Verse. 4077 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

اَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْہِ كَلِمَۃُ الْعَذَابِ۝۰ۭ اَفَاَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ۝۱۹ۚ
Afaman haqqa AAalayhi kalimatu alAAathabi afaanta tunqithu man fee alnnari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفمن حق عليه كلمة العذاب» أي: (لأملأن جهنم) «أفأنت تنقذ» تخرج «من في النار» جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر والهمزة للإنكار، والمعنى لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار.

19

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ } كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. وكرر الاستفهام في قوله: {أَفَأَنتَ} تأكيداً لطول الكلام، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ }تفسير : [المؤمنون: 35] على ما تقدّم. والمعنى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} أفأنت تنقذه. والكلام شرط وجوابه. وجيء بالاستفهام؛ ليدل على التوقيف والتقرير. وقال الفراء: المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب. والمعنى واحد. وقيل: إن في الكلام حذفاً والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه، وما بعده مستأنف. وقال: «أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ» وقال في موضع آخر: {أية : حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الزمر: 71] لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين الموصوف به حائل جاز التذكير والتأنيث، على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي بل الكلمة في معنى الكلام والقول؛ أي أفمن حق عليه قول العذاب.

البيضاوي

تفسير : {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ } جملة شرطية معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه، فكررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإِنكار والاستبعاد، ووضع {مَن فِى ٱلنَّارِ } موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه، وأن اجتهاد الرسل في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار، ويجوز أن يكون {أَفَأَنتَ } تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والإِشعار بالجزاء المحذوف. {لَـ&#16 48;كِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } علالي بعضها فوق بعض. {مَّبْنِيَّةٌ } بنيت بناء النازل على الأرض. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي من تحت تلك الغرف. {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدر مؤكد لأن قوله {لَهُمْ غُرَفٌ } في معنى الوعد. {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ } ولأن الخلف نقص وهو على الله محال. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً } هو المطر. {فَسَلَكَهُ } فأدخله. {يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } هي عيون ومجاري كائنة فيها، أو مياه نابعات فيها إذ الينبوع جاء للمنبع وللنابع فنصبها على الظرف أو الحال. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } أصنافه من بر وشعير وغيرهما، أو كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما. {ثُمَّ يَهِـيجُ } يتم جفافه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منبته. {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً } من يبسه. {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً } فتاتاً. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ } لتذاكيراً بأنه لا بد من صانع حكيم دبره وسواه، أو بأنه مثل الحياة الدنيا فلا تغتر بها. {لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} إِذْ لاَ يَتَذكر به غيرهم. {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } حتى تمكن فيه بيسر عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير متأبية عنه من حيث أن الصدر محل القلب المنبع للروح المتعلق للنفس القابلة للإِسلام. {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح، فقيل فما علامة ذلك قال: الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله»تفسير : وخبر {مِنْ} محذوف دل عليه {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } من أجل ذكره وهو أبلغ من أن يكون عن مكان من، لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبياً عن قبوله من القاسي عنه لسبب آخر، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده إلى الله وقابله بقساوة القلب وأسنده إليه. {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } يظهر للناظر بأدنى نظر، والآية نزلت في حمزة وعلي وأبي لهب وولده. {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } يعني القرآن، روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له حدثنا فنزلت. وفي الابتداء باسم الله وبناء نزل عليه تأكيد للإسناد إليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه. {كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً } بدل من {أَحْسَنُ } أو حال منه، وتشابهه تشابه أبعاضه في الإِعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى والدلالة على المنافع العامة. {مَّثَانِيَ } جمع مثنى أو مثنى أو مثن على ما مر في «الحجر»، وصف به كتاباً باعتبار تفاصيله كقولك: القرآن سور وآيات، والإِنسان: عظام وعروق وأعصاب، أو جعل تمييزاً من {مُّتَشَـٰبِهاً } كقولك: رأيت رجلاً حسناً شمائله. {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } تشمئز خوفاً مما فيه من الوعيد، وهو مثل في شدة الخوف واقشعرار الجلد تقبضه وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس بزيادة الراء ليصير رباعياً كتركيب أقمطر من القمط وهو الشد. {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } بالرحمة وعموم المغفرة، والإِطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته سبقت غضبه، والتعدية بـ {إِلَىٰ } لتضمين معنى السكون والاطمئنان، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها. {ذٰلِكَ } أي الكتاب أو الكائن من الخشية والرجاء. {هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء } هدايته. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } ومن يخذله. {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يخرجهم من الضلال.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: أفمن كتب الله أنه شقي، تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي: لا يهديه أحد من بعد الله؛ لأنه من يضلل الله، فلا هادي له، ومن يهده، فلا مضل له. ثم أخبر عز وجل عن عباده السعداء: أن لهم غرفاً في الجنة، وهي القصور، أي: الشاهقة {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في الجنة لغرفاً يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها» تفسير : فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام» تفسير : ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: حسن غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام» تفسير : تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» تفسير : قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: «حديث : كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم، وأخرجاه أيضاً في الصحيحين من حديث مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا فزارة، أخبرني فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع؛ في تفاضل أهل الدرجات» تفسير : فقالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله، وصدقوا الرسل» تفسير : ورراه الترمذي عن سويد عن ابن المبارك عن فليح به، وقال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين رضي الله عنهما: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قلنا: يا رسول الله إنا إذا رأيناك، رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك، أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا، لجاء الله عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهم» تفسير : قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاث لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم؛ تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السموات، ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» تفسير : وروى الترمذي وابن ماجه بعضه من حديث سعد أبي مجاهد الطائي، وكان ثقة، عن أبي المدله، وكان ثقة، به. وقوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: تسلك الأنهار من خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا {وَعْدَ ٱللَّهِ} أي: هذا الذي ذكرناه وعد وَعَدَه الله عباده المؤمنين، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } أي { أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ } تفسير : [119:11] الآية {أَفَأَنتَ تُنقِذُ } تخرج {مَن فِى ٱلنَّارِ } جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر والهمزة للإِنكار، والمعنى لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار.

