Verse. 4096 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَلَىِٕنْ سَاَلْــتَہُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ لَيَقُوْلُنَّ اؙ۝۰ۭ قُلْ اَفَرَءَيْتُمْ مَّا تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ اِنْ اَرَادَنِيَ اللہُ بِضُرٍّ ہَلْ ہُنَّ كٰشِفٰتُ ضُرِّہٖۗ اَوْ اَرَادَنِيْ بِرَحْمَۃٍ ہَلْ ہُنَّ مُمْسِكٰتُ رَحْمَتِہٖ۝۰ۭ قُلْ حَسْبِيَ اؙ۝۰ۭ عَلَيْہِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُوْنَ۝۳۸
Walain saaltahum man khalaqa alssamawati waalarda layaqoolunna Allahu qul afaraaytum ma tadAAoona min dooni Allahi in aradaniya Allahu bidurrin hal hunna kashifatu durrihi aw aradanee birahmatin hal hunna mumsikatu rahmatihi qul hasbiya Allahu AAalayhi yatawakkalu almutawakkiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولئن» لام قسم «سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنَّ الله قل أفرأيتم ما تدعون» تعبدون «من دون الله» أي الأصنام «إن أرادني الله بضرِّ هل هن كاشفات ضرَّه» لا «أو أرادني برحمة هل هن ممسكاتٌ رحمتَه» لا، وفي قراءة بالإضافة فيهما «قل حسبيَ الله عليه يتوكل المتوكلون» يثق الواثقون.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أطنب في وعيد المشركين وفي وعد الموحدين، عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام، وبنى هذا التزييف على أصلين: الأصل الأول:هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم وهو المراد بقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } واعلم أن من الناس من قال إن العلم بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه، وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب أحوال السموات والأرض وفي عجائب أحوال النبات والحيوان خاصة وفي عجائب بدن الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة، علم أنه لا بد من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم. والأصل الثاني: أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وهو المراد من قوله: {قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِه } فثبت أنه لا بد من الإقرار بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم، وثبت أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر، وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة الله كافية، وكان الاعتماد عليه كافياً وهو المراد من قوله: {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } فإذا ثبت هذا الأصل لم يلتفت العاقل إلى تخويف المشركين فكان المقصود من هذه الآية هو التنبيه على الجواب عما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } وقرىء: {كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } و{مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } بالتنوين على الأصل وبالإضافة للتخفيف، فإن قيل كيف قوله: {كَـٰشِفَـٰتُ } و {مُمْسِكَـٰتُ } على التأنيث بعد قوله: {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ }؟ قلنا المقصود التنبيه على كمال ضعفها فإن الأنوثة مظنة الضعف ولأنهم كانوا يصفونها بالتأنيث ويقولون اللات والعزى ومناة، ولما أورد الله عليهم هذه الحجة التي لا دفع لها قال بعده على وجه التهديد: {قُلْ يا قوم ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } أي أنتم تعتقدون في أنفسكم أنكم في نهاية القوة والشدة فاجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم، فإني عامل أيضاً في تقرير ديني {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أن العذاب والخزي يصيبني أو يصيبكم والمقصود منه التخويف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي ولئن سألتهم يا محمد {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} بين أنهم مع عبادتهم الأوثان مُقِرُّون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق فكيف يخوفونك بآلتهم التي هي مخلوقة لله تعالى، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق السموات والأرض. {قُلْ أَفَرَأَيْتُم} أي قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا {أَفَرَأَيْتُمْ} {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} بشدة وبلاء {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} يعني هذه الأصنام {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} نعمة ورخاء {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} قال مقاتل: فسألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فسكتوا. وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئاً قدّره الله ولكنها تشفع. فنزلت: {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} وترك الجواب لدلالة الكلام عليه؛ يعني فسيقولون لا (أي لا تكشف ولا تمسك) فـ«ـقُلْ» أنت «حَسْبِيَ اللَّهُ» أي عليه توكلت أي اعتمدت و{عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} يعتمد المعتمدون. وقد تقدّم الكلام في التوكل. وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ما عدا عاصماً «كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ» بغير تنوين. وقرأ أبو عمرو وشيبة وهي المعروفة من قراءة الحسن وعاصم «هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ». «مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ» بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود. قال الشاعر:شعر : الضاربون عُمَيْراً عن بيوتهم بالليل يوم عُمَير ظالمٌ عادي تفسير : ولو كان ماضياً لم يجز فيه التنوين، وحذف التنوين على التحقيق، فإذا حذفت التنوين لم يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف التنوين كثير في كلام العرب موجود حسن؛ قال الله تعالى: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة: 95] وقال: {أية : إِنَّا مُرْسِلُو ٱلنَّاقَةِ}تفسير : [القمر: 27] قال سيبويه: ومثل ذلك {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} تفسير : [المائدة: 1] وأنشد سيبويه:شعر : هل أَنْتَ باعِثُ دِينارٍ لحاجتِنا أو عَبْد رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بنِ مِخْرَاقِ تفسير : وقال النابغة:شعر : احْكُمْ كَحُكْمِ فتاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ إِلَى حَمَامٍ شَرَاعٍ وَارِدِ الثَّمدِ تفسير : معناه واردٍ الثَّمَد فحذف التنوين؛ مثل {كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}. قوله تعالى: {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ} أي على مكانتي أي على جهتي التي تمكنت عندي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. وقرأ أبو بكر «مَكَانَاتِكُمْ» وقد مضى في «الأنعام». {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي يهينه ويذله أي في الدنيا وذلك بالجوع والسيف. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} أي في الآخرة {عَذَابٌ مُّقِيمٌ}. قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ } تقدم الكلام في هذه الآية مستوفى في غير موضع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَئِنِ } لام قسم {سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ } تعبدون {مِّن دُونِ ٱللَّهِ } أي الأصنام {إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرّهِ } لا {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِ } لا، وفي قراءة بالإِضافة فيها {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } يثق الواثقون.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء احتجاج عليهم بحجة أخرى، وجملتها أن وقفوا على الخالق المخترع، فإذا قالوا إنه الله لم يبق لهم في الأصنام غرض إلا أن يقولوا إنها تنفع وتضر، فلما تقعد من قولهم إن الله هو الخالق، قيل لهم {أفرأيتم} هؤلاء إذا أراد الله أمراً بهم قدرتم على نقضه؟ وحذف الجواب عن هذا، لأنه من البين أنه لا يجيب أحد إلا بأنه لا قدرة بالأصنام على شيء من ذلك. وقرأ: "إن أرادنيَ" بياء مفتوحة جمهور القراء والناس. وقرأ الأعمش: {أرادني الله} بحذف الياء في الوصل، وروى خارجة "إن أراد" بغير ياء. وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والأعمش وعيسى وابن وثاب: "كاشفاتُ ضرِّه" بالإضافة. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: "كاشفاتٌ ضرَّه" بالتنوين والنصب في الراء، وهي قراءة شيبة والحسن وعيسى بخلاف عنه وعمرو بن عبيد، وهذا هو الوجه فيما لم يقع بعد، وكذلك الخلاف في: {ممسكات رحمته}. ثم أمره تعالى بأن يصدع بالاتكال على الله، وأنه حسبه من كل شيء ومن كل ناصر، ثم أمره بتوعدهم في قوله: {اعملوا على مكانتكم إني عامل} ما رأيتموه متمكناً لكم على حالتكم التي استقر رأيكم عليها. وقرأ الجمهور: "مكانتكم" بالإفراد. وقرأ "مكاناتكم" بالجمع: الحسن وعاصم. وقوله: {اعملوا} لفظ بمعنى الوعيد. و"العذاب المخزي": هو عذاب الدنيا يوم بدر وغيره. و"العذاب المقيم": هو عذاب الآخرة، أعاذنا الله تعالى منه برحمته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}.... الآية. لما بين وعيد المشركين ووعد الموحدين عاد إلى إقامة الدليل على تَزْيِيفِ طريق عبدة الأوثان وهذا التَّزْييف مبني على أصلين: الأصل الأوّل: أن هؤلاء المشركون مقرون بوجود الإله القادر على العالم الحكيم وهو المراد من قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}. قال بعض العلماء العلم بوجود الإله القادر الحكيم علمٌ متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب بدن الإنسان وما فيه من أنواع الحِكَم الغربية والمصالح العجيبة عِلمَ أنه لا بدّ من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم. والأصل الثاني: أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخبر والشر وهو المراد من قوله: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} فثبت أنه لا بدّ من الإقرار بوجود (الله) الإله القادر الحكيم الرحيم، وثبت أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة الله كافيةً والاعتمادُ عليه كافياً وهو المراد من قوله: {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ }. قوله: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ} هي المتعدية لاثنين أولهما: "ما تدعون"، وثانيهما: الجملة الاستفهامية والعائد على المفعول منها قوله "هُنَّ". وإنما أَنَّثَهُ تَحْقِيراً لما يدعون من دونه ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث اللاتِ ومناةَ والعُزَّى، وتقدم تحقيق هذا. قوله: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ} قرأ أبو عمرو كاشفاتٌ وممسكاتٌ - بالتنوين - ونصب "ضُرَّهُ ورَحْمَتَهُ" وهو الأصل في اسم الفاعل. والباقون بالإضافة. هو تخفيفٌ. فصل قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فسكتوا فقال الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ثِقَتي باللَّه واعتمادي {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} يثق الواثقون.

