Verse. 4075 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَالَّذِيْنَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوْتَ اَنْ يَّعْبُدُوْہَا وَاَنَابُوْۗا اِلَى اللہِ لَہُمُ الْبُشْرٰى۝۰ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ۝۱۷ۙ
Waallatheena ijtanaboo alttaghoota an yaAAbudooha waanaboo ila Allahi lahumu albushra fabashshir AAibadi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين اجتنبوا الطاغوت» الأوثان «أن يعبدوها وأنابوا» أقبلوا «إلى الله لهم البشرى» بالجنة «فبشر عباد».

17

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما ذكر وعيد عبدة الأصنام والأوثان ذكر وعد من اجتنب عبادتها واحترز عن الشرك، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد أبداً فيحصل كمال الترغيب والترهيب، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الطاغوت فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين، وفي هذا اللفظ أنواع من المبالغة أحدها: التسمية بالمصدر كأن عين ذلك الشيء الطغيان وثانيها: أن البناء بناء المبالغة فإن الرحموت الرحمة الواسعة والملكوت الملك المبسوط وثالثها: ما ذكرنا من تقديم اللام على العين ومثل هذا إنما يصار إليه عند المبالغة. المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد من الطاغوت ههنا الشيطان أم الأوثان، فقيل إنه الشيطان فإن قيل إنهم ما عبدوا الشيطان وإنما عبدوا الصنم، قلنا الداعي إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على عبادة الصنم عبادة للشيطان، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها، وصفت بهذه الصفة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب بحسب الظاهر، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله فهو طاغوت، ويقال في التواريخ إن الأصل في عبادة الأصنام، أن القوم كانوا مشبهة اعتقدوا في الإله أنه نور عظيم، وفي الملائكة أنها أنوار مختلفة في الصغر والكبر، فوضعوا تماثيل وصوراً على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على أعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة، وأقول حاصل الكلام في قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ } أي أعرضوا عن عبودية كل ما سوى الله. قوله تعالى: {وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } أي رجعوا بالكلية إلى الله. ورأيت في السفر الخامس من التوراة، أن الله تعالى قال لموسى: يا موسى أجب إلهك بكل قلبك. وأقول ما دام يبقى في القلب التفات إلى غير الله فهو ما أجاب إلهه بكل قلبه، وإنما تحصل الإجابة بكل القلب إذا أعرض القلب عن كل ما سوى الله من باب الطاعات فكيف يعرض عنها مع أنه بالحس يشاهد الأسباب المفضية إلى المسببات في هذا العالم، قلنا ليس المراد من إعراض القلب عنها أن يقضي عليها بالعدم فإن ذلك دخول في السفسطة وهو باطل، بل المراد أن يعرف أن واجب الوجود لذاته واحد، وأن كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكناً لذاته فإنه لا يوجد إلا بتكوين الواجب وإيجاده، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل تكوينه للأشياء على قسمين منها ما يكون بغير واسطة وهي عالم السموات والروحانيات، ومنها ما يكون بواسطة وهو عالم العناصر والعالم الأسفل، فإذا عرفت الأشياء على هذا الوجه عرفت أن الكل لله ومن الله وبالله، وأنه لا مدبر إلا هو ولا مؤثر غيره، وحينئذٍ ينقطع نظره عن هذه الممكنات ويبقى مشغول القلب بالمؤثر الأول والموجد الأول، فإنه إن كان قد وضع الأسباب الروحانية والجسمانية بحيث يتأذى إلى هذا المطلوب، فهذا الشيء يحصل وإن كان قد وضع بحيث لا يفضي إلى حصول هذا الشيء لم يحصل، وبهذا الطريق ينقطع نظره عن الكل ولا يبقى في قلبه التفات إلى شيء إلا إلى الموجود الأول، وقد اتفق أني كنت أنصح بعض الصبيان في حفظ العرض والمال فعارضني وقالا يجوز الاعتماد على الجد والجهد بل يجب الاعتماد على قضاء الله وقدره، فقلت هذه كلمة حق سمعتها ولكنك ما عرفت معناها، وذلك لأنه لا شبهة أن الكل من الله تعالى إلا أنه سبحانه دبر الأشياء على قسمين منها ما جعل حدوثه وحصوله معلقاً بأسباب معلومة ومنها ما يحدثه من غير واسطة هذه الأسباب. أما القسم الأول: فهو حوادث هذا العالم الأسفل. وأما القسم الثاني: فهو حوادث هذا العالم الأعلى، وإذا ثبت هذا فنقول من طلب حوادث هذا العالم الأسفل لا من الأسباب التي عينها الله تعالى كان هذا الشخص منازعاً لله في حكمته مخالفاً في تدبيره، فإن الله تعالى حكم بحدوث هذه الأشياء بناءً على تلك الأسباب المعينة المعلومة وأنت تريد تحصيلها لا من تلك الأسباب، فهذا هو الكلام في تحقيق الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على الله تعالى فقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ } إشارة إلى الإعراض عن غير الله وقوله تعالى: {وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } إشارة إلى الإقبال بالكلية على عبادة الله، ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها: قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } واعلم أن هذه الكلمة تتعلق بجهات أحدها: أن هذه البشارة متى تحصل؟ فنقول إنها تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في القبر وعند الوقوف في عرصة القيامة وعندما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير وعندما يدخل المؤمنون الجنة، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل البشارة بنوع من الخير والروح والراحة والريحان وثانيها: أن هذه البشارة فبماذا تحصل؟ فنقول إن هذه البشارة تحصل بزوال المكروهات وبحصول المرادات، أما زوال المكروهات فقوله تعالى: {أية : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } تفسير : [فصلت: 30] والخوف إنما يكون من المستقبل والحزن إنما يكون بسبب الأحوال الماضية فقوله: {أَن لا تَخَافُواْ } يعني لا تخافوا فيما تستقبلونه من أحوال القيامة ولا تحزنوا بسبب ما فاتكم من خيرات الدنيا، ولما أزال الله عنهم هذه المكروهات بشرهم بحصول الخيرات والسعادات فقال: {أية : وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ } تفسير : [فصلت: 30] وقال أيضاً في آية أخرى: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [الحديد: 12] وقال أيضاً: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [الزخرف: 71] والثالث: أن المبشر من هو؟ فنقول يحتمل أن يكون هم الملائكة، إما عند الموت فقوله: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [النحل: 32] وإما بعد دخول الجنة فقوله: {أية : ٱلْمَلَـٰئِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23، 24] ويحتمل أن يكون هو الله سبحانه كما قال: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الأحزاب: 44]. واعلم أن قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } فيه أنواع من التأكيدات أحدها: أنه يفيد الحصر فقوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } أي لهم لا لغيرهم، وهذا يفيد أنه لا بشارة لأحد إلا إذا اجتنب عبادة غير الله تعالى وأقبل بالكلية على الله تعالى وثانيها: أن الألف واللام في لفظ البشرى مفيد للماهية فيفيد أن هذه الماهية بتمامها لهؤلاء، ولم يبق منها نصيب لغيرهم وثالثها: أن لا فرق بين الإخبار وبين البشارة فالبشارة هو الخبر الأول بحصول الخيرات، إذا عرفت هذا فنقول كل ما سمعوه في الدنيا من أنواع الثواب والخير إذا سمعوه عند الموت أو في القبر فذاك لا يكون إلا إخباراً، فثبت أن هذه البشارة لا تتحقق إلا إذا حصل الإخبار بحصول أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها وسمعوها في الدنيا نسأل الله تعالى الفوز بها، قال تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تفسير : [السجدة: 17] ورابعها: أن المخبر بقوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } هو الله تعالى وهو أعظم العظماء وأكمل الموجودات والشرط المعتبر في حصول هذه البشارة شرط عظيم وهو الاجتناب عما سوى الله تعالى والإقبال بالكلية على الله والسلطان العظيم إذا ذكر شرطاً عظيماً. ثم قال لمن أتى بذلك الشرط العظيم أبشر فهذه البشارة الصادرة من السلطان العظيم المرتبة على حصول ذلك الشرط العظيم تدل على أن الذي وقعت البشارة به قد بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يصل إلى شرحها العقول والأفكار، فثبت أن قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } يدل على نهاية الكمال والسعادة من هذه الوجوه، والله أعلم. واعلم أنه تعالى: لما قال: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } وكان هذا كالمجمل أردفه بكلام يجري مجرى التفسير والشرح له فقال تعالى: {فَبَشّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وأراد بعباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم وهذا يدل على أن رأس السعادات ومركز الخيرات ومعدن الكرامات هو الإعراض عن غير الله تعالى، والإقبال بالكلية على طاعة الله، والمقصود من هذا اللفظ التنبيه على أن الذين اجتنبوا الطاغوت وأنابوا، هم الموصوفون بأنهم هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فوضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على هذا الحرف، ومنهم من قال إنه تعالى لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأولون، وقصر السعادة عليهم يقتضي الحرمان للأكثرين، وذلك لا يليق بالرحمة التامة، لا جرم جعل الحكم أعم فقال كل من اختار الأحسن في كل باب كان في زمرة السعداء، واعلم أن هذه الآية تدل على فوائد: الفائدة الأولى: وجوب النظر والاستدلال، وذلك لأنه تعالى بين أن الهداية والفلاح مرتبطان بما إذا سمع الإنسان أشياء كثيرة، فإنه يختار منها ما هو الأحسن الأصوب، ومن المعلوم أن تمييز الأحسن الأصوب عما سواه لا يحصل بالسماع، لأن السماع صار قدراً مشتركاً بين الكل، لأن قوله: {الذين يستمعون القول } يدل على أن السماع قدر مشترك فيه، فثبت أن تمييز الأحسن عما سواه لا يتأتى بالسماع وإنما يتأتى بحجة العقل، وهذا يدل على أن الموجب لاستحقاق المدح والثناء متابعة حجة العقل وبناء الأمر على النظر والاستدلال. الفائدة الثانية: أن الطريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان: أحدهما: إقامة الحجة والبينة على صحته على سبيل التحصيل، وذلك أمر لا يمكن تحصيله إلا بالخوض في كل واحد من المسائل على التفصيل والثاني: أنا قبل البحث عن الدلائل وتقريرها والشبهات وتزييفها نعرض تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا، فكل ما حكم أول العقل بأنه أفضل وأكمل كائن أولى بالقبول. مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الإقرار بأن إله العالم حي عالم قادر حليم حكيم رحيم، أولى من إنكار ذلك، فكان ذلك المذهب أولى، والإقرار بأن الله تعالى لا يجري في ملكه وسلطانه إلا ما كان على وفق مشيئته أولى من القول بأن أكثر ما يجرى في سلطان الله على خلاف إرادته، وأيضاً الإقرار بأن الله فرد أحد صمد منزه عن التركيب والأعضاء أولى من القول بكونه متبعضاً مؤلفاً، وأيضاً القول باستغنائه عن الزمان والمكان أولى من القول باحتياجه اليهما، وأيضاً القول بأن الله رحيم كريم قد يعفو عن العقاب أولى من القول بأنه لا يعفو عنه ألبتة، وكل هذه الأبواب تدخل تحت قوله: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } فهذا ما يتعلق باختيار الأحسن في أبواب الاعتقادات. وأما ما يتعلق بأبواب التكاليف فهو على قسمين: منها ما يكون من أبواب العبادات، ومنها ما يكون من أبواب المعاملات، فأما العبادات فمثل قولنا الصلاة التي يذكر في تحريمها الله أكبر وتكون النية فيها مقارنة للتكبير، ويقرأ فيها سورة الفاتحة، ويؤتى فيها بالطمأنينة في المواقف الخمسة، ويقرأ فيها التشهد، ويخرج منها بقوله السلام عليكم، فلا شك أنها أحسن من الصلاة التي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال، وتوجب على العاقل أن يختار هذه الصلاة، وأن يترك ما سواها، وكذلك القول في جميع أبواب العبادات. وأما المعاملات فكذلك مثل أنه تعالى شرع القصاص والدية والعفو، ولكنه ندب إلى العفو فقال: {وأن تعفو أقرب للتقوى} وعن ابن عباس أن المراد منه الرجل يجلس مع القوم ويسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء، فيحدث بأحسن ما سمع ويترك ما سواه. واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال: {أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} وفي ذلك دقيقة عجيبة، وهي أن حصول الهداية في العقل والروح أمر حادث، ولا بد له من فاعل وقابل: أما الفاعل فهو الله سبحانه وهو المراد من قوله: {أولئك الذين هداهم الله} وأما القابل فإليه الإشارة بقوله: {وأولئك هم أولوا الألباب} فإن الإنسان ما لم يكن عاقلاً كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقية في قلبه. وإنما قلنا إن الفاعل لهذه الهداية هو الله، وذلك لأن جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل، وإذا كان الشيء قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية، ومتى كان الأمر كذلك امتنع كون ذلك القابل سبباً لرجحان أحد الطرفين، ألا ترى أن الجسم لما كان قابلا للحركة والسكون على السوية، امتنع أن تصير ذات الجسم سبباً لرجحان أحد الطرفين على الآخر، فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل يوجب هذا الرجحان، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد الطرفين، فتصير تلك الإرادة سبباً لذلك الرجحان، فنقول هذا باطل، لأن ذات النفس كما أنها قابلة لهذه الإرادة، فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادة لتلك الإرادة، فيمتنع كون جوهر النفس سبباً لتلك الإرادة، فثبت أن حصول الهداية لا بد لها من فاعل ومن قابل أما الفاعل: فيمتنع أن يكون هو النفس، بل الفاعل هو الله تعالى وأما القابل: فهو جوهر النفس، فلهذا السبب قال: {أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} ثم قال {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} وفيه مسائل: المسألة الأولى: في لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } ولا يصح في الكلام العربـي أن يدخل حرف الاستفهام على الاسم وعلى الخبر معاً، فلا يقال أزيد أتقتله، بل ههنا شيء آخر، وهو أنه كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء، فكذلك دخل حرف الفاء عليهما معاً وهو قوله: {أَفَمَنْ حَقَّ }، {أَفَأَنتَ تُنقِذُ } ولأجل هذا السؤال اختلف النحويون وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الكسائي: الآية جملتنا والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفأنت تحميه، أفأنت تنقذ من في النار الثاني: قال صاحب «الكشاف»: أصل الكلام أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه، وهي جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب والتقدير أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع من في النار موضع الضمير، والآية على هذا جملة واحدة الثالث: لا يبعد أن يقال إن حرف الاستفهام إنما ورد ههنا لإفادة معنى الإنكار، ولما كان استنكاره هذا المعنى كاملاً تاماً. لا جرم ذكر هذا الحرف في الشرط وأعاده في الجزاء تنبيهاً على المبالغة التامة في ذلك الإنكار. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، وذلك لأنه تعالى قال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } فإذا حقت كلمة العذاب عليه امتنع منه فعل الإيمان والطاعة، وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وانقلاب علمه جهلاً وهو محال والوجه الثاني: في الاستدلال بالآية أنه تعالى حكم بأن حقية كلمة العذاب توجب الاستنكار التام من صدور الإيمان والطاعة عنه، ولو كان ذلك ممكناً ولم تكن حقيقة كلمة العذاب مانعة منه لم يبق لهذا الاستنكار والاستبعاد معنى. المسألة الثالثة: احتج القاضي بهذه الآية على أن النبـي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر، قال لأنه حق عليهم العذاب فتلك الشفاعة تكون جارية مجرى إنقاذهم من النار، وأن الله تعالى حكم عليهم بالإنكار والاستبعاد، فيقال له لا نسلم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب وكيف يحق العذاب عليهم مع أن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] ومع قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53]، والله أعلم. النوع الثاني: من الأشياء التي وعدها الله هؤلاء الذين اجتنبوا وأنابوا قوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ } وهذا كالمقابل لما ذكر في وصف الكفار {أية : لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } تفسير : [الزمر: 16] فإن قيل ما معنى قوله {مَّبْنِيَّةٌ }؟ قلنا لأن المنزل إذا بنى على منزل آخر تحته كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني فقوله: {مَّبْنِيَّةٌ } معناه أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل، والحاصل أن المنزل الفوقاني والتحتاني حصل في كل واحد منهما فضيلة ومنقصة، أما الفوقاني ففضيلته العلو والارتفاع ونقصانه الرخاوة والسخافة، وأما التحتاني فبالضد منه، أما منازل الجنة فإنها تكون مستجمعة لكل الفضائل وهي عالية مرتفعة وتكون في غاية القوة والشدة، وقال حكماء الإسلام هذه الغرف المبنية بعضها فوق البعض، مثاله من الأحوال النفسانية العلوم الكسبية فإن بعضها يكون مبنياً على البعض والنتائج الآخرة التي هي عبارة عن معرفة ذات الله وصفاته تكون في غاية القوة بل تكون في القوة والشدة كالعلوم الأصلية البديهية. ثم قال: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وذلك معلوم، ثم ختم الكلام فقال: {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ } فقوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدر مؤكد لأن قوله {لَهُمْ غُرَفٌ } في معنى وعدهم الله ذلك وفي الآية دقيقة شريفة، وهي أنه تعالى في كثير من آيات الوعد صرح بأن هذا وعد الله وأنه لا يخلف وعده ولم يذكر في آيات الوعيد ألبتة مثل هذا التأكيد والتقوية، وذلك يدل على أن جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد بخلاف ما يقوله المعتزلة، فإن قالوا أليس أنه قال في جانب الوعيد {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [ق:29] قلنا قوله ما يبدل القول لدي ليس تصريحاً بجانب الوعيد بل هو كلام عام يتناول القسمين أعني الوعد والوعيد، فثبت أن الترجيح الذي ذكرناه حق، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} قال الأخفش: الطاغوت جمع ويجوز أن تكون واحدة مؤنثة. وقد تقدم. أي تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها. قال مجاهد وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. وقيل إنه اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، و«أن» في موضع نصب بدلاً من الطاغوت، تقديره: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت. {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي رجعوا إلى عبادته وطاعته. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} في الحياة الدنيا بالجنة في العقبى. روي أنها نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عنهم؛ سألوا أبا بكر رضي الله عنه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا. وقيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذرّ وغيرهما ممن وحّد الله تعالى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. وقيل: يستمعون عزماً وترخيصاً فيأخذون بالعزم دون الترخيص. وقيل: يستمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو. وقيل: إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحّد الله قبل الإسلام «لا إِلٰه إِلا الله». وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذرّ الغفاري وسلمان الفارسي، اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم، واتبعوا أحسن ما صار من القول إليهم. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} لما يرضاه. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} أي الذين انتفعوا بعقولهم.

