٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} يعني القرآن لما قال: {فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} بيّن أن أحسن ما يُسمع ما أنزله الله وهو القرآن. قال سعد بن أبي وقاص قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو حدثتنا فأنزل الله عز وجل: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} فقالوا: لو قصصت علينا فنزل: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] فقالوا: لو ذكرتنا فنزل: {أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحديد: 16] الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملّوا مَلّة فقالوا له: حدثنا فنزلت. والحديث ما يحدث به المحدِّث. وسمى القرآن حديثاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدّث به أصحابه وقومه، وهو كقوله: {أية : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأعراف: 185] وقوله: {أية : أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ} تفسير : [النجم: 59] وقوله: {أية : إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6] وقوله: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 87] وقوله: {أية : فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [القلم: 44] قال القشيري: وتوهم قوم أن الحديث من الحدوث فليدل على أن كلامه محدث وهو وهم؛ لأنه لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} تفسير : [الأنبياء: 2] وقد قالوا: إن الحدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المتلو، وهو كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الربّ تعالى. {كِتَاباً} نصب على البدل من «أَحْسَنَ الْحَدِيثِ» ويحتمل أن يكون حالاً منه. {مُّتَشَابِهاً} يشبه بعضه بعضاً في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضاً، ليس فيه تناقض ولا اختلاف. وقال قتادة: يشبه بعضه بعضاً في الآي والحروف. وقيل: يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه؛ لما يتضمّنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب وإن كان أعم وأعجز. ثم وصفه فقال: {مَّثَانِيَ} تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام وثني للتلاوة فلا يمل. {تَقْشَعِرُّ} تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد. {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي عند آية الرحمة. وقيل: إلى العمل بكتاب الله والتصديق به. وقيل: «إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ» يعني الإسلام. الثانية: عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قرىء عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. قيل لها: فإنا أناساً اليوم إذا قرىء عليهم القرآن خَرّ أحدهم مغشيًّا عليه. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مرّ ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم؛ ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عمر بن عبد العزيز: ذكر عند ابن سيرين الذين يُصرعون إذا قرىء عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق. وقال أبو عمران الجوني: وعظ موسى عليه السلام بني إسرائيل ذات يوم فشقّ رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: قل لصاحب القميص لا يشق قميصه فإني لا أحبّ المبذرين؛ يشرح لي عن قلبه. الثالثة: قال زيد بن أسلم: قرأ أبيّ بن كعب عند النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه فرقّوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة»تفسير : . وعن العباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتَّت عنه خطاياه كما يَتحاتُّ عن الشجرة البالية ورقُها»تفسير : . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرّمه الله على النار»تفسير : . وعن شهر بن حَوْشَب عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة، أما تجد إلا قشعريرة؟ قلت: بلى؛ قالت: فادع الله فإن الدعاء عند ذلك مستجاب. وعن ثابت البُنَاني قال قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي. قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. يقال: اقشعر جلد الرجل اقشعراراً فهو مقشعر والجمع قشاعر فتحذف الميم، لأنها زائدة؛ يقال أخذته قشعريرة. قال امرؤ القيس:شعر : فبِتُّ أكابِدُ ليلَ التِّمَا مِ والقلبُ مِن خشيةٍ مُقْشَعِرُّ تفسير : وقيل: إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته، اقشعرت الجلود منه إعظاماً له، وتعجباً من حسن ترصيعه وتهيباً لما فيه؛ وهو كقوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 21] فالتصدّع قريب من الاقشعرار، والخشوع قريب من قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} ومعنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه. {ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ} أي القرآن هدى الله. وقيل: أي الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي من خذله فلا مرشد له. وهو يرد على القَدَرية وغيرهم. وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في غير موضع والحمد لله. ووقف ابن كثير وابن محيصن على قوله: «هَادٍ» في الموضعين بالياء، الباقون بغير ياء.
ابن كثير
تفسير : هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم، المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ} قال مجاهد: يعني: القرآن كله متشابه مثاني، وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف. وقال الضحاك: مثاني: ترديد القول؛ ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى. وقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء. زاد الحسن: تكون السورة فيها آية، وفي السورة الأخرى آية تشبهها، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: مثاني: مردد، ردد موسى في القرآن، وصالح وهود، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مثاني، قال: القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويرد بعضه على بعض، وقال بعض العلماء، ويروى عن سفيان بن عيينة: معنى قوله تعالى: {مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ} أنّ سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد، فهذا من المتشابه، وتارة تكون بذكر الشيء وضده؛ كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وما أشبه هذا، فهذا من المثاني؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13 ــــ 14] وكقوله عز وجل: {أية : كَلآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ} تفسير : [المطففين: 7] ــــ إلى أن قال ــــ {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ} تفسير : [المطففين: 18] {هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـئَابٍ} ــــ إلى أن قال ــــ {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ} ونحو هذا من السياقات، فهذا كله من المثاني، أي: في معنيين اثنين. وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضاً، فهو المتشابه، وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: {أية : مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} تفسير : [آل عمران: 7] ذاك معنى آخر. وقوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (الثاني) أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن، خروا سجداً وبكياً، بأدب وخشية ورجاء، ومحبة وفهم وعلم؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 2 ــــ 4] وقال تعالى: {أية : وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} تفسير : [الفرقان:73] أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم. (الثالث) أنهم يلزمون الأدب عند سماعها؛ كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. ولم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة رحمه الله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله عز وجل بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان. وقال السدي: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: إلى وعد الله، وقوله: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰباً } بدل من أحسن أي قرآناً {مُّتَشَٰبِهاً } أي يشبه بعضه بعضاً في النظم وغيره {مَّثَانِيَ } يُثَنَّى فيه الوعد والوعيد وغيرهما {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ } ترتعد عند ذكر وعيده {جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ } يخافون {رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ } تطمئنّ {جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي عند ذكر وعده {ذٰلِكَ } أي الكتاب {هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الله نزّل أحسن الحديث} يعني القرآن، ويحتمل تسميته حديثاً وجهين: أحدهما: لأنه كلام الله، والكلام يسمى حديثاً كما سمي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً. الثاني: لأنه حديث التنزيل بعدما تقدمه من الكتب المنزلة على من تقدم من الأنبياء. ويحتمل وصفه بأحسن الحديث وجهين: أحدهما: لفصاحته وإعجازه. الثاني: لأنه أكمل الكتب وأكثرها إحكاماً. {كِتاباً متشابها} فيه قولان: أحدهما: يشبه بعضه بعضاً من الآي والحروف، قاله قتادة. الثاني: يشبه بعضه بعضاً في نوره وصدقه وعدله، قاله يحيى بن سلام. ويحتمل ثالثاً: يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب، وإن كان أعم وأعجز. ثم وصفه فقال: {مثاني} وفيه سبعة تأويلات: أحدها: ثنى الله فيه القضاء، قاله الحسن وعكرمة. الثاني: ثنى الله فيه قصص الأنبياء، قاله ابن زيد. الثالث: ثنى الله فيه ذكر الجنة والنار، قاله سفيان. الرابع: لأن الآية تثنى بعد الآية، والسورة بعد السورة، قاله الكلبي. الخامس: يثنى في التلاوة فلا يمل لحسن مسموعه، قاله ابن عيسى. السادس: معناه يفسر بعضه بعضاً، قاله ابن عباس. السابع: أن المثاني اسم لأواخر الآي، فالقرآن اسم لجميعه، والسورة اسم لكل قطعة منه، والآية اسم لكل فصل من السورة، والمثاني اسم لآخر كل آية منه، قاله ابن بحر. {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تقشعر من وعيده وتلين من وعده، قال السدي. الثاني: أنها تقشعر من الخوف وتلين من الرجاء، قاله ابن عيسى. الثالث: تقشعر الجلود لإعظامه، وتلين عند تلاوته.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُّتَشَابِهًا} في نوره وصدقه وعدله، أو متشابه الآي والحروف {مَّثَانِىَ} لأنه ثنى فيه القضاء، أو قصص الأنبياء، أو ذكر الجنة والنار، أو الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، أو تثنى تلاوته فلا يُمل لحسنه، أو يفسر بعضه بعضاً ويرد بعضه على بعض "ع" أو المثاني اسم لأواخر الآي والقرآن أسم جميعه والسورة اسم كل قطعة منه والآية اسم كل فصل من السورة {تَقْشَعِرُّ} من وعيده وتلين من وعده، أو تقشعر من الخوف وتلين من الرجاء "ع"، أو تقشعر من إعظامه وتلين القلوب عند تلاوته.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} يريد القرآن، وروي عَنِ ابْنِ عبَّاس أن سبَبَ هذه الآيةِ أنَّ قَوْماً من الصحابةِ قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا بِأَحَادِيثَ حِسَانٍ، وَأَخْبِرْنَا بِأَخْبَارِ الدَّهْرِ، فنزلَت الآية. وقوله: {مُّتَشَـٰبِهاً} معناه مُسْتَوِياً لا تَنَاقُضَ فيه ولا تَدَافُعَ، بل يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضاً في رَصْفِ اللَّفْظِ، ووَثَاقَةِ البراهينِ، وشَرَفِ المعاني؛ إذْ هِيَ اليَقِينُ في العقائدِ في اللَّهِ وصفاته وأفعالهِ وشرعهِ، و{مَّثَانِيَ} معناه: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ للقصَصِ والأقضيةِ والمَوَاعِظِ تُثَنَّىٰ فيهِ ولاَ تُمَلُّ مَع ذلك ولا يَعْرِضُهَا ما يَعْرِضُ الحديثَ المَعَادَ، وقال ابن عباس، ثَنَّىٰ فِيه الأَمْرَ مِرَاراً، ولا ينصرفُ {مَّثَانِيَ} لأنه جمعٌ لا نَظِيرَ له في الواحد. وقوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} عبارة عَنْ قفِّ شَعْرِ الإنسانِ عندَما يُدَاخِلُهُ خَوْفٌ ولِينُ قَلْبٍ عند سماعِ موعظةٍ أو زَجْرِ قرآن ونحوهِ، وهذه علامةُ وقوعِ المعنى المُخْشِعِ في قلبِ السامعِ، وفي الحديث؛ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قرأ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَرَقَّتِ الْقُلُوبُ؛ فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱغْتَنِمُوا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ؛ فإنَّهَا رَحْمَةٌ تفسير : وقال العبَّاسُ بن عبد المُطَّلِبِ: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنِ ٱقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا» تفسير : ، وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: «كان أَصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وتقشعرُّ جلودُهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن أقواماً اليومَ إذا سَمِعوا القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِياً عليه، فقالت: أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ»، وعن ابن عمر نحوُه، وقال ابن سيرين: بينَنَا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعُونَ عند قراءة القرآن أن يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حَائِطٍ [مَادًّا] رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرأُ عَلَيْه القرآن كلُّه، فإن رَمَىٰ بِنَفْسِهِ، فهو صَادِقٌ. * ت *: وهذا كله تغليظٌ على المُرَائِينَ والمتصنِّعين، ولا خلاف أعلمهُ بين أربابِ القلوبِ وأئمَّةِ التصوُّفِ أن المُتَصَنِّعَ عندهم بهذه الأمور مَمْقُوتٌ، وأما مَنْ غَلَبَه الحالُ لِضَعْفِهِ وقَوِيَ الوارِدُ عليه حتَّىٰ أذْهَبَهُ عَنْ حِسِّه؛ فهو إن شاء اللَّهُ مِن السادةِ الأخْيارِ والأولياء الأبرار، وقَد وَقَعَ ذلك لكثير من الأخْيارِ يَطُولُ تَعْدَادُهم؛ كابن وهب وأحمد بن مُعَتِّبٍ المالكيَّيْنِ، ذكرهما عياض في «مداركه»، وأنهما ماتا من ذلك؛ وكذلك مالك بن دينار ماتَ مِنْ ذلك؛ ذكره عبد الحَقِّ في «العاقبة»، وغيرهم ممن لا يَحصَىٰ كثرةً، ومن كلام عزِّ الدين بن عَبْدِ السَّلامِ ـــ رحمه اللَّه ـــ في قواعده الصُّغْرَىٰ قال: وقَدْ يَصِيحُ بَعْضُهُمْ لِغَلَبَةِ الحَالِ عَلَيْهِ، وَإلْجَائِهَا إِيَّاهُ إلى الصِّيَاحِ، وهو في ذلك مَعْذُورٌ، ومَنْ صَاحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُتَصَنِّعٌ لَيْسَ مِنَ القَوْمِ في شَيْءٍ، وكذلِكَ من أظهر شيئاً من الأحوال رياءً أو تسميعاً، فإنه ملحَقٌ بالفجَّار دونَ الأبْرَارِ، انتهى. