٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد {ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقّ } متعلق بأنزل {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ } من الشرك: أي موحداً له.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُخْلِصاً} للتوحيد، أو للنية لوجهه {الدِّينَ} الطاعة، أو العبادة.
القشيري
تفسير : أي أنزلنا عليك القرآن بالدين الحق والشرع الحق، وأنا مُحِقٌّ في إنزاله. والعبادة الخالصة معانقة الأمر على غاية الخشوع، وتكون بالنَّفْس والقلب والروح؛ فالتي بالنفس فالإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب فالإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقِّي عن طلب الاختصاص.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} امر حبيبه صلى الله عليه وسلم ان يعبده بنعت ان لا يرى نفسه فى عبوديته والا الكون واهله ولا يتجاوز عن جد العبودية فى مشاهدة الربوبية فاذا سقط من العبد حظوظه من العرش الى الثرى فقد سلك مسلك الدين وهو طريق العبودية الخالصة عن رؤية الحدثان بنعت شهود الروح مشاهدة الرحمن وذلك هو الدين الذى اختاره الحق لنفسه حيث خلص عن غيره بقوله الا الله الدين الخلاص والدين الخاص وجدان نور القدم بعد تلاشى الحدث فى بوادى سنا العظمة والوحدانية كانه تعالى دعا عباده بنعت التنبيه الى خلو من الاسرار عن الاغيار فى اقبالهم اليه قال الواسطى ذكر عبده على اللطافات فقال الا لله الدين الخلاص وهو الذى يخلص فيه صاحبه من الشرك والبدعة والرياء والعجب ورؤية النفس وقال سهل اخبر الله تعالى ان الذى له من الدين هو الذى يخلص من الرياء والشك والشبهات.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا انزلنا اليك الكتاب بالحق} شروع فى بيان شأن المنزل اليه وما يجب عليه اثر بيان شأن المنزل وكونه من عند الله فلا تكرار فى اظهار الكتاب فى موضع الاضمار لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء اما متعلقة بالانزال اى بسبب الحق واثباته واظهاره واما بمحذوف هو حال من نون العظمة اى انزلناه اليك حال كوننا محقين فى ذلك او حال من الكتاب اى انزلناه حال كونه ملتبسا بالحق والصواب اى كل ما فيه حق لا ريب فيه موجب للعمل حتما. وفى التأويلات النجمية اى من الحق نزل وبالحق نزل وعلى الحق نزل. قال فى برهان القرآن كل موضع خاطب الله النبى عليه السلام بقوله {انا انزلنا اليك} ففيه تكليف واذا خاطبه بقوله {أية : انزلنا عليك} تفسير : ففيه تخفيف ألا ترى الى ما فى اول السورة اليك فكلفه الاخلاص فى العبودية والى ما فى آخرها عليك فختم الآية بقوله {أية : وما انت عليهم بوكيل} تفسير : اى لست بمسئول عنهم فخفف عنه ذلك {فاعبد الله} حال كونك {مخلصا له الدين} الاخلاص ان يقصد العبد بنيته وعمله الى خالقه لا يجعل ذلك لغرض من الاغراض اى ممحضا له الطاعة من شوائب الشرك والرياء فان الدين الطاعة كما فى الجلالين وغيره. قال فى عرائس البيان امر حبيبه عليه السلام بان يعبده بنعت ان لا يرى نفسه فى عبوديته ولا الكون واهله ولا يتجاوز عن حد العبودية فى مشاهدة الربوبية فاذا سقط عن العبد حظوظه من العرش الى الثرى فقد سلك مسلك العبودية الخالصة شعر : كر نباشد نيت خالص جه حاصل از عمل تفسير : قال بعض الكبار العبادة الخالصة معانقة الامر على غاية الخضوع. وتكون بالنفس فاخلاصها فيها التباعد عن الانتقاص. وبالقلب فاخلاصه فيها العمى عن رؤية الاشخاص. وبالروح فاخلاصه فيها التنقى عن طلب الاختصاص واهل هذه العبادة موجود فى كل عصر لما قال عليه السلام "حديث : لا يزال الله يغرس فى هذا الدين غرسا يستعملهم فى طاعته " تفسير : قال الكاشفى [مخاطب حضرتست ومراد امت است كه مأمورند بآنكه طاعت خودرا ازشرك وريا خالص سازند]. وفى كشف الاسرار [فرموده رسول خدا عليه السلام باين خطاب جنان ادب كرفت كه جبريل آمد وكفت "يا محمد أتختار ان تكون ملكا نبيا او عبدا نبيا" كفت خداوندا بندكى خواهم وملكى نخواهم ملكى ترامسلم است وبندكى مارا مسلم اكر ملك اختيار كنم با ملك بمانم وآنكه افتخار من بملك باشد ليكن بندكى اختيار كنم تامملوك تو باشم وافتخار من بملك تو باشد ازينجا كفت (انا سيد ولد آدم ولا فخر) يعنى مارا بهيج جيز فخرنيست فخر ما بخالقست زيراكه برماكس نيست جزاو اكر بغيراو فخركنم بغيراو نكرسته باشم وفرمان {فاعبد الله مخلصا} بكذاشته باشم وبكذاشته فرمان نيست وبغيراو نكرستن شرط نيست لاجرم بغيراو فخرنيست] قال الحافظ شعر : كدايىء درجانا بسلطنت مفروش كسى زسايه اين در بآفتاب رود
