٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} قال عطاء وابن زيد: يُرْمَى به مكتوفاً في النار فأوّل شيء تمس منه النار وجهه. وقال مجاهد: يجرّ على وجهه في النار. وقال مقاتل: هو أن الكافر يُرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلّق في عنقه، فحرها ووهجها على وجهه؛ لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال. والخبر محذوف. قال الأخفش: أي {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أفضل أم من سَعِد، مثل {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [فصلت: 40]. {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ} أي وتقول الخزنة للكافرين {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي جزاء كسبكم من المعاصي. ومثله: {أية : هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}تفسير : [التوبة: 35]. قوله تعالى: {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تقدّم معناه. وقال المبرد: يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخِزي من المكروه والخَزاية من الاستحياء {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ} أي مما أصابهم في الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ } يجعله درقة يقي به نفسه لأنه يكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه. {سُوءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كمن هو آمن منه، فحذف الخبر كما حذف في نظائره. {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ } أي لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بالموجب لما يقال لهم وهو: {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي وباله، والواو للحال وقد مقدرة. {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها. {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ } الذل. {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإِجلاء. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ } المعد لهم. {أَكْبَرُ} لشدته ودوامه. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لو كانوا من أهل العلم والنظر لعلموا ذلك واعتبروا به. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } يحتاج إليه الناظر في أمر دينه. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون به. {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } حال من هذا والاعتماد فيها على الصفة كقولك: جاءني زيد رجلاً صالحاً، أو مدح له. {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } لا اختلال فيه بوجه ما هو أبلغ من المستقيم وأخص بالمعاني. وقيل بالشك استشهاداً بقوله:شعر : وَقَدْ أَتَاكَ يَقِينٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ مِنَ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ تفسير : وهو تخصيص له ببعض مدلوله. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} علة أخرى مرتبة على الأولى. {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } للمشرك والموحد. {رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته، ويتنازعوا فيه بعبد يتشارك فيه، جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة في تحيره وتوزع قلبه، والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل و {رَجُلاً } بدل من مثل وفيه صلة {شُرَكَاء }، والتشاكس والتشاخص الاختلاف. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون «سَلَـٰماً» بفتحتين، وقرىء بفتح السين وكسرها مع سكون اللام وثلاثتها مصادر سلم نعت بها، أو حذف منها ذا ورجل سالم أي وهناك رجل سالم، وتخصيص الرجل لأنه أفطن للضر والنفع. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } صفة وحالاً ونصبه على التمييز ولذلك وحده، وقرىء «مثلين» للإشعار باختلاف النوع، أو لأن المراد على {يَسْتَوِيَانِ } في الوصفين على أن الضمير للمثلين فإن التقدير مثل رجل ومثل رجل. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } كل الحمد له لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه، لأنه المنعم بالذات والمالك على الإِطلاق. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيشركون به غيره من فرط جهلهم. {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } فإن الكل بصدد الموت وفي عداد الموتى، وقرىء «مائت» و «مائتون» لأنه مما سيحدث. {ثُمَّ إِنَّكُمْ } على تغليب المخاطب على الغيب. {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فتحتج عليهم بأنك كنت على الحق في التوحيد وكانوا على الباطل في التشريك، واجتهدت في الإرشاد والتبليغ ولجوا في التكذيب والعناد، ويعتذرون بالأباطيل مثل {أية : أَطَعْنَا سَادَتَنَا }تفسير : [الأحزاب: 67] و {أية : وَجَدْنَا ءابَاءنَا }تفسير : [الأنبياء: 53] وقيل المراد به الاختصام العام يخاصم الناس بعضهم بعضاً فيما دار بينهم في الدنيا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} ويفزع، فيقال له ولأمثاله من الظالمين: {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} كمن يأتي آمناً يوم القيامة؛ كما قال عز وجل: {أية : أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الملك:22] وقال جل وعلا: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} تفسير : [القمر: 48] وقال تبارك وتعالى: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىۤ ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} تفسير : [فصلت: 40]؟ واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر؛ كقول الشاعر:شعر : فما أَدري إذا يَمَّمْتُ أرضاً أُريدُ الخَيْرَ أَيُّهما يَليني تفسير : يعني: الخير أو الشر. وقوله جلت عظمته: { كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، وقوله جل وعلا: {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: بما أنزل بهم من العذاب والنكال، وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك؛ فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم والذي أعده الله جل جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا، ولهذا قال عز وجل: {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِى } يلقى {بِوَجْهِهِ سُوءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ } أي أشدّه بأن يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه كمن أمن منه بدخول الجنة {وَقِيلَ لِلظَّٱلِمِينَ } أي كفار مكة {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي جزاءه.
الماوردي
تفسير : {أفمن يتقي بوجهه سوءَ العذَاب يومَ القيامة} فيه وجهان: أحدهما: أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار يوم القيامة. الثاني: لأن النار تبدأ بوجهه إذا دخلها. قوله عز وجل: {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} فيه وجهان: أحدهما: من مأمنهم، قاله السدي. الثاني: فجأة، قاله يحيى.
ابن عطية
تفسير : هذا تقرير بمعنى التعجيب، والمعنى: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} كالمنعمين في الجنة. واختلف المتأولون في قوله: {يتقي بوجهه} فقال مجاهد: يخر على وجهه في النار. وقالت فرقة: ذلك لما روي أن الكافر يلقى في النار مكتوفاً مربوطة يداه إلى رجليه مع عنقه ويكب على وجهه، فليس له شيء يتقي به إلا الوجه. وقالت فرقة: المعنى صفة كثرة ما ينالهم من العذاب، وذلك أنه يتقيه بجميع جوارحه ولا يزال العذاب يتزيد حتى يتقيه بوجهه الذي هو أشرف جوارحه وفيه حواسه، فإذ بلغ به العذاب إلى هذه الغاية ظهر أنه لا متجاوز بعدها. قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى عندي أبين بلاغة، وفي هذا المضمار يجري قول الشاعر: [الكامل] شعر : يلقى السيوف بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفر تفسير : لأنه إنما أراد عظيم جرأته عليها فهو يلقاها بكل محن وبكل شيء منه حتى بوجهه وبنحره. وقوله تعالى: {ذوقوا} عبارة عن باشروا، وهنا محذوف تقديره: جزاء {ما كنتم تكسبون}، ثم مثل لقريش بالأمم السالفة، ثم أخبر بما نال تلك الأمم من كونها في الدنيا أحاديث ملعنة، ولا خزي أعظم من هذا مع ما نال نفوسهم من الألم والذل والكرب، ثم أخبر أن ما أعد لهم من عذاب الآخرة أكبر من هذا كله الذي كان في الدنيا. وقوله: {قرآناً} قالت فرقة: هو نصب على الحال، وقالت فرقة: هو نصب على المصدر. و: {عربياً} حال، وقالت فرقة: نصب على التوطئة للحال، والحال قوله: {عربياً} ونفى عنه العوج لأنه لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا مغمز بوجه. واختلفت عبارة المفسرين، فقال عثمان بن عفان: المعنى غير متضاد، قال ابن عباس: غير مختلف. وقرأ مجاهد: غير ذي لبس. وقال السدي: غير مخلوق. وقال بكر المزني: غير ذي لحن. والعِوج بكسر العين في الأمر والمعنى وبفتحها في الأشخاص.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَّقِى بِوجْهِهِ} تبدأ النار بوجهه إذا دخلها، أو يسحب على وجهه إليها.