ابن كثير

تفسير : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال عز وجل: { فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي: يفهمونه ويعملون بما فيه؛ كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة: {أية : فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} تفسير : [الأعراف: 145]. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ } الأوثان {أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ } أقبلوا {إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } بالجنة {فَبَشِّرْ عِبَادِ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} فيه قولان: أحدهما: أن الطاغوت الشيطان، قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: الأوثان، قاله الضحاك والسدي. وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي مثل هاروت وماروت. الثاني: عربي مشتق من الطغيان. {وأنابوا إلى الله} فيه وجهان: أحدهما: أقبلوا الى الله، قاله قتادة. الثاني: استقاموا إلى الله، قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: وأنابوا الى الله من ذنوبهم. {لهم البشرى} فيه وجهان: أحدهما: أنها الجنة، قاله مقاتل ويحيى بن سلام. الثاني: بشرى الملائكة للمؤمنين، قاله الكلبي. ويحتمل ثالثاً: أنها البشرى عند المعاينة بما يشاهده من ثواب عمله. قوله عز وجل: {فبشر عبادِ الذين يستمعون القول} فيه قولان: أحدهما: أن القول كتاب الله، قاله مقاتل ويحيى بن سلام. الثاني: أنهم لم يأتهم كتاب من الله ولكن يستمعون أقاويل الأمم، قاله ابن زيد. {فيتبعون أحسنَه} فيه خمسة أوجه: أحدها: طاعة الله، قاله قتادة. الثاني: لا إله إلا الله، قاله ابن زيد. الثالث: أحسن ما أمروا به، قاله السدي. الرابع: أنهم إذا سمعوا قول المسلمين وقول المشركين اتبعوا أحسنه وهو الإسلام، حكاه النقاش. الخامس: هو الرجل يسمع الحديث من الرجل فيحدث بأحسن ما يسمع منه، ويمسك عن أسوإه فلا يتحدث به، قاله ابن عباس. ويحتمل سادساً: أنهم يستمعون عزماً وترخيصاً فيأخذون بالعزم دون الرخص. {أولئك الذين هداهم الله} الآية. قال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم، واتبعوا أحسن ما صار من العقول إليهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الطَّاغُوتَ} الشيطان، أو الأوثان أعجمي كهاروت وماروت أو عربي من الطغيان {وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ} أقبلوا عليه أو استقاموا إليه. {الْبُشْرَى} الجنة، أو بشارة الملائكة للمؤمنين.

الخازن

تفسير : {والذين اجتنبوا الطاغوت} يعني الأوثان {أن يعبدوها وأنابوا إلى الله} أي رجعوا إلى عبادة الله تعالى بالكلية وتركوا ما كانوا عليه من عبادة غيره {لهم البشرى} أي في الدنيا وفي الآخرة أما في الدنيا فالثناء عليهم بصالح أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة فعند الخروج من القبر وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة وفي الجنة ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة والروح والريحان {فبشر عبادي الذين يستمعون القول} يعني القرآن {فيتبعون أحسنه} أي أحسن ما يؤمرون به فيعملون به وهو أن الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو عنه والعفو أحسن الأمرين وقيل ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم وقيل يستمعون القرآن وغيره من الكلام فيتبعون القرآن لأنه كله حسن وقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أسلم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فنزلت فيهم {فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وقيل نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله وهم زيد بن عمرو وأبو ذر وسلمان الفارسي {أولئك الذين هداهم الله} أي إلى عبادته وتوحيده {وأولئك هم أولوا الألباب أفمن حق عليه كلمة العذاب} قال ابن عباس: سبق في علم الله تعالى أنه في النار وقيل كلمة العذاب قوله {لأملأن جهنم} وقيل قوله هؤلاء في النار ولا أبالي {أفأنت تنقذ من في النار} أي لا تقدر عليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أبا لهب وولده {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية} أي منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل هي أرفع منها {تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد} أي وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعداً لا يخلفه (ق) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم فقالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" تفسير : قوله الغابر أي الباقي في الأفق أي في ناحية المشرق أو المغرب. قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه} أي أدخل ذلك الماء {ينابيع في الأرض} أي عيوناً وركايا ومسالك ومجاري في الأرض كالعروق في الجسد قال الشعبي كل ماء في الأرض فمن السماء نزل {ثم يخرج به} أي بالماء {زرعاً مختلفاً ألوانه} أي مثل أصفر وأخضر وأحمر وأبيض وقيل أصنافه مثل البر والشعير وسائر أنواع الحبوب {ثم يهيج} أي ييبس {فتراه} أي بعد خضرته ونضرته {مصفراً ثم يجعله حطاماً} أي فتاتاً متكسراً {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب}.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ...} الآية، قال ابن زيد: إن سببَ نزولِها زيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ، والإشارةُ إليهم. * ت *: سُلَيْمَانُ إنما أسلم بالمدينةِ، فَيَلْزَمُ عَلَىٰ هذا التأويلِ أن تكونَ الآيةُ مدنيةً، وقال ابن إسْحَاق: الإشَارةُ بِها إلى عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلك أنه لما أسْلم أَبو بَكْرٍ سَمِعُوا ذلك؛ فَجَاؤُوهُ، فقالوا: أَأَسْلَمْتَ؟ قال: نَعَمْ؛ وذَكَّرَهُمْ باللَّه سبحانه، فآمَنُوا بأجمعهم، فنزلَتْ فيهم هذه الآية، وهي على كلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناس إلى يوم القيامة يتناولُهُمْ حُكْمُهَا، و{ٱلطَّـٰغُوتَ}: كلُّ ما عُبِدَ من دون اللَّه. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}: كَلاَمٌ عامٌّ في جميع الأقوال، والمَقْصِدُ الثناءُ على هؤلاءِ في نفوذِ بصائرهم، وقوام نَظَرِهِم، حتى إنهم إذا سمعوا قولاً مَيَّزوه واتبعوا أحْسَنه، قال أبو حيَّان: {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ} صفةٌ لـ{عِبَادِ}، وقيلَ: الوَقْفُ على عباد، {وَٱلَّذِينَ} مبتدأٌ خبرُهُ {أُوْلَـٰئِكَ} ومَا بَعْدَهُ، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏{‏والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها‏}‏ قال‏:‏ نزلت هاتان الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ كان سعيد بن زيد، وأبو ذر، وسلمان، يتبعون في الجاهلية أحسن القول، وأحسن القول والكلام لا إله إلا الله‏.‏ قالوا بها فانزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ‏ {‏الطاغوت‏} ‏ الشيطان هو ههنا واحد وهي جماعة‏.‏ مثل قوله ‏{أية : ‏يا أيها الإِنسان ما غرك‏}‏ تفسير : [‏الانفطار‏:‏ 6‏] قال‏:‏ هي للناس كلهم الذين قال لهم الناس إنما هو واحد‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏والذين اجتنبوا الطاغوت‏} ‏ قال‏:‏ الشيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وأنابوا إلى الله لهم البشرى‏} ‏ قال‏:‏ أقبلوا إلى الله ‏ {‏فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏}‏ قال‏:‏ أحسنه طاعة الله‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الضحاك في قوله ‏{‏فيتبعون أحسنه‏}‏ ما أمر الله تعالى النبيين عليهم السلام من الطاعة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن الكلبي في قوله ‏ {‏الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏}‏ قال‏:‏ لولا ثلاث يسرني أن أكون قدمت‏.‏ لولا أن أضع جبيني لله، وأجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقطون طيب الثمر، والسير في سبيل الله‏.‏ وأخرج جويبر عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏لها سبعة أبواب‏.‏‏.‏‏.‏‏}تفسير : ‏ ‏[‏الحجر: 44‏].‏ حديث : أتى رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إن لي سبعة مماليك، وأني أعتقت لكل باب منها مملوكاً‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏{‏فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال لما نزلت ‏ {‏فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏}‏ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى‏ "‏من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة‏.‏ فاستقبل عمر الرسول فرده فقال‏:‏ يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس فلا يعملون‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"لو يعلم الناس قدر رحمة الله لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط الله وعقابه لاستصغروا أعمالهم"‏‏ ‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ} أي البالغَ أقصى غيةَ الطُّغيانِ، فَعَلوتٌ منه بتقديم اللاَّمِ على العينِ بُني للمبالغةِ في المصدرِ كالرَّحموتِ والعظَمُوتِ. ثم وُصف به للمبالغةِ في النَّعتِ. والمرادُ به هو الشَّيطانُ {أَن يَعْبُدُوهَا} بدلُ الاشتمالِ منه فإنَّ عبادةَ غيرَ الله تعالى عبادةٌ للشَّيطانِ إذِ هُو الآمرُ بها والمُزيِّنُ لها. {وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ} وأقبلُوا إليه مُعرضين عمَّا إقبالاً كلِّياً. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} بالثَّوابِ على ألسنةِ الرُّسلِ أو الملائكةِ عند حضورِ الموتِ وحين يُحشرون وبعد ذلك {فَبَشّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} هم الموصُوفون بالاجتنابِ والإنابةِ بأعيانهم لكنْ وُضع موضعَ ضميرِهم الظَّاهرُ تشريفاً لهم بالإضافةِ ودلالةً على أنَّ مدارَ اتصِّافِهم بالوصفينِ الجليلينِ كونُهم نُقَّاداً في الدَّينِ يميِّزون الحقَّ من الباطلَ ويؤُثرون الأفضلَ فالأفضلَ {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتِّصافهم بما ذُكر من النَّعوتِ الجليلةِ، وما فيه من مَعْنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ رُتبتهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضلِ. ومحلُّه الرَّفعُ على الابتداءِ خبرُه ما بعده من الموصولِ أي أولئك المنعوتُون بالمحاسنِ الجمليةِ {ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} للدِّين الحقِّ {وَأُوْلَـئِكَ هُمْ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} أي هم أصحابُ العقولِ السَّليمةِ عن معارضة الوهمِ ومنازعةِ الهَوَى المستحقُّون للهدايةِ لا غيرهم، وفيه دلالةٌ على أنَّ الهدايةَ تحصلُ بفعل الله تعالى وقبول النَّفسِ لها {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ} بـيانٌ لأحوال أضَّدادِ المذكورينَ على طريقة الإجمالِ وتسجيلٌ عليهم بحرمانِ الهداية وهم عَبَدةُ الطَّاغوتَ ومتَّبعُو خطواتها كما يُلوحُ به التَّعبـيرُ عنهم بمن حقَّ عليه كلمة العذاب فإنَّ المرادَ بها قوله تعالى لإبليسَ: { أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [سورة ص: الآية 85] وقوله تعالى: { أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 18] وأصلُ الكلامِ أمن حقَّ عليه كلمةُ العذاب فأنتَ تنقذه على أنَّها شرطيةٌ دخل عليها الهمزةُ لإنكارِ مضمونها ثم الفاءُ لعطفها على جملةٍ مستتبعة لها مقدَّرة بعد الهمزةِ ليتعلَّق الإنكارُ والنَّفيُ بمضمونيهما معاً أي أأنتَ مالكُ أمرِ النَّاسِ فمن حقَّ عليه كلمةُ العذابِ فأنت تنقذه ثم كُررتْ الهمزةُ في الجزاءِ لتأكيدِ الإنكارِ وتذكيرِه لمَّا طال الكلامُ ثم وضِع موضعَ الضَّميرِ مَن في النَّارِ لمزيد تشديدِ الإنكارِ والاستبعاد والتَّنبـيه على أنَّ المحكومَ عليه بالعذابِ بمنزلة الواقعِ في النَّارِ وأنَّ اجتهادَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فى دُعائهم إلى الإيمانِ سعيٌ في إنقاذِهم من النَّارِ ويجوزُ أن يكونَ الجزاءُ محذوفاً. وقوله تعالى أفأنتَ الخ جملة مستقلَّةٌ مسوقة لتقريرِ مضمون الجملة السَّابقةِ وتعيـين ما حُذف منها وتشديدِ الإنكارِ بتنزيل من استحقَّ العذابَ منزلةَ من دخل النَّارَ وتصوير الاجتهاد في دُعائه إلى الإيمان بصورةِ الإنقاذِ من النَّارِ كأنَّه قيل أوَّلاً: أفمن حقَّ عليه العذابُ فأنتَ تخلِّصه منه ثم شُدِّد النَّكيرُ فقيل أفأنتَ تنقذُ من في النَّارِ وفيه تلويحٌ بأنَّه تعالى هو الذي يقدرُ على الإنفاذِ لا غيرُه وحيثُ كان المرادُ بمن في النَّارِ الذين قيل في حقِّهم: {أية : لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 16] استدركَ منهم بقوله تعالى:

