أنَّ مبدأ تنزيله كائن منه جل وعلا، وذكر اسمه الله، واسمه العزيز، والحكيم، وذكر مثل ذلك في أول سورة الجاثية، في قوله تعالى: {أية : حمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الجاثية: 1ـ 3] وفي أول سورة الأحقاف في قوله تعالى: {أية : حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأحقاف: 1ـ 3] الآية. وقد تكرر كثيراً في القرآن، ذكره بعض أسمائه وصفاته، بعد ذكر تنزيل القرآن العظيم، كقوله في أول سورة {أية : حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [غافر: 1- 3] وقوله تعالى في أول فصلت: {أية : حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : [فصلت: 1ـ 2]. وقوله تعالى في أول هود {أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} تفسير : [هود: 1] وقوله في فصلت {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [41ـ42] وقوله تعالى في صدر يس {أية : تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} تفسير : [يس: 5ـ 6] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 192- 193] الآية، وقوله تعالى: {أية : تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ} تفسير : [الحاقة: 43ـ 44] الآية. ولا يخفى أن ذكره جل وعلا هذه المسألة الحسنى العظيمة، بعد ذكره تنزيل هذا القرآن العظيم، يدل بإيضاح، على عظمة القرآن العظيم، وجلالة شأنه وأهمية نزوله، والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- تنزيل القرآن من الله الذى لا يغلبه أحد على مراده، الحكيم فى فعله وتشريعه. 2- إنا أنزلنا إليك - يا محمد - القرآن آمراً بالحق، فاعبد الله مخلصاً له - وحده - العبادة. 3- ألا لله - وحده - الدين البرئ من كل شائبة، والمشركون الذين اتخذوا من دونه نصراء يقولون: ما نعبد هؤلاء لأنهم خالقون، إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله - تقريباً - بشفاعتهم لنا عنده. إن الله يحكم بين هؤلاء المشركين وبين المؤمنين الموحِّدين فيما كانوا فيه يختلفون من أمر الشرك والتوحيد، إن الله لا يوفق لإدراك الحق من شأنه الكذب والإمعان فيه. 4- لو أراد الله أن يتخذ ولداً - كما قالت النصارى فى المسيح، والمشركون فى الملائكة - لاختار الولد من خلقه كما يشاء هو، لا كما تشاءون أنتم، تنزه الله عن أن يكون له ولد، هو الله الذى لا مثيل له، القهَّار الذى بلغ الغاية فى القهر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تنزيل الكتاب: أي القرآن من الله. العزيز الحكيم: أي العزيز في مُلكه وانتقامه الحكيم في صنعه وتدبير خلقه. مخلصا له الدين: أي مفرداً إياه بالعبادة فلا تشرك بعبادته أحداً. لله الدين الخالص: أي له وحده خالص العبادة لا يشاركه في ذلك أحد سواه. أولياء: أي شركاء وهي الأصنام. ليقربونا إلى الله زلفى: أي تقريباً وتشفع لنا عند الله. من هو كاذب كفار: أي كاذب أي على الله كفار بعبادته غير الله تعالى. سبحانه: أي تنزيها له عن الولد والشريك. هو الله الواحد القهار: أي المعبود الحق الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه القهار لخلقه. معنى الآيات: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم يخبر تعالى أن تنزيل القرآن كان منه سبحانه وتعالى وهو العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبير خلقه. ولم يكن عن غيره بحال من الأحوال وقوله تعالى {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} يخبر تعالى رسوله بقوله {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن العظيم {بِٱلْحَقِّ} في كل ما جاء فيه ودعا إليه من العقائد والعبادات والأحكام وعليه {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} أي العبادة فلا تعبد معه غيره فإِن العبادة لا تصلح لغيره أبداً {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي شركاء يعبدونهم ويقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي تقريبا ويشفعوا لنا عند الله في قضاء حوائجنا هؤلاء يحكم الله بينهم في ما هم فيه مختلفون مع المؤمنين الموحدين وذلك يوم القيامة وسيجزي بعدله كلا بما يستحقه من إنعام وتكريم أو شقاء وتعذيب. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} يخبر تعالى بحرمان أناس من هدايته وهم الذين توغلوا في الفساد فكذبوا على الله تعالى وعلى عباده وأصبح الكذب وصفاً لازما لهم، وكفروا وبالغوا في الكفر بالله وآياته ورسوله ولقائه فأصبح الكفر وصفاً ثابتاً لهم، إذ هذه سنته في حرمان العبد من الهداية ليمضي فيه حكم الله باشقائه وتعذيبه يوم القيامة. وقوله تعالى {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} كما يزعم المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله، وكما قال النصارى المسيح ابن الله، وكما قال اليهود عزير بن الله، ولو أراد الله أن يكون له ولدٌ لاصطفى واختار مما يخلق ما يشاء، ولا يتركهم ينسبون إليه الولد افتراء عليه وكذبا، ولكنه تعالى منزه عن صفات المحدثين وافتقار المخلوقين إذ هو الله ذو الألوهية على سائر خلقه الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه وحكمه القهار لسائر خلقه فسبحانه لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية. 2- تقرير التوحيد. 3- بطلان الشرك والتنديد بالمشركين. 4- تقرير البعث والجزاء يوم القيامة.

القطان

تفسير : زلفى: قربى. اصطفى: اختار. ان هذا الكتاب العظيم مُنزل من عند الله العزيز الحكيم، أنزلناه اليك ايها النبي آمراً بالحق لإظهاره وتفصيله للناس، فاعبد الله {مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ} لا شِرك فيه ولا باطل. {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} فالعبادة يجب ان تكون لله وحده، خالصة له، وكذلك جميع الأعمال. في الحديث الصحيح: حديث : جاء رجلٌ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أتصدق بالشيء وأَصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس، فقال الرسول الكريم: والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يقبل الله شيئا شُورك فيه، ثم تلا قوله تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} . تفسير : وبعد ان بين تعالى ان رأس العبادة الاخلاص، أعقب ذلك بذّم طريق المشركين، الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم، ويقولون: ما نعبدهم الا ليقرّبونا عند الله منزلة ويشفعوا لنا. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيه من أمرِ الشِرك والتوحيد، وهو لا يوفق للهداية من هو كثير الكذب والكفر. ولو اراد الله ان يتخذ ولدا، لاختار من خلْقه كما يشاء، ولكنه لم يلد ولم يولد، وهو منزه عن هذا كله {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} وكل ما سواه مفتقرٌ إليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (1) - هَذَا الكِتَابُ العَظِيمُ (أَيْ القُرْآنُ) مَنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، المَنِيعِ الجَانِبِ (العَزِيزِ)، الحَكِيمِ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَهُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ مِرْيَةَ.