البقاعي

تفسير : ولما علم بهذه البراهين أنه سبحانه المتصرف في المعاني بتصرفه في القلوب بالهداية والإضلال، وكان التقدير: فلئن قررتم بهذا الاستفهام الإنكاري ليقولن: بلى! عطف عليه بيان أن الخالق للذات كما أنه المالك للمعاني والصفات، فقال مفسداً لدينهم باعترافهم بأصلين: القدرة التامة له والعجز الكامل لمعبوداتهم: {ولئن سألتهم} أي فقلت لمن شئت منهم فرادى أو مجتمعين: {من خلق السماوات} أي على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع {والأرض} على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع {ليقولن} بعد تخويفهم لك بشركائهم الذين هم من جملة خلق من أرسلك بما أنت فيه: الذي خلقها {الله} أي وحده الذي لا سمي له وإلباس بوجه في أمره، ولا يصدهم عن ذلك الحياء من التناقض ولا الخوف من التهافت بالتعارض. ولما كان هذا مخيراً لأن بين ولا بد أنهم لا يقبلون ولا يعرضون كان كأنه قيل: فماذا أصنع؟ فقال: {قل} مسبباً عن اعترافهم له سبحانه بجميع الأمر قوله مقرراً بالفرع بعد إقرارهم بالأصل, ومقرعاً بتخويفهم ممن ليس له أمر بعقد ولا حل: {أفرءيتم}. ولما كان السائل النصوح ينبغي له أنه ينبه الخصم على محل النكتة لينتبه من غفلته فيرجع عن غلطته, عبر بأداة ما لا يعقل عن معبوداتهم بعد التعبير عنها سابقاً بأداة الذكور العقلاء بياناً لغلطهم، فقال معبراً عن مفعول {رأيت} الأول والثاني جملة الاستفهام، {ما تدعون} أي دعاء عبادة، وقرر بعدهم عن التخويف بهم بادعاء إلهيتهم بقوله: {من دون الله} أي الذي هو ذو الجلال والإكرام فلا شيء إلا وهو من دونه وتحت قهره، ولما كانت العافية أكثر من البلوى، أشار إليها بأداة الشك ونبه على مزيد عظمته سبحانه بإعادة الاسم الأعظم فقال: {إن أرادني الله} أي الذي لا راد لأمره ولما كان درأ المفاسد مقدماً قال: {بضر} أي إن أطعتكم في الجنوح إليها خوفاً منها، وبالغ في تنبيههم نصحاً لهم ليرجعوا عن ظاهر غيهم بما ذكر من دناءتها وسفولها بالتأنيث بعد سفولها بعدم العقل مع دناءتها وبعد التهكم بهم بالتعبير عنها بأداة الذكور العقلاء فقال: {هل هن} أي هذه الأوثان التي تعبدونها {كاشفات} أي عني مع اعترافكم بأنه لا خلق لها وأنها مخلوقة لله تعالى {ضره} أي الذي أصابني به نوعاً من الكشف، لأرجوها في وقت شدتي {أو أرادني برحمة} لطاعتي إياه في توحيده، وخلع ما سواه من عبيده {هل هن ممسكات} أي عني {رحمته} أي لأجل عصياني لهن نوع إمساك، لأطيعكم في الخوف منهن - هذه قراءة أبي عمرو بالتنوين وإعمال اسم الفاعل بنصب ما بعده، وهو الأصل في اسم الفاعل، والباقون بالإضافة، ولا فائدة غير التخفيف، وقد يتخيل منها أن الأوثان مختصة بهذا المعنى معروفة. ولما كان من المعلوم أنهم يسكتون عند هذا السؤال لما يعلمون من لزوم التناقض أن أجابوا بالباطل، ومن بطلان دينهم أن أجابوا بالحق، وكان الجواب قطعاً عن هذا: لا سوء نطقوا أو اسكتوا، تحرر أنه لا متصرف بوجه إلا الله، فكانت النتيجة قوله: {قل} إذا ألقمتهم الحجر: {حسبي} أي كافي {الله} الذي أفردته بالعبادة لأنه له الأمر كله مما يخوفونني به ومن غيره {عليه} وحده لأن له الكمال كله {يتوكل المتوكلون *} أي الذين يريدون أن يعلو أمرهم كل أمر، وأمره بالقول إعلاماً بأن حالهم عند هذا السؤال التناقض الظاهر جداً. ولما كانوا مع هذه الحجج القاطعة، والأدلة القامعة والبراهين الساطعة، التي لا دافع لها بوجه، كالبهائم لا يبصرون إلا الجزئيات حال وقوعها، قال مهدداً مع الاستعطاف: {قل يا قوم} أي يا أقاربي الذين أرتجيهم عند الملمات, وفيهم كفاية في القيام بما يحاولونه {اعملوا} أي افعلوا افعالاً مبنية على العلم {على مكانتكم} أي حالتكم التي ترتبتم فيها وجمدتم عليها لأنه جبلة لكم من الكون والمكنة لتبصروا حقائق الأمور، فتنتقلوا عن أحوالكم السافلة إلى المنازل العالية، فكأنه يشير إلى أنهم كالحيوانات العجم، لا اختيار لهم ويعرّض بالعمل الذي مبناه العلم والمكانة التي محطها الجمود بأن أفعالهم ليس فيها ما ينبني على العلم، وإنما هي جزاف لا اعتبار لها ولا وزن لها. ثم أجاب من عساه أن يقول له منهم: فماذا تعمل أنت؟ بقوله: {إني عامل} على كفاية الله لي، ليس لي نظر إلى سواه، ولا أخشى غيره، وليس لي مكانة ألتزم الجمود عليها، بل أنا واقف على ما يرد من عند الله، إن نقلني انتقلت وإن أمرني بغير ذلك امتثلت, وأنا مرتقب كل وقت للزيادة، ثم سبب عن قول من لعله يقول منهم: وماذا عساه يكون قوله؟ إيذاناً بأنه على ثقة من أمره، لأن المخبر له به الله: {فسوف تعلمون *} أي بوعد لا خلف فيه {من يأتيه} أي منا ومنكم {عذاب يخزيه} بأن يزيل عنه كل شيء يمكنه أن يستعذبه {ويحل عليه} أي يجب في وقته، من حل عليه الحق يحل بالكسر أي وجب، والدين: صار حالاً بحضور أجله {عذاب مقيم *} لإقامته على حالته وجموده على ضلالته، ومن يؤتيه الله انتصاراً يعليه وينقله إلى نعيم عظيم، لانتقاله بارتقائه في مدارج الكمال، بأوامر ذي الجلال والجمال، ولقد علموا ذلك في قصة المستهزئين ثم في وقعة بدر فإن من أهلكه الله منهم جعل إهلاكه أول عذابه ونقله به إلى عذاب البرزخ ثم عذاب النار، فلا انفكاك له من العذاب، ولا رجاء لحسن المآب. ولما تجلت عرائس هذه المعاني آخذة بالألباب، ولمعت سيوف تلك المباني من المثاني قاطعة الرقاب، وختمها بما ختم من صادع الإرهاب، أنتجت ولا بد قوله معللاً لإتيان ما توعدهم به مؤكداً لما لهم من الإنكار لمضمون هذا الإخبار: {إنا أنزلنا} أي بما لنا من باهر العظمة ونافذ الكلمة. ولما كان توسط الملك خفياً. لم يعده فأسقط حرف الغاية إفهاماً لأنه في الحقيقة بلا واسطة بعد أن أثبت وساطته أول السورة فقال مقروناً بالأمر بالعبادة إشارة إلى بداية الحال، فلما حصل التمكن فصار الكتاب خلقاً له صلى الله عليه وسلم وصار ظهوره فيه هادياً لغيره، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {عليك} أي خاصة لا على غيرك من أهل هذا الزمان، لأنك عندنا الخالص لنا دون أهل القريتين ودون أهل الأرض كلهم، لم يكن لشيء دوننا فيك حظ {الكتاب} الجامع لكل خير لكونه في غاية الكمال بما دل عليه "ال" {للناس} عامة لأن رسالتك عامة {بالحق} مصاحباً له، لا يقدر الخلق على أن يزيحوا معنى من معانيه عن قصده، ولا لفظاً من ألفاظه عن سبيله وحده، بل هو معجز في معانيه - حاضرة كانت أو غائبه - ونظومه، وألفاظه وأسماء سوره وآياته وجميع رسومه، فلا بد من إتيان ما فيه من وعد ووعيد. ولما تسبب عن علم ذلك وجوب المبادرة إلى الإذعان له لفوز الدارين، حسن جداً قوله تعالى تسلية له صلى الله عليه وسلم لعظيم ما له من الشفقة عليهم وتهديداً لهم: {فمن اهتدى} أي طاوع الهادي {فلنفسه} أي فاهتداؤه خاص نفعه بها ليس له فيه إلا أجر التسبب {ومن ضل} أي وقع منه ضلال بمخالفته لداعي الفطرة ثم داعي الرسالة عن علم وتعمد، أو إهمال للنظر وتهاون. ولما كان ربما وقع في وهم أنه يحلق الداعي بعد البيان ومن إثم الضال، وكان السياق لتهديد الضالين. زاد في التأكيد فقال: {فإنما يضل عليها} أي ليس عليك شيء من ضلاله، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ولما هدى السياق إلى أن التقدير: فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم على الهدى، عطف عليه قوله: {وما أنت} أي في هذا الحال، ولمزيد العناية بنفي القهر أداة الاستعلاء فقال: {عليهم بوكيل *} لتحفظهم عن الضلال، فإن الرسالة إليهم لإقامة الحجة لا لقدرة الرسول على هدايتهم ولا لعجز المرسل عن ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏قل أرأيتم ما تدعون من دون الله‏} ‏ يعني الأصنام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ‏ {‏هل هن كاشفات ضره‏} ‏ مضاف لآمنون كاشفات‏.