Verse. 4080 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

اَفَمَنْ شَرَحَ اللہُ صَدْرَہٗ لِلْاِسْلَامِ فَہُوَعَلٰي نُوْرٍ مِّنْ رَّبِّہٖ۝۰ۭ فَوَيْلٌ لِّــلْقٰسِيَۃِ قُلُوْبُہُمْ مِّنْ ذِكْرِ اؘ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ فِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۲۲
Afaman sharaha Allahu sadrahu lilislami fahuwa AAala noorin min rabbihi fawaylun lilqasiyati quloobuhum min thikri Allahi olaika fee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفمن شرح الله صدره للإسلام» فاهتدى «فهو على نور من ربه» كمن طبع على قلبه، دلَّ على هذا «فويلٌ» كلمة عذاب «للقاسية قلوبهم من ذكر الله» أي عن قبول القرآن «أولئك في ضلال مبين» بيّن.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ }. واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الأنعام: 125] في تفسير شرح الصدر وفي تفسير الهداية، ولا بأس بإعادة كلام قليل ههنا، فنقول إنه تعالى خلق جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات، وبعضها نذلة كدرة خسيسة مائلة إلى الجسمانيات وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك، إذا عرفت هذا فنقول المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس، وإذا كان ذلك الاستعداد الشديد حاصلاً كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب، مثل الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال الروحانية، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للإلهيات فكانت قاسية كدرة ظلمانية، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت قسوتها وظلمتها أقل. إذا عرفت هذه القاعدة فنقول. أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة، وما لم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانياً، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع ألبتة بسماع الدلائل، وربما صار سماع الدلائل سبباً لزيادة القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك، والله أعلم. المسألة الثانية: من محذوف الخبر كما في قوله: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } تفسير : [الزمر: 9] والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته، والجواب متروك لأن الكلام المذكور دل عليه وهو قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ }. المسألة الثالثة: قوله: {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } فيه سؤال، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان كما قال: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] فكيف جعله في هذه الآية سبباً لحصول قسوة القلب، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى {ثم أنشأناه خلقاً آخر } قال كل واحد منهم {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 12 ـ 14] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اكتب فهكذا أنزلت» تفسير : فازداد عمر إيماناً على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفراً على كفر، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضاً أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، إذا عرفت هذا فنقول إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله تعالى، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سبباً لازدياد مرضها كان مرض تلك النفس مرضاً لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وهذا كلام كامل محقق، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان، والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفاً بهذه الصفات، ثم إنه في حق ذلك الإنسان صار سبباً لمزيد القسوة دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات، فنقول إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال. الصفة الأولى: قوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه حديثاً في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله تعالى: {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } تفسير : [الطور: 34] ومنها قوله تعالى: {أية : أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } تفسير : [الواقعة: 81] والحديث لا بد وأن يكون حادثاً، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق، وهذا عتيق وليس بحادث، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث، وسمي الحديث حديثاً لأنه مؤلف من الحروف والكلمات، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة، فهذا تمام تقرير هذا الوجه. أما الوجه الثاني: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير. وما يكون كذلك فهو محدث وحادث. وأما الوجه الثالث: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركاً لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضاً أن يكون القرآن حادثاً. أما الوجه الرابع: في الاستدلال أن قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف. وذلك يدل على كونه محدثاً والجواب: أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق، والله أعلم. المسألة الثانية:كون القرآن أحسن الحديث، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه. القسم الأول: أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين: الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب. ولا من جنس الرسائل، بل هو نوع يخالف الكل، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه. القسم الثاني: أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى، وفيه وجوه: الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82] ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً. وضبط هذه العلوم أن نقول: العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ِٱلمَصير } تفسير : [البقرة: 285] فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة. أما القسم الأول: وهو الإيمان بالله، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء. أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه. وأما معرفة الصفات فهي نوعان: أحدهما: ما يجب تنزيهه عنه، وهو كونه جوهراً ومركباً من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصاً بحيز وجهة، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة: ليس ولم وما ولا، وهذه الأربعة المذكورة، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه. أما كلمة ليس، فقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] وأما كلمة لم، فقوله: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 3، 4] وأما كلمة ما، فقوله: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تفسير : [مريم: 64]، {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] وأما كلمة لا، فقوله تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } تفسير : [البقرة: 255]، {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام: 14]، {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } تفسير : [المؤمنون: 88]، وقوله في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [محمد: 19]. وأما النوع الثاني: وهي الصفات التي يجب كونه موصوفاً بها من القرآن فأولها العلم بالله، والعلم بكونه محدثاً خالقاً، قال تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1] وثانيها: العلم بكونه قادراً، قال تعالى في أول سورة القيامة {أية : بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } تفسير : [القيامة: 4] وقال في آخر هذه السورة {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [القيامة: 40] وثالثها: العلم بكونه تعالى عالماً، قال تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } تفسير : [الحشر: 22] ورابعها: العلم بكونه عالماً بكل المعلومات، قال تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } تفسير : [الرعد: 8] وخامسها: العلم بكونه حياً، قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [غافر: 65] وسادسها: العلم بكونه مريداً، قال الله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الأنعام: 125] وسابعها: كونه سميعاً بصيراً، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } تفسير : [الشورى: 11] وقال تعالى: {أية : إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } تفسير : [طه: 46] وثامنها: كونه متكلما، قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 27] وتاسعها: كونه أمراً، قال تعالى: {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } تفسير : [الروم: 4] وعاشرها: كونه رحماناً رحيماً مالكاً، قال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 3، 4] فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها. وأما القسم الثالث: وهو الأفعال، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام. أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل، كما قال تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [المدثر: 31] وأما الأجسام، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل. أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه أحدها: البحث عن أحوال السموات، و ثانيها: البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلليل ٱلنهار يطلبهُ حثيثاً وٱلشمس وَٱلقمر وِٱلنجوم مسخرات بأمره } تفسير : [الأعراف: 54] و ثالثها: البحث عن أحوال الأضواء، قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35] وقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس: 5] و رابعها: البحث عن أحوال الظلال، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } تفسير : [الفرقان: 45] و خامسها: اختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى: {أية : يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ } تفسير : [الزمر: 5] و سادسها: منافع الكواكب، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [الأنعام: 97] و سابعها: صفات الجنة، قال تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الحديد: 21] و ثامنها: صفات النار، قال تعالى: {أية : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ } تفسير : [الحجر: 44] و تاسعها: صفة العرش، قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ } تفسير : [غافر: 7] و عاشرها: صفة الكرسي، قال تعالى: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [البقرة: 255] و حادي عشرها: صفة اللوح والقلم. أما اللوح، فقوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 21، 22] وأما القلم، فقوله تعالى: {أية : ن وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } تفسير : [القلم: 1]. وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها: الأرض، وقد وصفها بصفات كثيرة إحداها: كونه مهداً، قال تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ مَهْداً } تفسير : [طه: 53] و ثانيها:كونه مهاداً، قال تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَـٰداً } تفسير : [النبأ: 6] و ثالثها: كونه كفاتاً، قال تعالى: {أية : كِفَاتاً * أَحْيَاء وَأَمْوٰتاً } تفسير : [المرسلات: 24، 25] و رابعها: الذلول، قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } تفسير : [الملك: 15] و خامسها: كونه بساطاً، قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً * لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } تفسير : [نوح: 19، 20] والكلام فيه طويل و ثانيها: البحر، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } تفسير : [النحل: 14] و ثالثها: الهواء والرياح. قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } تفسير : [الأعراف: 57] وقال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } تفسير : [الحجر: 22] و رابعها: الآثار العلوية كالرعد والبرق، قال تعالى: {أية : وَيُسَبّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } تفسير : [الرعد: 13] وقال تعالى: {أية : فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } تفسير : [النور:43] ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب و خامسها: أحوال الأشجار والثمار وأنواعها وأصنافها، و سادسها: أحوال الحيوانات، قال تعالى: {أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } تفسير : [البقرة: 164] وقال: {أية : وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ } تفسير : [النحل: 5] و سابعها: عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة، قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] و ثامنها: العجائب في سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه و تاسعها: تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة، و عاشرها ذكر أحوال الناس عند الموت وبعد الموت، وكيفية البعث والقيامة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات، وإلى عشرة أخرى في عالم العناصر، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة. وأما القسم الرابع: وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه، فنقول هذه التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح. أما القسم الأول: فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لا بد منه في هذا الباب، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى } تفسير : [النحل: 90]، وقال: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199]. وأما الثاني: فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه. وأما القسم الخامس: وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] فهذا كله يتعلق بمعرفة الله. وأما القسم الثاني: من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ } تفسير : [البقرة: 285] والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله: {وَمَلَـئِكَتُهُ } وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل الله قال تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] ومنها أنها مدبرات لهذا العالم، قال تعالى: {أية : فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } تفسير : [الذاريات: 4] {أية : فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } تفسير : [النازعات: 5] وقال تعالى: {أية : وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } تفسير : [الصافات: 1] ومنها حملة العرش قال: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] ومنها الحافون حول العرش قال: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } تفسير : [الزمر: 75] ومنها خزنة النار قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } تفسير : [التحريم: 6] ومنها الكرام الكاتبون قال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ } تفسير : [الانفطار: 10، 11] ومنها المعقبات قال تعالى: {أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } تفسير : [الرعد: 11] وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين. وأما القسم الثالث: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى: {أية : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } تفسير : [البقرة: 37] ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } تفسير : [البقرة: 124] ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور. وأما القسم الرابع: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } تفسير : [غافر: 78]. القسم الخامس: ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول: أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا }، الثاني: أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } أكثر. القسم السادس: معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله: {أية : وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [البقرة: 285] وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتاباً يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها. ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة، ولما كان الأمر على هذه الجملة، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ}، والله أعلم. الصفة الثانية: من صفات القرآن قوله تعالى:{كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً} أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 2] وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه. وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } تفسير : [آل عمران: 7] يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض. وأما كونه كله متشابهاً كما في هذه الآية، فقال ابن عباس: معناه أنه يشبه بعضه بعضاً، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها: أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلاً، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً، ويكون البعض غير فصيح، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه وثانيها: أن الفصيح إذا كتب كتاباً في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة وثالثها: أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً ورابعها: أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه، فهذا هو المراد من كونه متشابهاً، والله الهادي. الصفة الثالثة: من صفات القرآن كونه مثَاني وقد بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي } تفسير : [الحجر:87] وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمفصل، وأحوال السموات والأرض، والجنة والنار، والظلمة والضوء، واللوح والقلم، والملائكة والشياطين، والعرش والكرسي، والوعد والوعيد، والرجاء والخوف، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه. الصفة الرابعة: من صفات القرآن قوله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى {تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ } تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف، قال المفسرون: والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا: السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا، ويجب علينا أن نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة. فهنا يقشعر جلده، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، مما يصعب تصوره فههنا تقشعر الجلود، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فرداً أحداً، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله. وأيضاً إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم في ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضاً بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن، فإذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء، لأن كل ما استحضرته في فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية، فههنا يتحير العقل ويقشعر الجلد، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال ههنا موجود والموجود إما واجب وإما ممكن، فإن كان واجباً فهو دائماً منزه عن الأول والآخر وإن كان ممكناً فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزلياً أبدياً، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله، فثبت أن المقامين المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين المذكورتين. المسألة الثانية: روى الواحدي في «البسيط» عن قتادة أنه قال: القرآن دل على أن أولياء الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاءهم تضطرب، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من الشيطان، وأقول ههنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب إحياء علوم الدين، وهي أنا نرى كثيراً من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة، وأنا أقول: إني خلقت محروماً عن هذا المعنى، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي وقف على شعري وحصلت في قلبـي دهشة وروعة، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت ألبتة في نفسي منها أثراً، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا، وبيانه من وجوه الأول: أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وهجر وبغض وحب تليق بالخلق، وإثباته في حق الله تعالى كفر، وأما الانتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في العلم، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] إلى آخر الآية والثاني: وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر، لأن قوة نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح، والقائل في القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور والثالث: أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [الشورى: 52، 53] وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى: {أية : وَٱلشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 224، 226] فهذه الوجوه الثلاثة فروق ظاهرة، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته، والله أعلم. المسألة الثالثة: في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في معرض السؤال والجواب. السؤال الأول: كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب: قال صاحب «الكشاف» تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره، وذلك مثل في شدة الخوف. السؤال الثاني: كيف قال: {تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } وما الوجه في تعديه بحرف إلى؟ والجواب: التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك. السؤال الثالث: لم قال {إلى ذكر الله} ولم يقل إلى ذكر رحمة الله؟ والجواب: أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله، وإنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الأنعام: 125] وفي قوله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] وأيضاً قال لأمة موسى: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] وقال أيضاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } تفسير : [البقرة: 152]. السؤال الرابع: لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معاً؟ والجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح، والله أعلم. ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال: {ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } فقوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولاً لقبول هذه الهداية {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } أي من جعل قلبه قاسياً مظلماً بليد الفهم منافياً لقبول هذه الهداية {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } واستدلال أصحابنا بهذه الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ}. أما قوله تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة، أما حكمهم في الدنيا فهو الضلال التام كما قال: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } تفسير : [الرعد: 33] وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وتقريره أن أشرف الأعضاء هو الوجه لأنه محل الحسن والصباحة، وهو أيضاً صومعة الحواس، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه قال تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } تفسير : [عبس: 38 ـ 42] ويقال لمقدم القوم يا وجه العرب، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء وجه كذا هو كذا، فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه، فإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداءً له، وإذا عرفت هذا فنقول: إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء، ونظيره قول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : أي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه، فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء ألبتة، ويقال أيضاً إن الذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، إذا عرفت هذا فنقول: جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو آمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره، وسوء العذاب شدته. ثم قال تعالى: {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } ولما بين الله تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضاً كيفية وقوعهم في العذاب في الدنيا فقال: {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء في قوله: {فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ } تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب، فإذا كان التكذيب حاصلاً ههنا لزم حصول العذاب استدلالاً بالعلة على المعلول، وقوله: {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها، ولما بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضاً أنه أتاهم الخزي وهو الذل والصغار والهوان، والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقروناً بالهوان والذل. ثم قال: {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع. والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } والمقصود ظاهر، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ودلت أيضاً على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ } مشعر بالتعليل، وقوله في آخر الآية: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } مشعر بالتعليل أيضاً، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء، فقال: {قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه الأول: أن قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثاً، فإن القديم هو الذي يكون موجوداً في الأزل، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا، والثاني: أنه وصفه بكونه عربياً وإنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم كان مخلوقاً محدثاً الثالث: أنه وصفه بكونه قرآناً والقرآن عبارة عن القراءة والقراءة مصدر والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلاً ومفعولاً والجواب: أنا نحمل كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات وهي حادثة ومحدثة. المسألة الثانية: قال الزجاج قوله: {عَرَبِيّاً } منصوب على الحال والمعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح. المسألة الثالثة: أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة أولها: كونه قرآناً، والمراد كونه متلواً في المحاريب إلى قيام القيامة، كما قال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9]، وثانيها: كونه عربياً والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } تفسير : [الإسراء: 88] وثالثها: كونه غير ذي عوج والمراد براءته عن التناقض، كما قال: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء:82] وأما قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } فالمعتزلة يتمسكون به في تعليل أحكام الله تعالى. وفيه بحث آخر: وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } وقال في هذه الآية: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه، حصل الاتقاء والاحتراز، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} شرح فتح ووسع. قال ابن عباس: وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه. وقال السدي: وسع صدره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه؛ فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح إلا بعد الإسلام؛ وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام. {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي على هدى من ربه كمن طبع على قلبه وأقساه. ودلّ على هذا المحذوف قوله: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} قال المبرد: يقال قسا القلب إذا صَلُب، وكذلك عتا وعسا مقاربة لها. وقلبٌ قاسٍ أي صُلْب لا يرق ولا يلين. والمراد بمن شرح الله صدره هاهنا فيما ذكر المفسرون عليّ وحمزة رضي الله عنهما. وحكى النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال مقاتل: عمار بن ياسر. وعنه أيضاً والكلبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآية عامة فيمن شرح الله صدره بخلق الإيمان فيه. وروى مُرَّة حديث : عن ابن مسعود قال: قلنا يا رسول الله قوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} كيف انشرح صدره؟ قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح» قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟. قال:«الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله» تفسير : وخرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث ابن عمر: حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكراً وأحسنهم له استعداداً وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع» قالوا: فما آية ذلك يا نبيّ الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت»تفسير : فذكر صلى الله عليه وسلم خصالاً ثلاث، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر؛ لأن دار الخلود إنما وضعت جزاء لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك: {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة: 17] فالجنة جزاء الأعمال؛ فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولَها عن طلبها، وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور. وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظراً في كل أمر، واقفاً متأدّباً متثبتاً حذِراً يتورّع عما يُريبه إلى ما لا يُريبه، فقد استعدّ للموت. فهذه علامتهم في الظاهر. وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب. وقوله: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} قيل: المراد أبو لهب وولده، ومعنى: «مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أن قلوبهم تزداد قسوة من سماع ذكره. وقيل: إن «مِن» بمعنى عن، والمعنى قست عن قبول ذكر الله. وهذا اختيار الطبري. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله تعالى اطلبوا الحوائج من السمَحاء فإني جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي»تفسير : . وقال مالك بن دينار: ما ضُرِب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ } فاهتدى {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } كمن طبع على قلبه؟ دلَّ على هذا {فَوَيْلٌ } كلمة عذاب {لّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي عن قبول القرآن {أُوْلَئِكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن.