الثعلبي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ}. قال الفراء: معناه هذا تنزيل الكتاب، وإن شئت رفعته لمن، مجازه: من الله تنزيل الكتاب، وإن شئت جعلته إبتداء وخبره ممّا بعده. {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} أيّ الطاعة {ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} قال قتادة: شهادة ان لا إله إلاّ الله. قال أهل المعاني: لايستحق الدين الخالص إلاّ الله. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} يعني الأصنام {مَا نَعْبُدُهُمْ} مجازه قالوا ما نعدهم. {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم ومن خلقكم وخلق السماوات والأرض ونزل من السماء ماء؟ قالوا: الله. فيقال لهم: فما يعني عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى وتشفع لنا عند الله. قال الكلبي: وجوابه في الأحقاف {أية : فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ}تفسير : [الأحقاف: 28] الآية. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} يوم القيامةِّ {فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي} لدينه وحجته {مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ * لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} كما زعموا {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَار عَلَى ٱللَّيْلِ}. قال قتادة: يعني يغشي هذا هذا ويغشي هذا هذا، نظيره قوله: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [الأعراف: 54]. وقال المؤرخ: يدخل هذا على هذا وهذا على هذا، نظيره قوله: {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [فاطر: 13]. قال مجاهد: يُدور. وقال الحسن وابن حيان والكلبي: ينقص من الليل فيزيد في النهار وينقص من النهار فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار ومانقص من النهار دخل في الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمسة عشر ساعة، وأصل التكوير اللف والجمع، ومنه كور العمامة. { وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ} وأنشأ {وَأَنزَلَ لَكُمْ} وقال بعض أهل المعاني: جعلنا لكم نزلاً ورزقاً. {مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أصناف وأفراد، تفسيرها في سورة الأنعام {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} نطفة ثم علقة ثم مضغة، كما قال: {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}تفسير : [نوح: 14]. وقال ابن زيد: معناه يخلقكم في بطون أُمهاتكم من بعد الخلق الأول الذي خلقكم في ظهر آدم. {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} يعني البطن والرحم والمشيمة {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} عن عبادته إلى عبادة غيره {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ}. فإن قيل: كيف؟ قال: ولا يرضى لعباده الكفر وقد كفروا. قلنا: معناه لايرضى لعباده أن يكفروا به، وهذا كما يقول: لست أحب الاساءة وإن أحببت أن يسيء فلان فلانا فيعاقب. وقال ابن عبّاس والسدي: معناه ولايرضى لعباده المخلصين المؤمنين الكفر، وهم الذين قال: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42] [الإسراء: 65] فيكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى كقوله: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 6] وإنما يريد به بعض العباد دون البعض. {وَإِن تَشْكُرُواْ} تؤمنوا ربّكم وتطيعوه {يَرْضَهُ لَكُمْ} ويثيبكم عليه {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} مخلصاً راجعاً إليه مستغيثاً به {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} أعطاه، ومنه قيل للمال والعطاء: خول، والعبيد خول. قال أبو النجم: شعر : اعطي فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول تفسير : {نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ} ترك {مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} في حال النصر {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} يعني الأوثان. وقال السدي: يعني أنداداً من الرجال، يطيعونهم في معاصي الله. {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إنَّكَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ}

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فَرْق بين تنزيل وإنزال ونزول؛ النزول هو الحدث الذي يأتي بشيء من أعلى إلى أدنى، والإنزال يدل على أن الذي أنزل أعلى من المُنزل إليه، أما التنزيل فيدل على النزول على فترات بحسب الأحوال. فقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] يعني: أنزلناه جملةً واحدة في أول رسالة محمد، ليباشر القرآنُ مهمته في الوجود، ثم نُزِّل بعد ذلك مُنجَّماً حَسْب الحاجة. قال تعالى: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} تفسير : [الإسراء: 105]. يعني: أنزلناه بالحق بداية، وظلَّ على الحق لم يستطع أحد أنْ يُغيِّره أو يُفسده؛ لأنه حقٌّ. وهذه المادة نزل أو نزَّل أو أنزل، تدل كلها على عُلُو المنزِّل ودُنُو المنزل إليه، وتدل على أن شرف المنزَّل من شرف مَنْ أنزله، وتدل أيضاً على أن مَنْ أنزل المنهج القويم للمخلوق يريد أنْ يكرمه وأنْ يعلوَ به. إذن: دَلَّ الإنزال على شرف المنزِّل وعلو مكانته، وعلى شرف ما أُنزل وعلى شرف مَن اختاره الله، وجعله أهلاً لأنْ يُوجه إليه هذا الخير. ومن ذلك قوله تعالى في أمة محمد: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110]. ولما تتبعنا مادة (نزل) في القرآن الكريم وجدناها كلها تدل على العُلو، إلا في عدة مواضع لم يكُن الإنزالُ فيها من العلو، وهو قوله تعالى في سورة الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] فالحديد لا ينزل من عُلو إنمَا يُستخرج من الأرض، فلماذا قال الله: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ} تفسير : [الحديد: 25]؟ قالوا: نعم الحديد من الأرض، لكن مَنْ جعله فيها؟ الخالق سبحانه، إذن: فهو أيضاً إنزال أي: جعل له في الأرض، فلا تنظر إلى جهة الإنزال، إنما إلى مَنْ أنزل. ثم إن إنزال الحديد تتميمٌ لرسالات الرسل لهداية الخلق إلى منهج السماء، لأن الله تعالى قال بعدها: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الحديد: 25] فمن الحديد سنصنع السيوف والرماح وعُدَّة الحرب. كذلك في: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ..} تفسير : [الزمر: 6] وقوله: {أية : يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26]. وفي مسألة الإنزال هذه نلحظ لفتة جميلة في أسلوب القرآن الكريم، في استخدام حرف الجر المتعلق بالفعل أنزل، وكيف أنه يأتي مناسباً للمعنى المراد من الإنزال، ففي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول له رَبُّه عز وجل: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [آل عمران: 3] قال (عليك) مع أن الكتاب نزل للناس جميعاً {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} تفسير : [ص: 29]. لكن رُوعي هنا المخاطب المستقبل المبلَّغ عن الله، لكن لما يتكلم على النعم التي ينتفع الناس بها مباشرة يقول (عليكم) ثم نلحظ دقة التعبير في استخدام حرف الجر، قال: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [الزمر: 6] وفي اللباس قال: {أية : قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأعراف: 26] قالوا: لأن اللباس الساتر للبدن يكون على الجسم يلفه ويستره، فناسبه الحرف (على). أما الأنعام فهي شيء مستقل منفصل عن الإنسان. الحق سبحانه وتعالى يعطي من علو، ولكن الذي يعطي له هو من صنعته أيضاً، فعلو في خَلْق آدم الخليفة، وعُلو في المنهج الذي يصونه، حتى أن بعضهم قال: إن الإنسان خليفة لله في الأرض، بمعنى أنه مُفَوَّض من الله بالقيام بما أراده الله، بدليل لو كان هناك محتاج ضَنَّ الناس عليه يقول الله لهم: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245]. فسمَّى