Verse. 4079 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ اَنْزَلَ مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً فَسَلَكَہٗ يَنَابِيْعَ فِي الْاَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِہٖ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا اَلْوَانُہٗ ثُمَّ يَہِيْجُ فَتَرٰىہُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُہٗ حُطَامًا۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَذِكْرٰى لِاُولِي الْاَلْبَابِ۝۲۱ۧ
Alam tara anna Allaha anzala mina alssamai maan fasalakahu yanabeeAAa fee alardi thumma yukhriju bihi zarAAan mukhtalifan alwanuhu thumma yaheeju fatarahu musfarran thumma yajAAaluhu hutaman inna fee thalika lathikra liolee alalbabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» تعلم «أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع» أدخله أمكنة نبع «في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج» ييبس «فتراه» بعد الخضرة مثلا «مصفرا ثم يجعله حطاما» فتاتا «إن في ذلك لذكرى» تذكيرا «لأولي الألباب» يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله تعالى وقدرته.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة لأولي الألباب فيها وصف الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها، وذلك أنه تعالى بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل كل ما كان في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه ينابيع في الأرض، أي فيدخله وينظمه ينابيع في الأرض عيوناً، ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام، يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً أصنافه من بر وشعير وسمسم ثم يهيج، وذلك لأنه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل عن منابته، وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاماً يابساً {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ } يعني أن من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلا بد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء، ثم تكون عاقبته الموت. فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات تذكره حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته، فحينئذ تعظم نفرته في الدنيا وطيباتها. والحاصل أنه تعالى في الآيات المتقدمة ذكر ما يقوي الرغبة في الآخرة، وذكر في هذه الآية ما يقوي النفرة عن الدنيا، فشرح صفات القيامة يقوي الرغبة في طاعة الله، وشرح صفات الدنيا يقوي النفرة عن الدنيا، وإنما قدم الترغيب في الآخرة على التنفير عن الدنيا، لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات، والتنفير عن الدنيا مقصود بالعرض، والمقصود بالذات مقدم على المقصود بالعرض، فهذا تمام الكلام في تفسير الآية، بقي ههنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ، قال الواحدي: والينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها الكسائي والفراء، وقوله {يَنَابِيعَ } نصب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه في ينابيع ثم يهيج أي يخضر، والحطام ما يجف ويتفتت ويكسر من النبت.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق، والتمييز بين المؤمن والكافر، وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء. «أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ» أي من السحاب «مَاءً» أي المطر {فَسَلَكَهُ} أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها؛ كما قال: {أية : فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون: 18]. {يَنَابِيعَ} جمع يَنْبُوع وهو يَفْعُول من نَبَع ينبُع وينبَع وينبِع بالرفع والنصب والخفض. النحاس: وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر:شعر : يَـنْـبَاعُ مِـنْ ذِفْـرَى غَـضُـوبٍ جَسْـرَةٍ تفسير : أن معناه يَنْبَع فأشبع الفتحة فصارت ألفاً، نبوعاً خرج. واليَنْبوع عين الماء والجمع الينابيع. وقد مضى في «سبحان». ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ أي بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض {زَرْعاً} هو للجنس أي زروعاً شتى لها ألوان مختلفة، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونوراً. قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم منها العيون والركايا. {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي ييبس. {فَـتَرَاهُ} أي بعد خضرته {مُصْفَـرّاً} قال المبرد قال الأصمعي: يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولّى. قال: وكذلك هاج النبت. قال: وكذلك قال غير الأصمعي. وقال الجوهري: هاج النبت هياجاً أي يَبِس. وأرض هائجة يَبس بقْلُها أو اصفر، وأهاجت الريح النبت أيبسته، وأهيجنا الأرض أي وجدناها هائجة النبات، وهاج هائجه أي ثار غضبه، وهدأ هائجه أي سكنت فورته. {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} أي فتاتاً مكسراً من تحطم العود إذا تفتت من اليبس. والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة. وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض، أي أنزل من السماء قرآناً فسلكه في قلوب المؤمنين {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي ديناً مختلفاً بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيماناً ويقيناً، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع. وقيل: هو مثل ضربه الله للدنيا؛ أي كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى: أن أصل الماء في الأرض من السماء؛ كما قال عز وجل: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48] فإذا أنزل الماء من السماء، كمن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} فمن سره أن يعود الملح عذباً، فليصعده، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: إن كل ماء في الأرض فأصله من السماء، وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج، يعني: أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها. وقوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض، زرعاً مختلفاً ألوانه، أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي: بعد نضارته وشبابه يكتهل، فتراه مصفراً قد خالطه اليبس، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً} أي: ثم يعود يابساً يتحطم، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خضرة نضرة حسناء، ثم تعود عجوزاً شوهاء، والشاب يعود شيخاً هرماً كبيراً ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيراً ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زرعاً وثماراً، ثم يكون بعد ذلك حطاماً؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا} تفسير : [الكهف: 45] وقوله تبارك وتعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب، بعيد من الحق؟ كقوله عز وجل: {أية : أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} تفسير : [الأنعام: 122] ولهذا قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم {أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ } أدخله أمكنة نبع {فِى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ } ييبس {فَتَرَاهُ } بعد الخضرة مثلاً {مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَٰماً } فتاتاً {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ } تذكيرا {لاِوْلِى ٱلأَلْبَٰبِ } يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله تعالى وقدرته.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه الآخرة، ووصفها بوصف يوجب الرغبة فيها، والشوق إليها أتبعه بذكر الدنيا، ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها، والنفرة منها، فذكر تمثيلاً لها في سرعة زوالها، وقرب اضمحلالها مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته الباهرة، وصنعه البديع، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } أي: من السحاب مطراً {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: فأدخله، وأسكنه فيها، والينابيع جمع ينبوع من نبع الماء ينبع، والينبوع عين الماء، والأمكنة التي ينبع منها الماء، والمعنى: أدخل الماء النازل من السماء في الأرض، وجعله فيها عيوناً جارية، أو جعله في ينابيع، أي: في أمكنة ينبع منها الماء، فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض. قال مقاتل: فجعله عيوناً، وركايا في الأرض {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } أي: يخرج بذلك الماء من الأرض زرعاً مختلفاً ألوانه من أصفر، وأخضر، وأبيض، وأحمر، أو من برّ، وشعير، وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف {ثُمَّ يَهِـيجُ } يقال: هاج النبت يهيج هيجاً إذا تمّ جفافه. قال الجوهري: يقال: هاج النبت هياجاً: إذا يبس، وأرض هائجة يبس بقلها، أو اصفّر، وأهاجت الريح النبت أيبسته. قال المبرد: قال الأصمعي: يقال: هاجت الأرض تهيج: إذا أدبر نبتها، وولى. قال: وكذلك هاج النبت. {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً } أي: تراه بعد خضرته، ونضارته، وحسن رونقه مصفرًّا قد ذهبت خضرته، ونضارته {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً } أي: متفتتاً منكسراً، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: فيما تقدّم ذكره تذكير الأهل العقول الصحيحة، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها، فيتفكرون، ويعتبرون، ويعلمون بأن الحياة الدّنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم، وقرب التقضي، وذهاب بهجتها، وزوال رونقها، ونضارتها، فإذا أنتج لهم التفكر، والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم الاغترار بها، والميل إليها، وإيثارها على دار النعيم الدائم، والحياة المستمرة، واللذة الخالصة، ولم يبق معهم شك في أن الله قادر على البعث، والحشر، لأن من قدر على هذا قدر على ذلك. وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن، ولصدور من في الأرض. والمعنى: أنزل من السماء قرآناً، فسلكه في قلوب المؤمنين، ثم يخرج به ديناً بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن، فيزداد إيماناً ويقيناً، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير. قرأ الجمهور: {ثم يجعله} بالرفع عطفاً على ما قبله، وقرأ أبو بشر بالنصب بإضمار أن، ولا وجه لذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، ذكر شرح الصدر للإسلام، لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به، فقال: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } أي: وسعه لقبول الحقّ، وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير. قال السدّي: وسع صدره للإسلام للفرح به، والطمأنينة إليه، والكلام في الهمزة، والفاء كما تقدم في: {أية : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الزمر: 19]، ومن مبتدأ، وخبرها محذوف تقديره كمن قسا قلبه، وحرج صدره، ودلّ على هذا الخبر المحذوف قوله: {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } والمعنى: أفمن وسع الله صدره للإسلام، فقبله، واهتدى بهديه {فَهُوَ } بسبب ذلك الشرح {عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } يفيض عليه كمن قسا قلبه لسوء اختياره، فصار في ظلمات الضلالة، وبليات الجهالة. قال قتادة: النور كتاب الله به يؤخذ، وإليه ينتهي. قال الزجاج: تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره كمن طبع على قلبه، فلم يهتد لقسوته {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } قال الفراء، والزجاج: أي عن ذكر الله كما تقول: أتخمت عن طعام أكلته، ومن طعام أكلته، والمعنى: أنه غلظ قلبه، وجفا عن قبول ذكر الله، يقال: قسا القلب إذا صلب، وقلب قاس، أي: صلب لا يرقّ، ولا يلين. وقيل: معنى من ذكر الله من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب. والمعنى: أنه إذا ذكر الله اشمأزوا، والأول أولى، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر الله، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى القاسية قلوبهم، وهو: مبتدأ، وخبره {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي: ظاهر واضح. ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز، فقال: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } يعني: القرآن، وسماه حديثاً؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدّث به قومه، ويخبرهم بما ينزل عليه منه. وفيه بيان أن أحسن القول المذكور سابقاً هو: القرآن، وانتصاب {كِتَـٰباً } على البدل من أحسن الحديث، ويحتمل أن يكون حالاً منه {مُّتَشَـٰبِهاً } صفة لـ {كتاباً}، أي: يشبه بعضه بعضاً في الحسن، والأحكام، وصحة المعاني، وقوة المباني، وبلوغه إلى أعلى درجات البلاغة، وقال قتادة: يشبه بعضه بعضاً في الآي، والحروف. وقيل: يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه، و {مَّثَانِيَ } صفة أخرى لكتاباً، أي: تثنى فيه القصص، وتتكرر فيه المواعظ، والأحكام. وقيل: يثنى في التلاوة، فلا يملّ سامعه، ولا يسأم قارئه. قرأ الجمهور: {مثاني} بفتح الياء، وقرأ هشام عن ابن عامر، وبشر بسكونها تخفيفاً، واستثقالاً لتحريكها، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مثاني، وقال الرازي: في تبيين مثاني أن أكثر الأشياء المذكورة في القرآن متكرّرة زوجين زوجين مثل الأمر والنهي والعامّ والخاصّ، والمجمل والمفصل، وأحوال السماوات والأرض، والجنة والنار، والنور والظلمة، واللوح والقلم، والملائكة والشياطين، والعرش والكرسي، والوعد والوعيد، والرجاء والخوف، والمقصود من ذلك البيان: بأن كلّ ما سوى الحقّ زوج، وأن الفرد الأحد الحقّ هو: الله، ولا يخفى ما في كلامه هذا من التكلف، والبعد عن مقصود التنزيل {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } هذه الجملة يجوز أن تكون صفة لـ {كتاباً}، وأن تكون حالاً منه، لأنه وإن كان نكرة، فقد تخصص بالصفة، أو مستأنفة لبيان ما يحصل عند سماعه من التأثر لسامعيه، والاقشعرار التقبض، يقال: اقشعرّ جلده: إذا تقبض، وتجمع من الخوف. والمعنى: أنها تأخذهم منه قشعريرة. قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرّت جلود الخائفين لله {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ } إذا ذكرت آيات الرحمة. قال الواحدي: وهذا قول جميع المفسرين، ومن ذلك قول امرىء القيس:شعر : فبتّ أكابد ليل التمام والقلب من خشية مقشعر تفسير : وقيل: المعنى: أن القرآن لما كان في غاية الجزالة، والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته اقشعرّت الجلود منه إعظاماً له، وتعجباً من حسنه، وبلاغته ثم تلين جلودهم، وقلوبهم {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } عدّى تلين بإلى لتضمينه فعلاً يتعدّى بها، كأنه قيل: سكنت، واطمأنت إلى ذكر الله لينة غير منقبضة، ومفعول ذكر الله محذوف، والتقدير: إلى ذكر الله رحمته، وثوابه، وجنته، وحذف للعلم به. قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم بأنها تقشعرّ جلودهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو: من الشيطان، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الكتاب الموصوف بتلك الصفات، وهو: مبتدأ، و {هُدَى ٱللَّهِ } خبره، أي: ذلك الكتاب هدى الله {يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء } أن يهديه من عباده. وقيل: إن الإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما وهبه الله لهؤلاء من خشية عذابه، ورجاء ثوابه {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } أي: يجعل قلبه قاسياً مظلماً غير قابل للحقّ {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يهديه إلى الحق، ويخلصه من الضلال. قرأ الجمهور: {من هاد} بغير ياء. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن بالياء. ثم لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا، وهو: الضلال، حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر، وهو: العذاب، فقال: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } والاستفهام للإنكار، وقد تقدّم الكلام فيه، وفي هذه الفاء الداخلة على من في قوله: {أية : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الزمر: 19]، ومن مبتدأ، وخبرها محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى: أفمن شأنه أن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب يوم القيامة لكون يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شيء من ذلك، ولا يحتاج إلى الاتقاء. قال الزجاج: المعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل الجنة. قال عطاء، وابن زيد: يرمى به مكتوباً في النار، فأوّل شيء تمس منه وجهه. وقال مجاهد: يجرّ على وجهه في النار. قال الأخفش: المعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد؟ مثل قوله: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [فصلت: 40]، ثم أخبر سبحانه عما تقوله الخزنة للكفار، فقال: {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ }، وهو معطوف على يتقي أي: ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدّلالة على التحقيق. قال عطاء: أي: جزاء ما كنتم تعملون، ومثل هذه الآية قوله: {أية : هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } تفسير : [التوبة: 35]، وقد تقدّم الكلام على معنى الذوق في غير موضع. ثم أخبر سبحانه عن حال من قبلهم من الكفار، فقال: {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: من قبل الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أنهم كذبوا رسلهم {فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي: من جهة لا يحتسبون إتيان العذاب منها، وذلك عند أمنهم، وغفلتهم عن عقوبة الله لهم بتكذيبهم {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ } أي: الذلّ، والهوان {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالمسخ، والخسف، والقتل، والأسر، وغير ذلك {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ } لكونه في غاية الشدّة مع دوامه {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي: لو كانوا ممن يعلم الأشياء، ويتفكر فيها، ويعمل بمقتضى علمه. قال المبرّد: يقال: لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي: وصل إليها كما تصل الحلاوة، والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي المكروه. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } الآية قال: ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } فمن سرّه أن يعود الملح عذباً، فليصعده. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } قال: أبو بكر الصديق. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ } قلنا: يا نبيّ الله كيف انشراح صدره؟ قال: «حديث : إذا دخل النور القلب انشرح، وانفسح»تفسير : قلنا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ فقال: «حديث : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت»تفسير : وأخرجه ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعاً مرسلاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر: أن رجلاً قال: يا نبيّ الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: «حديث : أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور في القلب انفسح، واستوسع»تفسير : فقالوا: ما آية ذلك يا نبيّ الله؟ قال: «حديث : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت»تفسير : وأخرجه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، وزاد فيه: ثم قرأ: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ }». وأخرج الترمذي، وابن مروديه، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «حديث : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي»تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله لو حدّثتنا، فنزل: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } الآية». وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {مَّثَانِيَ } قال: القرآن كله مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويردّ بعضه إلى بعض. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: كتاب الله مثاني ثني فيه الأمر مراراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدّتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرءوا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم، قلت: فإن ناساً ها هنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، قالت: أعوذ بالله من الشيطان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ } قال: ينطلق به إلى النار مكتوفاً، ثم يرمى به فيها، فأوّل ما تمسّ وجهه النار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} فيه وجهان: أحدهما: وسع صدره للإسلام حتى يثبت فيه، قاله ابن عباس والسدي. الثاني: وسع صدره بالإسلام بالفرح به والطمأنينة إليه، فعلى هذا لا يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام. {فهو على نور من ربه} فيه وجهان: أحدهما: على هدى من ربه، قاله السدي. الثاني: أنه كتاب الله الذي به يأخذ وإليه ينتهي، قاله قتادة. وروى عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سدر قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ فقال: حديث : نور يقذف به في القلب تفسير : قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة؟ قال: حديث : نعم تفسير : قالوا: ما هي؟ قال: حديث : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت. تفسير : وفي من نزلت فيه هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: في رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي. الثاني: في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حكاه النقاش. الثالث: في عمار بن ياسر، قاله مقاتل. {فويل للقاسية قلوبُهم من ذِكر الله} قيل أنه عنى أبا جهل وأتباعهُ من كفار قريش، وفي الكلام مضمر محذوف تقديره، فهو على نور من ربه كمن طبع الله على قلبه فويل للقاسية قلوبهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} (الآية) لما وصف الآخرة بوصف يوجب الرغبة العظيمة فيها وصف الدنيا بصفة توجب (اشتداد) النفرة عنها، وذلك أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} أي عيوناً ومسالك وَركَايَا في الأرض ومجاري كالعروق في الأجساد {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} من خُضْرَة وحُمْرة، وصُفرة وبَيَاض وغير ذلك مختلفاً أصنافه من بُرٍّ وشَعير وسِمْسِمٍ "ثُمَّ يَهِـيجُ" أي يَبْيَسُ "فَتَراهُ مُصْفَرًّا" لأنه إذا تم جفافه جازَ (له) أن ينفصل عن منابته وإن لم تَتَفَرَّق أجزاؤه فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم تصير حُطَاماً فُتَاتاً متكّسراً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} يعني من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلا بدّ من الانتهاء إلى أن يصير مُصْفَرَّ اللون متحطم الأعضاءِ والأجزاء ثم يكون عاقبته الموت، فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات مذكرة حصول (مثل) هذه الأحوال في نفسه وفي حياته فحينئذ تعظم نُفْرتُهُ عن الدنيا ولذاتها. قوله: "ثُمَّ يَجْعَلُهُ" العامة على رفع الفعل نَسَقاً على ما قبله، وقرأ أبو بشر ثم يَجْعَلَهُ منصوباً. قال أبو حيان: قال صاحب الكامل - يعني الهُذَلِي -: وهو ضعيف. ولم يبين هو ولا صاحبُ الكامل وجهَ ضعفه ولا تخريجه، فأما ضعفه فواضحٌ حيث لم يتقدم ما يقتضي نصبه في الظاهر، وأما تخريجُهُ فذكر أبو البقاء فيه وجهين: أحدهما: أن ينتصب بإضمار "أَنْ" ويكون معطوفاً على قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} في أول الآية والتقدير: ألم تر إنزالَ اللَّه ثم جَعْلَهُ. والثاني: أن يكون منصوباً بتقدير: ترى أي ثم ترى جَعْلَه حُطَاماً يعني أنه ينصب "بأَنْ" مضمرةً وتكون أن وما في حيِّزها مفعولاً به بفعل مقدر وهو "ترى" لدلالة: "أَلَمْ تَرَ" عَلَيْهِ. قوله (تَعَالَى): {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الآية، لما بين الدلائل الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله ووجوب الإعراض عن الدنيا وذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا تكمل إلا إذا شُرِحَ الصدر ونُوِّر القلب، والكلام في قوله (تعالى): {أَفَمَن شَرَحَ اللهُ} وقوله: "أَفَمَنْ يتقي" كالكلام في "أَفَمَنْ حَقَّ" والتقدير: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لْلإسْلاَم كَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ، أو كالقَاسِي المُعْرِضِ لدلالة: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} عليه وكذا التقدير في: "أَفَمَنْ يتقي" أي كمن أمن العذاب، وهو تقدير الزمخشري، أو: كالمُنعمِينَ في الجنة وهو تقدير ابن عطيَّةَ. فصل معنى شرح الله صدره للإسلام أيْ وسعه لقبول الحق {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} كمن أقسى الله قلبه {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. قال مالك بن دينار: ما ضرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوةِ وَمَا غضب الله على قوم إلا نَزَعَ منهم الرحمة. فإن قيل: إن ذكر الله - عزّ وجلّ - سبب لحُصُول النور والهداية وزيادة الاطمئنان قال تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28] فكيف جعله في هذه الآية مبيناً لحصول القسوة في القلب؟. فالجواب: أن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العُنْصر بعيدةً عن مناسبة الرُّوحَانِيَّات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمة والأخلاق الذَّميمة فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوةً وكُدُورةً، مثاله أن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس تسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقِد الملح. وقد نرى إنساناً (واحداً) يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس، ولما نزل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] وعمر بن الخطاب حاضر وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون:14] قال كل (واحد) منهما: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون:14] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اكتب فكذا نزلت فازْدَادَ عمرُ إيماناً على إيمان، وازداد ذلك الإنسان (كفراً على كُفْرٍ) وإذا عرف هذا لم يبعد أن يكون ذكر الله - عزّ وجلّ - يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض‏}‏ قال‏:‏ ما أنزل الله من السماء ولكن عروق في الأرض تغمره فذلك قوله ‏ {‏فسلكه ينابيع في الأرض‏}‏ فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعد‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الشعبي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فسلكه ينابيع في الأرض‏} ‏ أصله من السماء‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فسلكه ينابيع في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ عيونا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه قال‏:‏ العيون والركايا مما أنزل الله من السماء ‏{‏فسلكه ينابيع في الأرض‏} ‏ والله أعلم‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [الآية: 21]. قال بعضهم: اللب والعقل مائة جزء تسعة وتسعون جزءًا فى النبى صلى الله عليه وسلم وجزء فى سائر المؤمنين فعلى إحدى وعشرين سهمًا فسهم المؤمنين فيه سواء وهو شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله وعشرون جزءًا يتفاوتون فيها فى مقادير حقائق إيمانهم.

القشيري

تفسير : أخبر أنه يُنْزِلُ من السماءِ المطرَ فيُخْرِجُ به الزرعَ فيخضرّ، ثم يأخذ في الجفاف، ثم يصير هشيماً...والإشارةُ من هذا إلى الإنسان، يكون طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً ثم يصير إلى أرذل العمر ثم في آخره يخترم. ويقال إن الزَّرْعَ ما لم يأخذْ في الجفاف لا يُؤْخَذُ منه الحَبُّ، فالحبُّ هو المقصود منه. كذلك الإنسان ما لم يحصلْ من نَفْسه وصولٌ لا يكون له قَدْرٌ ولا قيمةٌ. ويقال إن كَوْنَ المؤمنِ بقوة عقله يوجِبُ استفادةً له بعلمه إلى أَنْ يبدوَ منه كمالٌ يُمكِّنُ من أنوار بصيرته، ثم إذا بدت لائحةٌ من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مغمورة. فإذا بَدَتْ أنوارُ التوحيد استهلكت تلك الجملة، قالوا: شعر : فلــمَّا استبـان الصبـــحُ أدرج ضـوءُه بأَنـواره أنـوارَ تــلك الكــــواكــب