ابن عطية

تفسير : روي أن هذه الآية: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} آية نزلت في علي وحمزة، وأبي لهب وابنه هما اللذان كانا من القاسية قلوبهم، وفي الكلام محذوف يدل الظاهر عليه، تقديره، أفمن شرح الله صدره كالقاسي القلب المعرض عن أمر الله. وشرح الصدر: استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله. و"النور" هداية الله تعالى، وهي أشبه شيء بالضوء. قال ابن مسعود: قلنا يا رسول الله كيف انشراح الصدر؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح"، قالوا وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل الموت". و"القسوة": شدة القلب، وهي مأخوذة من قسوة الحجر، شبه قلب الكافر به في ضلالته وقلة انفعاله للوعظ. وقال مالك بن دينار: ما ضرب العبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، ويدل قوله: {فويل للقاسية} على المحذوف المقدر. وقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} يريد به القرآن، وروي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن قوماً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وأخبرنا بأخبار الدهر، فنزلت الآية في ذلك. وقوله: {متشابهاً} معناه: مستوياً لا تناقض فيه ولا تدافع، بل يشبه بعضه بعضاً في وصف اللفظ ووثاقة البراهين وشرف المعاني، إذ هي اليقين في العقائد في الله تعالى وصفاته وأفعاله وشرعه. وقوله: {مثاني} معناه: موضع تثنية للقصص والأقضية، والمواعظ شتى فيه ولا تمل مع ذلك ولا يعرضها ما يعرض الحديث المعاد. قال ابن عباس: ثنى فيه الأمر مراراً. ولا ينصرف {مثاني} لأنه جمع لا نظير له في الواحد. وقوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} عبارة عن قفّ شعر الإنسان عندما يداخله خوف ولين قلب عن سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه، وهذه علامة وفزع المعنى المخشع في قلب السامع، وفي الحديث أن أبي بن كعب قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم فرقت القلوب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة تفسير : . وقال العباس بن عبد المطلب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اقشعر جلده من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحاتُّ عن الشجرة اليابسة ورقها" تفسير : وقالت أسماء بنت أبي بكر: كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن أقواماً اليوم إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشياً عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقال ابن عمر: وقد رئي ساقطاً عند سماع القرآن فقال: إنا لنخشى الله وما نسقط، هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم. وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على حائط باسطاً رجليه ثم يقرأ القرآن كله، فإن رمى بنفسه فهو صادق. وقوله: {ذلك هدى الله} يحتمل أن يشير إلى القرآن، أي ذلك الذي هذه صفته هدى الله، ويحتمل أن يشير إلى الخشية واقشعرار الجلود، أي ذلك أمارة هدى الله، ومن جعل {تقشعر} في موضع الصفة لم يقف على {مثاني}، ومن جعله مستأنفاً وإخباراً منقطعاً وقف على {مثاني} وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ} وسعه للإسلام حتى ثبت فيه أو شرحه بفرحه وطمأنينته إليه {نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} هدى، أو كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه نزلت في الرسول صلى الله عليه سلم، أو في عمر، أو في عمار بن ياسر تقديره: أفمن شرح الله صدره كمن طبع على قلبه {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم} القاسية قلوبهم قيل: أبو جهل وأتباعه من قريش.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أَفمن شرح الله صدره} أي وسعه {للإسلام} وقبول الحق كمن طبع الله تعالى على قلبه فلم يهتد {فهو على نور من ربه} أي على يقين وبيان وهداية. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود قال "حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه قلنا يا رسول الله كيف انشراح صدره قال إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح قلنا يا رسول الله فما علامات ذلك قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت" تفسير : {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} القسوة جمودة وصلابة تحصل في القلب. فإن قلت كيف يقسو القلب عن ذكر الله وهو سبب لحصول النور والهداية؟ قلت إنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به قست قلوبهم عن الإيمان به وقيل إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن قبول الحق فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة كحر الشمس يلين الشمع ويعقد الملح فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عن سماعه ولا يزيد الكافرين إلا قسوة قال مالك بن ديار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة {أولئك في ضلال مبين} قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي أبي بن خلف، وقيل: في علي وحمزة وفي أبي لهب وولده وقيل في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. قوله عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث} يعني القرآن وكونه أحسن الحديث لوجهين أحدهما من جهة اللفظ والآخر من جهة المعنى، أما الأول فلأن القرآن من أفصح الكلام وأجزله وأبلغه وليس هو من جنس الشعر ولا من جنس الخطب والرسائل بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه، وأما الوجه الثاني وهو كون القرآن من أحسن الحديث لأجل المعنى فلأنه كتاب منزه عن التناقض والاختلاف مشتمل على أخبار الماضين وقصص الأولين وعلى أخبار الغيوب الكثيرة وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار {كتاباً متشابهاً} أي يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً {مثاني} أي يثني فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي والأخبار والأحكام {تقشعر} أي تضطرب وتشمئز {منه جلود الذين يخشون ربهم} والمعنى تأخذهم قشعريرة وهي تغيير يحدث في جلد الإنسان عند ذكر الوعيد والوجل والخوف. وقيل المراد من الجلود القلوب أي قلوب الذين يخشون ربهم {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي لذكر الله تعالى قيل إذا ذكرت آيات الوعيد والعذاب اقشعرت جلود الخائفين لله وإذا ذكرت آيات الرعد والرحمة لانت جلودهم وسكنت قلوبهم وقيل حقيقة المعنى أن جلودهم تقشعر عند الخوف وتلين عند الرجاء. روي عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها" تفسير : وفي رواية "حديث : حرمه الله تعالى على النار" تفسير : قال بعض العارفين: السيارون في بيداء جلال الله إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإذا لاح لهم جمال من عالم الجمال عاشوا. وقال قتادة: هذا نعت أولياء الله الذي نعتهم الله به بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان، وروي عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال "قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرىء عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال عبد الله: فقلت لها إن ناساً اليوم إذا قرىء عليهم القرآن خرَّ أحدهم مغشياً عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وروي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرَّ برجل من أهل العراق ساقط فقال ما بال هذا قالوا إنه إذا قرىء عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر عن ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرىء عليهم القرآن فقال بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق: فإن قلت لما ذكرت الجلود وحدها أولاً في جانب الخوف ثم قرنت معها القلوب ثانياً في الرجاء؛ قلت إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب اقشعرت الجلود من ذكر آيات الوعيد في أول وهلة وإذا ذكر الله ومبني أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم وقيل إن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف لأن الخير مطلوب بالذات والخوف ليس بمطلوب وإذا حصل الخوف اقشعر منه الجلد وإذا حصل الرجاء اطمأن إليه القلب ولان الجلد {ذلك} أي القرآن الذي هو أحسن الحديث {هدى الله يهدي به من يشاء} أي هو الذي يشرح الله به صدره لقبول الهداية {ومن يضلل الله} أي يجعل قلبه قاسياً منافياً لقبول الهداية {فما له من هاد} أي يهديه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ...} الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ وأبي لَهَبٍ وابنه؛ وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ؛ تقديره: أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ: استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ: هدايةُ اللَّه تعالَىٰ، وهي أشبهُ شَيْءٍ بالوضَّوْءِ، قال ابن مسعود: قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ ٱنْشِرَاحُ الصَّدْرِ؟ قال: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، ٱنْشَرَحَ وَانْفَسَحَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، والتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ، والقسوةُ: شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ بهِ في صَلاَبَتِهِ وقِلَّةِ ٱنْفِعَالِهِ، للوَعْظِ، وَرَوَى الترمذيُّ عن ابن عُمَرَ قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي» تفسير : ، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ. انتهى وقال مالكُ بن دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ [بعقوبةٍ] أعْظَمَ من قَسْوَةِ قلبهِ، قال ابن هِشَامٍ: قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} «من» هنا: مرادِفَةٌ «عَنْ»، وقيل: هي للتعليلِ، أي: مِنْ أجْلِ ذكر اللَّه؛ لأنه إذا ذُكِرَ اللَّه، قَسَتْ قلوبُهُمْ؛ عياذاً باللَّه، وقيل: هي للابتداءِ، انتهى من «المغني». قال الفَخْرُ: ٱعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سببٌ لحصولِ النُّورِ والهدايةِ وزيادةِ ٱلاطْمِئْنَانِ في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عنِ الحَقِّ في النفوسِ الخبيثة الشيطانية، فإذا عَرَفْتَ هذا، فنقول: إنَّ رأسَ الأدْوِيَةِ التي تفيدُ الصحةَ الروحانيةَ ورُتْبَتَها هو ذِكْرُ اللَّهِ، فإذا اتفق لبعضِ النفوسِ أنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ سبباً لازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تلكَ النفوسِ مَرَضاً لا يُرْجَىٰ زوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ علاجُهُ، وكانَتْ في نِهَايَةِ الشَّرِّ والرَّدَاءَةِ، فلهذا المعنَىٰ قال تعالَىٰ: {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} وهذا كَلاَمُ كَامِلٍ مُحَقِّقٍ، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أفمن شرح الله صدره للإِسلام‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ ليس المشروح صدره كالقاسية قلوبهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه حديث : في قوله {‏أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏}‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله فهل ينفرج الصدر‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالوا‏:‏ هل لذلك علامة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ التجافي عن دار الغرور، والانابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏} ‏ فقلنا يا رسول الله كيف انشراح صدره‏؟‏ قال‏: "‏إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح‏.‏ قلنا يا رسول الله فما علامة ذلك‏؟‏ قال‏: الانابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت"‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر رضي الله عنهما‏، ‏"‏حديث : أن رجلاً قال‏:‏ يا نبي الله أي المؤمنين أكيس‏؟‏ قال "أكثرهم ذكراً للموت، وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور القلب انفسح واستوسع‏.‏ فقالوا: ما آية ذلك يا نبي الله‏؟‏ قال‏:‏ الانابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت"‏"‏تفسير : ثم أخرج عن أبي جعفر عبد الله بن المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، وزاد فيه ‏{‏أفمن شرح الله صدره للإِسلام فهو على نور من ربه‏}‏‏ . أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فويل للقاسية قلوبهم‏}‏ ‏.‏ وأخرج الترمذي وابن مردويه وابن شاهين في الترغيب في الذكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القاسي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد رضي الله عنه‏، أن عيسى عليه السلام أوصى إلى الحواريين‏:‏ أن لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وأن القاسي قلبه بعيد من الله ولكن لا يعلم‏. وأخرج مردويه عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "حديث : ‏أكل العباد ونومهم عليه قسوة في قلوبهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج العقيلي والطبراني في الأوسط وابن عدي وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب والبيهقي في شعب الإِيمان وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يورث القسوة في القلب ثلاث خصال‏: حب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة‏"‏‏تفسير : .‏ والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لما قبله من تخصيصِ الذِّكرى بأولي الألبابِ. وشرحُ الصَّدرِ للإسلامِ عبارةٌ عن تكميلِ الاستعدادِ له فإنه محلٌّ للقلبِ الذي هو منبعٌ للرُّوحِ التي تتعلَّقُ بها النَّفسُ القابلةُ للإسلامِ فانشراحُه مستدعٍ لاتِّساعِ القلبِ واستضاءتِه بنوره فإنَّه روي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: « حديث : "إذا دخلَ النُّور القلبَ انشرحَ وانفسحَ" فقيل فما علامةُ ذلك؟ قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "الإنابةُ إلى دارِ الخُلودِ والتَّجافي عن دارِ الغُرور والتَّأهُّبُ للموتِ قبل نزولِه" » تفسير : والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ كالذي مرَّ في قوله تعالى: { أية : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 19] وخبرُ مَن محذوفٌ لدلالةِ ما بعده عليه والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فَمْن شَرحَ الله صدرَهُ أي خلقَهُ متَّسعَ الصَّدرِ مُستعدَّاً للإسلامِ فبقي على الفطرةِ الأصليةِ ولم يتغيرْ بالعوارضِ المكتسبةِ القادحةِ فيها {فَهُوَ} بموجبِ ذلك مستقرٌّ {عَلَىٰ نُورٍ} عظيم {مّن رَّبّهِ} وهو اللُّطفُ الإلهيُّ الفائضُ عليه عند مشاهدةِ الآياتِ التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ والتَّوفيقُ للاهتداءِ بها إلى الحقِّ كمَنْ قسا قلبُه وحَرِجَ صدره بسببِ تبديلِ فطرةِ الله بسُوء اختيارِه واستولى عليه ظلماتُ العِيِّ والضِّلالةِ فأعرضَ عن تلك الآياتِ بالكُلِّيةِ حتَّى لا يتذكَّر بها ولا يغتنمُها {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي من أجلِ ذكرهِ الذي حقُّه أنْ تنشرحَ له الصُّدورُ وتطمئنَّ به القلوبُ أي إذا ذُكر الله تعالى عندهم أو آياتُه اشمأزُّوا من أجلِه وازدادتْ قلوبُهم قساوةً كقولِه تعالى فزادْتُهم رجساً. وقُرىء عن ذكرِ الله أي عن قبولِه {أُوْلَـٰئِكَ} البُعداءُ الموصوفون بما ذُكر من قساوةِ القلوب {فِى ضَلَـٰلٍ} بُعدٍ عن الحقِّ {مُّبِينٌ} ظاهر كونه ضلالاً لكلِّ أحدٍ قيل: نزلتِ الآيةُ في حمزةَ وعليَ رضي الله عنهما وأبـي لهبٍ وولدِه وقيل: في عمَّارِ بنِ ياسرٍ رضي الله عنه وأبـي جهلٍ وذويه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} [الآية: 22]. قال بعضهم: الإيمان خمسة ثم خمسة أولاً الشرح والتنوير لقوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} ثم الامتحان لقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الحجرات: 3] ثم التحبيب والتزيين لقوله: {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 7] والكَتْب والتطهير بقوله: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ } تفسير : [المجادلة: 22] و {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [المائدة: 41]. والخمس بعد ذلك معرفته بإثباته وأنه واحد لم يزل ولا يزال وليس كمثله شىء والخمس بعدها التصديق بالقول والإقرار باللسان والعمل بالأركان والاستقامة. قال السيارى: تولّد الإسلام من الإيمان وتولّد الإيمان من المعرفة وتولد المعرفة من الهداية والنصرة ولا تكون الهداية والنصرة إلاَّ بالشرح والتنوير قال الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. وقال على بن عبد الحميد: الصدر ساحة والفؤاد البيت والقلب بيت المخدع وفيه الضمير مثلها كمثل القنديل فالفؤاد النار والقلب الفتيله والصدر الدّهن فإذا كان الدُّهن جيدًا نظيفًا نوَّر نوره وصفى سراجه. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: وسَّع الله صدره فاحتمل الذات بعد احتمال الصفات ما كذب الفؤاد ما رأى العين. قوله عز وعلا: {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الآية: 22]. على يقين من مشاهدة ربه بالغيبوبة عن الملك والملكوت فلم يبق عليه مقام إلاَّ سلكه ولا حال إلا استوفاه فلما استوفى الأحوال وجاء على التمام شهد فشاهد فخوطب بأبهم الخطاب وأبهم عن ذلك الخطاب حين أخبر فقال: "حديث : لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا ". تفسير : وقال عمرو المكى فى هذه الآية هو وقوع نظر العبد على عظيم علم الوحدانية وجلال الربوبية فيعمى بذلك عن كل ملحوظ إليه بعد ذلك. قال الواسطى فى قوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} قال: نور الشرح محبة عظيمة لا يحتمله كل أحد إلاَّ المؤيدون بالعناية والرعاية فإن العناية تصون الجوارح والأشباح والرعاية تصون الحقائق والأرواح. قال القاسم: أوائل الإيمان الشرح والتنوير والتزيين والشرح فى حديث حارثة. قال الترمذى: أهل اليقين وحدوا الله قلبًا وقولاً وفعلاً ووفوا له ذلك بشرح الصدر الذى مَنّ به الله عليهم وذلك قوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. قال ابن عطاء: من آمن بالله وصدقه فهو على نور من ربه أى على بيان من ربه. قال بعضهم: تعرّف إليهم حتى عرفوه وبصَّرهم حتى أبصروه وذلك حين شرح قلوبهم برؤية الصنع وأعمى أبصارهم عن النظر إلى سواه فبشرح الصدر عرفوه وبالعمى عن غيره أبصروه. قال القاسم فى قوله: {عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} قال: الإيمان بالقدر. قوله عز وعلا: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 22]. قال الحسين: قسوة القلب بالنعم أشد من قسوته بالنسيان والشدة فإنه بالنعمة يشكر وبالشدة يذكر. وأنشد فى معناه: شعر : قد كنت فى نعمة الهوى بطرًا فأدركتنى عقوبة البطر تفسير : وقال: من همّ بشىء مما أباحه العلم تلذذًا عوقب بتضييع العمر وقسوة القلب وتعب الهم فى الدنيا. وقال: عقوبة القلب الرَّان والقسوة والعمى. قال يحيى بن معاذ: قسوة القلب من اتباع الهوى.