هذا الإعطاء للفقير قرضاً، مع أنه سبحانه المعطي الواهب لهذا المال، لكن لما كان الحق سبحانه هو الخالق، وهو الذي استدعى الإنسان للوجود وتكفَّل له برزقه، فاعتبر المال ماله وحقه، فإنْ بذله فهو قرض لله. ومثَّلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: حين تعطي ولدك مصروفه فيجعله في حصالة مثلاً، ومرَّتْ بك ظروف احتجتَ لما في حصالة الولد فقلت له: سلّفني ما في حصالتك لحين ميسرة. مع أنك صاحب هذا المال. فكأن الحق سبحانه يحترم ملكية العبد، مع أنها من فضله، فإنْ طلبها منه طلبها على سبيل القرض. و (الكتاب) أي: القرآن. فمرة يقول: الكتاب. ومرة: القرآن، دليل على أنه سيأخذ الوَصْفين معاً، فهو كتاب بمعنى مسجل ومكتوب يعني لا يُنكر، وهو قرآن بمعنى مقروء، فهو مُسجَّل في السطور ومحفوظ في الصدور، وهذه ستكون حجة علينا. وقد علمنا الدقة التي اتبعها الصحابة في جمع القرآن من صدور الحفظة، فكانوا لا يكتبون آية إلا إذا قرأها اثنان من الحفظة واتفقا على صحتها، كذلك يشهد على صحتها اثنان بعد الكتابة، فدَلَّت هذه الدقة على حيثيات قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. وكلمة (الكتاب) هكذا بأل التعريفية تدل على أنه الكتاب الكامل في الكتب، ولا تنصرف هذه الكلمة إلا إلى القرآن الكريم. وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} [الزمر: 1] دل على أن التنزيل من أعلى لأدنى، لكن لماذا قال {مِنَ ٱللَّهِ} [الزمر: 1] ولم يقُل: من الرب؟ لأن هذا الكتاب جاء بمنهج للتربية، والرب هو المتولي للخَلْق وللتربية. قالوا: لأن الربوبية عطاء يشمل الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فالرب خلق الجميع الخَلْق المادي وأمدَّ الجميع، فالكل في عطاء الربوبية سواء. أما المنهج الذي نزل به الكتاب، فهو منهج إيماني وخُلُقي وتعبُّدي من عطاء الألوهية، لا من عطاء الربوبية، لذلك قال في الكتاب: {مِنَ ٱللَّهِ} [الزمر: 1]. والله عَلَم على واجب الوجود، أما الأسماء الحسنى فهي أوصاف بلغت العظمة؛ لأنها لله تعالى وغلبتْ عليه، فصارت أسماء قال تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 180] والجامع لها كلها لفظ الجلالة الله، فحين تقول الله كأنك ناديتَ الله بجميع أسمائه الحسنى؛ لذلك أمرنا أنْ نبدأ العمل بقول باسم الله، والعمل يحتاج إلى قوة وإلى علم وإلى حكمة وإلى عزة .. إلخ. فلو كنتَ مُقبلاً على عمل يحتاج إلى عشرين صفة مثلاً فهل تقول: باسم القوي، باسم العليم، باسم الحكيم .. لا لأن في وُسْعك أن تجمع كلَّ هذه الصفات في قولك باسم الله؛ لأن لفظ الجلالة هي الكلمة الجامعة لكل صفات الكمال، وتناسب كل ما يحتاجه العمل، وكل ما يتعلق بالفعل، مما تعرفه أنت ومما لا تعرفه. لذلك قالوا: إياك أنْ تدعَ هذه الكلمة في بداية العمل، حتى لو كنتَ عاصياً فلا تَخْزَ من ربك ولا تخجل أنْ تقولها، ولا تستبعد أنَّ الله يعاونك حتى وأنت عاصيه، لأن ربك الذي تدعوه وتبدأ عملك باسمه رحمن رحيم، وهو الذي أمرك أنْ تقولها. إذن: قال سبحانه: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ} [الزمر: 1] لأن الكتاب نزل بمنهج وقيَم، ولم يقل: من الرب لأن الربَّ وصفٌ خاص بالمادة وبالقالب. وقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الزمر: 1] العزيز هو: الغني عن الخَلْق الذي لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ} [الزمر: 1] لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئاً، لأنني الغني عنكم، فأنا العزيز عن خَلْقي. لذلك في مسألة الشرك بالله قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. وقال في الحديث القدسي: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك به معي غيره تركته وشركه ". تفسير : يعني: أنا متنازل لهذا الشريك عن العمل كله، لأني عزيز عن خَلْقي، لا مصلحة لي من طاعتهم، إنما المصلحة تعود عليهم هم. إذن: فربُّك خلقك وأنزل عليك ما يصلحك، فإن أطعْتَهُ أثابك، لأن لله تعالى صفات، وهذه الصفات تحتاج إلى متعلقات، فحين تؤدي هذه المتعلقات لله يجازيك عليها. إذن: قُلْ باسم الله واعلم أنه عزيز عن هذه، وتذكَّر قوله سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كلُّ واحد مسألته فأعطيتُها له ما نقص ذلك من مُلكي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدْخِلَ في البحر، ذلك أني جَوَادٌ ماجد واجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقولَ له: كُنْ فيكون ". تفسير : فالحق سبحانه هو العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه الصفة على مَنْ يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث عن عزة بالإثم استكباراً بلا رصيد، ومن ذلك قول المنافقين. {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ..} تفسير : [المنافقون: 8] قال الله لهم: صدقتم في هذه المقولة: ليُخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ، لكن مَن الأعز؟ ومن الأذل؟ ثم حكم الحق سبحانه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون: 8]. إذن: أنتم الأذل، وأنتم الذين ستخرجون من المدينة لا رسول الله، وقد تم ذلك لرسول الله، وقد كان. والحق سبحانه مع أنه {ٱلْعَزِيزِ ..} [الزمر: 1] الذي يغلب ولا يُغلب، فهو سبحانه {ٱلْحَكِيمِ} [الزمر: 1] أي: الذي يضع الشيء في موضعه. ومن هذه الحكمة أنه سبحانه لا يطبع المؤمنَ على العزة الدائمة، ولا على الذِّلة الدائمة، كذلك لا يطبعه على الرحمة الدائمة، ولا على الشدة الدائمة، بل ينفعل للأحداث الإيمانية، كما قال سبحانه: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] وقال: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54]. ومع أن هذه طباع في النفس إلا أنها مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها، فإنْ كان الموقف يحتاج إلى رحمة فالمؤمن رحيم، وإنْ كان الموقف يحتاج إلى شدة. فالمؤمن شديد. إذن: هذا مظهر من مظاهر حكمة الخالق سبحانه، فإنْ قلتَ: هذه طباع، نعم طباع لكن مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها. والحكمة مأخوذة من شيء حسِّيٍّ، مأخوذة من الحَكَمة التي تُوضع في فم الفرس، والتي نسميها اللجام، وهو الأداة التي بها نتحكَّم في حركة الفرس، وفي سرعته واتجاه سَيْره، وبها نكبح جماحه إنْ جمح.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {زُلْفَىۤ} قربى ومنه {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الشعراء: 90] أي قرّبت لهم {يُكَوِّرُ} التكوير: اللَّفُ والليُّ يقال: كوَّر العمامة أي لفَّها {خَوَّلَهُ} أعطاه وملَّكه {قَانِتٌ} مطيع خاضع عابد {أَندَاداً} أوثاناً وأصناماً {ظُلَلٌ} جمع ظُلَّة وهي ما يُظل الإِنسان من سقف ونحوه {ٱلطَّاغُوتَ} من الطغيان وهو مجاوزة الحدِّ والمراد بالطاغوت كل ما عُبد من دون الله من وثن أو بشر أو حجر {أَنَابُوۤاْ} رجعوا {غُرَفٌ} منازل رفيعة عالية في الجنة، والغرفة: المنزلة والمكانة السامية ومنه {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [الفرقان: 75]. التفسِير: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي هذا القرآن تنزيلٌ من الله جل وعلا {ٱلْعَزِيزِ} أي القادر الذي لا يُغلب {ٱلْحَكِيمِ} أي الذي يفعل كل شيء بحكمةٍ وتقدير وتدبير {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي نحن أنزلنا عليك يا محمد القرآن العظيم متضمناً الحق الذي لا مرية فيه، والصدق الذي لا يشوبه باطل أو هزل {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} أي فاعبد الله وحده مخلصاً له في عبادتك، ولا تقصد بعملك ونيتك غير ربك {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} أي ألا فانتبهوا أيها الناس: إن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم لأنه المتفرد بصفات الألوهية، المطَّلع على السرائر والضمائر، ومعنى "الخالص" الصافي من شوائب الشرك والرياء {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي وهؤلاء المشركون الذين عبدوا من دونه الأوثان يقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي ما نعبد هذه الآلهة والأصنام إلا ليقربونا إلى الله قربى ويشفعوا لنا عنده قال الصاوي: كان المشركون إذا قيل لهم: من خلقكم؟ ومن خلق السماواتِ والأرض؟ ومن ربكم ورب آبائكم الأولين؟ فيقولون: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأصنام؟ فيقولون: لتقربنا إلى الله زلفى وتشفع لنا عنده {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي يحكم بين الخلائق يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} أي لا يوفق للهدى، ولا يرشد للدين الحق من كان كاذباً على ربه، مبالغاً في كفره، وفي الآية إشارة إلى كذبهم في تلك الدعوى {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} أي لو شاء الله اتخاذ ولد على سبيل الفرض والتقدير {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي لاختار من مخلوقاته ما يشاء ولداً على سبيل التبني ـ إذ يستحيل أن يكون ذلك في حقه تعالى بطريق التوالد المعروف ـ ولكنه لم يشأ ذلك لقوله {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم: 92] وقوله {مِمَّا يَخْلُقُ} أي من المخلوقات التي أنشأها واخترعها {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي تنزه جل وعلا وتقدس عن الشريك والولد، لأنه هو الإِله الواحد الأحد، المنزَّه عن النظير والمثيل، القاهر لعباده بعظمته وجلاله قال في التسهيل: نزَّه تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد، لأنه لو كان له ولدٌ لكان من جنسه ولا جنس له لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار ليدل على نفي الشركاء والأنداد، لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكاً له؟ ثم ذكر تعالى دلائل قدرته وحدانيته وعظمته، فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي خلقهما على أكمل الوجوه وأبدع الصفات، بالحق الواضح والبرهان الساطع {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} أي يغشي الليل على النهار، ويغشي النهار على الليل، وكأنه يلفُّ عليه لفَّ اللباس على اللابس قال القرطبي: وتكويرُ الليل على النهار تغشيتُه إياه حتى يُذهب ضوءه، ويغشي النهار على الليل فيذهب ظلمته وهذا منقول عن قتادة وهو معنى قوله تعالى: يُغشي الليلَ النهار يطلبه حثيثاً {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذلَّلهما لمصالح العباد {كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} أي كلٌ منهما يسير إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة حين تكور الشمس وتنكدر النجوم {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} أي هو جل وعلا كامل القدرة لا يغلبه شيء، عظيم الرحمة والمغفرة والإِحسان قال الصاوي: صُدِّرت الجملة بحرف التنبيه "ألا" للدلالة على كمال الاعتناء بمضمونها كأنه قال: تنبهوا يا عبادي فإِني أنا الغالب على أمري، الستَّار لذنوب خلقي فأخلصوا عبادتكم ولا تشركوا بي أحداً. {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي خلقكم أيها الناس من نفسٍ واحدة هي آدم، وهذا من جملة أدلة وحدانيته، وانفراده بالعزة والقهر، وجميع صفات الألوهية {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي ثم خلق من آدم حواء ليحصل التجانس والتناسل قال الطربي: المعنى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم (ثم خلق منها زوجها) يعني حواء خلقها من ضلعٍ من أضلاعه {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي وأوجد لكم من الأنعام المأكولة وهي ـ الإِبل، والبقر، والغنم، والمعز، ثمانية أزواج من كل نوعٍ ذكراً وأنثى قال قتادة: من الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كلُّ واحدٍ زوج، وسميت أزواجاً لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر قال المفسرون: والإِنزالُ عبارةٌ عن نزول أمره وقضائه {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} أي يخلقكم في بطون أمهاتكم أطواراً، فإِن الإِنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يتم خلقه، ثم ينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} هي البطن، والرحم، والمشيمة، وهو ـ الكيس الذي يغلّفُ الجنين ـ {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي ذلكم الخالق المبدع المصوّر هو الله ربُّ العالمين، ربكم وربُّ آبائكم الأولين {لَهُ ٱلْمُلْكُ} أي له الملك والتصرف التام، في الإِيجاد والإِعدام {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحقٍ إلا الله ولا ربَّ لكم سواه {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}؟ أي فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ ثم بعد أن ذكَّرهم بآياته ونعمه، حذَّرهم من الكفر والجحود لفضله وإحسانه فقال {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} أي إن تكفروا أيها الناس بعدما شاهدتم من آثار قدرته وفنون نعمائه، فإِن الله مستغنٍ عنكم وعن إيمانكم وشكركم وعبادتكم {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي لا يرضى الكفر لأحدٍ من البشر قال الرازي: أشار تعالى إلى أنه وإِن كان لا ينفعه إيمان، ولا يضره كفران، إلا أنه لا يرضى بالكفر بمعنى أنه لا يمدح صاحبه ولا يثيبه عليه وإِن كان واقعاً بمشيئته وقضائه {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي وإِن تشكروا ربكم يرضى هذا الشكر منكم، لأجلكم ومنفعتكم لا لانتفاعه بطاعتكم قال أبو السعود: عدم رضائه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرَّتهم، رحمة بهم لا لتضرره تعالى بذلك، ورضاه بشكرهم لأجلهم ومنفعتهم لأنه سبب فوزهم بسعادة الدارين، ولهذا فرَّق بين اللفظين فقال "ولا يرضى لعباده الكفر" وقال هنا "يرضه لكم" لأن المراد بالأول تعميم الحكم ثم تعليله بكونهم عباده {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي ولا تحمل نفسٌ ذنب نفسٍ أخرى، بل كلٌ يؤاخذ بذنبه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} أي ثم مرجعكم ومصيركم إليه تعالى {فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي يعلم ما تكنه السرائر وتخفيه الضمائر، وفيه تهديدٌ وبشارة للمطيع {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ} أي وإِذا أصاب الإِنسان الكافر شدة من فقر ومرضٍ وبلاء {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي تضرع إلى ربه في إزالة تلك الشدة، مقبلاً إليه مخبتاً مطيعاً {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} أي ثم إذا أعطاه نعمةً منه وفرَّج عنه كربته {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أي نسي الضر الذي كان يدعو ربه لكشفه وتمرَّد وطغى {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي وجعل لله شركاء في العبادة ليصد عن دين الله وطاعته {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أمرٌ للتهديد أي تمتع بهذه الحياة الدنيا الفانية، وتلذَّذ فيها وأنت على كفرك، عمراً قليلاً وزمناً يسيراً {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} أي فمصيرك إلى نار جهنم، وأنت من المخلدين فيها {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً} استفهام حذف جوابه لدلالة الكلام عليه أي أم من هو مطيع عابد في ساعات الليل يتعبد ربه في صلاته ساجداً وقائماً كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟ قال القرطبي: بيَّن تعالى أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي حال كونه خائفاً من عذاب الآخرة، راجياً رحمة ربه وهي الجنة، هل يستوي هذا المؤمن التقي مع ذلك الكافر الفاجر؟ لا يستوون عند الله، ثم ضرب مثلاً فقال {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}؟ أي هل يتساوى العالم والجاهل؟ فكما لا يستوي هذان كذلك لا يستوي المطيع والعاصي {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي إنما يعتبر ويتعظ أصحاب العقول السليمة قال الإِمام الفخر: واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العمل، وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فهو القنوت، والسجود، والقيام، وأما العلم ففي قوله {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}؟ وهذا يدل على أن كمال الإِنسان محصورٌ في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية، والعلم والمكاشفة هو النهاية، وفي الكلام حذف تقديره أمَّنْ هو قانتٌ كغيره؟ وإِنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر، ثم مثَّل بالذين يعلمون، وفيه تنبيه عظيم على فضيلة العلم {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين يجمعوا بين الإِيمان وتقوى الله وهي البعدُ عن محارم الله قال المفسرون: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة والغرضُ منها التأنيس لهم والتنشيط إلى الهجرة ومعنى التقوى: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وكأن العبد بذلك يجعل بينه وبين النار وقاية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة عظيمة في الآخرة وهي الجنة دار الأبرار {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} أي وأرض الله فسيحة فهاجروا من دار الكفر إلى دار الإِيمان، ولا تقيموا في أرضٍ لا تتمكنون فيها من إقامة شعائر الله {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي إنما يعطى الصابرون جزاءهم بغير حصر، وبدون عدد أو وزن قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف غرفاً {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} أي قل يا محمد أُمرت بإِخلاص العبادة لله وحده لا شريك له قال المفسرون: وإِنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أنَّ غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي وأُمرت أيضاً بأن أكون أولَ المسلمين من هذه الأمة قال القرطبي: وكذلك كان، فإِنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم وجهه لله وآمن به ودعا إليه {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي وأخاف إن عصيت أمره أن يعذبني يوم القيامة بنار جهنم قال الصاوي: والمقصود منها زجر الغير عن المعاصي، لأنه صلى الله عليه وسلم إِذا كان خائفاً مع كمال طهارته وعصمته فغيره أولى، وذلك سنة الأنبياء والصالحين حيث يخبرون غيرهم بما اتصفوا به ليكونوا مثلهم {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} أي قل لهم يا محمد لا أعبد إلا الله وحده، مخلصاً له طاعتي وعبادتي من كل شائبة، وليس هذا بتكرار لأن الأول إخبار بأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالعبادة، والثاني إخبار بخوفه من عذاب الله إن عصى أمره، والثالث إخبار بامتثاله الأمر مع إفادة الحصر كأنه يقول: أعبد الله ولا أعبد أحداً سواه {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} صيغة أمر على جهة التهديد والوعيد أي اعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام فسوف ترون عاقبة كفركم كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت: 40] {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي حقيقة الخسران الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، حيث صاروا إلى نار مؤبدة يصلون سعيرها يوم القيامة، فهؤلاء هم الخاسرون كل الخسران قال ابن عباس: إنَّ لكل رجلٍ منزلاً وأهلاً وخدماً في الجنة، فإِن أطاع اللهَ أُعطي ذلك، وإِن كان من أهل النار حُرم ذلك، فخسر نفسه وأهله ومنزله {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي ألا فانتبهوا أيها القوم ذلك هو الخسرانُ الواضح الذي ليس بعده خسرانٌ! قال أبو حيان: بالغ في بيان الخسران بأداة التنبيه "ألاَ" وبالإِشارة إليه "ذلك" وتأكيده بأداة الحصر "هو" وتعريفه بأل ووصفه بأنه بيّن {ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي الواضح لمن تأمله أدنى تأمل، ثم لما ذكر خسرانهم في الدنيا ذكر حالهم ومآلهم في الآخرة فقال {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} أي تغشاهم نار جهنم من فوقهم ومن تحتهم، وتحيط بهم من جميع جوانبهم، ومعنى الظلل أطباقٌ من نار جنهم، وتسميتها ظُللاً تهكمٌ بهم، لأنها محرقة والظلةُ تقي من الحر {ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} أي ذلك العذاب الشديد الفظيع، إِنما يقصه تعالى ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} أي يا أوليائي خافوا عذابي ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، قال الزمخشري: وهذه عظة من الله تعالى لعباده ونصيحة بالغة.. والحكمة من ذكر أحوال النار تخويف المؤمنين منها ليتقوها بطاعة ربهم {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} لما ذكر وعيد عبدة الأوثان، ذكر وعد أهل الفضل والإِحسان، ممن احترز عن الشرك والعصيان، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد، فيحصل كمال الترغيب والترهيب والمعنى: والذين انتهوا عن عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، وتباعدوا عنها كل البعد قال أبو السعود: "الطاغوت" البالغ أقصى غاية الطغيان كالرحموت والعظموت، والمراد به الشيطان وصف به للمبالغة {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي رجعوا إلى طاعة الله وعبادته {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} أي لهم البشرى السارة من الله تعالى بالفوز العظيم بجنات النعيم {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي فبشِّر عبادي المتقين الذين يستمعون الحديث والكلام فيتبعون أحسن ما فيه قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به.. وهذا ثناء من الله تعالى عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من الكلام، فإِذا سمعوا قولاً تبصَّروه وعملوا بما فيه، وأحسنُ الكلام كلام الله وخير الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم وإنما وضع الظاهر {فَبَشِّرْ عِبَادِ} بدل الضمير (فبشرهم) تشريفاً لهم وتكريماً بالإِضافة إليه سبحانه {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين هداهم الله لما يرضاه، ووفقهم لنيل رضاه {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وأولئك هم أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} أي أفمن وجبت له الشقاوة من الله تعالى، وجوابه محذوفٌ دلَّ عليه ما بعده أي هل تقدر على هدايته؟ لا ثم قال تعالى {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ}؟ أي هل تستطيع يا محمد أن تنقذ من هو في الضلال والهلاك؟ قال القرطبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إِيمان قومه وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت الآية، وقال ابن عباس: يريد "أبا لهب" وولده ومن تخلَّف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان، وكرر الاستفهام "أفأنت" تأكيداً لطول الكلام والمعنى: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ} أي لكنْ المؤمنين الأبرار، المتقون للهِ في الدنيا، المتمسكون بشريعته وطاعته {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} أي لهم في الجنة درجات عالية وقصورٌ شاهقة بعضها فوق بعض مبنية من زبرجدٍ وياقوت {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي تجري من تحت قصورها وأشجارها أنهار الجنة من غير أخدود {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} أي وعدهم الله بذلك وعداً مؤكداً لا يمكن أن يتخلف لأنه وعد العزيز القدير. تنبيه: قال الزمخشري: أفاد قوله تعالى {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا نُقَّاداً في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها دليلاً، وأبينها أمارة، وألا يكونوا في مذهبهم كما قال القائل "ولا تكن مثل عيرٍ قيد فانقادا".

