Verse. 4097 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

قُلْ يٰقَوْمِ اعْمَلُوْا عَلٰي مَكَانَتِكُمْ اِنِّىْ عَامِلٌ۝۰ۚ فَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ۝۳۹ۙ
Qul ya qawmi iAAmaloo AAala makanatikum innee AAamilun fasawfa taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا قوم اعملوا على مكانتكم» حالتكم «إني عامل» على حالتي «فسوف تعلمون».

39

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } حالتكم {إِنّى عَٰمِلٌ } على حالتي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَكَانَتِكُمْ} ناحيتكم، أو تمكنكم، أو شرككم {عَامِلٌ} على ما أنا عليه من الهدى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ} وهذا أمر تهديد أي أنكم تعتقدون في أنفسكم أنكم في نهاية القوة والشدة فاجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم فإني عامل في تقرير ديني فسوف تعلمون أن العذاب والخزى يصيبني أو يصيبكم.

القشيري

تفسير : سوف ينكشف رِبْحُنا وخسرانكم، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف نطالبكم فلا جوابَ لكم، ونُعَذِّبُكُم فلا شفيعَ لكم، ونُدَمِّرُ عليكم فلا صريخَ لكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل يا قوم} اى قوم من] {اعملوا على مكانتكم} على حالتكم التى انتم عليها من العداوة التى تمكنتم فيها فان المكانة تستعار من العين للمعنى كما يستعار هنا وحيث للزمان مع كونهما للمكان {انى عامل} اى على مكانتى ما استطعت ولا يزيد حالى الا قوّة ونصرة {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} بسوء اعماله ومن مفعول تعلمون والاخزاء: [دون كردن وخوار كردن ورسوا كرن وهلاك كردن] ومعانى هذه الكلمة يقرب بعضها من بعض ومنه الحديث لا تخزوا الحور اى لا تجعلوهن يستحيين من فعلكم كما فى تاج المصادر. والمعنى بالفارسية [بس زود باشدكه بدانيد آنكس راكه ازماوشما بيايد بدو عذابى كه اورا رسواكند] وهو عذاب الدنيا وخزى اعدائه دليل على غلبته فقد نصره الله وعذب اعداءه واخزاهم يوم بدر: يعنى [حق سبحانه رسواكرد دشمنان آن حضرت را در روزبدركه جمعىاز ايشان بدست مؤمنان كشته كشتند وكروهى بقيد مذلت وسلسله نكبت كرفتار شدند شعر : اين سربباد داده وآن دستها بيند آن كشته خواروزار وكرفتار ومستمند تفسير : {ويحل} ينزل من افعاله من الحلول وهو النزول {عليه عذاب مقيم} الى الابد لا يفارقه دائم لا ينقطع عنه وهو عذاب الآخرة يعنى انتم الهالكون بسبب كونكم على البطلان ونحن الناجون بسبب كوننا على الحق فسوف ينكشف ربحنا وخسرانكم وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم وسوف يطالبكم الله ولا جواب لكم ويعذبكم ولا شفيع لكم ويدمر عليكم ولا صريخ لكم شعر : ايمان رسد بفرياد قرآن رسد بامداد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قُلْ يا قوم اعملوا على مكانَتِكُمْ} أي: على حالتكم التي أنتم عليها، وجهتكم من العداوة التي تمكنتم فيها، فالمكانة بمعنى المكان، فاستعيرت من العين للمعنى، وهي الحال، كما تستعار "هنا". و "حيث" للزمان، وإنما وضعا للمكان. وقرأ أبو بكر وحمَّادِ: "مكانات" بالجمع. {إِني عامل} على مكانتي، فحذف للاختصار، والمبالغةِ في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة بنصر الله تعالى له، وتأييده، ولذلك توعّدهم بقوله: {فسوف تعلمون مَن يأتيه عذاب يُخْزِيه}؛ فإنَّ خزي أعدائه دليل غلبته صلى الله عليه وسلم ونصره في الدنيا والآخرة. وقد أخزاهم وعذّبهم يوم بدر، {و} سوف تعلمون أيضاً مَن {يَحِلُّ عليه عذابٌ مقيمٌ} في الآخرة؛ لأنه مقيم على الدوام. ثم ذكر الفاصل بين أهل العذاب المقيم، والنعيم الدائم، فقال: {إِنا أنزلنا عليك الكتابَ للناسِ} أي: لأجلهم، فمَن أعرض عنه فقد استحقَّ العذاب الأليم، ومَن تمسّك به استوجب النعيم المقيم، حال كونه ملتبساً {بالحق} ناطقاً به، أو: أنزلناه مُحِقين في إنزاله. {فمَن اهتدى فلنفسه}، إنما ينفع به نفسه {ومَن ضلَّ}: بأن أعرض عنه، أو عن العمل به. {فإِنما يَضِلُّ عليها}؛ لأن وبال إضلاله مقصور عليها. {وما أنت عليهم بوكيلٍ} حتى تجبرهم على الهدى، وما وظيفتك إلا التبليغ، وقد بلغت أيّ بلاغ. الإشارة: مَن ذَكَّر قوماً فأعرضوا عنه، ولم يرفعوا له رأساً، يقول لهم: يا قوم اعملوا على مكانتكم... الخ، وأيّ عذاب أشد من الحجاب، والبُعد عن حضرة الحبيب؟ ثم ذكر دلائل العبث الذي يحلُّ فيه العذاب على أهل الإعراض، فقال: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا}.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لهم تهديداً لهم مقابل تهديدهم لك {يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ} اى على منزلتكم او على مقدرتكم سواء جعل من كان او من مكن {إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} قد مضى الآية بعينها فى اوائل سورة هودٍ.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي على قوتكم من مكن مكانة الثلاثى لثبوته عندنا بمعنى التمكن أي اجتهدوا من العداوة والمراد الحال أي اعملوا على حالتكم التى أنتم عليها استعارة لاسم العين للمعنى كما يستعار لفظ حيث وهنا للزمان مع انهما وضعا للمكان وقرأ أبو بكر (مكاناتكم) بالجمع* {إِنِّى عَامِلٌ} ما أمرت به على مكانتي فحذفه لذا اختصارا ولزيادة الوعيد فان المعمولات كثيراً ما تحذف للتهويل والتفخيم ولان حال لا تقف بل تزيد قوة وشدة لان الله ناصره ومعينه ومظهره على الدين كله كما قال. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} صفة عذاب أي يذله ويهينه (ومن) موصولة وفعول تعلم بمعنى تعرف أو استفهامية مبتدأ ويأتيه عذاب خبره والجملة سدت مسد مفعولي (تعلم) وعلق بالاستفهام أو مفعول تعلم بمعنى (تعرف) وقد أتاهم عذاب أخزاهم يوم بدر وغيره* {وَيَحِلُّ} ينزل* {عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دائم وهو عذاب النار

اطفيش

تفسير : {قلْ} تهديدا وتحقيرا لكيدهم {يا قوم اعْمَلُوا} فى كيدى {عَلى مَكَانَتكُم} تمكنكم وقوتكم فيه بأبدانكم وأموالكم، وحيلكم وأعوانكم، وقيل استعيرت المكانة من المكان المحسوس للحالة المعقولة التى هى الشخص {إنِّى عامِلٌ} لم يقل على مكانتى اشعارا بأن له من المكانات كل زمان ما الله به عالم، لا مكانة واحدة متصفة بأنها لا تتغير، فان ازدياد قوة من الله تعالى أولى من هذه، وكيد الله متين فهو صلى الله عليه وسلم غالب كما قال الله عز وجل: {فَسوف تعْلمُون من يأتيه عذابٌ يُخْزيه} فى الدنيا كيوم بدر. {ويَحلُّ عليْه عَذابٌ مُقيمٌ} فى الآخرة عذاب النار، ويجوز أن يراد فى الموضعين عذاب واحد إجمالا مخز ومقيم من حين قتل الى ما لا نهاية له، يعذب فى قبره، ويبعث للعذاب، فذلك عذاب وصف بأنه عذاب مخزو، وصف بأنه عذاب مقيم يحل عليه، ومعنى مقيم، دائم فلا مجاز، ودوام عذاب نفس دوامها فى العذاب، فلا حاجة الى دعوى التجوز فى الاسناد، أى مقيم صاحبه، أو الظرف هكذا مقيم فيه صاحبه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } على حالتكم التي أنتم عليها من العداوة التي تمكنتهم فيها فإن المكانة نقلت من المكان المحسوس إلى الحالة التي عليها الشخص واستعيرت لها استعارة محسوس لمعقول، وهذا كما تستعار حيث وهنا للزمان بجامع الشمول والإحاطة، وجوز أن يكون المعنى اعملوا على حسب تمكنكم واستطاعتكم. وروي عن عاصم {مكاناتكم} بالجمع والأمر للتهديد. وقوله تعالى: {إِنّى عَـٰمِلٌ } وعيد لهم وإطلاقه لزيادة الوعيد لأنه لو قيل: على مكانتي لتراءى أنه عليه الصلاة والسلام على حالة واحدة لا تتغير ولا تزداد فلما / أطلق أشعر بأنه له صلى الله عليه وسلم كل زمان مكانة أخرى وأنه لا يزال يزداد قوة بنصر الله تعالى وتأييده ويؤيد ذلك قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } فإنه دال على أنه صلى الله عليه وسلم منصور عليهم في الدنيا والآخرة بدليل قوله تعالى: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }

ابن عاشور

تفسير : لما أبلغهم الله من الموعظة أقصى مَبلغ، ونصب لهم من الحجج أسطع حجة، وثبَّت رسوله صلى الله عليه وسلم أرسخ تثبيت، لا جرم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يوادعهم موادعة مستقرِب النصر، ويواعدهم ما أُعد لهم من خسر. وعدم عطف جملة {قُل} هذه على جملة {أية : قل حسبي الله}تفسير : [الزمر: 38] لدفع توهم أن يكون أمره {قُلْ حسبي الله} لقصد إبلاغه إلى المشركين نظير ترك العطف في البيت المشهور في علم المعاني: شعر : وتظن سلمَى أنني أبغي بها بَدَلاً أَراها في الضلال تَهيمتفسير : لم يعطف جملة: أراها في الضلال، لئلا يتوهم أنها معطوفة على جملة: أبغي بها بدلاً، ولأنها انتقال من غرض الدعوة والمحاجّة إلى غرض التهديد. وابتدأ المقول بالنداء بوصف القوم لما يشعر به من الترقيق لحالهم والأسف على ضلالهم لأن كونهم قومه يقتضي أن لا يدخرهم نصحاً. والمكانة: المكان، وتأنيثه روعي فيه معنى البقعة، استعير للحالة المحيطة بصاحبها إحاطة المكان بالكائن فيه. والمعنى: اعملوا على طريقتكم وحالكم من عداوتي، وتقدم نظيره في سورة الأنعام (135). وقرأ الجمهور {مكانتكم} بصيغة المفرد. وقرأ أبو بكر عن عاصم {مكاناتكم} بصيغة الجمع بألف وتاء. وقال تعالى هنا: {مَن يأتيه عذابٌ يخزيه} ليكون التهديد بعذاب خزي في الدنيا وعذاب مقيم في الآخرة. فأما قوله في سورة [الأنعام: 135]: {أية : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار}تفسير : فلم يذكر فيها العذاب لأنها جاءت بعد تهديدهم بقوله: {أية : إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين}تفسير : [الأنعام: 134]. وحذف متعلِّق {إني عٰمِلٌ} ليَعمّ كل متعلِّق يصلح أن يتعلق بــــ {عٰمِل} مع الاختصار فإن مقابلته بقوله: {اعملوا على مكانتكم} يدل على أنه أراد من {إني عٰمِل} أنه