ابن عطية

تفسير : أسقط العلامة التي في الفعل المسند إلى الكلمة لوجهين: أحدهما الحائل الذي بين الفعل والفاعل، ولو كان متصلاً به لم يحسن ذلك، والثاني أن الكلمة غير مؤنث حقيقي، وهذا أخف وأجوز من قولهم: حضر القاضي يوماً امرأة، لأن التأنيث هنا حقيقي. وقالت فرقة: في هذا الكلام محذوف أختصره لدلالة الظاهر عليه تقديراً: {أفمن حق عليه كلمة العذاب} تتأسف أنت عليه أو نحو هذا من التقدير، ثم استأنف توقيف النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يريد أن ينقذ من في النار، أي ليس هذا إليك. وقالت فرقة: الألف في قوله: {أفأنت} إنما هي مؤكدة زادها لطول، وإنما معنى الآية: "أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟" لكنه زاد الألف الثانية توكيداً للأمر، وأظهر الضمير العائد تشهيراً لهؤلاء القوم وإظهاراً لخسة منازلهم، وهذا كقول الشاعر [عدي بن زيد العبادي]: [الخفيف] شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء تفسير : فإنما أظهر الضمير تنبيهاً على عظم الموت، وهذا كثير، ثم استفتح إخباراً آخر بـ {لكن} وهذه معادلة وتخصيص على التقوى لمن فكر وازدجر. وقوله تعالى: {من تحتها} أي من تحت الغرف، وعادلت {غرف من فوقها غرف} ما تقدم من الظلل فوقهم وتحتهم. والغرف: ما كان من المساكن مرتفعاً عن الأرض، في الحديث: "حديث : إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الذي في الأفق" تفسير : . و: {وعدَ الله} نصب على المصدر، ونصبه إما بفعل مضمر من لفظه، وإما بما تضمن الكلام قبل من معنى الوعد على الاختلاف الذي للنحاة في ذلك. ثم وقف نبيه صلى الله عليه وسلم على معتبر من مخلوقاته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكل بشر داخل معه في معناه. وقال الطبري وغيره: أشار إلى ماء المطر، وقالوا: العيون منه، ودليل ذلك أنها تنماع عن وجوده وتيبس عند فقده. وقال الحسن بن مسلم بن يناق، والإشارة إلى العيون وليست العيون من المطر، ولكن ماؤها نازل من السماء. قال الشعبي: وكل ماء عذب في الأرض فمن السماء نزل. قال القاضي أبو محمد: والقولان متقاربان: و: {سلكه} معناه: أجراه وأدخله، ومنه قول الشاعر [البسيط] شعر : حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج تفسير : ومنه قول امرىء القيس: [السريع] وواحد الينابيع وهو العين بني لها بناء مبالغة من النبع. والزرع هنا واقع على كل ما يزرع. وقالت فرقة: {ألوانه} أعراضه من الحمرة والصفرة وغير ذلك. وقالت فرقة: {ألوانه} أنواعه من القمح والأرز. والذرة وغير ذلك. و: {يهيج} ييبس، هاج النبات والزرع إذا يبس، ومنه قول علي رضي الله عنه في الحديث الذي في غريب ابن قتيبة: ذمتي رهينة وأنا به زعيم. أي لا يهيج عن التقوى زرع قوم، ولا ييبس على التقوى سنخ أصل، والحديث. والحطام: اليابس المتفتت. ومعنى قوله: {لذكرى} أي للبعث من القبور وإحياء الموتى على ما يوجبه هذا المثال المذكور.