الجنابذي
تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَآ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: من انزل الكتاب؟ وعلى من انزل؟ فقال: انّا انزلنا {إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} الّذى هو المشيّة وهو ولاية علىٍّ (ع) وعلويّته اى بسبب الحقّ او متلبّساً بالحقّ او مع الحقّ {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ} اى الطّريق، او اعمال الملّة واخلاص الطّريق الى الله بان لا يكون مبدء السّلوك عليه ولا غايته مشوباً بشيءٍ من اغراض النّفس واشراك الشّيطان وهو امر صعبٌ لا يتأتّى الاّ من كاملٍ حكيمٍ مراقبٍ لاحواله فى كلّ افعاله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّآ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ} يا محمد* {الْكِتَابَ} أي القرآن ملتبساً أي مختلطاً وممزوجاً* {بِالْحَقِّ} أو متعلقاً بـ (أنزلنا) ويجوز كونها للسببية أي بسبب اظهار الحق واثباته وتفصيله* {فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} مصغياً ومحصاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية القلب وقيل الدين هنا بمعنى الطاعة؛ وقيل: المعتقدات وأعمال الجوارح و (مخلصاً) بكسر اللام حال من ضمير (أعبد) و (الدين) مفعول (مخلصاً) وقرئ برفع (الدين) اما على أنه فاعل (مخلصاً) وهو مجاز اسنادي أسند الاخلاص للدين وهو في الحقيقة لصاحبه واما على أنه مبتدأ وخبره له وقدم للحصر وان جعلنا لام الاختصاص مفيدة للحصر فالتقديم بتأكيد الحصر وكون لام الاختصاص للحصر فيه خلاف ذكره الشنواني فالجمع بينه اذا جعل مبتدأه وبين قول {أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} توكيد أي الا هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة لاطلاعه على الغيب والسر وانفراده بصفات الألوهية ولانه لحقيق بذلك لخلوص نعمته على استجرار المنفعة بها والدين الخالص شهادة أن لا اله الا الله عند قتادة والاسلام عن الحسن* {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي من دون الله (الدين) مبتدأ واقع على المشركين لا كفار مكة فقط كما قيل خبره قول محذوف ناصب للجملة بعد أي قائلون {مَا نَعْبُدُهُم} أو قالوا ما نعبدهم، كما قرأ ابن مسعود وابن عباس أو (يقولون ما نعبدهم) أي ما نعبد الأولياء وهم الملائكة وعيسى والأصنام* {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللهِ زُلْفَى} أي قربى أي تقريباً مفعول مطلق وتضعف الحالية ولو اتخذوا عائد الى المشركين المعبر عنهم بالذين و (واو يقربونا) للأولياء. اذا قيل لهم من ربكم ومن خلق الأشياء قالوا الله فيقال فما عبادتكم سوى الله من الملائكة أو عيسى والأصنام فيقولون: {ليقربونا الى الله} ويشفعو لنا عنده أو الخبر* {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وبين المسلمين يدخل الله المسلمين الجنة والمشركين النار، يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحقه ويجوز كونه لهم ولأوليائهم يحكم بينهم بادخال الملائكة وعيسى الجنة بلا تلذذ الملائكة بنعم الجنة وادخال المشركين مع أصنامهم النار {أية : انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : ويجوز وقوع (الذين) على الملائكة وعيسى والأصنام والواو فى (اتخذوا) على المشركين ولو لم يتقدم لهم ذكر بدليل السياق والرابط محذوف أي اتخذوهم وهذا الضمير المقدر راجع للذين الواقع على الملائكة وعيسى والأصنام أي الذين اتخذهم المشركين أولياء في الخبر {ان الله}... الخ وحيث جعل الخبر أن الله في ذلك