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} هذه السورة مكية إلا قوله الله نزل أحسن الحديث وقل يا عبادي قاله ابن عباس. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} مبتدأ وهم المشركون والخبر محذوف وهو قالوا المحكي به قوله ما نعبدهم أي والمشركون المتخذون من دون الله أولياء قالوا: ما نعبد تلك الأولياء إلا ليقربونا إلى الله زلفى. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} في دعواه إن الله تعالى شريكاً. {كَـفَّارٌ} لأنعم الله حيث جعل مكان الشكر الكفر والمعنى لا يهدي من ختم عليه بالوفاة على الكفر فهو عام والمعنى على الخصوص منكم قد هدى من سبق منه الكذب والكفر ولما كان من كذبهم دعوى بعضهم أن الملائكة بنات الله وعبدوها عقبه بقوله: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تشريفاً له وتبييناً إذ يستحيل ذلك أن يكون ذلك في حقه تعالى بالتوالد المعروف. {لاَّصْطَفَىٰ} أي اختار من مخلوقاته. {مَا يَشَآءُ} ولدا على سبيل التبني ولكنه تعالى لم يشأ ذلك لقوله: {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم: 92] وهو عام في اتخاذ النسل واتخاذ الاصطفاء ويدل على أن الاتخاذ هو التبني والاصطفاء. قوله: مما يخلق أي من الخلائق التي أنشأها واخترعها ثم نزه تعالى نفسه تنزيهاً مطلقاً فقال: {سُبْحَانَهُ} ثم وصف نفسه بالوحدانية وبالقهر وهما الصفتان الدالتان على إنفراده بالألوهية والقهر لجميع العالم كلهم. {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ} يطوي كلاً منهما على الآخر فكان الآخر صار عليه جزء منه ووصف الانعام بالإِنزال مجاز والإِنعام الإِبل والبقر والضان والمعز. {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} لأن من كل منها ذكراً وأنثى والزوج ما كان معه آخر من جنسة فإِذا انفرد فهو فرد ووتر قال تعالى: {أية : فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [القيامة: 39] ومعنى خلقا رتبها خلقا من بعد خلق على المضغة والعلقة وغير ذلك والظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة. {ذَٰلِكُمُ} إشارة إلى المتصف بتلك الأوصاف السابقة من خلق السماوات والأرض وما بعد ذلك من الأفعال. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره. {إِن تَكْفُرُواْ} قال ابن عباس: خطاب للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وعباده هم المؤمنون ويؤيده قبل فأنى تصرفون وهذا للكفار فجاء أن تكفروا خطاباً لهم. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} وعن عبادتكم إذ لا يرجع إليه تعالى منفعة بكم ولا بعبادتكم إذ هو الغني المطلق. وقال الزمخشري ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفار فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص وما أراد إلا عباده الذين عناهم في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان يريد المعصومين كقوله: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 6] تعالى الله عما يقول الظالمون "انتهى". فسمى عبد الله بن عباس ترجمان القرآن وأعلام أهل السنة بعض الغواة وأطلق عليهم إسم الظالمين وذلك من سفهه وجرأته كما قلت في القصيدة التي ذكرت فيها ما ينقد عليه: شعر : ويشتم أعلام الأئمة ضلة ولا سيما ان أولجوه المضايقا تفسير : {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} قال ابن عباس يضاعف لكم وكأنه يريد ثواب الشكر وقرىء يرضه بصلة الهبا بواو وباختلاس الحركة وإسكان الهاء قال أبو حاتم: السكون غلط لا يجوز "انتهى". وليس بغلط بل ذلك لغة لبني كلاب وبني عقيل. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ} الآية، الظاهر أن الإِنسان هنا جنس الكافر وقيل معين كعتبة بن ربيعة نسى أي ترك والظاهر أن ما بمعنى الذي أي نسى الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه وجعل الله انداداً أي أمثالاً لا يضاد بعضها بعضاً ويعارض قل تمتع أتى بصيغة امر فقال: تمتع بكفرك أي تلذذ به واصنع ما شئت قليلاً أي عمرا قليلاً والخطاب للكافر جاعل الأنداد لله تعالى إنك من أصحاب النار أي من سكانها المخلدين فيها ولما شرح تعالى شيئاً من أحوال الضالين المشركين أردفه بشرح أحوال المهتدين الموحدين فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} والقانت المطيع والظاهر أن الهمزة لاستفهام التقرير ومقابله محذوف لفهم المعنى والتقدير أهذا القانت خير أم الكافر المخاطب بقوله: تمتع بكفرك ويدل عليه قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون ومن حذف المقابل قول الشاعر: شعر : دعاني إليها القلب إني لأمرها سميع فما أدري أرشد طلابها تفسير : تقديره أم غن. {قُلْ يٰعِبَادِ} روي أنها نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة وعدهم تعالى فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} والظاهر تعلق في هذه بأحسنوا وان المحسنين في الدنيا لهم في الآخرة حسنة أي حسنة عظيمة وهي الجنة والصفة محذوفة يدل عليها المعنى لأن من أحسن في الدنيا لا يوعد أن يكون له في الآخرة مطلق حسنة ثم حض على الهجرة فقال: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} أي لا عذر للمفرطين البتة حتى ان اعتلوا بأوطانهم وانهم لا يتمكنون فيها من أعمال الطاعات قيل لهم ان بلاد الله كثيرة واسعة فتحولوا إلى الأماكن التي يمكنكم فيها الطاعات. {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ} صيغة أمر على جهة التهديد كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ}. {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ} أي هم. {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} حيث صاروا من أهل النار. {وَأَهْلِيهِمْ} حيث كانوا معهم في النار ولما ذكر خسرانهم أنفسهم وأهليهم ذكر حالهم في جهنم وأنهم من فوتهم ظلل ومن تحتهم ظلل فيظهر أن النار تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم وسمي ما تحتهم ظللاً لمقابلة ما فوقهم كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 55] والإِشارة بذلك إلى العذاب أي ذلك العذاب يخوف الله به عباده ليعلموا ما يخلصهم منه ثم ناداهم وأمرهم فقال: يا عباد فاتقون أي اتقوا عذابي. {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} قال ابن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان وأبي ذر وقال إسحٰق: الإِشارة بها إلى عبد الرحمٰن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير وذلك أنه لما أسلم أبو بكر رضي الله عنه جاؤوه وقالوا له أسلمت قال: نعم وذكرهم بالله تعالى فآمنوا به أجمعهم فنزلت فيهم وهي محكمة في الناس إلى يوم القيامة والطاغوت تقدم الكلام عليه. {أَن يَعْبُدُوهَا} أي عبادتها وهو بدل اشتمال. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} أي من الله تعالى بالثواب. {فَبَشِّرْ عِبَادِ} هم المجتنبون الطاغوت المنيبون إلى الله تعالى وضع الظاهر موضع المعتمر ليدل على أنهم هم وليرتب على الظاهر الوصف وهو الذين يستمعون القول وهو عام في جميع الأقوال.