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر} [آيا نمى بينى يا محمد] او يا ايها الناظر {ان الله انزل من السماء} من تحت العرش {ماء} هو المطر - روى - عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس" تفسير : يعنى كل ماء فى الارض نهرا او غيره فهو من السماء ينزل منها الى الغيم ثم منه الى الصخرة يقسمه الله بين البقاع {فسلكه} يقال سلك المكان وسلك غيره فيه واسلكه ادخله فيه اى فادخل ذلك الماء ونظمه {ينابيع فى الارض} اى عيونا ومجارى كالعروق فى الاجساد فقوله {ينابيع} نصب بنزع الخافض وقد ذكر الخافض فى قوله {أية : اسلك يدك فى جيبك} تفسير : وقوله {فى الارض} بيان لمكان الينابيع كقولك لصاحبك ادخل الماء فى جدول المبطخة فى البستان وفيه ان ماء العين هو المطر يحبسه فى الارض ثم يخرجه شيئا فشيئا فالينابيع جميع ينبوع وهو يفعول من نبع الماء ينبع نبعا مثلثة ونبوعا خرج من العين والينبوع العين التى يخرج منها الماء والينابيع الامكنة التى ينبع ويخرج منها الماء {ثم يخرج به} [بس بيرون مى آرد بدان آب] {زرعا} هو فى الاصل مصدر بمعنى الانبات عبر به عن المزروع اى مزروعا {مختلفا الوانه} اصنافه من بر وشعير وغيرهما وكيفاته من الالوان والطعوم وغيرهما. وكلمة ثم للتراخى فى الرتبة او الزمان وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. قال فى المفردات اللون معروف وينطوى على الابيض والاسود وما يركب منهما ويقال تلوّن اذا اكتسى لونا غير اللون الذى كان له ويعبر بالالوان عن الاجناس والانواع يقال فلان اتى بالوان من الاحاديث وتناول كذا لونا من الطعام انتهى {ثم يهيج} اى يتم جفافه حين حان له ان يثور عن منبته يقال هاج يهيج هيجا وهيجانا بالكسر ثار وهاج النبت يبس كما فى القاموس: وبالفارسية [بس خشك ميشود آن مزروع] {فتراه مصفرا} من يبسه بعد خضرته ونضرته: وبالفارسية [بس مى بينى آنرا زرد شده بعد ازتازه كى وسبزى]. قال الراغب الصفرة لون من الالوان التى بين السواد والبياض وهى الى البياض اقرب ولذلك قد يعبر بها عن السواد {ثم يجعله} اى الله تعالى {حطاما} فتاتا متكسرا كأن لم يغن بالامس: وبالفارسية [ريزه ريزه ودرهم شكسته] يقال تحطم العود اذا تفتت من اليبس ولكون هذه الحالة من الآثار القوية علقت بجعل الله تعالى كالاخراج {ان فى ذلك} المذكور مفصلا {لذكرى} لتذكيرا عظيما [والتذكير: ياد دادن] {لاولى الالباب} لاصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل وتنبيها لهم على حقيقة الحال يتذكرون بذلك ان حال الحياة الدنيا فى سرعة التقضى والانصرام كما يشاهدونه من حال الحطام كل عام فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بفتنها شعر : بود حال دنيا جو آن سبزه زار كه بس تازه بينى بفصل بهار جو بروى وزد تند باد خزان يكى برك سبزى نيابى ازان تفسير : قال فى كشف الاسرار الاشارة فى هذه الآية الى ان الانسان يكون طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم يصير الى ارذل العمر ثم آخره يخترم ويقال ان الزرع ما لم يؤخذ منه الحب الذى هو المقصود منه لا يكون له قيمة كذلك الانسان ما لم يخل من نفسه لا يكون له قدر ولا قيمة. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {ألم تر} الخ الى انزال ماء الفيض الروحانى من سماء القلب {فسلكه ينابيع} الحكمة {فى الارض} البشرية {ثم يخرج به زرعا} من الاعمال البدنية {مختلفا الوانه} من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد {ثم يهيج} الخ يشير الى اعمال المرائى تراها مخضرة على وفق الشرع ثم تجف من آفة العجب والرياء {فتراه مصفرا} لا نور له {ثم يجعله} من رياح القهر اذ هبت عليه {حطاما} لا حاصل له الا الحسرة وقوله {ان فى ذلك} الخ اشارة الى ان السالك اذا جرى على مقتضى عقله وعلمه يظهر منه آثار الاجتهاد ثم اذا ترقى الى مقام المعرفة تضمحل منه حالته الاولى ثم اذا بدت انوار التوحيد استهلكت الجملة كما قالوا شعر : فلما استبان الصبح ادرج ضوءه بانواره انوار تلك الكواكب تفسير : فالتوحيد كالشمس ونورها فكما انه بنور الشمس تضمحل انوار الكواكب فكذا بنور التوحيد تتلاشى انوار العلوم والمعارف ويصير حالها الى الافول والفناء ويظهر حال اخرى من عالم البقاء

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ألم تَرَ} أيها السامع {أن الله أنزلَ من السماء ماءً} هو المطر، وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء، ينزل منها إلى الصخرة، فيقسمه الله تعالى بين البقاع. {فسَلَكَهُ}: أدخله ونظمه {ينابيعَ في الأرض} أي: عيوناً ومجاري في الأرض، كجري الدماء في العروق في الأجساد: أو: مياهاً نابعة في ظهرها، فإن الينبوع يطلق على المنبع والنابع. فنصب "ينابيع" على الحال، على القول الثاني، وعلى نزع الخافض، على الأول. {ثم يُخرِجُ به زرعاً مختلفاً ألوانه}: أصنافه، من بُر وشعير وغيرهما، أو: كيفياته من الألوان، كالصفرة والخضرة والحمرة، والطعوم وغيرهما. و {ثم}: للتراخي في الرتبة والزمان، وصيغة المضارع: لاستحضار الصورة البديعة، {ثم يهيجُ} أي: يتم جفافه، ويشرف على أن يثور من منابته، ويستقل على وجه الأرض، ساتراً لها، {فتراه مُصفراً} من بعد خضرته ونَضرته. {ثم يجعله حطاماً}، فُتاتاً متكسرة، كأن لم يغنَ بالأمس، فمَن قدر على هذا قدر على إنشاء الخلق بعد فنائهم ومجازاتهم. وقيل: المراد من الآية: تمثيل الحياة الدنيا، في سرعة الزوال، وقُرب الاضمحلال، بما ذكر من أحوال الزرع، ترغيباً عن زخارفها وزينتها، وتحذيراً من الاغترار بمَن سُرّ بها، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ} تفسير : [يونس: 24]... الآية، وقيل: للاستشهاد على تحقق الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغُرف، بما يشاهد من إنزال المياه من السماء، وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى، وإحكام حكمته ورحمته. {إِن في ذلك} أي: ما ذكر تفصيلاً من إنزال الماء وما نشأ عنه. {لذِكْرى}: لتذكيراً عظيماً {لأُولي الألباب}: لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الهوى، فيتذكرون بذلك أن الحياة الدنيا في سرعة التقضي والانصرام، كما يشاهدونه من حال الحكام كل عام، فلا يغترُّون ببهجتها، ولا يُفتنون بفتنتها، أو: يجزمون بأن مَن قدر على إنزال الماء من السماء، وإجرائه في ينابيع الأرض، قادر على إجراء الأنهار من تحت الغُرف. وأما ما قيل: من أنه استدلال على وجود الصانع؛ فلا يليق؛ لأن هذه الأفعال الجليلة ذُكرت مسندة إلى الله تعالى؛ وإنما يليق الاستدلال بها على وجود الصانع لو ذُكرت غير مسندة إلى مؤثر، فتَعَيّن أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى وشؤون آثاره، كما بيَّن، لا وجوده تعالى. قاله أبو السعود. الإشارة: قال القشيري: والإشارة في هذا أن الإنسان يكون طفلاً، ثم شابًّا، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم يصير إلى أرذل العمر، ثم إلى آخره يُخترم، ويقال: إن الزرع ما لم يأخذْ في الجفاف لا يُؤخذ منه الحَبُّ، الذي هو المقصود منه، كذلك الإنسان ما لم يخل من نفسه وحَوْلِه لا يكون له قَدْرٌ ولا قيمةٌ. قلت: يعني أنه ما لم يمحص نفسه، وينهكها في التقرُّب إلى مولاه، لا قيمة له. ثم قال: ويقال: إن المؤمن بقوة عقله يوجبُ استقلاله بعمله إلا أن يبرُز منه كمالٌ يُمكِّنه من وفارة بصيرته، ثم إذا بدت لائحةٌ من سلطان المعارف تصير تلك الأبواب مغمورة، فإذا بَدَتْ أنوارُ التوحيد استهلكت تلك الجملة كذلك، وأنشدوا: شعر : فلمَّا استبان الصبحُ أدرج ضوءُه بأنواره أنوارَ ضوء الكواكبِ تفسير : قلت: استقلال العبد بعمله هو مثل بروز الزرع من منبته، ووفُورِ بصيرته هو إخراج حبه في سنبله، وبدو لائحة من سلطان المعارف هو اصفراره، وظهور أنوار التوحيد التي تفني وجوده وتغمره في وجود الحق هو صيرورتها حطاماً، فتأمل. وهذا كله نتيجة شرح الصدر الذي أشار إليه بقوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين على وجه التنبيه لهم على الأدلة الدالة على توحيده واختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره {ألم تر} يا محمد ومعناه ألم تعلم {أن الله أنزل من السماء ماء} يعني مطراً {فسلكه ينابيع في الأرض} يعني أدخله في عيون الأرض ومنابعها. وقيل: السلوك دخول في الشيء، ولهذا حسن في صفة الماء الجارى، فقيل فسلكه ينابيع في الأرض، ويقولون: دخل في الاسلام، ولا يقال سلك في الاسلام، والينابيع جمع ينبوع، وهو خروج الماء من العيون. وقيل: الينبوع المكان الذي ينبع منه الماء تقول: نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه، وعيون الماء مستودع الماء، ونبع الماء إذا انفجرت به العيون. وقوله {ثم يخرج به} يعني بذلك الماء {زرعاً} وهو كل ما ثبت على غير ساق، والشجر ما له ساق واغصان. والنبات يعم الجميع، يقال: تنبت النخلة والشجرة والحبّة تنبت نباتاً. وقوله {مختلفاً ألوانه} يعني صنوفه وقيل: مختلف الالوان من اخضر واصفر واحمر وأبيض: من البر والشعير والسمسم والارز والذرة والدخن وغير ذلك. وقوله {ثم يهيج فتراه مصفراً} معناه يجف ويضطرب، فالهيج شدة الاضطراب بالانقلاب عن حال الاستقامة والصلاح، هاج يهيج هيجاً وهياجاً وهاج البعير هيجاً. وقيل: معنى {يهيج} أي يحمى ويجف، فكأنه عما يلحق الجميع يخرج إلى تلك الحال فيتغير عن لون الخضرة إلى لون الصفرة. وقوله {ثم يجعله حطاماً} فالحطام فتات التبن والحشيش. ثم قال {إن في ذلك} يعني في ما ذكره من انزال الماء من السماء وإنبات الزرع به ونقله من حال إلى حال {لذكرى} أي ما يتذكر به ويفكر فيه لاولي الالباب يعني ذوي العقول السليمة. ثم قال تعالى على وجه التنبيه للحق {أفمن شرح الله صدره للإسلام} أي من لطف الله له حتى آمن وعرف الله ووحده وصدق نبيه {فهو على نور من ربه} يعني فهو على هداية من الله ودين صحيح، كمن كان بخلاف ذلك، وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قال {فويل للقاسية قلوبهم} يعني الويل والعقاب للذين قست قلوبهم {عن ذكر الله} حتى لم يعرفوه ولا وحدوه يقال قسى الشيء إذا صلب، كما قال {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} تفسير : ويقال: غسا وعثا وقسا بمعنى واحد، ويقال ما اقسى قلبه إذا كان لا يلين لشيء. والمعنى كلما تلي عليه ذكر الله قسى قلبه. وقوله {عن ذكر الله} معناه غلظ قلبه عن ذكر الله. والقاسية قلوبهم هم الذين الفوا الكفر وتعصبوا له فلذلك قست قلوبهم. ثم قال تعالى {أولئك} يعني القاسية قلوبهم عن ذكر الله {في ضلال} أي عدول عن الحق {مبين} أي واضح ظاهر. ثم قال {الله نزل أحسن الحديث} يعني القرآن {كتاباً متشابهاً} نصب {كتاباً} على البدل من قوله {أحسن} ومعناه {متشابهاً} في الحكم التي فيه من الحجج والمواعظ والاحكام التي يعمل عليها في الدين وصلاح التدبير يشبه بعضه بعضاً لا تناقض فيه {مثاني} أي يثنى فيه الحكم والوعد والوعيد بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى ايضاً في التلاوة فلا يمل لحسن مسموعه في القرآن {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} أى تقشعر جلود المؤمنين الذين يخافون عذاب الله لما يسمعونه فيه من الوعيد {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} وما ضمنه الله على ذلك من الثواب. ثم قال {ذلك} يعني ما وصف به المؤمن من اقشعرار قلوب المؤمنين تارة ولينها أخرى {هدى الله يهدي به من يشاء} أي لطف الله الذى يلطف به لمن يشاء من عباده الذين يعلم انه لطف لهم. وقال الجبائي: انه خص به أمة محمد صلى الله عليه وآله. ثم قال {ومن يضلل الله فما له من هاد} ومعناه من أضله الله عن طريق الجنة لا يقدر احد على هدايته اليها. ويحتمل ان يكون المراد من حكم الله بأنه ضال لا يقدر احد ان يحكم بأنه هاد. ثم قال منبهاً لخلقه {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} وتقديره كمن يدخل الجنة؟! وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النار مغلولا، لا يمكنه ان يتقي النار إلا بوجهه. ومعنى يتقي يتوَّفاها كما قال الشاعر: شعر : إذ يتقون بي الأسنة لم اخم عنها ولكني تضايق مقدمي تفسير : أي يقدمونني الى القتال فيتوقون بي حرها. وحذف كمن كان بخلاف ذلك لدلالة الكلام عليه، فان هذا لا يكون ابداً. ثم حكى الله تعالى ما يقال للكافرين الظالمين نفوسهم بالكفر بالله يوم القيامة إذا دخلوا النار {ذوقوا ما كنتم} أي جزاء ما كنتم {تكسبون} من المعاصي. ثم اخبر تعالى عن الامم الماضية من أمثالهم من الكفار بأن قال {كذب الذين من قبلهم} بآيات الله وجحدوا توحيده وكذبوا رسله {فأتاهم العذاب} جزاء لهم على فعلهم وعقوبة عاجلة {من حيث لا يشعرون} أي حيث لا يعلمون به ولا يحتسبون.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب عامّ والاستفهام للتّقريع او خاصّ بمحمّدٍ (ص) والاستفهام للتّقرير لانّه (ص) يرى ذلك وان كان غيره لا يراه {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} اصنافه وانواعه، او المقصود اختلاف الالوان حقيقةٍ {ثُمَّ يَهِـيجُ} يثور عن منبته بالجفاف {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} متفتّتاً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} تذكيراً بالصّانع وكمال حكمته وقدرته وعنايته بخلقه لا سيّما ببنى آدم لانتفاعهم بما سواهم وكون ما سواهم لانتفاعهم دون ما سواهم وتذكيراً بانّ الاحياء بالحياة الدّنيا مثل انبات النّبات واخضراره وانحطاطه ويبسه واصفراره وتفتّته فلا يغترّ بها ويعلم انّها ايضاً ليست مقصودة بالذّات بل هى كسائر الموجودات مقدّمة لغيرها وليطلب ذلك وليعمل له {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} الّذين قبلوا ولاية علىٍّ (ع) بالبيعة الخاصّة الولويّة كما تكرّر انّه لا يحصل اللّبّ للانسان الاّ بتأبير الولاية.

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} والينابيع العيون. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أََلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} كقوله: (أية : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ)تفسير : ... إلى آخر الآية [يونس:24]. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأِوْلِي الأَلْبَابِ} أي: لذوي العقول، وهم المؤمنون، يتذكّرون فيعلمون أن ما في الدنيا ذاهب. قال: {أََفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} أي: وسّع. كقوله: (أية : فَمَن يُّرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ) تفسير : [الأنعام:125] قال: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: ذلك النور في قلبه. {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي الغليظة {مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: عن الهدى. أي: إن الذي شرح الله صدره للهدى فهو على نور من ربه، ليس كالقاسي قلبه، يعني المشرك، الذي هو في ضلال مبين، أي عن الهدى، أي بيّن الضلالة. وهذا على الاستفهام، يقول: هل يستويان، أي: إنهما لا يستويان. قوله: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} يعني القرآن {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} أي: يشبه بعضه بعضاً في نوره وعدله وصدقه {مَّثَانِيَ} أي يثني الله فيه القصص أي: يذكر الجنة في هذه الصورة، ثم يذكرها في غيرها من السور. وهذا تفسير الحسن. وقال بعضهم: يذكر الآية في هذه السورة ثم يذكرها في الأخرى. {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي: إذا ذكروا وعيد الله وما أعدّ. قال: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} أي: إذا ذكروا أعمالهم الصالحات لانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، أي إلى وعد الله الذي وعدهم. قال: {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: يهديه.

