٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ } طباق {مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } من النار {ذٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } أي المؤمنين ليتقوه يدل عليه {يَٱعِبَادِفَٱتَّقُونِ }.
ابن عطية
تفسير : هذه صفة حال أهل جهنم. والظلة: ما غشي وغم كالسحابة وسقف البيت ونحوه، فأما ما فوقهم فكونه ظلة بين، وأما ما تحتهم فقالت فرقة: سمي ظلة لأنه يتلهب ويصعد مما تحتهم شيء كثير ولهب حتى يكون ظلة، فإن لم يكن فوقهم شيء لكفى فرع الذي تحتهم في أن يكون ظلة، وقالت فرقة: جعل ما تحتهم ظلة، لأنه فوق آخرين، وهكذا هي حالهم إلا الطبقة الأخيرة التي في القعر. وقوله: {عباده} يريد جميع العالم خوفهم الله النار وحذرهم منها، فمن هدي وآمن نجا، ومن كفر حصل فيما خوف منه. واختلفت القراءة في قوله: "عباد" وقد تقدم نظيره. وقوله تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت} الآية، قال ابن زيد: إن سبب نزولها زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، والإشارة إليهم، وقال ابن إسحاق: الإشارة بها إلى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير، وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك فجاؤوه، فقالوا أسلمت؟ قال نعم، وذكرهم بالله فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم هذه الآية، وهي على كل حال عامة في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها. و {الطاغوت}: كل ما يعبد من دون الله. و {الطاغوت} أيضاً: الشيطان، وبه فسر هنا مجاهد والسدي وابن زيد، وأوقعه هنا على جماعة الشياطين، ولذلك أنث الضمير بعد. وقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} كلام عام في جميع الأقوال، وإنما القصد الثناء على هؤلاء ببصائر هي لهم وقوام في نظرهم حتى أنهم إذا سمعوا قولاً ميزوه واتبعوا أحسنه. واختلف المفسرون في العبارة عن هذا، فقالت فرقة: أحسن القول كتاب الله، أي إذا سمعوا الأقاويل وسمعوا القرآن اتبعوا القرآن. وقالت فرقة: القول هو القرآن و {أحسنه} ما فيه من عفو وصفح واحتمال على صبر ونحو ذلك. وقال قتادة: أحسن القول طاعة الله، وهذه أمثلة وما قلناه أولاً يعمها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {لهم من فوقهم ظلل} قال: غواش {ومن تحتهم ظلل} قال: مهاد. وأخرج ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن يعذب أهل النار جعل لكل إنسان منهم تابوتاً من نار على قدره ثم أقفل عليه بأقفال من نار، فلا يعرف منه عرق إلا وفيه مسمار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم يقفل باقفال من نار، ثم يضرم بينهما نار فلا يرى أحد منهم أن في النار غيره. فذلك قوله {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} وقوله {أية : لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} تفسير : [الأعراف: 41].
القشيري
تفسير : أحاط بهم سُرَادقُها؛ فهم لا يخرجون منها، ولا يَفْتُرُون عنها. كما أنهم اليومَ في جهنم عقائدِهم؛ يستديم حجابُهم، ولا ينقطع عنهم عقابهم. {ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ...} إِنْ خِفْتَ اليومَ كُفِيتَ خوفَ ذلك اليوم وإِلاَّ فبين يديك عقبة كَؤُود.
اسماعيل حقي
تفسير : {لهم من فوقهم ظلل من النار} لهم خبر الظلل والضمير للخاسرين ومن فوقهم حال من ظلل والظلل جمع ظلة كغرف جمع غرفة وهى سحابة تظل وشىء كهيئة الصفة بالفارسية [سايبان]. وفي كشف الاسرار ما اظلك من فوقك. والمعنى للخاسرين ظل من النار كثيرة متراكبة بعضها فوق بعض حال كون تلك الظل من فوقهم والمراد طباق وسرادقات من النار ودخانها وسمى النار ظلة لغلظها وكثافتها ولانها تمنع من النظر إلى ما فوقهم. وفيه اشعار بشدة حالهم فى النار وتهكم بهم لان الظلة انما هى للاستظلال والتبرد خصوصا فى الاراضى الحارة كأرض الحجاز فاذا كانت من النار نفسها كانت احرّ ومن تحتها اغمّ {ومن تحتهم} ايضا {ظلل} والمراد احاطة النار بهم من جمع جوانبهم كما قال تعالى {أية : احاط بهم سرادقها} تفسير : اى فسطاطها وهو الخيمة شبه به ما يحيط بهم من النار كما سبق فى الكهف ونظير الآية قوله تعالى {أية : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ارجلهم} تفسير : وقوله {أية : لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } تفسير : وقال بعضهم ومن تحتهم ظلل اى طباق من النار ودركات كثيرة بعضها تحت بعض هي ظلل للآخرين بل لهم أيضا عند تردّيهم فى دركاتها كما قال السدى هى لمن تحتهم ظلل وهكذا حتى ينتهى الى القعر والدرك الاسفل الذى هو للمنافقين فالظلل لمن تحتهم وهى فرش لهم وكما قال فى الأسئلة المقحمة كيف سمى ما هو الاسفل ظللا والظلال ما يكون فوقا والجواب لانها تظلل من تحتها فاضاف السبب الى حكمه {ذلك} العذاب الفظيع هو الذى {يخوف الله به عباده} فى القرآن ليؤمنوا ويحذرهم اياه بآيات الوعيد ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. وفي الوسيط يخوف الله به عباده المؤمنين يعنى ان ما ذكر من العذاب معد للكفار وهو تخويف للمؤمنين ليخافوه فيتقوه بالطاعة والتوحيد {يا عبادى} [اى بندكان من] واصله يا عبادى بالياء {فاتقون} ولا تتعرضوا لما يوجب سخطى وهذه عظة من الله تعالى بالغة منطوية على غاية اللطف والرحمة. وفيه إشارة الى ان الله تعالى خلق جهنم سوطا يسوق به عباده الى الجنة اذ ليس تحت الوجود الا ما هو مشتمل للحكة والمصلحة فمن خاف بتخويف الله اياه من هذا الخسران فهو عبده عبدا حقيقيا ومستأهل لشرف الإضافة اليه. وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره ان الخلق يفرون من الحساب وانا اقبل عليه فان الله تعالى لو قال لى اثناء الحساب عبدى لكفانى فعلى العاقل تحصيل العبودية وتكميلها كى يليق بخطاب الله تعالى ويكون من اهل الحرمة عند الله تعالى ألا ترى ان من خدم ملكا من الملوك يستحق الكرامة ويصير محترما عنده وهو مخلوق فكيف خدمة الخالق. نقل فى آخر فتاوى الظهيرية ان الامام الاعظم ابا حنيفة رحمه الله لما حج الحجة الاخيرة قال فى نفسه لعلى لا اقدر ان احج مرة اخرى فسأل حجاب البيت ان يفتحوا له باب الكعبة ويأذنوا له فى الدخول ليلا ليقوم فقالوا ان هذا لم يكن لاحد قبلك ولكنا نفعل ذلك لسبقك وتقدمك فى علمك واقتداء الناس كلهم بك ففتحوا له الباب فدخل فقام بين العمودين على رجل اليمنى حتى قرأ القرآن الى النصف وركع وسجد ثم قام على رجل اليسرى وقد وضع قدمه اليمنى على ظهر رجله اليسرى حتى ختم القرآن فلما سلم بكى وناجى وقال الهى ما عبدك هذا العبد الضعيف حق عبادتك ولكن عرفك حق معرفتك فهب نقصان خدمته لكمال معرفته فهتف هاتف من جانب البيت يا ابا حنيفة قد عرفت واخلصت المعرفة وخدمت فاحسنت الخدمة فقد غفرنا لك ولمن اتبعك وكان على مذهبك الى قيام الساعة. ثم ان مثل هذه العبودية ناشئة عن التقوى والخوف من الله تعالى ومطالعة هيبته وجلاله وكان عليه السلام يصلى وبصدره ازيز كازيز المرجل من البكاء. والازيز الغليان وقيل صوته والمرجل قدر من نحاس كذا نقل مثل ذلك عن ابراهيم عليه السلام فحرارة هذا الخوف اذا احاطت بظاهر الجسم وباطنه سلم الانسان من الاحتراق واذا مضى الوقت تعذر تدارك الحال فليحافظ على زمان الفرصة شعر : وحشىء فرصت جوتيرازجشم بيرون جسته است تاتوزه مىسازى اى غافل كمان خويش را
الجنابذي
تفسير : {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} استعمال الظّلل الّتى هى ما تظلّك فيما كان تحت الاقدام امّا من باب المشاكلة او من جهة انّها ظلل لمن تحتها {ذَلِكَ} المذكور من الخسران او من التّظليل بالظّلل من النّار {يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} قوله تعالى {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ} ممّا امر الرّسول (ص) ان يقوله، او ابتداء كلام من الله، او قوله لهم من فوقهم ابتداء كلام منه او قوله {ذلك يخوّف الله} ابتداء كلام منه، او قوله يا عباد فاتّقون ابتداء كلام منه.