ثابت على عمله في نصحهم ودعوتهم إلى ما ينجيهم. وأن حذف ذلك مشعر بأنه لا يقتصر على مقدار مكانته وحالته بل حالة تزداد كل حين قوةً وشدة لا يعتريها تقصير ولا يثبطها إعراضهم، وهذا من مستتبعات الحذف ولم ننبه عليه في سورة الأنعام وفي سورة هود. و {مَن} استفهامية عَلَّقت فعل {تَعْلَمُون} عن العمل في مفعوليه. والعذاب المُخزي هو عذاب الدنيا. والمراد به هنا عذاب السيف يوم بدر. والعذاب المقيم هو عذاب الآخرة، وإقامته خلوده. وتنوين {عَذَابٌ} في الموضعين للتعظيم المراد به التهويل. وأسند فعل {يأتِيهِ} إلى العذاب المخْزي لأن الإِتيان مشعر بأنه يفاجئهم كما يأتي الطارق. وكذلك إسناد فعل {يَحل} إلى العذاب المقيممِ لأن الحلول مشعر بالملازمة والإِقامة معهم، وهو عذاب الخلود، ولذلك يسمى منزل القول حِلة، ويقال للقوم القاطنين غير المسافرين هم حِلال، فكان الفعل مناسباً لوصفه بالمقيم. وتعدية فعل {يحل} بحرف (على) للدلالة على تمكنه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {عَامِلٌ} (39) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ: اعْمَلُوا أَنْتُمْ عَلَى طَريقَتِكُمْ مَا تَرَوْنَهُ حَسَناً، وَإِنِي أَعْمَلُ عَلَى طَرِيقَتِي وَمَنْهَجِي مَا يُوَفِّقُنِي اللهُ إِلَيْهِ فِي سَبِيلِ إِبْلاَغِ دَعْوَةِ اللهِ إِلَى النَّاسِ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ مَنْ سَيَِكُونُ الرابحُ الفَائِزُ أَنَا أَوْ أَنْتُمْ؟ مَكَانَتِكُمْ - حَالَتِكُمْ المَتَمَكِّنِينَ مِنْهَا، أَوْ مَنْهَجِكُمْ، وَطَرِيقَتِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا تأمل هذا النداء: {يٰقَوْمِ} [الزمر: 39] فبعد عنادهم وإصرارهم على باطلهم وعدم قبولهم للحجج والبراهين ما يزال الحق سبحانه يتحنَّن إليهم، فيأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يناديهم بهذا النداء الحبيب: (يا قوم) يعني: أنا لستُ غريباً عنكم، وأنتم أهلي وعشيرتي التي أعيشُ بينها. لما دعاهم رسول الله فلم يستجيبوا ولم تفلح معهم الحجج والبراهين التي تثبت بطلان عبادتهم للأصنام، أمره ربه أنْ يقول لهم: {يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ ..} [الزمر: 39] معنى: اعملوا على مكانتكم كما تقول لمن لم يستجب لك: اعمل ما بدا لك. أو (أعلى ما في خيلك اركبه). فالمعنى: اعملوا على مكانتكم. يعني: خذوا كلّ إمكانياتكم ضدي. لماذا؟ لأنه متوكل على ربِّه وهو كافيه، فهو لا يقولها مجازفةً ولا استكباراً، إنما يقولها برصيد من قوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تفسير : [الزمر: 36]. وكلمة {مَكَانَتِكُـمْ} [الزمر: 39] عندنا مكان ومكانة، المكان هو: الحيز الذي يشغله الشيء. والمكين هو: الذي يشغل المكان، فالكوب مثلاً مكان والماء فيه مكين، فأنت ذاتك لك مكان تشغله حتى لو اضطهدك أحدٌ فأخرجك منه لا بُدَّ أنْ يذهب بك إلى مكان آخر. فإذا اتسع بك هذا المكان وصارتْ لك سلطة على مكان أوسع منه لك فيه سلطان وأمر ونهي فهذه مكانة، فيقال لمن اتَّسع جاهه وسلطانه: له مكانة. فالتاء الزائدة هنا يسمونها تاء المبالغة. كما نقول في المبالغة في العلم عالم وعلاَّم وعلاَّمة. فكلمة علاَّمة هي قمة العلم وتُقال لمن بلغ في مجاله مبلغاً بحيث لا يخفى عليه منه شيء. فإنْ قلتَ: فلماذا وصف الحق نفسه سبحانه بعلاَّم، ولم يُوصَف بعلامة؟ نقول: لأن علم الله تعالى لا تفاوتَ فيه، ليس فيه جزئي وكلي، فلا يُوصف الحق سبحانه بهذه الصفة. ومن المكانة قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} تفسير : [يوسف: 56] أي: لم نجعل له مكاناً، إنما جعلنا له مكانة وسلطاناً واسعاً ينقله هنا وهناك حيث يشاء، والإنسان يكون له مكان فتأتي قوة تُمكِّنه في المكان، كما في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقد يكون له المكان فتأتي قوة فتُزيله عنه كما أخذني ورماني في زنزانة. وسبق أنْ قلنا: إن في اللغة همزة تسمى همزة الإزالة، إذا دخلتْ على فعل تزيله، كما تقول: أعجم الكلام، يعني: أزال عُجْمته وأبان معناه، ومن ذلك قول رسول الله في مناجاته لربه: "حديث : لك العُتْبى حتى ترضى" تفسير : يعني: إن كان حصل منه شيء يغضبك فأنا أزيل عتابك عليَّ حتى أبلغ رضاك عني. ونقول: عتب فلانٌ على فلان فأعتبه يعني: أزال عتابه بأنْ يعتذر له أو يصالحه، لأن العتب لوْم على شيء ما كان يصح بين المحبين؛ ومن ذلك قوله تعالى في الكلمة التي معنا (المكانة): {أية : وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 71]. فمعنى (أمكن منهم) يعني: أزال مكانهم، ونقول: فلان تمكن من فلان. يعني: قدر عليه وأزاله عن مكانه أو مكانته. إذن: فكلمة المكانة هي ما لك عليه سلطانٌ وولاية تُعينك على مرادك، فالمكان إذا بالغتَ فيه فهو مكانة والتاء للمبالغة، وتأتي أيضاً للجاه ينبسط على ما لا يدخل في مِلْككٍ تصرفاً، وإنما يدخل في ملكك مهابة؛ لذلك لما قُتِل مالك قالوا: مالك كان يحمي مواقع السحاب. يعني: أينما تمرّ السَحابة وتمطر فمطرها يحميه مالك، بحيث لا يتعدى عليه أحد، وما كان هذا إلا لمكانته في القوم فحمى مواقع السحاب في غير بلاده. وقوله: {إِنِّي عَامِلٌ} [الزمر: 39] يعني: أنتم اعملوا على مكانتكم واستطاعتكم في العناد والاضطهاد والإيذاء، فأنا عامل على مكانتي من الدعوة والنُّصْح لكم والحرص على هدايتكم، فهذه رسالتي ولن أتخلَّى عنها، وسوف أبالغ في نَشْرها وأتحمل اضطهادكم لي ولأصحابي، ولن يُثنيني شيء عن مرادي. وقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الزمر: 39] المعلوم هنا: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [الزمر: 40] أي: في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [الزمر: 40] أي: في الآخرة، وتأمل هنا كلمة سوف التي تدل على الاستقبال، فلم يَقُلْ حالاً الآن، لأن الإسلام بدأ غريباً وانتشر أول ما انتشر بين الضعفاء والعبيد الذين اضطهدوا وماتوا وأُوذُوا وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيل دعوة الحق. فأراد الحق سبحانه أن يُمحِّصَ أهل الإيمان الذين يحملون هذه الدعوة، وأنْ يُميز منهم ضعافَ العقيدة، وينفي عنهم أهل الخور والنفاق الذين لا يصلحون لحمل هذه الرسالة، لذلك كان الوحي كل فترة ينزل على رسول الله بأمر عزيز، وكلما نزل أمر من هذه الأمور نفى بعضهم حتى لم يَبْقَ حول رسول الله إلا صِحَاح الإيمان أقوياء العقيدة. وفي هذه الآية تهديدٌ من رسول الله للقوم المكذِّبين بأحداث سوف تأتي، هذا التهديد دليلٌ على ثقته صلى الله عليه وسلم بأن مَنْ أوحى إليه بهذا التهديد قادرٌ على أنْ يُبرزه كما أخبر به، وإلا لما قاله رسول الله، لأن الزمن سيكشف صدق هذا التهديد أو عدم صدقه. كذلك الأمر في الوعد يخبر به رسول الله قبل أوانه، واقرأ هذا الوعد مثلاً: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] هذا وَعْد من الله للمؤمنين جاء في أشد وأحلك الظروف وهم مضطهدون لا يستطيعون حمايةَ أنفسهم، لذلك لما نزلتْ هذه الآية قال عمر رضي الله عنه: أيّ جمع هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما رآها في بدر قال: صدق ربي وصدق رسوله، وهذا الوعد لا يطعن في الدعوة إنما يريد أنْ يؤكدها. إذن: صِدْق في الوعد، وصدق في الوعيد. وقلنا: إن صدق الرسول في أمور تتعلق بأمته شيء، وصدقه فيما يتعلق بذاته شيء آخر، صدقه فيما يتعلق بذاته آكد، وذكرنا قصة المرأة التي أسلمتْ حينما قرأتْ تفسير قوله تعالى لرسوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] فلما أعطاه ربه الأمان وأنه لن يُغتال من جانب الناس صرف صلى الله عليه وسلم حُراسه ولم يُبْق عليهم مع هذا الوعد، فوقفتْ هذه المرأة وقفةً عقلية وقالت: لو أنه خدع الناس جميعاً ما خدع نفسه، إذن: هذه ثقة من رسول الله بوعد الله. وقوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الزمر: 39] ولم يقل ترون أو تنظرون؛ لأن العلم أوسع وأعمّ من النظر، فالأحداث التي ستأتي ربما تكون بعيدة من مَرْآهم تَحدث في أماكن أخرى يراها البعض ولا يراها البعض، أما العلم فينقل إليك ما تقع عليه جوارحك، وما تقع عليه جوارح الآخرين. إذن: بالعلم تأخذ علم الغير، أنت حينما ترى وتعقل تهتدي إلى الحكم بتصوّر العقل، وبالعلم تستفيد بما عقله الآخرون. إذن: فالعلم أوسع دائرةً من معطيات العقل والجوارح. وقوله: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [الزمر: 40] كلمة مقيم جاءت لترد على كلام سبق أنْ قالوه هم، لأن الحروب عندهم كانت تستمر طويلاً حتى أربعين سنة، وتكون بينهم سجالاً يوم لك ويوم عليك، فربما ظنوا العذاب كذلك فترة وتنتهي، فأراد أنْ يؤكد لهم أن العذاب إذا حَلَّ بهم فليس فيه سجال كسجال الحرب، إنما هو مقيم دائم.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم أيضاً على سبيل التوبيخ والتهديد: {يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ} وحالكم ما شئتم من الأعمال {إِنِّي عَامِلٌ} أيضاً على مكانتي وحالي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الزمر: 39] مآل ما يعلمون وغايته. واعلموا أن {مَن يَأْتِيهِ} منَّا ومنكم {عَذَابٌ يُخْزِيهِ} ويرديه في الدنيا {وَ} هو دليل على أنه {يَحِلُّ} وينزل {عَلَيْهِ} في الآخرة {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [الزمر: 40] دائم مؤبد، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، ونحن نتربص أيضاً. ثم قال سبحانه على وجه التأديب لحبيبه: {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَنزَلْنَا عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {ٱلْكِتَابَ} الجامع المشتمل على عموم مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم؛ لتكون هادياً {لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ} مبلغاً إياهم جميع ما