التستري

تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ}[17] قال: الطاغوت الدنيا، وأصلها الجهل، وفرعها المآكل والمشارب، وزينتها التفاخر، وثمرتها المعاصي، وميزانها القسوة والعقوبة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} [الآية: 17]. قال سهل - رحمة الله عليه -: الطاغوت الدنيا وأصلها الجهل وفرعها المأكل والمشرب وزينتها التفاخر وثمرتها المعاصى وميراثها القسوة والعقوبة. قوله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الآية: 18]. قال عيسى عليه السلام: من يذكركم الله رؤيته ويرغبكم فى الآخرة عمله وقد قال الله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}. فضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على غيره أن الأحسن ما يأتى به وأن الكل حسناً ولما وقعت له صحبة التمكين ومقارنة الاستقرار قبل خلق الكون ظهرت عليه الأنوار فى الأحوال كان معه أحسن الخطاب وله السبق فى جميع المقامات ألا تراه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ". تفسير : يعنى الآخرين وجودًا السابقين فى الخطاب الأول فى الفضل فى محل القدس.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ}. طاغوت كلّ إنسانٍ نَفْسُه؛ وإنما يجتنبُ الطاغوتَ مَنْ خالف هواه، وعانَقَ رضا مولاه. وعبادةُ النَّفْس بموافقة الهوى - وقليلٌ مَنْ لا يعبد هواه، ويجتنب حديث النَّفْسِ. {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}: أي رجعوا إليه في كل شيء. قوله جلّ ذكره: {فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ} يقتضي أن يكون الاستماع لكل شيء، ولكن الاتباع يكون للأحسن. "أحسنه": وفيه قولان؛ أحدهما أن يكون بمعنى الحَسَن ولا تكون الهمزة للمبالغة، كما يقال مَلِكٌ أَعِزُّ أي عزيز. والثاني: الأحسن على المبالغة، والحَسَنُ ما كان مأذوناً فيه في صفة الخَلْقُ ويعْلَمُ ذلك بشهادة العلم، والأحسن هو الأَوْلَى والأصوب. ويقال الأحسن ما كان لله دون غيره، ويقال الأحسن هو ذكر الله خالصاً له. ويقال مَنْ عَرَفَ الله لا يسمع إلا بالله. ويقال إن للعبد دواعيَ من باطنه هي هواجسُ النفس ووساوسُ الشيطانِ وخوَاطرُ المَلَكِ وخطابُ الحقِّ يُلْقَى في الرَّوْعِ؛ فوساوسُ الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجسُ النفس تدعو إلى ثبوت الأشياء من النَّفْس وأَنَّ لها في شيءٍ نصيباً، وخواطرُ المَلَكِ تدعو إلى الطاعاتِ والقُرَبِ، وخطابُ الحقِّ في حقائق التوحيد. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}:- أولئك الذين هداهم الله لتوحيده، وأولئك الذين عقولهم غير معقولة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} اصل كل طاغوت النظر الى النفس والى ما سوى الله من العرش الى الثرى فى طريق افراد القدم عن الحدوث على وجه الاقبال اى شئ دونه فالذين جانبوا الكل وانابو الى اصل كل اصل بنعت الاستعانة به فلهم النظر الى جماله ولهم النظارة والبشارة فى وجهه والفرح بمشاهدة جماله فهم مربوطون فى الدنيا عند كل نفس ببشارة منه بانهم يرونه على وفق مرادهم ومحبتهم ثم زاد فى وصفهم بقوله {فَبَشِّرْ عِبَادِ} امر حبيبه صلى الله عليه وسلم بان يبشرهم بالرضوان الاكبر ثم بين استحقاق البشارة لهم باى وجه يلحق بهم بقوله {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ} يستمعون الحق من الحق من حيث الحق {فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} يبتغون كل الخطاب بالايمان وعلى ما يوافق مراد الحق منهم بالعمل فاذا الكل حسن مبارك فمن حيث رسوم الأمر حسنه ما يطيقون حمله من وارد الخطاب بنعت متابعته وفى الحقيقة الا حسن ما لم يوافق طباع الحدثان وذلك مثل اى المتشابه فى عرفان الذات والصفات فالاوامر النواهى حسن لهم والانباء من علوم الذات والصفات احسن للحق ولكن من حيث ان القول صفته فالكل حسن من حيث معافى الصفة وايضا يتبعون حسنه من الاعمال السيئة والاخلاق الكريمة وبين ان هذه المتابعة منهم من هدايته لهم وتعريف نفسه اياهم وانه تعالى جعلهم الالباء المستعدين لقبول قوله وادراك خطابه بالفهوم النورية والعقول الصافية والذكاء العجيب بقوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} قال سهل فى قوله والذين اجتنبوا الطاغوت الدنيا واصلها الجهل وفرعها الماكل والمشارب زينتها التفاخر ونمرتها المعاصى وميراثها القسوة والعقوبة وقال الاستاذ طاغوت كل احد نفسه وانما يجتنب الطاغوت من خالف هواه وعالق رضا مولاه قال ابو بكر بن طاهر فى قوله فبشر عباد بشر الله تعالى من فتح سمعه لاستماع الاحسن من سماعه لامن سمعه على العادة والطبع فان المتحقق فى السماع من يعرف حاله فى وقت السماع فيتبع الاحسن مما يسمع ويدع ما فيه شبهة واشتباه وصفهم الله تعالى بالهداية اليه والعلم به العقل فيما يسمع بيّن الشيخ ابو بكر بن طاهر قدس الله روحه ان المراد به سماع القول وان العارف العاشق بجمال الحق يلقى سمع الخاص فى مقام المراقبة على بساط القرب والحق سبحانه يتكلم بكل لسان من العرش الى الثرى فلحظة نطق على السنة الطيور فى الحانها وساعة نطق فى اصوات الخلائق المختلفة وعلى السنة السماوات والارضين والجبال وحركات الرياح والاشجار والمياه وعلى السنة الملائكة والارواح والنفوس فبعض الهام بعض الماء بعض وحى وبعض كلام فالاحسن منها ان يتكلم معهم بكلامه العزيز الخاص الصفاتى الذاتى الخارج من الوسايط والوسايل فذلك العارف العاشق يسمع الكل من روحه ونفسه وعقله وقلبه وعدوه والملك والاولياء والانبياء وحركات الاكوان واهلها فيتبع جميع الخطابات من حيث ادرك وحقائقها ما يوافق حاله وعلمه وعمله رسما ويتبع الكلام الازلى الذى هو احسن الخطاب بالفهم العجيب والعلم الغريب والادراك الصافى وانفراد الحق من المخلوق بالمحبة والشوق والعشق والمعرفة والتوحيد والاخلاص والعبودية والربوبية والحرية فهذا فضل ورد بالبديهة من حيث ظهور الانباء الغيبية والروح القدسية والالهامات الربانية قيل هذا فضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على غيره ان الاحسن ما ياتى به وان كان الكل حسنا ولما وقعت له صحبة التميكن ومقارنة الاستقرار قل خلق الكون ظهرت عليه الانوار فى الاحوال وكان معه احسن الخطاب وله السابق فى جميع المقامات الا تراه صلى الله عليه وسلم يقول نحن الاخرون السابقون يوم القيامة يعنى الاخرون وجود السابقون فى الخطاب الاول فى الفضل فى محل القدس وقال الاستاذ اللام فى قوله القول للعموم يقتضى القول الاستماع يكون لكل شئ والاتباع يكون للاحسن وقيل للعبد دواع من باطنه هو اجس النفس وساوس الشيطان وخواطر الملك والخطاب بالحق ينفى فى الروع فوسواوس الشيطان يدعوه الى المعاصى وهو اجس النفس تدعوه الى ثبوت الاشياء منه مما له فيه نصيب وخواطر الملك تدعو الى الطاعات وخطاب الحق فى حقائق التوحيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين اجتنبوا الطاغوت} [الاجتناب: بايك سو شدن] يقال اجتنبه بعد عنه. والطاغوت البالغ اقصى غاية الطغيان وهو تجاوز الحد فى العصيان فلعوت من الطغيان بتقديم اللام على العين لان اصله طغيوت بنى للمبالغة كالرحموت والعظموت ثم وصف به للمبالغة فى النعت كأن عين الشيطان طغيان لان المراد به هو الشيطان وتاؤه زائدة دون التأنيث كما قال فى كشف الاسرار التاء ليست باصلية هى فى الطاغوت كهى فى الملكوت والجبروت واللاهوت والناسوت والرحموت والرهبوت ويذكر اى الطاغوت ويؤنث كما فى الكواشى ويستعمل فى الواحد والجمع كما فى المفردات والقاموس. قال الراغب وهو عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله. وفى القاموس الطاغوت اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والاصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة اهل الكتاب. وقال فى كشف الاسرار كل من عبد شيئا غير الله فهو طاغ ومعبوده طاغوت. وفى التأويلات النجمية طاغوت كل احد نفسه وانما يجتنب الطاغوت من خالف هواه وعانق رضى مولاه ورجع اليه بالخروج عما سواه رجوعا بالكلية. وقال سهل الطاغوت الدنيا واصلها الجهل وفرعها المآكل والمشارب وزينتها التفاخر وثمرتها المعاصى وميراثها القسوة والعقوبة: والمعنى بالفارسية [وآنانكه بيكسو رفتند ازشيطان يابتان يا كهنه يعنى از هرجه بدون خداى تعالى برستند ايشان بر طرف شدند] {ان يعبدوها} بدل اشتمال منه فان عبادة غير الله عبادة للشيطان اذ هو الآمر بها والمزين لها. قال فى بحر العلوم وفيها اشارة الى ان المراد بالطاغوت ههنا الجمع {وانابوا الى الله} واقبلوا عليه معرضين عما سواه اقبالا كليا. قال فى البحر واعلم ان المراد باجتناب الطاغوت الكفر بها وبالانابة الى الله الايمان بالله كما قال تعالى {أية : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} تفسير : وقدم اجتناب الطاغوت على الانابة الى الله كما قدم الكفر بالطاغوت على الايمان بالله على وفق كلمة التوحيد لا اله الا الله حيث قدم نفى وجود الآلهية على اثبات الالوهية لله تعالى {لهم البشرى} بالثواب والرضوان الاكبر على ألسنة الرسل بالوحى فى الدنيا او الملائكة عند حضور الموت وحين يحشرون وبعد ذلك. وقال بعض الكبار لهم البشرى بانهم من اهل الهداية والفضل من الله وهى الكرامة الكبرى {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه} فيه تصريح بكون التبشير من لسان الرسول عليه السلام وهو تبشير فى الدنيا واما تبشير الملك فتبشير فى الآخرة كما قال تعالى {أية : لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة} تفسير : وبالجملة تبشير الآخرة مرتب على تبشير الدنيا فمن استأهل الثانى استأهل الاول. والاصل عبادى بالياء فحذفت. قيل ان الآية نزلت فى عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير حين سألوا ابا بكر رضى الله عنه فاخبرهم بايمانه فآمنوا حكاه المهدوى فى التكملة فيكون المعنى يستمعون القول من ابى بكر فيتبعون احسنه وهو قول لا اله الا الله كما فى كشف الاسرار. وقال فى الارشاد ونحوه اى فبشر فوضع الظاهر موضع ضميرهم تشريفا لهم بالاضافة ودلالة على ان مدار انصافهم بالاجتناب والانابة كونهم نقادا فى الدين يميزون الحق من الباطل ويؤثرون الافضل فالافضل انتهى. وهذا مبنى على اطلاق القول وتعميمه جريا على الاصل. يقول الفقير ويحتمل ان يكون المعنى يستمعون القول مطلقا قرآنا كان او غيره فيتبعون احسنه بالايمان والعمل الصالح وهو القرآن لانه تعالى قال فى حقه {أية : الله نزل احسن الحديث} تفسير : كما سيأتى فى هذه السورة. وقال الراغب فى المفردات فيتبعون احسنه اى الابعد من الشبهة [ودر بحر الحقائق فرموده كه قول اعم است ازسخن خدا وملك وانسان وشيطان ونفس. اما انسان حق وباطل ونيك وبد كويد. وشيطان بمعاصى خواند. ونفس بآرزوها ترغيب كند. وملك بطاعت دعوت نمايد. وحضرت عزت بخود خواند كما قال {أية : وتبتل اليه تبتيلا} تفسير : بس بندكان خالص آنانندكه احسن خطاب راكه خطاب رب الارباب است از زبان حضرت رسول استماع نموده اند بيروى كنند]. وايضا ان الالف واللام فى القول للعموم فيقتضى ان لهم حسن الاستماع فى كل قول من القرآن وغيره ولهم ان يتبعوا احسن معنى يحتمل كل قول اتباع درايته والعمل به واحسن كل قول ما كان من الله او لله او يهدى الى الله وعلى هذا يكون استماع قول القوّال من هذا القبيل كما فى التأويلات النجمية. وقال الكلبى يجلس الرجل مع القوم فيستمع الاحاديث محاسن ومساوى فيتبع احسنها فيأخذ المحاسن ويحدث بها ويدع مساويها [ودر لباب كفته كه مراد ازقول سخنانست كه درمجالس ومحافل كذرد واهل متابعت احسن آن اقوال اختيار ميكنند در ايشان ودرامثال آمده] شعر : خذ ما صفا دع ما كدر قول كس جون بشنوى دروى تأمل كن تمام صاف رابردار ودردى را رهاكن والسلام تفسير : [وكفته اند استماع قول واتباع احسن آن عمومى دارد ومرد ازقول قرآنست واحسن او محكم باشد دون منسوخ وعزيمت دون رخصت. وكفته اندكه درقرآن مقابح اعدا وممادح اولياست ايشان متابعت احسن مينمايند كه مثلا طريقه موسى است عليه السلام دون سيرت فرعون] وعلى هذا. وفى كشف الاسرار مثال هذا الاحسن فى الدين ان ولى القتيل اذا طالب بالدم فهو حسن واذا عفا ورضى بالدية فهو احسن. ومن جزى بالسيئة السيئة مثلها فهو حسن وان عفا وغفر فهو احسن. وان وزن او كال فهو حسن وان ارجح فهو احسن. وان اتزن وعدل فهو حسن وان طفف على نفسه فهو احسن. وان رد السلام فقال وعليكم السلام فهو حسن وان قال وعليكم السلام ورحمة الله فهو احسن. وان حج راكبا فهو حسن وان فعله راجلا فهو احسن. وان غسل اعضاءه فى الوضوء مرة مرة فهو حسن وان غسلها ثلاثا ثلاثا فهو احسن. وان جزى من ظلمه بمثل مظلمته فهو حسن وان جازاه بحسنة فهو احسن. وان سجد او ركع ساكتا فهو جائز والجائز حسن وان فعلهما مسبحا فهو احسن. ونظير هذه الآية قوله عز وجل لموسى عليه السلام {أية : فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا باحسنها} تفسير : وقوله {أية : واتبعوا احسن ما انزل اليكم من ربكم} تفسير : انتهى ما فى الكشف. وهذا معنى ما قال بعضهم يستمعون قول الله فيتبعون احسنه ويعملون بافضله وهو ما فى القرآن من عفو وصفح واحتمال على اذى ونحو ذلك فالقرآن كله حسن وانما الاحسن بالنسبة الى الآخذ والعامل. قال الامام السيوطى رحمه الله فى الاتقان اختلف الناس هل فى القرآن شىء افضل من شىء فذهب الامام ابو الحسن الاشعرى رحمه الله وبعض الائمة الاعلام الى المنع لان الجميع كلام الله ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه. وذهب آخرون من المحققين وهو الحق كلام الله فى الله افضل من كلامه فى غيره فقل هو الله احد افضل من تبت يدا ابى لهب لان فيه فضيلة الذكر وهو كلام الله وفضيلة المذكور وهو اسم ذاته وتوحيده وصفاته الايجابية والسلبية وسورة تبت فيها فضيلة الذكر فقط وهو كلام الله تعالى. والاخبار الواردة فى فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب فى تلاوتها لا تحصى. قال الامام الغزالى رحمه الله فى جوهر القرآن كيف يكون بعض الآيات والسور اشرف من بعض مع ان الكل كلام الله فاعلم نوّرك الله بنور البصيرة وقلد صاحب الرسالة عليه السلام فهو الذى انزل عليه القرآن وقال "حديث : يس قلب القرآن: وفاتحة الكتاب سور القرآن: وآية الكرسى سيدة القرآن: وقل هو الله احد تعدل ثلث القرآن" تفسير : ومن توقف فى تعديل الآيات اول قوله عليه السلام افضل سورة واعظم سورة اراد فى الاجر والثواب لا ان بعض القرآن افضل من بعض فالكل فى فضل الكلام واحد والتفاوت فى الاجر لا فى كلام الله من حيث هو كلام الله القديم القائم بذاته. واعلم ان استماع القول عند العارفين يجرى فى كل الاشياء فالحق تعالى يتكلم بكل لسان من العرش الى الثرى ولا يتحقق بحقيقة سماعه الا اهل الحقيقة وعلامة سماعهم انقيادهم الى كل عمل مقرب الى الله من جهة التكليف المتوجه على الاذن من امر او نهى كسماعه للعلم والذكر والثناء على الحق تعالى والموعظة الحسنة والقول الحسن والتصامم عن سماع الغيبة والبهتان والسوء من القول والخوض فى آيات الله والرفث والجدال وسماع القيان وكل محرم حجر الشارع عليه سماعه فاذا كان كذلك كان مفتوح الاذن الى الله تعالى: وفى المثنوى شعر : بنبه آن كوش سر كوش سراست تانكردد اين كران باطن كراست تفسير : وللفقير شعر : بنبه بيرون آر از كوش دلت ميرسد تا صوت از هر بلبلت تفسير : {اولئك} المنعوتون بالمحاسن الجميلة وهو مبتدأ خبره قوله {الذين هديهم الله} للدين الحق والاتصاف بمحاسنه {واولئك هم اولوا الالباب} اصحاب العقول السليمة من معارضة الوهم ومنازعة الهوى المستحقون للهداية لا غيرهم. وفى الكلام دلالة على ان الهداية تحصل بفعل الله تعالى وقبول النفس لها يعنى ان لكسب العبد مدخلا فيها بحسب جرى العادة. وفيه اشارة الى ان اولئك القوم هم الذين عبروا عن قشور الاشياء ووصلوا الى الباب حقائقها