النسفي

تفسير : {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ } أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب أي وجب {أَفَأَنتَ } جملة شرطية دخلت عليها همزة الانكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف تقديره: أأنت مالك أمرهم؟ فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الانكار. ووضع {مَن فِى ٱلنَّارِ} موضع الضمير أي تنقذه، فالآية على هذا جملة واحدة، أو معناه: أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه، أفأنت تنقذه أي لا يقدر أحد أن ينقذ من أضله الله وسبق في علمه أنه من أهل النار {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } أي لهم منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها يعني للكفار ظلل من النار وللمتقين غرف {مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي من تحت منازلها {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ } وعد الله مصدر مؤكد، لأن قوله {لَهُمْ غُرَفٌ } في معنى وعدهم الله ذلك. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} يعني المطر. وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله {فَسَلَكَهُ } فادخله {يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد. و {يَنَابِيعَ } نصب على الحال أو على الظرف و {فِى ٱلأَرْضِ} صفة لـ {يَنَابِيعَ }. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ } بالماء {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض أو أصنافه من بن وشعير وسمسم وغير ذلك {ثُمَّ يَهِـيجُ } يجف {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً } بعد نضارته وحسنه {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً } فتاتاً متكسراً، فالحطام ما تفتت وتكسر من النبت وغيره {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } في إنزال الماء وإخراج الزرع {لَذِكْرَىٰ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ } أي وسع صدره {لِلإِسْلَـٰمِ } فاهتدى، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرح فقال:حديث : «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» فقيل: فهل لذلك من علامة؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت تفسير : {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبّهِ } بيان وبصيرة، والمعنى: أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه؟ فحذف لأن قوله {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } يدل عليه {مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي من ترك ذكر الله أو من أجل ذكر الله أي إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة كقوله {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }تفسير : [التوبة: 125] {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } غواية ظاهرة. {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } في إيقاع اسم {ٱللَّهِ } مبتدأ وبناء {نَزَّلَ } عليه تفخيم لأحسن الحديث {كِتَـٰباً } بدل من {أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } أو حال منه {مُّتَشَـٰبِهاً } يشبه بعضه بعضاً في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك {مَّثانِىَ} نعت {كِتَـٰباً} جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه، فهو بيان لكونه متشابهاً لأن القصص المكررة وغيرها لا تكون إلا متشابهة. وقيل: لأنه يثنّى في التلاوة فلا يمل. وإنما جاز وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات؟ فكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات. أو منصوب على التمييز من {مُّتَشَـٰبِهاً } كما تقول: رأيت رجلاً حسناً شمائل، والمعنى متشابهة مثانية {تَقْشَعِرُّ } تضطرب وتتحرك {مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } يقال: اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً. والمعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، وفي الحديث «حديث : إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» تفسير : {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة. وعُدي بـ «إلى» لتضمنه معنى فعل متعد بـ «إلى» كأنه قيل: اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة. واقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة، لأن رحمته سبقت غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر بالبال إلا كونه رءوفاً رحيماً. وذكرت الجلود وحدها أولاً ثم قرنت بها القلوب ثانياً لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب {ذٰلِكَ } إشارة إلى الكتاب وهو {هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ} من عباده وهو من علم منهم اختيار الاهتداء {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } يخلق الضلالة فيه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } إلى الحق. {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره وسوء العذاب شدته، ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفاً من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ } أي تقول لهم خزنة النار {ذُوقُواْ } وبال {مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي كسبكم {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قريش {فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بيناهم آمنون إذ فوجئوا من مأمنهم {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ } الذل والصغار كالمسخ والخسف والقتل والجلاء ونحو ذلك من عذاب الله { فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبْرُ} من عذاب الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لآمنوا. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ليتعظوا {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } حال مؤكدة كما تقول: جاءني زيد رجلاً صالحاً وإنساناً عاقلاً، فتذكر رجلاً أو إنساناً توكيداً، أو نصب على المدح {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } مستقيماً بريئاً من التناقض والاختلاف. ولم يقل «مستقيماً» للإشعار بأن لا يكون فيه عوج قط. وقيل: المراد بالعوج الشك {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الكفر. {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً } بدل {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ } متنازعون ومختلفون {وَرَجُلاً سَلَماً } مصدر سلم والمعنى ذا سلامة {لِرَجُلٍ } أي ذا خلوص له من الشركة. {سالماً} مكي وأبو عمرو أي خالصاً له {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} صفة وهو تمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقريء {مثلين}. { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } الذي لا إله إلا هو {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيشركون به غيره. مثل الكافر ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف، وكل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع وقلبه أوزاع، والمؤمن بعبد له سيد واحد فهّمه واحد وقلبه مجتمع {إِنَّكَ مَيِّتٌ} أي ستموت {وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} وبالتخفيف من حل به الموت، قال الخليل أنشد أبو عمرو: شعر : وتسألني تفسير ميت وميّت فدونك قد فسرت إن كنت تعقلُ فمن كان ذا روح فذلك ميت وما الميت إلا من إلى القبر يحملُ تفسير : كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني، وعن قتادة: نعى إلى نبيه نفسه ونعى إليكم أنفسكم أي إنك وإياهم في عداد الموتى لأن ما هو كائن فكأن قد كان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ} قالت فرقةٌ: معنى الآيةِ: أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ؛ تَوْكِيداً، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيراً لهؤلاءِ القَومِ وإظهاراً لِخِسَّةِ منازِلهم. وقوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} الآية مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوَىٰ، وعَادَلَتْ {غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلَلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ، ثُمَّ وَقَفَ تَعالَىٰ نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً...} الآية، قال الطبريُّ: الإشارةُ إلى ماءِ المطرِ ونَبْعِ العيونِ منه، {فَسَلَكَهُ} معناه: أجْرَاهُ وأدْخَلَهُ في الأرضِ، و{يَهِـيجُ} معناه: يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ: إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ: اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى «لَذِكْرَىٰ» أيْ: للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتَىٰ؛ على قياسِ هذا المِثَالِ المذكورِ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ} في "من" هذه وجهان: أظهرهما: أنها موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره محذوف فقدره أبو البقاء: "كَمَنْ نَجَا". وقدره الزمخشري: "فَأَنْتَ تُخَلِّصُهُ" قال: حذف لدلالة: "أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ" عليه وقدره غيره: تَتَأَسَّفُ عليه، وقدره آخرون: تَتَخَلّص منه، أي من العذاب. وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء تقديره، أَأَنْتَ مَالِكُ أَمْرِهِمْ فَمَن حَقّ عليه كملة العذاب؟ وأما غيره فيدعي أن الأصل تقديم الفاء، وإنما آخّرت لما تستحقه الهمزة من التصدير. وقد تقدم تحقيق هذين القولين. الثاني: أن تكون "مَنْ" شرطية وجوبها: "أَفَأَنْتَ" فالفاء فاء الجواب دخلت على جملة الجزاء، وأعيدت الهمزة لتوكيد معنى الإنكار. وأوقع الظاهر وهو "مَنْ فِي النَّار" موقع المضمر إذ كان الأصل أفأنت تنقذه وإنما وقع موقعه شهادةً عليه بذلك، وإلى هذا نَحَا الحَوْفِيُّ والزمخشريُّ، قال الحوْفي: وجيء بألف الاستفهام لمّا طال الكلام توكيداً ولولا طولُه لم يجز الإتيان بها لأنه لا يصلح في العربية أن يؤتى بألف الاستفهام في الاسم، وألف أخرى في الجزاء ومعنى الكلام أفَأَنْت تُنْقِذُهُ. وعلى القول بكونها شرطية يترتّب على قول الزمخشري وقول الجمهور مسألة وهو أنه على قول الجمهور يكون قد اجتمع شرط واستفهام. وفيه حينئذ خلافٌ بين سِيبويِه ويُونُسَ هل الجملة الأخيرة في جواب الاستفهام وهو قول يونس أو جواب الشرط وهو قول سيبويه. وأما على قول الزمخشري فلم يجتمع شَرْطٌ (و) استفهام؛ إذ أداةُ الاستفهام عنده داخلةٌ على جملةٍ مَحْذُوفةٍ عطفت عليها جملة الشرط ولو لم يدخل على جملة الشرط. وقوله: "أَفَأَنتَ تُنْقِذُ" استفهام توقيف، وقدم فيها الضميرُ إشعاراً بأنك لستَ قادراً على إنقاذه إنما القَادِرُ عليه اللَّهُ وَحْدَهُ. فصل قال ابن عباس: معنى الآية من سبق في علم الله أنه في النار. وقيل كلمة العذاب قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:119]. وقيل: هي قوله: "هَؤُلاَءِ فِي النَّارِ وَلاَ أُبالي". فصل احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال بقوله: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} فإذا حقت كلمة العذاب عليه امتنع منه فعل الإيمان والطاعة وإلاّ لزم (انقلاب) خبر الله الصدق كذباً وانقلاب علمه جهلاً، وهو محالٌ، وأيضاً فإنه تعالى حكم بأن حقية كلمة العذاب (توجب الاستنكار التام من صدور الإيمان والطاعة منه لو كان ذلك ممكناً ولم تكن حقية كلمة العذاب) مانعة منه لم يبق لهذا الاستنكار والاستبعاد معنًى. فصل احتج القاضي بهذه الآية على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشفع لأهل الكبائر لأنه حق عليهم العذاب فتلك الشفاعة تكون جاريةً مجرى إنقاذهم من النار وأن الله تعالى حكم عليهم بالإنكار والاستبعاد، وأجيب: بأنا لا نسلم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب وكيف يحق عليهم العذاب مع أن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء:116] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر:53]. قوله: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ} استدراك بين شيئين نقيضين، أو (بين) ضدين، وهما المؤمنون والكافرون وقوله: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} وهذا كالمقابل لما ذكر في وصف الكفار: "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل". والمعنى لهم منازل في الجنة رفعية، وفوقها منازل أرفع منها. فإن قيل: ما معنى قوله "مبنية"؟ فجوابه: أن المَنْزِل إذا بُني على مَنْزِلٍ آخر كان الفَوْقَاني أضعف بناءً من التَّحْتَانِيّ، فقوله "مبنيةٌ" معناه أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساوٍ المنزل الأسفل، ثم قال: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وذلك معلوم. قوله: "وَعْدَ اللَّهِ" مصدر مؤكد لمضمون الجملة فهو منصوب بواجب الإضمار لأن قوله: "لَهُمْ غُرَفٌ" في معنى وَعَدَهُم اللَّهُ ذلك، وفي الآية دقيقة شريفة وهي أنه تعالى في كثير من آيات الوعد يصرح بأن هذا وعد الله وأنه لا يخلف وعده ولم يذكر في آيات الوعيد البتة مثل هذا التأكيد والتقوية، وذلك يدل أنّ جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد بخلاف قول المعتزلة إنه قال في جانب الوعيد {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق:29] وأجيبوا بأن قوله: "ما يبدل القول لدي" ليس تصريحاً بجانب الوعيد بل هو عام يتناول القِسْمَيْن الوعد والوعيد فثبت أن الترجيح الذي ذكرنا حق. والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{‏لهم غرف من فوقها غرف‏}‏ قال‏:‏ علالي‏.