الخازن
تفسير : قوله عزَّ وجل: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} أي شدته {يوم القيامة} قيل يجر على وجه في النار وقيل يرمى به في النار منكوساً فأول شيء تمسه النار وجهه، وقيل هو الكافر يرمى به منكوساً في النار مغلولة يداه إلى عنقه وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبل العظيم فتشعل النار في تلك الصخرة وهي في عنقه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه وعنقه ومعنى الآية أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن العذاب {وقيل للظالمين} أي تقول لهم الخزنة {ذوقوا ما} أي وبال ما {كنتم تكسبون} أي في الدنيا من المعاصي {كذب الذين من قبلهم} أي من قبل كفار مكة كذبوا الرسل {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} يعني وهم غافلون آمنون من العذاب {فأذاقهم الله الخزي} أي العذاب والهوان {في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ ٱلْعَذَابِ...} الآية، تقريرٌ بمعنى التَّعْجِيبِ، والمعنى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بوجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ كَالمُنَعَّمِينَ في الجنةِ، قال مجاهد: {يَتَّقِى بِوَجْهِهِ}، أي: يُجَرُّ على وَجْهِه في النَّارِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذلك لِمَا رُوِيَ أنَّ الكافرَ يُلْقَىٰ في النارِ مكتُوفاً مربوطةً يداه إلَىٰ رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ على وجهِه، فليس له شَيْءٌ يَتَّقِي به إلا وَجْهَهُ، وقالت فرقَة: المعنى في ذلك صفةُ كَثْرَةِ مَا يَنَالُهُمْ من العذابِ يتَّقِيهِ بِكَلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُ حَتَّىٰ بِوَجْهِهِ الذي هُوَ أشْرَفُ جوارحِهِ، وهذا المعنى أَبْيَنُ بلاغةً، ثم مَثَّلَ لقريشٍ بالأمم الذين مِنْ قبلهم، وما نالَهُمْ مِنَ العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر، ونَفَى اللَّهُ سبحانه عن القرآن العِوَجَ؛ لأنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا مَغْمَزَ بِوَجْهٍ.
البقاعي
تفسير : ولما أتم الإنكار على من سوى، بين من شرح صدره ومن ضيق، وما تبعه وختم بأن الأول مهتد، والثاني ضال، شرع في بيان ما لكل منهما نشراً مشوشاً في أسلوب الإنكار أيضاً، فقال مشيراً إلى أن الضلال سبب العذاب، والهدى سبب النعيم، وحذف هنا المنعم الذي سبب له النعيم لين قلبه كما حذف القاسي القلب في آية الشرح الذي سببت له قسوته العذاب، لتتقابل الآيتان، وتتعادل العبارتان: {أفمن} وأفرد على لفظ {من} لئلا يظن أن الوجوه الأكابر فقال: {يتقي} ودل على أن يده التي جرت العادة بأنه يتقي بها المخاوف مغلولة بقوله: {بوجهه} الذي كان يقيه المخاوف ويحميه منها بجعله وهو أشرف أعضائه وقاية يقي به غيره من بدنه {سوء العذاب} أي شدته ومكروهه لأنه تابع نفسه على هواها حتى قسا قلبه وفسد لبه {يوم القيامة} لأنه يرمي به في النار منكوساً وهو مكبل، لا شيء له من أعضائه مطلق يرد به عن وجهه في عنقه صخرة من الكبريت مثل الجبل العظيم، ويسحب في النار على وجهه، كمن أمن العذاب فهو يتلقى النعيم بقلبه وقالبه. ولما كان مطلق التوبيخ والتقريع متكئاً، بني للمفعول قوله: {وقيل} له - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم به وجمع تنبيهاً على أن كثرتهم لم تغن عنهم شيئاً فقال: {للظالمين} أي الذين تركوا طريق الهدى واتبعوا الهوى فضلوا وأضلوا: {ذوقوا ما} أي جزاء ما {كنتم تكسبون *} أي تعدونه فائدة وثمرة لأعمالكم وتصرفاتكم، وقيل لأهل النعيم: طيبوا نفساً وقروا عيناً جزاء بما كنتم تعلمون، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستفهام أولاً دليلاً على حذف متعلقه ثانياً، وما يقال للظالم ثانياً دليلاً على ما يقال للعدل أولاً. ولما ذكر ما أعد لهم من الآخرة، وكانوا في مدة كفرهم كالحيوانات العجم لا ينظرون إلا الجزئيات الحاضرة، خوفهم بما يعملونه في الدنيا، فقال على طريق الاستئناف في جواب من يقول: فهل يعذبون في الدنيا: {كذب الذين} وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال: {من قبلهم} أي مثل سبأ وقوم تبع وأنظارهم: {فأتاهم العذاب} وكان أمرهم علينا يسيراً، وأشار إلى أنه لم يغنهم حذرهم بقوله: {من حيث} أي من جهة {لا يشعرون *} أنه يأتي منها عذاب، جعل إتيانه من مأمنهم ليكون ذلك أوجع للمعذب، وأدل على القدرة بأنه سواء عنده تعالى الإتيان بالعذاب من جهة يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أن يأتي منها شر ما، فضلاً عما أخذوا به، بل لا يتوقع إلا الخير. لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم بالعذاب استهزاء، سبب عنه تبكيت من لم يتعظ بحالهم فقال: {فأذاقهم الله} أي الذي لا راد لأمره {الخزي} أي الذل الناشئ عن الفضيحة والعذاب الكبير بما رادوه من إخزاء الرسل بتكذبيهم {في الحياة الدنيا} أي العاجلة الدنية. ولما كان انتظار الفرج مما يسلي، قال معلماً أن عذابهم دائم على سبيل الترقي إلى ما هو أشد، وأكده إنكارهم إياه: {ولعذاب الآخرة} أي الذي انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه البعث: {أكبر} من العذاب الذي أهلكهم في الدنيا، وأشدهم إخزاء، فالآية من الاحتباك: ذكر الخزي أولاً دليلاً على إرادته ثانياً، والأكبر ثانياً دليلاً على الكبير أولاً، وسره تغليظ الأمر عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة والسلام بخلاف ما يأتي في فصلت. فإن سيافه للطعن في الوحدانية، وهي لكثرة أدلتها وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في نكال الكافر به مطلق العذاب. ولما كان من علم أن فعله يورث نكالاً كف عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال: {لو كانوا يعلمون *} أي لو كان لهم علم ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا وآمنوا، ولكنه لا علم لهم أصلاً، بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، لأن الجزئيات لا تنفعهم كما تنفع سائر الحيوانات، فإن الشاة ترى الذئب فتنفر منه إدراكاً لأن بينها وبينه عداوة بما خلق الله في طبعه من أكل أمثالها، وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من العذاب لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى التصديق. ولما ذكر سبحانه حال الأولين موعظة للعرب، فكان كأنه قيل صرفاً للقول إلى مظهر العظمة تذكيراً بما في الأناة من المنة لأن حالها يقتضي المعاجلة بالأخذ والمبادرة بإحلال السطوة، ضربنا لكم حالهم مثلا لحالكم لتعتبروا به، فإن الأمثال يفهم بها المعاني الغائبة، وتصير كأنها محسوسة مشاهدة، عطف عليه قوله مؤكداً لإنكارهم أن يكون في القرآن بيان شاف وادعائهم أنه إنما هو شعر وكهانة وسحر: {ولقد ضربنا} على ما لنا من العظمة. ولما كان في سياق المفاضلة بين المتقي وغيره من أوائل السورة حين قال {أمن هو قانت} إلى أن ختم بقوله {أفمن يتقي بوجهه} وأسس ذلك كله على ابتداء الخلق من نفس واحدة، كانت العناية في هذا السياق بالمخاطبين أكثر، فقدم قوله: {للناس} أي عامة لأن رسالة رسولكم عامة. ولما كان المتعنت كثيراً، عين المحدث عنه بالإشارة التي هي أعرف المعارف، وجعلها ما يعبر به عن القرب، إشارة إلى أنه لما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم خلع القلوب وملأها، فلا حاضر فيها سواه وإن كان المعاند يقول غير ذلك فقوله زور وبهتان وإثم وعدوان، فقال: {في هذا القرآن} أي الجامع لكل علم. ولما كانت كلماته سبحانه لا تنفد وعجائبه لا تعد ولا تحد، وكان في سياق التعجيب من توقفهم قال {من كل مثل} أي يكفي ضربه في البيان لإقامة الحجة البالغة، ثم بين علة الضرب بقوله: {لعلهم يتذكرون *} أي ليكون حالهم بعد ضربه حال من يرجى