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أن يعبدوها}: بدل اشتمال من "الطاغوت"، والطاغوت: فعلوت، من الطغيان، بتقديم اللام على العين، وأصله: طغيوت، ثم طيغوت، ثم طاغوت. يقول الحق جلّ جلاله: {والذين اجتنبوا الطاغوتَ} أي: البالغ أقصى غاية الطغيان، وهو الشيطان {أن يعبدُوها} أي: اجتنبوا عبادة الطاغوت، الذي هو الشيطان، أو: كل ما عُبد من دون الله، وكل مَن عَبَد غيرَ الله فإنما عَبَد الشيطان؛ لأنه هو المزيّن لها، والحامل عليها. {وأنابوا إِلى الله} أي: وأقبلوا إليه، معرضين عما سواه، إقبالاً كليّاً، {لهم البُشرى} بالنعيم المقيم، على ألسنة الرسل والملائكة، عند حضور الموت، وحين يُحشرون، وبعد ذلك. {فبشِّرْ عبادِ الذين يستمعون القولَ} أي: ما نزل من الوحي {فيتبعون أحسَنَه}؛ أرجحه وأكثره ثواباً، أو: أبْينه، الذي هو ضد المتشابه. وهؤلاء هم الموصوفون باجتناب الطاغوت، والإنابة إلى ربهم، لكن وضع موضع ضميرهم الظاهر؛ تشريفاً لهم بالإضافة، ودلالةً على أن مدار اتصافهم بالوصفين الجليلين كونهم نُقاداً في الدين، يُميِّزون الحق من الباطل، ويُؤثرون الأفضل. {أولئك} المنعوتون بتلك المحاسن الجميلة؛ هم {الذين هداهُمُ الله} لدينه، والإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة، وما فيه من معنى البُعد؛ للإيذان بعلو رتبهم، وبُعد منزلتهم في الفضل. {وأولئك هم أولوا الألبابِ} أي: هم أصحاب العقول الصافية، السليمة من معارضة الوهم ومنازعة الهوى، المستحقون للهداية، لا غيرهم. وفيه دليل على أن الهداية تحصل بفضل الله تعالى، لقوله: {هداهم الله}، وقبول النفس لها؛ لقوله: {هم أولوا الألباب}. الإشارة: مذهب الصوفية: الأخذ بالعزائم، والأرجح من كل شيء، عقداً، وقولاً، وعملاً، فأخذوا من العقائد مقام العيان، ولم يقنعوا بالدليل والبرهان، وأخذوا من الأقوال ألينها وأطيبها، ويجمع ذلك: حسن الخلق مع كل مخلوق، فآثروا العفو على القصاص، والصفح على العتاب، وغير ذلك من عزائم الشريعة على رخصها، ومن الأذكار: أرجحها وأجمعها، وهو الاسم المفرد، الذي هو سلطان الأسماء، ومن الأعمال: أعظمها وأرجحها، وهو عمل القلوب، الذي هو الذرة منه تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح، كعبادة الفكرة والنظرة، وفي الحديث: "حديث : تفكُّر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة"تفسير : ، فأوقاتهم كلها ليلة القدر، وكالتخلُّق بمكارم الأخلاق، كالرضا، والتسليم، والحلم، والسخاء، والكرم، وغير ذلك من محاسن الخِلل، الذي هو من عمل القلوب، فهم الذين تحققت فيهم البشارة بقوله: {فبشِّر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}. وقال الورتجبي ـ بعد كلام: ويَتبع الكلام الأزلي ـ الذي هو الخطاب ـ بالفهم العجيب، والعلم الغريب، والإدراك الصافي، وانفراد الحق عن المخلوق، في المحبة، والشوق، والمعرفة، والتوحيد، والإخلاص، والعبودية، والربوبية، والحرية، فهذا أفضل وِرد بالبديهة، من حيث ظهور الأنباء العجيبة، والروح القدسية، والإلهامات الربانية.. انظر بقية كلامه. وقال القشيري: الاستماع يكون لكل شيء، والاتباع يكون للأحسن. ثم قال: مَن عرف الله لا يسمع إلا بالله. هـ. {أولئك الذين هداهم الله} إلى صريح معرفته العيانية. {وأولئك هم أولوا الألباب}، ولب الشيء: قلبه وخالصه، فقلوبهم خالصة لمولاهم، وأرواحهم متنعمة بشهود حبيبها، وأسرارهم متنزهة في رياض ملكوت سيدها. وبالله التوفيق. ثم ذكر ضدهم، فقال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ}.

الطوسي

تفسير : اربع آيات بلا خلاف، في جملتها، وقد اختلفوا في تفصيلها فعد العراقيون والشامي واسماعيل {فبشر عبادي} ولم يعدها المكي، ولا المدني الأول، وعد المكي والمدني الأول {من تحتها الأنهار}. لما اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار وما أعده لهم من انواع العقاب، اخبر - هٰهنا - عن حال المؤمنين وما أعده لهم من الثواب فقال {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} يعني الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت والتقرب اليها بأنواع القرب. والطاغوت جماعة الشياطين في قول مجاهد والسدي وابن زيد. وإنما انث تأنيث الجماعة، ولفظه لفظ المذكر. وقيل إن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت {وأنابوا إلى الله} أي تابوا اليه، واقلعوا عما كانوا عليه {لهم البشرى فبشر عباد} جزاء على ذلك والبشرى والبشارة واحد وهو الاعلام بما يظهر السرور به في بشرة الوجه، وضده السوءى وهو الاعلام بما يظهر الغم به في الوجه بما يسوء صاحبه. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله فقال {فبشر عبادي} فمن اثبت الياء وفتحها، فلأنه الأصل ومن حذف الياء اجتزأ بالكسرة الدالة عليها، ثم وصف عباده الذين أضافهم إلى نفسه على وجه الاختصاص فقال {الذين يستمعون القول} يعني يصغون إلى تلاوة القرآن والأقوال الدالة على توحيده {فيتبعون أحسنه} إنما قال {أحسنه} ولم يقل حسنه لأنه اراد ما يستحق به المدح والثواب، وليس كل حسن يستحق به ذلك، لان المباح حسن ولا يستحق به مدح ولا ثواب. والأحسن الأولى بالفعل في العقل والشرع. ثم اخبر تعالى فقال {أولئك} يعني هؤلاء الذين وصفهم من المؤمنين هم {الذين هداهم الله} يعني إلى الجنة وثوابها، وحكم بأنهم مهتدون إلى الحق {وأولئك هم أولوا الألباب} يعني اولوا العقول على الحقيقة، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم من حيث اتبعوا ما يجب اتباعه، والكفار وإن كان لهم عقول فكأنهم لا عقول لهم من حيث أنهم لم ينتفعوا بما دعوا اليه. ثم قال تعالى على وجه التنبيه {أفمن حق عليه كلمة العذاب} أي وجب عليه الوعيد بالعقاب جزاء على كفره كمن وجب له الوعد بالثواب جزاء على ايمانه وحذف لدلالة الكلام عليه تنبيهاً على أنهما لا يستويان. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {أفأنت تنقذ من في النار} وتقديره افأنت تنقذه، لا يمكنك ذلك، لان العقاب وجب له بكفره، واخبر تعالى انه لا يغفر له وإنما اتى بالاستفهام مرتين تأكيداً، للتنبيه على المعنى، قال الزجاج: معناه معنى الشرط والجزاء، والف الاستفهام - ها هنا - معناها التوقيف، والثانية في قوله {أفانت تنقذ} جاءت مؤكدة لما طال الكلام، لأنه لا يصلح أن يأتي بالف الاستفهام تارة في الاسم والأخرى في الخبر، والمعنى أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه او في سياق الكلام حذف. وفيه دليل على المحذوف. والمعنى افمن حق عليه كلمة العذاب، فيتخلص منه او ينجو منه افانت تنقذه أي لا تقدر عليه ان تنقذه، وقال الفراء: هما استفهام واحد وتقديره: أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب من النار. ومثله {أية : أيعدكم أنكم إذا متم... أنكم مخرجون} تفسير : وتقديره أيعدكم إنكم تخرجون إذا متم. ثم فسرّ وبين ما أعده للمؤمن كما فسر ما أعده للكافرين فقال {لكن الذين اتقوا ربهم} يعني اتقوا معاصيه {لهم غرف من فوقها غرف مبنية} في مقابلة ما قال للكافرين لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل لأنها تنقلب عليهم. وقيل: المعنى لهم منازل رفيعة في الجنة وفوقها منازل ارفع منها، فللمؤمنين الغرف {تجري من تحتها الأنهار} وتقديره تجري من تحت اشجارها الأنهار، ثم بين تعالى أن الذي ذكره من ثواب المؤمن {وعد} من {الله} وعد به المؤمن {لا يخلف الله الميعاد} أي لا يخلف الله وعده ولا يكون بخلاف ما اخبر به، ونصب {وعد الله} على المصدر.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ} مقابل قوله الّذين خسروا وفى موقع انّ الرّابحين كذا لكنّه عدل الى هذا لبيان ما فيه الرّابح {أَن يَعْبُدُوهَا} بدل من الطّاغوت {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} ولمّا كان الطّاغوت مفسّرة ببعض اعداء علىٍّ (ع) فليكن المراد بالانابة الى الله التّوبة على يد علىٍّ والبيعة معه وهو كذلك لانّ الرّجوع الى الله ليس الاّ بالسّير الى طريق القلب، ولا يعلم طريق القلب ولا يفتح الاّ بالولاية التّي هي البيعة على يد ولىّ الامر، والاصل في ذلك هو علىّ (ع) {فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وضع الظّاهر موضع المضمر تشريفاً لهم باضافتهم اليه وترغيباً وتوصيفاً لهم بوصف مدحٍ تشويقاً لهم الى ذلك الوصف والاهتمام بالعبوديّة. بيان اتّباع احسن القول وتحقيقه واعلم، انّ القول يطلق على الاقوال اللّفظيّة والاقوال النّفسيّة والكلمات الوجوديّة الّتى هى بالنّسبة الى الله تعالى كالاقوال النّفسيّة بالنّسبة الينا واللاّم فى القول امّا للجنس ولمّا لم يكن استماع الجنس الاّ فى ضمن الافراد فالمراد به امّا استغراق الافراد بنحو العموم الجمعىّ او بنحو العموم البدلىّ لكن مع التّقييد بما يخرجه عن المحاليّة ويكون المعنى والتّقدير: الّذين يستمعون جميع الاقوال الّتى يتّفق سماعها لهم، او الّذين يستمعون كلّ قولٍ يتّفق سماعه لهم بقرينة الحال وتقدّم الاستماع، او المراد به فرد منكّرٌ من القول ويكون المعنى والتّقدير: الّذين يستمعون قولاً منكّراً لا يمكن تعريفه وهو قول الولاية وهذا الوجه بحسب اللّفظ بعيد، او اللاّم فيه للعهد والمنظور من القول المعهود هو علىّ (ع) وولايته، ولمّا كان الاقوال دوالّ المعانى لم يكن المنظور منها ومن حسنها الاّ حسنها بحسب المدلولات لانّ الدّالّ على الشّيء لا يحكم عليه ولا به من حيث انّه دالّ كما انّ الاسم من حيث انّه اسم لا يحكم عليه ولا به فعلى هذا لم يكن المقصود من حسن الاقوال حسنها بحسب الفاظها بل حسنها بحسب مدلولاتها، والمقصود من اتّباع الاحسن ان كان المراد من القول الاستغراق اتّباع اوامره ونواهيه بالامتثال والانتهاء، والاتّعاظ بمواعظه ونصائحه، والاعتبار بحكاياته وامثاله، ولمّا لم يمكن لكلّ احدٍ اتّباع الاحسن المطلق فالمراد بالاحسن الاحسن بالاضافة فانّه ورد فى الكتاب والسّنّة الامر بالاقتصاص من المسيء والامر بكظم الغيظ والصّفح اى عدم الحقد على المسيء والاحسان اليه وهذه اوامر اربعة مترتّبة فى الفضيلة ويأمر النّفس بالاقتصاص والزّيادة على اساءته، ومن النّاس من لا يمكنه كظم الغيظ فان امر بكظم الغيظ كان امراً بالمحال فالاحسن فى حقّه الاقتصاص وعدم التّجاوز منه الى الزّيادة، فلو استمع سامع تلك الاقوال الخمسة وميّز بين حقّها وباطلها وحسنها واحسنها بالاضافة اليه واتّبع ما هو احسن بالنّسبة اليه كان ممّن استمع القول واتّبع احسنها سواء كان ممّن كان الاحسن بالنّسبة اليه القصاص او كظم الغيظ او الصّفح والاحسان الى المسيء، او المراد اتّباع احسنه بحسب حكايته فانّ الحكاية بلفظه احسن من الحكاية بمعناه، والحكاية بالمعنى بالاتيان بتمام المعانى احسن من الحكاية ببعض معانيه كما عن الصّادق (ع) هو الّذى يسمع الحديث فيحدّث به كما سمعه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه، وهذا احد وجوه الآية، او المقصود من اتّباع احسن الاقوال اتّباع احسن جهاتها فانّ لكلّ قولٍ يسمعه السّامع جهة لتقوية نفسه وجهة لتقوية عقله، وبعبارةٍ اخرى كلّ قولٍ يسمعه السّامع امّا يسمعه بسمع نفسه او بسمع عقله واتّبع حكم العقل فيه كان ممّن اتّبع احسن جهاته، وان كان المراد به الولاية وصاحبها فالمقصود من اتّباع احسنها احسن جهاتها فانّ للولاية جهةً الى الكثرات واحكام الرّسالات وجهة الى الوحدة وآثارها، واذا دار الامر بين اتّباع جهة الوحدة وجهة الكثرة فليرجّح جهة الوحدة وهي احسن جهاتها، وهكذا الامر اذا دار الامر بين اتّباع خليفة الرّسالة وخليفة الولاية وهما الشّيخان فى الرّواية والطّريقة فليرجّح شيخ الطّريق اذا كان الانسان فارغاً من احكام قالبه، واذا لم يكن عالماً باحكام قالبه فليرجّح شيخ الرّواية، واذا كان محتاجاً اليهما فى احكامهما فليرجّح كلّ من كان حاجته اليه اشدّ، فانّه احسن الاقوال بالنّسبة اليه، وهكذا فى اتّباع جهات الولاية والرّسالة {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} الى الولاية فتمسّكوا بها فانّ الهداية ليست الاّ بالتّوسّل بالولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} بتلقيح الولاية كما مرّ مراراً.