اطفيش

تفسير : {ألَم تَر أنَّ الله أنْزل مِن السَّماءِ ماء} إلى قوله {حطاما} تمثيل لسرعة زوال الدنيا، وكأنها زالت فكيف يطمئن اليها، وكأنكم بعدها بتلك الدار التى فيها الغرف المذكورة، وبيان لقدرة الله تعالى، فلا تنكر تلك الغرف، والمياه المذكورة، والسماء جهة العلو ينزل الماء منها لأسباب خلقها الله، ويوجد الماء بها كالأبخرة تصعد الى العلو، فيقلبها ماء، وقيل: السماء الدنيا ينزل الماء منها فى مدة يسيرة بقدرة الله، أو مدة طويلة ينزل فيها فيصل لأوقاته، وقيل: يحتبس البخار فى الأرض فينقلب ماء، واذا عثر بحيث لا تسعه الأرض انشقت فالفجر عيونا، وهو قول قوم كثر بحار الجهل فى قلوبهم، فانشق الى هذا الكلام، وقيل: الماء ما فى الأرض من الماء الذى أنزله الله تعالى من تحت العرش، وأسكنه الأرض حين خلقها، والمعروف أنا نرى الماء ينعقد من أبخرة، وأن ماء الأرض من الأمطار يخزن فيها، يقل بقلة المطر، ويكثر بكثرته، ويقال بعضه من أول خلق الأرض وبعضه من المطر، وعن ابن عباس: لا ماء فى الأرض إلا من السماء، ونحو: " ألم تر" ولو كان بمعنى ألم تعلم كثير فى الاستعمال، ولو فيما لم يشاهد، لكن أصله فيما يشاهد ولا مانع منه هنا {فسلكه} أدخله {يَنابِيعَ} مجارى كالعروق فى الاجساد، وهو ظرف أو يقدر فى، والمفرد ينبوع، ويبعد أن يجعل ينابيع بمعنى نوابع، فيكون حالا وهو ضعيف، لأنه لم يقل من الأرض بل قال: {في الأرض} فنحتاج الى أن فى بمعنى من أو الى، والمعنى أنه ينبع فى مواضع النبع منها. {ثمَّ يُخرجُ به زرعا} أى بسببه، إذ جعله الله تعالى سببا كل ذلك عن الله خلق للسبب والمسبب، وتأثره ولو شاء لأخرج النبات النار أو من الهواء من الحجر بلا ماء، أو من حديد ولا بأس بجعل المدخلية للماء، بان نجعل الهاء للماء بالتقدير مضاف فيقال: يخرج الله تعالى الزرع بالماء، ولا بأس فى ذلك لأن تلك المدخلية لا يحتاج الله تعالى إليها فى إخراج الزرع، وهو خلقها، وجعل الله تعالى الأمور مرتبة على الأسباب إليها القلب، وتعمل الجوارح، ويثاب العامل، ولو لم يكن الأسباب لكان الانسان فى غم مما يفجأ من خير أو ضر، لا يدرى أيهما يكون، ولا متى يكون {مُخْتلفَا أَلْوانُه} أنواعه كبرٌ وشعير، أو خضرته وصفرته وحمرته، أو الأنواع الكيفيات الشاملة لذلك كله، والزرع شامل لما يأكله الناس، وما لا يأكلونه، وهو ما حرثه الناس لا ما نبت مطلقا ولو بلا حرث، وتحتمل ارادة هذا العموم على التجوز لعلاقة الاطلاق والتقييد. وثم فى ذلك وفى قوله: {ثمَّ يَهيجُ} للتراخى فى الزمان، ولا ينافى سوق الآية تمثيلا للسرعة، لأن فى هذه الدنيا سريعا وبطيئا، ويجوز أن تكون للتراخى فى الرتبة والهيجان، اليبس حقيقة لا مجاز من مجاز الأول والمشارفة عن الهيجان بمعنى التفتت والذهاب باليبس كما قيل {فتراه مُضْفَّرا ثمَّ يجْعلُه حُطاما} مفتتا {إنَّ في ذلك لذِكْرى} تذكرة أو تذكير بهوان الدنيا {لأولي الألباب} فلا يغترون بالدنيا، ولا يستنكرون إجراء الأنهار من تحت الغرق، ولا يتبادر أن المعنى تذكيرا أو تذكرا بأنه لذلك من صانع حكيم، وليس كل ما صح معناه تفسير به الآية، ولو لم يكن دليل عليه، ولا الآية مسوقة له.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } استئناف وارد إما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال بما ذكر من أحوال الزرع تحذيراً من الاغترار بزهرتها أو للاستشهاد على تحقق الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغرف بما يشاهد من إنزال الماء من السماء وما يترتب عليه من آثار قدرته سبحانه وأحكام حكمته ورحمته. والمراد بالماء المطر وبالسماء جهة العلو، وقيل: الأجرام العلوية وكون إنزال المطر منها باعتبار أنه بأسباب ناشئة منها فإن تصاعد الأبخرة وتكون الغيوم بسبب جذب الشمس واختلاف أوضاعها ونحو ذلك من الأسباب التي يعلمها الله تعالى، وأما كون إنزال المطر نفسه من جرم السماء المعروفة نفسها فكثير ما يرتفع سحاب ويمطر مطراً غزيراً وهناك من هو على ذروة جبل لا سحاب عنده ولا مطر والتزام أن المطر في ذلك نازل من جرم السماء أيضاً على السحاب لكن لا يشاهده من هو مشرف على السحاب وواقف فوق الجبل لا يخفى حاله. وقيل: المراد بالماء كل ماء في الأرض، والمراد بالإنزال المذكور الإنزال في مبدأ الخليقة وذلك أنه عز وجل لما خلق الأرض خلقها خالية من الماء فأنزل من بحر تحت العرش ماء. {فَسَلَكَهُ } فأدخله {يَنَابِيعَ فِى ٱلاْرْضِ } أي في ينابيع أي عيون ومجاري كائنة في الأرض كالعروق في الأجساد فعلى الأول: يقتضي ظاهر الآية أن ماء العيون والقنوات من ماء المطر وعلى الثاني: ليس منه. وشاع عن الفلاسفة أن ماء العيون وما جري مجراها من الأبخرة قالوا: إن البخار إذا احتبس في الأرض يميل إلى جهة وتبرد بها فتنقلب مياه مختلطة بأجزاء بخارية فإذا كثر بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاقها فانفجر منها العيون، ورده أبو البركات البغدادي فقال في «المعتبر»: السبب في العيون وما يجري مجراها هو ما يسيل من الثلوج ومياه الأمطار لأنا نجدها تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها وأن استحالة الأهوية والأبخرة المنحصرة في الأرض لا مدخل لها في ذلك فإن باطن الأرض في الصيف أشد برداً منه في الشتاء فلو كان سبب هذه استحالتها لوجب أن تكون العيون والقنوات ومياه الآبار في الصيف أزيد وفي الشتاء أنقص مع أن الأمر بخلاف ذلك على ما دلت عليه التجربة. وقال الميبدي: الحق أن السبب الذي ذكره صاحب «المعتبر» معتبر لا محالة إلا أنه غير مانع من اعتبار السبب الذي ذكر يعني ما شاع، واحتجاجه في المنع إنما يدل على أنه لا يجوز أن يكون ذلك هو السبب التام لا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك سبباً في الجملة اهـ. وفي «شرح المواقف» اختلفوا في أن المياه متولدة من أجزاء مائية متفرقة في عمق الأرض إذا اجتمعت أو من الهواء البخاري الذي ينقلب ماء. وهذا الثاني وإن كان ممكناً إلا أن الأول أولى لأن مياه العيون والقنوات والآبار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار، والأولى عندي أن يحمل الماء في الآية على المطر ونحوه من الثلج، والآية تدل على أن ذلك الماء يسلكه الله تعالى في ينابيع في الأرض ولا تدل على أن ما في الينابيع ليس إلا ذلك الماء فيجوز أن يكون بعض ما فيها هو الماء المنزل من السماء والبعض الآخر حادثاً من الهواء البخاري بانقلابه ماءً بأسباب يعلمها الله عز وجل، وحمل الإنزال على الإنزال في مبدأ الخليقة على ما سمعت مع كونه مما لم أقف / على خبر صحيح يقتضيه خلاف الظاهر في الآية جداً لأن الخطاب في {أَلَمْ تَرَ } عام ولا يتأتى العموم في رؤية ذلك، وكأنه يتعين عليه جعل الخطاب خاصاً بسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمراد ألم تعلم ذلك بالوحي ومع ذلك لا يخفى حال حمل الآية على ما ذكر، وقريب مما قيل ما حكاه الزمخشري في الآية عن بعض من أن كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله تعالى بين البقاع، هذا لكن يعكر على ما اخترناه ظاهر ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: ليس في الأرض ماء إلا ما أنزل الله تعالى من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعد. وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير والشعبـي، فإن صح هذا الخبر وقلنا إنه في حكم المرفوع فما علينا إذا قلنا بظاهره فالعقل لا يأباه والله تعالى على كل شيء قدير. هذا وجوز أن تكون الينابيع جمع ينبوع بمعنى النابع فإنه كما يطلق على المنبع يطلق على ما ذكر وحينئذٍ تكون منصوبة على الحال، والمعنى فسلكه مياهاً نابعة في الأرض، ولا يخلو من الكدر لأنه لو قصد هذا كان الظاهر أن يقال من الأرض وعلى ما هو المشهور يكون {يَنَابِيعَ } منصوباً بنزع الخافض كما أشرنا إليه. واحتمال كونه منصوباً على المصدرية في إطلاقيه بأن يكون الأصل فسلكه سلوكاً في ينابيع أي مجاري فحذف المصدر وأقيم ما هو في موضع الصفة مقامه أو يكون الأصل فسلكه سلوك ينابيع أي مياه نابعة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه بعيد كما لا يخفى. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ } أي بواسطته مراعاة للحكمة لا لتوقف الإخراج عليه في نفس الأمر، وقالت الأشاعرة: أي يخرج عنده بلا مدخلية له بوجه من الوجوه سوى المقارنة {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } أي أنواعه وأصنافه من بر وشعير وغيرهما أو كيفياته المدركة بالبصر من خضرة وحمرة وغيرهما أو كيفياته مطلقاً من الألوان والطعوم وغيرهما على ما قيل، وشمل الزرع المقتات وغيره. وثم للتراخي في الرتبة أو الزمان، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. {ثُمَّ يَهِـيجُ } ييبس، وظاهر كلام أهل اللغة أن هذا معنى حقيقي للهيجان، ويفهم من كلام بعض المفسرين أن يهيج بمعنى يثور واستعماله بمعنى ييبس من مجاز المشارفة لأن الزرع إذا يبس وتم جفافه يشرف على أن يثور ويذهب من منابته {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً } من بعد خضرته ونضارته. وقرىء {مصفاراً} {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً } فتاتاً متكسراً كأن لم يغن بالأمس، ولكون هذه الحالة من الآثار القوية علقت بجعل الله تعالى كالإخراج. وقرأ أبو بشر {ثُمَّ يجعله } بالنصب قال صاحب «الكامل»: وهو ضعيف ولم يبين وجه النصب، وكأنه إضمار أن كما في قوله:شعر : إني وقتلي سليكاً ثم أعقله تفسير : ولا يخفى وجه ضعفه هنا. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارة إلى ما ذكر تفصيلاً، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الغرابة والدلالة على ما قصد بيانه {لَذِكْرى } لتذكيراً عظيماً {لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل وتنبيهاً لهم على حقيقة الحال يتذكرون بذلك حال الحياة الدنيا وسرعة تقضيها فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بفتنتها أو يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء والتصرف به على أتم وجه قادر على إجراء الأنهار من تحت تلك الغرف، وكأن الأول أولى ليكون ما تقدم ترغيباً في الآخرة وهذا تنفيراً عن الدنيا، وقيل المعنى إن في ذلك لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد لذلك من صانع حكيم وأنه كائن على تقدير وتدبير لا عن تعطيل وإهمال وهو بمعزل عما يقتضيه / السياق على أن الأنسب بإرادة ذلك ذكر الآثار غير مسندة إليه عز وجل فحيث ذكرت مسندة إليه سبحانه فالظاهر أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى أو شؤون آثاره حسبما أشير إليه لا وجوده جل وعلا.

