Verse. 410 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

مَثَلُ مَا يُنْفِقُوْنَ فِيْ ھٰذِہِ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيْحٍ فِيْھَا صِرٌّ اَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوْۗا اَنْفُسَھُمْ فَاَھْلَكَتْہُ۝۰ۭ وَمَا ظَلَمَھُمُ اللہُ وَلٰكِنْ اَنْفُسَھُمْ يَظْلِمُوْنَ۝۱۱۷
Mathalu ma yunfiqoona fee hathihi alhayati alddunya kamathali reehin feeha sirrun asabat hartha qawmin thalamoo anfusahum faahlakathu wama thalamahumu Allahu walakin anfusahum yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«مثل» صفة «ما ينفقون» أي الكفار «في هذه الحياة الدنيا» في عداوة النبي أو صدقة ونحوها «كمثل ريح فيها صِرّ» حر أو برد شديد «أصابت حرث» زرع «قوم ظلموا أنفسهم» بالكفر والمعصية «فأهلكته» فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها «وما ظلمهم الله» بضياع نفقاتهم «ولكن أنفسهم يظلمون» بالكفر الموجب لضياعها.

117

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم في وجوه الخيرات، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة، وبيّن أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه به، وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع. فإن قيل: فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك، فكيف شبه الإنفاق بالريح الباردة المهلكة. قلنا: المثل قسمان: منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين، وهذا هو المسمى بالتشبيه المركب، ومنه ما حصلت المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين، وبين أجزاء كل واحدة منهما، فإذا جعلنا هذا المثل من القسم الأول زال السؤال، وإن جعلناه من القسم الثاني ففيه وجوه الأول: أن يكون التقدير: مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون، كمثل الريح المهلكة للحرث الثاني: مثل ما ينفقون، كمثل مهلك ريح، وهو الحرث الثالث: لعلّ الإشارة في قوله {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع العساكر عليه، وكان هذا الإنفاق مهلكاً لجميع ما أتوا به من أعمال الخير والبر، وحينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار وتقديم وتأخير، والتقدير: مثل ما ينفقون في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث، وهذا الوجه خطر ببالي عند كتابتي على هذا الموضع، فإن انفاقهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم أنواع الكفر ومن أشدها تأثيراً في إبطال آثار أعمال البر. المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين الأول: أن المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة سماه الله إنفاقاً كما سمى ذلك بيعاً وشراء في قوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] إلى قوله {أية : فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } تفسير : [التوبة: 111] ومما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] والمراد به جميع أعمال الخير وقوله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } تفسير : [البقرة: 188] والمراد جميع أنواع الانتفاعات. والقول الثاني: وهو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله {أية : لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم } تفسير : [آل عمران: 10] المسألة الثالثة: قوله {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } المراد منه جميع الكفار أو بعضهم، فيه قولان: الأول: المراد بالإخبار عن جميع الكفار، وذلك لأن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبقَ منه أثر ألبتة في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر وإن كان لمنافع الآخرة لم ينتفع به في الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به، فثبت أن جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة، ولعلّهم أنفقوا أموالهم في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل، وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيراً كثيراً فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلاً لآثار الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كثيراً فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات، أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم، فالذي قلناه فيه أسد وأشد، ونظير هذه الآية قوله تعالى:{أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } تفسير : [الأنفال: 36] وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ }تفسير : [النور: 39] فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب الثواب، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [المائدة: 27] وهذا القول هو الأقوى والأصح. واعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة، ولا يبعد أيضاً تفسيرها بخيبتهم في الدنيا، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر وتحملوا المشاق، ثم انقلب الأمر عليهم، وأظهر الله الإسلام وقواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة. والقول الثاني: المراد منه الإخبار عن بعض الكفار، وعلى هذا القول ففي الآية وجوه الأول: أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن على سبيل التقية والخوف من المسلمين، وعلى سبيل المداراة لهم، فالآية فيهم، الثاني: نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على الرسول عليه السلام الثالث: نزلت في إنفاق سفلة اليهود على أحبارهم لأجل التحريف والرابع: المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس كذلك. المسألة الرابعة: اختلفوا في {الصر} على وجوه الأول: قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد والثاني: أن الصر: هو السموم الحارة والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر ابن الأنباري، قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها {فِيهَا صِرٌّ } لتصويتها عند الالتهاب، ومنه صرير الباب، والصرصر مشهور، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ } تفسير : [الذاريات: 29] وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في {فِيهَا صِرٌّ } قال فيها نار، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل، لأنه سواء كان برداً مهلكاً أو حراً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث والزرع فيصح التشبيه به. المسألة الخامسة: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط، وذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق، وهذا إنما يصح إذا قلنا: إنه لولا الكفر لكان ذلك الإنفاق موجباً لمنافع الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط، وأجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد، والوعد من الله مشروط بحصول الإيمان، فإذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه؛ لأن الكفر أزاله بعد ثبوته، ودلائل بطلان القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } وفيه سؤال: وهو أن يقال: لم لم يقتصر على قوله {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ } وما الفائدة في قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ }. قلنا: في تفسير قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } وجهان الأول: أنهم عصوا الله فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شيء، وحرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية ولا يحصل منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه والثاني: أن يكون المراد من قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقته، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وعلى هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه، فإن من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعاً، فكذا ههنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ضائعاً، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } والمعنى أن الله تعالى ما ظلمهم حيث لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله تعالى، قال صاحب «الكشاف»: قرىء {وَلَـٰكِنِ } بالتشديد بمعنى ولكن أنفسهم يظلمونها، ولا يجوز أن يراد، ولكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن، لأنه لا يجوز إلا في الشعر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هِـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} «ما» تصلح أن تكون مصدرية، وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف، أي مثل ما ينفقونه. ومعنى {كَمَثَلِ رِيحٍ} كمثل مَهبّ ريح. قال ٱبن عباس: والصِّرّ البرد الشديد. قيل: أصله من الصرير الذي هو الصوت، فهو صوت الريح الشديدة. الزجاج: هو صوت لَهَب النار التي كانت في تلك الريح. وقد تقدّم هذا المعنى في البقرة. وفي الحديث: إنه نهى عن الجراد الذي قتله الصِّر. ومعنى الآية: مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعدما كانوا يرجون فائدته ونفعه. قال الله تعالىٰ: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بذلك {وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية ومَنْعِ حق الله تعالىٰ. وقيل: ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير وقت الزراعة أو في غير موضعها فأدّبهم الله تعالىٰ؛ لوضعهم الشيء في غير موضعه؛ حكاه المَهْدَوِيّ.