‏‏.‏‏.‏، وممسكات رحمته مثلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏وما أنت عليهم بوكيل‏} ‏ قال‏:‏ بحفيظ‏.‏ والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} لوضوحِ الدَّليلِ وسنوح السَّبـيلِ {قُلْ} تبكيتاً لهُم {أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ} أي بعد ما تحقَّقتُم أنَّ خالق العالم العلويَّ والسُّفليِّ هو الله عزَّ وجلَّ فأخبروني أن آلهتَكم إنْ أرادني الله بضرَ هل يكشفنَ عنِّي ذلك الضُّرِّ {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ} أي أو أرادني بنفعٍ {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ} فيمنعنها عنِّي. وقُرىء كاشفاتٌ ضرَّه وممسكاتٌ رحمتَه بالتَّنوينِ فيهما ونصبِ ضُرِّه ورحمته. وتعليق إرادة الضُّرَّ والرَّحمةِ بنفسه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للردِّ في نحورِهم حيث كانُوا خوّفوه معرَّةَ الأوثانِ ولما فيه من الإيذانِ بإمحاضٍ النَّصيحةِ. {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ} أي في جميعِ أموري من إصابةِ الخير ودفعِ الشَّرِّ. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا سألهم سكتُوا فنزلَ ذلك {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكّلُونَ} لا على غيرِه أصلاً لعلمهم بأنَّ كلَّ ما سواه تحت ملكوتِه تعالى: {قُلْ يٰقَوْمٌ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} على حالتِكم التي أنتمُ عليها من العداوة التي تمكَّنتُم فيها فإنَّ المكانة تُستعار من العَين للمعنى كما تُستعار هُنا وحَيثُ للزَّمانِ مع كونِهما للمكانِ. وقُرىء على مكاناتِكم {إِنّى عَـٰمِلٌ} أي على مكانتِي فحذف اللاختصارِ والمبالغةِ في الوعيدِ والاشعارِ بأنَّ حالَه لا تزال تزداد قوَّةً بنصر الله عزَّ وجلَّ وتأيـيدِه ولذلك توعَّدهم بكونه منصُوراً عليهم في الدَّارينِ بقوله تعالى {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} فإنَّ خِزي أعدائِه دليلُ غلبتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقد عذَّبهم الله تعالى وأخزاهم يومَ بدرٍ. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائمٌ هو عذابُ النَّارِ. {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّـاسِ} لأجلِهم فإنَّه مناطُ مصالحِهم في المعاشِ والمعادِ {بِٱلْحَقّ} حال من فاعل أنزلَنا أو من مفعولِه {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ} بأنْ عملَ بما فيه {فَلِنَفْسِهِ} أي إنَّما نفعَ به نَفسه {وَمَن ضَلَّ} بأنْ لم يعمل بموجبِه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} لما أنَّ وبالَ ضلاله مقصورٌ عليها. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} لتُجبرَهم على الهُدى، وما وضيفتُك إلاَّ البلاغُ وقد بلَّغت أيَّ بلاغٍ {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا} أي يقبضِها من الأبدانِ بأنْ يقطع تعلُّقها عنها وتصرُّفها فيها إمَّا ظاهراً وباطناً كما عند الموتِ أو ظاهراً فقط كما عند النَّومِ {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} ولا يردُّها إلى البدنِ. وقُرىء قُضِيَ على البناءِ للمفعولِ ورفعِ الموتَ. {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ} أي النَّائمةَ إلى بدنها عند التَّيقظِ {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو الوقتُ المضربُ لموتِه وهو غاية لجنس الإرسال الواقعِ بعد الإمساكِ لا لفردٍ منه فإنَّ ذلك مَّما لا امتدادَ فيه ولا كميَّة. وما رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ في ابنِ آدمَ نَفساً ورُوحاً بـينهما مثلُ مثل الشَّمسِ فالنفسُ هي التي بها العقلُ والتَّميـيزُ والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحركُ فتتوفيان عند الموتِ وتُتوفى النَّفسُ وحدَها عند النَّوم قريبٌ مَّما ذُكر. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذُكر من التَّوفِّي على الوجهينِ والإمساكِ في أحدِهما والإرسالِ في الآخرِ {لآيَاتٍ} عجيبةً دالَّةً على كمال قُدرته تعالى وحكمته وشمول رحمتِه {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في كيفَّيةِ تعلُّقِها بالإبدان وتوفِّيها عنها تارة بالكُلَّيةِ كما عند الموت وإمساكها باقيةً لا تفنى بفنائِها وما يعتريها من السَّعادةِ والشَّقاوةِ وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند النَّومِ وإرسالها حيناً بعد حينٍ إلى انقضاءِ آجالِها.

التستري

تفسير : قوله: {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}[38] قال: يعني إن نزع الله عني العصمة عن المخالفات أو المعرفة على الموفقات، هل يقدر أحد أن يوصلها إلي، {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ}[38] أي بالصبر على ما نهى عنه، والمعونة على ما أمر به، والاتكال عليه في الخاتمة. وقال: الرحمة العافية في الدين والدنيا والآخرة، وهو التولي من البداية إلى النهاية.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}. قال القاسم: التوكل أن يكون بما فى يد الله أوثق منه بما فى يده وأن يكون بضمانه ووعده أيقن مما فى بيته وشغل المتوكل مولاه لا طلب دنيا ولا آخرة ليس له طلب ولا له هرب لأنه يعلم أن المقادير قد سبقت فلا تغيير ولا تبديل. قوله عز وعلا: {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} [الآية: 38]. قال سهل: يعنى إن نزع الله عنى عتمة المخالفات والمعونة على الموافقات هل يقدر أحد أن يوصلها إلىّ أو إذا أرادنى برحمة - أى بالصبر والمعونة على أمر الدين والدنيا والآخرة وهو التولى من البداية إلى النهاية. قوله تعالى: {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} [الآية: 38]. قال سهل: المفوضون إليه فى جميع أمورهم.