فيه من الوعد والوعيد {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ} ووفق على قبول ما فيه من الأوامر والنواهي {فَلِنَفْسِهِ} أي: نفع هدايته واهتدائه عائد إلى نفسه {وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} كذلك {وَ} بعدما وضع الأمر لديك، لا تتعب نفسك في إهدائهم؛ إذ {مَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} [الزمر: 41] ضمين لإهدائهم وتكميلهم، بل ما عليك إلا البلاغ، وعلينا الحساب. وكيف لا يكون حساب العباد على الله، ولا يكون في قبضة قدرته؛ إذ {ٱللَّهُ} المستوي على عروش ما ظهر وبطن بالاستيلاء التام والقدرة الكاملة الشاملة {يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ} ويقطع إمداده بالحياة عليها بمقتضى النفس الرحماني {حِينَ مَوْتِـهَا} أي حين تعلق إرادته سبحانه بقطع علقة عنها، وإرجاعها إلى ما كانت عليه من العدم {وَ} كذا تتوفى الأنفس {ٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ} أي: لم تحكم عليها بقطع العلقة والإمداد عنها {فِي مَنَامِـهَا} أي: يفصل عنها ما هو مبدأ الآثار والأفعال، وما يترتب عليه التمييز والشعور، ويبقى رمق منه عنها {فَيُمْسِكُ} ويقبض سبحانه بعد الفصل والتوفي الانفس {ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} في لوح قضائه وحضرة علمه {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ} أي: يعيدها إلى أبدانها، ويمهلها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} معين مقدر عنده؛ الإمداد والارتباط. وعن المرتضى الأكبر كرم الله وجهه: يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ولهذا قيل: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى الأجساد، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وبه ورد الحديث صولات الله على قائله: "حديث : إذا أوى أحدكم إلى فِراشه فَلْيَنفُض فِرَاشه بِدَاخِلَةٍ إِزَارِهِ، فَإِنه لا يَدْري ما خَلفَه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وَضَعْتُ جنبي، وبك أرفعُهُ، إنْ اَمْسكْتَ نَفْسي فأرْحَمْها، وإنْ أَرْسَلتَها فَاحْفَظْها بما تَحْفطُ به عبادَك الصالحين ". تفسير : {إِنَّ فِي ذَلِكَ} التوفي والفصل، والإمساك والإرسال {لآيَاتٍ} دلائل واضحات وشواهد لا ئحات على قدرة الصانع الحكيم القدير العليم {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] في مقدوراته سبحانه، ويشاهدون آثار قدرته عليها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ } لهم يا أيها الرسول: { يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي: على حالتكم التي رضيتموها لأنفسكم، من عبادة من لا يستحق من العبادة شيئا ولا له من الأمر شيء. { إِنِّي عَامِلٌ } على ما دعوتكم إليه، من إخلاص الدين للّه تعالى وحده. { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } لمن العاقبة و { مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } في الدنيا. { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } في الأخرى { عَذَابٌ مُقِيمٌ } لا يحول عنه ولا يزول، وهذا تهديد عظيم لهم، وهم يعلمون أنهم المستحقون للعذاب المقيم، ولكن الظلم والعناد حال بينهم وبين الإيمان.