القشيري

تفسير : جوابُ هذا الخطابِ محذوفٌ... أي أَفمن شرح اللَّهُ صَدْرَه للإسلام كمن ليس كذلك؟ لمَّا نزلت هذه الآيةُ حديث : سُئِلَ الرسولُ - صلى الله عيله وسلم - عن الشرح المذكور فيها، فقال: "ذلك نورٌ يُقْذَفُ في القلب" فقيل: وهل لذلك أَمارة؟ قال: "نعم؛ التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" ". تفسير : والنورُ الذي مِنْ قِبَلِهِ - سبحانه - نورُ اللّوائح بنجوم العلم، ثم نورُ اللوامع ببيان الفَهْم، ثم نورُ المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نورُ المكاشفة بتَجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد... وعند ذلك فلا وَجْدَ ولا فقد، ولا قُرْب ولا بـُعْدَ... كلاّ بل هو الله الواحد القهار. {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}: اي الصلبة قلوبهم، لم تقرعها خواطرُ التعريف فبقيت عَلَى نَكْرَةِ الجَحْد... أُولئك في الضلالة الباقية، والجهالة الدائمة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} بين الله سبحانه تفضيل شرايف الصديقين من اهل مشاهدته المنورين بانوار قدسه اوجد ارواحهم فى فضاء ديمومته وميادين ازليته فابدا لها نور جماله وجلاله فهم منورون بنوره حيث البسهم فموص سنا عظمته وبهاء كبريائه فهذا معنى شرح صدورهم وبعد نشر نور تجليه فى ارواحهم وعقولهم حتى رفع فيها نور العبودية وما بدا من نور اليقين والعرفان والايمان والاسلام فاوّل شرح صدورهم بدو انوار صفاته فيها واخس انفسها ظهور سنا ذاته فيها فهم على نور منه وبذلك النور يلبسون فيرون الحق بنور الحق ويرون ما دون الحق من العرش الى الثرى بنوره ثم ونج اضدادهم بقساوة القلوب وتباعد النيات واحتجابهم عن نور ذكره بعد ان قهرهم بخذلانه وحرمهم من نور اسلامه وايمانه وهددهم بعقوبته بقوله {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} قسوة قلوبهم من اتباعهم نفوسهم واعراضهم عن قبول طاعة مولاهم ثم بين انهم فى ضلال عن الوصال بقوله {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} قال بعضهم شرح صدره لمعرفته فهو على نور من ربه فيشهد بذلك النور الغيوب ويكون حاضرا بروحه وسره للاسلام وقال جعفر الصادق وشرح صدور اوليائه لانها موضع خزانته ومعدن اشارته وبيت امانته ومفتاح البيت عنده وحارسه الله وهو فى كنفه لا يطالعه احد سواه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم تفسير : الحديث وقال الشبلى انارت بالشرح قلوبهم وانطقت بالحكمة السنتهم واكملوا بكمال الاداب ورياضة النفوس فوصلوا بالولاية وسقوا بكاس الصدق وقال النورى استسلم سره بنور القربة وذلك الشرح وقال بعضهم فهو على نور من بعد على يقين من مشاهدة ربه بالغيبوبة عن الملك والملكوت فلم يبق عليه مقام الا سلكه ولا حال الا استوفاه وقال الواسطى منحة عظيمة لا يحتملها احد الا المؤيدون بالعناية والرعاية فان العناية تصون الجوارح والاشباح والرعاية تصون الحقائق والارواح وقال بعضهم عرف اليهم حتى عرفوه وبصرهم حتى ابصروه وذلك حين شرح قلوبهم برؤية الصنع واعمى ابصارهم عن النظر الى سواه فبشرح الصدر عرفوه وبالعمى عن غيره ابصروه وقال يحيى ابن معاذ قسوة القلب من اتباع الهوى وقال عقوبة القلب الرين والقسوة وقال الحسين قسوة القلب بالنعم اشد من قسوته بالنسيان والشدة فان بالنعمة يسكرو بالشدة يذكر وانشد فى معناه شعر : قد كنت فى نعمة الهوى بطرا فادركتنى عقوبة البطر تفسير : وقال من هم بشئ مما اباحه العلم تلذذا عوقب تصنيع العمر وقسوة القلب وتعب الهمّ فى الدنيا وقال الاستاذ النور الذى من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم ثم نور اللوامع ببيان الفهم ثم نور المحاضرة بزوايد اليقين ثم نور المكاشفة بتجلى الصفات ثم نور المشاهدة بظهور الذات ثم انوار الصمدية بحقائق التوحيد وعند ذلك فلا وجد ولا قصد ولا قرب ولا بعد كلا بل هو الله الواحد القهار وقال فى قوله فويل للقاسية قلوبهم الصلبة قلوبهم التى لم يفتر عنها خواطر التعريف فبقيت على مكاره الجحد اولئك فى الضلالة الباقية والجهالة الدائمة نعم ما قال المشائخ فى تفسير هذه الأية ولكن حقيقة تفسيرها ما قال النبى صلى الله عليه وسلم حين سئل عن تفسير الشرح المذكور فى القرأن فقال ذلك نور يقذف فى القلب فقيل هل لذلك امارة فقال عليه الصلاة والسّلام نعم التجافى عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله قوله عليه السلام بين هذه الاقوال فى الأية كالشمس بين انوار الكواكب اذا برز نور شمسه ادرج ضوء نورها ضوء الكواكب كما قيل شعر : فلما استبان الصبح اصبح ضؤه بانواره انوار الكواكب

