٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ} لما بيّن أن للكفار ظُلَلا من النار من فوقهم ومن تحتهم بيّن أن للمتقين غرفاً فوقها غرف؛ لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضاً و«لَكِن» ليس للاستدراك؛ لأنه لم يأت نفي كقوله: ما رأيت زيداً لكن عمراً، بل هو لترك قصة إلى قصة مخالفة للأولى كقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يأت. {غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} قال ابن عباس: من زبرجد وياقوت {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي هي جامعة لأسباب النزهة. {وَعْدَ ٱللَّهِ} نصب على المصدر؛ لأن معنى «لَهُمْ غُرَفٌ» وعدهم الله ذلك وعداً. ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد الله. {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} أي ما وعد الفريقين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } بأن أطاعوه {لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ } أي من تحت الغرف الفوقانية والتحتانية {وَعْدَ ٱللَّهِ } منصوب بفعله المقدّر {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ } وعده.
البقاعي
تفسير : ولما بين أن من عبد الأنداد هالك لخروجه عن دائرة العقل بجرأة وعدم تدبير، بين ما لأضدادهم، فقال صارفاً القول عن الاسم الأعظم إلى وصف الإحسان إشارة إلى كرم المتقين بما لهم من إصالة الرأي التي أوجبت خوفهم مع تذكر الإحسان ليدل على أن خوفهم عند تذكر الانتقام أولى: {لكن الذين اتقوا ربهم} أي جعلوا بينهم وبين سخط المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكنة، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه {لهم غرف} أي علالي من الجنة يسكنونها في نظير ظلل الكفار. ولما كانت الغرف في قرار تقر به العيون لم يقل "من فوقهم" كما قال في أهل النار وقال: {من فوقها غرف} أي شديدة العلو. ولما كان ربما ظن أن الطبقة الثانية السماء، لأن الغرفة أصلها العالي، ولذلك سميت السماء السابعة غرفة، وأن تكون الغرفة مثل ظلل النار ليس لها قرار، قال تحقيقاً للحقيقة مفرداً كما هو المطرد في وصف جمع الكثرة لما يعقل: {مبنية}. ولما كانت المنازل لا تطيب إلا بالماء، وكان الجاري أشرف وأحسن قال: {تجري من تحتها} أي الغرف من الطبقة السفلى والطبقة العليا من غير تفاوت بين العلو والسفل، لأن القدرة صالحة لأكثر من ذلك {الأنهار}. ولما ذكر يوم القيامة وما يكون فيه، بين أنه أمر لا بد منه بقوله، راداً السياق إلى الاسم الأعظم الذي لا يتصور مع استحضار ما له من الجلال إخلاف: {وعد الله} مؤكداً لمضمون الجملة بصيغة المصدر الدال على الفعل الناصب له، وهو واجب الإضمار والإضافة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، ثم أتبع ذلك بيان ما يلزم من كونه وعده بقوله على سبيل النتيجة: {لا يخلف الله} أي الملك الذي لا شريك له يمنعه من شيء يريده. ولما كان الرعي لزمان الوعد ومكانه إنما يكون للمحافظة عليه فهو أبلغ من رعيه نفسه، عبر بالمفعال فقال: {الميعاد *} لأنه لا سبب أصلاً يحمله على الإخلاف. ولما أخبر سبحانه بقدرته على البعث، دل عليها بما يتكرر مشاهدته من مثلها، وخص المصطفى صلى الله عليه وسلم بالخطاب حثاً على تأمل هذا الدليل تنبيهاً على عظمته فقال مقدراً: {ألم تر} أي مما يدلك على قدرته سبحانه على إعادة ما اضمحل وتمزق، وأرفت وتفرق: {أن الله} أي الذي له كل صفة كمال {أنزل من السماء} أي التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهره على ذلك {ماء} كما تشاهدونه في كل عام {فسلكه} أي في خلال التراب حال كونه {ينابيع} أي عيوناً فائرة {في الأرض} فقهره على الصعود بعد أن غيبه في أعماقها بالفيض والصوب بعد أن كان قسره على الانضباط في العلو ثم أكرهه على النزول على مقدار معلوم وكيفية مدبرة وأمر مقسوم، قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض من السماء ينزل إلى الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا. ولما كان إخراج النبات متراخياً عن نزول المطر، عبر بثم، وفيها أيضاً تنبيه على تعظيم الأمر فيما تلاها بأنه محل الشاهد فقال: {ثم يخرج} أي والله {به} أي الماء {زرعاً} ولما كان اختلاف المسبب مع اتحاد السبب أعجب في الصنعة وأدل على بديع القدرة، قال: {مختلفاً ألوانه} أي في الأصناف والكيفيات والطبائع والطعوم وغير ذلك مع اتحاد الماء الذي جمعه من أعماق الأرض بعد أن تفتت فيها وصار تراباً. ولما كان الإيقاف بعد قوة الإشراف دالاً على القهر ونفوذ الأمر، قال إشارة إلى أن الخروج عن الحد غير محمود في شيء من الأشياء فإنه يعود عليه النقص {ثم يهيج} وزاد في تعظيم هذا المعنى للحث على تدبره بإسناده إلى خير الخلق صلى الله عليه وسلم فقال: {فتراه} أي فيتسبب عن هيجه وهو شدة ثورانه في نموه بعد التمام بتوقيع الانصرام أنك تراه {مصفراً} آخذاً في الجفاف بعد تلك الزهرة والبهجة والنضرة. ولما كان السياق لإظهار القدرة التامة، عبر بالجعل مسنداً إليه سبحانه بخلاف آية الحديد التي عبر فيها بالكون لأن السياق ثَم لأن الدنيا عدم فقال: {ثم يجعله حطاماً} أي مكسراً مفتتاً بالياً. ولما تم هذا المنوال البديع الدال بلا شك لكل من رآه على أن فاعله قادر على الإعادة لما يريد بعد الإبادة، كما قدر على الإيجاد من العدم والإفادة لكل ما لم يكن، قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن إنكارهم غاية في الحمق والجمود: {إن في ذلك} أي التدبير على هذا الوجه {لذكرى} أي تذكيراً عظيماً واضحاً على البعث وما يكون بعده، فإن النبات كالإنسان سواء، يكون ماء، ثم ينعقد بشراً، ثم يخرج طفلاً، ثم يكون شاباً، ثم يكون كهلاً، ثم شيخاً ثم هرماً، ثم تراباً مفتتاً في الأرض، ثم يجمعه فيخرجه كما أخرج الماء النبات: {لأولي الألباب *} أي العقول الصافية جداً كما نبه عليه بخصوص الخطاب في أول هذا الباب للمنزل عليه هذا الكتاب، وأما غيره وغير من تبعه بإحسان فهم كبهائم الحيوان. ولما كان الذي قرر به أمراً فيما يظنه السامع ظاهراً كما كان جديراً بأن ينكر بعض الواقفين مع الظواهر تخصيص الألباء به، سبب عن ذلك الإنكار في قوله: {أفمن شرح الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {صدره للإسلام} أي للانقياد للدليل، فكان قلبه ليناً فانقاد للإيمان فاهتدى لباطن هذا الدليل {فهو} أي فيتسبب عن إسلام ظاهره وباطنه للداعي أن كان {على نور} أي بيان عظيم بكتاب، به يأخذ، وبه يعطي، وإليه في كل أمر ينتهي قد استعلى عليه فهو كأنه راكبه، يصرفه حيث يشاء، وزاد في بيان عظيم هدايته بلفت القول إلى مظهر الإحسان فقال: {من ربه} أي المحسن إليه إحسانه في انقياده، فبشرى له فهو على صراط مستقيم، كمن جعل صدره ضيقاً حرجاً فكان قلبه قاسياً، فكان في الظلام خابطاً، فويل له - هكذا كان الأصل ولكن قيل: {فويل للقاسية قلوبهم} أي لضيق صدورهم، وزاد في بيان ما بلاهم به من عظيم القسوة بلفت القول إلى الاسم الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فقال: {من ذكر الله} فإن من تبتدئ قسوته مما تطمئن به القلوب وتلين له الجلود، من مدح الجامع لصفات الكمال فهو أقسى من الجلمود. ولما كان من رسم بهذا الخزي أخسر الناس صفقة أنتج وصفه قوله تعالى: {أولئك} أي الأباعد الأباغض {في ضلال مبين *} أي واضح في نفسه موضح أمره لكل أحد، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الشرح والنور دليلاً على حذف ضده ثانياً، وثانياً الويل للقاسي والضلال دليلاً على حذف ضده أولاً - روى البيهقي في الشعب والبغوي من طريق الثعلبي والحكيم الترمذي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنهحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، قال: فقلنا: يا رسول الله! كيف انشراح صدورهم؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح, قلنا: يا رسول الله؟ فما علاقة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموتتفسير : . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: والنور الذي من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك لا وجد ولا قصد، ولا قرب ولا بعد، كلا بل هو الله الواحد القهار، وذلك كما قيل: المؤمن بقوة عقله يوجب استقلاله بعلمه إلى أن يبدو ومنه كمال تمكنه من وقادة بصيرته، ثم إذا بدا له لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مقمرة، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة، فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار تلك الكواكب. ولما كان من المستبعد جداً أن يقسو قلب من ذكر الله، بينه الله وصوره في أعظم الذكر فإنه كان للذين آمنوا هدى وشفاء، وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وفي أبصارهم عمى، فقال مفخماً للمنزل بجعل الاسم الأعظم مبتدأ وبناء الكلام عليه: {الله} أي الفعال لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال {نزّل} أي بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة {أحسن الحديث} وأعظم الذكر، ولولا أنه هو الذي نزله لما كان الأحسن، ولقدر - ولو يوماً واحداً - على الإتيان بشيء من مثله، وأبدل من "أحسن" قوله: {كتاباً} أي جامعاً لكل خير {متشابهاً} أي في البلاغة المعجزة والموعظة الحسنة، لا تفاوت فيه أصلاً في لفظ ولا معنى، مع كونه نزل مفرقاً في نيف وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في التهذيب سواء اتحد زمانه أو لا، والاختلاف في المختلف في الزمان أكثر، ولم يقل: مشتبهاً، لئلا يظن أنه كله غير واضح الدلالة لا يمدح به. ولما كان مفصلاً إلى سور وآيات وجمل، وصفه بالجمع في قوله: {مثاني} جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام والحكم، مختلفة البيان في وجوه من الحكم، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات، من غير اختلاف أصلاً في أصل المعنى، ولا يمل من تكراره، وترداد قراءته وتأمله واعتباره، مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده: المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والرحمة العامة والرحمة الخاصة، والجنة والنار، والنعيم والشقاء والضلال والهدى، والسراء والضراء، والبشارة والنذارة، فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحاً إلا ثني بإفهام ما لضده تلويحاً، فكان مذكوراً مرتين، ومرغباً فيه أو مرهباً منه كرتين، ويجوز أن يكون التقدير: متشابهة مثانيه، فيكون نصبه على التمييز، وفائدة التكرير أن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عوداً على بدء لم يرسخ عندها ولم يعمل عمله، ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر قوله ثلاث مرات فأكثر. ولما كان التكرار يمل، ذكر أن من خصائص هذا الكتاب أنه يطرب مع التكرار، ويزداد حلاوة ولو ثنى آناء الليل وأطراف النهار، فقال: {تقشعر} أي تهتز وتتجمع وتتقبض تقبضاً شديداً، من القشع وهو الأديم اليابس، وزيد حرفاً لزيادة المعنى، واختير حرف التكرير إشارة إلى المبالغة فيه، وكونه حرف التطوير أشد للمناسبة {منه جلود} أي ظواهر أجسام {الذين يخشون} أي يخافون خوفاً شديداً ويلتذون لذة توجب إجلالاً وهيبة، فيكون ذلك سبب ذلك، وزاد في مدحهم بأنهم يخافون المحسن، فهم عند ذكر أوصاف الجلال أشد خوفاً، فلذلك لفت القول إلى وصف الإحسان فقال: {ربهم} أي المربي لهم والمحسن إليهم لاهتزاز قلوبهم، روى الطبراني عن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت خطاياهتفسير : ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر برجل من أهل العراق ساقط، قال: فما بال هذا؟ قال: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر رضي الله عنهما: إنا لنخشى الله وما نسقط وإن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، {ثم تلين} أي تمتد وتنعم، وقدم ما صرح فيه بالاقشعرار الذي يلزمه اليبس، وأخر القلوب إبعاداً لها عما قد يفهم يبساً فيوهم قسوة فقال: {جلودهم} لتراجعهم بعد برهة إلى الرجاء وإن اشتدت صلابتها {وقلوبهم} وذكره لتجدد لين القلوب مع الجلود دال على تقدير اقشعرارها معها من شدة الخشية, فإن الخشية لا تكون إلا في القلب، وكان سر حذف التصريح بذلك تنزيههاً عن ذكر ما قد يفهم القسوة. ولما كان القلب شديد الاضطراب والتقلب، دل على حفظه له بنافذ أمره وباهر عظمته بالتعدية بـ "إلى" ليكون المعنى: ساكنة مطمئنة {إلى ذكر الله} أي ذي الجلال والإكرام، فإن الأصل في ذكره الرجاء لأن رحمته سبقت غضبه، وأظهر موضع الإضمار لأحسن الحديث لئلا يوهم أن الضمير للرب، فيكون شبهة لأهل الاتحاد أو غيرهم من أرباب البدع، ولم يقل: إلى الحديث أو الكتاب - مثلاً، بل عدل إلى ما عرف أنه ذكره سبحانه ليكون أفخم لشأنه، وزاده فخامة بصرف القول عن الوصف المقتضي للإحسان إلى الاسم الجامع للجلال والإكرام. ولما كان ما ذكر من الآثار عجباً، دل على عظمته بقوله على طريق الاستنتاج: {ذلك} أي الأمر العظيم الغريب من الحديث المنزل والقبض والبسط {هدى الله} أي الذي لا يتمنع عليه شيء {يهدي به من يشاء} ومن هداه الله فما له من مضل، ويضل به من يشاء فلا تتأثر جلودهم لقساوة قلوبهم، فيكون هدى لناس ضلالاً لآخرين {ومن يضلل الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء إضلالاً راسخاً في قلبه بما أشعر به الفك ليخرج الضلال العارض {فما له من هاد *} لأنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، لأنه الواحد في ملكه، فلا شريك له، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً إطلاق أمره في الهداية دليلاً على حذف مثله في الضلال، وثانياً انسداد باب الهداية على من أضله دليلاً على وحذف مثله فيمن هداه وهي دامغة للقدرية.