سيد قطب

تفسير : في هذا المقطع من السورة لفتة إلى حياة النبات في الأرض عقب إنزال الماء من السماء؛ وانتهائها إلى غايتها القريبة، وكثيراً ما يضرب هذا مثلاً للحياة الدنيا في حقيقتها الزائلة ـ وتوجيه لأولي الألباب الذين يذكرون ويتدبرون ليتدبروا هذا المثل ويذكروه. وعلى ذكر إنزال الماء من السماء يشير إلى الكتاب المنزل من السماء كذلك لتحيا به القلوب وتنشرح له الصدور؛ مع تصوير موح لاستجابة القلوب المفتوحة لهذا الكتاب، بخشية وقشعريرة ثم لين وطمأنينة. وتصوير كذلك لعاقبة المستجيبين لذكر الله، والقاسية قلوبهم من ذكر الله، وفي النهاية يتجه إلى حقيقة التوحيد، فيضرب مثالاً لمن يعبد إلهاً واحداً ومن يعبد آلهة متعددة. وهما لا يستويان مثلاً ولا يتفقان حالاً. كما لا يستوي حال العبد الذي يملكه سادة متنازعون والعبد الذي يعمل لسيد واحد لا ينازعه أحد فيه! {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه، ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم يجعله حطاماً؟ إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب}. إن هذه الظاهرة التي يوجه القرآن إليها الأنظار للتأمل والتدبر، ظاهرة تتكرر في أنحاء الأرض، حتى لتذهب الألفة بجدتها وما فيها من عجائب في كل خطوة من خطواتها. والقرآن يوجه النظر إلى رؤية يد الله وتتبع آثارها في كل خطوة من خطوات الحياة. فهذا الماء النازل من السماء.. ما هو وكيف نزل؟ إننا نمر بهذه الخارقة سراعاً لطول الألفة وطول التكرار. إن خلق الماء في ذاته خارقة. ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتي أيدروجين بذرة أكسوجين تحت ظروف معينة، فإن هذه المعرفة خليقة بأن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد الله التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الأيدروجين ويوجد الأكسوجين وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما، وبوجود الماء من هذا الاتحاد. ومن ثم وجود الحياة في هذه الأرض. ولولا الماء ما وجدت حياة. إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة. والله من وراء هذا التدبير، وكله مما صنعت يداه.. ثم نزول هذا الماء بعد وجوده وهو الآخر خارقة جديدة، ناشئة من قيام الأرض والكون على هذا النظام الذي يسمح بتكون الماء ونزوله وفق تدبير الله. ثم تجيء الخطوة التالية لإنزال الماء: {فسلكه ينابيع في الأرض}.. سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض؛ أو الأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية، ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيوناً، أو يتكشف آباراً. ويد الله تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبداً! {ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه}.. والحياة النباتية التي تعقب نزول الماء وتنشأ عنه؛ خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيراً. ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشق حجاب الأرض عنها؛ وتزيح أثقال الركام من فوقها؛ وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية؛ وهي تصعد إلى الفضاء رويداً رويداً.. هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى؛ وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة. بل في النبتة الواحدة. بل في الزهرة الواحدة إن هو إلا معرض لإبداع القدرة؛ يُشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً! هذا الزرع النامي اللدن الرخص الطري بالحياة، يبلغ تمامه، ويستوفي أيامه: {ثم يهيج فتراه مصفراً}.. وقد بلغ غايته المقدرة له في ناموس الوجود، وفي نظام الكون، وفي مراحل الحياة، فينضج للحصاد: {ثم يجعله حطاماً}.. وقد استوفى أجله، وأدى دوره، وأنهى دورته كما قدر له واهب الحياة.. {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب}.. الذين يتدبرون فيذكرون، وينتفعون بما وهبهم الله من عقل وإدراك. {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه؟ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله. أولئك في ضلال مبين. الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم؛ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء؛ ومن يضلل فما له من هاد}.. وكما ينزل الماء من السماء؛ فينبت لهم به زرعاً مختلفاً ألوانه؛ كذلك ينزل من السماء ذكراً تتلقاه القلوب الحية؛ فتتفتح وتنشرح وتتحرك حركة الحياة، وتتلقاه القلوب القاسية كما تتلقاه الصخرة القاسية التي لا حياة فيها ولا نداوة! والله يشرح للإسلام قلوباً يعلم منها الخير، ويصلها بنوره فتشرق به وتستضيء. والفرق بين هذه القلوب وقلوب أخرى قاسية فرق بعيد: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله}.. {أولئك في ضلال مبين}.. وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له وتندى به. وتصور حالها مع الله. حال الانشراح والتفتح والنداوة والبشاشة، والإشراق والاستنارة. كما تصور حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها، وعتمتها وظلامها. ومن يشرح الله صدره للإسلام ويمد له من نوره. ليس قطعاً كالقاسية قلوبهم من ذكر الله. وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء. كذلك تصور الآية الثانية هيئة تلقي المؤمنين لهذا القرآن. هذا الكتاب المتناسق الذي لا اختلاف في طبيعته ولا في اتجاهاته، ولا في روحه، ولا في خصائصه. فهو "متشابه" وهو "مثاني" تكرر مقاطعه وقصصه وتوجيهاته ومشاهده. ولكنها لا تختلف ولا تتعارض، إنما تعاد في مواضع متعددة وفق حكمة تتحقق في الإعادة والتكرار. في تناسق وفي استقرار على أصول ثابتة متشابهة. لا تعارض فيها ولا اصطدام. والذين يخشون ربهم ويتقونه، ويعيشون في حذر وخشية، وفي تطلع ورجاء، يتلقون هذا الذكر في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود؛ ثم تهدأ نفوسهم، وتأنس قلوبهم بهذا الذكر؛ فتلين جلودهم وقلوبهم وتطمئن إلى ذكر الله.. وهي صورة حية حساسة ترسمها الكلمات، فتكاد تشخص فيها الحركات. {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء}.. فما ترتعش القلوب هكذا إلا حين تحركها أصبع الرحمن إلى الهدى والاستجابة والإشراق. والله يعلم من حقيقة القلوب ما يجازيها عليه بالهدى أو بالضلال: {ومن يضلل الله فما له من هاد}.. فهو يضله بما يعلمه من حقيقته المستقرة على الضلال، التي لا تقبل الهدى ولا تجنح إليه بحال. ثم يعرض ما ينتظر أهل الضلال يوم القيامة في مشهد بائس في موعد حصاد الأعمال! {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة؟ وقيل للظالمين: ذوقوا ما كنتم تكسبون}.. والإنسان يقي وجهه عادة بيديه وجسمه. فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نفسه النار بيديه ولا برجليه، فيدفعها بوجهه، ويتقي به سوء العذاب. مما يدل على الهول والشدة والاضطراب. وفي زحمة هذا العذاب يتلقى التأنيب، وتدفع إليه حصيلة حياته ويا لها من حصيلة: {وقيل للظالمين: ذوقوا ما كنتم تكسبون}! ويلتفت من هذا المشهد إلى الحديث عن المكذبين الذين يواجهون محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليعرض عليهم ما جرى للمكذبين قبلهم لعلهم يتداركون أنفسهم: {كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}.. فهذه حال المكذبين في الدنيا والآخرة. في الدنيا أذاقهم الله الخزي. وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأكبر. وسنة الله ماضية لا تتخلف. ومصارع القرون من قبلهم شاهدة. ووعيد الله لهم في الآخرة قائم. والفرصة أمامهم سانحة. وهذا الذكر لمن يتعظ ويذكر {لو كانوا يعلمون}! {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون، قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون. ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلماً لرجل، هل يستويان مثلاً؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}.. يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع؛ ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف؛ وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق؛ ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه! وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح.. {هل يستويان مثلاً؟}.. إنهما لا يستويان. فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين. وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال ولا يرضي واحداً منهم فضلاً على أن يرضي الجميع! وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال. فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى، لأن بصره أبداً معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق. ولأنه يعرف مصدراً واحداً للحياة والقوة والرزق، ومصدراً واحداً للنفع والضر، ومصدراً واحداً للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته. ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره. ويخدم سيداً واحداً يعرف ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه.. وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء.. ويعقب على هذا المثل الناطق الموحي، بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والأمن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار. وهم مع هذا ينحرفون، وأكثرهم لا يعلمون. وهذا مثل من الأمثلة التي يضربها القرآن للناس لعلهم يتذكرون. وهو قرآن عربي، مستقيم، واضح، لا لبس فيه ولا عوج ولا انحراف. يخاطب الفطرة بمنطقها القريب المفهوم. تفسير : هذا المقطع كله يظلله جو الآخرة، وظل الخوف من عذابها، والرجاء في ثوابها. ويبدأ بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة؛ وإعلان خوفه ـ وهو النبي المرسل ـ من عاقبة الانحراف عنها، وإعلان تصميمه على منهجه وطريقه، وتركهم هم إلى منهجهم وطريقهم. وبيان عاقبة هذا الطريق وذاك، يوم يكون الحساب. {قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين؛ وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}.. وهذا الإعلان من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه مأمور أن يعبد الله وحده، ويخلص له الدين وحده؛ وأن يكون بهذا أول المسلمين؛ وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إنه هو عصى ربه.. هذا الإعلان ذو قيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا المقام هو عبدالله. هذا مقامه لا يتعداه. وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفاً، وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد.. وهذا هو المراد. وعند ذلك يقر معنى الألوهية، ومعنى العبودية، ويتميزان، فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الوحداينة لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه. وحين يقف محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مقام العبودية لله وحده يعلن هذا الإعلان، ويخاف هذا الخوف من العصيان، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون الله أو مع الله بحال من الأحوال. ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق، وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة: {قل: الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ألا ذلك هو الخسران المبين}.. مرة أخرى يعلن: إنني ماض في طريقي. أخص الله بالعبادة، وأخلص له الدينونة. فأما أنتم فامضوا في الطريق التي تريدون؛ واعبدوا ما شئتم من دونه. ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران. خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم. وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين. فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق. وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم.. {ألا ذلك هو الخسران المبين}.. ثم يعرض مشهد الخسران المبين: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. ذلك يخوف الله به عباده. يا عباد فاتقون}.. وهو مشهد رعيب حقاً. مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم، وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم. وهي من النار! إنه مشهد رعيب. يعرضه الله لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه. ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه: {ذلك يخوف الله به عباده}.. ويناديهم ليحذروا ويتقوا ويسلموا: {يا عباد فاتقون}. وعلى الضفة الأخرى يقف الناجون، الذين خافوا هذا المصير المشؤوم: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى. فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله. وأولئك هم أولو الألباب}.. والطاغوت صياغة من الطغيان؛ نحو ملكوت وعظموت ورحموت. تفيد المبالغة والضخامة. والطاغوت كل ما طغا وتجاوز الحد. والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة. وهم الذين أنابوا إلى ربهم. وعادوا إليه، ووقفوا في مقام العبودية له وحده. هؤلاء {لهم البشرى} صادرة إليهم من الملأ الأعلى. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبلغها لهم بأمر الله: {فبشر عباد}.. إنها البشرى العلوية يحملها إليهم رسول كريم. وهذا وحده نعيم! هؤلاء من صفاتهم أنهم يستمعون ما يستمعون من القول، فتلتقط قلوبهم أحسنه وتطرد ما عداه، فلا يلحق بها ولا يلصق إلا الكلم الطيب، الذي تزكو به النفوس والقلوب.. والنفس الطيبة تتفتح للقول الطيب فتتلقاه وتستجيب له. والنفس الخبيثة لا تتفتح إلا للخبيث من القول ولا تستجيب إلا له. {أولئك الذين هداهم الله}.. فقد علم الله في نفوسهم خيراً فهداهم إلى استماع أحسن القول والاستجابة له. والهدى هدى الله. {وأولئك هم أولو الألباب}.. فالعقل السليم هو الذي يقود صاحبه إلى الزكاة، وإلى النجاة. ومن لا يتبع طريق الزكاة والنجاة فكأنه مسلوب العقل محروم من هذه النعمة التي أعطاها له الله. وقبل أن يعرض مشهد هؤلاء في نعيمهم في الآخرة يقرر أن عبدة الطاغوت قد وصلوا فعلاً إلى النار. وأن أحداً لا يملك أن ينقذهم من هذه النار: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار؟}.. والخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإذا كان هو لا يملك إنقاذهم من النار التي هم فيها فمن يملكها إذن سواه؟ وأمام مشهد هؤلاء في النار ـ وكأنهم فيها فعلا الآن. ما دام قد حق عليهم العذاب ـ يعرض مشهد الذين اتقوا ربهم، وخافوا ما خوفهم الله: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار. وعد الله. لا يخلف الله الميعاد}.. ومشهد الغرف المبنية، من فوقها غرف، تجري الأنهار من تحتها.. هذا المشهد يتقابل مع مشهد ظلل النار هناك من فوقهم ومن تحتهم. هذا التقابل الذي ينسقه التعبير القرآني وهو يرسم المشاهد للأنظار. ذلك وعد الله. ووعد الله واقع. لا يخلف الله الميعاد. ولقد عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة. عاشوا هذه المشاهد فعلاً وواقعاً. فلم تكن في نفوسهم وعداً أو وعيداً يتلقونهما من مستقبل بعيد. إنما كان هذا وذلك واقعاً تشهده قلوبهم وتحسه وتراه. وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه. ومن ثم تحولت نفوسهم ذلك التحول؛ وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بذلك الواقع الأخروي؛ الذي كانوا يعيشونه ويحيون به وهم بعد في الحياة! وهكذا ينبغي أن يتلقى المسلم وعد الله.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي انتُقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى الإِسلام، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى الاستطراد بقوله تعالى: {أية : فاعبد اللَّه مخلصاً له الدين}تفسير : [الزمر: 2] إلى هنا، فهذا تمهيد لقوله: {أية : أفَمَن شَرَحَ الله صَدرهُ للإسلامِ} تفسير : [الزمر: 22] إلى قوله: {أية : ذلِكَ هُدَى الله يهْدِي به من يشاءُ}تفسير : [ الزمر: 23] فمُثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعدُ بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإِنزال الماء من السماء تشبيه لإِنزال القرآن لإِحياء القلوب، وإسلاكُ الماء ينابيع في الأرض تشبيه لِتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لِتكاثر المؤمنين بين المشركين. وأما قوله تعالى: {ثُمَّ يَجْعلُهُ حُطاماً} فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواءِ الناس فيها من نافع وضار. وفي تعقيب هذا بقوله: {أية : أفَمَن شَرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ} تفسير : [الزمر: 22] إلى قوله: {أية : وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}تفسير : [الزمر: 23] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل. وقريب من تمثيل هذه الآية ما في «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقيَّةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً فذلك مَثَل من فقُه في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به»تفسير : . ويجوز أن يكون المعنى أصالةً وإدماجاً على عكس ما بيّنا، فيكونَ عَوْداً إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالالٰهية بدليل من مخلوقاته التي يشاهدها الناس مشاهدة متكررة، فيكونَ قوله تعالى: {ألم ترَ أن الله أنزل من السماءِ ماءً} إلى قوله: {إن في ذلك لذكرى لأولي الألبابِ} متصلاً بقوله تعالى: {أية : خلقكم من نفسٍ واحدةٍ ثمَّ جعَلَ منها زَوجَهَا}تفسير : [ الزمر: 6] المتصل بقوله تعالى: {أية : خَلَق السماواتِ والأرض بالحقِ يُكورُ الليل على النَّهار}تفسير : [ الزمر: 5]، ويكونَ ما بيناه من تمثيل حال نزول القرآن وانتفاع المؤمنين إدماجاً في هذا الاستدلال. وعلى كلا الوجهين أُدمج في أثناء الكلام إيماء إلى إمكان إحياء الناس حياة ثانية. والكلام استفهام تقريري، والخطاب لكل من يصلح للخطاب فليس المراد به مخاطباً معيَّناً. والرؤية بصرية. وقوله: {أنزلَ مِن السماءِ ماءً} تقدم نظيره في قوله: {أية : وهو الذي أنزل من السماء ماء}تفسير : في سورة [الأنعام: 99]. و {سلكه}أدخله، أي جعله سالكاً، أي داخلاً، ففعل سلك هنا متعد وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وسلك لكم فيها سبلاً}تفسير : في سورة [طه: 53]، وذكرنا هنالك أن فعل سلك يكون قاصراً ومتعدّياً، وهذا الإِدخال دليل ثان. و {يَنابيعَ} جمع ينبوع وهو العين من الماء، تقدم في قوله تعالى: {أية : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : في سورة [الإِسراء: 90]. وانتصب {ينابيعَ} على الحال من ضمير {مَاءً}. وتصيير الماء الداخل في الأرض ينابيع دليل ثالث على عظيم قدرة الله. وعطف بــــ {ثم} قوله: {ثُمَّ يُخرجُ بهِ زَرعاً} لإِفادة التراخي الرتبي بحرف {ثم} كشأنها في عطف الجمل لأن إخراج الزرع من الأرض بعد إقحالها أوقع في نفوس الناس لأنه أقرب لأبصارهم وأنفع لعيشهم وإذ هو المقصود من المطر. وهذا الإِخراج دليل رابع. والألوان: جمع لون، واللون: كيفية لائحة على ظاهر الجسم في الضوء، وتقدم في سورة فاطر [27، 28]. واختلاف ألوان الزرع بالمعنى الأول أن لكل نوع من الزرع لوناً ولنَوْرها ألواناً ولكل صنف من الزرع ألوان مختلفة في أطوار نباته وبلوغه أشُدّه، وهذا الاختلاف مع اتّحاد الأرض التي تنبت فيها واتحاد الماء الذي نبت به آية خامسة على عظيم القدرة والانفراد بالتصرف. ومعنى {يهيج} يغلظ ويرتفع. وحقيقة الهياج: ثورة الإنسان أو الحيوان، ويستعار الهياج لشدة الشيء من غير الحيوان يقال: هاجت ريِح، ومنه هياج الزرع في الآية لأن الزرع تطول سوقه وسنابله فيتم جفافه فإذا تحرك بمرور الريح عليه صار له حفيف وخشخشة سواء في ذلك الحَب والكَلأ وهذا الطور آية سادسة على الوحدانية. والحطام: المحطوم، أي المكسور المفتوت، ووزن فُعال (بضم الفاء) يدل على المفعول كالفُتات والدُقاق، ومثله الفُعالة كالصُبابة والقُلامة والقُمامة. والمعنى: أنه يبلغ من اليبس إلى حد أن يتحطم ويتكسر بحك بعضه بعضاً وتساقُطه وكسر الريح إياه. وهذا الطور آية سابعة على قدرة الله. وجميعها آيات على دقة صنعه وكيف أودع الأطوار الكثيرة في الشيء الواحد يخلف بعضها بعضاً من طور وجوده إلى طور اضمحلاله. وجملة {إنَّ في ذلك لذكرى لأُولِى الألباب} مبيّنة للاستفهام التقريري وفذلكة للأطوار المستفهم عنها، فالإِشارة بذلك إلى المذكور من الإِنزال إلى آخر الأطوار. والمراد: ذكرى بالدلالة على ما يغفل عنه العاقل. ويجوز أن تكون الذكرى لما يذهل عنه العاقل مما تشتمل عليه هذه الأحوال من مبدئها إلى منتهاها. فمن ذلك أنها تصلح مثالاً لتقريب البعث فإن إنزال الماء على الأرض وإنباتها بسببه أمر يتجدد بعد أن صار ما عليها من النبات حطاماً، وتخللت زراريعه الأرض فنبتت مرة أخرى بنزول الماء، فكذلك يعود الإِنسان بعد فنائه كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً}تفسير : [نوح: 17، 18] فتتضمن الآية إدماج تقريب البعث وإمكانه مع الاستدلال على انفراد الله تعالى بالتصرف، ومن ذلك أنها تصلح مثلاً للحياة الدنيا كما في آية سورة يونس وفي سورة الكهف، والمقصود: تشبيه الحالة بالحالة فلا يُعتبر التجوز في مفردات هذا المركب بأن يطلب لكل طور من أطوار الدنيا طور يشتبه به من أطوار النبات. ومنها أنها مثل لأطوار الإِنسان من طور النطف إلى الشباب إلى الشيخوخة ثم الهلاك، والمقصود تشبيه الحالة بالحالة مع إمكان توزيع تشبيه كل طور من أطوار الحالة المشبهة بطور من أطوار الحالة المشبه بها وهو أكمل أنواع التمثيلية. و{أولي الألبَابِ} هم الذين ينتفعون بألبابهم فيهتدون بما نصب لهم من الأدلة، كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبٰبِ}تفسير : [الزمر: 9]، وهم الذين استدلوا فآمنوا. وفي هذا تعريض بأن الذين لم يستفيدوا من الأدلة بمنزلة مَن عدموا العقول.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ}. الينابيع: جمع ينبوع، وهو الماء الكثير. وقوله: فسلكه أي أدخله، كما قدمنا إيضاحه بشواهده العربية، والآيات القرآنية في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [هود: 40] الآية. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من سورة الزمر، قد أوضحناه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} تفسير : [سبأ: 2] الآية. قوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُه}. قد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} تفسير : [الروم: 22] وأحلنا عليه في سورة فاطر، في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} تفسير : [فاطر: 27] الآية. قوله تعالى: {ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. قوله ثم يهيج: أي ثم بعد نضارة ذلك الزرع وخضرته ييبس، ويتم جفافه ويثور من منابته فتراه أيها الناظر مصفراً يابساً، قد زالت خضرته ونضارته. ثم يجعله حطاماً أي فتاتاً، متكسراً، هشيماً، تذروه الرياح، إن في ذلك المذكور من حالات ذلك الزرع، المختلف الألوان، لذكرى أي عبرة وموعظة وتذكيراً لأولي الألباب، أي لأصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، فقد ذكر جل وعلا مصير هذا الزرع على سبيل الموعظة والتذكير، وبين في موضع آخر، أن ما وعظ به خلقه هنا من حالات هذا الزرع شبيه أيضاً بالدنيا. فوعظ به في موضع وشبه به حالة الدنيا في موضع آخر، وذلك في قوله تعالى في سورة الحديد {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} تفسير : [الحديد: 20]. ويبين في سورة الروم أن أسباب اصفراره المذكور إرسال الريح عليه، وذلك في قوله: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} تفسير : [الروم: 51].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فسلكه ينابيع في الأرض: أي أدخله في الأرض فصار جاريا تحتها ينبع منها فكان بذلك ينابيع. مختلفا ألوانه: أي ما بين أخضر وأبيض وأحمر وأصفر وأنواعه من بر وشعير وذرة. ثم يهيج فتراه مصفرا: أي ييبس فتراه أيها الرائي بعد الخضرة مصفرا. ثم يجعله حطاما: أي فتاتا متكسرا. إن في ذلك لذكرى: أي إن في ذلك المذكور من إنزال الماء إلى أن يكون حطاما تذكيرا. أفمن شرح الله صدره للإِسلام: أي فاهتدى به كمن لم يشرح الله صدره فلم يهتد؟. فهو على نور من ربّه: أي فهو يعيش في حياته على نور من ربّه وهو معرفة الله وشرائعه. فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله: ويل كلمة عذاب للقاسية قلوبهم عن قبول القرآن فلم تؤمن به ولم تعمل بما فيه. أحسن الحديث كتاباً: هو القرآن الكريم. متشابهاً: أي يشبه بعضه بعضا في النظم والحسن وصحة المعاني. مثاني: أي ثنّى فيه الوعد والوعيد كالقصص والأحكام. تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم: أي ترتعد منه جلود الذين يخشون ربهم وذلك عند ذكر وعيده. ثم تلين جلودهم وقلوبهم: أي تطمئن وتلين. إلى ذكر الله: أي عند ذكر وعده لأهل الإِيمان والتقوى بالجنة وما فيها من نعيم مقيم. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ} هذه الآية الكريمة تقرر التوحيد والبعث والجزاء بذكر مظاهر القدرة والعلم الإِلهيين، وهما مقتضيان لوجود الله أولاً ثم وجوب الإِيمان به وبلقائه فقال تعالى مخاطبا رسوله {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وهو المطر {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} أي أدخله فيها وأخرجه منها ينابيع بواسطة حفر وبدونه، ثم يخرج به زرعاً من قمح وشعير وذرة وغيرها مختلفا ألوانه من أحمر وأبيض وأصفر {ثُمَّ يَهِـيجُ} حسب سنة الله تعالى في ذلك فيجف {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} أي فتاتا متكسراً كالتبن كل هذا يتم بقدرة الله وعلمه وتدبيره ففيه موعظة وذكرى لأولي القلوب الحيّة تهديهم إلى الإِيمان بالله وبآياته ولقائه، وما يستتبع ذلك من الطاعة والتوحيد وقوله تعالى {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} أي وسع صدره وفسحه فقبل الإِسلام دينا فاعتقد عقائده وعمل بشرائعه فامتثل أوامره واجتنب نواهيه فهو يعيش على نور من ربه ومقابل هذا محذوف اكتفى بالأول عنه وتقديره كمن طبع الله على قلبه وجعل صدره حرجا ضيقا فلم يقبل الإِسلام ولم يدخل فيه، وعاش على الكفر والشرك والمعاصي فهو يعيش على ظلمة الكفر ودخن الذنوب وعفن الفساد والشر. وقوله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ} يتوعد الله تعالى بالعذاب أصحاب القلوب القاسية من سماع القرآن وهذه أسوأ حال العبد إذا كان يهلك بالدواء ويضل بالهدى فسماع القرآن الأصل فيه أن يلين القلوب الصالحة للحياة فإِذا كانت القلوب ميتة غير قابلة للحياة سماع القرآن زادها موتاً وقسوة، ويدل على هذا قوله {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} فهدايتهم متعذرة إذا كان الدواء يزيد في علتهم وآيات الهداية تزيد في ضلالتهم. وقوله تعالى {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} هذه الآية نزلت لما قال أصحاب الرسول يوماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى قوله {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} وهو القرآن {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} أي يشبه بعضه بعضاً في حسن اللفظ وصحة المعاني {مَّثَانِيَ} أي يثني فيه الوعد والوعيد والأمر والنهي والقصص، {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي عند سماع آيات الوعيد فيه {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ} إذا سمعوا آيات الوعد {وَقُلُوبُهُمْ} إذا سمعوا حججه وأدلته وقوله {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي القرآن وذكر الله بوعده ووعيده وأسمائه وصفاته ويشهد له قوله تعالى من سورة الرعد {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الآية: 28] وقوله تعالى {ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ} أي ذلك المذكور وهو القرآن الكريم هدى الله إذ هو الذي أنزله وجعله هادياً يهدي به من يشاء هدايته بمعنى يوفقه للإِيمان والعمل به وترك الشرك والمعاصي. وقوله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} لما سبق في علم الله ولوجود مانع منع من هدايته كالإِصرار والعناد والتقليد. فهذا ليس له من هاد يهديه بعد الله أبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر العلم والقدرة الإِلهية الموجبة للإِيمان به وبرسوله ولقائه. 