اسماعيل حقي

تفسير : {أفمن شرح الله صدره للاسلام} الهمزة للاستفهام الانكارى والفاء للعطف على محذوف ومن شرطية او موصولة وخبرها محذوف دل عليه ما بعده. واصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرحته ومنه شرح الصدر بنور الهى وسكينة من جهته تعالى وروح منه كما فى المفردات. قال فى الارشاد شرح الصدر للاسلام عبارة عن تكميل الاستعداد له فان الصدر بالفارسية [سينه] محل القلب الذى هو منبع للروح التى تتعلق بها النفس القابلة للاسلام فانشراحه مستدع لاتساع القلب واستضاءته بنوره فهذا شرح قبل الاسلام لا بعده والمعنى أكل النساس سواء فمن بالفارسية [بس هركسى وياآنكس كه] {شرح الله صدره} اى خلقه متسع الصدر مستعدا للاسلام فبقى على الفطرة الاصلية ولم يتغير بالعوارض المكتسبة القادمة فيها {فهو} بموجب ذلك مستقر {على نور} عظيم {من ربه} وهو اللطف الالهى الفائض عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق للاهتداء بها الى الحق كمن قسا قلبه وحرج صدره بسبب تبديل فطرة الله بسوء اختياره واستولت عليه ظلمات الغى والضلالة فاعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها كقوله تعالى {أية : ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} تفسير : يعنى ليس من هو على نور كمن هو على ظلمة فلا يستويان كما لا يستوى النور والظلمة والعلم والجهل. واعلم انه لا نور ولا سعادة لمسلم الا بالعلم والمعرفة ولكل واحد من المؤمنين معرفة تختص به وانما تتفاوت درجاتهم بحسب تفاوت معارفهم. والايمان والمعارف انوار فمنهم من يضيىء نوره جميع الجهات ومنهم من لا يضيىء نوره الا موضع قدميه فايمان آحاد العوام نوره كنور الشمع وبعضهم نوره كنور السراج وايمان الصديقين نوره كنور القمر والنجوم على تفاوتها واما الانبياء فنور ايمانهم كنور الشمس وازيد فكما ينكشف فى نورها كل الآفاق مع اتساعها ولا ينكشف فى نور الشمع الا زاوية ضيقة من البيت كذلك يتفاوت انشراح الصدور بالمعارف وانكشاف سعة الملكوت لقلوب المؤمنين ولهذا جاء فى الحديث "حديث : انه يقال يوم القيامة اخرجوا من النار من فى قلبه مثقال من الايمان ونصف مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرة " تفسير : ففيه تنبيه على تفاوت درجات الايمان وبقدره تظهر الانوار يوم القيامة فى المواقف خصوصا عند المرور على الصراط {فويل} [بس شدت عذاب] {للقاسية قلوبهم من ذكر الله} القسوة غلظ القلب واصله من حجر قاس والمقاساة معالجة ذلك ومن اجلية وسببية كما فى قوله تعالى {أية : مما خطيئاتهم اغرقوا} تفسير : والمعنى من اجل ذكره الذى حقه ان تنشرح له الصدور وتطمئن به القلوب اى اذا ذكر الله تعالى عندهم وآياته اشمأزوا من اجله وازدادت قلوبهم قساوة كقوله تعالى {أية : فزادتهم رجسا} تفسير : وقرىء عن ذكر الله اى فويل للذين غلظت قلوبهم عن قبول ذكر الله. وعن مالك بن دينار رحمه الله ما ضرب عبد بعقوبة اعظم من قسوة قلبه وما غضب الله على قوم الا نزع منهم الرحمة. وقال الله تعالى لموسى عليه السلام فى مناجاته يا موسى لا تطل فى الدنيا املك فيقسو قلبك والقلب القاسى منى بعيد وكن خلق الثياب جديد القلب تخف على اهل الارض وتعرف فى اهل السماء وفى الحديث "حديث : تورث القسوة فى القلب ثلاث خصال حب الطعام وحب النوم وحب الراحة " تفسير : وفى كشف الاسرار [بدانكه اين قسوة دل از بسيارى معصيت خيزد عائشه صديقه رضى الله عنها كويد اول بدعتى كه بعد از رسول خدا درميان خلق بديد آمد سيرى بود. ذون مصرى رحمه الله كويد هركز سيرنخوردم كه نه معصيتى كردم. شبلى رحمه الله كفت هيج وقت كرسنه نه نشستم كه در دل خود حكمتى وعبرتى تازه يافتم] وفى الحديث "حديث : افضلكم عند الله اطولكم جوعا وتفكرا وابغضكم الى الله كل اكول شروب نؤوم كلوا واشربوا فى انصاف البطون فانه جزءٌ من النبوة"تفسير : : قال الشيخ سعدى شعر : باندازه خور زاد اكر آدمى جنين برشكم آدمى يا خمى درون جاى قوتست وذكر نفس تو بندارى از بهرنانست وبس ندارند تن بروران آكهى كه برمعده باشد زحكمت تهى تفسير : {اولئك} البعداء الموصوفون بما ذكر من قساوة القلب: وبالفارسية [آن كروه غافلان وسنكدلان] {فى ضلال} بعيد عن الحق {مبين} ظاهر كونه ضلالا للناظر بادنى نظر: يعنى [ضلالت ايشان برهركه اندك فهمى دارد ظاهراست]. واعلم ان الآية عامة فيمن شرح صدره للاسلام بخلق الايمان فيه. وقيل نزلت فى حمزة بن عبد المطلب وعلى بن ابى طالب رضى الله عنهما وابى لهب وولده. فحمزة وعلى ممن شرح الله صدره للاسلام. وابو لهب وولده من الذين قست قلوبهم فالرحمة للمشروح صدره والغضب للقاسى قلبه ـ روى ـ فى الخبر حديث : انه لما نزلت هذه الآية قالوا كيف ذلك يا رسول الله يعنى ما معنى شرح الصدر قال "اذا دخل النور القلب انشرح وانفسح" فقيل ما علامة ذلك قال "الانابة الى دار الخلود" (يعنى التوجه للآخرة) "والتجافى عن دار الغرور" [يعنى برهيز كردن از دنيا] "والتأهب للموت قبل نزوله" تفسير : [وعزيزى درين معنا فرموده است] شعر : نشان آن دلى كز فيض ايمانست نورانى توجه باشد اول سوى دار الملك روحانى زدنيا روى كردانيدن وفكراجل كردن كه جون مرك اندر آيدخوش توان مردن بآسانى تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الايمان نور ينوّر الله به مصباح قلوب عباده المؤمنين والاسلام ضوء نور الايمان تستضيء به مشكاة صدورهم ففى الحقيقة من شرح الله صدره بضوء نور الاسلام فهو على نور من نظر عناية ربه. ومن امارات ذلك النور محو آثار ظلمات الصفات الذميمة النفسانية من حب الدنيا وزينتها وشهواتها واثبات حب الآخرة والاعمال الصالحة والتحلية بالاخلاق الكريمة الحميدة قال تعالى {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت} تفسير : ومن اماراته ان تلين قلوبهم لذكر الله فتزداد اشواقهم الى لقاء الله تعالى وجواره فيسأمون من محن الدنيا وحمل اثقال اوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية فيفرون الى الله ويتنورون بانوار صفاته منها نور اللوائح بنور العلم ثم نور اللوامع ببيان الفهم ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين ثم نور المكاشفة بتجلى الصفات ثم نور المشاهدة بظهور الذات ثم انوار جلال الصمدية بحقائق التوحيد فعند ذلك لا وجد ولا وجود ولا قصد ولا مقصود ولا قرب ولا بعد ولا وصال ولا هجران ان كل شىء هالك الا وجهه كلا بل هو الله الواحد القهار شعر : جامىمكن انديشه زنزديكى ودورى لاقرب ولابعد ولاوصل ولا بين تفسير : قال الواسطى نور الشرح منحة عظيمة لا يحتمله احد الا المؤيدون بالعناية والرعياة فان العناية تصون الجوارح والاشباح والرعاية تصون الحقائق والارواح. وفى كشف الاسرار [بدان كه دل آدمىرا جهار برده است. برده اول صدراست مستقر عهد اسلام كقوله تعالى {أفمن شرح الله صدره للاسلام}. برده دوم قلب است محل نورايمان كقوله تعالى {أية : اولئك كتب فى قلوبهم الايمان}تفسير : . برده سوم فؤادست سرابرده مشاهده حق كقوله تعالى {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى}تفسير : . برده جهارم شفافست محط رحل عشق كقوله تعالى {أية : قد شغفها حبا} تفسير : رب العالمين جون خواهدكه رميده را بكمند لطف درراه دين خويش كشد اول نظرى كند بصد روى تاسينه وى از هوى وبدعتها باك كردد وقدم وى برجاده سننت مستقيم شود بس نظر كند بقلب وى تا ازآلايش دنيا واخلاق نكوهيده جون عجب وحسد وكبر وريا وحرص وعداوت ورعونت باك كردد ودر راه ورع روان شود بس نظرى كند بفؤاد وى واورا از خلائق وعلائق باز برده جشمه علم وحكمت در دل وى كشاي نور هدايت تحفه نطفه وى كرداند جنانكه كفت {فهو على نور من ربه} بس نظرى كند بشغاف وى واورا ازآب وكل بازبرد قدم در كوى فنا نهد ونور برسه قسم است يكى برزبان ويكى دردل ويكى درتن. نور زبان توحيد است وشهادت. ونورتن خدمت است وطاعت. ونور دل شوق است ومحبت نور زبان بجنت رساند لقوله تعالى {أية : فاثابهم الله بما قالوا جنات}تفسير : . نورتن بفردوس رساند لقوله {أية : ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}تفسير : . نوردل بلقاى دوست رساند] لقوله {أية : وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة} تفسير : وفى الحديث "حديث : ان لاهل النعم اعداء فاحذروهم " تفسير : قال بعضهم واجل النعم على العبد نعمة الاسلام وعدوها ابليس فاحفظ هذه النعمة وسائر النعم واحذر من النسيان والقسوة والكفران. قال الحسين النورى رحمه الله قسوة القلب بالنعم اشد من قسوته بالشدة فانه بالنعمة يسكن وبالشدة يذكر وقال من همّ بشىء مما اباحه العلم تلذذا عوقب بتضييع العمر وقسوة القلب فليبك على نفسه من صرف عمره وضيع وقته ولم يدرك مراتب المنشرحين صدروهم وبقى مع القاسين قلوبهم نسألك اللهم الحفظ والعصمة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الهمزة للإنكار، و {من}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كمَن ليس كذلك. يقول الحق جلّ جلاله: {أفمَنْ شرحَ الله صَدْرَه} أي: وسَّعه وهيَّأه {للإسلام} حتى قَبِله وفرح به، واستضاء بنوره، {فهو على نورٍ} عظيم {من ربه}، وبصيرة في دينه، وهذا النور: هو اللطف الإلهي الفائض عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية، والتوفيق للاهتداء بها، أو: بمحض الإلهام من الجود والكرم، فيقذف في قلبه نور اليقين، بلا سبب، أو: بصحبة أهل النور، هل يكون هذا كمَن قسا قلبه، وحرج صدره، واستولى عليه ظلمة الغي والضلالة، فأعرض عن تلك الآيات بالكلية؟! ولما نزلت هذه الآية سئل صلى الله عليه وسلم عن الشرح المذكور، فقال: "حديث : نور يقذفه الله في القلب، فإذا دخل النور القلب انشرح وانفسح"تفسير : قيل: وهل لذلك علامة؟ قال: "حديث : نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله ". تفسير : {فويلٌ للقاسيةِ قلوبهم}: أي الصلبة اليابسة {مِن ذكر الله} أي: من أجل ذكره، الذي من حقه أن ينشرح له الصدر، وتلين له النفس، ويطمئن به القلب، وهؤلاء إذا ذكر الله عندهم اشمأزوا من أجله، وازدادت قلوبهم قساوة. قال الفخر: اعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية، وزيادة الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يوجب القسوة والبُعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، فإذا عرفتَ هذا، فنقول: رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورتبتها: هو ذكر الله، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله سبباً لازدياد مرضها، كان مرض تلك النفوس مرضاً لا يرجى زواله، ولا يُتوقع علاجه، وكانت في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} وهذا كلام محقق. هـ. وهو كما قيل في الجُعَل أنها تتضرر برياح الورد، أي: وتنتعش بالشين. فكل مَن يفر من ذكر الله، ويثقل عليه، فقلبه جُعَل. ذكره في الحاشية. {أولئك في ضلال مبين} أي: أولئك، البُعَداء الموصوفون بما ذكر من قساوة القلوب في ضلال بعيد من الحق، ظاهر ضلاله لكل أحد. قيل: نزلت الآية في حمزة وعليّ رضي الله عنهما وأبي لهب وولده، وقيل: في عمّار وأبي جهل. والحق: إنها عامة. الإشارة: مَن أراد الله به السعادة شَرَح صدرَه للإسلام، فقَبِله وعمل عمله، ومَن أراد به جذب العناية وتحقيق الولاية، شرح صدره لطريق أهل مقام الإحسان، فدخل في طريقهم، وهيّأ نفسه لصُحبتهم وخدمتهم، فما زال يقطعون به مهامه النفوس حتى يقولون له: ها أنت وربك، فتلوح له الأنوار، وتُشرق عليه شموس المعارف والأسرار، حتى يفنى ويبقى بالله. قال القشيري: والنورُ الذي من قِبَله تعالى نورُ اللوائح بتحقق العلم، ثم نورُ اللوامع بثبات الفهم، ثم نورُ المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد، وعند ذلك فلا وجد ولا فقد، ولا بُعد ولا قُرب، كلا، بل هو الله الواحد القهّار. هـ. فمَن لم يبلغ هذا لا يخلو قلبه من قساوة، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين. ثم ذكر سبب لين القلوب، وهو كتاب الله العزيز، فقال: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ}.

الجنابذي

تفسير : {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} يعنى اولى الالباب هم الّذين شرح الله صدورهم للاسلام افمن شرح الله صدره للاسلام خيرٌ ام من شرح الله صدره للكفر؟ او مثل من جعل الله صدره ضيّقاً حرجاً وقد مضى بيان شرح الصّدر فى سورة الانعام عند قوله تعالى: {أية : يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام:125] {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} والنّور هو الولاية الّتى هى الحافظة له عن اتّباع الشّيطان والاصل فى ذلك النّور علىّ (ع) وبعد شيعته الّذين قبلوا ولايته بالبيعة الخاصّة، ثمّ شيعته الّذين قد تنعّش فيهم الولاية التّكوينيّة وتنعّش تلك الولاية هو النّور الّذى يقذف فى قلب العبد فيعبّر عنه بالعلم كما ورد، انّ العلم نور يقذفه الله فى قلب من يشاء {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} فى مقام كمن قسى قلبه لكنّه ادّاه هكذا لافادة هذا المعنى مع شيءٍ آخر {مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} لاجل ذكر الله او معرضين من ذكر الله {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} اى ولاية علىّ (ع) فانّها النّبأ العظيم واحسن من كلّ حديثٍ والقرآن صورتها فانّ اصل الولاية هى المشيّة وقد نزّلها الله عن مقامها العالى ومقام جمع الجمع على مراتب العقول والنّفوس وعالم المثال وعالم الطّبع، وبعد نزولها على مراتب الانسان صارت حروفاً واصواتاً وكلماتٍ واقوالاً فصارت كتباً سماويّة واصل الكلّ هو القرآن وهو صورة الولاية فصحّ تفسيره بالقرآن {كِتَاباً} بدل من احسن الحديث او حال او تميز {مُّتَشَابِهاً} فانّ مراتب العالم كلّ مرتبة منها مشابه لعاليتها وسافلتها فانّ السّافلة صورة مفصّلة نازلة من العالية والعالية صورة مجملة بسيطة من السّافلة، وصورة القرآن ايضاً متشابهة من حيث دلالة كلّ اجزائه على مبدءٍ قديرٍ وصانعٍ حكيمٍ عليمٍ ذى عناية بخلقه ومن حيث دلالته على صدق الآتى به ومن حيث ظهور تنزيله وبطون تأويله ومن حيث اشتماله على البطون ومن حيث اشتماله على الوجوه العديده الصّحيحة بحسب مراتب الخلق، ومن حيث فصاحته وبلاغته بحسب قد فاق كلّ خطابٍ وكلامٍ، او المراد المتشابه فى مقابل المحكم فانّ القرآن وكتاب الولاية بعد نزوله الى عالم الطّبع مخفىّ المقصود غير ظاهر المراد {مَّثَانِيَ} قد مضى بيان كون القرآن وكون فاتحة الكتاب مثانى فى اوّل الفاتحة وفى سورة الحجر {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} وهم الّذين قبلوا ولاية علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة او ظهر فيهم ولايته التّكوينيّة الّتى هى ظهور العلم التّكوينىّ فيهم فانّ العلم التّكليفىّ محصور فيمن قبل الولاية التّكليفيّة، والتّكوينىّ محصور فيمن ظهر فيه الولاية التّكوينيّة وخرج من حجب الاهوية واليهما اشار النّبىّ (ص) حين سئل عنه: ما العلم؟ - فقال: الانصات، ثمّ سئل عنه، فقال: الاستماع فانّ الانصات اشارة الى ظهور العلم التّكوينىّ المعبّر عنه بالولاية التّكوينيّة، ولاستماع اشارة الى الولاية التّكليفيّة فانّ الاستماع ليس الاّ بعد الانقياد والانقياد لا يحصل الاّ بالبيعة الخاصّة الّتى هى الولاية بوجهٍ وهى سبب حصول الولاية بوجهٍ، والخشية لا تكون الاّ بعد العلم والخشية محصورة فيمن له العلم بنصّ الآية الشّريفة فلا تكون الخشية الاّ لشيعة علىّ (ع) تكويناً او تكليفاً، ومن قبل الولاية ودخل فى الطّريقة يدرك اقشعرار الجلد من تذكّر الولاية ومشاهدة ولىّ امره وقراءة القرآن {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ} عطف على جلودهم {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} متعلّق بتلين بتضمين تسكن او قلوبهم مبتدء وخبره الى ذكر الله والجملة حال يعنى تسكن جلودهم عن الاقشعرار والحال انّ قلوبهم مائلة او ساكنة الى ذكر الله، وذكر الله هو الولاية او ولىّ الامر او الذّكر المأخوذ من ولىّ الامر او ملكوت ولىّ الامر او القرآن او المراد تذكّرهم لله او ذكر الله لهم الجنّة والنّار والثّواب والعقاب {ذَلِكَ} الكتاب المفسّر بالولاية وولىّ الامر والقرآن او ذلك الاقشعرار ولين الجلود او ذلك التّنزيل {هُدَى ٱللَّهِ} حمل الهدى من قبيل حمل المصدر على الذّات على بعض الوجوه {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} اى من يخذله او من لم يجده الله، من اضلّ الدّابّة بمعنى لم يجدها كما قيل {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ} الّذى هو اشرف اعضائه ويجعل سائر اعضائه جنّة له فى كلّ حالٍ {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} لشدّة العذاب بحيث لا يقدر على تحريك اعضائه، او لكون اعضائه مغلولةً، او لدهشته وحيرته بحيث لا يميّز بين الاشرف وغير الاشرف، والخبر محذوف او الخبر والمعادل كلاهما محذوفان {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشارة الى ظلمهم وذمّهم بذلك وتلويحاً الى علّة الحكم وهو عطف على يتّقى والاختلاف بالمضىّ والمضارعة للاشارة الى استمرار العذاب والاتّقاء بخلاف هذا القول كأنّه قال: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} ويتهكّم به بهذا القول خيرٌ ام من هو آمن؟ {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} اى نفس ما كنتم تعملون او جزاءه على ما مضى من تجسّم الاعمال وجزائها ايضاً بالجزاء المناسب لها.