الأعقم

تفسير : {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} الآية نزلت في زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وكانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، والطاغوت الأوثان، وقيل: الشيطان {وأنابوا إلى الله} أي رجعوا اليه وأخلصوا عبادته {لهم البشرى} في الدنيا والآخرة {فبشر عباد} {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}، قيل: أحسنه طاعة الله، وقيل: أحسنه يتبعون الناسخ دون المنسوخ، وقيل: يتبعون القرآن لأنه أحسن الحديث {أولئك الذين هداهم الله} بالألطاف، وقيل: هداهم إلى الجنة، وقيل: حكم بهدايتهم {وأولئك هم أولو الألباب} أولو العقول {أفمن حق عليه كلمة العذاب} بكفره {أفأنت تنقذ من في النار} هذا نفي، أي لا ينقذهم طهرك {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف} أي منازل عالية أنشأها الله {من فوقها غرف} على بعضها فوق بعض {مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله} ذلك المتقين والله لا يخلف الميعاد {ألم تر} ألم تعلم {أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع} عيوناً {في الأرض} معناه أنزل من السماء ماء المطر، وكل ما في الأرض فهو ينزل من السماء إلى الصخرة ثم يقسمه الله، فسلكه وأدخله ويطعمه، ينابيع في الأرض عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد {ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه} كالبرّ والشعير والذرة والسمسم ونحوه، وقيل: من ألوان النبات أخضر وأصفر وأحمر وأبيض وأسود {ثم يهيج} يتم حفافه {فتراه مصفراً} بعد خضرته؟ {ثم يجعله حطاماً} يابساً مكسراً {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} أي حجة للعاقل إذا تفكر فيها علم أن لها صانعاً {أفمن شرح الله صدره للإِسلام} الآية نزلت في عمار بن ياسر، وقيل: نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث : وقرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية فقيل: يا رسول الله كيف شرح الصدر؟ فقال: "إذا دخل النور القلب انفسح"، فقيل: يا رسول الله فما علامة ذلك؟ قال: "الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت" تفسير : {فهو على نورٍ من ربه}، قيل: على دلالة وهدى من ربه {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} الآية نزلت في أبي جهل وأصحابه وقسوتهم أنهم ردوا الحق واعتقدوا الباطل {أولئك} يعني القاسية قلوبهم {في ضلال} عن الحق {مبين} وعن ابن مسعود وابن عباس: قالت الصحابة: حدثنا يا رسول الله، فنزل: {الله نزل أحسن الحديث} سماه أحسن لأنه معجزة تشتمل على ما يحتاج إليه المكلف من التنبيه على أدلة التوحيد، والعدل، وبيان أحكام الشرائع والمواعظ، والزواجر، وقصص الأنبياء وأممهم، والوعد والوعيد {كتاباً} هو القرآن سمي كتاباً لأنه يكتب {متشابهاً} لأنه يشبه بعضه بعض فلا تناقض فيه {مثاني} أي يثبت فيه القصص، والأخبار، وذكر الجنة والنار، وقيل: لأنه بيّنا في التلاوة {تقشعر منه} أي تضطرب من القرآن إذا سمع ما فيه من الوعد والوعيد والاخبار {جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين} تطمئن بالايمان {جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} تعالى {ذلك هدى الله} يعني القرآن {يهدي به من يشاء} وهم الذين آتاهم القرآن وهداهم به {ومن يضلل الله فما له من هاد}، قيل: من يضل عن رحمة الله فلا هادي له، وقيل: من يضلله عن زيادة الهدى والالطاف لأن الكفارة لا لطف لهم عنده، وقيل: يحكم الله بضلالته ولا يحكم بهدايته أحدٌ، وقيل: من يضلل الله عن طريق الجنة والثواب لا يهديه إليها أحدٌ، ولا يجوز حمله على أنه يضل عن الدين لأنه قبيح فلا يجوز عليه تعالى.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} (فعلوت) من الطغيان مصدره واوه وتاؤه زائدتان للمبالغة كالملكوت والرحموت والرعبوت والرهبوت لكن قدمت لامه وهو الألف على عينه وهو الغين المعجمة سميت به الشياطين أو الشيطان للمبالغة في الطغيان ووجه المبالغة أنه مصدر سمي به كقولك لكثير الصوم هو صوم وانه زيدت فيه الواو والتاء وكأنه نفس الطغيان والمراد به هنا الجماعة من الشياطين وقيل الأصنام ولذلك أنث الضمير الآتى وأما أن يراد الشيطان فالتأنيث عليه في الضمير يجيء على القليل أو النادر لأن تاءه ليست للتأنيث وقيل الطاغوت الدنيا أصلها الجهل وفروعها المآكل والمشارب وزينتها التفاخر وثمرتها المعاصي وميزانها العقوبة وقيل الطاغوت الكهنة وعليه فتأنيث ضميرها ما نظر للفظه على القلة أو الندور واما الازادة جماعة الكهان وقرئ (الطواغيت أن يعبدوها) في تأويل مصدر بدل اشتمال من الطاغوت كأنه قال: (والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت) والمراد سلمان وأبو ذر وزيد بن عمرو بن نفيل كانوا فى الجاهلية يقولون لا اله الا الله والمراد اجتنابهم في الجاهلية فلا يرد أن سلمان انما أسلم بالمدينة ولأنه تكون الآية مدنية. {وَأَنَابُواْ إِلَى اللهِ} أي رجعوا الى عبادة الله بالكلية بعدما أسلموا {لَهُمُ الْبُشْرَى} في الدنيا بالثناء عليهم بالعمل الصالح وعند نزول الموت وهم حينئذ في الدنيا وعند الوضع بالقبر وعند البعث وعند الوقوف بالحساب وعند جواز الصراط أي عند نجاتهم من الصراط وعند دخول الجنة وفي الجنة كل بشارة في موضع من تلك المواضع غير الأخرى وقد بشرهم الرسول بالجنة.

اطفيش

تفسير : {والَّذينَ اجْتَنبُوا الطَاغُوت} فلعوت من الطغيان، بزيادة الواو والتاء، وأصل الألف ياء أو واو من طغا يطغو، أو طغى يطغى بفتحهما، كما يقال: الطغيان والطغوان، قدمت اللام على العين، واللام واو أو ياء مفتوحة، هكذا طوغوت وطيغوت، فقلبت ألفا لتحركها بعد فتح كما وقع التقديم بهم فى صاقعة من صاعقة، والطاغوت الكاهن والشيطان، وكل رأس فى الضلال، والساحر والمتعدى، وكل معبود من دون الله مريد للعبادة، أو صنم لا ارادة له، والمارد من الجن، والصارف عن الخير، وقيل حقيقة فى الشيطان، يطلق على الواحد فصاعدا، ولعل أصله مصدر،جعل اسما للمبالغ فى الطغيان فصح اطلاقه على القليل والكثير، كما استعمل فى الآية للجماعة فأنث بتأويل الجماعة إذ قال: {أنْ يعْبُدوها} فى تأويل مصدر بدل اشتمال، أى عبادة تلك الجماعة من الأصنام أو الجن أو الآدميين. {وأنابُوا إلى الله} بالعبادة معرضين عن غيره {لَهُم البُشْرى} بالسعادة والجنة على ألسنة الرسل فى الدنيا، جزما لبعض، وعلى شرط البقاء على الحق لبعض، وعلى ألسنة الملائكة عند الموت، وعند الحشر {فبشر عِبَاد * الذين يسْتمعون القَول فيتَّبِعُون أحْسَنه} أى فيبشرهم بالاضمار الذين اجتنبوا الطاغوت، وأنابوا الى الله عز وجل، وأظهر ليصفهم باستماع القول، واتباع أحسنه، وهم على العموم هنا وهنالك، وقيل: على الخصوص بحسب النزول، قيل: نزلت فى زيد بن عمرو بن نفيل، وسلمان، وأبى ذر، كانوا فى الجاهلية يقولون لا إله إلا الله، وقيل فى عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد، والزبير، لما أسلم أبو بكر جاءوه وقالوا: أسلمت؟ فقال: نعم، فذكرهم بالله تعالى فآمنوا، ويعتبر عموم اللفظ، والقول عام وأحْسنه ما كان منه حقا، وهو خارج عن التفضيل، أو باق عليه، فيتبعون العفو ويتركون القصاص والانتقام الجائز، ويتركون إظهار النفل إلا لداع، ويتبعون أسراره، ويتبعون الطاعة الواجبة قبل المندوب اليه، والقرآن قبل غيره. وهكذا كل حسن وأحسن يتبعون الأحسن، ومن الحسن المباح، وإذا عرض ندب وواجب سارعوا الى الواجب، والقول قول الله تعالى وقول غيره، فما ذكر الله عز وجل أنه قبيح اجتنبوه، وما ذكر أنه حسن أو أحسن اتبعوا أحسنه، ويجتنبون قول الناس القبيح ويتبعون أحسنه وحسنه، ويقدمون الأحسن، والذين نعت ولو وقف على عبادى وأخبر عن الذين بقوله {أولئك الَّذين هَداهُمُ الله} لكان العباد هم الذين اجتنبوا الطاغوت المعهودين، لكن لا يحمل الكلام على ذلك الوقف {وأولئك هُم أولوا الألباب} القلوب الخالصة التى لا يؤثر فيها الهوى ولا الشبهة.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ } الخ قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان وأبـي ذر. وقال ابن إسحاق: أشير بها إلى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبـي وقاص وسعيد بن زيد والزبير وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك فجاءوه وقالوا: أسلمت قال نعم وذكرهم بالله تعالى فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم وهي محكمة في الناس إلى يوم القيامة. والطاغوت فعلوت من الطغيان كما قالوا لا فاعول كما قيل بتقديم اللام على العين نحو صاعقة وصاقعة، ويدل على ذلك الاشتقاق وأن طوغ وطيغ مهملان. وأصله طغيوت أو طغووت من الياء أو الواو لأن طغى يطغى ويطغو كلاهما ثابتان في العربية نقله الجوهري، ونقل أن الطغيان والطغوان بمعنى وكذا الراغب، وجمعه على الطواغيت يدل على أن الجمع بني على الواو، وقولهم: من الطغيان لا يريدون به خصوص الياء بل أرادوا المعنى وهو على ما في «الصحاح» الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقال الراغب: هو عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله تعالى وسمي به الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن الخير ويستعمل في الواحد والجمع. وقال الزمخشري في هذه السورة: لا يطلق على غير الشيطان، وذكر أن فيه مبالغات من حيث البناء فإن صيغة فعلوت للمبالغة ولذا قالوا الرحموت الرحمة الواسعة، ومن حيث التسمية بالمصدر، ومن حيث القلب فإنه للاختصاص كما في الجاه، وقد أطلقه في النساء على كعب بن الأشرف وقال: سمي طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان فلعله أراد لا يطلق على غير الشيطان على الحقيقة، وكأنه جعل كعباً على الأول من الوجهين من شياطين الإنس. وفي «الكشف» كأنه لما رآه مصدراً في الأصل منقولاً إلى العين كثير الاستعمال في الشيطان حكم بأنه حقيقة فيه بعد النقل مجاز في الباقي لظهور العلاقة إما استعارة وإما نظر إلى تناسب المعنى. والذي يغلب على الظن أن الطاغوت في الأصل مصدر نقل إلى البالغ الغاية في الطغيان وتجاوز الحد، واستعماله في فرد من هذا المفهوم العام شيطاناً كان أو غيره يكون حقيقة ويكون مجازاً على ما قرروا في استعمال العام في فرد من أفراده كاستعمال الإنسان في زيد، وشيوعه في الشيطان ليس إلا لكونه رأس الطاغين، وفسره هنا بالشيطان مجاهد، ويجوز تفسيرها بالشياطين جمعاً على ما سمعت عن الراغب ويؤيده قراءة الحسن {اجتنبوا الطواغيت}. {أَن يَعْبُدُوهَا } بدل اشتمال من الطاغوت وعبادة غير الله تعالى عبادة للشيطان إذ هو الآمر بها والمزين لها، وإذا فسر الطاغوت بالأصنام فالأمر ظاهر {وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } وأقبلوا إليه سبحانه معرضين عما سواه إقبالاً كلياً {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } بالثواب من الله تعالى على ألسنة الرسل عليهم السلام أو الملائكة عند حضور الموت وحين يحشرون وبعد ذلك. {فَبَشّرْ عِبَادِ }.