القشيري

تفسير : قَرَّرَ عليهم عُلُوَّ صفاته، وما هو عليه من استحقاق جلاله فأقرُّوا بذلك، ثم طالَبَهم بِذكْرِ صفاتِ الأصنام التي عبدوها من دونه، فلم يمكنهم في وصفها إلا بالجمادية، والبُعَدِ عن الحياة والعِلْم والقدرةِ والتمكُّنِ من الخَلْقِ، فيقول: كيف أشركتم به هذه الأشياء؟ وهلاَّ استحيَيْتُم من إطلاق أمثال ذلك في صفته؟ قُلْ - يا محمد - حَسْبِيَ الله، عليه يتوكل المتوكلون؛ كافِيَّ اللَّهُ المتفرِّدُ بالجلالِ، القادرُ على ما يشاء، المتَفَضِّلُ عليَّ بما يشاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولئن سألتهم} اى هؤلاء المشركين الذين يخوفونك بآلهتهم فقلت لهم {من خلق السموات والارض} من اخترع هذين الجنسين المعبر عنهما بالعالم {ليقولن الله} اى خلقهن الله لوضوح الدليل على اختصاصه بالخالقية واللام الاولى توطئة وتمهيد للقسم والثانية جواب له وهو سادّ مسدّ جوابين. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الايمان الفطرى مركوز فى جبلة الانسان من يوم الميثاق اذا شهدهم الله على انفسهم فقال {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : كما قال تعالى {أية : فطرة الله التى فطر الناس عليها} تفسير : وقال عليه السلام "حديث : كل مولود يولد على الفطرة" تفسير : فلا يزال يوجد فى الانسان وان كان كافرا اثر ذلك الاقرار ولكنه غير نافع الا مع الايمان الكسبى بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاؤا به {قل} تبكيتا لهم {أفرأيتم ما تدعون من دون الله ان ارادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره} أرأيتم بمعنى اخبرونى جعل الرؤية وهو العلم الذى هو سبب الاخبار مجازا عن الاخبار وتدعون بمعنى تعبدون وما عبارة عن الآلهة والضر سوء الحال ايا كان من مرض وضيق معيشة وشدة والاستفهام للانكار وضميرهن راجع الى ما باعتبار الآلهة. والكشف الاظهار والازالة ورفع شىء عما يواريه ويعطيه. والمعنى بعد ما تحققتم ان خالق العالم العلوى والسفلى هو الله تعالى فاخبرونى ان آلهتكم ان ارادنى الله بضر هل هن يكشفن عنى ذلك الضرر والبلاء ويدفعنه اى لا تقدر على دفعه وازالته {او ارادنى برحمة} اى او ان ارادنى بنفع من صحة او غنى او غير ذلك من المنافع {هل هن ممسكات رحمته} فيمنعنها عنى اى لا تقدر على امساك تلك الرحمة ومنعها وتعليق ارادة الضر والرحمة بنفسه عليه السلام للرد فى نحورهم حيث كانوا خوفوه مضرة الاوثان ولما فيه من الايذان بامحاض النصح وانما قال كاشفات وممسكات ابانة لكمال ضعفها واشعارا بانوثتها كما قال {أية : ان يدعون من دونه الا اناثا} تفسير : وهم كانوا يصفونها بالانوثة مثل العزى واللات ومناة فكأنه قال كيف اشركتم به تعالى هذه الاشياء الجمادية البعيدة من الحياة والعلم والقدرة والقوة والتمكن من الخلق هلا استحييتم من ذلك {قل} يا محمد {حسبى الله} حسب مستعمل فى معنى الكفاية اى الله كافىّ فى جميع امورى من اصابة الخير ودفع الشر: وبالفارسية [بسست مرا خداى تعالى در رسانيدن خيروباز داشتن شر]. روى انه عليه السلام لما سألهم سكتوا فنزل {عليه} تعالى لا على غيره اصلا {يتوكل المتوكلون} لعلمهم بان ما سواه تحت ملكوته تعالى شعر : توباخداى خود اندازكار ودل خوش دار كه رحم اكر نكند مدعى خدا بكند تفسير : وفيه اشارة الى ان من تحول عن الكافى الى غير الكافى لم يتم امره فلا بد من التوكل على رب العباد والتسليم له والانقياد [دركليله ودمنه كويد باسلطان قوى كسى طاقت ندارد وكس با اونستيزد مكر بكردن دادن ويرا مثل آن حشيش كه هركاه كه باد غلبه كيرد خودرا فراباد دهد تادر زمين همين كرداندش آخرنجات يابد وآن درخت رفته راكه كردن ننهد از بيخ بركندن وجون شرار بينى وازوبترسى بيش اودر زمين بغلظ تواضع كن تابرهى كه شيرا كرجه عظيم بود اما كريم بود] فالعصمة من الله تعالى ـ حكى ـ ان سفينة مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اخطأ الجيش بارض الروم واسر فانطلق هاربا يلتمس الجيش فاذا باسد فقال له يا ابا الحارث انا سفينة مولى رسول الله فكان مرادى كيت وكيت فاقبل الاسد يتبصبص حتى قام الى جنبه فركب عليه فكان كلما سمع صوتا اهوى اليه فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش ثم رجع الاسد. وفيه اشارات منها ان الحيوان المفترس لا يقدر على الاضرار اذا كان المرء فى عصمة الله فكيف الجماد. ومنها أن طاعة الله تعالى والتوكل عليه سبب النجاة من المهالك. ومنها ان الاستشفاع برسول الله والتقرب اليه بالايمان والتوحيد والعمل بسنته يهدى الى سواء الصراط كما هدى سفينة رضى الله عنه. فعلى العاقل اخلاص التوحيد والاعراض عما سوى الله تعالى فانه تعالى كاف لعبده فى كل حال من الاحوال والامور

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولئن سألْتَهُم} أي: مَن يخوفونك ممن سوى الله، وقلت لهم: {مَن خلَقَ السماواتِ والأرض لَيقولُنَّ اللهُ}؛ لوضوح الدلائل على انفراده بالاختراع. {قُلْ} تبكيتاً لهم: {أفرأيتم ما تدعون من دون الله} من الأصنام، {إِن أرادنيَ اللهُ بضُرٍّ هل هن كاشفاتُ ضُره} أي: إذا تحققتم أن خالق العالم العلوي والسفلي هو الله وحده، فأخبروني عن آلهتكم، إن أرادني اللهُ بضُر هل يقدر أحد منهم على كشف ذلك الضر عني؟ {أو أرادنِي برحمةٍ} أي: بنفع {هل هن مُمسكاتُ رحمته} وصارفتها عني؟! وقرأ البصري: "كاشفاتٌ" و "ممسكاتٌ" بالتنوين، ونصب "ضره" و "رحمته" على المفعول. وتعليق إرادة الضر والرحمة بنفسه صلى الله عليه وسلم، للرد في نحورهم؛ حيث كانوا يُخوفونه من معرَّة الأوثان، ولما فيه من الإيذان بإمحاض النصيحة. وإنما قال: "كاشفات" و "ممسكات" على التأنيث، بعد قوله: {ويُخوفونك بالذين من دونه}؛ لأنهن إناث، وهن اللات، والعزّى، ومناة، وفيه تهكّم بهم، وبمعبودهم؛ حيث جعلهم يعبدون الإناث. {قُل حَسْبِيَ اللهُ} أي: كافيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم سكتوا، فنزلت: {قل حسبي الله عليه يتوكلُ المتوكلون}، لا على غيره أصلاً؛ لعلمهم بأن كل ما سواه تحت قهر ملكوته. الإشارة: الناس على قسمين: أعداء وأحباب، فإن نظرت إلى الأعداء وجدتهم لا يقدرون أن ينفعوك بشيء إلا ما قدّر الله لك، وإن نظرت إلى الأعداء وجدتهم لا يقدرون أن يضروك بشيء إلا ما قدّر الله عليك، فارفض الجميع، وتعلّق بالله بغنك عن غيره، ويوصل إليك ما قسم لك بالعز والهناء. ثم توعّدهم بالعذاب، فقال: {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} عطف على من يضلل الله وهو حالٌ فى مقام التّعليل {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} فكيف يخوّفونك بالّذين من دونه {قُلْ} ردّاً عليهم فى تخويفهم {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} والحال ان لا ضرّ الاّ منه ولا رحمة الاّ باذنه فكيف تخوفّوننى بها والخوف لا يكون الاّ بالاضرار او منع النّفع وفى ايراد الضّمائر مؤنّثاتٍ توهينٌ لآلهتهم سواء اريد بها الاصنام والكواكب وامثالها او المترأسّين فى الدّين مقابل الرّؤساء الحقّة {قُلْ} لهم بنحو التّجرى ولا تخف {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} ولا حاجة لى الى غيره فلتفعل آلهتكم بى ما قدروا {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} يعنى ينبغى ان يتوكّل عليه المتوكّلون لانّه لا فاعل فى الوجود باقرار الكلّ الاّ هو.