القشيري

تفسير : الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ العذابِ فريقان: فريقٌ حقت عليهم كلمةٌ بعذابهم في النار، وفريقٌ حقت عليهم كلمةُ العذابِ بالحجاب اليومَ، فهم اليومَ لا يخرجون عن حجاب قلوبهم، ولا يكون لهم بهذه الطريقة إيمان - وإن كانوا من أهل الإيمان.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار} بيان لاحوال العبدة الطاغوت بعد بيان احوال المجتنبين عنها. والهمزة للاستفهام الانكارى والفاء للعطف على محذوف دل عليه الكلام ومن شرطية والمفهوم من كشف الاسرار وتفسير الكاشفى كونها موصولة وحق بمعنى وجب وثبت وكلمة العذاب قوله تعالى لابليس {أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين} تفسير : وكررت الهمزة فى الجزاء لتأكيد الانكار والفاء فيه فاء الجزاء ثم وضع موضع الضمير من فى النار لمزيد تشديد الانكار والاستبعاد والتنبيه على ان المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع فى النار وان اجتهاده عليه السلام فى دعائهم الى الايمان سعى فى انقاذهم من النار اى تخليصهم فان الانقاذ التخليص من ورطة كما فى المفردات. والمعنى أانت يا محمد مالك امر الناس فمن حق اى وجب وثبت عليه من الكفار عدلا فى علم الله تعالى كلمة العذاب فانت تنقذه فالآية جملة واحدة من شرط وجزاء: وبالفارسية [آيا هركسى ياآنكسى كه واجب شد برو كلمه وعيد آيا تو اى محمد مى رهانى آنراكه دردوزخ باشد يعنى ميتوانى كه اورا مؤمن سازى وازعذاب باز رهانى يعنى اين كار بدست تو نيست كه دوزخيانرا بازرهانى همجوابولهب وبسرش عقبه وغير آن]. وفيه اشارة الى ان من حق عليه فى القسمة الاولى ان يكون مظهرا لصفات قهره الى الابد لا ينفعه شفاعة الشافعين ولا يخرجه من جهنم سخط الله وطرده وبعده جميع الانبياء والمرسلين وانما الشفاعة للمؤمنين بدليل قوله تعالى {أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها} تفسير : وحيث كان المراد بمن فى النار الذين قيل فى حقهم {أية : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} تفسير : استدرك بقوله تعالى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مَن}: شرطية، دخل عليها همزة الإنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة؛ ليتعلق الإنكار والنفي بمضمونها معاً، أي: أنت مالك أمر الناس، فمَنْ حَقَّ علية كلمة العذاب أفأنت تُنقذه، ثم كررت الهمزة في الجزاء؛ لتأكيد الإنكار، وتكريره، لَمّا طال الكلام، ثم وضع موضع الضمير "مَن في النار"؛ لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد، والتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار، ويجوز أن يكون الجزاء محذوفاً، دلّ عليه: {أفأنت تُنقذ}... الخ، أي: أفمن حقَّ عليه العذاب تنقذه أنت. يقول الحق جلّ جلاله: {أفمن حقّ عليه كلمةُ العذاب}. وهم عبَدَة الطاغوت ومتبعو خطواتها، كما يلُوح إليه التعبير عنهم بـ "مَن حق عليه كلمة العذاب"، فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 85]، وقوله تعالى: {أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأعراف: 18] أي: أفمن حقّت عليه كلمة الشقاء، تقدر أن تهديه وتُنقذه من الكفر، الذي هو سبب النار؟ أو: تقول: المحكوم عليه بالنار بمنزلة الداخل فيها، فاجتهاده صلى الله عليه وسلم في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار بعد الدخول فيها، وهو لا يفيد. فالمراد: تسكينه صلى الله عليه وسلم وتفريغه من الحرص عليهم. الإشارة: مَن سبق له الإبعاد لا يفيده الكد والاجتهاد، ومَن أسدل بينه وبينه الحجاب، لا يفيده إلا الوقوف بالباب، حتى يحنّ الكريمُ الوهاب، فإنّ العواقب في هذه الدار مبهمة، والأعمال بالخواتم. قال القشيري: والذين حقت عليهم كلمةُ العذاب، فإنهم اليوم اليوم لا يخرجون من حجاب قلوبهم. هـ. وبالله التوفيق. ولمَّا كان المراد بقوله: {أفأنت تُنقذ مَن في النار} هم الذين قيل في حقهم: {أية : لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر: 16] استدرك عنهم أهل التقى، فقال: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ}.

الجنابذي

تفسير : {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} كهؤلاء المبشّرين او التّقدير خير ام هؤلاء المبشّرون؟ او التّقدير يتخلّص منه او الخبر فانت تنقذ من فى النّار بتقدير القول {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} يعنى انّ من حقّ عليه كلمة العذاب واقع فى النّار ليس لوقوعه فى النّار انتظار القيامة وليست بقادرٍ ان تنقذه منها فهذه الجملة كناية عن وقوعهم فى النّار ولذلك اتى فى جانب مقابليهم باداة الاستدراك كأنّه قال: ليس من حقّ عليه كلمة العذاب حالهم مثل من كان مبشّراً من الله فانّهم واقعون فى النّار فى هذه الحياة الدّانيّة فكيف بالحياة الآخرة.