ابن عاشور

تفسير : لما انتهى تهديد المشركين وموعظة الخلائق أجمعين ثُني عنان الخطاب إلى جانب المؤمنين فيما يختص بهم من البشارة مقابلة لنذارة المشركين. والجملة معطوفة على جملة {أية : قُلْ إنَّ الخاسرين الذين خسِرُوا أنفسهم}تفسير : [ الزمر: 15] الآية. والتعبير عن المؤمنين بــــ {الذين اجتنبوا الطاغوت} لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه بناء الخبر وهو {لهُمُ البُشْرىٰ}، وهذا مقابل قوله: {أية : ذٰلِكَ يُخوفُ الله به عِباده}تفسير : [الزمر: 16]. والطاغوت: مصدر أو اسم مصدر طَغا على وزن فَعَلُوت بتحريك العين بوزن رَحموتٍ وملكوت. وفي أصله لغتان الواو والياء لقولهم: طغا طُغُوًّا مثل علوّ، وقولهم: طغوان وطغيان. وظاهر «القاموس» أنه واوي، وإذ كانت لامه حرف علة ووقعت بعدها واوُ زِنةِ فَعلوت استثقلت الضمة عليها فقدموها على العين ليتأتّى قلبها ألفاً حيث تحركت وانفتح ما قبلها فصار طاغوت بوزن فَلَعُوت بتحريك اللام وتاؤُه زائدة للمبالغة في المصدر. ومن العلماء من جعل الطاغوت اسماً أعجمياً على وزن فَاعول مثل جالوت وطالوت وهارون، وذكره في «الإِتقان» فيما وقع في القرآن من المعرّب وقال: إنه الكاهن بالحبشية. واستدركه ابن حجر فيما زاده على أبيات ابن السبكي في الألفاظ المعرَّبة الواقعة في القرآن، وقد تقدم ذكره بأخصر مما هنا عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}تفسير : في سورة [النساء: 51]. وأُطلق الطاغوت في القرآن والسنة على القوي في الكفر أوْ الظلم، فأطلق على الصّنم، وعلى جماعة الأصنام، وعلى رئيس أهل الكفر مثل كعب بن الأشرف. وأما جمعه على طواغيت فذلك على تغليب الاسمية علماً بالغلبة إذ جعل الطاغوت لواحد الأصنام وهو قليل، وهو هنا مراد به جماعة الأصنام وقد أجرى عليه ضمير المؤنث في قوله: {أن يعْبُدُوهَا} باعتبار أنه جمع لغير العاقل، وأجري عليه ضمير جماعة الذكور في قوله تعالى: {أية : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}تفسير : في سورة [البقرة: 257] باعتبار أنه وقع خبراً عن الأولياء وهو جمع مذكر، وباعتبار تنزيلها منزلة العقلاء في زعم عبادها. و {أن يعبُدُوها} بدل من {الطَّاغُوتَ} بدل اشتمال. والإِنابة: التوبة وتقدمت في قوله: {أية : إن إبراهيم لحليم أواه منيب}تفسير : في سورة [هود: 75]. والمراد بها هنا التوبة من كل ذنب ومعصية وأعلاها التوبة من الشرك الذي كانوا عليه في الجاهلية. والبشرى: البشارة، وهي الإِخبار بحصول نفع، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}تفسير : في سورة [يونس: 64]. والمراد بها هنا: البشرى بالجنة. وفي تقديم المسند من قوله: {لهُمُ البُشْرىٰ} إفادة القصر وهو مثل القصر في {أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}. وفرع على قوله: {لهُمُ البُشْرى} قوله: {فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه} وهم الذين اجتنبوا الطاغوت، فعدل عن الإِتيان بضميرهم بأن يقال: فبشرهم، إلى الإِظهار باسم العِباد مضاف إلى ضمير الله تعالى، وبالصلة لزيادة مدحهم بصفتين أخريين وهما: صفة العبودية لله، أي عبودية التقرب، وصفة استماع القول واتباع أحسنه. وقرأ العشرة ما عدا السوسي رَاويَ أبي عمرو كلمة {عبادِ} بكسر الدال دون ياء وهو تخفيف واجْتزاء بوجود الكسرة على الدال. وقرأها السوسي بياء بعد الدال مفتوحة في الوصل وساكنة في الوقف، ونقل عنه حذف الياء في حالة الوقف وهما وجهان صحيحان في العربية كما في التسهيل، لكن اتفقت المصاحف على كتابة {عبادِ} هنا بدون ياء بعد الدال وذلك يوهن قراءة السوسي إلاّ أن يتأول لها بأنها من قبيل الأداء. والتعريف في {القَوْلَ} تعريف الجنس، أي يستمعون الأقوال مما يدعو إلى الهدى مثلَ القرآن وإرشادَ الرسول صلى الله عليه وسلم ويستمعون الأقوال التي يريد أهلها صرفهم عن الإِيمان من ترهات أيمة الكفر فإذا استمعوا ذلك اتبعوا أحسنه وهو ما يدعو إلى الحق. والمراد: يتبعون القول الحسن من تلك الأقوال، فاسم التفضيل هنا ليس مستعملاً في تفاوت الموصوف به في الفضل على غيره فهو للدلالة على قوة الوصف، مثل قوله تعالى: {أية : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}تفسير : [يوسف: 33]. أثنى الله عليهم بأنهم أهل نقد يميزون بين الهدى والضلال والحكمة والأوهام نُظّار في الأدلة الحقيقية نُقّاد للأدلة السفسطائية. وفي الموصول إيماء إلى أن اتباع أحسن القول سبب في حصول هداية الله إياهم. وجملة {أُولئِكَ الذينَ هداهُم الله} مستأنفة لاسترعاء الذهن لتلقي هذا الخبر. وأكد هذا الاسترعاء بجعل المسند إليه اسم إشارة ليتميز المشار إليهم. أكمل تميزه مع التنبيه على أنهم كانوا أحرياء بهذه العناية الربانية لأجل ما اتصفوا به من الصفات المذكورة قبل اسم الإِشارة وهي صفات اجتنابهم عبادة الأصنام مع الإِنابة إلى الله واستماعهم كلام الله واتباعهم إياه نابذين ما يلقي به المشركون من أقوال التضليل. والإِتيان باسم الإشارة عقب ذكر أوصاف أو أخبارٍ طريقة عربية في الاهتمام بالحكم والمحكوم عليه فتارة يشار إلى المحكوم عليه كما هنا وتارة يشار إلى الخبر كما في قوله: {أية : هذا وإن للطاغين لشر مآب}تفسير : في سورة [ص: 55]. وقد أفاد تعريف الجزأين في قوله: {أُولئكَ الذينَ هداهُم الله} قصر الهداية عليهم وهو قصر صفة على موصوف وهو قصر إضافي قصر تعيين، أي دون الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم. ومعنى {هدَاهُمُ الله} أنهم نالوا هذه الفضيلة بأن خلق الله نفوسهم قابلة للهدى الذي يخاطبهم به الرسول صلى الله عليه وسلم فتهيأت نفوسهم لذلك وأقبلوا على سماع الهدى بشَرَاشِرهم وسعوا إلى ما يبلغهم إلى رضاه وطلبوا النجاة من غضبه. وليس المراد بهدي الله إياهم أنه وجه إليهم أوامر إرشاده لأن ذلك حاصل للذين خوطبوا بالقرآن فأعرضوا عنه ولم يتطلبوا البحث عما يرضي الله تعالى فأصروا على الكفر. وأشارت جملة {وأُولئِكَ هُم أُولوا الألبَابِ} إلى معنى تهيئهم للاهتداء بما فطرهم الله عليه من عقول كاملة، وأصل الخِلقة ميَّالة لفهم الحقائق غير مكترثة بالمألوف ولا مُرَاعاة الباطل، على تفاوت تلك العقول في مدى سرعة البلوغ للاهتداء، فمنهم من آمن عند أول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مثل خديجة وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، ومنهم من آمن بُعيد ذلك أو بَعده، فأشير إلى رسوخ هذه الأحوال في عقولهم بذكر ضمير الفصل مع كلمة {أُولُوا} الدالة على أن الموصوف بها ممسك بما أضيفت إليه كلمة {أُوْلُوا}، وبما دل عليه تعريف {الألبابِ} من معنى الكمال، فليس التعريف فيه تعريف الجنس لأن جنس الألباب ثابت لجميع العقلاء. وأشار إعادة اسم الإِشارة إلى تميزهم بهذه الخصلة من بين نظرائهم وأهل عصرهم. وفيه تنبيه على أن حصول الهداية لا بدّ له من فاعل وقابل، فأشير إلى الفاعل بقوله تعالى: {هداهم الله}، وإلى القابل بقوله: {هُم أُولوا الألبابِ}. وفي هذه الجملة من القصر ما في قوله: {أُولئِكَ الذينَ هداهُمُ الله}. وقد دل ثناء الله على عباده المؤمنين الكمّل بأنهم أحرزوا صفة اتباع أحسن القول الذي يسمعونه، على شرف النظر والاستدلال للتفرقة بين الحق والباطل وللتفرقة بين الصواب والخطأ ولغلق المجال في وجه الشبهة ونفي تلبس السفسطة. وهذا منه ما هو واجب على الأعيان وهو ما يكتسب به الاعتقاد الصحيح على قدر قريحة الناظر، ومنه واجب على الكفاية وهو فضيلة وكمال في الأعيان وهو النظر والاستدلال في شرائع الإسلام وإدراكُ دلائل ذلك والفقهُ في ذلك والفهم فيه والتهممُ برعاية مقاصده في شرائع العبادات والمعاملات، وآداب المعاشرة لإِقامة نظام الجامعة الإِسلامية على أصدق وجه وأكمله، وإلجامُ الخائضين في ذلك بعماية وغرور، وإلقامُ المتنطعين والملحدين. ومما يتبع ذلك انتقاء أحسن الأدلة وأبلغِ الأقوال الموصلة إلى هذا المقصود بدون اختلال ولا اعتلال بتهذيب العلوم ومؤلفاتها، فقد قيل: خذوا من كل علم أحسنه أخذاً من قوله تعالى هنا: {الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنَهُ}. وعن ابن زيد نزلت في زيد بن عَمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم واتّبعوا أحسن ما بلغهم من القول. وعن ابن عباس نزل قوله: {فبشّر عِبَادِ الذينَ يستَمِعونَ القولَ} الآية في عثمان وعبد الرحمان بن عوف وطلحة والزبير وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص جاؤوا إلى أبي بكر الصديق حين أسلم فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} الآية. ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من تحقيق معنى لا إله إلا الله، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 17، 18- والذين اجتنبوا الأصنام والشياطين، ولم يتقربوا إليها، ورجعوا إلى الله فى كل أمورهم، لهم البشارة العظيمة فى جميع المواطن، فبشر - يا محمد - عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون الأحسن والأهدى إلى الحق، أولئك - دون غيرهم - الذين يوفقهم الله إلى الهدى، وأولئك هم - دون غيرهم - أصحاب العقول النَّيِّرة. 19- أتملك التصرف فى ملكى، فمن وجبت عليه كلمة العذاب تستطيع أن تمنعه؟ ألك هذه القوة، أفأنت تنقذ من فى النار بعد أن وجبت لهم؟. 20- لكن الذين خافوا ربهم لهم أعالى الجنة وقصورها، مبنية بعضها فوق بعض، تجرى من تحتها الأنهار، وعداً من الله، والله لا يخلف وعده. 21- ألم تر - أيها المخاطب - أن الله أنزل من السماء ماء فأجراه فى ينابيع وعيون فى الأرض، ثم يُخرج به زرعاً مختلفاً أشكاله، ثم ييبس بعد نضارته فتراه مصفرا، ثم يجعله فتاتاً متكسراً؟ إن فى ذلك التنقل - من حال إلى حال - لتذكير لأولى العقول المنيرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها: أي تركوا عبادة الأصنام وغيرها مما يعبد من دون الله. وأنابوا إلى الله: أي بالإِيمان به وعبادته وتوحيده فيها. لهم البشرى: أي بالجنة عند الموت وفي القبر وعند القيام من القبور. فيتبعون أحسنه: أي أوفاه وأكمله وأقربه إلى مرضاة الله تعالى. أولوا الألباب: أي العقول السليمة. أفمن حق عليه كلمة العذاب: أي وجب عليه العذاب بقول الله تعالى لأملأن جهنم. أفأنت تنقذ من في النار: أي تخلصه منها وتخرجه من عذابها. لكن الذين اتقوا ربهم: أي خافوه فآمنوا به وأطاعوه موحدين له في ذلك. تجري من تحتها الأنهار: أي من خلال قصورها وأشجارها. وعد الله: أي وعدهم الله تعالى وعداً فهو منجزه لهم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال أهل النار من عبدة الأوثان وأن لهم من فوقهم ظللا من النار ومن تحتهم ظللا ذكر تعالى حال الذين اجتنبوا تلك الطواغيت فلم يعبدوها، وما أعد لهم من النعيم المقيم فجمع بذلك بين الترهيب والترغيب المطلوب لهداية البشر وإصلاحهم فقال عز وجل {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ} أي أن يعبدوها وهي الأوثان وكل ما زين الشيطان عبادته ودعا الناس إلى عبادته وأضافوا إلى اجتناب الطاغوت الإِنابة إلى الله تعالى بعبادته وتوحيده فيها هؤلاء لهم البشرى وهي في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ويرونها عند نزول الموت وفي القبر وفي الحشر وكل هذا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى {فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} يأمر تعالى رسوله أن يبشر صنفاً من عباده بما بشر به الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله وهم الذين يستمعون القول من قائله فيتبعون أحسن ما يسمعون، ويتركون حسنه وسيئه معاً فهؤلاء لهم همم عالية ونفوس تواقة للخير والكمال شريفة فاستوجبوا بذلك البشرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء الجميل من ربّ العالمين إذ قال تعالى فيهم {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} فحسبهم كمالاً أن اثنى تعالى عليهم. اللهم اجعلني منهم ومن سأل لي وله ذلك. وقوله {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} أي وجب له العذاب قضاءً وقدراً فأسرف في الكفر والظلم والإِجرام والعدوان كأبي جهل والعاص بن وائل فأحاطت به خطيئاته فكان من أصحاب النار فهل تستطيع أيها الرسول انقاذه من النار وتخليصه منها؟ والجواب لا. إذاً فهون على نفسك واتركهم لشأنهم وما خلقوا له وحكم به عليهم. وقوله تعالى {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} فآمنوا وعملوا الصالحات لهم غرف في الجنة من فوقها غرف وهي العلية تكون فوق الغرفة تجري من تحتها الأنهار من تحت القصور والأشجار أنهار الماء واللبن والعسل والخمر. وقوله {وَعْدَ ٱللَّهِ} أي وعدهم الله تعالى بها وعداً حقاً فهو منجزه لهم إذ هو تعالى لا يخلف الميعاد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- كرامة زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي إذ هذه الآية تعنيهم فقد رفضوا عبادة الطاغوت في الجاهلية قبل الإِسلام ثم أنابوا إلى ربهم فصدقت الآية عليهم. 2- فضيلة أهل التمييز والوعي والإِدراك الذين يميزون بين ما يسمعون فيتبعون الأحسن ويتركون ما دونه من الحسن والسيء. 3- إعلام من الله تعالى أن من وجبت له النار أزلاً لا تمكن هدايته مهما بذل الداعي في هدايته وإصلاحه ما بذل. 4- بيان ما أعد الله تعالى لأهل الإِيمان والتقوى من نعيم الجنة وكرامة الله لأهلها.