الجيلاني

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} المبين لطريق التوحيد، المنبه على وحدة الحق وكمالات أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى {مِنَ ٱللَّهِ} المدبر لجميع ما جرى في ملكه وملكوته؛ إلا لا منزل في الوجود سواه سبحانه {ٱلْعَزِيزِ} الغالب في أمره بالاستقلال والاختيار {ٱلْحَكِيمِ} [الزمر: 1] المتقن في فعله حسب علمه المحيط وقدرته الشاملة وإرادته الكاملة. وبعدما بيَّن سبحانه أمر التنزيل عموماً أشار إلى التنزيل المخصوص المتمم المكمل لأمر التنزيل والإنزال مطلقاً فقال: مشيراً إلى عظم قدر المنزل إليه، وجلالة شأنه، ورفع رتبته ومكانه: {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل تعظيماً لشأنك وتأييداً لأمرك {ٱلْكِتَابَ} الجامع لجميع ما في الكتب السالفة، مع زوائد خلت عنها كلها ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع بلا شوب شك وريب في نزوله منَّا {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ} الذي اصطفاك لرسالته وخصصك بكتابه، هذا حال كونك شاكراً لنعمه، معترفاً بكرمه {مُخْلِصاً} في عبوديتك وعبادتك إياه، مجتنباً عن مداخل الشرك ورعونات الرياء مطلقاً؛ إذ {لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] أي: لا مستحق للإطاعة الخالصة والانقياد الصافي سواه، ولا يعبد بالحق إلا إياه. وبعدما أمر سبحانه بالعبادة والإخلاص في الإطاعة والانقياد، نبه على عموم عباده بالإخلاص في الطاعات، والخلوص في نيات العبادات، فقال: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} أي: تنبهوا أيها المجبولون على فطرة التوحيد أن الدين الذي كلفكم الحق عليه، واوجبه عليكم، هو الدين الخالص عن أمارات الشرك ومقتضيات الهوى، الصافي عن شوب العجب والسمعة وشين الرياء، وبعدما وضح أن الدين الخالص لله، ولا مستحق له سواه. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي: والمشركون الذين ادعوا الولاؤة لغير الله، واستحقاق الإطاعة والانقياد لسواه، قالوا في تعليل اتخاذهم حين سئلوا عنه ونجوا عليه {مَا نَعْبُدُهُمْ} أي: هؤلاء الغرانيق العلا التي هي الأصنام والأوثان، وجميع ما يعبد من دونه سبحانه {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي: تقريباً كاملاً؛ لأنهم كملة مقبولون عنده، مكرمون لديه سبحانه، فنتوسل بهم؛ لنصل إلى قرب الحق وجواره. لا تبالوا أيها الموحدون المتمسكون بحبل التوفيق الإلهي بقولهم هذا، ولا تلتفوا إلى أبطاليهم الزائغة {إِنَّ ٱللَّهَ } المطلع لما في ضمائرهم من الشرك والعناد على سبيل الرشاد والثبات {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وبينكم بمقتضى علمه وخبرته {فِي مَا هُمْ فِيهِ} من الشرك {يَخْتَلِفُونَ} معكم أيها الموحدون بأن يدخلهم في النار بأنواع المذلة والهوان، ويوصلكم إلى الجنة بالمغفرة والرضوان، وكيف لا يدخل سبحانه المشركين النيران بأنوع الخزي والهوان {إِنَّ ٱللَّهَ} الحكيم المتقن في أفعاله {لاَ يَهْدِي} أي: لا يوفق على الهداية والرشاد {مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} في حق الله ومقتضى ألوهيته وربوبيته، واستقلاقه في ملكه وملكوته {كَـفَّارٌ} [الزمر: 3] بنعمه الموهوبة له من فضله وكرمه. حيث أثبت له سبحانه شريكً وولداً مع أنه {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد، المستقل في الألوهية والوجود، المنزه عن الأهل والولد {أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} ويختار صاحبةً {لاَّصْطَفَىٰ} واختيار {مِمَّا يَخْلُقُ} أي: من بين سائر مخلوقاته في جميع شئونه وحالاته {مَا يَشَآءُ} أولى وأنسب له، وأليق بشأنه من مريم وعيسى، فكيف من الأصنام والأوثان {سُبْحَانَهُ} أي: تعالى شأنه وتنزه ذاته الواحد الأحد الصمد الذيل لم يلد ولم يولد عن إيجاد الصاحبة والولد، بل {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ} من جميع الوجوه، المستقل بالألوهية والوجود {ٱلْقَهَّارُ} [الزمر: 4] لعرق السوى والأغيار مطلقاً قطعاً لعرق الشركة عن أصله.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الزمر: 1]، يشير إلى أنه كتاب عزيز، نزل من رب عزيز على عبد عزيز، بلسان ملك عزيز، في حق أمة عزيزة، في أوقات عزيزة، نزهة قلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها في كتب الأحباب عند قراءة فصولها، والعجب منها كيف لا تزهق سروراً بوصولها، وارتياحاً بحصولها وكتاب موسى في الألواح! ومنها ما كان يقرأ موسى وغيره، وكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم نزل به الروح الأمين على قلبه، وفضل الفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوباً في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربه محفوظاً في قلبه وكذلك أمته، {أية : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} تفسير : [العنكبوت: 49]. {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [الزمر: 2]؛ أي: من الحق نزل، وبالحق نزل، وعلى الحق نزل، {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] لا لغيره الدنيا، فالعبادة: معانقة الأمر على غاية الخضوع وتكون بالنفس والقلب وبالروح: فالتي بالنفس والإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص. والتي بالقلب والإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص. والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقي عن طلب الاختصاص. {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3]، الدين الخالص ما يكون جملته تعالى وما للعبد نية نصيب، ولا يحصل الدين الخالص إلا من العبد المخلص، والمخلص من خلصه الله من حبس الوجود بجوده لا بجهده، وبقوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} [الزمر: 3]، يشير إلى أن الإنسان مجبول على معرفة صانعه وصانع العالم، ومقتضى طبعه عبادة صانعه، والتقرب إليه في خصوصية فطرته {أية : ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}تفسير : [الروم: 30]، ولكن لا عبرة بالمعرفة الفطرية والعبادة الطبيعية؛ لأنها مشوبة بالشرك لغير الله؛ ولأنها تصدر من نشاط النفس وإتباع هواها، وإنما تعتبر المعرفة الصادرة عن التوحيد الخالص، ومن أماراتها قبول دعوة الأنبياء والإيمان بهم وبما أنزل عليهم من الكتب، ومخالفة الهوى، والعبادة على وفق الشرع لا على وفق الطبع، والتقرب إلى الله بأداء ما افتراض الله عليهم، ونافلة قد أسن النبي صلى الله عليه وسلم بها أو بمثلها، فإنه كان من طبع إبليس السجود لله، فلما أمرنا بالسجود على خلاف طبعه {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ}تفسير : [البقرة: 34] بعد أن كان من الملائكة المقربين، وكذلك حال