اطفيش
تفسير : {لَهُم مِن فوقِهِم} متعلق بلهم لنيابته عن ثابتة، أو بثابتة أو بمحذوف حال من هذا المستتر العائد الى ظلل، الذى هو مبتدأ فى قوله: {ظُلَلٌ مِن النَّار} نعت ظلل، سمى ما يعلوهم من النار ظللا، لعلوها عليهم كالظلة على الاستعارة تهكما بهم، لأن الظلة وهو مفرد الظلل ما يقى من الحر، وأكد التهكم بلام النفع فى قوله لهم،إذ لم يقل عليهم، كما هو مقتضى الاستعلاء فوقهم، وكما شاعت على فى الضر {ومِنْ تَحْتِهِم ظُللٌ} أى فرش من النار، سماها ظللا لمشاكلة الظلل المذكورة قبل ووجه الاستعارة، شبهها بما فوق فى الانبساط والضر، أو الفرش ظلل حقيقة لمن تحتهم، إلا أن أخيرهم سفلا أحد تحته يكون ما هو فيه ظلة له،إلا أن يقال ظلة لما تحتهم من الجو، أو ما شاء الله، أو الظلل من تحتهم النار تلتهب وتعلو رؤوسهم {ذلك} العذاب {يُخوِّفُ الله به عِبادَه} مؤمنيهم ليزدادوا خيرا ولا يرجعوا الى وراء، وكافريهم ليؤمنوا، وادعى بعض أن المراد المؤمنون، وكذا الوجهان فى قوله: {يا عباد فاتَّقون} عطف على محذوف، أى انتبهوا للدلائل فاتقون.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ } إلى آخره نوع بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام على أن {لَهُمْ } خبر لظلل و {مِنْ فَوْقِهِمْ} متعلق بمحذوف حال من ضميرها في الظرف المقدم لا منها نفسها لضعف الحال من المبتدأ، وجعلها فاعل الظرف حينئذٍ إتباع لنظر الأخفش وهو ضعيف، و {مِنَ ٱلنَّارِ } صفة لظلل. والكلام جار مجرى التهكم بهم ولذا قيل {لَهُمْ } وعبر عما علاهم من النار بالظلل أي لهم كائنة من فوقهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض كائنة من النار {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } كائنة من النار أيضاً، والمراد أطباق كثيرة منها وتسميتها ظللاً من باب المشاكلة. وقيل هي ظلل لمن تحتهم في طبقة أخرى من طبقات النار ولا يطرد في أهل الطبقة الأخيرة من هؤلاء الخاسرين إلا أن يقال: إنها للشياطين ونحوهم مما لا ذكر لهم هنا، وقيل: إن ما تحتهم يلتهب ويتصاعد منه شيء حتى يكون ظلة فسمي ظلة باعتبار ما آل إليه أخيراً وليس بذاك، والمراد أن النار محيطة بهم. {ذٰلِكَ } العذاب الفظيع {يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } يذكره سبحانه لهم بآيات الوعيد ليخافوا / فيجتنبوا ما يوقعهم فيه، وخص بعضهم العباد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بالتخويف وعمم آخرون. وكذا في قوله سبحانه: {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، ويختلف المراد بالأمر على الوجهين كما لا يخفى. وهذه عظة من الله جل جلاله وعم نواله منطوية على غاية اللطف والرحمة. وقرىء {يا عِبَادِي } بالياء.