القطان

تفسير : الطاغوت: الطاغي المعتدي وكل رأسٍ في الضلال، وكل ما عُبد من دون الله. فسلكه: فأدخله. مختلفا ألوانه: مختلفا انواعه. يهيج: يجفّ ويبلغ نهايته. حطاما: فُتاتا مثل التبن. بعد ان ذكر وعيده لعَبَدة الأصنام، بيّن هنا ما أعده للذين آمنوا واجتنبوا ذلك وأنابوا الى الله ورجعوا اليه. هؤلاء لهم البشارةُ العظيمة من الله، فبشرّ أيها الرسول عبادي الذين يستمعون القول، فيتّبعون أحسنه وأهداه - بأنهم هم الذين وفقهم الله للرشاد، وهم أصحاب العقول المدركة النيّرة. ثم بيّن الذين انحرفوا فحقّت عليهم كلمةُ العذاب. ويخاطب بذلك رسوله الكريم فيقول: {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ؟} ليس يمكنك ان تنقذ هؤلاء الذين كفروا ووجبت عليهم النار. ثم كرر القول في الذين آمنوا واتقوا، عنايةً بأمرهم، فقال: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ.... } سيكون لهم في أعالي الجنان غرف مبنيّة بأحسن طراز، بعضُها فوق بعض، تجري من تحتها الأنهار. هذا وعد من الله، والله لا يخلف وعده. وبعد ذلك اعقب بذكر صفات الدنيا وأنهار زائلة مهما طال عمر الانسان فيها، تحذيراً من الاغترار بما فيها من متعة، فمثّل حالها بحال نباتٍ يُسقى بماء المطر فيخرج به زرعٌ مختلف الأصناف والانواع والالوان. بعد ذلك يجفّ الزرع ويصير حطاماً يابسا، فما اسرع زواله!. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} ان في هذا الذي بينّاه لَذكرى لأصحاب العقول المدركة فلا تغتروا بها وببهجتها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلطَّاغُوتَ} (17) - والذينَ اجْتَنَبُوا عِبَادَةَ الأَصْنَامِ، وَاتِّبَاعَ الشَّيَاطِينِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ مُعْرِضِينَ عَمّا سِوَاهُ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بالثَّوَابِ العَظِيمِ حِينَ المَوْتِ، وَحِينَ يَلْقَونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الحِسَابِ. الطَّاغُوتَ - الشَّيْطَانَ وَيُطْلَقُ عَلَى الوَاحِدِ والجَمْعِ وَسُمِّيَتْ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ. أَوْ هُوَ الأَوْثَانُ وَالمَعْبُودَاتُ البَاطِلَةُ. أَنَابُوا إِلَى اللهِ - رَجَعُوا إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة الطاغوت مبالغة من طاغٍ، والطاغوت هو الظالم الذي يزيده احترام الناس لظلمه، أو خوفهم منه يزيده ظلماً وغطرسة، والطاغوت لا بدّ أنْ يكون له توجيه وتعالٍ، لذلك لا يقال للأصنام طواغيت، لأنها لا تعلو بذاتها، وليس لها توجيهات، إنما يعلو بها عُبَّادها، إذن: الطاغوت لا يكون إلا من البشر، ولو كان حاكمين فقط، وإلا فما وَجْه الطغيان في الأصنام؟ الأصنام لا قالت ولا ظلمت. وفي المثل الريفي يقولون: (يا فرعون إيه فرعنك؟ قال: ملقيتش حد يردني) إذن: لو وقف الناس في وجهه، ولو ردوا ألوهيته عندما ألَّه نفسه لارتدع عن هذا. ورحم الله أحمد الزين، ففي عهد الملك أرادوا وحدة وطنية تجمع كل الأحزاب تجتمع بالملك ليفكروا في حَلِّ مشاكل البلد، ودَعَوا لذلك مصطفى النحاس، لكنه لم يذهب، فلما سأله أتباعه: لماذا لم تذهب لهذا الاجتماع؟ قال: لأني سأكون فيه أقلية. يعني: لكثرة الموجودين، فأخذ أحمد الزين هذا الموقف، وقال فيه قصيدة أراد أنْ يغمز فيها الملك، فقال: شعر : كُلُّهم بالهَوَى يُمجِّدُ دِينَهُ أَلْف مُفْتٍ ومالكٌ بالمدينَه كَمْ رئيس لَوْلاَ القَوانينُ تَحْمِي جَهْلَهُ كانَ طرده قَانُونهْ ذُو جُنُونٍ وَزَادَ فِيهِ جُنُوناً أنْ يَرىَ عَاقِلاً يُطِيعُ جُنُونَهُ تفسير : فالطاغوت ما صار طاغوتاً إلا لأن الناسَ خافوه ولم يَرُدُّوا طغيانه، ولم يجابهوه، بل وافقوه وداهنوه، فاستشرى به الطغيان. البعض يرى أن الطاغوت كل ما عُبد من دون الله، لكن ينبغي أنْ نضيفَ إلى ذلك: وهو رَاضٍ بهذه العبادة، وبناءً على هذا التعريف لا تُعَدُّ الأصنامُ طواغيتَ، ولا يُعَدُّ عيسى - عليه السلام - طاغوتاً، ولا يُعَدُّ أولياءُ الله طواغيتَ كما يدَّعي البعض؛ لأن الناس فُتِنَوا فيهم، ولا ذنب لهم في ذلك. وقوله: {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ..} [الزمر: 17] أي: رجعوا إلى عبادته وحده لا شريك له {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} [الزمر: 17] أي: بالجنة لأنهم وقفوا في وجه الطغيان، وردُّوا الظلم ولم يقبلوه، والله تعالى يريد من المجتمع المسلم أنْ يقف في وجه كل طاغية، وأن يُعدِّل سلوك كل منحرف، وأنْ يقاطع أهل الفساد ويعزلهم عن المجتمع وحركة الحياة فيه. ومثَّلنا لذلك بالفتوة الذي يحمل السلاح ويهدد الناس في نفوسهم وفي أرزاقهم وأعراضهم، بل ومنهم مَنْ يتحدى القانون والسلطة والنظام، إنه ما وصل إلى هذه الدرجة إلا لأن المجتمع تخلى عن دوره في الإصلاح والتصدي لأهل الشر. قبل أن أبدأ لقائي في هذه الحلقة أذكر أنه وصلني كتاب اليوم من أحد الإخوان يطلب مني أولاً أن أذكر له القصيدة التي قيلت في قنوت الليل، وأنا لا أقول مَنْ قالها، وإنما أحيله إلى رجل حجة في هذا الباب، هو الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة عميد كلية اللغة العربية سابقاً، وحجة رابطة الأدب في مصر. وسأل أيضاً عن اختلاف العلماء في تحديد الليل والنهار اختلافاً ينفي بعض الليل من النهار، وينفي بعض النهار من الليل، وأقول وبالله التوفيق: إن اختلاف الناس في الليل والنهار اختلاف بين الشرعيين والفلكيين، فالشرعيون يروْنَ أن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، والفلكيون يقولون: إن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى شروق الشمس. إذن: فهناك فترة مختلف عليها، وهي من الفجر إلى الشروق، فالذين نظروا إلى أنها ليستْ من الليل هم الشرعيون، وذلك لأن المراد في احتياط الصوم ألاَّ يجور الإنسان على شيء من الليل، يدخل فيه شيئاً من النهار فاحتاطوا لذلك. ووجه الاحتياط أن الشرعي نظر إلى النور الذي يبدو عند طلوع الفجر، ولم ينظر إلى سبب النور وهو الشمس، فنحن نرى نوراً قبل أن تطلع الشمس. أما الفلكي فينظر إلى وجود النور، هذا النور يكون من علامة الليل. الشرعي قال: لا ففرقٌ بين النور يظهر وبين المنوِّر، لأن نور الفجر إلى الشروق نور لا نرى فيه الشمس، وهو مرتبط بغروب الشمس وشروقها، والليل يقال فيه: ليل ألْيَل أو ليلة لَيْلاء يعني شديدة الظلمة وهي حينما يكون القمر في المحاق، أو يقال ليلة ليلاء. يعني: فيها تعب ومشقة. وقد جعل المحِبُّون من الليل مراحاً ومَغْدى لشعرهم، فإن كانوا مع الأحبة تمنَّوْا أنْ يطول الليل، وإنْ فارقوا الأحبة تمنَّوْا أنْ يقصرَ الليلُ. ومن ذلك قول الشاعر شعر : طَالَ لَيْلِي وَلَمْ أَنَمْ وَنَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمّ تفسير : وقال آخر لما اجتمع شمله بمَنْ يحب: شعر : يَا لَيْلُ طُلْ يَا نوْم زُلْ يَا صُبْح قفْ لاَ تَطْلُعْ تفسير : والآخر جمع الحالين معاً، أظنه البحتري حين قال: شعر : وَدَّعَ الصّبْرَ مُحِبٌّ ودَّعَكَ ذائعٌ مِنْ سِرِّه مَا اسْتَوْدَعَكْ يَقْرَعُ السِّنَّ علَى أنْ لَمْ يكُنْ زَادَ فِي تِلْكَ الخُطَى إذْ شيَّعَكْ يَا أخَا البَدْر سَناءً وَسَنا حفظ اللهُ زَمَاناً أطلعَكْ إنْ يطُلْ بَعدَكَ لَيْلِي فَلَكَمْ بِتّ أشْكُو قِصَرَ الليْلِ مَعَكْ تفسير : والليل يقابله النهار، لذلك يقول سبحانه: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 71-72]. فجعل الليل مقابل النهار، وتلحظ هنا دقَّة الأداء القرآني، لأن المتكلم رب والأداء أداء إلهي، فلما تكلم عن الليل ذيَّل الكلام بقوله: {أية : أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} تفسير : [القصص: 71] ولما تكلم عن النهار ذيَّل الكلام بقول: {أية : أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 72] ذلك لأن السمع وسيلة الإدراك بالليل حيث لا رؤية، أما في النهار فالبصر. وقد اضطر العلماء إلى البحث في علاقة اليوم بالليل والنهار، فقالوا: الحق يقول: {أية : سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 18]. فجعل سبحانه اليوم مقابل النهار، لكن يوم الفلكيين غير هذا، فاليوم عندهم لا يُحسب إلا من وقت إلى مثله في القادم، يعني: إنْ بدأت من العصر فاليوم إلى العصر القادم. ويقولون في التوقيت: صباحاً ومساءً، فلو استيقظتُ مثلاً للسحور الساعة الثانية بعد منتصف الليل أقول: تسحرت الساعة الثانية صباحاً، مع أنني ما زلتُ في الليل، وبالعكس أقول في النهار: الساعة الخامسة مساءً، مع أنني ما زلتُ في النهار، هذا كله من اختلاف الفلكيين والشرعيين. ولكن اليوم اخْتُلف في مدلوله في كثير من المواضع، فالحق سبحانه يقول في كتابه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3] فأطلق اليوم على أيِّ لحظة من لحظاته. وقال سبحانه: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم: 5] والمراد بأيام الله الأيام التي تُنسب إليها الأحداث، سواء أكانت نعمة أو نقمة، نقول مثلاً يوم بدر، وكان يوم بدر نعمة للمؤمنين ونقمةً على الكافرين. وإلى هنا انتهت الإجابة على سؤال الأخ السائل، ونعود إلى ما كنا بصدد الحديث عنه من قوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ..} [الزمر: 17]. قلنا: الطاغوت هو الذي يطغى، ويبارك الناسُ طغيانه، ولا يصدونه عنه، والطاغوت جاءت هنا مُؤنَّثة بدليل {أَن يَعْبُدُوهَا ..} [الزمر: 17]، وفي موضع آخر جاء بصيغة المذكر في قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ..} تفسير : [النساء: 60]. وكلمة الطاغوت من الكلمات التي تُطلق على: المفرد والمثنى والجمع مُذكَّراً ومُؤنَّثا، فنقول: هذا رجل طاغوت، وهذه امرأة طاغوت، وهذان طاغوت، وهؤلاء طاغوت. وهي هنا للجمع، بدليل قوله تعالى: {أَن يَعْبُدُوهَا ..} [الزمر: 17] وهي مثل كلمة سبيل، نقول: هذه سبيل، وهذا سبيل. والطاغوت - كما قلنا: لا بُدَّ أن تكون له توجيهات، لذلك لا يُطلق إلا على الطاغي من البشر أو من الجن، أما الملائكة فلم ترْضَ أنْ تُعبد من دون الله، كذلك يُسمَّى الظالمُ طاغوتاً. ونفهم من قوله تعالى: {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ..} [الزمر: 17] أي: رجعوا إليه، نفهم منها أنهم كانوا مع الله أولاً ثم انحرفوا عنه، كيف؟ قالوا: لأن كلَّ إنسان كان مع الله على فطرة الإيمان الأولى عندما أخذ اللهُ الميثاقَ على الخَلْق جميعاً فقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172] لكن منهم مَنْ ظلَّ على هذا العهد وعلى هذه الفطرة السليمة، ومنهم مَنْ انحرف عنها ونسيها. لذلك كثيراً ما يقول القرآن (وذكر) أي: بالعهد الأول، فمعنى {وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} [الزمر: 17] يعني: رجعوا إلى الإيمان الفطري وإلى العهد الأول، أو رجعوا إلى الله للجزاء يوم القيامة. وقوله سبحانه: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} [الزمر: 17] البشرى الخبر السَّار الذي نخبر به قبل أوانه، والبُشْرى تنقسم إلى قسمين: إزالة عطب وألم، أو تحقيق مراد وأمل، فالذين اجتنبوا الطاغوت فلم يعبدوها وأنابوا إلى الله تحقَّق لهم الأمران معاً، لأنهم أولاً برئوا من النار وآلامها، ثم تحقَّق مرادهم بدخول الجنة كما قال سبحانه: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. لذلك قال بعدها: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17] أي بهذه البشرى السارة {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] القول لا بدَّ أنْ يكون من قائل، فإذا استمعوا القول من قائل يتبعون أحسن ما قيل، وأن ما قيل يكون من أحسن قائل، وإذا نظرنا إلى أحسن قائل لا نجد إلا الحق سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بحكم فاتبعوه فقوله أحسن القول، وأمره أنفع أمر. والحق سبحانه لا يستفيد من أوامره لكم، ولا تضره معصيتكم، فأنتم إذن المنتفعون بالمنهج، المستفيدون من تنفيذه، ثم أنتم خَلْق الله وصَنْعته، ويعز عليه سبحانه أن تنحرف هذه الصنعة أو تعذَّب. ثم يريد سبحانه من منهجه وشرعه أنْ يُديمَ عليكم عطاءه ونعمه، وأن تكون نعمة الدنيا موصولة لكم بنعمة الآخرة، لذلك قال عنهم في الحديث القدسي: "حديث : لو خلقتموهم لرحمتموهم ". تفسير : أو: أحسن ما قيل يعني الإسلام، فالإسلام جاء والناس أصناف شتَّى: كفرة لا يؤمنون بإله، ومشركون يؤمنون بإله معه غيره، وأتباع ديانات كان لها كتب ورسل سابقون كاليهود والنصارى. فهؤلاء الذين عاصروا الإسلام إنْ يستمعوا يستمعوا لقول هذا وقول ذاك، يستمعوا للكفار والملاحدة وللمشركين ولأصحاب الكتب السابقة. فكأن الحق سبحانه يقول: اعرضوا هذه الأقوال على عقولكم، واختاروا أحسنها ولا تتعصبوا لقول دون أنْ تبحثوه وتقارنوه بغيره، فإن فعلتم ذلك وإنْ توفرت لكم هذه الموضوعية فلن تجدوا إلا الإسلام أحسن الأقوال والأَوْلَى بالاتباع، فهو الدين الذي جمع للناس كلَّ خير، ونأى بهم عن كل شر. وهو الدين الذي جاء مهيمناً على جميع الأديان قبله، وكتابه المهيمن على كل الكتب قبله، وجاء الإسلام ديناً عاماً في الزمان وفي المكان؛ لذلك هو الدين الخاتم الذي لا دينَ بعده، ولا كتابَ بعد كتابه، ولا رسول بعد رسوله. ودينٌ هذه صفاته لا بدَّ أن يكون قد استوفى كلّ شروط الكمال، كما قال سبحانه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..} تفسير : [المائدة: 3] فالإسلام إذن أحسن الأديان، وأحسن الأقوال، وأحسن ما نتبعه. ثم تستمر الآيات في وَصْف المؤمنين الذين اجتنبوا الطاغوت أنْ يعبدوها، والذين أنابوا إلى الله والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 18] هداهم يعني دلَّهم وأرشدهم، فلما اتبعوا دلالته وإرشاده ولم يكُنْ في نفوسهم عناد لهذه الدلالة أعطاهم هدايةَ التوفيق والإيمان فآمنوا. وقلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة، وهداية المعونة. وبيَّنا ذلك كما سبق برجل المرور الذي تجده على مفترق الطرق يدلّ الناس ويُرشدهم، فإن دلَّك على الطريق فأطعْتَه وشكرته على معروفه زادك، وسار معك حتى لا تؤذيك عقبَات الطريق؛ لأنه وجدك أهلاً لأنْ تُعان فأعانك. كذلك الحق سبحانه يعطي عبده هداية الدلالة والإرشاد، وهذه للمؤمن وللكافر، فمَنْ أطاع في الأولى أخذ الثانية، وهي هداية المعونة، وهذه للمؤمن دون الكافر، فكأن الله تعالى يقول لعبده المؤمن: أنت آمنت بي، وسمعتَ كلامي، وأطعتَ فسوف أعينك على الطاعة، وأخفف أمرها عليك، وأُعسِّر عليك أمر المعصية. وهذه من أعظم نِعَم الله على العبد أنْ يُيسِّر له أمر الطاعة، ويُعينه على مشقاتها، وفي المقابل يقفل دونه أبواب المعصية ودواعيها. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. فمعنى (زادهم هدى) يعني: أعطاهم هداية المعونة على الإيمان. وقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 18] أي: أصحاب العقول المفكرة المعتبرة، لأنهم نشروا أمامهم كل الأقوال، وبحثوها وقارنوا بينها، وأخذوا أحسنها الذي يحقق لهم السعادة والمصلحة والانسجام في حركة الحياة بلا تعاند، بل حركة مستقيمة متساندة تنفي من القلوب: الحقد والغل والحسد، وتمنع الانحراف من: سرقة وغش ورشوة واغتصاب .. إلخ. فمَنْ يصادم مثل هذا المنهج؟ ومَنْ يرفضه؟ إنه منهج مستقيم لا يملك العقل السليم إلا الإذعان له والسير على هَدْيه، لذلك سمى الله هؤلاء الذين اختاروا هذا المنهج سماهم {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 18] أي أصحاب العقول، والعقل مهمته أن يعقل الفكر فلا يشطح، بل يعرض المسائل ويختار من البدائل ما يصلحه، لكن آفة الرأي الهوى، فالهوى هو الذي يصرفك عن مقول العقل إلى مقول الهوى. قول آخر يقول: المراد بقوله تعالى {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] أنه خاصٌّ بمَنْ يستمعون أقوال الإسلام، فيتبعون أحسن هذه الأقوال؛ لذلك جاء بصيغة التفضيل (أحسن) فكأن في الإسلام (قول حسن) و (أحسن)، فهذا الرأي لا يأخذ المسألة على العموم، إنما يجعلها خاصة بأقوال الإسلام، وهي كلها مُتصفة بالحُسْن، لكن منها حسن وأحسن، وأصحاب العقول المتأملة يختارون منها الأحسن. ومثال ذلك: شرع الإسلامُ مثلاً القصاصَ من القاتل وشرع الدية عليه، وشرع أيضاً العفو، فقال سبحانه: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..} تفسير : [البقرة: 178] فمن أخذ بالقصاص أو الدية أخذ بالحسن، ومَنْ تسامى إلى العفو أخذ بالأحسن. كذلك في قوله تعالى: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 271] فإنْ أبديتَ الصدقة فأنت غير آثم، بل هو أمر حسن، لكن الأحسن منه أنْ تخفيها. ومثله قوله سبحانه: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الشورى: 40]. وفي كل هذه المواضع، نجد الحق سبحانه يُرغّب عباده في التسامح، لكن التسامح يكون في الأمر الذي تتحمل أنت ثمنه، ويعود عليك ضرره إنْ كان هناك ضرر، أما إنْ عاد الضرر على المجتمع عامة فلا تسامح. والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا هذا الدرس، فكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه قط. إنما كان يغضب إذا انتهِكَ أمر الله، إذن: تسامح في الأمر الذي يتعلق بك، أما إنْ تعلق الأمر بعامة المسلمين فليس لأحد الحق أن يتسامح فيه. والحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى اختيار الأحسن هو أحسن لنا نحن وأفضل، ففي قصة الإفك، قال تعالى: {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ..} تفسير : [النور: 22] يعني: لا تغضب لأنك غفرتَ لمن أساء إليك، لأن الله تعالى سيعاملك بالمثل فيغفر لك إنْ أسأتَ، ومَنْ لا يحب أنْ يغفر الله له؟ فما دُمْتَ تحب أنْ يُغفر لك فاغفر لصاحبك، لكن شريطةَ ألاّ تهيج المجتمع ولا تضره.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} [الآية: 17]. يعني: الشيطان. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} [الآية: 23]. يعني: القرآن. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: /67 و/ {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الآية: 24] قال: يُجر على وجهه في النار. وهو كقوله: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [فصلت: 40]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الآية: 28]. يعني: غير ذي لبس.