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ} يحتملُ أَنْ يشيرَ إلى القرآن ويحتملُ أنْ يشير إلى الخَشْيَةِ وٱقْشِعْرَارِ الجُلُودِ، أيْ: ذلك أَمَارَةُ هدَى اللَّهِ. قال الغَزَّالِيُّ في «الإحياء»: والمُسْتَحَبُّ من التالِي للقرآن أن يَتأثر قلبهُ بآثار مختلفةٍ بحسْبِ اخْتِلاَفِ الآيات، فيكون له بحسَبِ كُلِّ فهمٍ حالٌ يَتَّصِفُ به قلبُهُ من الحُزْن والخَوْفِ والرجاءِ وغَيْرِ ذلك، ومَهْمَا تَمَّتْ معرفتُهُ كانَتِ الخشْيَةُ أَغْلَبَ الأحْوَالِ عَلَىٰ قلبهِ، انتهى، قال الشيخ الوليُّ عبد اللَّه بن أبي جَمْرَةَ: وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قيامِهِ يَكْسُوهُ من كل آية يَقْرَؤُهَا حَالٌ يُنَاسِبُ مَعْنَىٰ تلكَ الآية، وكذلك يَنْبَغِي أن تَكُونَ تلاوةُ القرآن وألاَّ يكونَ تالِيهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه: "حديثاً" في هذه الآية وفي قوله: {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [الطور:34] وفي قوله: {أية : أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} تفسير : [الواقعة: 81] والحديث لا بدّ وأن يكون حادثاً بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه (لا) يصح أن يقال: هذا حديث وليس بِعَتيقٍ، وهذا عَتِيقٌ وليس بحَدِيثٍ، ولا يصح أن يقال: هذا عتيقٌ وليس بحادِثٍ فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحدوث. وسمي الحَدِيثُ حديثاً لأنه مؤلَّفٌ من الحروف والكلمات وتلك الحروف والكلمات تَحْدثُ حالاً فحالاً وساعةً فساعةً. الثاني: قالوا بأنَّه تعالى وصفه بأنه أنْزَلَه والمُنْزَلُ يكون في مَحَلِّ تصرف الغير وما كان كذلك فهو مُحْدَثٌ وحَادِثٌ. الثالث: قالوا: إن قوله: "أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ" يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أنّ قوله: "زَيد أفضل الإخوة" (يقتضي أن يكونُ زيدٌ مشاركاً لأولئك الأقوام في صفة الأُخُوَّة) ويكون من جنسهم، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثةً وجب أيضاً أن يكون القرآن حادثاً. الرابع: قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الكَتِيبَة وهي الاجْتِمَاعُ، وهذا يدل على كونه حادثاً. قال ابن الخطيب: والجوابُ أن نَحْمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق. فصل كَوْنُ القرآنِ أحسنَ الحديث إما أن يكون بحسب اللفظ وذلك من وجهين: الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجَزَالَة. الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر ولا من جنس الخُطَب ولا من جنس الرِّسالة بل هو نوعٌ يخالفُ الكلَّ مع أن كل (ذِي) طبعٍ سليمٍ يَسْتَلِذُّهُ ويَسْتَطِيبُهُ، وإما أن يكون أحْسَن الْحَدِيث لأجل المعنى. وهو من وجوه: الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض قال تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء:82]، ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المُعْجِزَات. الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمُسْتقبل. الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً. وقد شرح ابن الخطيب منها أقساماً كثيرة. قوله: "كِتَاباً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه بدل من: "أَحْسَنَ الْحَدِيثِ". والثاني: أنَّه حال منه، قال أبو حيانَ، لمّا نقله عن الزمخشري: وكأنه بناه على أن "أحْسَنَ الْحَدِيثِ" مَعْرفة لإضافته إلى معرفة، وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة فيه خلافٌ، فقيل: إضافتُهُ مَحْضَةٌ وقيل: غيرُ محضة. قال شهاب الدين: وعلى تقدير كونه نكرةً يحسن أيضاً أيضاً أن يكون حالاً؛ لأن النكرة متى أضيفتْ سَاغَ مجيءُ الحال منها بلا خلاف، والصحيح أن إضافة "أفْعَلَ" محضةٌ وقوله: "مُتَشَابِهاً" نعت "لكِتَابٍ". وهو المسوِّغ لمجيء الجامد حالاً، أو لأنه في قُوّة "مَكْتُوبٍ"، أو تمييزاً منقولاً من الفاعلية أي متشابهاً مَثَانِيه. وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ. قوله: "مَّثَانِيَ" قرأ العامة مَثَانِيَ - بفتح الياء - صفة ثانية، أو حالاً أخرى. وقرأ هشامٌ عن ابن عامر وأبو بِشر بسكونها، وفيها وجهان: أحدهما: أنه تسكين حرف العلة استثقالاً للحركة عليه كقراءة: {أية : تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} تفسير : [المائدة:89]، (و) (قوله): شعر : 4296- كَأَنَّ أَيْدِيهِنَّ...... ............................. تفسير : ونحوهما. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هُوَ مَثَانِي. كذا ذكره أبو حيان، وفيه نظر من حيث إنه كان ينبغي أن ينون تحذف ياؤه لالتقاء السَّاكِنَيْنِ، فيقال: مثانٍ كما تقول: هَؤُلاَءِ جَوَارٍ، وقد يقال: إنه وقف عليه ثم أجْري الوصل مُجْرَى الوقف لكن يعترض عليه بأن الوقف على المنقوص المنون بحذف الياء نحو: هذَا قَاضٍ وإثباتها لغةً قَلِيلُ، ويمكن الجواب عنه بأنه قد قرىء بذلك في المتواتر نحو: {من والي} [الرعد:11] و{بَاقي} [النحل:96] و{هادي} [الرعد:7] في قراءة ابن كَثِيرٍ. فصل تقدم تفسير الكتاب عند قوله: "ذَلِكَ الْكِتَابُ"، وقوله: "مُتَشَابِهاً" أي يشبه بعضهُ بعضاً (في الحُسْن ويُصَدّق بعضهُ بعضاً) ليس فيه تناقضٌ ولا اختلاف، قاله ابن عباس، وقوله: "مَّثَانِيَ" جمع "مَثْنَى" أي يُثَنَّى فيه ذكرُ الوَعْدِ، والوعيد، والأمر، والنهي، والأخبار والأحكام، أو جمع "مَثْنَى" مفعل من التَّثْنِية بمعنى التَّكرير، وإنما وصف كتاب وهو مفرد "بمَثَانِي" وهو جمع لأن الكتاب مُشْتَمِلٌ على سُوَةٍ وآياتٍ، وهو من باب: بُرْمَةٌ أعْشَارٌ، وثَوْبٌ أخْلاَقٌ. قاله الزمخشري. وقيل: ثَمَّ موصوف محذوف أي فصولاً مَثَانِيَ، حذف للدلالة عليه، وقال ابن الخطيب: إن أكثر الأشياء المذكورة زَوْجَيْن زَوْجَيْن مثل الأمر، والنهي، والعام، والخاص، والمجمل، والمفصل، وأحوال السموات والأرض والجنة والنار، والضوء والظلمة، واللوح، والقلم، والملائكة، والشياطين، والعرش، والكرسيّ، والوعد، والوعيدن والرجاء والخوف والمقصود منه أن بيانَ كلِّ ما سَوى الحق زوج يدل على أن كل شيء ممثل بضدِّه ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو اللَّهُ تَعَالَى. قوله: "تَقْشَعِرُّ" هذه الجملة يجوز أن تكون صفة "لكتاب" وأن تكون حالاً منه لاختصاصه بالصفة، وأن تكون مستأنفة، واقشعر جلده إذا تَقَبَّض وتجمَّع من الخوف وقفَّ شعره، والمصدر الاقْشِعْرَارُ والقُشَعْرِيرةُ أيضاً ووزن اقْشَعرَّ افْعَلَلَّ، ووزن القُشَعْرِيرَة فُعَلِّيلَة. فصل قال المفسرون: تقشعر تضطرب وتشمئز {مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوَجَل والخوف، وقيل: المراد من الجلود القلوب أي قلوب الذين يخشون ربهم {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} (أي لذكر الله). قيل: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم كما قال الله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28] وحقيقة المعنى أن قلوبهم تقشعر عند الخوف وتلين عند الرجاء. قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : إذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ منْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَّتْ عَنَه ذُنُوبُهُ كَما يَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا" تفسير : ، وقال: "حديث : إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" تفسير : ، قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأنهم تقشعرُّ جلودهم وتطمئن قلوبُهم ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغَشَيَان عليهم إنما ذلك في أهل البِدَع وهو من الشيطان، وعن عروةَ بن الزّبير قال: قلت لجدّتي أسماءَ بنتِ أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلون إذَا قرىء عليهم القرآن؟ (قالت: كانُوا كَمَا نعتَهم الله عزّ وجلّ تَدْمَع أعينهُم وتَقْشَعرُّ جلودُهُمْ، قال: فقلتُ لها: إن ناساً اليوم إذا قرىء عليهم القرآن) خَرَّ أحدهُم مغشيًّا عليه فقالت: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم. وعن ابن عمر أنه مرّ برجل من أهل العراق ساقطٍ فقال: ما بالُ هذا؟ قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآنُ أو سَمع ذكرَ الله سَقَطَ فقال ابن عمر: إنّا لنخشى الله (- عزّ وجلّ) - وما نَسْقُط. وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا صنيع أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم -. فصل قال الزمخشري: تركيب لفظ القُشَعْرِيرَة من حروف التَّقَشُّع وهو الأديمُ وضموا إليه حرفاً رابعاً وهو الراء ليكون رباعياً دالاً على معنى زائد، يقال: اقشعرَّ جلده من الخوف (إذا) وقف شعره وهو مثل في شدة الخوف فإن قيل: كيف قال: "تَلِينُ إلى ذكر الله" فعداه بحرف "إلى"؟ فالجواب: التقدير: تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس الإدراك. فإن قيل: كيف قال: إلى ذكر الله ولم يقل: إلى ذكر رحمة الله؟ فالجواب: أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله وإنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحبَّ الله لا لشيء سواه فهو المحب وفي الدرجة العالية فلهذا لم يقل: تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله وإنما قال: إلى ذكر الله وقد بين الله تعالى هذا بقوله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28]. فإن قيل: لم ذكر في جانب الخوف قُشَعْرِيرة الجلود فقط، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب؟ فالجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف لأن الخير مطلوب بالذات، والشر مطلوب بالعَرَض ومحل المكاشفات هي القلوب والأرواح والله أعلم. ثم إنه تعالى: لما وصف القرآن بهذه الصفات قال: {ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ} فقوله "ذَلِكَ" إشارة إلى الكتاب وهو هُدَى الله وهو الذي شَرَحَ الله صدره (أولاً) لقبول الهداية ومن يضلل الله أي يجعل قلبه قاسياً مظلماً {فَما لَهُ مِنْ هَادٍ}. واعلم أن سؤالات المعتزلة وجوابها عن مثل هذه الآية قد تقدم في قوله: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام:125] ونظائرها. قوله: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} الآية لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال التام حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب الشديد فقال: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وتقريره أن أشرف الأعضاء الظاهرة هو الوجه لأنه محل الصباحة وصومعة الحواس (والسعادة والشقاوة) لا تظهر إلا فيه، قال تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} تفسير : [عبس:38-42]. ويقال لمقدم القوم: يَا وَجْهَ الْعَرَبِ، ويقال الطريق الدال على حال الشيء: إن وجه كذا هو كذا. فثَبَتَ بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء الظاهرة هو الوجه وإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه، وإذا عرف هذا فنقول: إذا كان القادر على الاتّقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداءً للوجه لا جَرَمَ حسن جعل الاتّقاء بالوجه كناية (عن العجز) عن الاتقاء ونظيره قوله النابغة: شعر : 4297- وَلاَ عَيْبَ فِيهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنّ فلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكتَائِبِ تفسير : أي لا عيبَ فيهم إلا هذا، وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذَنْ بوجْهٍ من الوجوه فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه، وهذا ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء البتّة، وقيل: إنه يُلْقَى في النار مغلولة يده إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وتقدم الكلام على الإعراب. و "سوء العذاب" أشده، وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار، وقال عطاء: يرمى به في النار منكوساً، فأول شيء يمس النار منه وجهه. قوله: "وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ" أي تقول الخزنة للظالمين: {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي وباله. ولما بين كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم في العذاب قال: {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل كفار مكة كذبوا الرسل {فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} يعني وهم آمنون غافلون عن العذاب أي من الجهة التي لا يخشون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منا، {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وهو الذل والصغار والهوان ثم قال: {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} يعني أنَّ أولئك وإن نزل بهم العذاب والخزي في الدنيا فالعذاب المدخر لهم يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل {الله نزل أحسن الحديث}. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} قال: القرآن كله مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {مثاني} قال: القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويرد بعضه إلى بعض. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {كتاباً متشابهاً} حلاله وحرامه لا يختلف شيء منه. الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف {مثاني} قال: يثني الله فيه الفرائض، والحدود، والقضاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {كتاباً متشابهاً} قال: القرآن كله مثاني. قال: من ثناء الله إلى عبده. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {متشابهاً} قال: يفسر بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: سألت الحسن رضي الله عنه عن قول الله تعالى {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} قال: ثنى الله فيه القضاء. تكون في هذه السورة الآية، وفي السورة الآية الأخرى تشبه بها. وأخرج عبد بن حميد عن أُبي رضي الله عنه قال: سأل عكرمة رضي الله عنه عنها، وأنا أسمع فقال: ثنى الله فيه القضاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} هذا نعت أولياء الله نعتهم الله تعالى قال: تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى. ولم ينعتهم الله تعالى بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وإنما هو من الشيطان. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم...} قال: إذا ذكروا سمعوا ذكر الله والوعيد اقشعروا {ثم تلين جلودهم} إذا سمعوا ذكر الجنة واللين {يرجون رحمة الله} . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء رضي الله عنها كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأوا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم. قلت: فإن ناساً ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: جئت أمي فقلت وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط، يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله فقالت: لا تقعد معهم. ثم قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا. افتراهم أخشى من أبي بكر وعمر؟ وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن جبير رضي الله عنه قال: الصعقة من الشيطان. أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم رضي الله عنه في الرجل يرى الضوء قال: من الشيطان، لو كان يرى خيراً لأوثر به أهل بدر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها. وأخرج الحكيم الترمذي عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: ليس من عبد على سبيل ذكر سنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة الله تعالى إلا كان مثله مثل شجرة يبس ورقها وهي كذلك فاصابتها ريح تحات ورقها كما تحات عن الشجرة البالية ورقها، وليس من عبد على سبيل وذكر سنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبداً.