اطفيش

تفسير : {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} لم يقل حقت لان تأنيث الفاعل مجازى وهو ظاهر لا ضمير وللفصل و (حق) بمعنى وجب وتقرر و (كلمة العذاب) ما سبق في علم الله من أنه من أهل النار. قاله ابن عباس؛ وقيل: كلمة العذاب {أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك} تفسير : وقيل: قوله (هؤلاء في النار ولا أبالي) والهمزة من جملة مدخولة الفاء وقدمت لتمام الصدر والفاء للعطف أو للاستئناف وذلك مذهب سيبويه والجمهور في الهمزة ومذهب الزمخشرى وغيره أن الهمزة محذوفة معطوف عليها بالفاء أي (أنت مالك أمرهم) ومن شرطية والفاء في قوله. {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النَّارِ} رابطة لجواب الشرط والهمزة قبلها زائدة لتوكيد الأولى وأصلها بعد الفاء و (من في النار) هو (من حق عليه كلمة العذاب) وأعاده ظاهراً للتوكيد والذم وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لتحقق وقوعه ولو أضمر على الأصل وقال (أفأنت تنقذه) لفات ذلك وفات الاعلام لأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم في دعائه الى الايمان سعى في انقاذهم من النار ويجوز تقدير متعلق (في النار) مستقبلاً أي من يدخل أو يثبت فى النار أو شبه استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا وفعل موجبه بدخول النار واجتهاده في الدعاء بانقاذهم من النار ويجوز أن يكون (أفأنت) مقدماً في النار ففيها دليل على الجواب أي (أفأنت تحصله) وعلى كل ففائدة (أفأنت تنقذ) الخ. مع ما مر أن الله هو الذي يقدر على الانقاذ أى الاخراج والتنجية لا يقدر غيره فلا تقدر على تحصيل الايمان له. وعن ابن عباس: المراد أبو لهب وولده.

اطفيش

تفسير : {أفمنْ حَقَّ عليه كلمةُ العَذاب} أى قضاءه، أو قوله: "أية : لأملأن جهنم" تفسير : [الأعراف: 18] الخ، وهم المخذلون ضد المهتدين المذكورين عليهم ضد ما لهم، نزلت الآية قيل فى أبى جهل ونحوه، والهمزة دخلت على محذوف عطف عليه الجملة بالفاء، أى أأنت تملك أمر الناس، فمن حقت عليه كلمة العذاب تنقذه فتنقذه الذى قدرت جواب من الشرطية، أو الهمزة مما بعد الفاء قدمت لتمام صدارتها، ورجحه ابن هشام، والحذف أولى لسلامته من ذلك، ولو انفرد به الزمخشرى فيما قيل، وتوبع، وقيل الجواب فى قوله تعالى: {أفأنْت تُنْقذ} من النار {مَنْ في النَّار} والأصل أفأنت تنقذه، وقدمت الهمزة لتمام صدارتها على فاء الجواب، وإذا قلنا بهذا، وقلنا همزة أفمن حق مما بعد الفاء كان من تأكيد الاستفهام، ولأن الأصل أن تدخل الهمزة على أداة الشرط، فتنسحب عليه وعلى الجواب، أو تدخل على الجواب، لأنه المقصود بالذات، والنار هى المحرقة. يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أقدر على إنقاذه" تفسير : وكذا إن قلنا النار بمعنى الأعمال الموجبة للنار، وهى سبب للنار، والنار لازمة لها، وهى ملزومة للنار، وتلك الأعمال هى الضلال، أفأنت تهدى الضال فى قضائه تعالى؟ يقول: لا، والانقاذ ترشيح لهذا المجاز الارسالى، لأن الانقاذ من النار أظهر من الانقاذ من الضلال، أو المعنى أنهم استحقوا العذاب وهم فى الدنيا، وكأنهم فى نار يوم القيامة، وأبدل جهده فى دعائهم إبدالا شبيها بانقاذهم منها على الاستعارة المركبة.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ } بيان لأضداد المذكورين على طريقة الإجمال وتسجيل عليهم بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ومتبعو خطواتها كما يلوح به التعبير عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب فإن المراد بتلك الكلمة قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [ص: 85] والآية على ما قيل نزلت في أبـي جهل وأضرابه، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ومن شرطية على ما ذهب إليه الحوفي وغيره وجواب الشرط {فَأَنتَ تُنقِذُ } الخ والهمزة قبله لاستطالة الكلام على نحو قوله: شعر : لقد علم الحزب اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها تفسير : لأن دخول الهمزة في الجواب أو الشرط كاف تقول: أإن أكرمك تكرمه كما تقول إن أكرمك أتكرمه ولا تكررها فيهما إلا للتأكيد لأن الجملتين أعني الشرط والجزاء بعد دخول الأداة مفردان والاستفهام إنما يتوجه على مضامين الجمل إذا كان المطلوب تصديقاً والإنكار المفاد بالهمزة متعلق بمضمون المعطوف والمعطوف عليه إلا أن المقصود في المعطوف إنكار الجزاء والتقدير أأنت مالك أمر الناس قادر على التصرف فيه فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه على معنى لست أنت مالك أمر الناس ولا أنت تقدر على الإنقاذ بل المالك والقادر على الإنقاذ هو الله عز وجل، وعدل عن فأنت تنقذه إلى ما في النظم الكريم لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد مع ما فيه من الإشارة إلى أنه نزل استحقاقهم للعذاب وهم في الدنيا المشعر به الشرط / منزلة دخولهم النار وأنه مثل حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم والاجتهاد في دعائهم إلى الإيمان بحال من يريد أن ينقذ من في النار منها. وفي «الحواشي الخفاجية» نقلاً عن السعد أن في هذه الآية استعارة لا يعرفها إلا فرسان البيان وهي الاستعارة التمثيلية المكنية لأنه نزل ما يدل عليه قوله تعالى: {أَفَمَنِ } الخ من استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار في الآخرة حتى يترتب عليه تنزيل بذله عليه الصلاة والسلام جهده في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار الذي هو من ملائمات دخول النار ثم قال: وقد عرفت من مذهبه أن قرينة المكنية قد تكون تحقيقية كما في نقض العهد انتهى فتأمل. وقيل: إن النار مجاز عن الضلال من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والإنقاذ بدل الهداية من ترشيح المجاز أو مجاز عن الدعاء للإيمان والطاعة وليس بذاك، وجوز أن يكون الجزاء محذوفاً وجملة {فَأَنتَ تُنقِذُ } الخ مستأنفة مقررة للجملة الأولى والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار. ولا فرق بين الوجهين في أن الفاء في الأولى للعطف على محذوف ولا في كون المعنى على تنزيل استحقاق العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار وتمثيل حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم بحال من يريد أن ينقذ من في النار منها، نعم الكلام على الأول جملة وعلى الثاني جملتان. واستظهر أبو حيان أن {مِنْ } موصولة مبتدأ والخبر محذوف، وحكى أن منهم من يقدره يتأسف عليه ومنهم من يقدره يتخلص منه ومنهم من يقدره فأنت تخلصه، ولا يخفى أن التقدير الأخير أولى، وذكر أن النحاة على أن الفاء في مثل هذا التركيب للعطف وموضعها قبل الهمزة لكن قدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام وقال: إن القول بأن كلاً منهما في مكانه قول انفرد به الزمخشري فيما علمنا وفي «المغني» ترجيح القول بأن الهمزة مقدمة من تأخير وعليه يقدر المعطوف عليه ما أنت مالك أمرهم أو ما أخبر الله تعالى به واقع لا محالة أو كل كافر مستحق للعذاب أو نحو ذلك مما يناسب المعنى المراد.

ابن عاشور

تفسير : لما أفاد الحصر في قوله: {أية : لهُم البُشْرىٰ}تفسير : [الزمر: 17] والحصران اللذان في قوله: {أية : أُولئِكَ الذينَ هداهُم الله وأُولئِكَ هم أُولو الألبابِ}تفسير : [الزمر: 18] أنّ من سواهم وهم المشركون لا بشرى لهم ولم يهدهم الله ولا ألباب لهم لعدم انتفاعهم بعقولهم، وكان حاصل ذلك أن المشركين محرومون من حسن العاقبة بالنعيم الخالد لحرمانهم من الطاعة التي هي سببه فُرع على ذلك استفهام إنكاري مفيد التنبيه على انتفاء الطماعية في هداية الفريق الذي حقت عليه كلمة العذاب، وهم الذين قُصد إقصاؤهم عن البشرى، والهدايةِ والانتفاعِ بعقولهم، بالقصر المصوغة عليه صِيَغ القصر الثلاث المتقدمة كما أشرنا إليه. وقَد جاء نظم الكلام على طريقة مبتكرة في الخبر المهتم به بأن يؤكد مضمونه الثابت للخبر عنه، بإثبات نقيضِ أو ضدِّ ذلك المضمون لضد المخبر عنه ليتقرر مضمون الخبر مرتين مرةً بأصله ومرة بنقيضه أو ضده، لضد المخبر عنه كقوله تعالى: {أية : هذا وإن للطاغين لشر مآب}تفسير : [ص: 55] عَقب قوله: {أية : هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب}تفسير : [ص: 49]. ويكثر أن يقع ذلك بعد الإِتيان باسم إشارة للخبر المتقدم كما في الآية المذكورة أو للمخبر عنه كما في هذه السورة في قوله آنفاً: {أية : أُولئِكَ الذين هداهُم الله}تفسير : [الزمر: 18] فإنه بعد أن أشير إلى الموصوفين مرتين فرع عليه بعده إثبات ضد حكمهم لمن هم متصفون بضد حالهم. وبهذا يَظهر حسن موقع الفاء لتفريع هذه الجملة على جملة {أية : أُولئك الذين هداهم الله وأُولئك هم أُولو الألبابِ}تفسير : [الزمر: 18] لأن التفريع يقتضي اتصالاً وارتباطاً بين المفرَّع والمفرّع عليه، وذلك كالتفريع في قول لبيد:شعر : أفتلك أم وحشيةٌ مَسْبُوعَة خَذَلت وهاديةُ الصِوار قِوامها تفسير : إذ فَرَّع تشبيهاً على تشبيه لاختلاف المشبه بهما. وكلمة {العذَابِ} كلام وعيد الله إياهم بالعذاب في الآخرة. ومعنى {حَقَّ} تحققت في الواقع، أي كانت كلمة العذاب المتوعَّد بها حقّاً غير كذب، فمعنى {حَقَّ} هنا تحقق، وحَقّ كلمة العذاب عليهم ضد هدي الله الآخرين، وكونُهم في النار ضد كون الآخرين لهم البشرى، وترتيبُ المتضادْين جرى على طريقة شِبه اللف والنشر المعكوس، نظير قوله تعالى:{أية : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم اللَّه على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 6، 7] إلى قوله: {أية : ولهم عذاب عظيم}تفسير : [البقرة: 7] بعد قوله: {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك} تفسير : [البقرة: 4] إلى قوله: {أية : أولئك على هدىٰ من ربهم وأولئك هم المفلحون}تفسير : [البقرة: 5]، فإن قوله: {ختم اللَّه على قلوبهم} ضد لقوله: {أولئك على هدى من ربهم} وقوله: {ولهم عذاب عظيم} ضد قوله: {وأولئك هم المفلحون}. و (مَن) من قوله تعالى: {أفَمن حقَّ عليهِ كلمةُ العذَابِ} روي عن ابن عباس أن المراد بها أبو لهب وولدُه ومن تخلف عن الإِيمان من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون (مَنْ) مبتدأ حذف خبره. والتقدير: تنقذه من النار، كما دل عليه ما بعده وتكون جملة {أفأنت تُنقِذُ من في النَّار} تذييلاً، أي أنت لا تنقذ الذين في النار. والهمزة للاستفهام الإِنكاري، والهمزة الثانية كذلك. وإحدَاهما تأكيد للأخرى التي قبلها للاهتمام بشأن هذا الاستفهام الإِنكاري على نحو تكرير (أَنَّ) في قول قس بن ساعدة:شعر : لقد علم الحَي اليمانُون أنني إذ قلت: أمّا بعد، أَني خطيبها تفسير : والذي درج عليه صاحب «الكشاف» وتبعه شارحوه أن (مَن) في قوله: {أفَمَنْ حَقَّ علَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ} شرطية، بناء على أن الفاء في قوله: {أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ} يحسن أن تكون لمعنى غيرِ معنى التفريع المستفاد من التي قبلها وإلا كانت مؤكدة للأولى وذلك ينقص معنىً من الآية. ويجوز أن تكون (مَن) الأولى موصولة مبتدأً وخبرُه {أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ}، وتكون الفاء في قوله: {أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ} مؤكدة للفاء الأولى في قوله: {أفَمَنْ حَقَّ} الخ فتكون الهمزة والفاء معاً مؤكدتين للهمزة الأولى والفاءِ التي معها لاتصالهما، ولأن جملة {أفأنْتَ تُنْقِذُ} صادقة على ما صدقت عليه جملة {أفَمَن حقَّ عليهِ كلِمَةُ العذَابِ}، ويكون الاستفهام الإِنكاري جارياً على غالب استعماله من توجهه إلى كلام لا شرط فيه. وأصل الكلام على اعتبار (مَن) شرطية: أَمَن تَحْقُق عليه كلمة العذاب في المستقبل، فأنت لا تنقذه منه فتكون همزة {أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ} للاستفهام الإنكاري وتكون همزة {أفَمَن حقَّ عليه كلِمَةُ العَذَابِ} افتُتح بها الكلام المتضمن الإِنكار للتنبيه من أول الأمر على أن الكلام يتضمن إنكاراً، كما أن الكلام الذي يشتمل على نفي قد يفتتحونه بحرف نفي قبل أن ينطقوا بالنفي كما في قول مسلم بن معبد الوالبي من بني أسد:شعر : فلاَ والله لا يُلفَى لما بي ولا لِما بهم أبداً دَواء تفسير : ويفيد ذكرها توكيدَ مُفاد همزة الإِنكار إفادةً تبعية. وأصل الكلام على