Verse. 4083 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

كَذَّبَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ فَاَتٰىہُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُوْنَ۝۲۵
Kaththaba allatheena min qablihim faatahumu alAAathabu min haythu la yashAAuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم في إتيان العذاب «فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون» من جهة لا تخطر ببالهم.

25

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } رسلهم في إتيان العذاب {فَأَتَٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من جهة لا تخطر ببالهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} فجأة، أو من مأمنهم.

القشيري

تفسير : أَشدُّ العذابِ ما يكون بغتةً، كما أَنَّ أتمَّ السرور ما يكون فلتةً. ومن الهجران والفراق ما يكون بغتةً غير متوقع، وهو أنكى للفؤاد وأشدُّ وأوجعُ تأثيراً في القلب، وفى معناه قلنا: شعر : فَبِـتَّ بخيــرٍ والدُّنـى مطمئنـةٌ وأَصبحـتَ يـوماً والزمـانُ تَقَلَّبَـا تفسير : وأتمُّ السرورِ وأعظمه تأثيراً ما يكون فجأة، قال قائلهم: شعر : بينما خاطر المُنى بالتلاقـــي سابـح في فــؤاده وفــؤادي جَمَع اللَّهُ بيننــا فالتــقينـا هـــــكذا صُــــدْفــةً بــلا ميــــعادِ

اسماعيل حقي

تفسير : {كذب الذين} من الامم السابقة الذين جاؤا {من قبلهم} اى من قبل كفار مكة يعنى كذبوا انبياءهم كما كذبك قومك {فاتاهم العذاب} المقدر لكل امة منهم: وبالفارسية [بس آمد بديشان عذاب الهى] {من حيث لا يشعرون} من الجهة التى لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم اتيان العذاب والشر منها بينا هم آمنون رافهون اذ فوجئوا من مأمنهم فمعنى من حيث لا يشعرون اتاهم العذاب وهم آمنون فى انفسهم غافلون عن العذاب. وقيل معناه لا يعرفون له مدفعا ولا مردا. وفى التأويلات النجمية اى اتاهم العذاب فى صورة الصحة والنعمة والسرور وهم لا يشعرون انه العذاب واشد العذاب ما يكون غير متوقع

الجنابذي

تفسير : {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل لهم نظير فى تكذيبهم؟ - فقال تعالى: {كذّب الّذين من قبلهم} {فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفصيل لعذابهم الآتى يعنى اتاهم العذاب فاذاقهم الله ذلك العذاب بالمسخ او الخسف او القتل او الاجلاء او السّبى او النّهب او البلايا الواردة الالهيّة فانّها ان كانت نعمة بالنّسبة الى المؤمنين كانت نقمةً بالنّسبة الى المنافقين والكافرين {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ} فانّ عذاب الدّنيا وان كان اشدّ ما يكون يكون جزءً من سبعين جزءً من عذاب الآخرة {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} لاجتنبوا او لفظة لو للتّمنّى.

اطفيش

تفسير : {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الرسل قيل أي من قبل كفار مكة فهذا دليل على أن المراد بالظالمين كفارها. {فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي من جهة لا تخطر ببالهم ولا يعلمون أنه يأتيهم منها فقد أتاهم منها فجأة غافلين