ابو السعود
تفسير : {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} هو القرآنُ الكريمُ. رُوي أنَّ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ملُّوا ملَّةً فقالُوا له عليه الصَّلاةُ والسَّلام حدِّثْنا حَديثاً. وعن ابن مسعُودٍ وابن عبَّاسَ رضي الله عنُهم قالُوا: لو حدَّثتنا فنزلتْ. والمَعنى أنَّ فيه مندوحةً عن سائرِ الأحاديثِ. وفي إيقاعِ الاسمِ الجليلِ مبتدأً، وبناءِ نزَّل عليهِ من تفخيمِ أحسنِ الحديثِ ورفعِ محلَّه والاستشهادِ على حُسنِه وتأكيدِ استنادِه إليه تعالى وأنَّه من عندَه لا يمكنُ صدورُه عن غيرِه والتَّنبـيهُ على أنَّه وحيٌ معجزٌ ما لا يخفى {كِتَـٰباً} بدلٌ من أحسنَ الحديثِ أو حالٌ منه سواء اكتسبَ من المضافِ إليه تعريفاً أَوْ لاَ فإنَّ مساغَ مجيء الحالِ من النَّكرةِ والمُضافةِ اتفاقيٌّ ووقوعُه حالاً مع كونِه اسماً لا صفةً إمَّا لاتَّصافِه بقولِه تعالى {مُّتَشَـٰبِهاً} أو لكونِه في قوَّة مكتوباً ومعنى كونِه مُتشابهاً تشابُه معانيهِ في الصِّحَّةِ والأحكامِ والابتناءِ على الحقِّ والصِّدقِ واستنباع منافعِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ وتناسب ألفاظِه في الفصاحةِ وتجاوبِ نظمِه في الإعجازِ {مَّثَانِيَ} صفةٌ أخرى لكتاباً أوحالٌ أُخرى منه وهو جمعُ مَثنْى بمعنى مردودٍ ومكرَّرٍ لمَا ثُنِّي من قصصهِ وأنبائِه وأحكامِه وأوامرهِ ونواهيهِ ووعدِه ووعيدِه ومواعظِه. وقيل لأنَّه يُثنَّى في التَّلاوةِ، وقيل: هو جمعُ مَثنى مَفْعل من التَّثنيةِ بمعنى التَّكريرِ والإعادةِ كما في قولِه تعالى: { أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} تفسير : [سورة الملك: الآية 4] أي كرةً بعدَ كرَّةٍ. ووقوعُه صفةً لكتاباً باعتبار تفاصيلهِ كما يُقال القرآن سورٌ وآياتٌ ويجوزُ أنْ ينتصبَ على التَّميـيزِ من مُتشابهاً كما يُقال رأيتُ رجلاً حسناً شمائلَ أي شمائلُه والمعنى متشابهةٌ مثانية {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} قيل صفةٌ لكتاباً أو حالٌ منه لتخصُّصه بالصِّفةِ، والأظهر أنَّه استئنافٌ مسوق لبـيانِ آثارِه الظَّاهرةِ في سامعيهِ بعد بـيانِ أوصافهِ في نفسِه ولتقريرِ كونِه أحسنَ الحديثِ. والاقشعرارُ التَّقبضُ يقال اقشعرَّ الجلدُ إذا تقبَّضَ تقبُّضاً شَديداً وتركيبُه من القَشع وهو الأديمُ اليابسُ قد ضُمَّ إليه الرَّاءُ ليكونَ رُباعيَّا ودَالاًّ على معنى زائد يُقال اقشعرَّ جلدُه وقفَ شعرُه إذا عرضَ له خوفٌ شديدٌ من منكرٍ هائلٍ دهمه بغتة. والمرادُ إمَّا بـيانُ إفراطِ خشيتِهم بطريقِ التَّمثيلِ والتَّصويرِ أو بـيانُ حصولِ تلك الحالةِ وعرُوضِها لهم بطريقِ التَّحقيقِ. والمعني أنَّهم إذا سمعُوا القُرآنَ وقوارعَ آياتِ وعيده أصابتُهم هيبةٌ وخشيةٌ تقشعرُّ منها جلودُهم وإذا ذُكِّروا رحمةَ الله تعالى تبدَّلتْ خشيتُهم رجاءً ورهبتُهم رغبةً وذلك قولُه تعالى. {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي ساكنةً مطمئنَّةً إلى ذكر رحمتِه تعالى وإنَّما لم يُصرِّحْ بها إيذاناً بأنَّها أولُ ما يخطرُ بالبال عند ذكرِه تعالى. {ذٰلِكَ} أي الكتابُ الذي شُرحَ أحوالُه {هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء} أنْ يهديه بصرفِ مقدورِه إلى الاهتداءِ بتأمُّلِه فيما في تضاعيفِه من شواهدِ الحقِّية ودلائلِ كونِه من عندِ الله تعالى {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} أي يخلقُ فيه الضَّلالةَ بصرفِ قُدرته إلى مباديها وإعراضِه عمَّا يُرشده إلى الحقَّ بالكُلِّية وعدم تأثُّرِه بوعيدِه ووعدِه أصلاً أو ومن يخذلْ {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يُخلِّصه من ورطةِ الضَّلالِ وقيل: ذلك الذي ذُكرَ من الخشيةِ والرَّجاءِ إثر هُداه تعالى يهدي بذلكَ الأثرِ مَن يشاءُ من عبادةِ ومَن يُضللْ أي ومَن لم يُؤثِّر فيه لطفُه لقسوةِ قلبهِ وإصرارِه على فجورِه فما له من هادٍ من مؤثِّرٍ فيه بشيءٍ قَطْ.
القشيري
تفسير : {أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} لأنه غير مخلوق. {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} في الإعجاز والبلاغة. {مَّثَانِيَ}: يثني فيها الحكم ولا يُمَلُّ بتكرار القراءة، وَيشتمل عَلَى نوعين: الثناء عليه بذكر سلطانه وإحسانه، وصفات الجنة والنار والوعد والوعيد. {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} إذا سمعوا آيات الوعيد. {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} إذا سمعوا آيات الوعد. ويقال: تقشعر وتلين بالخوف والرجاء، ويقال بالقبض والبسط، ويقال بالهيبة والأُنْس، ويقال بالتجلَّي والاستتار.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} وصف الله سبحانه كلامه القديم حديثه الباقى الذى احسن من كل حسن اذ جميع الحسن منه بدا وحسنه بان يكون بحسن الاشياء وانه صفته الازلية التى خارجة بنعوتها عن رسوم الاصوات وعلل الحروف ومصنوعات الكون لا يشاهد كلام الخلق من فعله صدر وكلامه تعالى من ذاته صدر فكيف يكون مشابها لكلام الحدثان ومعنى قوله متشابها انه خبر عن كلية الذات والصفات التى منبعها اهل القدم وصفاته كذاته وذاته كصفاته وكل صفة كصفة اخرى من حيث التنزيه والقدس والتقديس والكلام بنفسه متشابه المعانى ولك معنى يتكرر فى موضع غير موضعه بلغة اخرى ووضعها مذكورة بحروفها و للتشابه فى القرأن خاص مذكور مبين لاهل الخصوص من اهل شهود وصفات الخاصة الازلية الذين يشهدن والارواح والاشباح فى المراقد العبودية يسمعون من الحق باسماع القلوب فاذا سمعوا خطاب الحق من الحق يستولى على اسرارهم انوار التجلى ثم تستولى من الاسرار على الارواح ثم تستولى من الارواح على العقول ثم من العقول على القلوب ثم من القلوب على الصدور ثم من الصدور على الجلود فتقشعر منها جلودهم من حيث وقوف اسرارهم على مشاهدة العظمة بنعت الخشية والاحلال والعلم به واذا وصل نور الانس بنور العظمة ونور الجمال بنور الجلال سهل على وجودهم سطوات الكبرياء فتلين جلودهم وقلوبهم بنور البسط والانس فزاد شوقهم الى سماع الكلام من العلام لهيامهم الى رؤية جماله وذلك قوله {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} وخطابه سبحانه سراج يستضئ بنوره كل راشد فى المعرفة مرشد فى التوحيد رساخ فى المحبة سبحانه {ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ} اى من الاولياء والاصفياء والمقربين والمؤمنين الصادقين قيل فى قوله تقشعر وتلين اى تقشعر الخوف وتلين بالرجاء وقيل بالقبض والبسط وقيل بالهيبة والانس وقيل بالتجلى والاستتار قال الاستاذ بالوعد والوعيد وقال النهر جورى وصف الله بهذه الأية سماع المريدين وسماع العارفين وقال سماع المريدين باظهار الحال عليهم وسماع العارفين بالاطمانية والسكون.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله نزل احسن الحديث} هو القرآن الكريم الذى لا نهاية لحسنه ولا غاية لجمال نظمه وملاحة معانيه وهو احسن مما نزل على جميع الانبياء والمرسلين واكمله واكثره احكاما. وايضا احسن الحديث لفصاحته واعجازه. وايضا لانه كلام الله وهو قديم وكلام غيره مخلوق محدث. وايضا لكونه صدقا كله الى غير ذلك سمى حديثا لان النبى عليه السلام كان يحدّث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه فلا يدل على حدوث القرآن فان الحديث فى عرف العامة الخبر والكلام. قال فى المفردات كل كلام يبلغ الانسان من جهة السمع او الوحى فى يقظته او منامه يقال له حديث ـ روى ـ ان اصحاب رسول الله عليه السلام ملوا ملة فقالوا له عليه السلام حدثنا حديثا او لو حدثتنا: يعنى [جه شودكه براى ماسخنى فرمايند وكام طوطيان ارواح مستمعان را بحديث ازل شكر بار وشيرين كردانند سرمايه حيات ابد اهل ذوق را دريك حكايت ازلب شكر فشان يست] فنزلت هذه الآية. والمعنى ان فيه مندوحة عن سائر الاحاديث {كتابا} بدل من احسن الحديث {متشابها} معانيه فى الصحة والاحكام والابتناء على الحق والصدق واستتباع منافع الخلق فى المعاد والمعاش وتناسب الفاظه فى الفصاحة وتجاوب نظمه فى الاعجاز {مثانى} صفة اخرى لكتابا ووصف الواحد وهو الكتاب بالجمع وهو المثانى باعتبار تفاصيله كما يقال القرآن سور وآيات والانسان عروق وعظام واعصاب وهو جمع مثنى بضم الميم وتشديد النون بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وانبائه واحكامه واوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه او لانه ثنى فى التلاوة فلا يمل كما جاء فى نعته لا يخلق على كثرة الترداد اى لا يزول رونقه ولذة قراءته واستماعه من كثرة ترداده على ألسنة التالين وتكراره على آذان المستمعين واذهان المتفكرين على خلاف ما عليه كلام المخلوق وفى القصيدة البردية شعر : فلا تعد ولا تحصى عجائبها ولا تسام على الاكثار بالسأم تفسير : اى لا تقابل آيات القرآن مع الاكثار بالملال. وفى المفردات وسمى سور القرآن مثانى لانها تثنى على مرور الايام وتكرر فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر الاشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الايام وانما تدرس الاوراق كما روى ان عثمان رضى الله عنه حرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما. ويصح ان يقال للقران مثانى لما يثنى ويتجدد حالا فحالا من فوائده كما جاء فى نعته ولا تنقضى عجائبه. ويجوز ان يكون ذلك من الثناء تنبيها على انه ابداء يظهر منه ما يدعو الى الثناء عليه وعلى من يتلوه ويعلمه ويعمل به وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم فى قوله {أية : انه لقرآن كريم} تفسير : وبالمجد فى قوله {أية : بل هو قرآن مجيد} تفسير : او هو جمع مثنى بفتح الميم واسكان الثاء مفعل من الثنية بمعنى التكرير والاعادة كما فى قوله تعالى {أية : ثم ارجع البصر كرتين} تفسير : اى كرة بعد كرة او جمع مثنى بضم الميم وسكون الثاء وفتح النون اى مثنى عليه بالبلاغة والاعجاز حتى قال بعضهم لبعض ألا سجدت لفصاحته ويجوز ان يكون بكسر النون اى مثن علىّ بما هو اهله من صفاته العظمى. قال ابن بحر لما كان القرآن مخالفا لنظم البشر ونثرهم حول اسماءه بخلاف ما سموا به كلامهم على الجملة والتفصيل فسمى جملته قرآنا كما سموا ديوانا وكما قالوا قصيدة وخطبة ورسالة قال سورة وكما قالوا بيت قال آية وكما سميت الابيات لاتفاق اواخرها قوافى سمى الله القرآن لاتفاق خواتيم الآى فيه مثانى. وفى التأويلات النجمية القرآن كتاب متشابه فى اللفظ مثانى فى المعنى من وجهين. احدهما ان لكل لفظ منه معانى مختلفة بعضها يتعلق بلغة العرب وبعضها يتعلق باشارات الحق وبعضها يتعلق باحكام الشرع كمثل الصلاة فان معناها فى اللغة الدعاء وفى احكام الشرع عبارة عن هيآت واركان وشرائط وحركات مخصوصة بها وفى اشارة الحق تعالى هى الرجوع الى الله كما جاء روحه من الحضرة بالنفخة الخاصة الى القالب فانه عبر على القيام الذى يتعلق بالسماوات ثم على الركوع الذى يتعلق بالحيوانات ثم على السجود الذى يتعلق بالنباتات ثم على التشهد الذى يتعلق بالمعادن فالبصلاة يشير الله عز وجل الى رجوع الروح الى حضرة ربه على طريق جاء منها ولهذا قال النبى عليه السلام "حديث : الصلاة معراج المؤمن"تفسير : . والوجه الثانى ان لكل آية تشبها بآية أخرى من حيث صورة الالفاظ ولكن المعانى والاشارات والاسرار والحقائق مثانى فيها الى ما لا ينتهى والى هذا يشير بقوله {أية : قل لو كان البحر مدادا} تفسير : الآية {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة فى سامعيه بعد بيان اوصافه فى نفسه وتقرير كونه احسن الحديث يقال اقشعر جلده اخذته قشعريرة اى رعدة كما فى القاموس. والجلد قشر البدن كما فى المفردات. وقال بعضهم اصل الاقشعرار تغير كالرعدة يحدث فى جلد الانسان عند الوجل والخوف. وفى الارشاد الاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد اذا تقبض تقبضا شديدا وتركيبه من القشع وهو الاديم اليابس قد ضم اليه الراء ليكون باعثا ودالا على معنى زائد يقال اقشعر جلده ووقف شعره اذا عرض له خوف شديد من منكر حائل دهمه بغتة. والمراد اما بيان افراط خشيتهم بطريق التمثيل والتصوير او بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق وهو الظاهر اذ هو موجود عند الخشية محسوس يدركه الانسان من نفسه وهو يحصل من التأثر القلبى فلا ينكر. والمعنى انهم اذا سمعوا بالقرآن وقوارع آيات وعيده اصابتهم هيبة وخشية تقشعر منها جلودهم اى يعلوها قشعريرة ورعدة: وبالفارسية [لرزد ازو يعنى از خوف وعيدكه در قرآنست بوستها برتنهاى آنانكه مى ترسند از بروردكار خود] {ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله} اللين ضد الخشونة ويستعمل ذلك فى الاجسام ثم يستعار للخلق ولغيره من المعانى. والجلود عبارة عن الابدان والقلوب عن النفوس كما فى المفردات اى ثم اذا ذكروا رحمة الله وعموم مغفرته لانت ابدانهم ونفوسهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة بان تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة: وبالفارسية [بس نرم ميشود وآرام ميكيرد بوستها ودلهاى ايشان بسوى يادكردن رحمت ومغفرت] وتعدية اللين بالى لتضمنه معنى السكون والاطمئنان كأنه قيل تسكن وتطمئن الى ذكر الله لينة غير منقبضة راجية غير خاشعة او تلين ساكنة مطمئنة الى ذكر الله على ان المتضمن بالكسر يقع حالا من المتضمن بالفتح. وانما اطلق ذكر الله ولم يصرح بالرحمة ايذانا بانها اول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى. فان قلت لم ذكرت الجلود وحدها اولا ثم قرنت بها القلوب ثانيا. قلت لتقدم الخشية التى هى من عوارض القلوب فكأنه قيل تقشعر جلودهم من آيات الوعيد وتخشى قلوبهم من اول وهلة فاذا ذكروا الله ومبنى امره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء فى قلوبهم وبالقشعريرة لينا فى جلودهم. فالجملتان اشارة الى الخوف والرجاء او القبض والبسط او الهيبة والانس او التجلى والاستتار. قال النهر جورى رحمه الله وصف الله بهذه الآية سماع المريدين وسماع العارفين وقال سماع المريدين باظهار الحال عليهم وسماع العارفين بالاطمئنان والسكون فالاقشعرار صفة اهل البداية واللين صفة اهل النهاية. وعن شهر بن حوشب قالت ام الدرداء رضى الله عنها انما الوجل فى قلب الرجل كاحتراق السعفة أما تجد الا قشعريرة قلت بلى قالت فادع الله فان الدعاء عند ذلك مستجاب وذلك لانجذاب القلب الى الملكوت وعالم القدس واتصاله بمقام الانس {ذلك} الكتاب الذى شرح احواله {هدى الله} {راه نمودن خداست يعن ارشاديست مرخلق را ازخداى] {يهدى به} [راه بنمايد بوى] {من يشاء} ان يهديه من المؤمنين المتقين كما قال {أية : هدى للمتقين} تفسير : لصرف مقدوره الى الاهتداء بتأمله فيما فى تضاعيفه من الشواهد الخفية ودلائل كونه من عند الله {ومن يضلل الله} اى يخلق فيه الضلالة لصرف قدرته الى مباديها واعراضه عما يرشده الى الحق بالكلية وعدم تأثره بوعده ووعيده اصلا {فماله من هاد} يخلصه من ورطة الضلال. وفى التأويلات النجمية {ومن يضلل الله} بان يكله الى نفسه وعقله ويحرمه من الايمان بالانبياء ومتابعتهم {فماله من هاد} من براهين الفلاسة والدلائل العقلية: قال المولى الجامى قدس سره شعر : خواهى بصوب كعبه تحقيق ره برى بى برده مقلد كم كرده ره مرو تفسير : وفى كشف الاسرار [يكى ازصحابه روزى بآن مهتر عالم عليه السلام كفت يا رسول الله جرا رخساره ما دراستماع قرآن سرخ ميكردد وآن منافقان سياه كفت زيراكه قرآن نوريست مارا مى افروزد وايشانرا ميسوزد] يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا: قال الخجندى قدس سره شعر : دل ازشنيدن قرآن بكيردت همه وقت جوباطلان زكلام حقت ملولى جيست تفسير : وفى الآية لطائف. منها انه لما عقب احسنية القرآن بكونه متشابها ومثانى رتب عليه اقشعرار جلود المؤمنين ايماء الى ان ذلك انما يحصل بكونه مرددا ومكررا لان النفوس انفر شىء من حديث الوعظ والنصيحة واكثر جمودا واباء عنه فلا تلين شكيمتها ولا تنقاد طبيعتها الا ان يلقى اليها النصائح عودا بعد بدء ولهذا كان عليه السلام يكرر وعظه ثلاثا او سبعا. ومنها ان الاقشعرار امر مستجلب للرحمة قال عليه السلام "حديث : اذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه" اى تساقطت "كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها" تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : اذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار" تفسير : ولما اتخذ الله ابراهيم خليلا القى فى قلبه الوجل حتى ان خفقان قلبه يسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير فى الهواء. قال مسروق ان المخافة قبل الرجاء فان الله تعالى خلق جنة ونارا فلن تخلصوا الى الجنة حتى تمروا بالنار. ومنها ان غاية ما يحصل للعابدين من الاحوال المذكورة فى هذه الآية من الاقشعرار والخشية والاطمئنان. قال قتادة هذا نعت اولياء الله نعتهم بان تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم ولم ينعتهم بذهاب عقلهم والغشيان عليهم وانما ذلك فى اهل البدع وهو من الشيطان. وعن عبد الله بن عبد الله ابن الزبير قال قلت لجدتى اسماء بنت ابى بكر رضى الله عنه كيف كان اصحاب رسول الله يفعلون اذا قرئ عليهم القرآن قالت كانوا كما نعتهم الله تدمع اعينهم وتقشعر جلودهم قال فقلت لها ان ناسا اليوم اذا قرئ عليهم القرآن خر احدهم مغشيا عليه فقالت اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ـ وروى ـ ان ابن عمر رضى الله عنهما مر برجل من اهل العراق ساقط فقال ما بال هذا قالوا انه اذا قرئ عليه القرآن او سمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر رضى الله عنه انا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر رضى الله عنهما ان الشيطان يدخل فى جوف احدهم ما كان هذا صنيع اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كذا فى التفاسير نحو كشف الاسرار والمعالم والوسيط والكواشى وغيرها. يقول الفقير لا شك ان القدح والجرح انما هو فى حق اهل الرياء والدعوى وفى حق من يقدر على ضبط نفسه كما اشار عليه السلام بقوله "حديث : من عشق وعف وكتم ثم مات مات شهيدا" تفسير : فان من غلب على حاله كان الادب له ان لا يتحرك بشىء لم يؤذن فيه واما من غلب عليه الحال وكان فى امره محقا لا مبطلا فيكون كالمجنون حيث يسقط عنه القلم فبأى حركة تحرك كان معذورا فيها فليس حال اهل البداية والتوسط كحال اهل النهاية فان ما يقدر عليه اهل النهاية لا يقدر عليه من دونهم وكأن الاصحاب رضى الله عنهم ومن فى حكمهم ممن جاء بعدهم راعوا الادب فى كل حال ومقام بقوة تمكينهم بل لشدة تلوينهم فى تمكينهم فلا يقاس عليهم من ليس له هذا التمكين فرب اهل تلوين يفعل ما لا يفعله اهل التمكين وهو معذور فى ذلك لكونه مغلوب الحال ومسلوب الاختيار فليجتهد العاقل فى طريق الحق بلا رياء ودعوى وليلازم الادب فى كل امر متعلق بفتوى او تقوى وليحافظ على ظاهره وباطنه من الشين ومما يورث الرين والغين
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كتاباً}: بدل من {أحسن}، أو: حال، لوصفه بقوله: {متشابهاً}. و {مثاني}: صفة أخرى لكتابِ، أو: حال أخرى منه، أو: تمييز من "متشابهاً"، كما تقول: رأيت رجلاً حسناً شمائلَ، أي: شمائله، والمعنى: متشابهة مثانيه. و {تقشعر}: الأظهر أنه استئناف، وقيل: صفة لكتاب، أو: حال منه. يقول الحق جلّ جلاله: {اللهُ نزَّل أحسنَ الحديثِ} وهو القرآن؛ إذ لا حديث أحسن منه، لا تمله القلوب، وتسأمه الأسماع؛ بل تِرداده يزيده تجمُّلاً وطراوة وتكثير حلاوة. رُوي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَلُّوا ملةً، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا حديثاً، فنزلت. والمعنى: أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث. وفي إيقاع اسم الجلالة مبتدأ، وبناءِ "نزّل" عليه، من تفخيم أحسن الحديث، ورفع محله، والاستشهاد على حسنه، وتأكيد إسناده إليه تعالى، وأنه من عنده، لا يمكن صدوره من غيره، والتنبيه على أنه وحي معجز، ما لا يخفى. حال كونه {كتاباً مُتشابهاً} أي: يُشبه بعضُه بعضاً في الإعجاز والبلاغة، أو: تشابهت معانيه بالصحة، والإحكام، والابتناء على الحق والصدق، واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش، وتناسب ألفاظه وجُمَلِه في الفصاحة والبلاغة، وتجاوب نظمه في الإعجاز. {مَّثَانِيَ}: جمع مثنى، أي: مكرر، ومردد، لما ثنى من قصصه، وأنبائه، وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ووعظه. وقيل: لأنه يثنّى في التلاوة، ويُكرر مرة بعد أخرى. قال القشيري: ويشتمل على نوعي الثناء عليه، بذكر سلطانه وإحسانه، وصفة الجنة والنار، والوعد والوعيد. هـ. {تَقْشَعِرُّ منه جُلودُ الذين يخشون ربهم} أي: ترتعد وتنقبض، والاقشعرار: التقبُّض، يقال: اقشعرّ الجلد: إذا انقبض، ويقال: اقشعر جلده ووقف شعره: إذا عرض له خوف شديد، من منكر هائل دهمه بغتة. والمعنى: أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارعه وزواجره، أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منه جلودهم، وإذا ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاءً، ورهبتهم رغبةً، وذلك قوله تعالى: {ثم تَلينُ جُلودُهم وقلوبُهم إِلى ذكرِ الله} أي: ساكنة مطمئنة إلى ذكر الله. {ذلك} أي: الكتاب الذي شُرِح أحواله {هُدَى اللهِ يهدي به مَن يشاءُ} أن يهديه، بصرف مجهوده إلى سبب الاهتداء به، أو بتأمله فيما في تضاعيفه من شواهد الحقيقة، ودلائل كونه من عند الله. {ومَن يُضللِ اللهُ} أي: يخلق فيه الضلالة، بصرف قدرته إلى مبادئها، وإعراضه عما يرشد إلى الحق بالكلية، وعدم تأثُّره بوعده ووعيده، أو: مَن يخذله {فما له من هَادٍ} يُخلصه من ورطة الضلال. أو: ذلك الذي ذكر من الخشية والرجاء هو أثر هدى الله، يهدي لذلك الأثر مَن يشاء من عباده، {ومَن يُضلل} أي: ومَن لم يؤثر فيه لطفه وهدايته؛ لقسوة قلبه، وإصراره على فجوره {فما له من هادٍ}: من مؤثر فيه بشيء قط. الإشارة: أول ما يظهر الفتح على قلب العبد في فَهْم كتاب الله، والتمتُّع بحلاوة تلاوته، ثم ينتقل إلى الاستغراق في ذكره باللسان، ثم بالقلب، ثم إلى الفكرة، ثم العكوف في الحضرة، إن وجد مَن يربيه وينقله عن هذه المقامات، وإلا بقي في مقامه الأول. وقال الطيبي: مَن أراد الله أن يهديه بالقرآن، أوقع في قلبه الخشية، كقوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] ثم يتأثر منه ظاهراً، بأن تأخذه في بدء الحال قشعريرة؛ لضعفه، وقوة سطوة الوارد، فإذا أدمن على سماعه، وأَلِفَ أنواره، يطمئن ويلين ويسكن. هـ. قلت: وعن هذا عبّر الصدّيق بقوله حين رأى قوماً يبكون عند سماعه: (كذلك كنا ثم قست القلوب) أي: صلبت وقويت على حمل الواردات. وقال الورتجبي: سماع المريدين بإظهار الحال عليهم، وسماع العارفين بالطمأنينة والسكون. هـ. وقال على قوله: {متشابهاً}: إنه أخبر عن كلية الذات والصفات، التي منبعهما أصل القدم، وصفاته كذاته، وذاته كصفاته، وكل صفة كصفة أخرى، من حيث التنزيه والقدس والتقديس، والكلام بنفسه متشابه المعاني. هـ. يعني: إنما كان القرآن متشابهاً؛ لأنه أخبر عن كلية الذات والصفات القديمين، والذات لها شبه بالصفات من حيث اللطافة، والصفات تشبه بعضها بعضاً في الدلالة على التنزيه والكمال، أي: كتاباً دالاًّ على كلية الذات المشابهة للصفات. وهذا حملٌ بعيد. ثم ذكر مثال المهتدي والضال، فقال: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}.