ابو السعود
تفسير : {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} وهم الذين خُوطبوا بقوله تعالى: {أية : يَا عِبَادِ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 16] ووُصفوا بما عُدِّد من الصِّفاتِ الفاضلةِ وهم المخاطَبون أيضاً فيما سبق بقوله تعالى: { أية : يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 10] الآيةَ وبـينَّ أنَّ لهم درجاتٍ عاليةً في جنَّاتِ النَّعيمِ بمقابلة ما للكفرةِ من دَرَكاتٍ سافلةٍ في الجحيم أي لهم علالي بعضُها فوقَ بعضٍ {مَّبْنِيَّةٌ} بناءَ المنازلِ المبنية المؤسَّسةِ على الأرضِ في الرَّصانةِ والإحكام {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا} من تحت تلك الغرفِ {ٱلأَنْهَـٰرَ} من غيرِ تفاوتٍ بـين العُلوِّ والسُّفلِ {وَعَدَ ٱللَّهُ} مصدرٌ مؤكّدٌ لقولِه تعالى لهم غُرف الخ فإنه وعدٌ وأيُّ وعدٍ {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} لاستحالتِه عليه سبحانه. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء} استئنافٌ وارد إمَّا لتمثيلِ الحياةِ الدُّنيا في سرعة الزَّوالِ وقُرب الاضمحلالِ بما ذكر من أحوالِ الزَّرعِ ترغيباً عن زخارِفها وزينتها وتحذيراً من الاغترارِ بزَهرتِها كما في نظائر قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [سورة يونس: الآية 24] الآيةَ أو للاستشهاد على تحقُّقِ الموعودِ من الأنهارِ الجاريةِ من تحت الغُرفِ بما يُشاهد من إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وما يترتَّبُ عليه من آثارِ قدرتهِ تعالى وأحكامِ حكمتِه ورحمتِه والمرادُ بالماءِ المطر. وقيل: كلُّ ماءٍ في الأرضِ فهو من السَّماءِ ينزلُ إلى الصَّخرةِ ثم يقسمُه الله تعالى بـين البقاعِ {فَسَلَكَهُ} فأدخلَه ونظمه {يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} أي عُيوناً ومجاريَ كالعروقِ في الأجسادِ وقيل: مياهاً نابعةً فيها فإنَّ الينبوعَ يطلقُ على المنبعِ والنَّابعِ فنصبها على الحالِ وعلى الأوَّلِ بنزعِ الجارِّ أي في ينابـيعَ {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أصنافُه من بُرَ وشعيرٍ وغيرهِما أو كيفياته من الألوانِ والطُّعومِ وغيرِهما وكلمة ثمَّ للتَّراخي في الرُّتبةِ أو الزَّمانِ. وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ الصُّورةِ {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي يتمُّ جفافُه ويشرف على أنْ يثورَ من منابتِه {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً} من بعد خُضرتِه ونُضرتِه وقُرىء مُصفارَّا {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً} فُتاتاً مُتكسِّرةً كأن لم يغنَ بالأمسِ ولكون هذه الحالةِ من الآثارِ القوَّيةِ عُلِّقت بجعلِ الله تعالى كالإخراجِ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكر تفصيلاً، وما فيه من مَعنى البُعدِ للإيذانِ ببُعد منزلتِه في الغَرابةِ والدِّلالةِ على ما قُصد بـيانُه {لِذِكْرِى} لتذكيراً عظيماً {لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} لأصحابِ العُقول الخالصةِ عن شوائبِ الخللِ وتنبـيهاً لهم على حقيقةِ الحالِ يتذكَّرون بذلك أنَّ حالَ الحياةِ الدُّنيا في سُرعةِ التَّقصِّي والانصرامِ كما يشاهدونَهُ من حال الحُطامِ كلَّ عامٍ فلا يغترُّون ببهجتِها ولا يُفتتنون بفتنتها أو يجزمون بأنَّ مَن قدرَ على إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وإجرائِه في ينابـيع الأرضِ قادرٌ على إجراءِ الأنهارِ من تحتِ الغُرفِ، هذا وأمَّا ما قيلَ إنَّ في ذلك لتذكيراً وتنبـيهاً على أنَّه لا بُدَّ من صانعٍ حكيمٍ وأنه كائنٌ عن تقديرٍ وتدبـيرٍ لا عن تعطيلٍ وإهمالٍ فبمعزلٍ من تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ وإنَّما يليقُ ذلك بما لو ذُكرَ ما ذُكر من الآثارِ الجليلة والأفعالِ الجميلةِ من غيرِ إسنادٍ لها إلى مؤثِّرٍ ما فحيثُ ذُكرتْ مسندةً إلى الله عزَّ وجلَّ تعيَّن أنْ يكونَ متعلَّقُ التَّذكيرِ والتَّنبـيهِ شؤونه تعالى أو شؤونَ آثارِه حسبما بُـيِّن لا وجودُه تعالى.
القشيري
تفسير : وَعَدَ المطيعين بالجنَّةِ - ولا محالةَ لا يُخـْلِف، وَوَعَدَ التائبين بالمغفرة - ولا محالةَ يغفر لهم، وَوَعَدَ المريدين بالوجود والوصول - وإذا لم تقع لهم فترة فلا محالةَ مُصْدِقٌ وَعْدَه.
اسماعيل حقي
تفسير : {لكن الذين اتقوا ربهم} [ليكن آنانكه بترسيدند ازعذاب بروردكار خويش وبايمان وطاعت متصف شدند]. وفى التأويلات النجمية {لكن الذين اتقوا ربهم} اليوم عن الشرك والمعاصى والزلات والشهوات وعبادة الهوى والركون الى غير المولى فقد انقذهم الله تعالى فى القسمة الاولى من ان يحق عليهم كلمة العذاب وحق عليهم ان يكونوا مظهر صفات لطفه الى الابد {لهم غرف} [منزلهاى بلندتر در بهشت] اى بحسب مقاماتهم فى التقوى جمع غرفة وهى علية من البناء وسمى منازل الجنة غرفا كما فى المفردات {من فوقها غرف} اى لهم علالى بعضها فوق بعض بين ان لهم درجات عالية فى جنات النعيم بمقابلة ما للكفرة من دركات سافلة فى الجحيم {مبنية} تلك الغرف الموصوفة بناء المنازل على الارض فى الرصانة والاحكام. قال سعدى المفتى الظاهر ان فائدة هذا الوصف تحقيق الحقيقة وبيان كون الغرف كالظلل حيث اريد بها المعنى المجازى على الاستعارة التهكمية. وفى بحر العلوم مبنية بنيت من زبرجد وياقوت ودرّ وغير ذلك من الجواهر. وفى كشف الاسرار مبنية: يعنى [بخشت زرين وسيمين بر آورده]. وفيه اشارة بانها مبنية بايدى اعمال العاملين واحوال السالكين {تجرى من تحتها} اى من تحت تلك الغرف المنخفضة والمرتفعة {الانهار} الاربعة من غير تفاوت بين العلو والسفل {وعد الله} مصدر مؤكد لان قوله لهم غرف فى معنى الوعد اى وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا {لا يخلف الله الميعاد} لان الخلف نقص وهو على الله محال [والاخلاف: وعده خلاف دادن] والميعاد بمعنى الوعد. وفى التأويلات النجمية وعد الله الذى وعد التائبين بالمغفرة والمطيعين بالجنة والمشتاقين بالرؤية والعاشقين الصادقين بالقربة والوصلة لا يخلف الله الميعاد. يعنى اذا لم يقع لهم فترة فلا محالة يصدق وعده واذا وقع لهم ذلك فلا يلومن الا انفسهم. وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : ان اهل الجنة ليتراءَون اهل الغرف من فوقهم" تفسير : المراد من اهلها اصحاب المنازل الرفيعة وتراءى القوم الهلال رأوه باجمعهم ومنه الحديث "حديث : كما يتراءَون الكوكب الدرىّ الغابر فى الافق من المشرق والمغرب" تفسير : الغابر الباقى يعنى يرى التباعد بين اهل الغرف وسائر اصحاب الجنة كالتباعد المرئى بين الكوكب ومن فى الارض وانهم يضيئون لاهل الجنة اضاءة الكوكب الدرى "حديث : لتفاضل ما بينهم" تفسير : يعنى يرى اهل الغرف كذلك لتزايد درجاتهم على من سواهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الانبياء لا يبلغها غيرهم قال "حديث : بلى والذى نفسى بيده رجال" تفسير : يعنى يبلغها رجال وانما قرن القسم ببلوغ غيرهم لما فى وصول المؤمنين لمنازل الانبياء من استبعاد السامعين "حديث : آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " تفسير : وفيه بشارة واشارة الى ان الداخلين مداخل الانبياء من مؤمنى هذه الامة لانه قال وصدقوا المرسلين وتصديق جميع الرسل انما صدر منهم لا ممن قبلهم من الامم وفى الحديث "حديث : من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" تفسير : قوله ينعم بفتح الياء والعين اى يصيب نعمة وقوله ولا يبأس بفتح الهمزة اى لا يفتقر وفى بعض النسخ بضمها اى لا يرى شدة قوله لا تبلى بفتح حرف المضارعة واللام