الفلاسفة من لا يتابع الأنبياء منهم، ويدعي معرفة الله، ويتقرب إلى الله بأنواع العلوم، وأصناف الطاعات والعبادات بالطبع لا بالشرع، ومتابعة الهوى إلا بأمر المولى، فيكون حاصل أمره ما قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]، وبقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: 3]، يشير إلى أن اليوم كل مدع يدعي حقيقة ما عنده في الدين والمذهب على اختلاف طبقاتهم، فالله تعالى يحكم بينهم في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: فيحق الله الحق بانشراح صدر أهل الحق بنور الإسلام بكتابة الإيمان في قلوبهم، وتأييدهم بروح منه، وكشف شواهد الحق عن أسرار تجلي صفات جماله وجلاله لأرواحهم، {أية : وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الأنفال: 8] بتضييق صدور أهل الأهواء والبدع، وقسوة قلوبهم، وعمى أسرارهم وبصائرهم وغشاوة أرواحهم بالحجب. وأما في الآخرة: فتبييض وجوه أهل الحق واعطائهم كتابهم باليمين، وتشغيل موازينهم، وجوازهم على الصراط، ويسعى نورهم بين أيديهم، ودخولهم الجنة، ورفعتهم في الدرجات، وتسويد وجوه أهل الباطل، وإتيان كتابهم بالشمال، ودرأ ظهورهم، وتخفيف موازينهم، وذلة أقدامهم عن الصراط، ودخول النار ونزولهم في الدركات، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} [الزمر: 3]، يشير إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه، ويدعي رتبة ليس بصادق فيها، فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده، وعقوبته أنه يحرم تلك الرتبة التي تصدى لها بدعواه قبل تحقيقه بوجودها. وبقوله: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الزمر: 4]، يشير إلى أنه تعالى لو أراد اتخاذ الولد مما يخلق لاصطفى من مخلوقاً جنساً آخر أعز وأكرم مما خلق، ثم نزه نفسه عن ذلك فقال: {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [الزمر: 4] ولا ثاني له، والولد يكون ثاني والده وجنسه، وشبهه القهار الذي بقهاريته لا يقبل الجنس، والشبه بنوع ما. وبقوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } [الزمر: 5]، يشير إلى أنه تعالى محق، في خلقها {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} [الزمر: 5] بالحكمة البالغة؛ ليكون مظهر آياته لأرباب المعرفة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 190]، وليجعلها دالة على أحوال السائرين إلى الله في القبض والبسط، والجمع والفرق، والصحو والسكر، والستر والتجلي، ونجوم العقل وأثار العلم، وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالي الشك والجحد ونهار الوصل، وليالي الهجر والفراق، وكيفية أحوال المريدين وترقيتهم، وفترتهم وزيادتهم ونقصانهم، كما قال تعالى: {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} [الزمر: 5]؛ أي: شمس الروح، وقمر القلب، {كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} [الزمر: 5]؛ أي: يسير كل واحد على مقام قدَّره الله لهم وعينه {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ} [الزمر: 5] المتعزز على المحبين، {ٱلْغَفَّارُ} [الزمر: 5] للمذنبين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن عظمة القرآن، وجلالة من تكلم به ونزل منه، وأنه نزل من اللّه العزيز الحكيم، أي: الذي وصفه الألوهية للخلق، وذلك لعظمته وكماله، والعزة التي قهر بها كل مخلوق، وذل له كل شيء، والحكمة في خلقه وأمره. فالقرآن نازل ممن هذا وصفه، والكلام وصف للمتكلم، والوصف يتبع الموصوف، فكما أن اللّه تعالى هو الكامل من كل وجه، الذي لا مثيل له، فكذلك كلامه كامل من كل وجه لا مثيل له، فهذا وحده كاف في وصف القرآن، دال على مرتبته. ولكنه - مع هذا - زاد بيانا لكماله بمن نزل عليه، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم، الذي هو أشرف الخلق فعلم أنه أشرف الكتب، وبما نزل به، وهو الحق، فنزل بالحق الذي لا مرية فيه، لإخراج الخلق من الظلمات إلى النور، ونزل مشتملا على الحق في أخباره الصادقة، وأحكامه العادلة، فكل ما دل عليه فهو أعظم أنواع الحق، من جميع المطالب العلمية، وما بعد الحق إلا الضلال. ولما كان نازلا من الحق، مشتملا على الحق لهداية الخلق، على أشرف الخلق، عظمت فيه النعمة، وجلَّت، ووجب القيام بشكرها، وذلك بإخلاص الدين للّه، فلهذا قال: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } أي: أخلص للّه تعالى جميع دينك، من الشرائع الظاهرة والشرائع الباطنة: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تفرد اللّه وحده بها، وتقصد به وجهه، لا غير ذلك من المقاصد. { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده. وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن اللّه بريء منه، وليس للّه فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به فقال: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، [معتذرين] عن أنفسهم وقائلين: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي: لترفع حوائجنا للّه، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئا. أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر اللّه به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن اللّه تعالى كذلك. وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلا ونقلا وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم. فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يعطفهم عليه [ويسترحمه لهم] ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر. وأما الرب تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط. وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها. فبهذه الفروق يعلم جهل المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه. ويعلم أيضا الحكمة في كون الشرك لا يغفره اللّه تعالى، لأنه يتضمن القدح في اللّه تعالى، ولهذا قال حاكما بين الفريقين، المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين-: { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }. وقد علم أن حكمه أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم، ومن يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة، ومأواه النار. { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي } أي: لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم { مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } أي: وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه اللّه الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سد على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع اللّه على قلبه، فهو لا يؤمن؟!!