اطفيش
تفسير : {اللهُ نَزَّلَ} ابتدأ بالله وأخبر بـ (نزّل) تفخيماً لأحسن الحديث ورفعاً له واستشهاده على حسنه وتأكيداً لاسناد التنزيل الى الله وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر الا عنه وتنبيهاً على أنه وحي ومعجز مباين لسائر الاحاديث* {أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} هو القرآن وأحسنيته من جهة اللفظ فانه أفصح الكلام وأبلغه وليس بشعر ولا كنثرهم ومن جهة المعنى فانه منزه عن التناقض والاختلاف مشتمل على أخبار الماضين والغيب والوعد والوعيد* {كِتَاباً} بدل من أحسن أو حال منه ولو جامداً لتأويله بـ (مكتوباً) ولو قيل لا يحتاج لتأويل لوصفه بقوله* {مُّتَشَابِهاً} يشبه بعضه بعضاً في الصحة والأحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق وتناسب ألفاظه واعجازه وتبكيته وتصديق بعضه لبعض* {مَّثَانِىَ} حال متعددة أو حال من ضمير (متشابهاً) أو نعت ثاني لكتاب أو حال منه أو تمييز لـ (متشابهاً) وهو جمع مثنى بالفتح فالسكون اسم مكان أي موضع الثني أي التكرار ليرسخ في النفوس فانها لنفورها عن الحق لا يؤثر فيها الا بالتكرار ولذلك كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرار الوعظ ثلاث مرات وسبعاً والمراد بالثني ما يعم التكرار أكثر من مرتين فلا يرد أنه كثيراً ما يعاد فيه لله حديث ثلاث مرات أو أكثر أو معنى الثني قرن الوعد بالوعيد والأمر بالنهي والرجاء بالخوف وهكذا كالخبر والحكم وقيل إنه يثني فى التلاوة فلا يمل بل يزيد حلاوة مع أن الطبع موكول بمعاداة المعاداة وهذا مما يخالف به غيره وان قلت كيف أطلق مثاني وهو جمع على كتاب؟ قلت: هو تحليل الى كل أجزائه كقولك: زيد أجزاء فهما بمعنى* {تَقْشَعِرُّ} أي ترتعد وتضطرب فاؤه القاف وعينه الشين ولامه العين والراء الأولى لام ثانية زائدة وقيل بالعكس وكذا أمثاله كما بينته في شرح اللامية وقيل أصوله القشع وهو الجلد اليابس وزيدت الراء مشددة ليدل على معنى زائد. {مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} تنقبض جلودهم عند ذكر الوعيد المخوف أو مطلق فلشدة حلاوة القرآن وقيل المراد بالجلود القلوب وقيل المراد التمثيل والكناية لشدة خوفهم والظاهر الأول. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة ورقها" تفسير : ، أي طاحت ووقعت. وروي "حديث : حرمه الله على النار"تفسير : ، وقرأ أبيّ عن النبي (فرقت قلوب) فقال: اغتنموا الدعاء عند الرقة فانها رحمة. قال عبدالله بن عروة بن الزبير لجدته أسماء بنت أبى بكر: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون اذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم فقال لها ان أناساً اليوم اذا قرئ عليهم خر أحدهم مغشياً عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال قتادة: (نعت الله أولياءه بأنهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم انما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان الرجيم. وعن ابن عمر مثل ذلك قال: يدخل الشيطان في جوفهم ومر عمر برجل من أهل العراق ساقطاً فقال: ماله؟ فقيل: قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله فقال: إنا لنخشى الله وما نسقط. وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء أن يقعد أحدهم على حائط ويمد ويقرأ عليه القرآن كله فان رمى بنفسه فهو صادق. وفي قوله القرآن كله تصديق لهم وتعريض بأنه ولو قرئ عليهم كله لما رمى بنفسه وذلك تغليظ على المرامين والمتضعين وأما من يغشى عليه لضعف قواه وقوة الوارد عليه فممدوح وكذا الكلام في الصحة. {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلّى ذِكْرِ اللهِ} قيل اذا ذكرت آيات الوعيد اقشعرت جلودهم واذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وسكنت قلوبهم وعن بعض تلين جلودهم عند الرجاء وتقشعر عند الخوف وانما ذكر الجلود وحدها في الخوف أولاً ثم قرن بها القلوب فى الرجاء لان الخشية محلها القلب وهى سبب الاقشعرار فكأن القلوب مذكرة واذا ذكروا الله وأصل أموره وأولاها الرحمة زالت شدة الخوف بالرجاء بالقشعريرة باللين. قاله الزمخشري وقيل لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف لان الخير مطلوب بالذات والخوف ليس بمطلوب فاذا كان الخوف اقشعر الجلد واذا كان الرجاء اطمأن القلب ولان الجلد وانما قال (إلى ذكر الله) ولم يذكر الرحمة لانهم يلينون ويرجون بمجرد ذكر الله أي النطق به لأن أصل أمره الرحمة والرأفة والرحمة سبقت غضبه فاذا ذكر تبادرت رحمته ورأفته قبل كل شيء والمراد الى ذكر رحمة الله فحذف المضاف وانما عدي (تلين) بـ (إلى) لانه ضمن معنى ما يتعدى بها كأنه قيل: (اطمأنت الى ذكر الله) وقيل: (إلى) بمعنى لام التعليل أو بمعنى مع أو عند* {ذَلِكَ} المذكور الذي هو أحسن الحديث* {هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ} هدايته. وقال الزمخشري: الاشارة الى الكتاب، وقيل يجوز أن تكون الى الاقشعرار اي ذلك امارة هدى الله والهداية والارشاد والتوفيق هنا أي يهدي من سبق علمه بسعادته الى تلك الخشية ويستحب لتالي القرآن أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل آية وفهم حال يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغير ذلك ومتى تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم يكسوه من كل آية حال يناسب معنى تلك الآية وعن بعضهم الاقشعرار واللين بتأويل ما ذكر وسماها هدى لحصولهما به وهما أثره. {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي من موصل له فى الطريق
اطفيش
تفسير : {الله نزَّل أحْسنَ الحَديث} هو القرآن، سماه الله ألفاظا يتحدث بها، وهو مخلوق، ولا يشك فى ذلك عاقل، ولا فى أنه غير الله، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان، وبأخبار الدهر، رواه ابن عباس، وعن ابن مسعود: أصاب الملل الصحابة فقالوا له صلى الله عليه وسلم: حدثنا فنزلت، ألا ترى أن الصحابة طلبوا حديثا يتلفظ به، فأجابهم الله تعالى بأن القرآن ألفاظ، فليتحدثوا به، وإنما يصار الى أنه سماه حديثا مشاكلة لقولهم: حدثنا، لو صح أن القرآن غير حديث، ومن الغريب قولهم أن القرآن غير هذه الألفاظ، وأن هذه اللفظة ترجمة له. {كتاباً} بدل من أحسن، ولا داعى الى جعله حالا مع أنه غير وصف لاحتياجه الى التأويل بالرصف، وهو مكتوب، أو الى أن وصفه بالمشتق وهو قوله {متشابهاً} ينزله منزلة الصفة، ومعنى التشابه شبه بعضه ببعض فى الفصاحة والبلاغة، والصدق والحق {مَثْنى} نعت ثان، أو حال من ضمير متشابها، والمفرد مثن بالضم والتشديد، جمع على غير قياس، والقياس مثنيات، أو المفرد مثنى بالفتح، والتخفيف للتكرير، فانه يفاد من التثنية ككرتين، ولبيك، مرة بعد أخرى للمرار الكثيرة، وفيه أن باب مثنى وثلاث ومثلث لا يتصرف فيه، والمعنى فى ذلك كله، أنه تكرر قصصه ومواعظه، وأحكامه وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، فذلك بيان لتشابهه، ويكرر بالتلاوة، ولا يمل بالتكرار، أو جمع مثنية بفتح فإسكان بمعنى الوصف، كمادحات وممدوحات، أو اسم مكان جعل وصفا للمبالغة كأرض مقثاة ومأسدة، أى كثيرة القثاء والأسود، ويجوز نصبه على التمييز لمتشابها، محول عن الفاعل كأنه قيل متشابها مثانيه باسكان الياء بعد النون. {تَقشعرُّ} بيان لتأثيره فى الظاهر بعد ذكر تأثيره فى الباطن، إلا أن تأثيره فيه بتوسط تأثيره فى الباطن، وبعد ذكر أوصافه فى نفسه، والاقتشعرار انقباض الجلد، وقيام شعره، لورود مخوف عليه، وهو مادة على حدة، والقشع مادة على حدة، والأولى أبلغ، وليست الراء زائد، لأنها ليست من حروف الزيادة، لكن زاد المعنى بها، لأن زيادة الحرف تدل فى الجملة على زيادة المعنى، نعم تشديدها زيادة ومعنى، قول بعض المحققين إنه ضم الى القشع الراء أنه وضع قشع كلمة كلها أصول بالراء، كما وضع القشع كلمة وهو الجلد اليابس {منْهُ} به {جلود الذين يخشون ربهم} يخافونه خوف إجلال، إذا سمعوا أو قرءوا آيات الوعيد مع خوف الرهبة. {ثم تلين جلودهم وقلوبهم} تسكن مطمئنة {إلى ذكْر الله} ذكر رحمته تعالى، كما أنها سبقت غضبه، وذلك كما ورد فى الحديث: "حديث : أنها سبقت غضبه" تفسير : فهى لسبقها الى القلوب تعلم ولو لم تذكر فى الآية، ومنها عدم هلاك البدن أو بعضه بالاستغراق فى جلاله تعالى، وعدم الاياس من الرحمة من حيث انه لا طاقة على القيام بحق ذلك الجلال، فهم يخافون ويرجون، وقبح الله من يزيد الصفق والتواجد والسكر، ويتصنع بذلك، فان كان ذلك حقيقة لا خداعا ورياء، فهو من الشيطان يعتاده لنحو الرياء حتى صار فيه كالطبع اذا سمع فليقعد على شفير البئر أو حائط ويقرأ آية الوعيد، أو تقرأ عليه، أو القرآن كله، فننظر هل يملك نفسه على السقوط فيها، كما قال ابن سيرين، ولا يخلو عن عمد، لو ادعى الطبع، ألا ترى أنهم يفعلون ذلك، ولو لم يكن فيهم ورع أو عبادة. قال ابن عمر: ما كان ذلك صنع النبى صلى الله عيه وسلم وأصحابه، كنا نتحنى ولا نصرع، ومع ذلك فلست أقصد العموم، فقد يكون الصدق على ما روى، أن عمر يسقط ويغشى، ويروى أنه مرض شهرا يعوده الناس لذلك، ولا يدون لم ذلك، ولا أرى ابراهيم الخواص إلا صادقا فى صعقه، وكم ميت من ذلك، وعم صعق ذكرتهم فى شرح التبيين، قال سعيد بن جبير: الصعقة من الشيطان، قال بعض الصحابة، رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يقرءون القرآن، ويخشعون، ويبكون جعل هؤلاء الذين يغشى عليهم أفضل منهم، وانما ذكرت الجلود وحدها فى الخوف، وقرنت بالقلوب فى الرجاء، لأن الجلد يقشعر بذكر الوعيد خوفا، واذا ذكر الله تعالى ومبنى أمره على الرحمة، وقد سبقت غضبه حضر الرجاء، فلانت القلوب، ومقام الرجاء أكمل، والنفس اليه مائلة، والخير مطلوب بالذات، والخوف منه ليس مطلوباً. {ذلك} الكتاب أو تذكيره، أى التذكير الواقع به، أو ما ذكر من اللين والاقشعرار، والأول أولى {هُدى الله} ارشاد من الله وبيان {يَهدي بهِ} هدى عصمة وتوفيق {مَن يَشاءُ} أى من يشاءه، أى من يشاء الله هدايته، ويبعد رد الضمير فى يشاء الى من بمعنى من يشاء الله، أى من يشاء هداية الله {ومَنْ يُضلل الله} يخلق فيه الضلال لعدم استعداده للخير، ولاعراضه بلا اجبار، بل باختياره مع أن هذا الاختيار أيضا مخلوق لله تعالى، إلا أنه يجد من نفسه القدرة على الايمان والعمل الصالح، أو المراد من لم يؤثر فيه هدى البيان لقسوة قلبه واصراره {فمالَهُ مِنْ هادٍ} يخلصه من الضلال، أو ماله من مؤثر فيه اللين والاقشعرار، على أن الاشارة الى اللين والاقشعرار، والأول أولى.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } هو القرآن الكريم، وكونه حديثاً بمعنى كونه كلاماً محدثاً به لا بمعنى كونه مقابلاً للقديم، ومن قال بالتلازم من الأشاعرة القائلين بحدوث الكلام اللفظي جعل الأوصاف الدالة على الحدوث لذلك الكلام، وجوز أن يكون إطلاق الحديث هنا على القرآن من باب المشاكلة. عن ابن عباس أن قوماً من الصحابة قالوا: يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر فنزلت، وعن ابن مسعود أن الصحابة ملوا ملة فقالوا له عليه الصلاة والسلام حدثنا فنزلت أي إرشاداً لهم إلى ما يزيل مللهم وهو تلاوة القرآن واستماعه منه صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً. وفي إيقاع اسم الله تعالى مبتدأ وبناء {نَزَّلَ } عليه تفخيم لأحسن الحديث واستشهاد على أحسنيته وتأكيد لاستناده إلى الله عز وجل وأن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه، أما التفخيم فلأنه من باب الخليفة عند فلان، وأما الاستشهاد على أحسنيته فلكونه ممن لا يتصور أكمل منه بل لا كمال لشيء ما في جنبه بوجه، وأما توكيد الاستناد إليه تعالى فمن التقوى، وأما أن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه فلمكان التناسب لأن أكمل الحديث إنما يكون من أكمل متكلم ضرورة، ومذهب الزمخشري أن مثل هذا التركيب يفيد الحصر وأنه لا تنافي بينه وبين التقوى جمعاً فافهم. {كِتَـٰباً } بدل من {أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } أو حال منه كما قال الزمخشري، وليس مبنياً على القول بأن إضافة أفعل التفضيل تفيده تعريفاً كما ظن أبو حيان فإن مطلق الإضافة كافية في صحة الحالية كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالعربية. ووقوعه حالاً مع كونه اسماً لا صفة إما لوصفه بقوله تعالى: {مُّتَشَـٰبِهاً } أو لكونه في قوة مكتوباً. والمراد بكونه متشابهاً هنا تشابه معانيه في الصحة والإحكام والابتناء على الحق والصدق واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب نظمه في الإعجاز، وما أشبه هذا بقول العرب في الوجه الكامل حسناً وجه متناصف كأن بعضه أنصف بعضاً في القسط من الجمال. وقوله تعالى: {مَّثَانِيَ } صفة أخرى لكتاباً أو حال أخرى منه. وهو جمع مثنى بضم الميم وفتح النون المشددة على خلاف القياس إذ قياسه مثنيات بمعنى مردد ومكرر لما كرر وثنى من أحكامه ومواعظه وقصصه، وقيل: لأنه يثنى في التلاوة. وجوز أن يكون جمع مثنى بالفتح مخففاً من التثنية بمعنى التكرير والإعادة كما كان قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] بمعنى كرة بعد كرة وكذلك «لبيك وسعديك»، والمراد أنه جمع لمعنى التكرير والإعادة كما ثنى ما ذكر لذلك لكن استعمال المثنى في هذا المعنى أكثر لأنه أول مراتب التكرار، ويحتمل أن يراد أن مثنى بمعنى التكرير والإعادة كما أن صريح المثنى كذلك في نحو {كَرَّتَيْنِ} ثم جمع للمبالغة، وقيل: جمع مثنية لاشتماله آياته على الثناء على الله تعالى أو لأنها تثني