الالوسي

تفسير : {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب الدنيوي إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي أي كذب الذين من قبلهم من الأمم السالفة {فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ } المقدر لكل أمة منهم {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم إتيانه منها لأن ذلك أشد على النفس.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لأن ما ذكر قبله من مصير المشركين إلى سوء العذاب يوم القيامة ويوم يقال للظالمين هم وأمثالهم: {أية : ذوقوا ما كنتم تكسبون}تفسير : [الزمر: 24]، يثير في نفوس المؤمنين سؤالاً عن تمتع المشركين بالنعمة في الدنيا ويتمنون أن يعجل لهم العذاب فكان جواباً عن ذلك قولُه: {كذَّبَ الذين من قبلهم فأتاهم العذابُ من حيثُ لا يشعرونَ}، أي هم مظنة أن يأتيهم العذاب كما أتى العذابُ الذين مَن قبلهم إذ أتاهم العذاب في الدنيا بدون إنذار غيرَ مترقبين مجيئه، على نحو قوله تعالى: {أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم}تفسير : [يونس: 102]، فكان عذاب الدنيا خزياً يخزي به الله من يشاء من الظالمين، وأما عذاب الآخرة فجزاء يَجزي به الله الظالمين على ظلمهم. والفاء في قوله: {فأتاهم العذابُ} دالّة على تسبب التكذيب في إتيان العذاب إليهم فلما ساواهم مشركو العرب في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم كان سبب حلول العذاب بأولئك موجوداً فيهم فهو منذر بأنهم يحلّ بهم مثل ما حلّ بأولئك. وضمير {مِن قَبْلِهم} عائد على {أية : أفمَن يتَّقِي بوجهه سُوءَ العَذَابِ}تفسير : [ الزمر: 24] باعتبار أن معنى (مَن) جمع. وفي هذا تعريض بإنذار المشركين بعذاب يحلّ بهم في الدنيا وهو عذاب السيف الذي أخزاهم الله به يوم بدر. فالمراد بالعذاب الذي أتى الذين من قبلهم: هو عذاب الدنيا، لأنه الذي يوصف بالإِتيان من حيث لا يشعرون. و {حيثُ} ظرف مكان، أي جاء العذابُ الذين من قبلهم من مكان لا يشعرون به؛ فقوم أتاهم من جهة السماء بالصواعق، وقوم أتاهم من الجو مثل ريح عاد، قال تعالى: {أية : فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم}تفسير : [الأحقاف: 24]، وقوم أتاهم من تحتهم بالزلازل والخسف مثل قوم لوط، وقوم أتاهم من نبع الماء من الأرض مثل قوم نوح، وقوم عم عليهم البحر مثل قوم فرعون. وكان العذاب الذي أصاب كفار قريش لم يخطر لهم ببال، وهو قطع السيوف رقابهم وهم في عزة من قومهم وحرمة عند قبائل العرب ما كانوا يحسبون أيدياً تقطع رقابهم كحال أبي جهل وهو في الغَرغرة يوم بدر حين قال له ابن مسعود: أنت أبَا جهل؟ فقال: «وهل أعمد من رجل قتله قومه». واستعارة الإِذاقة لإِهانة الخزي تخييلية وهي من تشبيه المعقول بالمحسوس. وعطف عليه {ولعذاب الآخرة أكبر} للاحتراس، أي أن عذاب الآخرة هو الجزاء، وأما عذاب الدنيا فقد يصيب الله به بعض الظلمة زيادة خزي لهم. وقوله: {لو كانوا يعلمون} جملة معترضة في آخر الكلام. ومفعول {يَعْلَمُونَ} دل عليه الكلام المتقدم، أي لو كان هؤلاء يعلمون أن الله أذاق الآخرين الخزي في الدنيا بسبب تكذيبهم الرسل، وأن الله أعدّ لهم عذاباً في الآخرة هو أشد. وضمير {يَعْلَمُونَ} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {قَبْلِهِمْ}. وجواب {لو} محذوف دل عليه التعريض بالوعيد في قوله: {كَذَّبَ الذين من قَبْلِهم} الآية، تقديره: لو كانوا يعلمون أن ما حلّ بهم سببه تكذيبهم رسلهم كما كذّب هؤلاء محمداً صلى الله عليه وسلم. ووصف عذاب الآخرة بــــ {أكبر} بمعنى: أشد فهو أشد كيفية من عذاب الدنيا وأشد كمية لأنه أبدي.