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لكِنِ الذين اتقوا ربَّهم}، وهم الذين وصفوا بقوله تعالى: {أية : يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} تفسير : [الزمر: 16]، ووُصفوا بالاجتناب والإنابة، وحصل لهم البُشرى، حيث استمعوا وتبعوا أحسن القول، وهم المخاطبون أيضاً بقوله: {أية : يَا عِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} تفسير : [الزمر: 10]... الآية. فبيَّن هنا أن لهم درجات عالية في جنات النعيم، في مقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم، فهي في مقابلة قوله لهم: {من فوقهم ظُلل من النار ومن تحتهم ظُلل} في حق الكفار، أي: لكن أهل التقى لهم عَلالِي، بعضها فوق بعض {مبنيةٌ} بناء المنازل المؤسسة على الأرض في الرصانة والإحكام. {تجري من تحتها} أي: من تحت تلك الغرف {الأنهارُ} من غير تفاوت بين العلو والسفل. {وَعْدَ اللهِ} أي: وعد الله ذلك وعداً، فهو مصدر مؤكد لقوله: {لهم غُرف} فإنه في قوة الوعد. {لا يُخلف الله الميعاد} لاستحالته عليه سبحانه. الإشارة: مَن اتقى الله فيما أمر ونهى، كانت له درجات حسية، مبنية من الذهب والفضة، يترقَّى فيها على قدر عمله وتقواه. ومَن اتقى ما يشغل عن الله من جنس الكائنات، كانت له درجات ومقامات معنوية، قُربية اصطفائية، يرتقي فيها بقدر تقواه وسعيه إلى مولاه، وعد الله لا يُخلف الله الميعاد. قال القشيري: وَعَدَ المطيعين الجنة ـ ولا محالة ـ لا يُخلفه، ووَعَدَ المذنبين المغفرة، ولا محالة ـ يغفر لهم، ووَعَدَ المريدين القاصدين بالوصول، فإذا لم تقع لهم فترة؛ فلا محالةَ يَصدقُ وَعْده. هـ. ثم برهن على ما أوعد ووعد مما يكون بعد البعث من آثار قدرته، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}.
الجنابذي
تفسير : {لَـٰكِنِ} المبشّرون {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ} واتى بالاسم الظّاهر للاشعار بوصفٍ آخر لهم، وبانّ التّقوى محصورة فيهم وانّهم محشورون بذلك {لَهُمْ غُرَفٌ} جمع الغرفة بمعنى القصر الرّفيع {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} فى الجنّة بناها الله بأيدى عمّاله لهم وهذا تشريف لهم ببناء القصر لهم {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى فى آخر سورة النّساء بيان جريان الانهار من تحت الجنّات {وَعْدَ ٱللَّهِ} وعد الله وعداً {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} عن الباقر (ع) انّه قال: سأل علىّ (ع) رسول الله (ص) عن تفسير هذه الآية بماذا بنيت هذه الغرف يا رسول الله (ص)؟ - فقال: "حديث : يا علىّ (ع) تلك غرفٌ بناها الله لاوليائه بالدّرّ والياقوت والزّبرجد، سقوفها الذّهب محبوكة بالفضّة لكلّ غرفة منها الف بابٍ من ذهبٍ على كلّ بابٍ منها ملك موَكّل به، وفيها فرش مرفوعةٌ بعضها فوق بعضٍ من الحرير والدّيباج بالوانٍ مختلفةٍ وحشوها المسك والعنبر والكافور" تفسير : وذلك قول الله وفرش مرفوعة.
اطفيش
تفسير : {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} استدراك لمقدر أي انك ولو لم تقدر على تحصيل الايمان بمن حقت عليه كلمة العذاب لكنك قادر على تحصيله لمن وجبت له كلمة الرحمة* {لَهُمْ غُرَفٌ} أي بيوت غير مباشرة للارض بل فوق المباشرة* {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} فذلك علالي بعضها فوق {مَّبْنِيَّةٌ} كبناء المنازل على الأرض مسواة كتسويتها عليها في أرض الجنة أو في الهواء {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا} أي تحت الغرف السفلية والفوقية {الأَنْهَارُ} كما تجري تحت المنازل وذلك تحضيض على التقوى ومقابلة لظلل أهل النار* {وَعْدَ} مصدر مؤكد لجملة لهم غرف الخ لانها وعد فعاملها محذوف وجوباً نابت عنه الجملة نحو له عليَّ ألف اعترافاً وهو أيضاً نوعي في اضافته لا الى قوله* {اللهِ} وذلك جائز بل النوعى والعددي يدلان أبداً على التوكيد زيادة على ذلك* {لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ} أي الوعد أصله الموعد قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة وخلف الوعد اما للشح واما لظهور أن الموعود ليس أهلاً والله جواد لا تبدو له البدوات. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب ليتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" تفسير : والترائي اكتساب الرؤية لبعد المرئي والدري المضيء والغابر الماضي النافذ الداخل في العلو والباقى في افق الناحية العليا في جهة السماء ووفق نبيه والأمة على معتبر من مخلوقات بقوله: {أَلَمْ تَرَ} يا محمد والأمة تابع أو يا من تأتي منه الرؤية. {أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً} ماء المطر* {فَسَلَكَهُ} أدخله* {يَنَابِيعَ} أي مسالك ينابيع منها ومجارى أي أجراه عيوناً* {فِى الأَرْضِ} كعروق الجسد فينابيع ظرف مكان أو مفعول أو مشبه بأحدهما على الأول وحال على الثاني مجازي أو ظرف أيضاً ويجوز كونه حالاً تحقيقاً أي قنوات تابعات ويجوز كونه مصدراً أي أنبعه ينابيع كقعدت جلوساً وهو جمع ينبوع. وعن الشعبي: كل ماء في الأرض فهو من السماء نزل، ينزل منها الى الصخر ثم يقسمه الله. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض ودهمة وسواد وغيرها وهذا لكونه حقيقة أولى من القول بأن ألوانه أصنافه كبر وشعير وسلت وذرة لانه مجاز ومن القول بأن المراد الهيئات والأصناف لانه جمع بين الحقيقة والمجاز* {ثُمَّ يَهِيجُ} أي ييبس. وقال الأصمعي: يتم يبسه لانه اذا تم يبسه حان له أن يذهب ويثور عن موضعه هاج الشيء ذهب بشدة* {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} حادثة له الصفرة ليبسه* {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} مفتوتاً مكسوراً أو مفتتاً متكسراً. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى} أي لتذكرة ودليلاً على أن ذلك مثل الحياة الدنيا وعلى وجود الله لأن ذلك صنعة عجيبة لابد من صانع حكيم* {لأُوْلِى الأَلْبَابِ} ولا يتذكر بذلك غيرهم وقيل الذكرى التنبيه على البعث من القبور واحياء الموتى قياساً على اخراج الزرع، والزرع كل ما يحرث وقرئ (مصفاراً) بالألف والتشديد لأن صفرته لا تدوم مثل حمار الفجر
اطفيش
تفسير : {لَكن الَّذين اتقَوا ربهم لَهُم غُرفٌ من فَوقِها غُرفٌ} أى ثابتة لهم أيضا، قيل: والمراد تكرير طبقات الغرف للافراد من الغرف فقط {مَبْنيةٌ} على صفة تقبل جرى الماء عليها كما قال: {تجْري من تَحتِها} من تحت الغرف التحتية والفوقية {الأنهارُ} لأنها تأتى من العرش فوقهن فهى تحت كل غرفة تجرى الى حيث شاء الله تعالى، أو تصعد من تحت الى فوق بقدرة الله تعالى فتجرى فوق الغرف، أو المراد مبنية قبل يوم القيامة، وليست تبنى فى ذلك اليوم، وفى هذا تشريف بأن بناءها فعل الله تعالى، والمشهور أن الجنة والنار مخلوقتان قبل آدم، واذا قامت الساعة مات ما فيها من الحور والولدان والملائكة، ثم يبعثهم الله يوم البعث، وانما يمتنع الموت عمن فيها ان دخلها جزاء، واذا بعثهم الله داموا فيها أبداً {وَعْد اللهِ} وعد الله ذلك وعدا {لا يُخْلف الله الميعاد} لأنه خلفه نقص فى الخير أو الشر، وهو مصدر ميمى على وزن مفعال للمبالغة من وعد أبدلت الواو ياء لكسر ماقبلها.