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَثَلُ } صفة {مَا يُنْفِقُونَ } أي الكفار { فِى هَٰذِهِ الْحَيَٰوةِ } في عداوة النبي من صدقة أو نحوها {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } حرّ أو برد شديد {أَصَابَتْ حَرْثَ } زرع {قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعصية {فَأَهْلَكَتْهُ } فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بضياع نفقاتهم {وَلَٰكِن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر الموجب لضياعها.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ} نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر، أو في نفقة المنافقين في الجهاد رياء وسمعة. {صِرٌّ} برد شديد، أو صوت لهيب النار التي تكون في الريح قاله الزجاج، وأصل الصِّر: الصوت من الصرير. {ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بزرعهم في غير موضع الزرع، وفي غير وقته، أو أهلك ظلمهم زرعهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ...} الآية: وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهورُ المفسِّرين علَىٰ أن {يُنفِقُونَ} يراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي: يبطلها كفْرهم؛ كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ: البَرْدُ الشديدُ المُحْرِقُ لكلِّ ما يهُبُّ عليه، والحَرْثُ: شامل للزرعِ والثمارِ. وقوله سبحانه: {حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ...} الآية: مِنْ أَهْلِ العِلْم من يَرَىٰ أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم علَىٰ قوله؛ أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في {يُنفِقُونَ}، وليس هو للقومِ ذوي الحَرْث.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بيَّن أن أموالهم لا تغني عنهم شيئاً، فربما أنفقوها في وجوه الخير، فيخطر ببالهم أنهم يبتغون بذلك وجه الله، فأزال الله تعالى - بهذه الآية - ذلك الخاطر، وبَيَّن أنهم لا ينتفعون بشيء من تلك النفقات. والمثل: الشبه الذي يصير كالعلم؛ لكثرة استعماله فيما يشبه به. و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية وما بعدها محذوف لاستكمال الشروط أي "ينفقونه". وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع. قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ} خبر المبتدأ، وعلى هذا الظاهر - أعني: تشبيه الشيء المنفق بالريح - استشكل التشبيه؛ لأن المعنى على تشبيهه بالحرث - أي: الزرع - لا بالريح، وقد أجيب عن ذلك بوجوه: أحدها: أنه من باب التشبيه المركب، بمعنى أنه تقابل الهيئة المجتمعة بالهيئة المجتمعة، وليس تقابل الأفراد بالأفراد كما مر في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ} وهذا اختيار الزمخشري. ثانيها: أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين، فذكر أحد المشبَّهين، وترك ذكر الآخر وذكر أحد المشبهين به، فقد حذف من كل اثنين ما يدل عليه نظيره، كما مر في قوله تعالى: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ} تفسير : [البقرة: 171]، وهو اختيار ابن عطية، قال: "وهذا غاية البلاغة والإعجاز". وثالثها: أنه على حذف مضاف، إمَّا من الأول، تقديره: مثل مهلك ما ينفقونه، وإما من الثاني، تقديره: كمثل مهلك ريح، وهذا الثاني أظهر؛ لأنه يؤدِّي - في الأول - إلى تشبيه الشيء المُنْفَق - المُهْلَك - بالريح، وليس المعنى عليه، ففيه عَوْدٌ لما فُرَّ منه. وذكر أبو حيان التقدير المشار إليه، ولم ينبه عليه اللهم إلا أن يريد بـ "مهلك" اسم مصدر، أي: مثل إهلاك ما ينفقون، ولكن يحتاج إلى تقدير مثل هذا المضاف - أيضاً - قبل "رِيح" تقديره: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح. وقيل: التقدير: مثل الكفر - في إهلاك ما ينفقون - كمثل الريح المهلكة للحرث. وقال ابن الخطيب: "لعل الإشارة في قوله: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} إلى ما أنفقوا في إنذار رسول الله صلى الله عليه وسلم في جَمْع العساكر عليه، فكان هذا الإنفاق مهلكاً لجميع ما أتَوْا به من أعمال البر والخير، حينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار، وتقديم وتأخير، والتقدير: مثل ما ينفقون في كونه مبطلاً لما أتوا به - قبل ذلك - من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث". وهذا فيه نظر؛ لأن الكفار لا يثبت لهم عملُ برٍّ، حتى تحبطه النفقة المذكورة، قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وقد