تذكره بما ضرب له ما يعرفه في الكون في نفسه أو في الآفاق تذكراً واضحاً مكشوفاً - بما أرشد إليه الإظهار، فيتعظ لما في تلك الامثال المسوقة في أحسن المقال المنسوقة بما يلائمها من الأوضاع والأشكال من البيان وأوضح البرهان. ولما كان ذلك غاية في الشرف، دل على زيادة شرفه بحال مؤكدة دالة على شدة عنادهم، تسمى موطئه لأن الحال في الحقيقة ما بعدها بقوله: {قرآناً} أي حال كون ذلك المضروب جامعاً لكن ما يحتاج إليه، ويجوز أن يكون النصب على المدح {عربياً} جارياً على قوانين لسانهم في جمعه باتساعه ووضوحه واحتمال اللفظ الواحد منه لمعان كثيرة، فكيف إذا انضم إلى غيره فصار كلاماً. ولما كان الشيء قد يكون مستقيماً بالفعل وهو معوج بالقوة، قال تعالى: {غير ذي عوج} أي ليس بمنسوب إلى شيء من العوج ولا من شأنه العوج، فلا يصح أن يكون معوجاً أصلاً في شيء من نظمه ولا معناه باختلاف ولا غيره كما في آية الكهف سواء، وفي الإتيان بعوج الذي هو مختص بالمعاني بيان أن الوصف له حقيقة، فهو أبلغ من غير معوج، لأنه يحتمل إرادة أهله على المجاز. ولما كان التذكر بالتذكير لكونه أبلغ للوعظ حاملاً، ولا بد للعاقل على الخوف المسبب للنجاة قال: {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم بعد التذكير الناشىء عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} قال: يجر على وجهه في النار وهو مثل قوله {أية : أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة}تفسير : [فصلت: 40]. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينطلق به إلى النار مكتوفاً ثم يرمى فيها، فأول ما تمس وجهه النار.
ابو السعود
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ} الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليقِ لما قبلَه من تباينِ حالَيْ المُهتدي والضَّالَّ. والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ وحذفِ الخبرِ كالذي مرَّ في نظيريهِ. والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فمَن شأنُه أنَّه يقِي نفسَه بوجههِ الذي هو أشرفُ أعضائِه {سُوء ٱلْعَذَابِ} أي العذابَ السَّيءِ الشَّديدَ {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لكون يدهِ التي بها كان يتَّقي المكارَه والمخاوفَ مغلولةً إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى الاتّقاء بوجهٍ من الوجوهِ. وقيل نزلتْ في أبـي جهلٍ {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ} عطفٌ على يتَّقي أي ويقالُ لهم من جهةِ خَزَنةِ النَّارِ. وصيغةُ الماضِي للدِّلالةِ على التَّحقُّقِ والتَّقررِ وقيل: هو حالٌ من ضميرِ يتَّقي بإضمارِ قَدْ، ووضع المُظهر في مقام المُضمرِ للتَّسجيلِ عليهم بالظُّلم والإشعار بعلَّةِ الأمرِ في قوله تعالى {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي وبالَ ما كنتُم تكسبونَه في الدُّنيا على الدَّوامِ من الكفرِ والمعاصي.{كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ أصابَ بعضَ الكفرةِ من العذابِ الدنيويِّ إثرَ بـيانِ ما يُصيب الكلَّ من العذابِ الأخرويِّ. أي كذَّب الذين من قبلِهم من الأممِ السَّالفةِ. {فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ} المقدَّرُ لكلَّ أمَّةٍ منهم {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من الجهةِ التي لا يحتسبونَ ولا يخطرُ ببالِهم إتيانُ الشَّرِّ منها. {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ} أي الذُّلَّ والصَّغارَ {فِى ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} كالمسخِ والخسفِ والقتلِ والسَّبـي والإجلاءِ ونحوِ ذلك من فنون النَّكالِ. {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ} المعدِّ لهم {أَكْبَرَ} لشدَّتِه وسرمدَّيتهِ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كانَ من شأنِهم أنْ يعلمُوا شيئاً لعلمُوا ذلكَ واعتبرُوا به. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ} يحتاجُ إليه النَّاظرُ في أمورِ دينِه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} كي يتذكَّروا به ويتعَّظوا. {قُرْءاناً عَرَبِيّاً} حالٌ مؤكَّدةٌ من هذا على أنَّ مدارَ التَّأكيدِ هو الوصفُ كقولِك جاءني زيدٌ رَجُلاً صالِحاً أو مدحٌ له {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} لا اختلافَ فيه بوجهٍ من الوجوهِ فهو أبلغُ من المستقيمِ وأخصُّ بالمعانِي. وقيل: المرادُ بالعوجِ الشَّكُّ. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} علَّة أُخرى مترتِّبةٌ على الأولى. {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَـٰكِسُونَ} إيرادٌ لمثلٍ من الأمثالِ القُرآنيةِ بعد بـيانِ أنَّ الحكمةَ في ضربِها هو التَّذكُّر والاتِّعاظُ بها وتحصيلُ التَّقوى. والمرادُ بضربِ المثل هَهُنا تطبـيقُ حالةٍ عجيبةٍ بأُخرى مثلِها وجعلِها مثلَها كما مرَّ في سُورة بس ومثلاً مفعولٌ ثانٍ لضربَ ورجلاً مفعولُه الأوَّلُ أُخِّر عن الثَّانِي للتَّشويقِ إليه وليتَّصلَ به ما هُو من تتمتِه التي هي العُمدةُ في التَّمثيلِ وفيه ليسَ بصلةٍ لشركاءِ كما قيل بل هُو خبرٌ له وبـيانُ أنَّه في الأصلِ كذلكَ مَّما لا حاجةَ إليهِ. والجملةُ في حيِّزِ النَّصبِ على أنَّه وصفٌ لرجلاً أو الوصفُ هو الجارُّ والمجرورُ وشركاء مرتفعٌ به على الفاعليةِ لاعتمادِه على الموصوفِ فالمعنى جعلَ الله تعالى مثلاً للمشركِ ـ حسبَما يقودُ إليهِ مذهبُه من ادَّعاءِ كلَ من معبوديه عبوديتَه ـ عبداً يتشاركُ فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورُونه في مهمَّاتهم المتباينةِ في تحيُّرِه وتوزُّعِ قلبه {وَرَجُلاً} أي وجعل للموحِّد مثلاً رجلاً {سَلَـٰماً} أي خالصاً {لِرَجُلٍ} فردٍ ليس لغيره عليه سبـيل أصلاً. وقُرىء سَلْماً وسِلْماً بفتح السين وكسرِها مع سكون الَّلامِ. والكُلُّ مصادرٌ من سَلم له كذا أي خلُص نُعتَ به مبالغةً أو حُذف منها ذُو. وقِرىء سالماً وسالم، أي وهناك رجلٌ سالم. وتخصيصُ الرَّجُلِ لأنَّه أفطن لما يجري عليه من الضُّرِّ والنَّفعِ. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} إنكارٌ واستبعاد لاستوائِهما ونفيٌ له على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وإيذانٌ بأنَّ ذلك من الجلاء والظُّهور بحيث لا يقدرُ أحدٌ أنْ يتفوَّه باستوائِهما أو يتلعثم في الحُكم بتباينهما ضرورةَ أنَّ أحدهما في أعلى عِلِّيِّـينَ والآخرُ في أسفلِ سافلينَ. وهو السِّرُّ في إبهام الفاضلِ والمفضولِ وانتصاب مثلاً على التَّميـيزِ أي هل يستوي حالاهُما وصفتاهُما. والاقتصارُ في التَّميـيزِ على الواحد لبـيان الجنسِ. وقُرىء مَثَلين. كقوله تعالى: { أية : وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰدًا} تفسير : [سورة التوبة: الآية 6] للإشعارِ باختلاف النَّوعِ أو لأنَّ المرادَ هل يستويانِ في الوصفين على أنَّ الضَّميرَ للمثلينِ، لأنَّ التَّقديرَ مَثَلُ رجلٍ فيه الخ ومَثَلُ رجلٍ الخ. وقولُه تعالى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} تقريرٌ لما قبله من نفيِ الاستواءِ بطريقِ الاعتراضِ وتنبـيهٌ للموحِّدين على أنَّ ما لهُم من المزَّيةِ بتوفيقِ الله تعالى وأنَّها نعمةٌ جليلةٌ موجبةٌ عليهم أنْ يداومُوا على حمدِه وعبادتِه أو على أنَّ بـيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السَّوء صنعٌ جميلٌ ولطفٌ تامٌّ منه عزَّ وجلَّ مستوجبٌ لحمدِه وعبادتِه. وقولُه تعالى {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إضرابٌ وانتقالٌ من بـيان عدمِ الاستواءِ على الوجهِ المذكورِ إلى بـيانِ أنَّ أكثرَ النَّاسِ وهو المُشركون لايعلمونَ ذلك مع كمالِ ظُهورِه فيبقون في ورطةِ الشِّركِ والضَّلالِ.