2- بيان أن القلوب قلبان قلب قابل للهداية وآخر غير قابل لها. 3- بيان أن القرآن أحسن ما يحدث به المؤمن إذ أخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل. 4- فضيلة أهل الخشية من الله إذ هم الذين ينفعلون لسماع القرآن فترتعد فرائصهم عند سماع وعيده، وتلين قلوبهم وجلودهم عند سماع وعده.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَنَابِيعَ} {أَلْوَانُهُ} {فَـتَرَاهُ} {حُطَاماً} {ٱلأَلْبَابِ} (21) - يُشَبِّهُ اللهُ تَعَالَى حَالَ الدُّنْيَا فِي نَضْرَتِهَا وَسُرْعَةِ انْقِضَائِها بِحَالِ المَاءِ الذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَيَجْرِي عُيوناً فِي الأَرْضِ فَتُسْقَى بِهَذَا الماءِ الأَرضُ فَتنبِتُ الزَّرعَ والنَّبَاتَ والخُضْرَةَ من كُلِّ لونٍ، وَتُصْبِحُ الأََرضُ خَضِرَةً نَضِرَةً، ثُمَّ لا يَلْبَثُ هذا النَّبَاتُ أَنْ يَنْضجَ وَيَجِفَّ وَيَصْفَرَّ، ثُمَّ يُصْبحَ يَابساً يَتَكسَّرُ. وفي كُلِّ ذَلِكَ عِظَةٌ وعِبْرَةٌ لِذَوي العُقُولِ السَّليمةِ تُنَبِّهُهُمْ إِلى عَدَمِ الاغترارِ بالدُّنيا وزُخْرُفِهَا ونَعِيمِهَا الزَّائِلِ. سَلَكَهُ يَنَابِيعَ - أَدْخَلَهُ فِي عُيونٍ وَمَجَارٍ. يَهِيجُ - يَنْضُجُ وَيَجِفُّ. يَجْعَلُهُ حُطَاماً - يُصَيِّرُهُ هَشِيماً مُحَطَّماً مُفَتَّتاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى حينما يُخبر عن خيره سواء أكان هذا الخير يتعلق بمقوِّمات الحياة في الدنيا أو بمُعدَّات النعيم في الآخرة، يتكلم عنه على أنه إنزال، وكلمة أنزل تدل على جهة العلو، وأن هذا العطاء من أعلى، وإنْ خرج من باطن الأرض كما في قوله سبحانه: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25]. فالنعمة من الأعلى وليست من مُسَاوٍ، وأنت في تصريف حياتك عندما تكون لديك مسألة لا تَقْوى إمكانياتك عليها، ولا يَقْوى عقلك على التفكير فيها تذهب لمَنْ هو أعلى منك في هذا المجال ولمَنْ تثق فيه وفي فكره، ليساعدك على حَلِّها، تفعل ذلك وأنت راضٍ، لأنك أسلمتَ الأمر لمن تثق في قدراته. فالحق سبحانه حينما يقول: أنزلنا. يعني: خدوا أحكامي على أنها من أعلى، وعلى أنها الأفضل لكم، لأنها من خالقكم الذي يعلم ما يصلحكم. يقول تعالى هنا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الزمر: 21] معنى (من السماء) أي: من جهة السماء، وإلا فمخازن الماء في الأرض، في البحار، وهي مُعدَّة إعداداً كيمياوياً بحيث تحفظ الماء فلا يتغير ولا يأسن، ولا تعيش به الطفيليات. لذلك نجد الماء المالح في البحار تصونه نسبةُ الملوحة في الماء، ويُلقي فيه بالقاذورات والجيف، فينفيها الموج ويبقى الماء على صلاحه، ومن ماء البحار تتم عملية البخر التي تكوِّن السحاب والمطر الذي يسقي الإنسان والحيوان والنبات. وماء المطر هو أنقى ما يمكن الحصول عليه من الماء، فعملية البخر مثل عملية تقطير الماء التي نجريها في المعامل للحصول على الماء النقي، وتأمل كم تكلفة تقطير زجاجة ماء واحدة، فما بالك بماء المطر الذي ينهمر من السماء؟ لذلك، من حكمة الخالق سبحانه أنْ جعل الماء ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وجعل اليابسة الربع، ذلك لتتسع مساحة البخر ويكفي المطر حاجة الأرض من الماء العذب، وسبق أن بينّا الفرق بيم الماء الذي له عمق، والماء الذي له سطح مُتسع، فالبخر يعتمد على اتساع سطح الماء، فكلما اتسع السطح زاد البخر، ومثّلنا لذلك بكوب الماء تتركه شهراً وتعود فتجده كما هو لم ينقص منه إلا القليل، لكن إنْ سكبْتَه في أرض الغرفة، فإنه يجفّ قبل أن تغادرها. والحق سبحانه يريد للماء المالح أنْ يتبخر ليتخلّص من ملوحته، ثم ينزل ماءً عَذْباً سائغاً للشاربين، وعملية البخر هذه تتم ولا ندري عنها شيئاً، إنها آية من آيات الله ونعمة من أعظم نعمه علينا. والماء حين ينزل من السماء لا ينزل على كل مكان، إنما ينزل على الأماكن الباردة، فبخار الماء المتجمِّع في السحاب حينما يمر بمنطقة باردة يتكثف من جديد كما نكثّف الماء المقطر، فالماء الذي يأتينا في نهر النيل أين يسقط؟ يسقط على هضبة الحبشة وتحمله إلينا الأنهار، ويتسرب منه جزء في باطن الأرض، ويجعل الله له في الأرض مسالك. هذا معنى {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} [الزمر: 21] يعني: جعل له مَجاريّ خاصة ومسالك، بحيث لا يختلط بالماء المالح، وقد تُوجد مثلاً عَيْنٌ للماء العذب تنبع وسط الماء المالح، ومع ذلك لا تختلط به، وكأن الماء العَذْب يسير في أنابيب مخصوصة أشبه ما تكون بالشرايين في جسم الإنسان. وقوله تعالى هنا {أَلَمْ تَرَ ..} [الزمر: 21] ما دام شيء يمتنُّ الله فيه بالرؤية، فإن كنتَ تراه فاعلم أنه كلام حقيقي، وأنا أرى المطر ينزل من السماء، وإنْ كنت لا تراه فصدِّق ما أخبرك الله به كما تصدق عينك في الرؤية، لأن إخبار الله لك أصدَقُ من رؤية عينيك. ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] ومعلوم أن سيدنا رسول الله وُلد في عام الفيل يعني: لم يرَ هذه الحادثة، فالمعنى ألم تَرَ يعني: ألم تعلم عَلْماً مني، يفوق علم رؤياك بالعين. ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} [الزمر: 21] فالزرع يُزرع في تربة واحدة، ويُسقى بماء واحد، ومع ذلك تأتي الثمار مختلفة في الألوان وفي الطَّعْم وفي عناصر التكوين. لما تكلَّم العلماء في هذه المسألة قالوا: في النبات خاصية تُسمَّى خاصية الانتخاب يعني: أن النبات يمتصّ بواسطة الجذور العناصر اللازمة له من الأرض، لكن لو جئنا مثلاً بإناء فيه ماء، ووضعنا فيه عدة ألوان، ثم وضعنا فيه الأنابيب الشّعرية الضيقة التي يصعد فيها الماء إلى أعلى بهذه الخاصية، نجد هذه الأنابيب تمتص من الماء على عمومه لا تفرق بين لون ولون. وليس كذلك امتصاص النبات للعناصر اللازمة له من التربة، النبات لا يمتص إلا المواد اللازمة والمناسبة لطبيعته، فالخاصية الشعرية في الجذور تمتصّ على هدى، فتأخذ من التربة وتدَع، فالتربة واحدة، والماء واحد، ومع ذلك تختلف الطعوم والأشكال والألوان والرائحة. إذن: ليس هو الانتخاب الذي يعنيه العلماء، إنما هو انتخاب إلهي يقوم على الطبيعة التي أودعها الله في الحبة والبذرة الأولى للنبات، فأنت تزرع مثلاً الفلفل الحاء بجوار قصب السكر بجوار الرمان، فتجد هذا حاراً، وهذا حلواً، وهذا مُزاً. ثم ينتقل النبات إلى مرحلة أخرى، يصفها الحق سبحانه بقوله: {ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} [الزمر: 21] معنى يهيج يعني: يجف ويتحطم، ويصير فتاتاً. يعني: لا يستمر على خضرته ونضارته، وكأن الحق سبحانه جعل النبات عبرةً للإنسان، فالنبات كائنٌ حَيّ كالإنسان، وسيمر الإنسان بهذه المرحلة فيجفّ ويتفتت كالنبات. فالله سبحانه يضرب لنا مثلاً، حتى لا نغترّ بذواتنا حين نجد لها قوة أو نجد لها عقلاً وتفكيراً أو سُلْطة وجاهاً أو مالاً، يقول لك ربك: انظر إلى أمك الأرض، وإلى الزرع يخرج منها، إلامَ يصير؟ فأنت كذلك، فلا تغترّ ما دُمْتَ من أهل الأغيار. لذلك يقولون: لا تغضب ولا تحزن إنْ تغيرتْ بك الأمور، لأنك من أهل الأغيار، وما دُمْتَ من أهل الأغيار ووصلتَ إلى قمة الجبل، فماذا تنتظر؟ تنتظر أنْ تستقرّ عليه؟ كيف وأنت من أهل الأغيار؟ إذن: لا بدَّ أنْ تنزل؛ لذلك إن تمتْ النعمة ترقَّبْ زوالها، كما قال الشاعر: شعر : إذَا تَمَّ شيء بدا نقْصُهُ ترقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيلَ تَمّ تفسير : فإنْ رأيت نفسك (مزهزهة) بالعلم أو بالقوة أو بأيِّ مظهر من مظاهر النعيم، فاعلم أنك غداً ستصير إلى كبر وإلى ضعف، ستصير مثل الطفل يحبو وتحتاج إلى مَنْ يسندك ويعاونك، كما قال سبحانه: {أية : وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} تفسير : [الحج: 5] فافهم هذا المعنى جيداً في أمك الأرض وفي ذاتك. {إِنَّ فِي ذَلِكَ ..} [الزمر: 21] أي: ما تشهده أنت من هذا الذي ذكرنا {لَذِكْرَىٰ ..} [الزمر: 21] يعني: تذكرةً وعبرةً {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 21] لأصحاب العقول الواعية والمتدبرة.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال المشركين وضلالاتهم في عبادة غير الله، أردفه بذكر دلائل الوحدانية، ثم ذكر القرآن العظيم أشرف الكتب السماوية المنزَّلة، ومع إقرارهم بفصاحته وإِعجازه كذَّب به المكذبون، ثم ضرب للمشرك والموحّد مثلاً في غاية الوضوح. اللغَة: {سَلَكَهُ} أدخله {يَنَابِيعَ} جمع ينبوعٍ وهو عين الماء النابع من الأرض {يَهِـيجُ} ييبس قال الأصمعي: هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتُها وولى وقال الجوهري: هاج النَّبْت هياجاً إِذا يبس، وأرضٌ هائجة إِذا يبس بقلُها أو اصفرَّ {حُطَاماً} فُتاتاً وهشيماً، من تحطَّم العود إِذا تفتَّت من اليبس {شَرَحَ} فتح ووسَّع {لِّلْقَاسِيَةِ} قسا القلبُ: إِذا صلب وكذلك عتا وعسا، وقلبٌ قاسٍ أي صلب لا يرقُّ ولا يلين {مَّثَانِيَ} مكرراً فيه الحكم والمواعظ والأمثال {تَقْشَعِرُّ} تضطرب وتتحرك من الخوف {ٱلْخِزْيَ} الذل والهوان {مُتَشَاكِسُونَ} متنازعون ومختلفون، ورجلٌ شكس: شرس الخُلق والطباع. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي ألم تر أيها الإِنسان العاقل أنَّ الله بقدرته أنزل المطر من السحاب {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} أي أدخله مسالك وعيوناً في الأرض وأجراه فيها قال المفسرون: وهذا دليلٌ على أن ماء العيون من المطر، تحبسه الأرض ثم ينبع شيئاً فشيئاً قال ابن عباس: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكنْ عروق في الأرض تغيِّره {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي ثم يُخرج بهذا الماء النازل من السماء والنابع من الأرض أنواع الزروع، المختلفة الأشكال والألوان، من أحمر وأبيض وأصفر، والمختلفة الأصناف من قمح وأرز وعدس وغير ذلك قال البيضاوي: {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي أصنافه من بر وشعير وغيرهما، أو كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما {ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً} أي ثم ييبس فتراه بعد خضرته مصفراً {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} أي ثم يصبح فتاتاً وهشيماً متكسراً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي إِنَّ فيما ذُكر لعظة وعبرة، ودلالةً على قدرة الله ووحدانيته لذوي العقول المستنيرة.. والآية فيها تمثيلٌ لحياة الإِنسان بالحياة الدنيا، فمهما طال عمر الإِنسان فلا بدَّ من الانتهاء، إلى أن يصير مصفر اللون، متحطم الأعضاء، متكسراً كالزرق بعد نضرته، ثم تكون عاقبته الموت قال ابن كثير: هكذا الدنيا تكون خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود عجوزاً شوهاء، وكذلك الشاب يعود شيخاً هرماً، كبيراً ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} أي وسَّع صدره للإِسلام، واستضاء قلبه بنوره حتى ثبت ورسخ فيه {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي فهو على بصيرة ويقين من أمر دينه، وعلى هدىً من ربه بتنوير الحق في قلبه، وفي الآية محذوفٌ دلَّ عليه سياق الكلام تقديره كمن هو أعمى القلب، معرضٌ عن الإِسلام؟ قال الطبري: وتُرك الجوابُ اجتزاءً بمعرفة السامعين وبدلالة ما بعده وتقديره: كمن أقسى اللهُ قلبه وأخلاه من ذكره حتى ضاق عن استماع الحق، واتباع الهدى {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي فويلٌ للذين لا تلين قلوبهم ولا تخشع عند ذكر الله، بـ "ذكر الله" القرآن الذي أنزله الله تذكرة لعباده {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي أولئك الذين قست قلوبهم في بعدٍ عن الحق ظاهر.. ولما بيَّن تعالى ذلك أردفه بما يدل على أنَّ القرآن سبب لحصول النور والهداية والشفاء فقال {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} أي اللهُ نزَّل القرآن العظيم أحسن الكلام قال أبو حيان: والابتداءُ باسم "اللهُ" وإِسناد "نزَّل" لضميره، فيه تفخيمٌ للمُنزل، ورفعٌ من قدره كما تقول: الملكُ أكرم فلاناً، فإِنه أفخم من أكرم الملك فلاناً، وحكمةُ ذلك البداءةُ بالأشرف {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} أي قرآناً متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الفصاحة، والبلاغة، والتناسب، بدون تعارضٍ ولا تناقض {مَّثَانِيَ} أي تُثنَّى وتكرر فيه المواعظ والأحكام، والحلال والحرام، وتُردَّد فيه القصص والأخبار دون سأم أو ملل قال الطبري: تُثنَّى - أي تكرر - فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي تعتري هؤلاء المؤمنين خشيةٌ، وتأخذهم قشعريرة عند تلاوة آيات القرآنُ، هيبةً من الرحمن وإِجلالاً لكلامه {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي تطمئن وتسكن قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله قال المفسرون: إنهم عند سماع آيات الرحمة والإِحسان تلين جلودهم وقلوبهم وقال العارفون: إِذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإِن لاح لهم أثرٌ من عالم الجمال عاشوا قال ابن كثير: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، إِذا قرءوا آيات الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر جلودهم من الخشية والخوف وإِذا قرءوا آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم، لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه {ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ} أي ذلك القرآن الذي تلك صفتُه هو هدى الله يهدي به من شاء من خلقه {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي ومن يخذلْه اللهُ فيجعل قلبه قاسياً مظلماً، فليس له مرشدٌ ولا هاد بعد الله {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي فمن يجعل وجهه وقاية من عذاب جهنم الشديد، وخبره محذوف تقديره كمن هو آمنٌ من العذاب؟ قال المفسرون: الوجه أشرف الأعضاء فإِذا وقع الإِنسان في شيء من المخاوف فإِنه يجعل يده وقاية لوجهه، وأيدي الكفار مغلولة يوم القيامة، فإِذا ألقوا في النار لم يجدوا شيئاً يتقونها به إلا وجوههم {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي وتقول خزنة جهنم للكافرين: ذوقوا وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا من الكفر والمعاصي {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي كذَّب من قبلهم من الأمم السالفة فأتاهم العذاب من جهةٍ لا تخطر ببالهم {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي فأذاقهم الله الذُلَّ والصغار والهوان في الدنيا {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ} أي ولعذاب الآخرة الذي أُعدَّ لهم أعظم بكثير من عذاب الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كان عندهم علمٌ وفهم ما كذبوا {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي ولقد بينا ووضحنا للناس في هذا القرآن من كل الأمثال النافعة، والأخبار الواضحة ما يحتاجون إليه {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لعلهم يتعظون ويعتبرون بتلك الأمثال والزواجر {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي حال كونه قرآناً عربياً لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، ولا تعارض ولا تناقض {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي لكي يتقوا الله ويجتنبوا محارمه.. ثم ذكر تعالى مثلاً لمن يشرك بالله ولمن يوحِّده فقال {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} أي ضرب الله لكم أيها الناس هذا المثل: رجلٌ من المماليك اشترك فيه ملاكٌ سيئو الأخلاق، بينهم اختلاف وتنازع، يتجاذبونه في حوائجهم، هذا يأمره بأمرٍ وذاك يأمره بمخالفته، وهو متحيِّر موزّع القلب، لا يدري لمن يرضي؟ {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} هذا من تتمة المثل أي ورجلاً آخر لا يملكه إلا شخص واحد، حسن الأخلاق، فهو عبد مملوك لسيد واحد، يخدمه بإِخلاص ويتفانى في خدمته، ولا يلقى من سيده إلا إحساناً {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} أي هل يستوي هذا وهذا في حسن الحال، وراحة البال؟ فكذلك لا يتساوى المؤمن الموحِّد مع المشرك الذي يعبد آلهة شتى. قال ابن عباس: هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص وقال الرازي: وهذا مثلٌ ضُرب في غاية الحُسن في تقبيح الشرك، وتحسين التوحيد {ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لما كان المثل بيناً واضحاً في غاية الجلاء والوضوح ختم به الآية والمعنى: الحمد لله على إقامة الحجة عليهم بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحق فهم لفرط جهلهم يشركون بالله {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} أي إنك يا محمد ستموت كما يموت هؤلاء، ولا يخلَّد أحد في هذه الدار {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} أي ثم تجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما بينكم من المظالم وأمر الدنيا والدين ويفصل بينكم أحكم الحاكمين.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} معناه مياهٌ. واحدُها يَنبوعٌ {ثُمَّ يَهِـيجُ} معناه فيصيرُ يابساً. والحُطَامُ: الرُفاتُ.

الجيلاني

تفسير : أتتعجب وتستبعد من الله إنجاز المواعيد الموعودة من عنده؟! {أَلَمْ تَرَ} أيها المعتبر الرائي {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر بالإرادة والاختيار {أَنزَلَ} وأفاض بمقتضى جوده المعهود {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأسماء والصفات {مَآءً} أي: حياة مترشحة من عين الوجود، وبحر الذات {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ} أي: أدخله في ينابيع التعينات، والهويات المنعكسة من تلك السماء والصفات، وأجراه {فِي ٱلأَرْضِ} أي: الأرض الطبيعية القابلة لقبول الآثار الفائضة {ثُمَّ} بعد إخراجه عليها {يُخْرِجُ بِهِ} يمقتضى حكمته المتقنة {زَرْعاً} أي: هياكل أنواعاً، وأصنافاً مثمرة ثمر العقائد والمعارف والحقائق {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} حسب اختلاف الاستعدادات الفائضة عليها من عنده. {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي: بعدما ظهر منها ما ظهر، وترتب عليها ما ترتب، يجف وييبس إلى حيث يذهب نضارتها ورواؤها المترتب على الإمداد الإلهي {فَـتَرَاهُ} حنيئذ {مُصْفَـرّاً} مشرفاً على الانهدام والانعدام {ثُمَّ يَجْعَلُهُ} يقبض ما فيه من رشاشات الحياة {حُطَاماً} فتاتاً ورفاتاً، تذروه رياح الآجال، وتعيده إلى ما عليه من العدم {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور {لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 21] أي: تذكيراً بليغاً، وبرهاناً قاطعاً على وجوب وجود من هو منبع الجود، ومبدأ جميع الموجود، لا يطرؤه زوال، ولا يعرضه انتقال، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، إلا أنه يتذكر به، ولا يتنبه منه إلا أولوا الألباب، الناظرون بنور الله على لُبِّ الأمور، المعرضون عن قشوره. ثم قال سبحانه: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} يعني: أيستوي من وسع الله قلبه بنزول توحيده، ووفقه لقبل شرائع الإسلام ومعالم الدين المبين لدلائل التوحيد واليقين {فَهُوَ} بواسطة تشرح الله وتوفيقه أياه {عَلَىٰ نُورٍ} انكشاف تام يقين كامل {مِّن رَّبِّهِ} بحيث يفنى فيه، ويبقى ببقائه، وينظر بنوره، ومن طبع الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره، فأعماه عن إبصار آيات وجوب وجوده، وأصمته عن استماع دلائل توحيده؟! كلا وحاشا. بل {فَوَيْلٌ} عظيم، وعذاب شديد معد {لِّلْقَاسِيَةِ} المضيقة المكدرة {قُلُوبُهُمْ مِّن} سماع {ذِكْرِ ٱللَّهِ} واستماع ما نزل من عنده من الآيات العظام الدالة على وحدة ذاته ووجوب وجوده {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن ساحة عز القبول والحضور {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22] وجهل عظيم، وغفلة شديدة، وغشاوة غليظة، لا نجاة لهم منها. وبالجملة: لا يرتفع عن عيون بصائرم حجبهم الكثيفة أصلاً {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خاصية إنزال الماء من السماء بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [الزمر: 21] سماء القلب، {مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ} [الزمر: 21] الحكمة {فِي ٱلأَرْضِ} [الزمر: 21] أرض البشرية، {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} [الزمر: 21] من الأعمال البدنية، {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} [الزمر: 21] من الصلاة والزكاة الصوم والحج والجهاد بقوله: {ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} [الزمر: 21]، يشير إلى أعمال المرائي تراها مخضرة على وفق الشرع، ثم يجف من آفة العجب والرياء، فتراه مصفراً لا نور له، ثم جعله من رياح القهر إذا هبت عليه مظلماً لا حاصل له إلا الحسرة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 21]، وذلك المؤمن بقوة عقله يوجب استغلاله له بعمله إلى أن تبدوا منه آثار اجتهاده وكمال تمكينه وقيادة بصيرته، ثم إذا بدت لائحة في سلطان المعارف تصير تلك الأنوار معمورة، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلك تلك الجملة، كما قالوا: فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار تلك الكواكب. وبقوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22]، يشير إلى أن الإيمان نور ينور الله به مصباح قلوب عباده المؤمنين، والإسلام ضوء نور الإيمان مستضيء به مشكوة صدورهم، ففي الحقيقة من شرح الله صدره بضوء نور الإيمان فهو على نور من نظر عناية ربه، ومن إمارات ذلك النور محو آثار ظلمات صفات الذميمة النفسانية، وفي حب الدنيا وزينتها وشهواتها، وإثبات حب الآخرة والأعمال الصالحة لها، والتحلية بالأخلاق الكريمة الحميدة، كما قال تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39]، من إماراته أن تلين قلوبهم لذكر الله فتزداد أشواقهم إلى لقاء الله وجواره، فيسأمون من محق الدنيا وحمل أثقال الأوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية، فيفرون إلى الله ويتنورون بانوار صفاته؛ منها: نور اللوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار جمال الصمدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك فلا وجد ولا وجود، ولا قصد ولا مقصود، ولا قرب ولا بعد، ولا وصال ولا هجران، {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]؛ كلا بل هو الله الواحد القهار، {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الزمر: 22]، الصلبة الصدئة برين المكاسب التي لم يقترعها خواطر التعريف، فبقيت على نكارة الجحد {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22]، الضلالة الظلومية الباقية، والجهالية الدائمة. ثم أخبر عن خطابه وكتابه بقوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ} [الزمر: 23]، يشير إلى معانٍ: منها: إنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، أحسن حديث مما نزل على جميع الأنبياء والمرسلين. ومنها: إنه أحسن حديث؛ لأنه كلام الله وهو قديم، وكلام غيره مخلوق محدث. ومنها: إنه كتاب متشابه في اللفظ، مثاني في المعنى من وجهين: أحدهما لكل لفظ منه معاني مختلفة، بعضها يتعلق بلغة العرب وبعضها يتعلق بأحكام الشرع، وبعضها يتعلق بإشارات الحق تعالى، كمثل الصلاة فإن معناها في اللغة الدعاء، وفي أحكام الشرع؛ هي عبارة عن هيئات وأركان وشرائط وحركات مخصوصة بها، وفي إشارة الحق تعالى هي الرجوع إلى الله تعالى، كما جاء روحه من الحضرة بالنفخة الخاصة إلى الغالب، فإنه عبر على القيام الذي يتعلق بالسماوات، ثم على الركوع الذي يتعلق بالحيوانات، ثم على السجود الذي يتعلق بالنباتات، ثم على التشهد الذي يتعلق بالمعادن، فبالصلاة يشير الله تعالى إلى رجوع الروح إلى حضرة ربه على طريق جاء منها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة معراج المؤمنين"تفسير : ، وليس هاهنا مقام شرح رجوع الروح إلى حضرة ربه بمعراج الصلاة، وقد شرحنا حقيقة هذا في كتابنا الموسوم بـ"منارات السائرين إلى حضرة الله - جل جلاله - ومقامات الطائرين"، ولكن المعاني والإشارات والأسرار والحقائق مثاني فيها إلى لا متناهي، وإلى هذا أشير بقوله: {أية : لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي...}تفسير : [الكهف: 109]. {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23]، إذا قرعت صفة الجلال أبواب قلوبهم من خشية الله وهيبته، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ} [الزمر: 23] بتجلي صفات جماله {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الزمر: 23] بالشوق والطلب، {ذَلِكَ} [الزمر: 23]؛ أي: ذلك التجلي {هُدَى ٱللَّهِ} [الزمر: 23] ليس للإنسان إليه سبيل إلا بالطلب رد، والسبيل سد، {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} [الزمر: 23] بأن يكله إلى نفسه وعقله ويحرمه عن الإيمان بالأنبياء ومتابعتهم، {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] من براهين الفلاسفة والدلائل العقلية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك. { ثُمَّ يَهِيجُ } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } متكسرا { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم. ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة. اللّهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.