يمكن أن يجاب عنه بأنه إن كان المراد بالذين كفروا: أهل الكتاب، فقد كانت لهم أعمال بر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان المراد: المشركين، فلا يُحْكَم عليهم إلا بعد البعثة، قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. ويجوز في "ما" أن تكون موصولة اسمية، وعائدها محذوف - أي: مثل ما ينفقونه - وأن تكون ما مصدرية، وحينئذ يكون قد شبه إنفاقهم - في عدم نفعه - بالريح الموصوفة بهذه الصفة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس. فصل اختلفوا في هذا الإنفاق - هاهنا - فقيل: هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة، قال تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92] والمراد به: جميع أعمال الخير. وقيل: المراد به: إنفاق الأموال، للآية المتقدمة. فصل اختلفوا هل المراد - بهذه الآية - جميع الكفار، أو بعضهم؟. فقيل: جميع الكفار؛ وذلك لأن إنفاقهم إن كان لمنافع الدنيا، لم يبق له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإن كان لمنافع الآخرة - كبناء الرباطات، والقناطر، والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل، ووجوه البر - يرجو بذلك الإنفاق خيراً، لم ينتفع به في الآخرة؛ لأن كفره يبطله، فكان كمن زرع زرعاً، وتوقع منه نفعاً كثيراً، فأصابته الريح، فأحرقته، فلا يبقى معه غير الأسف والحزن، قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وقيل: المراد: بعض الكفار. فقيل: أراد نفقات أبي سفيان، وأصحابه يوم بدر وأحُد - على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: أراد نفقات اليهود على علمائهم؛ لأجل التحريف. وقيل: إن المنافقين كانوا يُنفقون أموالَهم في سبيلِ الله، لكن على سبيل التَّقِيَّة، والخوف من المسلمين، مداراةً لهم. قوله: {فِيهَا صِرٌّ} في محل جر، نعتاً لـ "ريح"، ويجوز أن يكون {فِيهَا صِرٌّ}: جملة من مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون "فيها" - وحده - هو الصفة، و "صِرٌّ" فاعل له - وجاز ذلك؛ لاعتماد الجار على الموصوف - وهذا أحسن؛ لأن الأصل في الأوصاف: الإفراد، وهذا قريب منه. والصِّرّ: قال ابْنُ عبَّاسٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأكثر أهل اللغة: إنه البرد الشديد، المحْرِق. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 1578- لا تَعْدِلِينَ أتَاوِيِّينَ تَضْربُهُمْ نَكْبَاءُ صِرٌّ بِأصْحَابِ الْمُحِلاَّتِ تفسير : وقيل: الصِّرُّ بمعنى: الصرصر - وهو البرد -. قالت ليلى الأخيلية: [الطويل] شعر : 1579- وَلَمْ يَغْلِبِ الْخَصْمَ الألَدَّ وَيَمْلأ الْــ ــجِفَانَ سَرِيعاً يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرْصَرِ تفسير : مأخوذ من الشد والتعقيد، ومنه الصُّرَّة - للعُقْدة - وأصَرَّ على كذا: لَزِمَه. وقال أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، وابْنُ الأنْبَارِي: هي السَّمُومُ الحَارَّة. وقال الزجاج: الصَّرْصَر: صوت لهيب النار - في الريح - من صَرَّ الشيءُ، يَصِرُّ، صَريراً - أي: صَوَّت بهذا الحِسِّ المعروف، ومنه صرير الباب، والصرة: الصيحة، قال تعالى: {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} تفسير : [الذاريات: 29]. وروى ابْنُ الأنْبَارِيِّ - بإسناده - عن ابْنِ عَبَّاسٍ، في قوله: {فِيهَا صِرٌّ} قال: فيها نار. وعلى القولين، فالمقصود من التشبيه حاصل؛ لأنه - سواء كان بَرْداً مُهْلِكاً، أو حَرًّا مُحْرِقاً - يبطل الحرث والزرع، وإذا عُرِف هذا، فإن قلنا: الصِّرّ: البَرْد الشديد، أو هو صوت النار، أو هو صوت الريح، فَظَرْفِيَّة الريح له واضحة، وإن كان الصِّرُّ صفة الريح - كالصرصر - فالمعنى: فيها قِرَّة صر - كما تقول: برد بارد - وحُذِفَ الموصوف، وقامت الصفة مقامه، أو تكون الظرفية مجازاً جعل الموصوف ظرفاً للصفة. كقوله: [الوافر] شعر : 1580-................... وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي تفسير : ومنه قوله: إن ضيعني فلان، ففي الله كافٍ، المعنى: الرحمن كافٍ، الله كافٍ، وهذا فيه بُعْد. قوله: "أصَابَتْ" هذه الجملة في محل جَرّ - أيضاً - صفة لـ "رِيح". ولا يجوز أن يكون صفة لـ "صر"؛ لأنه مذكَّر، وبدأ أولاً بالوَصْف بالجار؛ لأنه قريب من المفرد، ثم بالجملة، هذا إن أعربنا "فِيهَا" - وحده - صفة، ورفعنا به "صِرٌّ"، أما إذا أعربناه خبراً مقدماً، أو "صِرٌّ" مبتدأ، فهما جملة - أيضاً -. قوله: {ظَلَمُوا} صفة لـ "قوم"، والضمير في {ظَلَمَهُمُ} يعود على القوم ذوي الحرث، أي: ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي التي كانت سبباً في إهلاكهم؛ أو لأنهم