ببلاغتها وإعجازها على المتكلم بها، ولا يخفى أن رعاية المناسبة مع {مُّتَشَـٰبِهاً } تجعل ذلك مرجوحاً وأنه حسن إذا حمل على الثناء باعتبار الإعجاز. وفي «الكشف» الأقيس بحسب اللفظ أن {مَّثَانِيَ } اشتقت من الثناء أو الثني جمع مثنى مفعل منهما إما بمعنى المصدر جمع لما صير صفة أو بمعنى المكان في الأصل نقل إلى الوصف مبالغة نحو أرض مأسدة لأن محل الثناء يقع على سبيل المجاز على الثاني والمثنى عليه وكذلك محل الثني انتهى. ووقوعه صفة لكتاب باعتبار تفاصيله وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول: هو أحكام ومواعظ وأقاصيص مثاني ونظيره قولك الإنسان عروق وعظام وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة والأصل كتاباً متشابهاً فصولاً مثاني، ويجوز أن يكون تمييزاً محولاً عن الفاعل والأصل متشابهاً مثانيه فحول ونكر لأن الأكثر فيه التنكير وهذا كقولك: رأيت رجلاً حسناً شمائل. وقرأ هشام وأبو بشر {مثاني } بسكون الياء فاحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف وأن يكون منصوباً وسكن الياء على لغة من يسكنها في كل الأحوال لانكسار ما قبلها استثقالاً للحركة عليها. وقوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } قيل صفة لكتاباً أو حال منه لتخصصه بالصفة، وقال بعض: الأظهر أنه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه ولتقرير كونه أحسن الحديث. والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم إليه الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال: اقشعر جلده وقَفَّ شعره إذا عرض له خوف شديد من أمر هائل دهمه بغتة، والمراد تصوير خوفهم بذكر لوازمه المحسومة ويطلق عليه التمثيل وإن كان من باب الكناية. وقيل: هو تصوير للخوف بذكر آثارها وتشبيه حالة بحالة فيكون تمثيلاً حقيقة، والأول أحسن لأن تشبيه القصة بالقصة على سبيل الاستعارة هٰهنا لا يخلو عن تكلف. واستظهر كون المراد بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق، والمعنى أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم رهبة وخشية تقشعر منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة لله تعالى عند سماع آيات وعده تعالى وألطافه تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته تعالى، وإنما لم يصرح بالرحمة إيذاناً بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى لأصالتها كما يرشد إليه خبر «سبقت رحمتي غضبـي»، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها ولعله إنما لم تذكر هناك على طرز ذكرها هنا لأنها لا توصف بالاقشعرار وتوصف باللين، وليس في الآية أكثر من نعت أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن ثم سكونهم إلى رحمته عز وجل، وليس فيها نعتهم بالصعق والتواجد والصفق كما يفعله بعض الناس، أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وابن أبـي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم قلت: فإن ناساً هٰهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم غشية قالت: أعوذ بالله تعالى من الشيطان، وأخرج الزبير بن بكار في / «الموفقيات» عن عامر عن عبد الله بن الزبير قال: جئت أمي فقلت وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى فقالت: لا تقعد معهم ثم قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا أفتراهم أخشى من أبـي بكر وعمر؟ وقال ابن عمر وقد رأى ساقطاً من سماع القرآن فقال إنا لنخشى الله تعالى وما نسقط؟ هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة أنه قال في الآية هذا نعت أولياء الله تعالى قال: تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى ولم ينعتهم الله سبحانه بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وإنما هو من الشيطان، وأخرج ابن أبـي شيبة عن ابن جبير: قال الصعقة من الشيطان، وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على حائط باسطاً رجليه ثم يقرأ عليهم القرآن كله فإن رمى بنفسه فهو صادق، فهذه أخبار ناعية على بعض المتصوفة صعقهم وتواجدهم وضرب رؤسهم الأرض عند سماع القرآن ويقول مشايخهم: إن ذلك لضعف القلوب عن تحمل الوارد وليس فاعلو ذلك في الكمال كالصحابة أهل الصدر الأول في قوة التحمل فما هو إلا دليل النقص بدليل أن السالك إذا كمل رسخ وقوي قلبه ولم يصدر منه شيء من ذلك ويقولون: ليس في الآية أكثر من إثبات الإقشعرار واللين وليس فيها نفي أن يعتريهم حال آخر بل في الآية إشعار بأن المذكور حال الراسخين الكاملين حيث قال سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } فعبر بالموصول ومقتضى معلومية الصلة أن لهم رسوخاً في الخشية حتى يعلموا بها فلا يلزم من كون حالهم ما ذكر ليس إلا على فرض دلالتها على الحصر كون حال غيرهم كذلك ثم إنه متى كان الأمر ضرورياً كالعطاس لا اعتراض على من يتصف به، وفي كلام ابن سيرين ما يؤيد ذلك، وهذا غاية ما يقال في هذا المجال ونحن نسأل الله تعالى أن يتفضل علينا بما تفضل به على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم. {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ } الإشارة إلى الكتاب الذي شرح أحواله {يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء } أي من يشاء الله تعالى هدايته بأن يوفقه سبحانه للتأمل فيما في تضاعيفه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عنده عز وجل، وجوز أن يكون ضمير {يَشَاء } لمن والمعنى يهدي به الله تعالى من يشاء هداية الله تعالى وليس بذاك. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } أي يخلق سبحانه فيه الضلال لإعراضه عما يرشده إلى الحق بسوء استعداده {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يخلصه من ورطة الضلال. وقيل: الإشارة بذلك إلى المذكور من الاقشعرار واللين والمعنى ذلك ذكر من الخشية والرجاء أثر هداه تعالى يهدي بذلك الأثر من يشاء من عباده ومن يضلله أي ومن لم يؤثر فيه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره فما له من هاد أي من مؤثر فيه بشيء قط وهو كما ترى.
ابن عاشور
تفسير : {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. استئناف بياني نشأ بمناسبة المضادة بين مضمون جملة {أية : فَوَيْلٌ للقاسِيةِ قُلوبهم من ذِكر الله}تفسير : [ الزمر: 22]. ومضمون هذه الجملة وهو أن القرآن يُلين قلوب الذين يخشون ربهم لأن مضمون الجملة السابقة يثير سؤال سائل عن وجه قسوة قلوب الضالين من ذكر الله فكانت جملة {الله نَزَّلَ أحْسَنَ الحدِيثِ} إلى قوله: {مِنْ هَادٍ} مُبينة أن قساوة قلوب الضالّين من سماع القرآن إنما هي لرَيْن في قلوبهم وعقولهم لا لنقص في هدايته. وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة {أية : هدى للمتقين}تفسير : ثم قال:{أية : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}تفسير : [البقرة: 6 ــــ 7]. وهذه الجملة تكميل للتنويه بالقرآن المفتتح به غرض السورة وسيقفى بثناء آخر عند قوله: {أية : ولقد ضربْنَا للنَّاسِ في هٰذَا القُرأنِ من كل مَثَل لعلَّهُم يتذَكَّرُونَ}تفسير : [الزمر: 27] الآية، ثم بقوله: {أية : إنَّا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق}تفسير : [ الزمر: 41] ثم بقولِه: {أية : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الزمر: 55]. وافتتاح الجملة باسم الجلالة يؤذن بتفخيم أحسن الحديث المنزل بأن منزّله هو أعظم عظيم، ثم الإِخبار عن اسم الجلالة بالخبر الفعلي يدل على تقوية الحُكم وتحقيقه على نحو قولهم: هو يعطي الجزيل، ويفيد مع التقوية دلالة على الاختصاص، أي اختصاص تنزيل الكتاب بالله تعالى، والمعنى: الله نزّل الكتاب لا غيرُه وضَعه، ففيه إثبات أنه منزّل من عالم القدس، وذلك أيضاً كناية عن كونه وحياً من عند الله لا من وضع البشر. فدلت الجملة على تقوَ واختصاص بالصراحة، وعلى اختصاص بالكناية، وإذ أخذ مفهوم القصْر ومفهوم الكناية وهو المغاير لمنطوقهما كذلك يؤخذ مغاير التنزيل فعلاً يليق بوضع البشر، فالتقدير: لا غير الله وضَعه، ردّاً لقول المشركين: هو أساطير الأولين. والتحقيق الذي درج عليه صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : اللَّه يستهزىء بهم}تفسير : [البقرة: 15] هو أن التقوى والاختصاص يجتمعان في إسناد الخبر الفعلي إلى المسند إليه، ووافقه على ذلك شرّاح «الكشاف». ومفاد هذا التقديم على الخبر الفعلي فيه تحقيقٌ لما تضمنته الإِضافة من التعظيم لشأن المضاف في قوله تعالى: {أية : مِن ذِكرِ الله}تفسير : [ الزمر: 22] كما علمتَه آنفاً، فالمراد بــــ {أحْسَنَ الحدِيثِ} عين المراد بــــ {ذِكرِ الله} وهو القرآن، عدل عن ذكر ضميره لقصد إجراء الأوصاف الثلاثة عليه. وهي قوله: {كِتاباً مُتشابِهاً مثَاني تَقْشَعر منه جلودُ الذين يخشونَ ربَّهُم} الخ، فانتصب {كِتاباً} على الحال من {أحْسَنَ الحدِيثِ} أو على البدلية من {أحْسَنَ الحدِيثِ}، وانتصب {مُتَشَابهاً} على أنه نعتُ {كِتَاباً}. الوصف الأول: أنه أحسن الحديث. أي أحسن الخبر، والتعريف للجنس، والحديث: الخبر، سمي حديثاً لأن شأن الإِخبار أن يكون عن أمر حدث وجدّ. سمي القرآن حديثاً باسم بعض ما اشتمل عليه من أخبار الأمم والوعد والوعيد. وأما ما فيه من الإِنشاء من أمر ونهي ونحوهما فإنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبلغَه للناس آل إلى أنه إخبار عن أمر الله ونهيه. وقد سُمي القرآن حديثاً في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {أية : فبأي حديث بعده يؤمنون}تفسير : في سورة [الأعراف: 185]، وقوله: {أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً}تفسير : في سورة[الكهف:6]. ومعنى كون القرآن أحسن الحديث أنه أفضل الأخبار لأنه اشتمل على أفضل ما تشتمل عليه الأخبار من المعاني النافعة والجامعة لأصول الإِيمان، والتشريع، والاستدلال، والتنبيه على عظم العوالم والكائنات، وعجائب تكوين الإِنسان، والعقل، وبثّ الآداب، واستدعاء العقول للنظر والاستدلال الحق، ومن فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه البالغَيْن حدّ الإعجاز، ومن كونه مصدقاً لما تقدمه من كتب الله ومهيمناً عليها. وفي إسناد إنزاله إلى الله استشهاد على حسنه حيث نزّله العليم بنهاية محاسن الأخبار والذكر. الوصف الثاني: أنه كتاب، أي مجموع كلام مراد قراءته وتلاوته والاستفادة منه، مأمور بكتابته ليبقى حجة على مرّ الزمان فإنّ جعل الكلام كتاباً يقتضي أهمية ذلك الكلام والعناية بتنسيقه والاهتمام بحفظه على حالته. ولما سمّى الله القرآن كتاباً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر كتَّاب الوحي من أصحابه أن يكتبوا كل آية تنزل من الوحي في الموضع المعيّن لها بَين أخواتها استناداً إلى أمر من الله، لأن الله أشار إلى الأمر بكتابته في مواضع كثيرة من أولها قوله: {أية : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}تفسير : [البروج: 21 ــــ 22] وقوله: {أية : إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون}تفسير : [الواقعة: 77 ــــ 78]. الصفة الثالثة: أنه متشابه، أي متشابهة أجزاؤه متماثلة في فصاحة ألفاظها وشرف معانيها، فهي متكافئة في الشرف والحسن (وهذا كما قالوا: امرأة متناصفة الحسن، أي أنصفَتْ صفاتُها بعضُها بعضاً فلم يزد بعضها على بعض، قال ابن هرمة: شعر : إني غَرِضْتُ إلى تناصف وجهها غَرَض المحب إلى الحبيب الغائب تفسير : ومنه: قولهم وجه مقسّم، أي متماثل الحسن، كأن أجزاءه تقاسمت الحسن وتعادلته، قال أرقم بن عِلباء اليَشكُري:شعر : ويوماً توافينا بوجه مقسَّم كأنْ ظبيةٌ تعطو إلى وَارِق السَّلَمْ تفسير : أي بوجه قسّم الحسن على أجزائه أقساماً. فمعانيه متشابهة في صحتها وأحكامها وابتنائها على الحق والصدق ومصادفة المحزّ من الحجة وتبكيت الخصوم وكونها صلاحاً للناس وهدى. وألفاظه متماثلة في الشرف والفصاحة والإِصابة للأغراض من المعاني بحيث تبلغ ألفاظه ومعانيه أقصى ما تحتمله أشرف لغة للبشر وهي اللغة العربية مفردات ونظماً، وبذلك كان معجزاً لكل بليغ عن أن يأتي بمثله، وفي هذا إشارة إلى أن جميع آيات القرآن بالغ الطرف الأعلى من البلاغة وأنها متساوية في ذلك بحسب ما يقتضيه حال كل آية منها، وأما تفاوتها في كثرة الخصوصيات وقلتها فذلك تابع لاختلاف المقامات ومقتضيات الأحوال، فإن بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال، والطرف الأعلى من البلاغة هو مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال، فآيات القرآن متماثلة متشابهة في الحسن لدى أهل الذوق من البلغاء بالسليقة أو بالعِلم وهو في هذا مخالف لغيره من الكلام البليغ فإن ذلك لا يخلو عن تفاوت ربما بلغ بعضُه مبلغَ أن لا يشبه بقيته، وهذا المعنى مما يدخل في قوله تعالى: {أية : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : [النساء: 82]، فالكاتب البليغ والشاعر المجيد لا يخلو كلام أحد منهما من ضعف في بعضه، وأيضاً لا تتشابه أقوال أحد منهما بل تجد لكل منهما قِطعاً متفاوتة في الحسن والبلاغة وصحة المعاني. وبما قررنا تعلم أن المتشابه هنا مراد به معنى غير المراد في قوله تعالى: {أية : وأُخر متشابهات}تفسير : [آل عمران: 7] لاختلاف ما فيه التشابه. الصفة الرابعة: كونه مثاني، ومثاني: جمع مُثَنَّى بضم الميم وبتشديد النون جمعاً على غير قياس، أو اسم جمع. ويجوز كونه جمع مَثْنى بفتح الميم وتخفيف النون وهو اسم لِجعل المعدود أزواجاً