اطفيش

تفسير : {أَفَمَن} في الهمزة ما مر* {شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ} لطف الله به ووسع صدره وفتحه للاسلام ورغبه فيه وهداه الى قبول الحق* {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي بيان هداية ومعرفة والاهتداء للحق ويقين. قال ابن مسعود رضى الله عنه: "حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية فقلنا يا رسول الله كيف انشراح صدره؟ قال: اذا دخل النور القلب انشرح وانفتح قلنا: يا رسول الله فما علامة ذلك قال: الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت به" تفسير : . وروي قبل نزول الموت، وروي قبل نزوله. وفي الحديث تفسير الصدر بالقلب ذكر القاضي أن الصدر محل القلب المنبع للروح المتعلق بالنفس القابل للاسلام وخبر (من) محذوف أي فمن لطف به وشرح صدره كمن لم يلطف به فهو حرج الصدر قاسي القلب كأنه قال (أفمن شرح الله قلبه للاسلام فهو على نور من ربه كمن لم يشرح له صدره وهو قاسي القلب). {فَوَيْلٌ لِّلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم} قسوة القلب شدته وقلة انفعاله للوعظ مأخوذة من قسوة الحجر فهي استعارة لعدم قبول الوعظ كما إن شرح الصدر استعارة لتحصيل النظر الجيد والايمان وقبولها. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان أبعد الناس من الله القلب القاسي ". تفسير : قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلبه. ذكر الله (الشرح) وأسنده الى نفسه أي ذاته والقساوة وأسندها للقلب وخالقها الله* {مِّن ذِكْرِ اللهِ} أي عن ذكر الله كما قرئ به ولك أن تجعل (من) للتعليل فيكون أبلغ من الذم لأن من يقسو قلبه بسبب ذكر الله أقبح وذلك أنه كلما ذكر الله وسمعوا كذبوا فتتزايد القسوة بالتكذيب مرة بعد أخرى والنفس الشيطانية الخبيثة الجوهر البعيدة عن قبول الحق انما يزيدها القرآن قسوة ورأس الأدوية القرآن فاذا حصل به للنفس داء وقسوة فمرضها لا يرجى زواله وكانت في نهاية الشر. قال ابن مسعود: ما غضب الله على قوم الا نزع الرحمة من قلوبهم وعنه وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا فنزلت. وروى قومنا ان الشرح نزل فى حمزة رضي الله عنه والقسوة في أبي جهل وابنه. قال ابن هشام: من للتعليل وقيل: للمجاوزة وقيل تكون للابتداء ورجح المجاوزة وقال الابتداء يرجع الى الويل أو الى الذكر لان هذه القسوة تجيء منه ولا مانع من تعليقها بالويل بمعنى العذاب أو الهلاك ولا يمنعه الفصل كما قيل. وقيل: نزل (الشرح) فى أبى بكر والقسوة فى أبيّ بن خلف وقيل فى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى جهل لعنه الله. {أُوْلَئِكَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي واضح يظهر بأدنى تأمل. وعن ابن عباس أن قوماً من الصحابة قالوا: يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وأخبرنا بأخبار الدهر فنزل قوله تعالى

اطفيش

تفسير : {أفَمَن} الهمز مما بعد الفاء أو داخلة على جملة معطوف عليها، أى أكل الناس سواء، فمن شرح الله إلخ، ومن موصولة مبتدأ خبرها يقدر بعد من ربه، أى كمن قسا قلبه، فهو على ظلمة الضلال {شَرَح الله صَدره للإسْلام} شرح المصدر للاسلام توسيعة له، بأن يجعله قابلا له بلا ضيق ولا كراهة، كشرح اللحم، روى البيهقى، والحاكم وابن مردوية عن ابن مسعود رضى الله عنه، تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية فقلنا: كيف انشراح الصدر؟ قال: " حديث : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح" تفسير : قلنا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: " حديث : الانابة الى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزوله" تفسير : والمعنى يجىء عليه النور فينفسح له، لأنه خلق منفسحاً له قليلا، فذلك ما مر من أن الشرح توسيعه فهو انفساح للنور والوارد عليه، فلا حاجة الى جعل ما فى الآية بمعنى تمكن الايمان فيه أولا. وما فى الحديث بمعنى ما زاد بعد ذلك، والى جعل ذلك من الأسلوب الحكيم، وهو الجواب بما هو أولى بالسؤال عنه، والصدر القلب كما فى الحديث من تسمية الحال باسم المحل، وقيل: الصدر عبارة عن النفس التى هى عبارة عن القلب الحال فيها، وفى تجويفه بخار لطيف من الأغذية الصافية تتعلق النفس به أولا، وبواسطته تتعلق بسائر البدن تعلق التدبير، وتلك النفس تتصف بالإسلام. {فهُو} بسبب ذلك الشرح {عَلى نُور} عظيم {مِن ربِّه} عطف على شرح الله الخ، وهذا النور هو الاسلام كقولك: أعطاه الله علما فهو عالم، أو أمر الهى يدرك به الحق، أو هو اللطف الإلهى المشرف عليه بمشاهدة الدلائل المخلوقة، والآيات المتلوة {فوَيلٌ} الفاء فى جواب شرط محذوف، أى اذا كان النور محصورا فيمن شرح الله صدره للاسلام لم يبق لمن لم يشرح إلا الظلمة المعبر عنها بالويل، لأن الظلمة هلاك والفاء سببية أى ويل الخ بسبب أن الناجى هو من شرح {للقاسية قلُوبُهم} الصلبة عن الانشراح، الممتنعة عنه، بسبب سماع ذكر الله الذى هو ألة الين القلوب الى الاسلام كما قال {مِنْ ذِكْر الله} أى بسببه، وهذه القسوة هى المعبر عنها فى آية بالاشمئزاز، وقابل بها الانشراح، لا بالضيق المضاد له، لأن الشىء الضيق قد يدخله شىء قليل، ويتخلله بخلاف القسوة كحالة الصخرة الصماء، ولم يقل فويل لمن أقسى الله قلوبهم. كما قال: {أفَمَن شَرَح الله} إلخ إشارة الى أنه كأن قلوبهم قاسية بالذات، بلا إقساء مقسو لم يقل للقاسية صدورهم، ليلوح الى فساد قلوبهم الذى هو فساد لسائرهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : في الجسد بضعة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" تفسير : والنفس التى خبثت تزداد بالقرآن والذكر خبثا وقسوة، وكلما حدث قرآن أو ذكر حدثت لها قسوة، وخبث، فتنكره كمر الشمس يلين الشمع، ويعقد الملوحة، والقرآن يلين قلب المؤمن ويزيد الكافر قسوة. قال مالك بن دينار: ما ضر عبد بعقاب أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة، وروعى لفظ من فى المؤمنين، لأنهم كرجل واحد، لأن مقصدهم واحد، وهو دين الله، بخلاف الكفرة فبحساب ما يهوى بعض، وبحسب ما يطلب منهم الشيطان من أنواع الضلال، ويتقلبون أيضا فى الضلال. {أولئك} البعداء عن الخير بقسوتهم {في ضلال مُبين} ظاهر لكل من سمع أو شاهده، قال قومنا: نزلت الآية فى حمزة على فى شرح الصدر، وأبى جهل وابنه فى قسوة القلب، والانسان قد يشرح صدره ثم يقسو، أو يقسو ثم يشرح، والعبرة بما يختم عليه، والتوبة مبسوطة، فقد نزل: "ويتوب" ولا تشهر توبته فيكذب بها، وانما يقولون: كرم الله وجهه، لأنه فى بطن أمه يرد وجهه الى غير جهة الصنم الذى قصدته أمه فى الجاهلية، أو يمنعها بوجهه ورأسه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولي الألباب. والشرح في الأصل البسط والمد للحم ونحوه ويكنى به عن التوسيع، وتجوز به هنا عن خلق النفس الناطقة مستعدة استعداداً تاماً للقبول بجامع عدم التأبـي عن القبول وسهولة الحصول وذلك بعد التجوز في الصدر، وإرادة النفس الناطقة منه من حيث إنه محل للقلب وفي تجويفه بخار لطيف يتكون من صفوة الأغذية وبه تتعلق النفس أولاً وبواسطته تتعلق بسائر البدن تعلق التدبير والتصريف، وتلك النفس هي التي تتصف بالإسلام والإيمان. وجعل بعض الأجلة شرح الله صدره استعارة تمثيلية، والهمزة للإنكار داخلة على محذوف على أحد القولين المارين آنفاً، والفاء للعطف على ذلك المحذوف. وخبر (من) محذوف لدلالة ما بعده عليه والتقدير أكل الناس سواء فمن شرح الله تعالى صدره وخلقه مستعداً للإسلام فبقي على الفطرة الأصلية ولم تتغير بالعوارض المكتسبة القادحة فيها {فَهُوَ } بموجب ذلك مستقر {عَلَىٰ نُورٍ } عظيم {مّن رَّبّهِ } وهو اللطف الإلٰهي المشرق عليه من بروج الرحمة عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق للإهتداء بها إلى الحق كمن قسا قلبه وحرج صدره بتبديل فطرة الله تعالى بسوء اختياره واستولى عليه ظلمات الغي والضلال فأعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها، وعدل عن فعنده أو فله نور إلى ما في النظم الجليل للدلالة على استمرار ذلك واستقراره في النور وهو مستعار للطف والتوفيق للاهتداء، وقد يقال: هو أمر إلٰهي غير اللطف والتوفيق يدرك به الحق؛ وجاء برواية الثعلبـي في «تفسيره» والحاكم في «مستدركه» والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ } الخ فقلنا: يا رسول الله كيف انشراح الصدر؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح قلنا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله. واستشكل ذلك بأن ظاهر الآية ترتب دخول النور على الانشرح، لأنه الاستعداد لقبوله وما في الحديث الشريف عكسه والظاهر أن السؤال عما في الآية وأن الجواب بيان لكيفيته. وأجيب بأن الإهتداء له مراتب بعضها مقدم وبعضها مؤخر وانشراح الصدر بحسب الفطرة والخلق وبحسب ما يطرأ عليه بعد فيض الألطاف عليه وبينهما تلازم، والمراد بانشراح الصدر في الحديث ما يكون بعد التمكن فيه، وفي الآية ما تقدم وقس عليه النور، والجواب من قبيل الأسلوب الحكيم فتأمل. {فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي من أجل ذكره سبحانه الذي حقه أن تلين منه القلوب أي إذا ذكر الله تعالى عندهم أو آياته عز وجل اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة. وقرىء {عن ذكر الله} والمتواترة أبلغ لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبياً من قبوله من القاسي عنه بسبب آخر، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر لأن توسعته وجعله محلاً للإسلام دون القلب الذي فيه يدل على شدته وإفراط كثرته التي فاضت حتى ملأت الصدر فضلاً عن القلب، وإسناده إلى الله تعالى الظاهر / في أنه على أتم الوجوه لأنه فعل قادر حكيم وقابله بالقساوة مع أن مقتضى المقابلة أن يعبر بالضيق لأن القساوة كما في الصخرة الصماء تقتضي عدم قبول شيء بخلاف الضيق فإنه مشعر بقبول شيء قليل، وعدل عن التعبير بما يفيد مجعولية القساوة له تعالى وخلقه إياها للإشارة إلى غاية لزومها لهم حتى كأنها لو لم تجعل لتحققت فيهم بمقتضى ذواتهم، وأما إسنادها إلى القلوب دون الصدور فللتنصيص على فساد هذا العضو الذي إذا فسد فسد الجسد كله، واعتبر الجمع في هؤلاء الكفرة والإفراد في أولئك المؤمنين حيث قال سبحانه: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ } دون أفمن شرح الله صدورهم للإشارة إلى أن المؤمنين وإن تعددوا كرجل واحد ولا كذلك الكفار. {أُوْلَـٰئِكَ } البعداء المتصفون بما ذكر من قساوة القلوب {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ظاهر كونه ضلالاً لكل أحد. والآية نزلت في علي وحمزة رضي الله تعالى عنها وأبي لهب وابنه، فعلي كرم الله تعالى وجهه وحمزة رشي الله تعالى عنه ممن شرح الله تعالى صدره للإسلام وأبو لهب وابنه من القاسية قلوبهم.