القطان

تفسير : غير ذي عوج: مستقيم على الحق، لا اختلاف فيه. متشاكسون: مختلفون يتنازعون. سلما: خالصا لسيد واحد لا ينازعه فيه احد. ميت: ستموت. وميْت باسكان الياء: الذي مات. تختصمون: تتجادلون. ثم يعرض الكتابُ حال المكذّبين لرسول الله ويذكر ما جرى للمكذّبين من الأمم الماضية قبلهم لعلّهم يتعظون ويرجعون عن كفرهم وجحودهم. ان بعض الأمم الماضية كذّبت رسُلَها في الدنيا فأتاها العذابُ من حيث لا تَحتسِب ولا يخطر لها على بال. فأذاقهم الله الذلّ والصَّغار في الدنيا، وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الاكبر {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} ولكنهم عن ذلك كله غافلون. ولقد بينّا للناس في هذا القرآن من كل مثل يذكّرهم بالحق {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، وأنزلناه قرآنا عربياً بلسانه ليفهموه، ولكنه إنسانيُّ للناس كافة لا يحدُّه زمانٌ ولا مكان. وهو {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} بل مستقيم في مبناه ومحتواه. وبعد ان ذكر الحكمة في ضرب الامثال للناس، جاء بمثل هنا فيه عبرة فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. ان المشرك الذي يعبد اكثر من إله هو أشبه بعبدٍ مملوك لجماعة مختلفين متشاكسين فيه فلا يتفقون على شيء، ولا يستطيع هو تلبية طلبات الجميع. اما المؤمن الموحِّد الذي يعبد إلهاً واحداً فهو أشبه ما يكون بعبد يمتلكه رجل واحد، فالاثنان لا يستويان ابدا. الحمد لله على إقامة الحجة على الناس، ولكن أكثرهم لا يعلمون الحق. ثم بين الله تعالى ان مصير الجميع اليه، وان النبي الكريم ميت وهم ميتون، وانهم يختصمون يوم القيامة بين يديه وهو الحَكَم العدل، يجازي كلاًّ على ما قدم. قراءات: قرا ابن كثير وابو عمر: ورجلا سالما: بمعنى خالصا. والباقون: سَلَما.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأَتَاهُمُ} (25) - كَذَّبَتِ الأُمَمُ السَّابِقَةُ رُسَلَهَا فَصَبَّ اللهُ العَذَابَ عَلَى الذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَأَخَذَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله سبحانه: {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [الزمر: 25] أي: من الأمم السابقة {فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ ..} [الزمر: 25] أي: عذاب الدنيا بهزيمتهم ونُصْرة الدين الذي كانوا يحاربونه ويصادمونه، وهذه أيضاً هي التي حدثتْ للكافرين، حيث نصر الله الإسلام، وأظهر مبادئه وقضاياه على مبادئ الكفر، وهذا في حَدِّ ذاته لَوْنٌ من العذاب في الدنيا، فإذا ما عادوا إلى الله في الآخرة كان لهم عذاب آخر أشدّ وأنكى. إذن: فهم يشبهون من سبقهم من المكذِّبين؛ لذلك قال في موضع آخر: {أية : كَدَأْبِ ..} تفسير : [آل عمران: 11]. لذلك قوله تعالى: (كَذَّبَ) هنا وقوله (كَدَأبِ) هناك يتبين لنا قضية نفسية في القرآن الكريم، هي أن حفاظ القرآن يجب ألاّ يكونوا من العلماء، خاصةً علماء اللغة والفصاحة، لأن العالم إذا وقف في القرآن أمام لفظ أمكنه أنْ يتصرَّف فيه ويكمل قراءته، فيقول مثلاً: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ..} تفسير : [الحجرات: 6] يقول: فتثبتوا أو فتحققوا، ويمكن أنْ يستقيم المعنى، لكن الحق سبحانه يريد لفظاً بعينه لا يجوز أنْ نتعداه إلى غيره، أما الذي تخصص في حفظ القرآن، وليست لديْه ملكَة التصرف هذه، فإذا نسي أو وقف في لفظ وقف (بالأربعة) يعني: لا يمكن له التصرف فيه، وهذا هو المطلوب في حَفَظة كلام الله، وهذه من عظمة القرآن. لذلك قلنا: إن كمال القرآن لا يتعدَّى، كيف؟ فمثلاً لو أردنا لإنسان أنْ يرقِّق أسلوبه ويُقوِّيه في الأداء الإنشائي ننصحه بأنْ يقرأ كتب الأدب عند المنفلوطي والرافعي وغيرهما، فلما يُكثر من هذه القراءات نلاحظ تحسُّناً في أسلوبه وأدائه. ثم إن حافظ القرآن المتمكن منه حتى لو حفظه بالعشرة وقِيل له اكتب خطاباً تجده لا يستطيع أن يكتبه فصيحاً أبداً لماذا؟ لأن كمال القرآن لا يتعدَّى إلى غيره، إنما بلاغة البشر تتعدى إلى البشر. وقوله: {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزمر: 25] أي: من حيث لا يُقدِّرون ولا يحتسبون، حيث يداهمهم من العذاب ما لم يكُنْ في حسبانهم، ولم يخطر لهم ببال، كما في قوله سبحانه: {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39] أي: فوجئ به، فوجئ بحسبان آخر غير ما كان ينتظر، لأنه كذَّب في الدنيا بالبعث وبالحساب، والآن يُفاجئه الحساب الذي كذَّب به. ثم يقول سبحانه: {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [الزمر: 26] هنا نقل الإذاقة الحسية إلى الإذاقات المعنوية، والخزي والذلة نوع من العذاب، ولها إيلام يفوق الإيلام الحِسِّيَّ، فمن الناس مَنْ لا يؤلمه الضرب، إنما تؤلمه كلمة جارحة تخدش عِزَّته وكرامته. لكن لماذا أذاقهم اللهُ الخزيَ في الدنيا قبل عذاب الآخر؟ أذاقهم الخزي لأنهم تكبَّروا على الحق وتجبَّروا، وجاءوا بقَضِّهم وقضيضهم في بدر لمحاربة الإسلام، وظنوا أنهم (العناتر) والجولة جولتهم، المراد إذن صناديد قريش ورؤوس الكفر أمثال عتبة وشيبة والوليد وغيرهم، جاءوا بالعدد والعُدة، وما خرج المسلمون لقتال إنما خرجوا للعير، ومع ذلك أعزَّ اللهُ جنده وأخزى عدوه، فقتل منهم مَنْ قتل، وأسر مَنْ أسر وذلّوا، وكان الخزي لهؤلاء أنكَى من القتل. إذن: كان لهم الخزي في الدنيا، أما في الآخرة فلهم عذاب: {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26] نعم، عذاب الآخرة أكبر من خزي الدنيا وأشدّ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26] لأن الذين علموا هذه الحقيقة انتهوا وآمنوا، أما هؤلاء فعاندوا وكابروا وكذَّبوا.