اطفيش

تفسير : {وَلَئِن} اللام مؤذنة بالقسم ولسبقها على الشرط كان الجواب لها* {سَأَلْتَهُم} أي هؤلاء المشركين* {مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} وما فيها وما بينهما* {لَيَقُولُنَّ اللهُ} أي خلقهن الله وأوجب ابن هشام الاول لقوله {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} تفسير : وانما يقرون بأن الخالق لهن الله الوضوح والبرهان على تفرده بالخالقية؛ وجمهور الخلق مقرون بوجود الله القادر الحكيم فان فطرة العقل شاهدة بصحة ذلك فان من تأمل عجائب السموات والأرض وما فيهما من أنواع الموجودات علم أن ذلك من ابتداع قادر حكيم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون جلب نفع ولا دفع ضر بقوله: ـ {قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} من الأصنام {إِنْ أَرَادَنِيَ} بفتح الياء وسكنها حمزة* {اللهُ بِضُرٍّ} وجملة* {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} مفعول ثان لرأى عن العمل فيها بالاستفهام ولولاه لجاء مفرداً أو جملة نائبة عنه بلا تعليق أو الجملة نابت ما ناب مفعول (رأى) الثالث معلقاً مضمناً معنى (أخبروني) والأول محذوف هو الياء وبسطت ذلك فى حاشية شرح الشذور* {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ} أي نعمة وخير* {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} باضافة كاشفات لضر وممسكات لرحمة بتخفيف وقرأ أبو عمرو بتنوينهما ونصب (الضر والرحمة) على المفعولية على الأصل ذكر القراءتين ابن هشام وغيره والهمزة أصلها بعد الفاء أو داخلة على المحذوف أي اتحققتم ان خالق العالم هو الله سبحانه وتعالى فرأيتم بعد ذلك ان آلهتكم تكشف ضراً أي تزيله أرادني الله به وترد رحمة أرادني الله بها وانما ذكر فى قوله {ويخوفنك بالذين} بأنه مقام تعظيمهم للاصنام وأنت هنا واعتبر تأنيثها وهن اللات والعزى ومناة لانه يقوم مقام تضعيف ورد وتعجيز لانهن اناث أضعف ما تدعون لهن وتهكم عليهم باثبات الانوثية لها كأنها نساء عاقلات واحترس بأنهن لا يملكن نفعاً ولا ضراً ولما قال صلى الله عليه وسلم لهم {أفرأيتم ما تدعون}.. الخ، أفحمهم فسكتوا فنزل. {قُلْ حَسْبِىَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} وفيه تهكم كأنه أثبت الضر لأصنامهم فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعتصم بالله ويلتجئ اليه من أن تضره وتهكم آخر بأن هذه الكلمة وهي (حسبي الله) الخ كافية فى دفع ضرها ومعنى (حسبي الله) هو ثقتى وعليه اعتمادي وكفايتي وقدم {عليه يتوكل} للحض والتوكل والثقة أي لا يثق من كان أهلاً للثقة لعلمهم بأن النفع والضر من الله الا على الله.

اطفيش

تفسير : {ولئن سَألتَهُم مَن خَلقَ السَّماوات والأرض ليقولنَّ الله} خلقهن كما صرح به فى آية أخرى، فهو أولى من تقدير الذى خلقهن الله، وقد أقروا بأنه خلقهن، لم يجدوا محيدا عن ذلك لعلمهم أن غيره عاجز عن ذلك، العقل إذا استعمل أدرك أن كل ما هو ممكن لا يتصور إلا بمن هو واجب الوجود {قُل} تبكيتا لهم {أفرأيتُم} يقدر على قول الحذف أتفكرتم فرأيتم، أى علمتم {ما تَدعُون مِن دُون الله} ما مفعول أول، والثانى جملة الاستفهام المعلق عنها، وكذا فى المعطوف، وأداة الشرط، وجملة الشرط مقدرة التأخير عن جملة الاستفهام فى قوله تعالى: {إنْ أرادَنِي الله بضُرّ هل هنَّ كاشفات ضره أو أرادني برحْمة هل هنَّ ممسكات رحْمَته} وجواب الشرط أغنى عنه جملة الاستفهام، وان جعلنا الهمزة مما بعد الفاء فالمعنى أخبرونى، وجملة الاستفهام مفعوله معلق عنه، وقال: {كاشفات} و {ممسكت} بالتأنيث ذما لها بالضعف، ولأنهم يسمونها بأسماء الاناث، ويقولون هى اناث، ويعبرون عنهن أيضا بالذكور، وقدم الضر لأن دفعه أهم، والخير معه متكدر، والنفس مائلة الى التخلى عنه قبل التحلى بالخير، ولما سألهم سكنوا، فنزل قوله تعالى: {قُلْ حَسْبي الله} فى اصابة الخير، ودفع الضر {عليه} لا على غيره {يتَوكَّل المتَوكِّلون} من أراد التوكل، أو من اعتاد التوكل عليه.

الالوسي

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } لظهور الدليل ووضوح السبيل فقد تقرر في العقول وجوب انتهاء الممكنات إلى واجب الوجود. والاسم الجليل فاعل لفعل محذوف أي خلقهن الله {قُلْ } تبكيتاً لهم {أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } أي إذا كان خالق العالم العلوي والسفلي هو الله عز وجل كما أقررتم فأخبروني أن آلهتكم إن أرادني الله سبحانه بضر هل هن يكشفن عني ذلك الضر، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر؛ وقال بعضهم: التقدير إذا لم يكن خالق سواه تعالى فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر، وجوز أن تكون عاطفة على مقدر أي أتفكرتم بعد ما أقررتم فرأيتم ما تدعون الخ. {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ } أي أو أن أرادني بنفع {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } فيمنعها سبحانه عني. وقرأ الأعرج وشيبة وعمرو بن عبيد وعيسى بخلاف عنه وأبو عمرو وأبو بكر {كاشفات } و{ممسكات} بالتنوين فيهما ونصب ما بعدهما وتعليق إرادة الضر والرحمة بنفسه النفيسة عليه الصلاة والسلام للرد في نحورهم حيث كانوا خوفوه معرة الأوثان ولما فيه من الإيذان بإمحاض النصحية. وقدم الضر لأن دفعه أهم. وقيل: {كَـٰشِفَـٰتُ } و {مُمْسِكَـٰتُ} على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيهاً على كمال ضعفها. {رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ } كافيَّ جل شأنه في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر. روي عن مقاتل أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم سكتوا فنزل ذلك. {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ } لا على غيره في كل شيء {ٱلْمُتَوَكّلُونَ } لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته تعالى.