ابن عاشور

تفسير : {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفريع على ما تقدم من قوله: {أية : لكِن الذين اتقوا ربهم لهم غرفٌ}تفسير : [ الزمر: 20] وما ألحق به من تمثيل حالهم في الانتفاع بالقرآن فُرع عليه هذا الاستفهام التقريري. و (مَن) موصلة مبتدأ، والخبر محذوف دل عليه قوله: {لكِن الذينَ اتَّقوا ربَّهُم} مما اقتضاه حرف الاستدراك من مخالفة حالة لحال من حق عليه كلمة العذاب. والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه مِثل الذي حقّ عليه كلمة العذاب فهو في ظلمة الكفر، أو تقديره: مثل من قسا قلبه بدلالة قوله: {فَوَيلٌ للقاسِيَةِ قلوبُهم}، وهذا من دلالة اللاحق. وشرحُ الصدر للإِسلام استعارة لقبول العقل هديَ الإِسلام ومحبّته. وحقيقة الشرح أنه: شق اللحم، ومنه سمي علم مشاهدة باطن الأسباب وتركيبه علم التشريح لتوقفه على شق الجلد واللحم والإطلاع على ما تحت ذلك. ولما كان الإِنسان إذا تحير وتردد في أمر يجدّ في نفسه عما يتأثر منه جهازه العصبي فيظهر تَأثره في انضغاط نَفَسه حتى يصير تنفسه عسيراً ويكثر تنهده وكان عضو التنفس في الصدر، شبه ذلك الانضغاط بالضيق والانطباق فقالوا: ضاق صدره، قال تعالى عن موسى: {أية : ويضيق صدري}تفسير : [الشعراء: 13]، وقالوا: انطبق صدره وانطبقت أضلاعه وقالوا في ضد ذلك: شرح الله صدره، وجمع بينهما قوله تعالى: {أية : فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرحْ صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَّدُ في السماء}تفسير : في سورة [الأنعام: 125]، ومنه قولهم: فلان في انشراح، أي يحس كأن صدره شُرح ووُسع. ومن رشاقة ألفاظ القرآن إيثار كلمة {شَرح} للدلالة على قبول الإِسلام لأن تعاليم الإِسلام وأخلاقه وآدابه تكسب المسلم فرحاً بحاله ومسرة برضى ربه واستخفافاً للمصائب والكوارث لجزمه بأنه على حق في أمره وأنه مثاب على ضره وأنه راجٍ رحمة ربه في الدنيا والآخرة ولعدم مخالطة الشك والحيرة ضميره. فإن المؤمن أول ما يؤمن بأن الله واحد وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله ينشرح صدره بأنه ارتفع درجات عن الحالة التي كان عليها حالةَ الشرك إن اجتنبَ عبادة أحجار هو أشرف منها ومعظم ممتلكاته أشرف منها كفرسه وجمله وعبده وأَمته وماشيته ونخِله، فشعر بعزة نفسه مرتفعاً عما انكشف له من مهانتها السابقة التي غسلها عنه الإِسلام، ثم أصبح يقرأ القرآن وينطق عن الحكمة ويتسم بمكارم الأخلاق وأصالة الرأي ومحبة فعل الخير لوجه الله لا للرياء والسمعة، ولا ينطوي باطنه على غلّ ولا حسد ولا كراهية في ذات الله وأصبح يُعد المسلمين لنفسه إخواناً، وقد ترك الاكتساب بالغارة والميسر، واستغنى بالقناعة عَن الضراعة إلا إلى الله تعالى، وإذا مسه ضر رجا زواله ولم ييأس من تغير حاله. وأيقن أنه مثاب على تحمله وصبره، وإذا مسته نعمة حمد ربه وترقب المزيد، فكان صدره منشرحاً بالإِسلام متلقياً الحوادث باستبصار غير هياب شجاع القلب عزيز النفس. واللام في {للإسْلامِ} لام العلة، أي شرحه لأجل الإِسلام، أي لأجل قبوله. وفرع على أن شرح الله صدره للإسلام قوله تعالى: {فهُوَ على نُورٍ من ربِّهِ} فالضمير عائد إلى {مّن}. والنور: مستعار للهدى ووضوح الحق لأن النور به تنجلي الأشياء ويخرج المبصر من غياهب الضلالة وتردد اللبس بين الحقائق والأشباح. واستعيرت {على} استعارةً تبعية أو تمثيلية للتمكن من النور كما استعيرت في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] على الوجهين المقررين هنالك. و {مّن ربِّهِ} نعت لــ {نور} و من ابتدائية، أي نور موصوف بأنه جاء به من عند الله فهو نور كامل لا تخالطه ظلمة، وهو النور الذي أضيف إلى اسم الله في قوله تعالى:{أية : يهدي اللَّه لنوره من يشاء}تفسير : في سورة [النور: 35]. {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مبين}. فُرع على وصف حال من شرحَ الله صدره للإِسلام فهو على نور من ربه، ما يدل على حال ضده وهم الذين لم يشرح الله صدورهم للإِسلام فكانت لقلوبهم قساوة فُطِروا عليها فلا تسلك دعوة الخير إلى قلوبهم. وأُجمل سوء حالهم بما تدل عليه كلمة {ويل} من بلوغهم أقصى غايات الشقاوة والتعاسةِ، وقد تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى: {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}تفسير : في سورة [البقرة: 79]. والقاسي: المتصف بالقساوة في الحال، وحقيقة القساوة: الغلظ والصلابة في الأجسام، وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : فهي كالحجارة أو أشد قسوة}تفسير : [البقرة: 74]. وقسوة القلب: مستعارة لقلة تأثّر العقل بما يُسدى إلى صاحبه من المواعظ ونحوها، ويقابل هذه الاستعارة استعارة اللين لسرعة التأثر بالنصائح ونحوها، كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ تَلِينُ جلودُهم وقُلوبُهم }تفسير : [الزمر: 23]. و {مِن} في قوله: {مّن ذِكرِ الله} يجوز أن تكون بمعنى (عن) بتضمين {القاسية} معنى المعرضة والنافرة، وقد عدّ مرادف معنى (عن) من معاني {مِن}، واستُشهد له في مغني اللبيب بهذه الآية وبقوله تعالى: {أية : لقد كنت في غفلة من هذا}تفسير : [ق:22]، وفيه نظر، لإِمكان حملهما على معنيين شائعين من معاني {مِن} وهما معنى التعليل في الآية الأولى كقولهم: سقاهم من الغيْمة، أي لأجل العطش، قاله الزمخشري. وجعل المعنى: أن قسوة قلوبهم حصلت فيهم من أجل ذكر الله، ومعنى الابتداء في الآية الثانية، أي قست قلوبهم ابتداء من سماع ذكر الله. والمراد بذكر الله القرآن وإضافته إلى الله زيادة تشريف له. والمعنى: أنهم إذا تليت آية اشمأزّوا فتمكن الاشمئزاز منهم فقست قلوبهم. وحاصل المعنى: أن كفرهم يحملهم على كراهية ما يسمعونه من الدعوة إلى الإِسلام بالقرآن فكلما سمعوه أعرضوا وعاندوا وتجددت كراهية الإِسلام في قلوبهم حتى ترسخ تلك الكراهية في قلوبهم فتصير قلوبهم قاسية. فكان القرآن أن سبب اطمئنان قلوب المؤمنين قال تعالى: {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللَّه ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد: 28]. وكان سبباً في قساوة قلوب الكافرين. وسبب ذلك اختلاف القابلية فإن السبب الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القابلية، وإنما تعرف خصائص الأشياء باعتبار غالب آثارها في غالب المتأثرات، فذِكر الله سبب في لين القلوب وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر، فإذا حلّ فيها هذا المرض صارت إذا ذكر الله عندها أشد مرضاً مما كانت عليه. وجملة {أُولئِكَ في ضلالٍ مُبينٍ} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما قبله من الحكم بأن قساوة قلوبهم من أجل أن يذكر الله عندهم يثير في نفس السامع أن يتساءل: كيف كان ذكر الله سبب قساوة قلوبهم؟ فأفيد بأن سبب ذلك هو أنهم متمكنون من الضلالة منغمسون في حَمْأتها فكان ضلالهم أشدّ من أن يتقشع حين يسمعون ذكر الله. وافتتاح هذه الجملة باسم الإِشارة عقب ما وصفوا به من قساوة القلوب لإِفادة أن ما سيذكر من حالهم بعد الإِشارة إليهم صاروا به أحرياء لأجل ما ذكر قبل اسم الإِشارة كما تقدم في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في سورة {البقرة: 5]، فكان مضمون قوله: {أولئك في ضلالٍ مبينٍ} وهو الضلال الشديد علة لقسوة قلوبهم حسبما اقتضاه وقوع جملته استئنافاً بيانياً. وكان مضمونها مفعولاً لقسوة قلوبهم حسبما اقتضاه تصدير جملتها باسم الإِشارة عقب وصف المشار إليهم بأوصاف.. وكذلك شأن الأعراض النفسية أن تكون فاعلة ومنفعلة باختلاف المثار وما تتركه من الآثار لأنها علل ومعلولات بالاعتبار لا يتوقف وجود أحد الشيئين منهما على وجود الآخر التوقف المسمى بالدور المعِيِّ. والمبين: الشديد الذي لا يخفى لشدته، فالمبين كناية عن القوة والرسوخ فهو يُبين للمتأمل أنه ضلال.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}. قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام: 125].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 22- أكُلّ الناس سواء؟، فمن شرح الله صدره للإسلام بقبول تعاليمه، فهو على بصيرة من ربه، كمن أعرض عن النظر فى آياته؟. فعذاب شديد للذين قست قلوبهم عن ذكر الله، أولئك القاسية قلوبهم فى انحراف عن الحق واضح. 23- الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً تشابهت معانيه وألفاظه فى بلوغ الغاية فى الإعجاز والإحكام، تتردد فيه المواعظ والأحكام، كما يكرر فى التلاوة، تنقبض عند تلاوته وسماع وعيده جلود الذين يخافون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك الكتاب الذى اشتمل على هذه الصفات نور الله يهدى به من يشاء، فيوفقه إلى الإيمان به، ومن يضله الله - لعلمه أنه سيُعرِض عن الحق - فليس له من مرشد ينقذه من الضلال. 24- أكلُّ الناس متساوون يوم القيامة، فالذى يتقى بوجهه العذاب بعد أن تغل يداه، ليس كمن يأتى آمنا يوم القيامة؟ حيث يقال للظالمين: ذوقوا وبال عملكم. 25- كذَّب الذين من قبل هؤلاء المشركين فجاءهم العذاب من حيث لا يتوقعون. 26- فأذاقهم الله الصغار فى الحياة الدنيا، أقسم: لعذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا، لو كانوا من أهل العلم والنظر. 27- ولقد بيَّنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل يذكرهم بالحق، رجاء أن يتذكروا ويتعظوا.