ابن عاشور
تفسير : {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}. بدل اشتمال من جملة {أية : ألا ذَلِكَ هو الخسرانُ المبينُ}تفسير : [ الزمر: 15]، وخص بالإِبدال لأنه أشد خسرانهم عليهم لتسلطه على إهلاك أجسامهم. والخسران يشتمل على غير ذلك من الخزي وغضب الله واليأس من النجاة. فضمير {لهم} عائد إلى مجموع {أية : أنفُسَهُم وأهْلِيهِم}تفسير : [الزمر: 15]. والظلل: اسم جمع ظلة، وهي شيء مرتفع من بناء أو أعواد مثل الصُّفَّة يستظل به الجالس تحته، مشتقة من الظلّ لأنها يكون لها ظِلّ في الشمس، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}تفسير : في سورة [البقرة:210]، وقوله: {أية : وإذا غشيهم موج كالظلل}تفسير : في سورة [لقمان: 32]. وهي هنا استعارة للطبقة التي تعلو أهل النار في نار جهنم بقرينة قوله: {مِنَ النَّارِ}، شبهت بالظلة في العلوّ والغشيان مع التهكم لأنهم يتمنون ما يحجب عنهم حرّ النار فعبر عن طبقات النار بالظّلَل إشارة إلى أنهم لا واقي لهم من حر النار على نحو تأكيد الشيء بما يشبه ضده، وقوله {لهم} ترشيح للاستعارة. وأما إطلاق الظلل على الطبقات التي تحتهم فهو من باب المشاكلة ولأن الطبقات التي تحتهم من النار تكون ظللاً لكفار آخرين لأن جهنم دركات كثيرة. {ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عباده}. تذييل للتهديد بالوعيد من قوله تعالى: {أية : قُل إنَّ الخاسرين الذين خسِرُوا أنفسهم}تفسير : [ الزمر: 15] الآية، أو استئناف بياني بتقدير سؤال يخطر في نفس السامع لوصف عذابهم بأنه ظلل من النار من فوقهم وظلل من تحتهم أن يقول سائل: ما يقع إعداد العذاب لهم في الآخرة بعد فوات تدارك كفرهم؟ فأجيب بأن الله جعل ذلك العذاب في الآخرة لتخويف الله عباده حين يأمرهم بالاستقامة ويشرع لهم الشرائع ليعلموا أنهم إذا لم يستجيبوا لله ورسله تكون ذلك عاقبتهم. ولما كان وعيد الله خبراً منه ولا يكون إلا صدقاً حقق لهم في الآخرة ما توعدهم به في الحياة وتخويف الله به معناه أنه يخوفهم بالإِخبار به وبوصفه، أما إذاقتهم إياه فهي تحقيق للوعيد. ويعلم من هذا بطريق المقابلة جعل الجنة لترغيب عباده في التقوى، إلا أنه طوى ذكره لأن السياق موعظة لأهل الشرك فالله جعل الجنة وجهنم إتماماً لحكمته ومراده من نظام الحياة الدنيا ليكون الناس فيها على أكمل ما ترتقي إليه النفس الزكية. والظاهر أن الجنة جعلها الله مسكناً لأهل النفوس المقدسة من الملائكة والناس مثل الرسل فلذلك هي مخلوقة من قبل ظهور التكليف، وأما جهنم فيحتمل أنها مقدمة وهو ظاهر حديث: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنَفَسَيْن نفس في الشتاء ونفس في الصيف». ويحتمل أنها تخلق يوم الجزاء ويتأول الحديث. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما وصف من الخسران والعذاب بتأويل المذكور. والتخويف: مصدر خوفه، إذا جعله خائفاً إذا أراه ووصف له شيئاً يثير في نفسه الخوف، وهو الشعور بما يؤلم النفس بواسطة إحدى الحواس الخمس. والعباد المضاف إلى ضمير الجلالة في الموضعين هنا يعمّ كل عبد من الناس من مؤمن وكافر إذ الجميع يخافون العذاب على العصيان، والعذاب متفاوت وأقصاه الخلود لأهل الشرك، وليس العباد هنا مراداً به أهل القرب لأنه لا يناسب مقام التخويف ولأن قرينة قوله: {عِبَادَهُ} تدل على أن المنادَيْن جميع العباد، ففرق بينه وبين نحو {أية : يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم}تفسير : [الزخرف: 68]. {يٰعِبَادِ فاتّقون} تفريع وتعقيب لِجملة {ذٰلِكَ يُخوّفُ الله بهِ عِبَادَه} لأن التخويف مؤذن بأن العذاب أعد لأهل العصيان فناسب أن يعقب بأمر الناس بالتقوى للتفادي من العذاب. وقدم النداء على التفريع مع أن مقتضى الظاهر تأخيره عنه كقوله تعالى: {أية : واتقون يا أولي الألباب}تفسير : في سورة [البقرة: 197] لأن المقام هنا مقام تحذير وترهيب، فهو جدير باسترعاء ألباب المخاطبين إلى ما سيرد من بعد من التفريع على التخويف بخلاف آية البقرة فإنها في سياق الترغيب في إكمال أعمال الحج والتزود للآخرة فلذلك جاء الأمر بالتقوى فيها معطوفاً بالواو. وحذفت ياء المتكلم من قوله: {يا عِبادِ} على أحد وجوه خمسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: {أية : لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 39] الآية، وذكرنا طرفاً من ذلك، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 8].