القشيري
تفسير : أي فَمنْ يتقي بوجهه سوءَ العذاب كَمَنْ ليس كذلك؟ وقيل إنَّ الكافرَ يَلْقَى النارَ أَوَّلَ ما يلقاها بوجهه؛ لأنه يُرمَى فيها منكوساً. فأمَّا المؤمِن فيُوقَى ذلك؛ وإنما يُلَقَّى النضرة والسرور والكرامة؛ فوجهُهُ ضاحكٌ مُسْتَبْشِرٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفمن يتقى بوجهه} الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف ومن شرطية والخبر محذوف. والاتقاء بالفارسية [حذركردن وخود را نكاه داشتن] يقال اتقى فلان بكذا اذا جعله وقاية لنفسه والتركيب يدل على دفع شىء عن شىء يضره وتقدير الكلام أكل الناس سواء فمن شأنه وهو الكافر ان يقى نفسه بوجهه الذى هو اشرف اعضائه {سوء العذاب} اى العذاب السيىء الشديد: يعنى [زبانه آتش] كما فى تفسير الفارسى للكاشفى {يوم القيمة} لكون يده التى بها كان يتقى المكاره والمخاوف مغلولة الى عنقه كمن هو آمن وهو المؤمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج الى الاتقاء بوجه من الوجوه. وفى التأويلات النجمية {أفمن يتقى بـ} توجه {وجهه} لله {سوء العذاب} اى عذاب السيىء {يوم القيامة} ويدفعه به عن نفسه كمن لا يتقى ويظلم على نفسه {وقيل للظالمين} الذين وضعوا الكفر موضع الايمان والتكذيب موضع التصديق والعصيان موضع الطاعة وهو عطف على يتقى اى ويقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضى للدلالة على التحقيق ووضع المظهر فى مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والاشعار بعلة الامر فى قوله {ذوقوا} [بجشيد] {ما كنتم تكسبون} اى وبال ما كنتم تكسبونه فى الدنيا على الدوام من الكفر والتكذيب والمعاصى. وفى التأويلات النجمية اى ذوقوا ما كسبتم بافعالكم الرديئة واخلاقكم الدنيئة يعنى كنتم فى عين العذاب ولكن ما كنتم تجدون ذوقه لغلبة نوم الغفلة فاذا متم انتبهتم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وقيل}: عطف على "يتقي"، أو: حال من ضمير "يتقي"، بإضمار "قد". يقول الحق جلّ جلاله: {أفمَنْ يتقي بوجهِهِ} الذي هو أشرف أعضائه {سوء العذاب} أي: العذاب السيىء الشديد {يومَ القيامة} كمَن ليس كذلك، بل هو آمن، لا يعتريه مكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء، بوجه من الوجوه، وإنما كان يتقي النارَ بوجهه؛ لكون يده التي كان يتقي بها المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه. قال القشيري: قيل: إن الكافر يُلقى في النار، فيلقاها أولاً بوجهه؛ لأنه يُرمَى فيها منكوساً؛ فأما المؤمن المُوقَّى ذلك؛ فهو المُلقَّى بالكرامة، فوجهُهُ ضاحكٌ مُسْتَبْشرٌ. هـ. {وقيل للظالمين}: يقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقُّق. ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: {ذُوقوا ما كنتم تكسبون} أي: وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا، من الظلم بالكفر والمعاصي. {كذَّبَ الذين مِن قبلهم} من الأمم السالفة، {فأتَاهمُ العذابُ} المقرر لكل أمة {من حيث لا يشعرون} من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم إتيان الشر منها. {فأذاقهم اللهُ الخزيَ} أي: الذل والصغار {في الحياة الدنيا}، كالمسخ، والخسف، والقتل، والأسر، والإجلاء، وغير ذلك من فنون النكال، {ولعذابُ الآخرة} المعد لهم {أكبرُ}؛ لشدته ودوامه {لو كانوا يعلمون} أي: لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئاً لعلموا ذلك واعتبروا به. والآية، يحتمل أن تكون تهديداً لقريش، فالضمير في {قَبْلِهم} يعود إليهم؛ لأن قوله: {ومَن يُضلل الله}... إلخ تعرض بمَن أعرض عن كتابه من كفار قريش. وقال أبو السعود: هو استئناف، مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب، إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي. هـ. الإشارة: الوجه هو أشرفُ الأعضاء وإِمَامُها، فإن كانت في الباطن بهجة المحبة، أو سيما المعرفة، ظهرت عليه، فيتنورُ ويبتهج، وإن كانت ظلمة المعاصي، أو كآبة الحجاب، ظهرت عليه، وإن كانت غيبة في الحق أو سكرة، كان هو أول ما يغيب من الإنسان ويغرق، ثم تغيب البشرية في البحر المحيط، وهو بحر الأحدية. وقوله تعالى: {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون}، قال القشيري: أشدُّ العذاب ما يكون بغتةً، كما أن أتمَّ السرور ما يكون فلتةً. وفي الهجران والفراق والشدة ما يكون بغتةً غير متوقعة، وهو أنكى للفؤاد، وأشدُّ في التأثير، وأوجعه للقلوب، وفي معناه أنشدوا: شعر : فَبِتَّ بخيرٍ والدُّنى مطمئنةٌ فأصبحتَ يوماً والزمانُ تقَلُّبَا تفسير : وأتمُّ السرور وأعظمه تأثيراً ما يكون فجأة، حتى قال بعضهم: أشد السرور غفلة على غفلة، وأنشدوا: شعر : بينما خاطرُ المُنى بالتلاقي سابحٌ في فؤاده وفؤادي جمَعَ اللهُ بيننا فالتقيْنا هكذا بغتةً بلا ميعاد تفسير : ولمَّا بيَّن وبال مَن أعرض عن أحسن الحديث، بيَّن فضله وشرفه، فقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}.