ابن عاشور

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} اعتراض بين جملة {أية : أليس الله بعزيز}تفسير : [الزمر: 37]، وجملة قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله}، فالواو اعتراضية، ويجوز أن يكون معطوفاً على جملة {أية : أليس الله بكاف عبده}تفسير : [الزمر: 36] وهو تمهيد لما يأتي بعده من قوله: {قُل أفرءيتُم ما تدعُون من دون الله}، لأنه قصد به التوطئة إليه بما لا نزاع فيه لأنهم يعترفون بأن الله هو المتصرف في عظائم الأمور، أي خلقَهُما وما تحويانه، وتقدم نظيره في سورة العنكبوت. {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ المتوكلون} جاءت جملة {قل أفرءيتم}على أسلوب حكاية المقاولة والمجاوبة لكلامهم المحكي بجملة {ليقولن الله} ولذلك لم تعطف الثانية بالواو ولا بالفاء، والمعنى: ليقولن الله فقل أفرأيتم ما تدعون من دون الله الخ. والفاء من {أفرءيتم} لتفريع الاستفهام الإنكاري على جوابهم تفريعاً يفيد محاجّتهم على لازم اعترافهم بأن الله هو خالق السماوات والأرض كما في قوله تعالى: {أية : قل أفغير اللَّه تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر:64]. وهذا تفريع الإلزام على الإقرار، والنتيجة على الدليل فإنهم لما أقروا بأنه خالق السمَاوات والأرض يلزمهم أن يقرّوا بأنه المتصرف فيما تحويه السماوات والأرض. والرؤية قلبية، أي أفظننتم. و {ما تدعون من دون الله} مفعول (رأيتم) الأول والمفعول الثاني محذوف سدّ مسده جوابُ الشرط المعترَض بعد المفعول الأول على قاعدة اللغة العربية عند اجتماع مبتدأ وشرطٍ أن يجري ما بعدهما على ما يناسب جملة الشرط لأن المفعول الأول لأفعال القلوب في معنى المبتدأ. وجملة {هل هن كاشفات ضرِّهِ} جواب {إِنْ}. واستعمال العرب إذا صُدّر الجواب بأداة استفهام غير الهمزة يجوز تجرده عن الفاء الرابطة للجواب كقوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللَّه بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون}تفسير : [الأنعام: 47]، ويجوز اقترانه بالفاء كقوله:{أية : قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من اللَّه }تفسير : [هود: 63]. فأما المصدّر بالهمزة فلا يجوز اقترانه بالفاء كقوله: {أية : أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن اللَّه يرى}تفسير : [العلق: 13، 14]. وجواب الشرط دليل على المفعول الثاني لفعل الرؤية. والتقدير: أرأيتم مَا تدعون من دون الله كاشفاتٍ ضرّه. والهمزة للاستفهام وهو إنكاري إنكاراً لهذا الظن. وجيء بحرف {هل} في جواب الشرط وهي للاستفهام الإِنكاري أيضاً تأكيداً لما أفادته همزة الاستفهام مع ما في (هل) من إفادة التّحْقيق. وضمير {هُنَّ} عائد إلى مَا الموصولة وكذلك الضمائر المؤنثة الواردة بعده ظاهرةً ومستترة، إما لأن (مَا) صْدَقَ ما الموصولة هُنا أحجار غيرُ عاقلة وجمع غير العقلاء يَجري على اعتبار التأنيث، ولأن ذلك يُصير الكلام من قبيل الكلام الموجه بأن آلهتهم كالإِناث لا تقدر على النصر. والكاشفات: المزيلات، فالكشف مستعار للإِزالة بتشبيه المعقول وهو الضُرّ بشيء مستتر، وتشبيهِ إزالته بكشف الشيء المستور، أي إخراجه، وهي مكنية والكشف استعارة تخييلية. والإِمساك أيضاً مكنية بتشبيه الرحمة بما يُسعَف به، وتشبيه التعرض لحصولها بإمساك صاحب المتاع متاعه عن طالبيه. وعدل عن تعدية فعل الإِرادة للضر والرحمة، إلى تعديته لضمير المتكلم ذات المضرور والمَرحوم مع أن متعلق الإِرادات المعاني دون الذوات، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: إن أراد ضرّي أو أراد رحمتي فحق فعل الإِرادة إذا قصد تعديته إلى شيئين أن يكون المرادُ هو المفعول، وأن يكون ما معه معدىًّ إليه بحرف الجرّ، نحو أردتُ خيراً لزيد، أو أردت به خيراً، فإذا عدل عن ذلك قصد به الاهتمام بالمراد به لإِيصال المراد إليه حتى كأن ذاته هي المراد لمن يريد إيصال شيء إليه، وهذا من تعليق الأحكام بالذوات. والمرادُ أحوال الذوات مثل {أية : حُرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3]، أي أكلها. ونظم التركيب: إن أرادني وأنا متلبس بضرّ منه أو برحمة منه، قال عمرو بن شاس:شعر : أَرَادَتْ عِراراً بالهَوانِ ومَنْ يُرِدْ عِراراً لَعَمْرِي بالهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ تفسير : وإنمَا فَرض إرادة الضر وإرادة الرحمة في نفسه دون أن يقول: إن أرادكم، لأن الكلام موجَّه إلى ما خوفوه من ضُر أصنامهم إياه. وقرأ الجمهور {كٰشفٰت ضُرِّه} و {مُمسِكٰت رحمته} بإضافة الوصفين إلى الاسمين. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بتنوين الوصفين ونَصب {ضُرَّه} و {رحمتَه} وهو اختلاف في لفظِ تعلُّق الوصف بمعموله والمعنى واحد. ولمّا ألقمهم الله بهذه الحجة الحجَرَ وقطَعهم فلا يُحيروا ببنْت شَفَة أَمَر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون}، وإنما أعيد الأمر بالقول ولم يَنتظِمْ {حسبي الله} في جملة الأمر الأول، لأن هذا المأمور بأن يقوله ليس المقصود توجيهه إلى المشركين فإن فيما سبقه مَقنَعاً من قلة الاكتراث بأصنامهم، وإنما المقصود أن يكون هذا القول شِعَارَ النبي صلى الله عليه وسلم في جميع شؤونه، وفيه حَظ للمؤمنين معه حاصل من قوله: {عليه يتوكل المتوكلون} قال تعالى: {أية : يا أيها النبي حسبك اللَّه ومن اتبعك من المؤمنين}تفسير : [الأنفال: 64]، فإعادة فعل {قل} للتنبيه على استقلال هذا الغرض عن الغرض الذي قبله. والحسْب: الكافي. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل}تفسير : في [آل عمران: 173]. وحُذف المتعلِّق في هذه الجملة لعموم المتعلِّقَات، أي حسبيَ الله من كل شيء وفي كل حال. والمراد بقوله اعتقادُه، ثم تذكُّرُه، ثم الإِعلانُ به، لتعليم المسلمين وإغاظة المشركين. والتوكل: تفويضُ أمور المفوِّض إلى من يَكفيه إياه، وتقدم في قوله:{أية : فإذا عزمت فتوكل على اللَّه إن اللَّه يحب المتوكلين}تفسير : في سورة [آل عمران: 159]. وجملة عليه يتوكل {المتوكلون} يجوز أن تكون مما أُمر بأن يقوله تذكراً من النبي صلى الله عليه وسلم وتعليماً للمسلمين فتكون الجملة تذييلاً للتي قبلها لأنها أعمّ منها باعتبار القائلين لأن {حسبي الله} يؤول إلى معنى: توكلت على الله، أي حَسبي أنا وحسب كل متوكل، أي كل مؤمن يعرف الله حق معرفته ويعتمد على كفايته دون غيره، فتعريف {المتوكلون} للعموم العرفي، أي المتوكلون الحقيقيون إِذ لا عبرة بغيرهم. ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى خاطبَ به رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بأن يقوله فتكون الجملة تعليلاً للأمر بقَول: {حسبي الله}، أي اجعَلْ الله حسبك، لأن أهل التوكل يتوكلون عَلَى الله دون غيره وهم الرسل والصالحون وإذ قد كنتَ من رفيقهم فكن مثلَهم في ذلك على نحو قوله تعالى: {أية : أولئك الذين هدى اللَّه فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90]. وتقديم المجرور على {يتوكَّلُ} لإِفادة الاختصاص لأن أهل التوكل الحقيقيين لا يتوكلون إلا على الله تعالى، وذلك تعريض بالمشركين إذ اعتمدوا في أمورهم على أصنامهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} الآية. ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن المعبودات من دونه، لا تقدر أن تكشف ضراً أراد الله به أحداً، أو تمسك رحمة أراد بها أحداً، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42] وقوله تعالى: {أية : قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 72ـ74]. وقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [فاطر: 2] وقوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهُ} تفسير : [يونس: 107] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.