الجيلاني

تفسير : وليس هذا التكذيب والجزاء المترتب عليه مخصوصاً بهؤلاء الكفرة المكذبين لك يا أكمل الرسل، بل كل من {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} من المشركين رسلهم المبعوثين إليهم {فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ} فجأة {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزمر: 25] مقدماته وأماراته أصلاً. {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ} المنتقم منهم {ٱلْخِزْيَ} أي: الذل والهوان، والخيبة والخسران {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ} المعد لهم فيها {أَكْبَرُ} أي: أشد وأفزع {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26] شدته وفطاعته لما ارتكبوا ما يؤول إليه ويوقعهم فيه. {وَ} اللهِ {لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ} الناسين عهودنا ومواثيقنا {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} المتكفل لأهداء عموم الضالين {مِن كُلِّ مَثَلٍ} ينبههم على معالم الدين ومراسم التوحيد و اليقين {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] رجاء أن يتعظوا بما فيه، ويتفطنوا بسرائره ومرموزاته. مع أن جعلناه {قُرْآناً عَرَبِيّاً} أوضح بياناً، وأعظم شأناً، وأجل تبياناً وبرهاناً {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي: بلا اختلال واختلاف في معناه، موجب للتردد والالتباس والشك والارتياب {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] عن محارمنا، ويحذرون عما نهيناهم عنه، ومع ذلك لم يتقوا، بل لم يتنبهوا ولم يتفطنوا أصلاً. ولهذا {ضَرَبَ ٱللَّهُ} ضرب المطلع على جميع ما في استعدادات عباده وقابلياتهم {مَثَلاً} موضحاً لحال الموحد منهم والمشرك، وشبه كلتا الطائفتين برجلين مملوكين {رَّجُلاً} مملوكاً {فِيهِ شُرَكَآءُ} أي: له أرباب متشاركون فيه، كلهم {مُتَشَاكِسُونَ} أي: مشتاخصون متخالفون في استخدامه، متنازعون في شأنه، يتجاذبونه على مقتضى أهويتهم وأمانيهم بكمال الاستيلاء الغلبة، هذا مثل المشركين بالنسبة إلى معبوداتهم الباطلة. {وَرَجُلاً} أي: مملوكاً آخر {سَلَماً لِّرَجُلٍ} أي: مسلماً مخصوصاً لمالك فقط بلا شوب شركة فيه، ونزاع في أمره، هذا مثل الموحد بالنسبة إلى ربه الواحد الأحد الصمد، الذي لا تعدد فيه ولا كثرة أصلاً {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} ويتماثلان {مَثَلاً} هذان الرجلان المملوكان {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} الذي لا شركة في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، بل ولا نزاع لأحد في حكمه، يفعل ما يشاء بالإرادة والاختيار، ويحكم ما يريد بالاستقلال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] وحدته واستقلاله في التصرفات الواردة، باعتبار شئونه وتطوراته، لذلك يشركون به غيره ظلماً وجهلاً.