الوجه أو غيره فجملة القول حال من واو (اتخذوا) أو بدل من جملة (اتخذوا) وقرأ أبيّ: {وما نعبدكم إلاّ لتقربونا} بالخطاب حكاية لما خاطبوا به آلهتهم، وقرئ (وما نعبدهم) بضم النون اتباعاً للباء والساكن بينهما حاجز غير حصين* {فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين أما اختلاف المشركين والمشركين في أمر الدين فظاهر أما اختلافهم مع معبودهم فان الملائكة وعيسى والأصنام يلعنونهم* {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى} أي لا يرشد {مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} في نسبة الولد الى الله حيث جعلوا بعض ما يعبدون بنات الله وهم الملائكة أو حيث جعلوا عزير ابن الله. وذلك أن قوماً من اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله وعبدوه ليقربهم زلفى كما عبد قوم من النصارى عيسى ليقربهم وقالوا انه ابنه وقيل كاذب في ادعاء أن أولياءه يشفعون له ويقربونه. وقرأ الجحدري (كذاب) بالمبالغة وقرأ بعضهم (كذوب) كذلك ووجه (أنه لا يهديهم) أنه سبق هلاكهم في علمه* {كَفَّارٌ} بعبادة غير الله مبالغة في الافتراء على الله وملائكته حيث جعلوهم بنات لله لانهم يجهلهم يحسبون اصطفاء الله لهم واختصاصه لهم اتخاذهم أولاداً كما يشير اليهم بقوله
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } بيان لكونه نازلاً بالحق وتوطئة لما يذكر بعد. وفي «إرشاد العقل السليم» أنه شروع في بيان [شأن] المنزل إليه وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل وكونه من عند الله تعالى. وأياً ما كان لا يتكرر مع ما تقدم، نعم كان الظاهر على تقدير كون المراد بالكتاب هناك القرءان الإتيان بضميره هٰهنا إلا أنه أظهر قصداً إلى تعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن الكتاب الأول عام لجميع ما تنزل من عند الله تعالى والكتاب الثاني خاص بالقرآن فكأنه أخبر إخباراً مجرداً أن الكتب الهادية الشارعة تنزيلها من الله عز وجل وجعله توطئة لقوله سبحانه {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } اهـ وهو كما ترى. والباء متعلقة بالإنزال وهي للسببية أي أنزلناه بسبب الحق أي إثباته وإظهاره أو بمحذوف وقع حالاً من المفعول وهي للملابسة أي أنزلناه ملتبساً بالحق والصواب، والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتماً، وجوز كون المحذوف حالاً من الفاعل أي أنزلناه ملتبسين بالحق أي في ذلك. والفاء في قوله تعالى: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينِ } لترتيب الأمر بالعبادة على إنزال الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحق أي فاعبده تعالى ممحضاً له الدين من شوائب الشرك والرياء حسبما / بين في تضاعيف ما أنزل إليك. والعدول إلى الاسم الجليل مما يلائم هذا الأمر أتم ملاءمة. وقرأ ابن أبـي عبلة {ٱلدّينِ } بالرفع كما رواه الثقاة فلا عبرة بإنكار الزجاج، وخرج ذلك الفراء على أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم للاختصاص أو لتأكيده.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يعبده في حال كونه، مخلصاً له الدين، أي مخلصاً له في عبادته، من جميع أنواع الشرك صغيرها وكبيرها، كما هو واضح من لفظ الآية. والإخلاص، إفراد المعبود بالقصد، في كل ما أمر بالتقرب به إليه، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الإخلاص في العبادة لله وحده، لا بد منه، جاء في آيات متعددة، وقد بين جل وعلا، أنه ما أمر بعبادة، إلا عبادة يخلص له العابد فيها. أما غير المخلص فكل ما أتى به من ذلك، جاء به من تلقاء نفسه، لا بأمر ربه، قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5] الآية، وقال جل وعلا {أية : قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الزمر: 11ـ12] إلى قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِه} تفسير : [الزمر: 13ـ15]. وقد قدمنا الكلام على العمل الصالح، وأنه لا بد فيه من الإخلاص، في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَات} تفسير : [الكهف: 2] الآية. وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3] أي التوحيد الصافي من شوائب الشرك، أي هو المستحق لذلك وحده، وهو الذي أمر به. وقول من قال من العلماء: إن المراد بالدين الخالص كلمة لا إله إلا الله موافق لما ذكرناه. والعلم عند الله تعالى. ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده، بين شبهة الكفار التي احتجوا بها، للإشراك به تعالى، في قوله تعالى هنا: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام، إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة. فقوله: زلفى، ما ناب عن المطلق من قوله ليقربونا، أي ليقربونا إليه قرابة تنفعنا بشفاعتهم في زعمهم. ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وقد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [المائدة: 35] أن هذا النوع من ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفار. وقد صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله جل وعلا {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [يونس: 18]. فصرح تعالى بأن هذا النوع، من ادعاء الشفعاء شرك بالله، ونزه نفسه الكريمة عنه، بقوله جل وعلا {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [يونس: 18] وأشار إلى ذلك في آية الزمر هذه، لأنه جل وعلا لما قال عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أتبع ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ}. وقوله: كفار، صيغة مبالغة، فدل ذلك على أن الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى جامعون بذلك، بين الكذب والمبالغة في الكفر بقولهم ذلك. وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة الناس.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (2) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الذِي أَنْزَلَ إِلَيْكَ القُرْآنَ (الكِتَابَ) آمِراً بِالحَقِّ وَالعَدْلِ الوَاجِبِ اتِّبَاعُهُمَا، والعَمَلُ بِهِمَا، فَاعْبُدْهُ يَا مُحَمَّدُ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ والعِبَادَةَ، وَادْعُ الخَلْقَ إِلَى ذَلِكَ. مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ - مُمَحِّضاً لَهُ الطَّاعَةَ والعِبَادَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق هو الأمر الثابت الذي لا تأتي أغيار الزمن فتنقضه، وما دام الحق ثابتاً لا يتغير فلا يغرنك عُلُوُّ الباطل إنْ علا يوماً من الأيام؛ لأن عُلُو الباطل من ثبات الحق، فالباطل حين يعلو يعضُّ الناسَ، ويشقى به الخَلْقُ، ويكتوون بناره، وعندها يتطلعون للحق ويتشوَّقون إليه. فكأن الباطل جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان. فالله تعالى لا يسلم الحق أبداً، ولكن يتركه فترة حتى يعلوَ الباطلُ عليه ليبلوَ غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غار هو عليه. {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ} [الزمر: 2] يعني: ما دُمْنا قد أنزلنا إليك الكتاب بالحق فانظر ماذا في الكتاب، فيه منهج افعل كذا ولا تفعل كذا، فيه تكليفٌ للجوارح، ولابُدَّ أنْ يسبق العمل بالتكليف اقتناعُ القلب بالمكلف والإيمان به. فأنت حين تقف أمام قضية صعبة تعجز عن التفكير فيها، أو أخذ قرار تذهب إلى مَنْ شُهِد له بالحكمة أو العلم والرأي ليفكر لك ويُعينك على أمرك، فمثل هذا الرجل تأتمنه وتسلم له زمام أمرك؛ لأن رأيه يصلحك. إذن: لا بُدَّ قبل العمل بافعل ولا تفعل أنْ تثقَ وتتيقن بمن كلَّفك، وهذا هو الإيمان الذي ينبغي أنْ يسبق العملَ. لذلك نقول: لا ينفع إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، واقرأ قول الله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 14]. لذلك قال تعالى: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] فشرْطُ العبادة الإخلاص، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر معبوده ونَهيه، وهذا التحديد لمعنى العبادة يُبطل عبادةَ كلِّ ما سِوَى الله تعالى، فالذين عبدوا غير الله من شمس أو قمر أو نجوم أو أشجار أو أحجار عبدوا آلهة - كما يزعمون - بلا منهج وبلا تكاليف. إذن: فكلمة العبادة هنا خطأ وهي باطلة، فماذا قالت لهم هذه الآلهة؟ بِمَ أمرتْهُمْ وعَمَّ نَهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن كفر بها؟ فأول ما يُبطل عبادة غير الله أنها آلهة بلا منهج وبلا تكاليف. أما الذين قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} [الزمر: 3] فالله سبحانه نهى عن هذه الزُّلْفى، ونهى أنْ يكون بينه وبين عباده واسطة أو وسيلة. ثم إن الحق سبحانه أراد أنْ ينبه الخَلْقَ إلى بديع صُنْعه، وإلى هذا الكون المكتمل، وهذه الهندسة الدقيقة في كل جزئياته، وأن هذا الكون فيه كل مُقوِّمات الحياة وكل الأنواع الواهبة للخير، فهل ادعاه أحد لنفسه؟ هل قال أحد: إني خلقتُ هذا الكون مع كثرة الملحدين والمنكرين لوجود الله؟ لم يحدث أبداً شيء من هذا. إذن: الدعوة تثبت لمدعيها طالما لم يقم لها معارض، فالله تعالى هو الخالق وحده، وهو المستحق للعبادة وحده، وما دونه ضلال وباطل. لذلك قال سبحانه: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] يعني: ذهبوا إليه ليناقشوه كيف أخذ الخَلْق منهم؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ ومعنى {مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] يعني: اجعل الدينَ خالصاً لوجه الله، وامنع الرياء لأن الذي ترائيه لا يملك لك من ثواب العمل شيئاً، فالمرائي الذي يرائي مثلاً في صدقته ينفع المحتاج بالصدقة، وهو لا ينتفع بها؛ لأن الله تركه يأخذ أجره مِمَّن يرائيه، والعبد مثلك لا يملك لك شيئاً. وفَرْق في المعنى بين مُخْلِص بالكسر، ومُخْلَص بالفتح: المخلَص هو مَنْ يسبق عطاء الله لَه بالإخلاص فيخلص، أما المخلص فيصل بعطاء إخلاصه إلى عطاء الله. قلنا زمان: من الناس مَنْ يَصل بطاعة الله إلى كرامة الله يعني: ألحَّ في الطاعة وداوم طَرْق الباب حتى فُتِح له. وآخر يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، يعني: ربه يختاره للطاعة ويخطفه من الخلق أو من المعصية إلى الطاعة، مثل كثيرين من المتصوفة، ومثال ذلك القاضي عياض رحمه الله، فقد كان في بداية أمره قاطعَ طريق، وفي يوم خرج كعادته يقطع الطريق على الناس، فسمعهم يقولون: لا تمروا من هنا فعياض على هذا الطريق، نزلت هذه الكلمات على عياض نزولَ الصاعقة، فكيف يهابه الناس ويخافونه لهذه الدرجة، فأخذ يُؤنِّب نفسه وعزم على التوبة، وقال: ياربّ تُبْ عليَّ حتى يأمنَ هؤلاء. فتاب الله عليه. فلما استقام سأله الناس الذين يعرفون حقيقته: ما جرى لك يا عياض، يعني: كيف صِرْتَ من الأولياء، بعد أن كنتَ قاطع طريق؟. قال: والله إني لأعرف سببها، لقد مررتُ يوماً بسوق البطيخ - أظن في بغداد - فوجدت ورقة من المصحف ملقاةً على الأرض يدوسها الناس فأخذتها ونظفتُ ما بها من الأذى، ثم طيَّبتها بدرهم لم يكُنْ معي غيره، ثم وضعتها في شق عال، قال: والذي نفسي بيده لقد سمعتُ بعدها منادياً ينادي: لأطيبنَّ اسمك كما طيبتَ اسمي وكانت هذه الحادثة أول عهد عياض بالولاية. لذلك ورد أن النبي صلى الله قال: "حديث : "إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته" فلا تحقرن طاعةً أبداً، واعلم أن الله غفر لرجل لأنه سقى كلباً يلهث من العطش، وهذا العمل يدل على محبة طاعة الله وإلا فماذا يأخذ الرجل من الكلب؟ أم تراه ينافقه؟ إذن: ليس إلا حب الطاعة. "وأخفى غضبه في معصيته" فلا تحقِرنَّ معصية أبداً، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. "وأخفى أسراره في خلقه" كما أخفى أمر عياض وتاب عليه . تفسير : ثم يقول سبحانه: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3] بعد أنْ خاطب الحق سبحانه نبيه بقوله: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] أراد سبحانه أنْ ينبه الأذهان إلى أهمية الإخلاص لله تعالى، فجاء بهذا الحرف الدال على الاستفتاح (ألا). وهذا الأسلوب يتبعه العربي في كلامه، لأن المتكلم أمير نفسه يتكلم في أيِّ وقت