اثنين، اثنين، وكلا الاحتمالين يطلق على معنى التكرير. كُنِّي عن معنى التكرير بمادة التثنية لأن التثنية أول مراتب التكرير، كما كُني بصيغة التثنية عن التكرير في قوله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرتين} تفسير : [الملك: 4]، وقول العرب: لَبَّيْك وسَعْديك، أي إجابات كثيرة ومساعدات كثيرة. وقد تقدم بيان معنى {مثاني} في قوله تعالى: {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}تفسير : في سورة [الحجر: 87]، فالقرآن مثاني لأنه مكرر الأغراض. وهذا يتضمن امتناناً على الأمة بأن أغراض كتابها مكررة فيه لتكون مقاصده أرسخ في نفوسها، وليسمعها من فاته سماع أمثالها من قبلُ. ويتضمن أيضاً تنبيهاً على ناحية من نواحي إعجازه، وهي عدم المَلل من سماعه وأنه كلما تكرر غرض من أغراضه زاده تكرره قبولاً وحَلاوة في نفوس السامعين. فكأنه الوجه الحسن الذي قال في مثله أبو نواس:شعر : يزيدك وجهه حُسناً إذا ما زدته نظَرا تفسير : وقد عدّ عياض في كتاب «الشفاء» من وجوه إعجاز القرآن: أن قارئه لا يَمَلّه وسامعه لا يمجه، بل الإِكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة، لا يزال غضاً طرياً، وغيره من الكلام ولو بلغ من الحسن والبلاغة مبلغاً عظيماً يُمَل مع الترديد ويُعادى إذا أعيد، ولذا حديث : وَصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن: "بأنه لا يخلق على كثرة الرد"تفسير : . رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعاً. وذكر عياض أن الوليد بن المغيرة سمِع من النبي صلى الله عليه وسلم {أية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان}تفسير : [النحل: 90] الآية فقال: «والله إن له لحلاوة وإن عليه لطَلاوة». وبهذا تعلم أن وصف القرآن هنا بكونه مثاني هو غير الوصف الذي في قوله: {أية : ولقد أتيناك سبعاً من المثاني}تفسير : [الحجر: 87] لاختلاف ما أريد فيه بالتثنية وإن كان اشتقاق الوصف متّحداً. ووصَف {كِتاباً} وهو مفرد بوصف {مثاني} وهو مقتض التعدد يعيّن أن هذا الوصف جرى عليه باعتبار أجزائه، أي سوره أو آياته باعتبار أن كل غرض منه يكرر، أي باعتبار تباعيضه. الصفة الخامسة: أنه تقشعر منه جلود الذين يخشَون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم، وهذا الوصف مرتب على الوصف قبله وهو كون القرآن مثاني، أي مثنَّى الأغراض، وهو مشتمل على ثلاث جهات: أولاها: وصف القرآن بالجلالة والروعة في قلوب سامعيه، وذلك لما في آياته الكثيرة من الموعظة التي تَوْجَل منها القلوب، وهو وصف كمال لأنه من آثار قوة تأثير كلامه في النفوس، ولم يزل شأن أهل الخطابة والحكمة الحرصَ على تحصيل المقصود من كلامهم لأن الكلام إنما يواجه به السامعون لحصول فوائد مرْجوة من العمل به، وما تبارى الخطباء والبلغاء في ميادين القول إلا للتسابق إلى غايات الإِقناع، كما قال قيس بن خارجة، وقد قيل له: ما عندك؟ «عندي قِرى كلِ نازل، ورضى كل سَاخط، وخُطبةٌ من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع». وقد ذكر أرسطو في الغرض من الخطابة أنه إثارة الأهواء وقال: «إنها انفعالات في النفس تثير فيها حزناً أو مسرة». وقد اقتضى قوله: {تَقْشَعر منه جُلُودُ الذين يخشَونَ ربَّهُم} أن القرآن يشتمل على معان تقشعر منها الجلود وهي المعاني الموسومة بالجَزالة التي تثير في النفوس روعة وجلالة ورهبة تبعث على امتثال السامعين له وعملهم بما يتلقونه من قوارع القرآن وزواجره، وكنّي عن ذلك بحالةٍ تقارِنُ انفعال الخشية والرهبة في النفس لأن الإِنسان إذا ارتاع وخشي اقشعرّ جِلده من أثر الانفعال الرهبني، فمعنى {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ} تقشعر من سماعه وفهمه، فإن السماع والفهم يومئذٍ متقارنان لأن السامعين أهل اللسان. يقال: اقشعر الجلد، إذا تقبض تقبضاً شديداً كالذي يحصل عند شدة برد الجسد ورعدته. يقال: اقشعر جلده، إذا سمع أو رأى مَا يثير انزعاجه ورَوعه، فاقشعرار الجلود كناية عن وجل القلوب الذي تلزمه قشعريرة في الجلد غالباً. وقد عدّ عياض في «الشفاء» من وجوه إعجاز القرآن: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه والهيبةَ التي تعتريهم عند تلاوته لعلوّ مرتبته على كل كلام من شأنه أن يهابه سامعه، قال تعالى: {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية اللَّه وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}تفسير : [الحشر: 21]. وعن أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرىء عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمَع أعينهم وتقشعرّ جلودهم. وخص القشعريرة بالذين يخشون ربهم باعتبار ما سيردف به من قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم} كما يأتي، قال عياض: «وهي، أي الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه، على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه كما قال تعالى: {أية : وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولَّوا على أدبارهم نفوراً}تفسير : [الإسراء: 46]. وهذه الروعة قد اعْترت جماعة قبل الإِسلام، فمنهم من أسلم لها لأولِ وهلة. حُكي في الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى: {أية : أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}تفسير : [الطور: 35] إلى قوله: {أية : المصيطرون}تفسير : [الطور: 37] كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وُقر الإِسلام في قلبي». ومنهم من لم يسلم، روي حديث : عن محمد بن كعب القرظي قال: «أخبرت أن عتبة بن ربيعة كلّم النبي صلى الله عليه وسلم في كفّه عن سبِّ أصنامهم وتضليلهم، وعرض عليه أموراً والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم اسمع ما أقول، وقَرأ عليه {حم} [فصلت: 1] حتى بلغ قوله: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: 13] فأمسك عتبة على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحِم أن يكفّ» تفسير : أي عن القراءة. وأما المؤمن فلا تزال روعته وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذاباً وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه، قال تعالى: {تَقْشَعِرُّ منه جُلُود الذين يخشَونَ ربَّهُم ثمَّ تَلِينُ جلودُهم وقُلُوبهم إلىٰ ذِكرِ الله}. الجهة الثانية من جهات هذا الوصف: لين قلوب المؤمنين عند سماعه أيضاً عقب وجَلها العارض من سماعه قبلُ. واللين: مستعار للقبول والسرور، وهو ضد للقساوة التي في قوله: {فويَلٌ للقاسِيَةِ قلوبُهُم من ذِكرِ الله}، فإن المؤمن إذا سمع آيات الوعيد والتهديد يخشى ربه ويتجنب ما حذر منه فيقشعرّ جلده فإذا عقب ذلك بآيات البشارة والوعد استبشر وفرِح وعرض أعماله على تلك الآيات فرأى نفسه متحلية بالعمل الذي وعد الله عليه بالثواب فاطمأنت نفسه وانقلب الوجل والخوف رجاءً وترقباً، فذلك معنى لين القلوب. وإنما يبعث هذا اللينَ في القلوب ما في القرآن من معاني الرحمة وذلك في الآيات الموصوفةِ معانيها بالسهولة نحو قوله تعالى: {أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنَّه هو الغفُورُ الرَّحِيمُ}تفسير : [ الزمر: 53]، والموصوفةِ معانيها بالرقة نحو: {أية : يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين}تفسير : [الزخرف: 68 ــــ 69]، وقد علم في فن الخطابة أن للجزالة مقاماتها وللسهولة والرقة مقاماتهما. الجهة الثالثة من جهات هذا الوصف: أعجوبة جمعه بين التأثيريْن المتضادَّيْن: مرةً بتأثير الرهبة، ومرة بتأثير الرغبة، ليكون المسلمون في معاملة ربهم جارِين على ما يَقتضيه جلالُه وما يقتضيه حلمه ورحمته. وهذه الجهة اقتضاها الجمع بين الجهتين المصرح بهما وهما جهة القشعريرة وجهة اللين، مع كون الموصوف بالأمرين فريقاً واحداً وهم الذين يخشون ربهم، والمقصود وصفهم بالتأثريْن عند تعاقب آيات الرحمة بعد آيات الرهبة. قال الفخر: إن المحققين من أهل الكمال قالوا: «السائرون في مبدأ جلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشُوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا» ا هــــ. فالآية هنا ذكرتْ لهم الحالتين لوقوعها بعد قوله: {مَثَانِيَ} كما أشرنا إليه آنفاً، وإلا فقد اقتصر على وصف الله المؤمنين بالوجل في قوله تعالى: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ اللَّه وَجلت قلوبهم }تفسير : في سورة [الأنفال: 2]، فالمقام هنا لبيان تأثر المؤمنين بالقرآن، والمقام هنالك للثناء على المؤمنين بالخشية من الله في غير حالة قراءة القرآن. وإنما جُمع بين الجلود والقلوب في قوله تعالى: {ثم تَلِينُ جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ولم يُكتف بأحد الأمرين عن الآخر كما اكتُفي في قوله: {تَقْشعر منه جلودُ الذين يخشونَ ربهم} لأن اقشعرار الجلود حالة طارئة عليها لا يكون إلا من وجل القلوب وروعتها فكنّي به عن تلك الروعة. وأما لين الجُلود عقب تلك القشعريرة فهو رجوع الجلود إلى حالتها السابقة قبل اقشعرارها، وذلك قد يحصل عن تناسٍ أو تشاغل بعد تلك الروعة، فعطف عليه لين القلوب ليعلم أنه لين خاص ناشىء عن اطمئنان القلوب بالذكر كما قال تعالى: {أية : ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد: 28] وليس مجرد رجوع الجلود إلى حالتها التي كانت قبل القشعريرة. ولم يُكتف بذكر لين القلوب عن لين الجلود لأنه قصد أن لين القلوب أفعمها حتى ظهر أثره على ظاهر الجلود. و {ذِكْرِ الله} وهو أحسن الحديث، وعُدل عن ضميره لبعد المعاد، وعدل عن إعادة اسمه السابق لمدحه بأنه ذكر من الله بعد أن مُدِح بأنه أحسن الحديث والمراد بــــ {ذِكْرِ الله} ما في آياته من ذكر الرحمة والبشارة، وذلك أن القرآن ما ذَكَر موعظة وترهيباً إلا أعقبه بترغيب وبشارة. وعُدّي فعل {تَلِينُ} بحرف {إلى} لتضمين {تَلِينُ} معنى: تطمئن وتسكن. { ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ} استئناف بياني فإن إجراء تلك الصفات الغُرّ على القرآن الدالةِ على أنه قد استكمل أقصى ما يوصف به كلام بالغ في نفوس المخاطبين كيف سلكت آثاره إلى نفوس الذين يخشون ربهم مما يثير سؤالاً يهجس في نفس السامع أن يقول: كيف لم تتأثر به نفوس فريق المصرِّين على الكفر وهو يقرع أسماعهم يوماً فيوماً، فتقع جملة {ذٰلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بهِ من يَشَاءُ} جواباً عن هذا السؤال الهاجس. فالإِشارة إلى مضمون صفات القرآن المذكورة وتأثر المؤمنين بهديه، أي ذلك المذكورُ هدى الله، أي جعله الله سبَباً كاملاً جامعاً لوسائل الهدى، فمن فطر الله عقله ونفسَه على الصلاحية لقبول الهدى سريعاً أو بطيئاً اهتدى به، كذلك ومَن فطر الله قلبه على المكابرة، أو على فساد الفهم ضلّ فلم يهتد حتى يموت على ضلاله، فأطلق على هذا الفَطْر اسم الهُدى واسم الضلال، وأسند كلاهما إلى الله لأنه هو جبَّار القلوب على فطرتها وخالق وسائل ذلك ومدبر نواميسه وأنظمته. فمعنى إضافة الهدى إلى الله في قوله: {ذٰلِكَ هُدَى الله} راجع إلى ما هيّأه الله للهدى من صفات القرآن فإضافته إليه بأنه أنزله لذلك. ومعنى إسناد الهدى والإضلال إلى الله راجع إلى مراتب تأثر المخاطبين بالقرآن وعدم تأثرهم بحيث كان القرآن مستوفياً لأسباب اهتداء الناس به فكانوا منهم من اهتدى به ومنهم من ضل عنه. ويجوز أن تكون الإِشارة إلى {أحْسَنَ الحَدِيثِ} وهو الكتاب، أي ذلك القرآن هدى الله، أي دليل هدى الله. ومقصده: اهتدى به من شاء الله اهتداءه، وكفر به من شاء الله ضلاله. فجملة {ومَن يُضْلِل الله فما لهُ من هَادٍ} تذييل للاستئناف البياني. ومعنى {مَن يشَاءُ} على تقدير: من يشاء هديه، أي من تعلّقت مشيئته، وهي إرادته بأنه يهتدي فخلقه متأثراً بتلك المشيئة فقدّر له الاهتداء، وفهم من قوله {مَنْ يَشَاء}أنه لا يهدي به من لم يشأ هديَه وهو ما دلت عليه المقابلة بقوله: {ومَن يُضْلِل الله فما لهُ من هَادٍ}، أي من لم يشأ هديه فلم يقلع عن ضلاله فلا سبيل لهديه. والمعنى: إن ذلك لنقص في الضالّ لا في الكتاب الذي من شأنه الهدى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} تفسير : [النحل: 37] الآية، وفي غير ذلك من الموضع.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَاباً} {مُّتَشَابِهاً} (23) - اللهُ تَعَالَى أَنْزَلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ قُرْآناً يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً (مَثَانِيَ)، وَيَتَرَدَّدُ فِيهِ القَوْلُ، مَعَ المَوَاعِظِ والأَحْكَامِ لِيَفْهَمَ النَّاسُ مَا أَرَادَ رَبُّهُمْ تَعَالَى، وَإِذَا تُلِيَتْ مَعَهُ آيَاتُ العَذَابِ والعِقَابِ اقْشَعَرَّتْ لَهَا جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَوَجِلَتْ لَهَا قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ آيَاتُ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ والثَّوَابِ تَلِينُ قُلُوبُهُمْ، وَتَطمَئِنُّ نُفُوسُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ. وَمَنْ كَانَتْ هَذَهِ صِفَتُهُ فَقَدْ هَدَاهُ اللهُ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ سَيُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ فَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَهْدِيهِ مِنْ دُونِ اللهِ. أَحْسَنَ الحَدِيثِ - أَبْلَغَهُ وَأَصْدَقَهُ وَأَوْفَاهُ وَهُوَ القُرْآنُ. كتَاباً مُتَشَابِهاً - يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً فِي إِعْجَازِهِ وَهِدَايَتِهِ. مَثَانِي - مُكَرِّراً فِيهِ الأَحْكَامَ والمَوَاعِظَ. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ - تَرْتَعِدُ وَتَنْقَبِضُ مِنْ قَوَارِعِهِ. تَلِينُ جُلُودُهُمْ - تَسْكُنُ وَتَطْمَئِنُّ، وَتُصْبحُ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول الله تعالى: ما دُمتم ستتبعون الأحسن وتختارونه فأنا مُنزِلٌ عليكم أحسن الحديث، نعم هو أحسن الحديث لأنه كلامُ الله وكلام الله صفته، وهو كامل الكمال المطلق، وقد جعله الله مُعْجزاً، وتولى سبحانه حفظه بنفسه ولم يكل حفظه للخلق. وفي عُرْف البشر أن الإنسان لا يحفظ إلا ما كان حجة له ولا يحفظ الحجة عليه، أما الحق سبحانه فيحفظ القرآن وهو حجة عليه سبحانه لخَلْقه، فكل ما أتى في القرآن ضمن الحق سبحانه حدوثه، كما أخبرنا الله به لأنه هو منزله وهو حافظه. والمراد بأحسن الحديث القرآن الكريم، ومعنى {مُّتَشَابِهاً} [الزمر: 23] أي: يشبه بعضُه بعضاً في الحُسْن أو في البلاغة أو في الموضوع، فإياك أن تقول: هذه الآية أبلغ من هذه، لأن كل آية بليغة في موضوعها. فلو أخذنا مثلاً التشابه في الموضوع نقرأ في قصة سيدنا موسى عليه السلام: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ..} تفسير : [القصص: 8]. وفي موضع آخر قال: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 39]. فظن البعض هنا تكراراً، لكن المتأمل في معنى الآيتين يجد أن كل أية تؤدي لقطة لا تؤديها الأخرى، فمعنى {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] العداوة هنا من موسى لآل فرعون إنما في. {أية : يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..}تفسير : [طه: 39] العداوة من جانب فرعون لموسى، والمعركة لا يحمى وطيسها إذا كانت العداوة من جانب واحد، لأن الجانب الآخر ربما يتساهل أو يتنازل لعدوه، فإنْ كانت العداوة من الطرفين حميتْ المعركة. وسبق أنْ قلنا: إن المستشرقين وقفوا أمام قوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17] وقوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. وقالوا: أيهما أبلغ من الأخرى؟ وإنْ كانت إحداهما بليغة فالأخرى إذن غير بليغة. ومثل هذه الاستدراكات نتيجة عدم فَهْم أسلوب القرآن، وعدم وجود الملَكة اللغوية عندهم. ونقول لهم: كل آية بليغة في سياقها مناسبة للمعنى الذي قِيلَتْ فيه، فالآية الأولى وردتْ في الكلام عن المصيبة التي لا غريمَ لكَ فيها، والصبر في هذه الحالة يسيرٌ لذلك لم يُؤكّد. فمن الطبيعي أنْ تصبر على المرض مثلاً، لأنه لا غريم لك فيه، أما إنْ كانت المصيبة لك فيها غريم، فالغريم يثير غضبك ويؤجج نار الغِلَّ، ويدعو إلى الانتقام، فناسب ذلك التأكيد باللام في الآية الأخرى: {أية : لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. وكذلك وقفوا أمام قوله تعالى: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] وقوله سبحانه: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} تفسير : [الإسراء: 31] وقالوا: ما الفرق بين الآيتين؟ ونقول: لو نظرت إلى صدر الآية لوجدتَ أن كل عجُز يليق بصدره، لأن القتل للأولاد كان له سببان: الأول: الفقر، فالعائل فقير لا يقدر على رزق نفسه، فما بالك برزق أولاده؟ لذلك قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ..} تفسير : [الأنعام: 151] لأن الفقر موجود {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] وقدَّم الآباء على الأولاد؛ لانشغال نفوسهم برزقها أولاً. والسبب الثاني: أن يكون عنده ما يكفيه، إنما يخشى الفقر إن جاءه أولاد، وفي هذه قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} تفسير : [الإسراء: 31] وقدَّم الأولاد على الآباء، فنحن نرزق الأبناء الذين تخافون الفقر بسببهم قبل أنْ نرزقكم، إذن: فكلّ آية مُذيَّلة بما يناسبها. كذلك قُلْنا في مسألة السمع والبصر في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} تفسير : [القصص: 71] وذكر هنا السمع لأنه وسيلة الالتقاء في ظلمة الليل، وبه يستدعي الإنسان إنْ كان نائماً. أما في آية النهار، فقال سبحانه: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 72] لأن البصر لا يكون إلا في ضوء النهار. ومعنى {مَّثَانِيَ ..} [الزمر: 23] يعني: مَثْنى يُقَال: مرة واثنين وثلاثة، أو: يثنى في الصلاة حيث نقرأ الفاتحة ثم سورة بعدها، وفي الركعة الثانية كذلك. وقوله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ..} [الزمر: 23] وهذه صفة العبد الذي يخشى ربه ويراقبه ويعمل لنظره إليه حساباً، لأنه دائماً يعرض سلوكه على ربه، فإنْ رأى فيه مخالفة عاد إلى كلام الله وتذكَّر وعيده فيحدث عنده قشعريرة في جلده من خشية ربه، وهي أنْ يجفّ الجلد ويقعقع وتحدث رعشة في البدن من خوف العذاب، ومن خوف غضب الله، ثم يعود فيتذكر رحمة ربه التي سبقتْ غضبه، وعفوه الذي سبق عقوبته، فيعود إلى حالته الأولى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الزمر: 23]. إذن: المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، وقلبه بين هذين الأمرين، فساعةَ يتذكر العقاب على المخالفة يقشعر جلده خوفاً، وساعة يتذكر رحمة ربه يلين جلده ويهدأ قلبه، ولِمَ لا وربه قد قال: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الزمر: 53]. (ذلك) وهذا هو الذي يحدث للمؤمن {هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] وقد وقف كثيرون عند هذه الآية يقولون: ما دام أن الله هو الذي يُضل فَلِمَ يُعذّب الضال؟ ومعنى {وَمَن يُضْلِلِ} [الزمر: 23] يعني: يعلم ضلاله، ويعلم أنه لن يسمع كلامه ولن يتبع منهجه، وقد خلقه الله تعالى مختاراً إنْ شاء آمن وإنْ شاء كفر، إذن: فالكافر ما كفر غَصْباً عن الله، إنما هل رضي الله منه ذلك؟ وقوله: {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] يعني: إياكم أنْ تستدركوا على الله بأحكام بشرية تُصنِّفها لكم عقول الذين يستنكفون أنْ يأخذوا عن الله، فما دام الله قال فلا يصح أنْ نستدركَ عليه سبحانه؛ لأنه لا يمكن أنْ نأتي بهدي أحسن من هُدَى الله. ويجب على الأقل أن نفهم أن الذي يشرع شرعاً يريد أنْ يحكم به الناس لا بُدَّ أن يكون غير منتفع به ليكون حكمه نزيهاً وموضوعياً؛ لأنه لو كان منتفعاً بالحكم لا بدّ أن يميل قلبه إليه ويسير هواه مع منفعته. يعني: مثلاً لو شرَّع العمال لاختاروا الاشتراكية، ولو شرع الرأسماليون لاختاروا الرأسمالية، لذلك يشترط فيمَنْ يُشرع ألاّ يكون منتفعاً بما يشرع، وهذا الشرط لا يتحقق إلا في الحق سبحانه. لذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يترك في كونه قضايا حتى عند الكافرين به، وعند غير المؤمنين بمنهجه، قضايا تدل على أن شرع الله هو الأحسن، فكثيراً ما وقفوا عند قضايا لم يجدوا لها حلاً في قوانينهم، فلجأوا إلى دين الله وإلى شرع الله، لا لأنهم آمنوا به سبحانه، ولكن لأن قضاياهم وأمور حياتهم لا تُحَلّ إلا بهذا المنهج.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} معناه يَشبهُ بَعضُهُ بَعضاً، ويَصدقُ بَعضهُ بَعضاً و: {مَّثَانِيَ} أي قد ثُني فيهِ الأَنباءُ والأَخبارُ.
الجيلاني
تفسير : فكيف يتيسر لأحد أن يعرض عن ذكر الله وعن استماع كلامه؟! مع أنه: {ٱللَّهُ} الذي دبر أمور عباده، وأرشدهم إلى طريق معاده؛ حيث {نَزَّلَ} تتميماً لترتبيهم {أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} وأبلغه في الإفادة والبيان {كِتَاباً} جامعاً لما في الكتب السالفة {مُّتَشَابِهاً} بعض آياتها ببعض في حسن النظم، واتساق المعنى {مَّثَانِيَ} أي: ثنى سبحانه، وكرر الأحكام فيه تأكيداً ومبالغة، أمراً ونهياً، وعداً ووعيداً، وثواباً وعقاباً، عبراً وأمثالاً، قصصاً وتذكيراً. وجعله في كمال الإيجاز والإعجاز والتأثير؛ بحيث {تَقْشَعِرُّ} أي: تنقبض وتضطرب على الاستمرار {مِنْهُ} أي: من سماعه {جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ} مهابة {رَبَّهُمْ} في جميع حالاتهم، خوفاً من سلطة سلطنة جلاله {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ} تطمئن {قُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} رجاء من سعة رحمته، بمقتضى لطفه وجماله. وبالجملة: {ذَلِكَ} أي: الكتاب الرفيع الشأن، الواضع البرهان {هُدَى ٱللَّهِ} الهادي لعباده {يَهْدِي بِهِ} ويوفق على الهداية والرشاد بمقضتى ما فيه {مَن يَشَآءُ} من عباده، ويضل به وعن الاستفادة بما فيه من يشاء إرادة واختيارً {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} بمقتضى قهره وجلاله {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] إذ لا يبدل قوله، لا ينازع حكمه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. {أَفَمَن يَتَّقِي} أي: يصل ويدخل {بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي: أشده وأسوأه؛ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل في أيديهم، يسبحون إلى النار بحيث لا يصل منهم إليها أولاً إلا وجوههم، كمن آمن منه وسلم عن مطلق المكاره؟! كلا وحاشا {وَقِيلَ} حينئذ {لِلظَّالِمِينَ} الخارجين من مقتضى الحدود الإلهية ظلماً وعدواناً على سبيل التوبيخ والتقريع: {ذُوقُواْ} أيها المنهمكون في بحر الغفلة والشهوات جزاء {مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24] في دار الاختبار، بمقتضى أهويتكم الفاسدة وآرائكم الباطلة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن كتابه الذي نزله أنه { أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } على الإطلاق، فأحسن الحديث كلام اللّه، وأحسن الكتب المنزلة من كلام اللّه هذا القرآن، وإذا كان هو الأحسن، علم أن ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، وأن معانيه، أجل المعاني، لأنه أحسن الحديث في لفظه ومعناه، متشابها في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف، بوجه من الوجوه. حتى إنه كلما تدبره المتدبر، وتفكر فيه المتفكر، رأى من اتفاقه، حتى في معانيه الغامضة، ما يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم، هذا المراد بالتشابه في هذا الموضع. وأما في قوله تعالى: {أية : هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } تفسير : فالمراد بها، التي تشتبه على فهوم كثير من الناس، ولا يزول هذا الاشتباه إلا بردها إلى المحكم، ولهذا قال: {أية : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } تفسير : فجعل التشابه لبعضه، وهنا جعله كله متشابها، أي: في حسنه، لأنه قال: { أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } وهو سور وآيات، والجميع يشبه بعضه بعضا كما ذكرنا. { مَثَانِيَ } أي: تثنى فيه القصص والأحكام، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء اللّه وصفاته، وهذا من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام اللّه تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مرة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل النتيجة منه، ولهذا سلكت في هذا التفسير هذا المسلك الكريم، اقتداء بما هو تفسير له، فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع، بل كل موضع تجد تفسيره كامل المعنى، غير مراع لما مضى مما يشبهه، وإن كان بعض المواضع يكون أبسط من بعض وأكثر فائدة، وهكذا ينبغي للقارئ للقرآن، المتدبر لمعانيه، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه، فإنه يحصل له بسبب ذلك خير كثير، ونفع غزير. ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثَّر في قلوب أولي الألباب المهتدين، فلهذا قال تعالى: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } لما فيه من التخويف والترهيب المزعج، { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } أي: عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر. { ذَلِكَ } الذي ذكره اللّه من تأثير القرآن فيهم { هُدَى اللَّهِ } أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم، { يَهْدِي بِهِ } أي: بسبب ذلك { مَنْ يَشَاءُ } من عباده. ويحتمل أن المراد بقوله: { ذَلِكَ } أي: القرآن الذي وصفناه لكم. { هُدَى اللَّهِ } الذي لا طريق يوصل إلى اللّه إلا منه { يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ممن حسن قصده، كما قال تعالى: {أية : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ }. تفسير : { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه والتوفيق للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل هذا، فلا سبيل إلى الهدى، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء.
همام الصنعاني
تفسير : 2624- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً}: [الآية: 23]، قَال: متشابِهاً في حلاله وحرامه، لا يختلف منه شيء الآية الآية، والحرف الحرف مثاني. 2625- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: [في قوله تعالى: {مَّثَانِيَ} [الآية: 23]، قد ثناه الله. 2626- عبد الرزاق، عن معمر، قال: تلا قتادة: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 23]، قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جُلودُهُمْ، وتكبي أعينهم، وتطمئن فقلوبُهُمْ إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عَلَيْهِم، وإنَّما هذا في أهْل البدع، وهذا من الشيطان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):