الالوسي
تفسير : {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } استدراك بين ما يشبه النقيضين والضدين وهما المؤمنون والكافرون وأحوالهما. والمراد بالذين اتقوا الموصوفون بما عدد من الصفات الفاضلة. والغرف جمع غرفة وهي العلية أي لهم علالي كثيرة جليلة بعضها فوق بعض {مَّبْنِيَّةٌ } قيل: هو كالتمهيد لقوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أي من تحت تلك الغرف الفوقانيات والتحتانيات {ٱلأَنْهَـٰرَ } أي مبنية بناءاً يتأتى معه جري الأنهار من تحتها وذلك على خلاف علالي الدنيا فيفيد الوصف بذلك أنها سويت تسوية البناء على الأرض وجعلت سطحاً واحداً يتأتى معه جري الأنهار عليه على أن مياه الجنة لما كانت منحدرة من بطنان العرش على ما في الحديث فهي أعلى من الغرف فلا عجب من جري الماء عليها فوقاً وتحتاً لكن لا بد من وضع يتأتى معه الجري فالوصف المذكور لإفادة ذلك. وقال بعض الأجلة: الظاهر أن هذا الوصف تحقيق للحقيقة وبيان أن الغرف ليست كالظلل حيث أريد بها المعنى المجازي على الاستعارة التهكمية. وقال بعض فضلاء إخواننا المعاصرين: فائدة التوصيف بما ذكر الإشارة إلى رفعة شأن الغرف حيث آذن أن الله تعالى بانيها وماذا عسى يقال في بناء بناه الله جل وعلا؟ وأقول والله تعالى أعلم: وصفت الغرف بذلك للإشارة إلى أنها مهيأة معدة لهم قد فرغ من أمرها كما هو ظاهر الوصف لا أنها تبنى يوم القيامة لهم، وفي ذلك من تعظيم شأن المتقين ما فيه. وفي الآية على هذا رد على المعتزلة وكأن / الزمخشري لذلك لم يحم حول هذا الوجه واقتصر على ما حكيناه أولاً مع أن ما قلناه أقرب منه فليحفظ. {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله فإنه وعد أي وعد {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ } لما في خلفه من النقص المستحيل عليه عز وجل.
ابن عاشور
تفسير : أعيدت بشارة الذين اجتنبوا الطاغوت تفصيلاً للإِجمال الواقع من قبل. وافتتح الإِخبار عنهم بحرف الاستدراك لزيادة تقرير الفارق بين حال المؤمنين وحال المشركين والمضادة بينهما، فحرف الاستدراك هنا لمجرد الإِشعار بتضادّ الحالين ليعلم السامع أنه سيتلقى حكماً مخالفاً لما سبق كمَا تقدم في قوله تعالى: {أية : ولكن انظر إلى الجبل}تفسير : في سورة [الأعراف: 143]، وقوله: {أية : ولكن كره اللَّه انبعاثهم}تفسير : في سورة [براءة: 46]، فحصل في قضية الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت تقرير على تقرير ابتدىء بالإِشارتين في قوله: {أية : أُولئِكَ الذينَ هداهُمُ الله وأُولئِكَ هم أُولوا الألبابِ}تفسير : [ الزمر: 18] ثم بما أعقب من تفريع حال أضدادهم على ذكر أحوالهم ثم بالاستدراك الفارق بين حالهم وحال أضدادهم. والمراد بالذين اتقوا ربهم: هم الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وأنابوا إلى الله واتبعوا أحسن القول واهتدوا بهدي الله وكانوا أولي ألباب، فعدل عن الإِتيان بضميرهم هنا إلى الموصول لقصد مدحهم بمدلول الصلة وللإِيماء إلى أن الصلة سبب للحكم المحكوم به على الموصول وهو نوالهم الغرف. وعدل عن اسم الجلالة إلى وصف الرب المضاف إلى ضمير المتقين لما في تلك الإِضافة من تشريفهم برضى ربهم عنهم. واللام في {لَهُمْ} للاختصاص. والمعنى: أَنها لهم في الجنة، أي أعدت لهم في الجنة. والغُرف: جمع غُرفة بضم الغين وسكون الراء، وهي البيت المرتكز على بيت آخر، ويقال لها العُلِّيّة (بضم العين وكسرها وبكسر اللام مشدّدة والتحتية كذلك) وتقدمت الغرفة في آخر سورة الفرقان (75). ومعنى {من فَوْقِهَا غُرَفٌ} أنها موصوفة باعتلاء غرف عليها وكل ذلك داخل في حيّز لام الاختصاص، فالغرف التي فوق الغرف هي لهم أيضاً لأن ما فوق البناء تابع له وهو المسمّى بالهواء في اصطلاح الفقهاء. فالمعنى: لهم أطباق من الغُرف، وذلك مقابل ما جعل لأهل النار في قوله: {أية : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل}تفسير : [الزمر: 16]. وخولف بين الحالتين: فجعل للمتقين غرف موصوفة بأنها فوقها غرف، وجعلت للمشركين ظُلل من النار، وعطف عليها أنّ مِن تحتهم ظللاً للإِشارة إلى أن المتقين متنعمون بالتنقل في تلك الغرف، وإلى أن المشركين محبوسون في مكانهم، وأن الظلل من النار من فوقهم ومن تحتهم لتتظاهر الظلل بتوجيه لفح النار إليه من جميع جهاتهم. والمبنيّة: المسموكة الجدران بحَجر وجِصّ، أو حَجر وتراب، أو بطوب مُشمس ثم توضع عليها السُقُف، وهذا نعت لغرف التي فوقها غرف. ويعلم منه أن الغرف المعتلَى عليها مبنية بدلالة الفحوى. وقد تردد المفسرون في وجه وصف الغرف مع أن الغرفة لا تكون إلا من بناء، ولم يذهبوا إلى أنه وصف كاشف ولهم العذر في ذلك لقلة جدواه فقيل ذكر المبنية للدلالة على أنها غرف حقيقة لا أشياء مشابهة الغرف فرقاً بينهما وبين الظلل التي جعلت للذين خسروا يوم القيامة فإن ظللهم كانت من نار فلا يظن السامع أن غرف المتقين مجاز عن سحابات من الظلّ أو نحو ذلك لعدم الداعي إلى المجاز هنا بخلافه هنالك لأنه اقتضاه مقام التهكم. وقال في «الكشاف»: {مَّبْنِيَةٌ} مثل المنازل اللاصقة للأرض، أي فذكر الوصف تمهيد لقوله: {تَجْرِي مِن تحتها الأنهَارُ} لأن المعروف أن الأنهار لا تجري إلا تحت المنازل السفلية أي لم يفت الغرف شيء من محاسن المنازل السفلية. وقيل: أريد أنها مهيّأة لهم من الآن. فهي موجودة لأن اسم المفعول كاسم الفاعل في اقتضائه الاتصاف بالوصف في زمن الحال فيكون إيماء إلى أن الجنة مخلوقة من الآن. ويجوز عندي أن يكون الوصف احترازاً عن نوع من الغرف تكون نحتاً في الحَجر في الجبال مثل غرف ثمود، ومثل ما يسمّيه أهل الجنوب التونسي غرفاً، وهي بيوت منقورة في جبال (مدنين) و (مطماطة) و (تطاوين) وانظر هل تسمى تلك البيوت غرفاً في العربية فإن كتب اللغة لم تصف مسمّى الغرفة وصفاً شافياً. ويجوز أن يكون {مَّبْنِيَةٌ} وصفاً للغرف باعتبار ما دل عليه لفظها من معنى المبنيّ المعتلي فيكون الوصف دالاً على تمكن المعنى الموصوف، أي مبنية بناء بالغاً الغاية في نوعه كقولهم: لَيل أليل، وظلّ ظليل. وجريُ الأنهار من تحتها من كمال حسن منظرها للمُطلّ منها. ومعنى {منْ تَحْتِها} أن الأنهار تمرّ على ما يجاور تحتها، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : جنات تجري من تحتها الأنهار}تفسير : في [آل عمران: 15]، فأطلق اسم "تحت" على مُجاورة. ويجوز أن يكون المعنى: تجري من تحت أسسها الأنهار، أي تخترق أسسها وتمر فيها وفي ساحاتها، وذلك من أحسن ما يرى في الديار كديار دمشق وقصر الحمراء بالأندلس وديار أهل الترف في مدينة فاس فيكون إطلاق "تحت" حقيقة. والمعنى: أن كل غرفة منها يجري تحتها نهر فهو من مقابلة الجمع ليُقسّم على الآحاد، وذلك بأن يصعد الماء إلى كل غرفة فيجري تحتها. و {وعْدَ الله} مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لنفسه لأن قوله: {لهُمْ غُرَفٌ} في معنى: وَعدهم الله غرفاً وعداً منه. ويجوز انتصابه على الحال من {غُرَفٌ} على حدّ قوله: {وعداً علينا}، وإضافة {وَعْدَ} إلى اسم الجلالة مؤذنة بأنه وعد موفىً به فوقعت جملة {لا يُخْلِفُ الله المِيعَادَ} بياناً لمعنى {وَعْدَ الله}. والميعاد: مصدر ميمي بمعنى الوعد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّة} الآية. ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وعد أهل الجنة بالغرف المبنية، ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة سبأ {أية : إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 37]. وقوله تعالى في سورة التوبة: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} تفسير : [التوبة: 72] الآية. وقوله تعالى في سورة الصف: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [الصف: 12]، لأن المساكن الطيبة المذكورة في التوبة والصف صادقة بالغرف المذكورة في الزمر وسبأ، وقد قدمنا طرفاً من هذا في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [الفرقان: 75] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْهَارُ} (20) - أَمَّا المُتَّقُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَجْزِيهِمْ عَلَى إِيْمَانِهِمْ وَعَمَلِهِم الصَّالِحِ بِإِدْخَالِهِم الجَنَّةَ، وَبِأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ فِيهَا دُوْراً شَاهِقَةً (غُرَفٌ) مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مُحْكَمةُ البُنْيَانِ، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ خِلاَلَ أَشْجَارِهَا، وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ حَقٌّ لِلمُتَّقِينَ، وَاللهُ لاَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ أبداً. لَهُمْ غُرَفٌ - مَنَازِلُ رَفِيعَةٌ عَالِيةٌ فِي الجَنَّةِ.
الثعلبي
تفسير : {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ} (غرف مبنية، قال ابن عباس: من زبرجد وياقوت). حدثنا عبد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا [.........] حدثني طلحة حدثنا [حماد عن أبي هارون عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد] الخدري عن رسول الله (عليه السلام) قال: "حديث : إن أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، فقالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لايبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين"تفسير : . {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَعْدَ ٱللَّهِ} نصب على المصدر: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السحاب {مَآءً فَسَلَكَهُ} فادخله {يَنَابِيعَ} عيوناً {فِي ٱلأَرْضِ} قال: [الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل إنما ينزل] من السماء إلى الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِـيجُ} ييبس {فَـتَرَاهُ} بعد خضرته {مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} أي فتاتا منكسراً متفتتاً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ * أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ} فتح الله {صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} للإيمان {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ} على دلالة {مِّن رَّبِّهِ} قال قتادة: النور كتاب الله منه تأخذ وإليه ننتهي ومجاز الآية {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي أفمن شرح الله صدره للاسلام كمن أقسى قلبه. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شيبة حدثنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن يزيد حدثنا الموصلي ببغداد حدثنا أبو فروة واسمه يزيد بن محمّد حدثني أبي عن ابيه حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحرث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (عليه السلام): "حديث : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه". قلنا: يارسول الله كيف انشراح صدره؟ قال: "إذا دخل النور لقلبه انشرح وانفتح". قلنا: يارسول الله فما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت" ". تفسير : وقال الثمالي: بلغنا أنها نزلت في عمّار بن ياسر وقال مقاتل: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} يعني النبييّ صلى الله عليه وسلم. {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أبو جهل وذويه من الكفّار {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. أخبرنا الحسن بن محمّد بن الحسين الحافظ أخبرنا أبو أحمد القاسم بن محمّد بن أحمد ابن عبد ربه السراج الصوفي أخبرنا [......] يونس بن يعقوب البزاز حدثنا الحسين بن الفضل بن السمح البصري ببغداد حدثنا جندل حدثنا أبو مالك الواسطي الحسيني حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي عن داود بن أبي هند عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله عزّ وجلّ: اطلبوا الحوائج من السمحاء فاني جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن محمّد عن وهب حدثنا يوسف بن الصباح العطار حدثنا إبراهيم بن سليمان بن الحجاج حدثنا عمي محمّد بن الحجاج حدثنا يوسف بن ميسرة بن جبير عن أبي إدريس الحولاني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كله ويحبّ كل قلب خاشع حليم رحيم يعلّم الناس الخير ويدعوا إلى طاعة الله ويبغض كل قلب قاس ينام الليل كله فلا يذكر الله تعالى ولايدري يرد عليه روحه أم لا ". تفسير : أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا ابن نصروية حدثنا ابن وهب حدثنا إبراهيم بن بسطام حدثنا سعيد بن عامر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: ماضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلبه وما غضب الله تعالى على قوم إلاّ نزع منهم الرحمة. {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً}. قال ابن مسعود: وابن عباس: قال الصحابة: يا رسول الله لو حدثتنا، فنزلت {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً ليس فيه تناقض ولا اختلاف فيه. وقال قتادة: تشبه الآية الآية والكلمة الكلمة والحرف الحرف. {مَّثَانِيَ} القرآن. قال المفسرون: يسمى القرآن مثاني لأنه تثنى فيه الأخبار والأحكام والحدود وثنى للتلاوة فلا يمل {تَقْشَعِرُّ} وتستنفر {جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. يعني إلى العمل بكتاب الله والتصديق به وقيل إلى بمعنى اللام. أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا أحمد بن داود حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا خلف بن سلمة عنه حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرىء عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. فقلت لها: إن ناساً اليوم إذا قريء عليهم القرآن؟ قالت: كما نعتهم: خر أحدهم مغشياً عليه. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وبه عن سلمة حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: أن ابن عمر مرَّ برجل من أهل العراق ساقط فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله تعالى سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط. وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن الحسين بن [ديزيل] حدثنا أبو نعيم حدثنا عمران أو حمران بن عبد العزيز قال: ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرىء عليهم القرآن فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق. حدثنا الحسن بن محمّد حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا صلت ابن مسعود الجحدري حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا أبو عمران الجوني قال: وعظ موسى (عليه السلام) قومه فشق رجل منهم قميصه فقيل لموسى قل لصاحب القميص لايشق قميصه أيشرح لي عن قلبه. أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي حدثنا أحمد بن محمّد بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن سعيد بن عمر حدثنا سعدان بن نصر أبو علي حدثنا [نشابة [عن أبي غسان المدني محمّد بن مطرف عن زيد بن أسلم قال: قرأ أُبي بن كعب عند النبي صلى الله عليه وسلم فرقّوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا محمّد بن عبد الله بن برزة وموسى بن محمّد بن علي بن عبد الله قالا: حدثنا محمّد بن يحيى بن سليمان المروزي حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أخبرنا الحسين بن محمّد وحدثنا موسى بن محمّد بن عليّ حدثنا محمّد بن عبدوس بن كامل حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا عبد العزيز بن محمّد عن يزيد بن الهاد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن أم كلثوم بنت العبّاس عن العبّاس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما تحاتت عن الشجر اليابسة ورقها ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا أحمد بن جعفر حدثنا حمدان حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري حدثنا محمّد بن معونة حدثنا الليث بن سعد حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن أم كلثوم بنت العبّاس عن أبيها قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى حرّمه الله تعالى على النار ". تفسير : {ذَلِكَ } يعني أحسن الحديث {هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وفيه ردَّ على القدرية {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي شدته يوم القيامة. قال مجاهد: يجر على وجهه في النار. وقال عطاء: يُرمى به في النار منكوساً، فأول شيء تمسه النار وجهه. وقال مقاتل: هو أن الكافر يُرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة ضخمة مثل الجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، فحرّها ووهجها على وجهه لايطيق دفعها من وجهه من أجل الأغلال التي في يده وعنقه، ومجاز الآية {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} كمن هو آمن من العذاب وهو كقوله {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ}تفسير : [فصلت: 40] الآية. قال المسيب: نزلت هذه الآية في أبي جهل. {وَقِيلَ} أي: ويقول الخزنة {لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي: وباله {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ} العذاب والذل الّذي يستحيا منه {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً} نصب على الحال {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}. قال مجاهد: يعني غير ذي لبس. قال عثمان بن عفان: غير متضاد. ابن عبّاس: غير مختلف. السدي: غير مخلوق. بكر بن عبد الله المزني غير ذي لحن. {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الكفر والتكذيب به.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن من سمات الأسلوب القرآني أن يذكر المتقابلات، فالضِّد يُظهر حُسْنه الضد، كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14]. وهنا بعد أنْ ذكر الحق سبحانه الكافرين الذين حقَّتْ عليهم كلمة العذاب يذكر المقابل لهم، وهم المتقون {لَـٰكِنِ} استدراك على ما تقدم {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الزمر: 20] وهذه المقابلة تهيء النفس لتفظيع المقابل الأسوأ، وتجميل المقابل الأعلى. والغُرَف جمع غُرْفة، وهي المكان الخاص المقتضب من البيت، وهي مأخوذة من غرفة الماء {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ..} [الزمر: 20] ثم وصف التي فوق بأنها {مَّبْنِيَّةٌ ..} [الزمر: 20] لأن العادة في الغرفة السفلية أن يُعتنى بها في الأساس، الذي يحمل باقي الأدوار، فأراد أنْ يلفت أنظارنا إلى أن الغرف الفوقية هي أيضاً مبنية مُعْتنىً بها، لا تقل ميزةً عن الغرف السفلية، فكل الغرف من الأدنى إلى الأعلى مميزة. ثم تأمل الإعجاز في قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الزمر: 20] من تحت أيُّهما؟ من تحت الاثنين، فإنْ قلتَ كيف؟ نقول: اقرأ قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة: "حديث : فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : وفي موضع آخر قال سبحانه: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [التوبة: 72] وفَرْق بين تحتها ومن تحتها، لو قُلْنا تجري تحتها الأنهار، فالمعنى أن الأنهار تأتي من مكان آخر وتمرُّ بها، فيمكن للأعلى أنْ يحجب الماء عن الأدنى. أما {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الزمر: 20] فنبع الماء يجري من تحت هذه الغرف، فماؤها ذاتيّ فيها، ليس لها مَدَدٌ من خارجها، إذن: فالمياه فيها ذاتية. فأنت تتعجب لأنك تقيس المسائل بهندستك أنت، ولربك سبحانه هندسة أخرى، تأتي على غير ما تتصوَّر؛ لأن الشيء الذي لم تره العين ولم تسمعه الأذنُ، ولم يخطر على القلب ليس في اللغة ما يدل عليه، فالمعاني توجَدُ أولاً، ثم تُوضَع لها الألفاظ الدالة عليها، فإذا لم تُوجَد المعاني فمن أين يأتي اللفظ؟ نحن نعرف الآن مثلاً (التليفزيون)، ونعرف ما هو لكن قبل أن يُخْترع هل كنا نعرفه أو نعرف اسمه؟ لذلك سبق أنْ قلنا: إن الذي يقول الله غير موجود - والعياذ بالله - نقول له: كلامك مردود بكلامك، لأن الله مبتدأ وغير موجود خبر، فمن أين عرفتَ كلمة الله إنْ كان الله غير موجود؟ إذن: قولك: الله غير موجود دليل على أنه موجود، لأن المعدوم لا لفظَ له، فالذي لا تسمعه الأذن، ولا تراه العين، ولا يخطر على البال ليس له اسم. لذلك لما يصف لنا ربنا الجنة يقول: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} تفسير : [محمد: 15] يعني: يعطينا مثلاً لها وليست هي، لأن لغتكم ليس بها الألفاظ التي تعبر عن هذه المعاني التي في الجنة، ومع ذلك ساعةَ يُعطينا المثل ينفي منه ما يناقض الموجود في الدنيا، فحين يصف خَمْر الآخرة يقول: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} تفسير : [الصافات: 47]. يعني: لا تغتال العقل ولا تستره كما تستره خمر الدنيا، ففي الإنسان غُدة مسئولة عن توازنه، فحين يشرب الخمر تتسلط الخمر على هذه الغدة فتفقده توازنه وتستر عقله، فيتمايل هنا وهناك، ويهذي بكلام لا يعرف معناه. وليست كذلك خمر الآخرة، خمر الآخرة تُعطيك اللذة والمسرَّة دون أن تغتال العقل {أية : وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} تفسير : [الصافات: 47] النَّزْف والنَّزْح بمعنى واحد، تقول: نزحت البئر يعني: أخرجت ما فيه من الماء، فالنزف إخراج ما في الجوف. والإنسان في تكوينه الصحي السليم يؤدي جسمه عملية نسميها عملية الإخراج مثل صماخ الأذن والعرق والبول، وهذا الإخراج فيه سلامة وفيه صحة الجسم. لكن هناك إخراج بلا سلامة، كالذي يأكل ثم يتقيَّأ ما أكل، وقد يتقيأ من جارحة نفسه دماً والعياذ بالله، وقد يخرج منه البول باستمرار كمن يعاني من سلس البول مثلاً، ومن ذلك النَّزْف ما يحدث لشارب الخمر فينزف ما في بطنه. كذلك في الدنيا ماء، وفي الآخرة ماء، وفي الدنيا لبن، وفي الآخرة لبن، لكن شتَّان بين ماء الآخرة وماء الدنيا، وبين لبن الآخرة ولبن الدنيا، يقول تعالى في بيان ذلك: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ..} تفسير : [محمد: 15]. من عجيب أمر هذه الأنهار أنها أنهارٌ بلا شُطْآن، فهي تجري بما فيها من ماء أو لبن أو خمر أو عسل، ومع ذلك لا يختلط بعضها ببعض، وهذا أمرٌ عجيب نضعه تحت مَا لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فالحق سبحانه حين يعطينا المثل للجنة ينفي عنه المضارّ الموجودة لمثله في الدنيا، فآفة الماء في الدنيا أن يأسن، يعني: يتغير فلا يصلح بعد ذلك للشرب، أما ماء الآخرة فغير آسن، لأنه ماء جَارٍ في أنهار، وجريان الماء يحفظه أنْ يأسن، كذلك في اللبن ووَصْف العسل بأنه مُصفّى، لأن عسلَ الدنيا لا يخلو من الشوائب. أما خمر الآخرة فهذه لذّة للشاربين، يتلذذ بها شاربها، ويرتشفها رشفاً للذة طعمها، أما في الدنيا والعياذ بالله فيسكبها في فمه هكذا دفعةً واحدة، لأنها كريهة الطعم، كريهة الرائحة. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في وصف نعيم الجنة: {أية : فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} تفسير : [الواقعة: 28] وشجرة السدر شجرة معروفة عند العربي، وكانت تُعَدّ من فاكهتهم ومن الأشياء الغالية عندهم، لكن آفتها ما فيها من شوك يؤذي الآكل منها، فنفي الحق سبحانه عن سدر الآخرة هذه الآفة، وقال: {أية : فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} تفسير : [الواقعة: 28] أي: مقطوع ومنزوع الشوك لا يؤذي مَنْ يتناول ثماره. إذن: الحق - سبحانه وتعالى - حين يقول في وصف الجنة: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} [الزمر: 20] لا تتعجب من كيفية بناء غرف فوقها غرف والماء يجري من تحتها؛ لأن لله تعالى هندسة خاصة تدخل تحت ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، فهي أشياء لا تدلّ عليها ألفاظ لغتنا. لكن هناك أشياء أخرى لا اختلافَ فيها، مثل: أباريق وأكواب وكأس ونمارق وزرابي وأرائك، هذه من نِعَم الله في الجنة وموجودة أيضاً في الدنيا لكن مع الفارق، فهذه صَنَعة البشر للبشر، وهذه صنعة خالق البشر للبشر. لذلك لما ذهبنا إلى (سان فرانسيسكو) ورأينا هناك فندقاً فخماً على رَبْوة عالية، ووجدنا فيه كل وسائل الراحة والرفاهية أُعجب الجميع به، فقلت لهم: تعجبون من هذا وهو صنعة البشر للبشر، فما بالكم بصنعة الحق للخلق؟ وهذه المسألة تلفت أنظارنا وتُوجِّهنا إلى نعيم الآخرة، فساعة ترى نعيم الدنيا، وساعة ترى الشيء الجميل المبهر لا تحقد على صاحبه ولا تحسده عليه، بل تذكر به نعيم الله الذي أعدَّه لعباده في الآخرة، فكأن الله تعالى بنعيم الدنيا يُرغِّبنا في نعيم الآخرة. وهذا الذي ذكرنا من جزاء المتقين {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ} [الزمر: 20] الوعد: هو الإخبار بشيء مفرح سارّ قبل أوانه، وكوْنك تخبر بالأمر السَّار قبل أوانه، فهذا يغري بالعمل للوصول إلى هذا الوعد، ومقابل الوعد الوعيد وهو الإخبار بشيء مؤلم قبل أوانه، والهدف منه التحذير حتى لا تقع في أسبابه، فالحق سبحانه مراده من الوعد والوعيد أن يُشوِّق الخَلْق إلى الثواب ويُحذِّرهم من العقاب، ويُفظع الجرائم والعقوبات عليها حتى لا نقعَ فيها. والله سبحانه لا يخلف الميعاد فوعده حَقّ، لأنه سبحانه بيده كل أسباب الوفاء، ولا يوجد له معارض يصرفه عن الوفاء بوعده، لأن الذي يُخلِف الوعد تعرض له أشياء تخرجه عن إمكانية الوفاء، والإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فيطرأ عليه ما يحُول بينه وبين الوفاء بوعده، أما الحق سبحانه فهو الحق الذي لا يتغير، ولا يعز عليه شيء، وهو سبحانه القادر الذي له طلاقة القدرة. والحق سبحانه يُرينا تحقيقَ وعده في الدنيا لنُصدق بوعده في الآخرة فَوعَد الله المؤمنين فقال: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173]. وقال: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ..} تفسير : [الحج: 40] وتحقَّق وَعْد الله للمؤمنين فانتصروا. وإن اضطهدوا أولاً، وتحقُّق هذا الوعد يجعلني أثق في وعد الآخرة الذي لم يأت وقته. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما سمع قول الله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] قال: أيُّ جمع هذا، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما جاءت بدر وانتصر المسلمون قال: صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. فالحق سبحانه يُحقق لنا وعده الذي جاء وقته لنثق في تحقّق الوعد الذي لم يأتِ وقته، ومن ذلك قوله تعالى عن الكافرين: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [الرعد: 41] يعني: يا كفار قريش، يا مَنْ تعاندون محمداً وتصادموه، ألم ترَوْا أن رقعتكم الواسعة تتناقص، ويأخذ الإسلام منها كل يوم جزءاً، فالمعنى ننقص أرض الكفر، ونزيد أرض الإسلام .. وينبغي أن نقول صدق الله في الأولى، ولا بُدّ أنْ يصدق في الثانية، أي: يوم القيامة. لذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه حين نَعد بشيء أن نصحبه بالمشيئة، فنقول: إن شاء الله: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24] حتى إذا تعذَّر عليك الوفاء قُلْتَ شئتُ ولكن الله لم يشأْ، فكأن الله تعالى تحملها عن عباده، فالعبد شاء ولكني لم أشأ. وهكذا يعفيك الله من الحرج، ويحميك أن تكون كاذباً، فالحق يتحمل عنا كما تحمّل عن رسوله في قوله: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ ..} تفسير : [الأنعام: 33] أي: قولهم: ساحر وكاهن وكذاب ومجنون {أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ..} تفسير : [الأنعام: 33] لأنك عندهم صادق أمين {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. فجعلها سبحانه في حقه، وتحمَّلها عن رسوله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):