اعتبار (مَن) الأولى موصولة: الذين تَحِقّ عليهم كلمة العذاب أنت لا تنقذهم من النار، فتكون الهمزة في قوله: {أفَمَن حقَّ عليه كلِمَةُ العَذَابِ} للاستفهام الإِنكاري وتكون همزة {أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ} تأكيداً للهمزة الأولى. و {مَن} من قوله: {مَن في النَّارِ} موصولة. و{مَن في النَّارِ} هم من حقّ عليهم كلمة العذاب لأن كلمة العذاب هي أن يكونوا من أهل النار فوَقَع إظهار في مقام الإِضمار، والأصل: «أفأنْتَ تُنقِذُه مَن النَّارِ». وفائدة هذا الإِظهار تهويل حالتهم لما في الصلة من حَرف الظرفية المصوِّر لحالة إحاطة النار بهم، أي أفأنت تريد إنقاذهم من الوقوع في النار وهم الآن في النار لأنه محقق مصيرهم إلى النار، فشبه تحقق الوقوع في المستقبل بتحققه في الحال. وقد صرح بمثل هذا الخبر المحذوف في قوله تعالى: {أية : أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة}تفسير : في سورة [فصلت: 40] وقوله: {أية : أفمن يمشي مُكِباً على وجهِهِ أهدى أمَّن يَمشي سَوياً على صِراطٍ مُستَقيم}تفسير : في سورة [الملك: 22]. والاستفهام تقريري كناية عن عدم التساوي بين هذا وبين المؤمن. وكلمة {العَذَابِ} هي كلام الله المقتضي أن الكافر في العذاب، أي تقديرُ الله ذلك للكافر في وعيده المتكرر في القرآن. وتجريد فعل {حَقَّ} من تاء التأنيث مع أن فاعله مؤنث اللفظ وهو {كلمة}، لأن الفاعل اكتسب التذكير مما أضيف هو إليه نظراً لإِمكان الاستغناء عن المضاف بالمضاف إليه، فكأنه قيل: أفمن حق عليه العذاب. وفائدة إقحام {كَلِمَةُ} الإِشارة إلى أن ذلك أمر الله ووعيده. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في {أفأنْتَ تُنْقِذُ} مفيد لتقوّي الحكم وهو إنكار أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بتكرير دعوته يخلصهم من تحقق الوعيد أو يُحصل لهم الهداية إذا لم يقدرها الله لهم. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تهويناً عليه بعض حرصه على تكرير دعوتهم إلى الإِسلام، وحزنَه على إعراضهم وضلالهم، وإلا فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يظن أنه ينقذهم من وعيد الله، ولذلك اجتلب فعل الإِنقاذ هنا تشبيهاً لحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هدْيهم وبلوغ جهده في إقناعهم بتصديق دعوته، وحالِهم في انغماسهم في موجبات وعيدهم بحال من يحاول إنقاذ ساقط في النار قد أحاطت النار بجوانبه استحقاقاً قضى به من لا يُردّ مرادُه، فحالهم تشبه حال وقوعهم في النار من الآن لتحقق وقوعه، وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها، ورمز إلى معناه بذكر شيء من ملائمات ذلك المركب المحذوف وهو فعل {تُنْقِذُ مَن في النَّارِ} الذي هو من ملائمات وقوعهم في النار على طريقة التمثيل بالمكنية، أيْ إجراء الاستعارة المكنية في المركب، ويكون قوله: {تُنْقِذُ مَن في النَّارِ} قرينة هذه المكنية وهو في ذاته استعارة تحقيقية كما في قوله تعالى: {أية : ينقضون عهد اللَّه}تفسير : [البقرة: 27]. وهذا مما أشار إليه «الكشاف» وبينه التفتزاني فيُعدّ من مبتكرات دقائق أنظارهما، وبه يتم تقسيم الاستعارة التمثيلية إلى قسمين مصرحة ومكنية. وذلك كان مغفولاً عنه في علم البيان وبهذا تعلم أن الإِنقاذ أطلق على الإِلحاح في الإِنذار من إطلاق اسم المُسبب على السبب، وأن مَن في النار مَن هو صائر إلى النار، فلا متمسك للمعتزلة في الاستدلال بالآية على نفي الشفاعة المحمدية لأهل الكبائر؛ على أننا لو سلمنا أن الآية مسوقة في غرض الشفاعة فإنما نفت الشفاعة لأهل الشرك لأن مَن في النار يحتمل العهد وهم المتحدث عنهم في هذه الآية. ولا خلاف في أن المشركين لا شفاعة فيهم قال تعالى: {أية : فما تنفعهم شفاعة الشافعين}تفسير : [المدثر: 48]، على أن المنفي هو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم منقذاً لمن أراد الله عدمَ إنقاذه، فأما الشفاعة فهو سؤال الله أن ينقذه. وقد اشتملت هذه الآية على نكت بديعة من الإِعجاز إذ أفادت أن هذا الفريق من أهل الشرك الذين يكمن الكفر في قلوبهم حقت عليهم كلمة الله بتعذيبهم فهم لا يؤمنون، وأن حالهم الآن كحال من وقع في النار فهو هالك لا محالة، وحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هديهم كحال من رأى ساقطاً في النار فاندفع بدافع الشفقة إلى محاولة إنقاذه ولكنه لا يستطيع ذلك فلذلك أنكرت شدة حرصه على تخليصهم فكان إيداع هذا المعنى في جملتين نهاية في الإِيجاز مع قرنه بما دَل عليه تأكيد الهمزة والفاء في الجملة الثانية من الإِطناب في مقام الصراحة. ثم بما أودع في هاتين الجملتين من الاستعارة التمثيلية العجيبة بطريق المكنية ومن الاستعارة المصرحة في قرينة المكنية. وحاصل نظم هذا التركيب: أفمن حقّ عليه كلمة العذاب فهو في النار أفأنت تنقذه وتنقذ من في النار. وقد أشار إلى هذه الحالة الممثلة في هذه الآية حديث أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعل الفَراش وهذه الدوابُ التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلِبْنَه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحُجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها".