الأعقم
تفسير : {أفمن يتقي بوجهه} الآية نزلت في أبي جهل {سوء العذاب يوم القيامة} أي يدفع شدة العذاب منه بوجهه وهو غاية الضرورة لأن الوجه أعز عضو من الانسان، وقيل: يده مغلولة إلى عنقه {وقيل للظالمين} والقائلون الخزنة {ذوقوا ما كنتم تكسبون أي وباله وجزاؤه {كذّب الذين من قبلهم} يعني قبل قريش من أمم الأنبياء مثل قوم نوح وعاد وثمود {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي من حيث لا يعلمون {فأذاقهم الله الخزي} الذل والهوان {في الحياة الدنيا} فخسف بعضهم وأغرق بعضهم ومسخ بعضهم {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} يعني أن العذاب المعدّ لهم أعظم {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} يعني ما قصّ من أخبار الأمم وما نزل بهم وما ذكر من المواعظ {لعلَّهم يتذكرون} أي لكي يتذكرون ويتدبرون فيها {قرآنا عربياً} يعني تلك الأمثال في القرآن بلغة العرب يفهموا ذلك {غير ذي عوج} يعني ليس فيه لبس ولا تناقص ولا يختلف ولا يكذب {لعلَّهم يتقون} أي ليتقوا الكفر والمعاصي {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه} شركاء {متشاكسون} هذا مثل للمؤمن والكافر، فمثل الكافر في عبادة الأصنام في عبد فيه شركاء {متشاكسون} متشاجرون على خدمته مختلفون وكل واحد يطالبه {ورجلاً سلماً} أي خالص، وذلك ضرب مثلاً للمؤمن في عبادة الله خالصاً، ووجه ذلك أن المشرك لا يجد من الله كرامة لأنه لا يعبده خالصاً، ولا من الأصنام، فهو كالعبد المشترك بين جماعة مختلفين، ومثل المؤمن الذي يعبد الله وحده في أنه يجد كرامته كعبد له مولاً وحده يتوفر على خدمته {هل يستويان مثلاً} أي لا يستوي حالهما {الحمد لله} الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود {بل أكثرهم لا يعلمون} فيشركون به غيره {إنك ميِّت وإنهم ميتون} كانوا يتربصون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبر أن الموت يعمّهم جميعاً {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} في الموضع الذي يحكم فيه المحق والمبطل والظالم والمظلوم.
الهواري
تفسير : قال: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ} أي: شدة العذاب {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يُجَرُّ على وَجهه في النار. وأول ما تصيب منه النار إذا ألقي فيها وجهه لأنه يكبّ على وجهه. خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة، أي: أهو خير، أم هذا المؤمن الذي لان جلده وقلبه إلى ذكر الله، أي: إنهما لا يستويان. قال: {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي: جزاء ما كنتم تعملون. قوله: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل قومك يا محمد {فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: جاءهم فجأة. قال: {فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: فأهلكهم بعذاب الخزي بتكذيبهم. {وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أَكْبَرُ} من عذاب الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي: لعلموا أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا.
اطفيش
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ} يحذر به يتحفظ به كما يقي بالدرقة* {سُوءَ الْعَذَابِ} أي شدته* {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وخبر من محذوف أي أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم العذاب يوم القيامة كمن أمن من العذاب بدخول الجنة أو كالمتنعم في الجنة وقدره ابن هشام كمن يتنعم في الجنة ومعنى الاتقاء بوجهه أنه تغل يداه ورجلاه الى عنقه فلا يبقى له ما يتقي به الا وجهه الذي هو أعز اعطاء وعليه كان يتقى بغيره وقيل المراد بالوجه الجملة وقيل يرمى به في النار منكوساً فأول ما يمس منه النار وجهه وقيل يجر على وجهه فيها وقيل: تغل يداه لعنقه وفى عنقه جبل عظيم من الكبريت فتشعل النار فيه. قلت يحتمل أن تكون الآية كناية عن كثرة العذاب يتقيه بجوارحه حتى وجهه وهذا أبلغ. وروي أنها نزلت في أبي جهل لعنه الله* {وَقِيلَ} أي قالت الخزنة وعبر عنه بالماضي لتحقق الوقوع* {لِلظَّالِمِينَ} مطلقاً وقيل كفار مكة والاصل وقيل لهم أي لمن لم يتق فعبر عنه بالظاهر ليصفهم بالظلم ويشعر بأن الظلم هو سبب للقول لهم* {ذُوقُواْ} وذلك أن الظالمين مشتق وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعليته* {مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي ذوقوا جزاء ما كسبتم من المعاصي ووباله
اطفيش
تفسير : {أفمنْ يتَّقي} كأبى جهل كما قيل نزلت فيه، والخبر محذوف يقدر بعد القيامة، هكذا عمن هو ناج، والهمزة عند ابن هشام مما بعد العاطف فى مثل هذا، وعلى دخولها على محذوف يقدر أكل الناس سواء، فمن شأنه أن يتقى أو استقبله أن يتقى {بوجْهه} وهو أعز أعضائه الظاهرة، وكان يتقى عنه فى الدنيا بسائر أعضائه لا وقاية له ترد عنه، ولا يجد أن يتقى بيديه، لأنهما غلتا الى عنقه، فيلقى فى النار مكبوبا، وفى عنقه صخرة كبريت تشتغل ناراً، ولا إشكال فى هذا، ودون ذلك أن يفسر الوجه بالجسد كله، تسمية للكل باسم البعض، ويظهر لى أن المراد باتقاء النار بوجهه أن النار تحيط به حتى عمت أعز الأعضاء اليه، وإلا فالاتقاء بالشىء اتقاء به غيره، مع أنه ليس المراد أن يتقى بوجهه عن غير وجهه، كما يتقى الضر باليد على الوجه، ولا أن يتقى بجسده كله من غير جسده، نعم يجوز اذا فسر الوجه أمكن أن يراد لا يتقى النار بجسده ببعضه من بعض، وذكر الظهر مع الوجه فى سورة الأنبياء أنسب أن يراد هنا خصوص الوجه. {سوء العذاب} من اضافة الصفة الى الموصوف أى بالعذاب السوء، لأنه كما يستعمل اسما يستعمل وصفا {يوم القيامة} متعلق بيتقى، أو بالعذاب {وقيل} أى ويقال: لكن لما كان لا بد منه كان كالواقع الماضى {للظالمين} أى لهم أى لمن يتقى بوجهه، ووضع الظاهر ليصفهم بالظلم الموجب لذوقه العذاب، كما قال الله عز وجل: {ذُوقوا} على الدوام، والتعبير بالذوق تلويح بأن العذاب لا يزال يزداد، أو عبارة عن الشروع فى العذاب، وكذا فى غير هذا المحل {ما كُنْتم تَكْسِبُون} فى الدنيا، أى جزاءه، وذكر عذاب بعض الكفار فى الدنيا بعد ذكر عذاب الكل فى الآخرة بقوله تعالى: {كذَّب الَّذينَ مِن قَبْلهم} من الأمم {فأتاهم} أتى كل أمة منهم {العَذَاب} الذى قدر لها وتستحقه {مِنْ حيثُ لا يشْعُرون} أى من جهة عدم الشعور بزمانه ولا بمكانه، وذلك أشد على النفس فحيث هنا بمعنى شامل للمكان والزمان.