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰعِبَادِ} يَصِفُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ الخَاسِرِينَ وَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِيهَا، وَمِنْ فَوْقِهِمْ طَبَقَاتٌ مُتَرَاكِمَةٌ مِنَ النَّارِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَكَأَنَّهَا الظُّلَلُ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ طَبَقَاتٌ مِثْلُهَا، فَتَغْمُرُهُمْ النَّارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُخَوِّفَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ ذَلِكَ اليومِ، فَيَزْدَجِرَ العُقَلاَءُ عَنِ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَيَعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ، فَيَا عِبَادَ الله اتَّقُوا رَبَّكُمْ تَعَالَى، وَبَالِغُوا فِي الخَوْفِ والحَذَرِ، وَلاَ تَرْتَكِبُوا مَا يُسْخِطُ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ. ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ - أَطْبَاقٌ مِنْهَا مُتَرَاكِمَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يبين سبحانه عاقبة الكافرين، فيقول: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] كلمة ظلل جمع ظلة، وهي ما يُظِلُّ الإنسان، ويقيه حرارة الشمس، ففي الظل يلتمس الإنسانُ الراحة وطراوةَ الهواء، أما هؤلاء فعليهم ظُلَل لا ظلة واحدة من النار، والنار لا تكون أبداً ظلة. إذن: هذا أسلوب تهكم بالكافرين، وليت هذه الظلل من جهة واحدة، إنما من فوقهم، ومن تحتهم، والإنسان عادة حينما يأتيه الشر من جهة ينأى إلى الجهة المقابلة، وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41]. إذن: فالنار محيطة بهم لا مهربَ منها، ولا مفرَّ {ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} [الزمر: 16] تأمل رحمة الله بعباده، حتى في مقام ذكر النار والعذاب، فالنار ليس المراد بها تعذيب الخَلْق، إنما تخويفهم وزَجْرهم حتى لا يقفوا هذا الموقف، ولا يتعرضوا لهذا العذاب، وأنت لا تصنع ذلك إلا مع مَنْ تحب، كما تُخوِّف ولدك من الرسوب، وتبين له عاقبة الإهمال، وما سيتعرض له من الذلة والإهانة والاحتقار، إنْ هو فشل في دراسته. إذن: حظه تعالى من ذكر النار أنْ يُخوّف بها، حتى لا يقع الخَلْق في الأسباب المؤدية إليها، والعاقل ساعة تخوفه يخاف، وساعة تزجره ينزجر ويرتدع، ويُعد هذا التخويف نعمةً من أعظم نعم الله عليه. وهذه المسألة واضحة في سورة الرحمن، فالذين يحاولون أنْ يستدركوا على كلام الله يقولون: من المناسب للمعنى أنْ تختم الآيات التي تذكر النعم بقوله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 13]. كما في قوله سبحانه {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 14-16] لكن، ما النعمة التي لا ينبغي أن نكذب بها في قوله: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} تفسير : [الرحمن: 35]. قالوا: هذا العذاب ليس هو الواقع إنما يذكره ليرهب به يعني: إنْ حدث منكما كذا وكذا يُرْسَل عليكما شُوَاظ من نار ونحاس فلا تنتصران، وكونه يرهب ويخوف بالعذاب قبل أنْ يأتي حينه فإنه يحدث عندي مانع ووقاية فلا أقترف أسباب هذا العذاب، بل أُلزم جانب الخوف من الله والتقوى. لذلك قال بعدها: {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} [الزمر: 16] أي: اجعلوا تخويفي لكم رحمة بكم لا إرهاباً لكم، والإنسان حين يوازن بين المسائل ويقارن بين حال أهل الجنة وحال أهل النار لا بُدَّ أنْ يرعوى، وأنْ يرجع إلى الجادة، وعندها يكون أهلاً لرحمة الله ومغفرته. إذن: من نعم الله علينا أنْ يُخوِّفنا، وأنْ يُحذِّرنا الشر قبل وقوعه، وألاَّ يأخذنا على غِرَّة، أو يتركنا في غفلة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):