الشنقيطي

تفسير : أظهر القولين في الآية الكريمة، أنهما جملتان مستقلتان، فقوله أفمن حق عليه كلمة العذاب جملة مستقلة، لكن فيها حذفاً، حذف ما دل المقام عليه واضح، لا إشكال فيه. والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب، تخلصه أنت منه، والاستفهام مضمن معنى النفي، أي لا تخلص أنت با نبي أحداً سبق في علم الله أنه يعذبه من ذلك العذاب، وهذا المحذوف دل عليه قوله بعده: {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} وقد قدمنا مراراً قولي المفسرين في أداة الاستفهام المقترنة بأداة عطف كالفاء والواو وثم كقوله: هنا: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ} وقوله: {أَفَأَنتَ تُنقِذُ}. أما القول بأن الكلام جملة واحدة شرطية، كما قال الزمخشري: أصل الكلام: أمن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه جملة شرطية، دخل عليها همزة الإنكار، والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع من في النار موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة، فإنه لا يظهر كل الظهور. واعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة يس في الكلام على قوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} تفسير : [يس: 7] الآية، وبينا دلالة الآيات على المراد بكلمة العذاب.

د. أسعد حومد

تفسير : (19) - أَفَمَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ، هَلْ تَقْدِرُ أَنْتَ أَنْ تُنْقِذَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الضَّّّلاَلَةِ والهَلَكَةِ؟ إِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ هِدَايَةَ الخَلْقِ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى إِنْقَاذِ أحدٍ مِنَ النَّارِ، بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ لَهُ العُقُوبَةُ. حَقَّ عَلَيْهِ - وَجَبَ وَثَبَتَ عَلَيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كان النبي صلى الله عليه وسلم مُحباً لأمته، حريصاً على هدايتهم والأخْذ بأيديهم، وكان يؤلمه أنْ يشذ واحد منهم عن منهجه أو يعانده، والقرآن الكريم يعرض لنا هذه المسألة في أكثر من موضع، ففي سورة الشعراء: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. وفي الكهف: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. وقال {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ..} [فاطر: 8]. فالحق سبحانه يُسلِّي رسوله يقول له: يا محمد، لا تحزن على هؤلاء، لأنهم استحقوا العذاب، وحكم الله عليهم أنهم مُعذَّبون {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ..} [الزمر: 19] حق يعني: ثبت من الله، كما في قوله تعالى: {أية : حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13]. وما دام قد حقّ عليهم العذاب، فلماذا تحزن {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} [الزمر: 19] وأحقية كلمة العذاب هنا ليست قهْراً للعبد أنْ يفعل، إنما عِلْم أنه سيفعل كذا وكذا، فَعَلِمَ الله بما سيكون منهم وكتبه عليهم، فالأحقية هنا ليست أحقيةً كونية أرادها الخالق سبحانه، إنما لأنه سبحانه علم مُسْبقاً ما يختارون. وسبق أنْ تناولنا هذه المسألة في الكلام عن قوله تعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} تفسير : [المسد: 1-3] هذا حُكْم من الله على أبي لهب أنه سيَصْلَى ناراً ذات لهب، وقد جاء هذا الحكم وبلَّغه رسول الله، وسمعه أبو لهب وهو حَيٌّ يُرزق، أكان محمد صلى الله عليه وسلم يأمن أنْ يقف أبو لهب في محفل من القوم، ويقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، يقولها ولو نفاقاً، ويظهر أمام الناس على أنه مؤمن، وفي هذه الحالة يُكذِّب كلام الله؟ لقد كان أبو لهب كافراً، كما كان خالد وعمرو وعكرمة كافرين، وكان بإمكانه أنْ يؤمن كما آمنوا، لكن علم الله أنه لن يؤمن حتى بعد أن بلغه هذا المصير في قرآن معجز يحفظه مَنْ قاله ويُتْلَى إلى يوم القيامة، إذن: دلَّتْ هذه الآية على أن الله تعالى علم مُسْبقاً أنه لن يؤمن، ولم يقهره على ألاَّ يؤمن. فالحق سبحانه يقول لرسوله: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، لأن الله حكم عليهم لعلمه بما سيكون منهم، أنهم من أهل النار، فكيف تنقذهم، وقد حكم الله عليهم بذلك؟ ونلحظ في أسلوب الآية {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ..} [الزمر: 19] أن الفعل حَقَّ لم تلحقه علامة التأنيث، مع أن فاعله (كلمة) مؤنثة، قالوا: لأن المؤنث هنا غير حقيقي، فيجوز في الفعل عدم التأنيث. والاستفهام في {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ..} [الزمر: 19] يحتاج إلى خبر تقديره: أفمَنْ حَقَّ عليه كلمة العذاب، أتريد أن تنجيه أو تحميه منه، بأن تُلح عليه أن يؤمن، أتريد أنْ تنقذه من النار، وقد حكم الله عليه أنه من أهلها؟

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه وعناده وكفره، فإنه لا حيلة لك في هدايته، ولا تقدر تنقذ من في النار لا محالة. لكن الغنى كل الغنى، والفوز كل الفوز، للمتقين الذين أعد لهم من الكرامة وأنواع النعيم، ما لا يقادر قدره. { لَهُمْ غُرَفٌ } أي: منازل عالية مزخرفة، من حسنها وبهائها وصفائها، أنه يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، ومن علوها وارتفاعها، [أنها] ترى كما يرى الكوكب الغابر في الأفق الشرقي أو الغربي، ولهذا قال: { مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ } أي: بعضها فوق بعض { مَبْنِيَّةٌ } بذهب وفضة، وملاطها المسك الأذفر. { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } المتدفقة، المسقية للبساتين الزاهرة والأشجار الطاهرة، فتغل بأنواع الثمار اللذيذة، والفاكهة النضيجة. { وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } وقد وعد المتقين هذا الثواب، فلا بد من الوفاء به، فليوفوا بخصال التقوى، ليوفيهم أجورهم.