الالوسي
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تباين حال المهتدي والضال. والكلام في الهمزة والفاء والخبر كالذي مر في نظائره، ويقال هنا على أحد القولين: التقدير أكل الناس سواء فمن شأنه أن يتقي بوجهه الذي هو أشرف أعضائه يوم القيامة العذاب السيء الشديد لكون يده التي بها كان يتقي المكاره مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى الاتقاء بوجه من الوجوه فالوجه على حقيقته وقد يحمل على ذلك من غير حاجة إلى حديث كون اليد مغلولة تصويراً لكمال اتقائه وجده فيه وهو أبلغ، وفي هذا المضمار يجري قول الشاعر: شعر : / يلقى السيوف بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفر تفسير : وجوز أن يكون الوجه بمعنى الجملة والمبالغة عليه دون المبالغة فيما قبله. وقيل: الاتقاء بالوجه كناية عن عدم ما يتقي به إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له لأنه مما لا يتقى به، ولا يخلو عن خدش. وإضافة سوء إلى العذاب من إضافة الصفة إلى الموصوف و {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } معمول {يَتَّقِي} كما أشرنا إلى ذلك. وجوز أن يكون من تتمة سوء العذاب، والمعنى أفمن يتقي عذاب يوم القيامة كالمصر على كفره، وهو وجه حسن والوجه حينئذ كما في الوجه السابق إما الجملة مبالغة في تقواه وإما على الحقيقة تصويراً لكمال تقواه وجده فيها وهو أبلغ. والمتبادر إلى الذهن المعنى السابق. والآية قيل نزلت في أبـي جهل. {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ } عطف على {يَتَّقِي} أي ويقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق والتقرر. وقيل الواو للحال والجملة حال من ضمير {يَتَّقِى } بإضمار قد أو بدونه. ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعلة الأمر في قوله تعالى: {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي وبال ما كنتم تكسبون في الدنيا على الدوام من الكفر والمعاصي.
ابن عاشور
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}. الجملة اعتراض بين الثناء على القرآن فيما مضى وقوله الآتي: {أية : ولقدَ ضَربْنَا للنَّاسِ في هذا القُرآنِ من كُل مَثَلٍ}تفسير : [الزمر: 27]. وجعلها المفسرون تفريعاً على جملة {أية : ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هادٍ}تفسير : [الزمر: 23] بدلالة مجموع الجملتين على فريقين: فريق مهتد، وفريق ضالٍ، ففرع على ذلك هذا الاستفهام المستعمل في معنى مجازي. وجعل المفسرون في الكلام حذفاً، وتقدير المحذوف: كمن أمن العذاب أو كمن هو في النعيم. وجعلوا الاستفهام تقريرياً أو إنكارياً، والمقصود: عدم التسوية بين من هو في العذاب وهو الضالّ ومن هو في النعيم وهو الذي هداه الله، وحُذف حال الفريق الآخر لظهوره من المقابلة التي اقتضاها الاستفهام بناء على أن هذا التركيب نظير قوله: {أية : أفمَنْ حقَّ عليهِ كلمةُ العذابِ}تفسير : [ الزمر: 19] وقوله: {أية : أفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلاَمِ}تفسير : [ الزمر: 22]، والقول فيه مثل القول في سابقه من الاستفهام وحذف الخبر، وتقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، لأن الله أضله كمن أمن من العذاب لأن الله هداه، وهو كقوله تعالى: {أية : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله}تفسير : [محمد: 14]. والمعنى: أن الذين اهتدوا لا ينالهم العذاب. ويجوز عندي أن يكون الكلام تفريعاً على جملة {أية : وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}تفسير : [الزمر: 23] تفريعاً لتعيين مَا صْدِق (مَنْ) في قوله: {ومن يُضْلِل الله فما له من هَادٍ} ويكون {من يتقي}خبراً لمبتدأ محذوف، تقديره: أفهو من يتقي بوجهه سوء العذاب، والاستفهام للتقرير. والاتقاء: تكلف الوقاية وهي الصون والدفع، وفعلها يتعدى إلى مفعولين، يقال: وقى نفسه ضربَ السيف، ويتعدّى بالباء إلى سبب الوقاية، يقال: وقى بترسه، وقال النابغة:شعر : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولْته واتَّقتنا باليد تفسير : وإذا كان وجه الإنسان ليس من شأنه أن يُوقى به شيء من الجسد، إذ الوجه أعزّ ما في الجسد وهو يُوقَى ولا يُتقى به فإن من جبلِّة الإِنسان إذا توقع ما يصيب جسده ستر وجهه خوفاً عليه، فتعين أن يكون الاتقاء بالوجه مستعملاً كناية عن عدم الوقاية على طريقة التهكم أو التلميح، فكأنه قيل: من يطلب وقاية وجهه فلا يجد ما يقيه به إلا وجهه، وهذا من إثبات الشيء بما يشبه نفيه، وقريب منه قوله تعالى: {أية : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل}تفسير : [الكهف: 29]. و {سُوءَ العَذَابِ} منصوب على المفعولية لفعل {يَتَّقِي}. وأصله مفعول ثان إذ أصله: وَقَى نفسه سوءَ العذاب، فلما صيغ منه الافتعال صار الفعل متعدياً إلى مفعول واحد هو الذي كان مفعولاً ثانياً. {وَقِيلَ لِلظَّـلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تكسبون} يجوز أن يكون {وَقِيلَ} عطفاً على الصلة. والتقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، وقيل لهم فإن (مَن) مراد بها جمْع، والتعبير بــــ {الظالمين} إظهار في مقام الإِضمار للإِيماء إلى أن ما يلاقونه من العذاب مسبب على ظلمهم، أي شركهم. والمعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب فلا يجد وقاية تنجيه من ذوق العذاب فيقال لهم: ذُوقوا العذاب. ويجوز أن يكون المراد بــــ{الظالمين} جميع الذين أشركوا بالله من الأمم غير خاص بالمشركين المتحدث عنهم، فيكون {الظالمين} إظهاراً على أصله لقصد التعميم، فتكون الجملة في معنى التذييل، أي ويقال لهؤلاء وأشباههم، ويظهر بذلك وجه تعقيبه بقوله تعالى: {أية : كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم}تفسير : [الزمر: 25]. وجاء فعل {وَقِيلَ} بصيغة المضيّ وهو واقع في المستقبل لأنه لتحقق وقوعه نزل منزلة فعل مضَى. ويجوز أن يكون جملة {وقِيلَ للظٰلِمِينَ} في موضع الحال بتقدير (قد) ولذلك لا يحتاج إلى تأويل صيغة المضيّ على معنى الأمر المحقق وقوعه. والذوق: مستعار لإِحساس ظاهر الجسد لأن إحساس الذوق باللسان أشد من إحساس ظاهر الجلد فوجه الشبه قوة الجنس. والمذوق: هو العذاب فهو جزاء مَا اكتسبوه في الدنيا من الشرك وشرائعه، فجعل المذوق نفس ما كانوا يكسبون مبالغة مشيرة إلى أن الجزاء وفق أعمالهم وأن الله عادل في تعذيبهم. وأوثر {تَكْسِبُونَ} على (تعملون) لأن خطابهم كان في حال اتقائهم سوءَ العذاب ولا يخلو حال المعذّب من التبرم الذي هو كالإِنكار على معذِّبه. فجيء بالصلة الدالة على أن ما ذاقوه جزاء ما اكتسبوه قطعاً لتبرمهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب: أي يتلقى العذاب بوجهه لا شيء يقيه منه كمن أمن. سوء العذاب: أقساه وأشده. وقيل للظالمين: أي المشركين في جهنم. ذوقوا ما كنتم تكسبون: أي جزاء كسبكم الشر والفساد. كذب الذين من قبلهم: أي من قبل أهل مكة. فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون: أي من حيث لا يدرون أنه آتيهم منه. أو من حيث لا يخطر ببالهم. فأذاقهم الله عذاب الخزي: أي المسخ والذل والإِهانة. ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون: أي لو كانوا يعلمون ذلك ما كذبوا ولا كفروا. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير البعث والجزاء فقوله تعالى {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} يوم القيامة إذ ليس له ما يتقي به العذاب لأن يديه مغلولتان إلى عنقه فهو يتلقى العذاب بوجهه وهو أشرف أعضائه أفهذا الذي يتلقى العذاب بل سوء العذاب كمن أمن العذاب ودخل الجنة؟ والجواب لا يستويان. وقوله تعالى {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ} أي المشركين وهم في النار يقول لهم زبانية جهنم توبيخاً لهم وتقريعاً ذوقوا ما كنتم تكسبون من أعمال الشرك والمعاصي هذا جزاؤه فذوقوه عذاباً أليما. وقوله تعالى {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي كذب قبل أهل مكة أُمم وشعوب كذبوا رسلهم فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا وذلك كالذل والمسخ والقتل والأسر والسبي ولعذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وهم صائرون إليه لا محالة وقوله {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كانوا يعلمون عنه علما يقينيا ما كذبوا رسلهم ولا كفروا بربهم. فهلكوا بجهلهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير البعث والجزاء بذكر شيئ من أحوال يوم القيامة. 2- تهديد قريش على إصرارها على التكذيب للرسول وما جاءها به من الإِسلام. 3- العذاب على التكذيب والمعاصي منه الدنيوي، ومنه الآخروي. 4- لو علم الناس عذاب الآخرة علما يقينا ما كذبوا ولا كفروا ولا ظلموا فالجهل هو سبب الهلاك والشقاء دائماً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} {لِلظَّالِمِينَ} (24) - لاَ يَسْتَوِي المُجْرِمُونَ وَالمُتَّقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَالمُجْرِمُونَ الكَافِرُونَ يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ وأَيْدِيهِمْ مَغْلُولَةٌ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَدْفَعُوا بِهَا سُوءَ العَذَابِ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُضْطَرُّونَ إِلَى تَلَقِّي العَذَابِ بِوُجُوهِهِمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ تَبكيتاً وَتَقْرِيعاً: ذُوقُوا العَذَابَ الأَلِيمَ جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَإِجْرَامِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَمَّا المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ فَيَأْتُونَ يَومَ القِيَامَةِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى اتِّقَاءِ مَحْظُورٍ مَخُوفٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الاستفهام في (أفمن) مثل سابقه في قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ..} تفسير : [الزمر: 22] لذلك لا بدّ أن نقدر هنا المقابل، فالمعنى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الزمر: 24] أي: كمن لا يعذب، ويمكن أنْ نرقي المسألة فنقول: كمن يُنعّم؟ ولك أنت أن تحكم. ومعنى {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [الزمر: 24] أي: العذاب الشديد السيئ، وتأمل {يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [الزمر: 24] معلوم أن الوجه أشرف أعضاء الإنسان، وبه تتميز سمات الخلق؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} تفسير : [الفتح: 29]. ولولا سمات الوجوه لتساوت الأبدان وتشابهت بعضها ببعض، لذلك يهتم الإنسان بوجهه ويدافع عنه ويحميه أولاً، ومثّلنا لذلك برجل يسير في الطريق، فمرّت بجواره سيارة مثلاً نثرت عليه وعلى ملابسه الطين، بالله ما أول شيء يحرص على نظافته وإزالة الأذى عنه؟ إنه يمسح أول ما يمسح وجهه، ثم يلتفت إلى ملابسه، لأن الوجه هو أشرف الأعضاء وأشهرها وأكرمها، وهو المُحَافَظ عليه قبل كل الجوارح. إذن: ما بالك بعذاب لا يجد الإنسان ما يتقيه به إلا وجهه؟ نعم يتقي العذاب بوجهه، لأن يديه مغلولة، وقدمه مُكبلة، فلا مهربَ له ولا خلاصَ، فلا يملك إلا أنْ يتقي العذاب ويدفعه عن نفسه بأعزّ ما يملك، وبأشرف أعضائه وهو الوجه. {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24] قوله في العذاب (ذُوقُوا) تهكم بهم، واختار الذوق وهو جارحة من الجوارح التي تؤدي مهمة في جسم الإنسان مثل العين والأذن، إنما اختار الذوق خاصة، لأن الذوقَ هو الحاسة الملازمة للإنسان، وبه قوام الحياة، حيث بالتذوق ندخل الطعام والشراب، ونتمتع به ونجد له لذة تفوق الملاذّ الأخرى. أما العين والأذن مثلاً، فقد ترَى أو تسمع ما لا يعجبك، أما في التذوق فإنك تختار ما يعجبك وتجد له لذة، وهنا يريد الحق سبحانه أن يعمم الذوق في الجسم كله، فجميع البدن يذوق العذاب. وقلنا: إن اللسان هو جارحة التذوق بمراحله وما حوله يذوق ويُميِّز الطعوم، فإذا ما تجاوز الطعامُ هذه المنطقة فلا يشعر الإنسان له بأيِّ مذاق، ولذلك رأينا صناع الدواء يُغلفون الدواء المرّ بمادة مُستساغة مقبولة، تساعد على مرور الدواء من منطقة التذوق دون أنْ نشعر بمرارته. وإذا نظرتَ إلى الجوارح كلها تجد أنها مُتعلقة بالغير، فأنا أسمع غيري وأرى غيري، وألمس غيري أو بعضي، أما الذوق فخاص بالإنسان نفسه، فلا يذوق إنسانٌ لآخر؛ لذلك اختار الله سبحانه هذه الجارحة في إظهار شدة العذاب وألمه {ذُوقُواْ} [الزمر: 24] وفي موضع آخر (ذُقْ). لا رؤية ولا سماع ولا شم ولا لمس، إنما بالذوق الذي هو خاص بصاحبه، وكأن لكل واحد منهم مذاقاً يناسب عذابه. وإذا كان للذوق منطقة خاصة هي اللسان بمراحله وما حوله، فالذوق هنا أراده الله عاماً وشاملاً، ليس في منطقة الذوق، ولكن الجسم كله يذوق العذاب، بدليل قوله سبحانه: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56] فالإذاقة هنا تعدَّت منطقة الذوق إلى الجسم كله. وإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى - بالاعتبار - في القرية التي كانت آمنة مطمئنة فكفرتْ بأنْعُم الله، قال الله فيها: {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ..} تفسير : [النحل: 112] فكأن الإذاقة تلبسهم وتحيط بهم من كل ناحية. والشعراء عادة حينما يبالغون في شيء يُعدّونه من منطقة الحِسِّ له إلى كل المناطق، وقد اعتاد الشعراء على ذكر القلب، وأنه محلُّ الحب، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : وَدَاعٍ دَعَا إذْ نَحْنُ بالخِيف مِنْ مِنَى فَهَيّجَ أحْزَانَ الفُؤادِ ومَا يَدْري دَعَا باسْم لَيْلَى غيرها فَكَأنَّمَا أَهَاجَ بِلَيْلَى طَائِراً كانَ فِي صَدْري تفسير : وقال الآخر: شعر : كأنَّ القلبَ لَيْلَة قِيلَ يُغْدَى بِلَيْلَى العَامِرية أوْ يُرَاحُ قطاةٌ عزَّها شَرَكٌ فَبَاتتْ تجاذبه وقَدْ عَلَقَ الجنَاحُ تفسير : أما الشاعر الذي أراد المبالغة في هذه المسألة فقال: شعر : خَطَراتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَودَّتِي فَأُحِسُّ مِنْها فِي الفُؤَادِ دَبِيبا لاَ عُضْو لِي إِلاَّ وَفيهِ صَبابةٌ فَكأنَّ أعْضائي خُلِقْنَ قُلُوبَا تفسير : فالحب عنده تَعدَّى مَنطقته، حتى صار في كل أعضائه وجوارحه، وهكذا تتعدى الإذاقةُ منطقة الذَّوْق لتشملَ الجسم كله. لذلك كان قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56] آيةً من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مع أن الإعجاز باللغة والأسلوب والفصاحة خاص بالعرب، أما غير العربي فله إعجاز آخر يناسبه إعجاز بأن يأتي له القرآن بأقضية، لم تكن تخطر على البال ساعةَ نزول القرآن، ولم يعرفها العلم طوال قرون. والآن وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً من نزول القرآن يثبت العلم الحديث أن ما أخبر به الحق سبحانه في قرآنه هو الحق، وأنه سبحانه هو العَالِم بما يكون في كَوْنِ الله باختيار خَلْق الله. قلنا: إنه لما انتهت الحرب العالمية الأولى وانهزمتْ ألمانيا جاء أحد علماء الاقتصاد بها ويسمى (شاخت)، وأراد أن يرفع من شأن بلاده، وأن ينهض بها بعد الهزيمة، ولما لم يتمكن من الخدمة في الجيش لأنه كان أعرجَ فأعمل عقله في خدمة بلاده، وشجّع البحث العلمي فيها إلى أن توصلوا إلى اختراع أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما يسميه الفلاسفة والمراد به الذرَّة. فلما نجحوا في تفتيت الذرة، وأصبح لها أجزاء أصغر منها أخذها أعداء الإسلام فرصةً للطعن في صِدْق القرآن الكريم، فقالوا لقد ضرب الله مثلاً لأصغر شيء بالذرة في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8] وها هو العلم يكتشف ما هو أصغر من الذرة. لكن سرعان ما فتح الله على أهل العلم فردٌّوا عليهم وقالوا لهم: تمهلوا واقرأوا القرآن كله، ولا تأخذوا منه ما يؤيد تهجمكم عليه، ففي آية أخرى قال الله تعالى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61]. إذن: في القرآن احتياطٌ لهذه المسألة، فلم يقل صغير بل أصغر من الصغير، فمهما حدث من تفتيت، ففي القرآن احتياط له. ومن إعجاز القرآن لغير العرب هذه الآيات العلمية التي يكتشفونها، فإذا بالقرآن يسبقهم إليها، ومن ذلك مثلاً مسألة مراكز الإحساس في الجسم، أولاً قالوا: المخ هو مركز الإحساس، وقال آخرون: بل النخاع الشوكي، بدليل أن الإنسان يُحِس بأشياء مع أنها لم تلمس جسمه، كما لو وضعت أصبعك مثلاً مقابل عيْن إنسان، فإنه يغلق عينه تلقائياً. ثم لما تأملوا الإبرة أو الحقنة تُعطَى للمريض مثلاً، فإنه لا يشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، فقالوا: إذن: الجلد هو مركز الإحساس، وهذا هو ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56]. وقوله تعالى: {مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24] مادة (كسب) في القرآن الكريم جاءت كما قلنا على صيغتين: كسب واكتسب، وقد بيَّن الحق سبحانه متعلق كل منهما في قوله تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ..} تفسير : [البقرة: 286] فكسب للخير واكتسب للشر؛ لأن كسب على وزن فعل، والخير يأتي من صاحبه طبيعياً لا تكلُّف فيه ولا افتعال، أما اكتسب فعلى وزن افتعل فيها افتعال، والافتعال لا يكون إلا في الشر، فالخير لا يحتاج منك إلى حيل وافتعال، بل يأتي طبيعياً على خلاف الشر. وقد أوضحنا هذه المسألة بالرجل يجلس مع زوجته وبناته، وينظر إلى جمالهن نظراً طبيعياً لا يحتاط فيه لشيء ولا يخشى فيه شيئاً، أما إن أراد أن ينظر إلى امرأة جميلة في الشارع مثلاً، فإنه يتلصص لذلك ويحتال، هذا هو الافتعال. لكن القرآن الكريم خالف هذه القاعدة في مواضع، منها هذه الآية {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24] ولم يقل تكتسبون، فاستخدم كسب في الشر، وفي موضع آخر أيضاً قال: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة: 81]. فلماذا عَدَل القرآن عن اكتسب إلى كسب؟ قالوا: لأن الإنسان والعياذ بالله قد يتعوّد المعصية ويألف المخالفة حتى تصير له عادة يفعلها فِعْلاً طبيعياً ويأنس بها وكأنها طاعة، وهذا الذي نسميه (فاقد) ولأنه ألفها وتعوَّد عليها بل ويفرح بها عبَّر القرآنُ عنها بكسب التي هي للخير، ونقل الاكتساب إلى محل الكسب. لذلك فرَّق القرآن بين مَنْ يفتعل المعصية ويقصدها ويسعى إليها، ومَنْ تقع عليه المعصية دون إعداد لها، واقرأ قول الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [النساء: 17-18]. معنى (بِجَهَالَةٍ) أي: من غير قصد لها ولا ترتيب ولا بحث عنها، وإنْ حدث منهم السوء لا يفرحون به، بل يألمون ويندمون، أما النوع الآخر فيرتكب السيئات عن قصد ولا يبالي، وربما فرح بها وجاهر بها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [الزمر: 24] عن نفسه {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الزمر: 24]؛ أي: عذاب يوم القيامة كمن لا يتقي ويظلم على نفسه، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24]؛ أي: ذوقوا عذاب ما كسبتم بأفعالكم الردية، وأخلاقكم الدنية؛ يعني: كنتم في غير العذاب، ولكن ما كنتم تجدون ذوقه لغلبة نوم الغفلة، فإذا متم أنبئتم، والذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى: {أية : نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}تفسير : [مريم: 72]، {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزمر: 25]؛ أي: أتاهم العذاب في صورة الصحة والنعمة والسرور، وهم لا يشعرون أنه العذاب، وأشد العذاب ما يكون بفتنة، كما أن أتم السرور ما يكون صلة، وأوجع تأثير الفراق للقلب ما يكون بغتة غير متوقفة، وفي معناه قيل: شعر : فبتنا بخير والدنيا مطمئنة وأصبحت يوماً والزمان تقلبا تفسير : وبقوله: {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26]، يشير إلى أنه تعالى أذاقهم عذاب الخزي والهوان في الدنيا وهو العذاب الأدنى؛ ليعلموا أن عذاب الآخرة أكبر فيتحرزوا عنه، ويرجعوا إلى ربهم بالتوبة والإنابة. ثم أخبر عن ضرب الأمثال بشرح الأقوال بقوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27]، يشير إلى أن أحوال العباد واشتغالهم بالدنيا، وتعلقاتهم بها وبالأهالي واحتجابهم عنا، نوضحها لهم بضرب الأمثال المتناسبة في القرآن {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] أحوالهم لما كانت أرواحهم في جوارنا مفردة عن هذه التعلقات الشاغلات، متوجهه إلى حضرتنا منتفعة بشواهد ألطافنا، فيشتاقون إلى تنسم روائح نفحات ألطافنا، فيتعرضون لها بالتجريد والتفريد؛ ليصلوا إلى حقيقة التوحيد متمسكين بحبل كلامنا. {قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الزمر: 28] منزلاً من عندنا {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28]؛ أي: صراطاً مستقيماً إلى حضرتنا، {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42]، {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] به عما سوانا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أفيستوي هذا الذي هداه اللّه، ووفقه لسلوك الطريق الموصلة لدار كرامته، كمن كان في الضلال واستمر على عناده حتى قدم القيامة، فجاءه العذاب العظيم فجعل يتقي بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، وأدنى شيء من العذاب يؤثر فيه، فهو يتقي فيه سوء العذاب لأنه قد غلت يداه ورجلاه، { وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ } أنفسهم، بالكفر والمعاصي، توبيخا وتقريعا: { ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } { كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من الأمم كما كذب هؤلاء، { فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ } جاءهم في غفلة أول نهار، أو هم قائلون. { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ } بذلك العذاب { الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فافتضحوا عند اللّه وعند خلقه { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فليحذر هؤلاء من المقام على التكذيب، فيصيبهم ما أصاب أولئك من التعذيب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):