شاء، وهو يعي ما يقول وله خيار فيما يقول أمَّا السامع فليس له خيار فربما كان مشغولاً عن المتكلم فيفوته بعض الكلام؛ لذلك على المتكلم أنْ ينبهه من غفلته، وأنْ يُهيِّئه لأنْ يسمع، لا سيما إنْ كان الكلام مهماً أو نفيساً لا ينبغي أن يفوتك منه شيء؛ لذلك قال سبحانه: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3]. ونلحظ أيضاً هنا أسلوبَ القصر في تقديم الجار والمجرور {لِلَّهِ} [الزمر: 3] على المبتدأ الدين الخالص، فلم يَقُلْ سبحانه الدين الخالص لله، لأنها تحتمل أن نقول: ولغيره، أمَّا قوله {لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3] أي: له وحده، فقصرت إخلاص الدين على الله تعالى دون غيره، تقول: هذا المال لزيد. ولزيد هذا المال. لكن، لماذا لله الدين الخالص؟ قالوا: لأن الدينَ شرعُ الله هو الذي شرعه، وهو سبحانه الذي يُجازي عليه، فاحذر إذن أنْ يكون عملك بمنهج الله مقصوداً به غير الله؛ لأن غير الله لم يشرع لك، ولا يستطيع أنْ يعطيك أجر العمل. فكأن الله تعالى يريد أنْ يُحَصِّن حركة الإنسان في كل شيء، بحيث تعود عليه كل حركاته بالخير؛ لذلك دَلَّهُ على الطريق الذي يؤدي به إلى الخير، وهو طريق إخلاص العبادة لله وحده. ثم يذكر سبحانه مقابل إخلاص العبادة لله، فيقول: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} [الزمر: 3] قائلين ومبررين موقفهم حين تبيَّن لهم كذبهم في عبادة ما دون الله، وحين تقول لهم إن هذه الآلهة لا ترى ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وحين تضيق عليهم الخناق يقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} [الزمر: 3]. والذي يُقرِّبك إلى الله لا بُدَّ أنْ يكون مشهوداً بالتبعية لله تعالى، وهذه الآلهة التي تعبدونها ليست مشهودة بالتبعية لله تعالى، بل هي من صُنْعكم أنتم ومن نَحْت أيديكم، وإذا أطاحت به الريح أقمتموه في مكانه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه. إذن: فعبادتكم لها باطلة، وأنتم كاذبون في هذه العبادة {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: 3] كلمة الحكم لله كلمة ترهب، لأن حكمَ الله هو الحق الذي لا يُحابي أحداً، فالمؤمن حين يسمع هذه الكلمة يطمئن، لأنه سيأتي يوم لا يكون الحكم فيه إلا لله كما قال سبحانه: (إن الحكم إلا لله) أي: لله وحده لا لغيره، لذلك أنت لا تقول لخصمك: أنا حكَّمت الله بيني وبينك إلا وأنت واثق أن الحق معك. لذلك يغضب بعض الناس لو قلت لأحدهم: الله وكيل بيني وبينك. ولو كان على الحق لا يخاف شيئاً لقال وأنا رضيتُ هذه الوكالة وقبلتُ بها، لكن كونه يغضب حين نُحكِّم الله فيما بينكما، فهذا دليل على أنه يخاف هذا الحكم لأنه على باطل. ثم إن حكم الله سيأتي في وقت لا حكمَ فيه إلا لله {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} تفسير : [الأنعام: 57]. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} [الزمر: 3] نعم لا يهديه الله، لأن الكاذب الكفَّار ليس أهلاً لعطاء الهداية؛ لأن الله تعالى هدى الكل هدايةَ الدلالة والإرشاد، فمَنْ آمن منهم زاده هداية المعونة والتوفيق، قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. وسبق أن ضربنا مثلاً لذلك قلنا: إن رجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق ينظم المرور ويرشد الناس، فحين تسأله أين الطريق إلى الأسكندرية مثلاً يقول لك من هنا، فتتوجه إلى حيث أرشدك، وقبل أنْ تفارقه قلت له: جزاك الله خيراً، لقد كدتُ أضلّ الطريق، وأذهب من هنا ومن هنا، لولا أن الله يسَّر لي أنْ أقابلك، فقال لك: والله أنت رجل طيب تستحق كل خير، لكن في هذا الطريق منطقة خطر سأركب معك حتى أساعدك في المرور منها. إذن: لما أطعتَهُ في الإرشاد الأول زادكَ بالمعونة والمساعدة، كذلك الحق - سبحانه وتعالى - مَنْ يستجيب لهداية الدلالة والإرشاد فيؤمن يزيده هداية أخرى، هي هداية التوفيق والمعونة. والكاذب الكفَّار هو الشديد الكفر الذي لا ينتفع بإرشاد، ولا هداية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):