القطان

تفسير : شرح الله صدره: اناره بالاسلام وجعله مطمئنا. فهو على نور: على هدى وبصيرة. للقاسية قلوبهم: الجامدة المظلمة التي لا تلين. احسن الحديث: القرآن. متشابها: متناسقا، يشبه بعضه بعضا في نَسَقه واسلوبه. مثاني: جمع مثنى: يتكرر المعنى بعدة اساليب تقشعرّ: تخشع وترتعد من الرهبة. تلين جلودُهم: تطمئن. هل كان الناس سواء؟ أفمن دخل نورُ الاسلام قلبه وهداه الله فهو على بصيرة من ربه كمن أعرض عن ذكر الله، وطُبع على قلبه! ويلٌ لمن قسَت قلوبهم عن ذكر الله، {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وشتّان بين الفئتين. الله نزل احسن الحديث كتاباً متناسقاً لا اختلاف في معانيه والفاظه، وهو في الذروة في الإعجاز والمواعظ والأحكام، تكرر مقاطعه وقصصه وتوجيهاته ومشاهده، ولكنها لا تختلف ولا تتعارض، بل تُعاد في تناسق على أصول ثابتة متشابهة لا ولا تصادم فيها. فاذا تليت آياته اقشعرّت جلود الذين يخشَون ربهم، ووجلت قلوبهم، ثم تلين جلودهم، وتطمئن قلوبهم الى ذكر الله، ذلك الكتاب هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلله الله فليس له من يهديه. {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.... } لأن يده مغلولةٌ الى عنقه، كمن هو آمن لا يعتريه سوء، ويأتي آمنا يوم القيامة! {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} القَوا جزاء أعمالكم الشريرة من الكفر والعصيان والجحود.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلإِسْلاَمِ} {لِّلْقَاسِيَةِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {ضَلاَلٍ} (22) - هَلْ يَسْتَوِي مَنْ دَخْلَ نُورُ الإِيْمَانِ إِلَى قَلْبِهِ، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ لَهُ، لِمَا رَأَىَ فِيهِ مِنَ الخَيرِ والصَّوَابِ والهِدَايَةِ، مَعَ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ النَّظَرَ فِي آيَاتِ اللهِ، وَهُوَ قَاسِي القَلْبِ بَعِيدٌ عَنِ الهُدَى والحَقِّ؟ إِنَّهُمَا لاَ يَسْتَوِيَانِ أَبَداً. فَالوَيلُ وَالهَلاَكُ لِمَنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَأَصْبَحَتْ لاَ تَلينُ لِذِكْرِ اللهِ، فَهَؤُلاَءِ القُسَاةُ القُلُوبِ هُمْ فِي غَوَايَةٍ ظَاهِرَةٍ (فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ). (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : إِذَا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ، وَعَلاَمَةُ ذَلِكَ: الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ، والتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ"). تفسير : فَوَيلٌ - فَهَلاَكٌ أَوْ حَسْرَةٌ أَوْ شِدَّةُ عَذَابٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التقدير هنا {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ..} [الزمر: 22] كمن ضاق صدره عن الإسلام، إذن: لا بُدَّ أنْ نذكر هذا المقابل لأنهما لا يستويان {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ..} [الزمر: 22] تدل على أننا أخذنا الضيق من القسوة، فالذي ضاق صدره عن الإسلام ضاق صدره لقسوة قلبه. وهذه مثل قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9] والمعنى: أهذا كمَنْ لم يقنت؟ وعليك أنت أنْ تجيب: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، كمَنْ قسا قلبُه وضاق صدره عن دين الله وهداية الله؟ ومعنى {شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ ..} [الزمر: 22] أي: جعل الضيق واسعاً، وتقول لصاحبك: وسّع صدرك يعني: اجعله مُتسعاً لمناقشة كل القضايا، ومن معاني سعة الصدر ألاَّ تشغله بالخزعبلات، وألاَّ تزحمه بالباطل، حتى يكون لك أُنْس به، وعندها يطرد الباطل الحق كما قلنا في مسألة الحيز. فالحيز الواحد لا يتسع إلى لشيء واحد، فالماء مثلاً يطرد الهواء حين تملأ زجاجة بالماء. ومن شَرْح الصدر أن يكون لديك عدالة اختيار حين تختار بين البدائل، عليك أن تصفي قلبك، وأن تُخرج منه كل ما يشغله، ثم تبحث القضايا المعروضة عليك، فما وجدته مناسباً تُدخِله قلبك ليستقر فيه حتى يصير عقيدةً راسخة لا تقبل المناقشة مرة أخرى، لأن الله تعالى خلق لنا حواسَّ تدرك: عينٌ ترى، وأذنٌ تسمع، ولسان ينطق. وبهذا الحواس نأخذ المعلومات. ثم نعرضها على العقل ليختار منها ويبحث فيها، فما وجده صالحاً أسقطه في القلب، وهذه هي العقيدة التي تستقر في القلب، ولا تطفو لتُبحث من جديد. لذلك احذر الران الذي يترسب على القلب حتى يغلقه، فلا يكون فيه مكان للحق، والنبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذه المسألة في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً - وفي رواية: عَوْذاً عَوْذاً - فأيما قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرباداً - وهذا الذي يقول الله فيه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] - كالكوز مُجخياً - منكوساً - لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً ". تفسير : والفتن هنا هي الشُّبَه التي تعرض للناس في الدين، والرسول صلى الله عليه وسلم يشبهها بالحصير الذي يُنسج عوداً بجوار عود، حتى يكون كالحصيرة التي نجلس عليها، أو عَوْذاً يعني: نستعيذ بالله من هذه الفتن، أو عوْداً أي مرة بعد مرة. إذن: إنْ أردتَ بحث قضية الإيمان فاشرح صدرك أولاً، ووسِّعه بأنْ تُخرج ما فيه من اعتقادات، لذلك يقول سبحانه: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ..} [الزمر: 22] والنور له مصادر، إما نور مادي كالشمس والقمر والنجوم، وهذه الأنوار التي اكتشفها الإنسان حديثاً، أو نور معنوي وهو المقصود هنا، نور القيم والمنهج {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ..} أي: نور الهداية الذي عناه القرآن الكريم في قوله: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النور: 36-37]. ففي هذه البيوت التي يُذكر فيها الله، ويُسبِّح فيها الله، مكان تلقِّي فيض النور من الله، وتنزل الخيرات والرحمات؛ لأن الآيات كانت تتكلم قبل ذلك عن نور الله، ومثَل تنويره سبحانه للسماوات والأرض: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..} تفسير : [النور: 35]. الحق سبحانه لا يضرب لنا مثلاً لنوره، إنما مثلاً لتنويره {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النور: 35] أي: مُنوِّرهما بخلقه، والمشكاة هي الطاقة غير النافذة في الحائط، والطاقة تكون محدودة المساحة غير واسعة، ثم هي غير نافذة، لذلك تجمع الضوء ولا تبدده، بحيث لا يبقى في المشكاة مكان مظلم. ثم إن المصباح ليس عادياً، إنما في زجاجة، لأن من المصابيح ما ليس له زجاجة والذي نسميه نحن (الساروخ) وهو يخرج لهباً أسود، لأن الهواء يداعبه من كل ناحية، أمّا الزجاجة فهي تنقي اللهب وتصفيه، حيث تمنع عنه الهواء إلا بمقدار الاحتراق، فيأتي اللهب صافياً لا دخان له، هذه هي التنقية الأولى. ثم إن الزجاجة هي أيضاً غير عادية، إنما صافية في ذاتها، كأنها {أية : كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..} تفسير : [النور: 35] تعكس الضوء في كل ناحية. ثم إن هذا المصباح لا يُوقَد بزيت عادي، إنما {أية : يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ..} تفسير : [النور: 35] فهو زيت له مواصفات خاصة على أعدل المزاج. هكذا ومثل هذا يُنوّر الله السماوات والأرض، فالمثال لتنوير الله لا لنور الله. وهذا هو النور الحسِّي، وحين تكمل القراءة تجد النور المعني في: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ..} تفسير : [النور: 36] وهذا هو النور في قوله: {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ..} [الزمر: 22]. فالحق سبحانه أعطاكم النور الحسيِّ الذي يعينكم على حركة الحياة، ليرى الإنسانُ مواضع قدمه فلا يحطم الأشياء ولا تحطمه إذا ما اصطدم بها، والنور المعنوي للقيم وللروح. والحق سبحانه حين يُعطينا هذا المثل، ويُرينا أن المصباح لا يدع في المشكاة ظلمة أبداً، يعطينا بذلك إِشارة إلى أن نوره المعنوي كذلك لا يترك عيباً إلا أصلحه، وأتاك نور يهديك وينجيك. وقوله سبحانه: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22] ويل لهم لأن قسوة قلوبهم حالتْ بينهم وبين الإيمان، فويل لهم ساعةَ يعرفون أن لهم ربّاً كفروا به، وتفاجئهم هذه الحقيقة التي طالما أنكروها. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه القضية في قوله سبحانه: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ..} تفسير : [إبراهيم: 18]. والمعنى: أنهم حبطت أعمالهم وخاب سعيهم. وقال أيضاً: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. فويل لهم ساعة يعرفون أنهم كفروا بالله وضاق صدرهم عن أن يتسع لنور الإيمان، فالويْل لهم حاضر قبل أنْ يأتيهم العقاب. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22] أي: بيِّن واضح، والضلال هو عدم الاهتداء في المهيع الذي يسير فيه، كالسائر مثلاً في صحراء وضلَّ فيها الطريق، إن ضلاله يبدأ بانحرافه عن الطريق الصحيح ولو بسنتيمترات، لأنها لا بدّ أنْ تنتهي به إلى مساحات شاسعة في الضلال، أرأيتم (السيمافور) في السكة الحديد، وكيف يُحول القطار مثلاً لبورسعيد أو الإسماعيلية أو طنطا إنه مجرد تحويل سنِّ القضيب عدة ملليمترات ينتج عنها أنْ يتحوَّل القطار في سيره من مكان إلى مكان آخر بعيد، فالمعنى: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22] أي: لا يهتدون إلى شيء أبداً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أفيستوي من شرح اللّه صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام اللّه والعمل بها، منشرحا قرير العين، على بصيرة من أمره، وهو المراد بقوله: { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ } كمن ليس كذلك، بدليل قوله: { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ } أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير. { أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } وأي ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن وليه؟ ومن كل السعادة في الإقبال عليه، وقسا قلبه عن ذكره، وأقبل على كل ما يضره؟!!