القطان

تفسير : حسبي: كافيني. من دونه: الاصنام. مكانتكم: الحال التي انتم عليها. اشمأزت: ضاقت ونفرت، انقبضت. بعد ان بين الله تعالى حال المؤمنين في الجنة، حيث يتمتعون بنعيمها ويؤتيهم الله ما يشاؤون - يؤكد هنا انه يكفيهم في الدنيا ما أهمَّهم، ولا يضيرهم ما يخوّفهم به المشركون من غضب الأوثان وما يعبدون من آلهة مزيفة. فالأمور كلها بيد الله. كذلك بيّن ان قول المشركين يخالف فعلهم، فحين تسألهم: من خلق السماوات والارض؟ يقولون: الله. وهم مع ذلك يعبدون غيره. ثم يسألهم سؤال تعجيز: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ؟} كلا، طبعا. وما دامت هذه الاصنام لا تنفع ولا تضر، فقل يا محمد {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}. ثم أمر رسوله الكريم ان يقول لهم: {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ.... } اعملوا ما تشاؤون وعلى الحال التي تحبون، اني عاملٌ حسب ما أمرني الله، ويوم الحساب ترون المحقَّ من المبطِل، ومن سيحل عليه عذاب مقيم يخزيه يوم يقوم الناس لرب العالمين. وبعد ان حاجّهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالأدلة القاطعة على وحدانية الله تعالى - بيّن الله تعالى أنه انما انزل عليه القرآن بالحق وليس عليه الا إبلاغه للناس، فمن اهتدى فقد فاز، ومن ضل فعليه وزره يتحمله، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} لتجبرهم على الإيمان والهدى. ثم بين الله تعالى انه يأمر بقبض الأرواح حين موتها بانتهاء أجلها، ويقبض الأرواح التي لم يحنْ اجلُها حين نومها، فيمسك التي قضى عليها الموت لا يردّها الى بدنها، ويرسل الاخرى التي لم يحن أجلها عند اليقظة الى أجل محدد عنده. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} من اهل العقول المفكرة المدبرة. ثم بين ان الاصنام التي اتُخذت شفعاء لا تملك لنفسها شيئاً ولا تعقل شيئا، فكيف تشفع لهم؟. قل لهم يا محمد: الشفاعة لله وحده، وله وحده ملك السماوات والارض. {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. ثم بين الله معايب المشركين وسُخفهم بانه اذا قيل لا اله الا الله وحده نفرت قلوبهم وانقبضت وظهر الاشمئزاز على وجوههم، واذا ذُكرت آلهتهم التي يعبدونها من دون الله {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} ويفرحون. قراءات: قرأ ابو عمرو والكسائي عن ابي بكر: كاشفاتٍ ضره.... ممسكاتٍ رحمته. بتنوين كاشفات وممسكات، ونصب ضره ورحمته، والباقون بالاضافة كشافات ضره.... وقرأ حمزة والكسائي: فيمسك التي قُضي عليها.... بالبناء للمفعول. والباقون: قَضى بفتح القاف والضاد.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِن} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {أَفَرَأَيْتُم} {كَاشِفَاتُ} {مُمْسِكَاتُ} (38) - وَإِذَا سَأَلْتَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ اللهُ العَالِمُ الحَكِيمُ. وَإِذَا كَانُوا يُقِرُّونَ بِوُجُودِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الخَلْقِ، فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ عِبَادَةُ غَيْرِهِ، أَوْ إِشْرَاكُ غَيْرِهِ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ؟ فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكُمْ هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَكْشِفَ عَنِّي ضُراً أَرَادَ اللهُ أَنْ يُنْزِلَهُ بِي، أَوْ تَمْنَعَ وُصُولِ خَيْرٍ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُوِصِلَهُ إِلَيَّ؟ وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُمْ سَيُقِرُّونَ بِأَنَّهَا غَيرُ قَادِرَةٍ عَلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الأَصْنَامُ لاَ تَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ فَلاَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَعْبُدَهَا وَيُخَاصِمَ فِي سَبِيلِهَا. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَسْبِي وَكَافِيَّ. وَأَنَا أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِي، وَعَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَتَوَكَّلَ مَنْ أَرَادَ التَّوَكُّلَ وَالاعْتِمَادَ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِتفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). أَفَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي. حَسْبِي اللهُ - اللهُ كَافِيَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أراد الحق سبحانه أنْ يُسفِّه أحلامهم في أنْ يعبدوا أصناماً، وأراد سبحانه أنْ يقيم عليهم الدليل والحجة على بطلان هذه العبادة، وأنْ يكون هذا الدليلُ إقراراً منهم لا خبراً منه سبحانه، وقلنا: إن إثبات الحكم إما أن يكون خبراً منك، أو إقراراً من المقابل. والإقرار - كما قلنا - سيد الأدلة، وأنت لا تترك للمخاطب أنْ يحكم هو إلا إذا كنت واثقاً أنه سيقول ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك: ألم أُحْسن إليك يوم كذا وكذا؟ لا تقولها إلا وأنت واثقٌ أنه لا يستطيع أنْ ينكر. لذلك فالحق سبحانه يسألهم هنا عن عمدة الكون في الخَلْق أو الظرف الأعلى الذي يحوي المخلوقات كلها وهو السماوات والأرض، فالإنسان خُلِق له الكون قبل أنْ يُخلق، فطرأ على أرض فيها زرع ونبات وماء وهواء وتربة صالحة، وطرأ على سماء فيها الكواكب والنجوم والشمس والقمر. فقال سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} [الزمر: 38] لا بدّ أنْ يقولوا الله، والله وحده لأنهم أداروا فكرهم فلم يجدوا أحداً ادعى هذا الخَلْق، ولم يأتِ ببال أحد من الكافرين أو المعاندين أو المنكرين لوجود الله لم يأت على باله أنْ يدّعي هذا الادعاء. ولو تتبعنا خَلْق الإنسان من لَدُنْ آدم عليه السلام ومَنْ جاء من ذريته نجده طرأ على هذا الكون بسمائه وأرضه، فلو سألناه: أأنت خلقت السماء والأرض؟ لا يستطيع أنْ يقول: أنا خلقتهما. فاسألهم أنت يا محمد هذا السؤال: {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [الزمر: 38] ولا بدّ أنْ يقولوا (الله) لأنه ما مرّت فترة على موجود ليس في وجوده أرض وسماء، حتى يُقال إنه أوجدها لما جاء، بل الجميع طارئ على هذا الكون. ومثلهما تماماً: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] لأن أول مخلوق خُلِق وأوجد لا يستطيع أحد أنْ يقول له: أنا خلقتك، ولا يقدر هو أنْ يقول خلقتُ نفسي. وقولهم في الجواب هنا (الله) يلفتنا إلى مسألة أخرى، فالله لفظ دائر على ألسنتهم ويفهمون مدلوله وإلا ما نطقوا به، ذلك لأن المعاني توجَد أولاً، ثم تُوضع لها الألفاظ التي تدلّ عليها، ومثَّلْنا لذلك (بالتليفزيون) مثلاً، فقبل أنْ يوجد ما كنّا نعرف هذا الاسم، لكن لما وُجِد وضعنا له الاسم، إذن: كلمة الله كيف دخلتْ لغة الناس؟ إذن: فلفظ الجلالة الله له مدلوله، وهو الحق سبحانه موجود قبل أنْ يُوجد هذا اللفظ. لذلك نقول لمن ينكر وجودَ الله تعالى: كلامك متناقض، فقوْلك الله غير موجود لا يستقيم، لأن الله مبتدأ محكومٌ عليه وغير موجود خبر محكوم به، فكيف تقول إنه غير موجود، والمعنى يُوجد قبل لفظه؟ وكلمة الله ما وُجدَتْ في لغة إلا لأنه سبحانه موجود، موجود قبل الاسم ونحن ما عرفنا الاسم إلا لما أخبرنا به صاحبه؛ لأن عمل العقل في الإيمان أنْ يدلَّك على أن وراء هذا الكون خالقاً أوجده، لكن ما هذه القوة؟ وماذا تريد من الخَلْق؟ هذه ليستْ مهمة العقل، فالعقل لا يصل إليها، إنما نعرفها بالبلاغ عن هذا الخالق. تذكرون أننا مثَّلنا هذه المسألة قلنا: نحن مثلاً جالسون في منزل ثم دقَّ جرس الباب، ساعة سمعنا الجرس اتفقنا جميعاً على أن أحداً بالباب، لأن كل حدث لا بُدَّ أنّ له محدثاً، لكن مَنْ هو؟ ماذا يريد؟ لا نعرف إلا إذا أخبرنا هو بماهيته وقال: أنا فلان، وأريد كذا وكذا. إذن: فالعقل بالنسبة للوجود الأعلى لا يدرك مُشخَّصات الوجود الأعلى، إنما فقط يؤمن بوجوده ويستدل عليه، وهو سبحانه يخبرنا باسمه وصفاته ومنهجه ومطلوباته، فالبلاغ لا بُدَّ أنْ يكون من صاحب الشأن. ومن خيبة الفلاسفة في البحث أنهم أرادوا أنْ يُدخِلوا العقل لا في المعقول فقط، إنما في تصور المعقول، والتصور ليس مهمتهم لأنك لا تستطيع أنْ تتصوَّر شكلَ هذا المعقول، أنت تعقل الموجود فقط ثم تترك للوجود أنْ يتكلم عن نفسه. لذلك (نقفشهم) حينما يقولون في العلوم: علوم مادية وعلوم وراء المادة، وهي التي يسمونها (الميتافيزيقا)، ومَنْ أعلمك أن وراء المادة شيئاً يُبحث عنه؟ والقضية أنه لا يوجد شيء إلا بشيء إلى أن نعرف هذا الشيء، فإن لم يستدرك عليه شيء آخر يثبت له. فالحق سبحانه قال وأخبر أنه هو الذي خلق هذا الخَلْق، فهذا الوجود لا يوجد إلا إذا أوجده واجد وأنا الذي أوجدته، ولم يَقُم لهذه الدَّعْوى معارض إذن: تثبت الدعوى لصاحبها إلى أنْ يُوجدَ معارض. لذلك سبق أنْ قلنا: إن كلمة الكفر هي نفسها دليلُ الإيمان، لأن الكفر معناه الستر، ولا يستر إلا موجود، فكأن الكفر طارئ على الإيمان، كأن الأصل في الفطرة السليمة الإيمان، ثم طرأ عليه الكفر ليستره. وبعد أنْ قالوا (الله) وأقروا الحجة الأولى في أنه سبحانه خالق السماوات والأرض قال لهم {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [الزمر: 38] يعني: أخبروني فأمَّنهم أن يقولوا هم وأنْ يخبروا عن الذين يدعونهم من دون الله أي الأصنام {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ ..} [الزمر: 38] أي: الأصنام {كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ..} [الزمر: 38] الجواب لا يكون إلا بالنفي، لأن الأصنام أولاً لا تسمع ضراعة مَنْ يتضرع لها، ولا يدركون مطلوبه، فكيف يجيبونه في كشف الضر عنه؟ وفي المقابل: {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ..} [الزمر: 38] أي: الأصنام {مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} [الزمر: 38] الجواب أيضاً بالنفي، إذن: ثبت النفع لله بإقرارهم، وثبت البطلان لآلهتهم، لكن إنْ تلجلجوا بعد ذلك فلم يجيبوك لأن الجواب سيلزمهم الحجة فَقُلْ: {حَسْبِيَ ٱللَّهُ ..} [الزمر: 38] أي: في إيجاد النافع في خَلْق السماوات والأرض، وحَسْبي الله في دفع الضر عني، فهو يكفيني. وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تفسير : [الزمر: 36] كافيه يعني: يعطيه النعمة نعمة الوجود أولاً، ثم نعمة امتداد هذا الوجود واستبقاء الحياة، ثم نعمة استبقاء النوع، وبعد ذلك يرفع عنه الضر إنْ أصابه ونزل به، والإنسان إذا مسَّه الضر في نفسه لا يتجه إلى إله باطل أبداً، لأنه لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، لذلك قال سبحانه: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67]. وقوله: {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] هنا أسلوب قَصْر، يقصر التوكل على الله وحده، وهذا هو التوكل الحقيقي؛ لأن المتوكل على شيء يجعل لقوته رصيداً إذا ذهبتْ هذه القوة، لذلك فالعاقل هو الذي يتوكل على مَنْ يغيثه ويُعينه وإذا احتاج إليه وجده، وقلنا: خاب مَنْ توكل على مثله لأنك تتوكل عليه، وتأمل عنده قضاء حاجاتك، وبعد أيام تقرأ نَعْيه في الجرائد، لذلك يُعلمنا ربنا سبحانه كيف نتوكل، فيقول: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58]. وفرْق بين التوكل والتواكل؛ لأنه يد الله مُدَّتْ قديماً بالأسباب للخَلْق، أسباب استبقاء الحياة بالطعام والشراب، وأسباب استبقاء النوع بالتزاوج. الحق سبحانه حينما ضمن لنا هذه الأسباب جعل لنا دوراً فيها، فالأرض مثلاً أمامك، والشمس تشرق عليها، والهواء يهبُّ عليها، والمطر يسقيها، وعليك أنت أنْ تستغلَّ هذه الأسباب بأنْ تحرثَ الأرضَ وتبذر البذور وترعاها لتعطيك الأرض من خيراتها، ولا تنتظر أنْ تجلس في بيتك والأسباب تأتيك بالطعام تضعه على مائدتك؛ لأن ربك خلقك وخلق لك الجوارح، وجعلها تنفعل لإرادتك فيدُكَ يمكن أن تضرب بها، ويمكن أن تمسح بها على رأس يتيم، لسانك يمكن أنْ تنطق به كلمة التوحيد، ويمكن أن تنْطق به ما ينافيها. لكن تذكَّر أن جوارحك خاضعة لمرادك في الدنيا فقط، أما في الآخرة فلا ولاية لك عليها، لأنها ستكون في ولاية خالقها، يوم يقول سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16] وعندها تتحرر جوارحك من ولايتك وتشهد عليك: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. هذه الأسباب وهذه الجوارح التي خلقها الله لك ما خلقها لتعطلها أنت، فإنْ كان العمل في إمكانك وطلبته من غيرك، فهذا هو التواكل، أنْ تهمل أسباب الله وتغفل عن هذه المملكة التي جعلها الله تدين لك وتطاوعك، وتأتمر بأمرك لمجرد الإرادة، هذه عزة متَّعكَ الله بها في ذاتك، فكيف تذلّ نفسك بالتوكل على مثلك؟ وكيف ترد يد الله الممدودة إليك؟ فإنْ أخذتَ بالأسباب، وأعملتَ عقلك وجوارحك فيما أعطاه اللهُ لك فأنت متوكل، وحقيقة التوكل أنْ تعمل بالجوارح وتتوكل على الله بالقلب، وتوقَّع أنْ يصيبك الابتلاء فتعمل وتأخذ بالأسباب ولا تعطيك، كالذي يزرع الأرض وتأتي جائحة فتقضي على المحصول مثلاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولئن سألت هؤلاء الضلال الذين يخوفونك بالذين من دونه، وأقمت عليهم دليلا من أنفسهم، فقلت: { مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } لم يثبتوا لآلهتهم من خلقها شيئا. { لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } الذي خلقها. وحده. { قُلْ } لهم مقررا عجز آلهتهم، بعد ما تبينت قدرة اللّه: { أَفَرَأَيْتُمْ } أي: أخبروني { مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ } أيَّ ضر كان. { هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ } بإزالته بالكلية، أو بتخفيفه من حال إلى حال؟. { أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ } يوصل إليَّ بها منفعة في ديني أو دنياي. { هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } ومانعاتها عني؟.سيقولون: لا يكشفون الضر ولا يمسكون الرحمة. قل لهم بعد ما تبين الدليل القاطع على أنه وحده المعبود، وأنه الخالق للمخلوقات، النافع الضار وحده، وأن غيره عاجز من كل وجه.عن الخلق والنفع والضر، مستجلبا كفايته، مستدفعا مكرهم وكيدهم: { قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } أي: عليه يعتمد المعتمدون في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، فالذي بيده - وحده - الكفاية هو حسبي، سيكفيني كل ما أهمني وما لا أهتم به.