الجيلاني

تفسير : {وَ} المؤمنون الموحدون {ٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ} المبالغ في الطغيان والعدوان، وهي الشيطان المضل المغوي، واستنكفوا {أَن يَعْبُدُوهَا} ويقبلوا منها وسوستها، ويصغوا إلى إغوائها وتغريرها {وَ} مع ذلك {أَنَابُوۤاْ} ورجعوا {إِلَى ٱللَّهِ} في النشأة الأولى على وجه الإخلاص والخوضع، نادمين عمَّا صدر عنهم من الجراءة والجريمة {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} في النشأة الأخرى بالدرجة العظمى. {فَبَشِّرْ} بها يا أكمل الرسل {عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ} [الزمر: 17-18] الحق الذي صدر منَّا، ولا يمترون فيه، بل {فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ويتمثلون بما أمروا به، ويجتنبون عما نُهوا عنه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الموفقون على استماع قول الحق والامتثال به، هم {ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} إلى طريق توحيده، ووفقهم إلى الفناء فيه والبقاء ببقائه {وَ} بالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 18] الواصلون إلى لُبِّ اللباب. ثم قال سبحانه على وجه التنبيه والتأديب: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} أتسعى وتجتهد يا أكمل الرسل في تخليص من ثبت منَّا في سابق قضائنا وحضرة علمنا الحكم بتعذيبه؛ يعني: أبا لهب وولده وأتباعه {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} [الزمر: 19] أي: أتظن وتعتقد في نفسك أنك تقدر على إنقاذ من هو مخلد في نار جهنم بمقتضى قهرنا وجلالنا، فلا تتعب نفسك فيما ليس في وسعك؛ إذ لا بدل قولنا، ولا يغير حكمنا. {لَـٰكِنِ} المؤمنين {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ} في جميع شئونهم وحالاتهم، خائفين من قهره وغضبه، راجين رحمته {لَهُمْ} عند ربهم {غُرَفٌ} درجات علية {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} درجات أعلى منها، كأنها منزال {مَّبْنِيَّةٌ} على الأرض، بعضها فوق بعض على تفاوت طبقاتهم في مراتب القرب {تَجْرِي} على التعاقب والتوالي {مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات على مقتضى الجود والإلهي، وما كان ذلك إلا {وَعْدَ ٱللَّهِ} الذي وعدها لخُلَّص عباده الذين سلكوا في سبيله، متعطشين إلى زلال توحيده، فله أن ينجزه حتماً؛ إذ {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ} القادر المتقدر على جميع ما شاء وأراد {ٱلْمِيعَادَ} [الزمر: 20] الذي وعده للعباد سيما لأهل العناية منهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر أن عباد الله قد اجتنبوا طاغوت الهوى بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} [الزمر: 17]، يشير إلى أن طاغوت كل أحد نفسه، وإنما يجتنب عبادة الطاغوت من خالف هوى نفسه، وعانق رضاء مولاه، ورجع إليه بالخروج عما سواه رجوعاً بالكلية، وبقوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17-18]، يشير إلى معانٍ كثيرة: منها: إن أهل البشارة من يكون مخصوصاً بخاصية العبدية التي هي فصاحة إلى الله؛ أي: يكون جسداً عما سوى الله. ومنها: إنهم مبشرون بالوصول والوصال، كما قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} [الزمر: 18] إلى الحضرة. ومنها: إن الألف واللام في القول المعموم، فيقتضي أن لهم حسن الاستماع في كل قول من القرآن وغيره، ولهم أن يتبعوا أحسن من يحتمل كل قول إتباع درايته والعمل به، وأحسن كل قول ما كان من الله أو لله، أو يهدي إلى الله، وعلى هذا يكون استماع أتباع قول القوال من هذا القبيل. ومنها: إن القول يسمع الإنسان والشيطان والنفس والملك والإله عز وجل، فيسمع من الإنسان أن الحق والباطل، ومن الشيطان الباطل، فإنه يشير إلى المعاصي دعوة الشهوات مما لها فيه نصيب، ومن الملك دعوة الطاغوت، ومن الحق تعالى الخطاب في حقائق التوحيد والدعوة إلى الحضرة، كما قال تعالى: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28]، وقال: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}تفسير : [المزمل: 8]، فأحسن الأقوال قول الله، وأحسن الاستماع أن يستمعوا من الله، ومن عرف الله لا يسمع إلا بالله ومن الله، ومن أحسن أن يسمع من الله أحسن أن يسمع عباد الله، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} [الزمر: 18] بجذبات ألطافه إلى أعطافه {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 18] الذين عبروا عن قشرية الأشياء ووصلوا إلى ألباب حقائقها. وبقوله: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} [الزمر: 19]، يشير إلى أن من حق عليه في القسمة الأولى أن يكون مظهراً لصفات قهره إلى الأبد لا ينفعه شفاعة الشافعين، ولا يخرجه من جهنم سخط الله وطرده، وبعده جميع الأنبياء والمرسلين، {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ} [الزمر: 20] اليوم من الشرك والمعاصي، والزلات والشهوات، وعبادة الهوى والركون إلى غير المولى، فقد أنقذهم الله في القسمة الأولى من أن يحق عليهم كلمة العذاب، وحق عليهم أن يكونوا مظهر صفات لطفه إلى الأبد، {لَهُمْ غُرَفٌ} [الزمر: 20] بحسب مقاماتهم في التقوى، {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} [الزمر: 20]؛ أي: ما لا نهاية له من غرفات المعارف، والقربات مبينة بأيدي أعمال السالكين وأحوال المجذوبين بعضها فوق بعض {مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الزمر: 20] أنهار الحكم والأسرار، {وَعْدَ ٱللَّهِ} [الزمر: 20] الذي وعد التائبين بالمغفرة، والمطيعين بالجنة، والمشتاقين بالرؤية، والعاشق الصادق بالقربة والوصلة، {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} [الزمر: 20] إذا لم يقع لهم فترة، ولا محالة بصدق وعده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر حال المجرمين ذكر حال المنيبين وثوابهم، فقال: { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا } والمراد بالطاغوت في هذا الموضع، عبادة غير اللّه، فاجتنبوها في عبادتها. وهذا من أحسن الاحتراز من الحكيم العليم، لأن المدح إنما يتناول المجتنب لها في عبادتها. { وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ } بعبادته وإخلاص الدين له، فانصرفت دواعيهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات، { لَهُمُ الْبُشْرَى } التي لا يقادر قدرها، ولا يعلم وصفها، إلا من أكرمهم بها، وهذا شامل للبشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من اللّه، التي يرون في خلالها، أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة، ولهم البشرى في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبره وإحسانه وحلول أمانه في الجنة. ولما أخبر أن لهم البشرى، أمره اللّه ببشارتهم، وذكر الوصف الذي استحقوا به البشارة فقال: { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ } وهذا جنس يشمل كل قول فهم يستمعون جنس القول ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره مما ينبغي اجتنابه، فلهذا من حزمهم وعقلهم أنهم يتبعون أحسنه، وأحسنه على الإطلاق كلام اللّه وكلام رسوله، كما قال في هذه السورة: {أية : اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } تفسير : الآية. وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا أنه من أولي الألباب؟ قيل: نعم، أحسنه ما نص اللّه عليه {أية : اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } تفسير : الآية. { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ } لأحسن الأخلاق والأعمال { وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ } أي: العقول الزاكية. ومن لبهم وحزمهم، أنهم عرفوا الحسن من غيره، وآثروا ما ينبغي إيثاره، على ما سواه، وهذا علامة العقل، بل لا علامة للعقل سوى ذلك، فإن الذي لا يميز بين الأقوال، حسنها، وقبيحها، ليس من أهل العقول الصحيحة، أو الذي يميز، لكن غلبت شهوته عقله، فبقي عقله تابعا لشهوته فلم يؤثر الأحسن، كان ناقص العقل.