زرعوا في غير موضع الزرع، أو في غير وقته؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وبهذا يتأكد وَجْه الشبه؛ لأن الزرع - لا في موضعه، ولا في وقته - يضيع، ثم أصابته الريح الباردة، فكان أولى بالضياع، وكذا - هاهنا - الكفار لما أتَوْا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤمُ كُفْرِهم، فصار ضائعاً، والله أعلم. وجوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغيره: أن يعود الضمير على المنفقين، وإليه نَحَا ابْنُ عَطِيَّةَ، ورجحه بأن أصحاب الحرث لم يُذْكَروا للرد عليهم، ولا لتبيين ظلمهم، بل لمجرد التشبيه. وقوله: {وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} العامَّة على تخفيف "لكن"، وهي استدراكية، و "أنْفُسَهُمْ" مفعول مقدَّم، قُدِّم للاختصاص، أي: لم يقع وبالُ ظلمهم إلاَّ بأنفسهم خاصَّة، لا يتخطاهم، ولأجل الفواصل - أيضاً -. وقرأها بعضُهم مشدَّدة، ووجهها أن تكون "أنْفُسَهُمْ" اسمها، و "يَظْلِمُونَ" الخبر، والعائد من الجملة الخبريَّة على الاسم محذوف، تقديره: ولكن أنفسهم يظلمونها، فحذف، وحسَّنَ حذفَه كَوْنُ الفعلِ فاصلة، فلو ذكر مفعوله، لفات هذا الغرض. وقد خرجه بعضهم على أن يكون اسمها ضمير الأمر والقصة - حُذِفَ للعلم به، و "أنْفُسَهُمْ" مفعول مقدم لـ "يَظْلِمُونَ" كما تقدم والجملة خبر لها. وقد رُدَّ هذا بأن حذف اسم هذه الحروف لا يجوز إلا ضرورة. كقوله: [الخفيف] شعر : 1581- إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْماً يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وَظِبَاءَ تفسير : على أن بعضهم لا يُقصره على الضرورة، مستشهداً بقوله - عليه السلام-: "حديث : إنَّ مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرون ". تفسير : قال: تقديره: إنه، ويعزى هذا للكسائي. وقد ردَّه بعضُهم، وخرَّج الحديثَ على زيادة "من" والتقدير: إن أشد الناس. والبصريون لا يُجِيزون زيادة "من" في مثل هذا التركيب لما تقدم وإنما يُجيزها الأخفش.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} قال: مثل نفقة الكافر في الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: مثل ما ينفق المشركون ولا يتقبل منهم، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون. فأصابته ريح فيها صر فأهلكته، فكذلك أنفقوا فأهلكهم شركهم. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس {فيها صر} قال: برد شديد. أخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {فيها صر} قال برد. قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول نابغة بني ذبيان: شعر : لا يبردون إذا ما الأرض للها أصر الشتاء من الأمحال كالادم

القشيري

تفسير : ما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسراتٍ متتابعة، وما حصلوا من حسباناتهم إلا على محن مترادفة، وذلك جزاء من أعرض وتولّى.

اسماعيل حقي

تفسير : {مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا} اى حال ما ينفقه الكفرة قربة او مفاخرة وسمعة وطلبا لحسن الذكر بين الناس وعداوة لاهل الاسلام كما انفق ابو سفيان واصحابه مالا كثيرا على الكفار يوم بدر واحد {كمثل ريح فيها صر} اى برد شديد مهلك فانه فى الاصل مصدر وان شاع اطلاقه على الريح البارد كالصرصر {اصابت حرث قوم} اى زرع قوم {ظلموا انفسهم} بالكفر والمعاصى فباؤا بغضب من الله وانما وصفوا بذلك لان الاهلاك عن سخط اشد وافظع {فاهلكته} عقوبة لهم ولم تدع منه اثرا ولا عثيرا والمراد تشبيه ما انفقوا فى ضياعه وذهابه بالكلية من غير ان يعود اليهم نفع مّا بحرث كفار ضربته صرّ فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة بوجه من الوجوه فهو من التشبيه المركب {وما ظلمهم الله} بما بين من ضياع ما انفقوا من الاموال {ولكن انفسهم يظلمون} لما انهم اضاعوها بانفاقها لا على ما ينبغى وتقديم المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص. واعلم ان انفاق الكفار اما ان يكون لمنافع الدنيا او لمنافع الآخرة فان كان لمنافع الدنيا لم يبق منه اثر البتة فى الآخرة فى حق المسلم فضلا عن الكافر وان كان لمنافع الآخرة ولعلهم انفقوا اموالهم فى الخيرات ببناء الرباطات والقناطر والاحسان الى الضعفاء والايتام والارامل وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الانفاق خيرا كثيرا فاذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلا لآثار الخيرات وكان كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كثيرا فاصابه ريح فاحرقه ولا يبقى معه الا الحزن والاسف هذا اذا انفقوا الاموال فى وجوه الخيرات. اما اذا انفقوها فيما ظنوا انه من الخيرات لكنه كان من المعاصى مثل انفاق الاموال فى ايذاء الرسول وفى قتل المؤمنين وتخريب ديارهم فالذى قلنا فيه اشد واشد ونظير هذه الآية {أية : وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} تفسير : [الفرقان: 23]. ويدخل فيه ما ينفقه بعض صاحبى الغرض لنفى رجل صالح من بلده او قتله او ايذائه ونعوذ بالله من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع عن عمره فيم افناه وعن جسده فيم ابلاه وعن علمه ما عمل فيه وعن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه " .تفسير : فليبادر العاقل الى الانفاق من ماله والاخلاص فى عمله قال عليه الصلاة والسلام "حديث : يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدى الله عز وجل فيقول الله تعالى للملائكة القوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا الا خيرا فيقول وهو اعلم ان هذا كان لغيرى ولا اقبل اليوم من العمل الا ما ابتغى به وجهى". شعر : زعمرو اى بسر جشم اجرت مدار جو در خانه زيد باشى بكار جه قدر آورد بنده حورديس كه ز ير قبا دارد اندام ييس تفسير : قال منصور بن عمار رحمه الله كان لى اخ فى الله يعتقدنى ويزورنى فى شدتى ورخائى وكان كثير العبادة والتهجد والبكاء ففقدته اياما فقيل لى هو ضعيف مريض فاتيت بابه فطرقته فخرجت ابنته فدخلت فوجدته فى وسط الدار وهو مضطجع على فراشه وقد اسود وجهه وازرقت عيناه وغلظت شفتاه فقلت له يا اخى اكثر من قول لا اله الا الله ففتح عينيه ونظر الىّ شزرا ثم وثم حتى قلت له لئن لم تقلها لا غسلتك ولا كفتك ولا صليت عليك فقال يا اخى منصور هذه كلمة قد حيل بينى وبينها فقلت لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم فاين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام فقال يا اخى كل ذلك كان لغير وجه الله انما كنت افعل ذلك ليقال واذكر به واذا خلوت بنفسى غلقت الابواب وارخيت الستور وبارزت ربى بالمعاصى شعر : ور آوازه خواهى در اقليم فاش برون حله كن درون حشو باش تفسير : فلا غرور للعاقل بكثرة الاعمال والاولاد والاموال اذا لم تكن نيته صحيحة فيما يجرى عليه من الاحوال فاين الذين آثروا العقبى بل المولى على كل ما سواه فوجدوا الفقر اعز من الغنى والذل الذ من العزة وبذلوا اموالهم وارواحهم فى سبيل الله لعمرى قوم عزيز الوجود وقليل ما هم وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} تفسير : [التكاثر: 1-2]. ثم قال "حديث : يقول ابن آدم مالى وهل لك من مالك الا ما اكلت فافنيت او لبست فابليت او تصدقت فامضيت " .تفسير : قال عليه الصلاة والسلام "حديث : يا عائشة ان اردت اللحوق بى فليكفك من الدنيا كزاد الراكب واياك ومجالسة الاغنياء ولا تستخلقى ثوبا حتى ترقعيه " .تفسير : وقال عليه السلام "حديث : اللهم من احبنى فارزقه العفاف والكفاف ومن ابغضنى فاكثر ماله وولده " .تفسير : فقد وقفت ايها العبد على حقيقة الحال وان المال لا يغنى عن المرء شيأ فعليك بالقناعة وتقليل الدنيا ولا تغتر باصحاب الاموال والجاه شعر : از بى ذكر وشوق حق مارا در دو عالم دل وز بانى بس وز طعام ولباس اهل جهان كهنه دلقى ونيم نانى بس

ابن عجيبة

تفسير : قلت: في الكلام حذف، أي: مثل تلف ما ينفقون كمثل إتلاف ربح... الخ، و {الصر}: البرد الشديد، أو ريح فيها صوت وبرد، أو السموم الحارة. يقول الحقّ جلّ جلاله: مثل ما يُنفق الكفار، قربة أو مفاخرة وسمعة، أو ما ينفق سفلة اليهود على أحبارهم، أو المنافقون؛ رياء وخوفاً، {كمثل ريح} فيها برد شديد {أصابت حرث قوم} أي: زرعهم، فأتلفته وأهلكته، والمراد: تشبيه نفقتهم وأعمالهم في تلفه وضياعه وعدم الانتفاع به، بحرث كفار، ضربته ريح فيها برد فاجتاحته، فأصبح صعيداً زلقاً، ولم تبق فيه منفعة في الدنيا والآخرة، {وما ظلمهم الله} بأن ضيع أعمالهم من غير سبب، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب الكفر الذي أحبط أعمالهم. الإشارة: كل من لم يحقق مقام الإخلاص، ولم يصحب أهل التخليص والاختصاص، لا تنفك أعماله من علل، ولا أحواله من دخل، فأعماله فارغة خفيفة، أقل ريح تقلعها وتسقطها عن درجة الاعتبار، وما زالت العامة تقول: الصحيح يصح، والخاوي يدريه الريح. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : النزول: قيل ان هذه الآية في أبي سفيان، وأصحابه يوم بدر، لما تظاهروا على النبي (صلى الله عليه وسلم) في الانفاق. وقيل بل نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حروب المشركين على وجه النفاق للمؤمنين. المعنى: والمثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما مشبه به، فلما كان إنفاق المنافق والكافر ضائعاً، ويستحق عليه العقاب والذم أشبه الحرث المهلك، فلذلك ضرب به المثل. وفي الآية حذف، وتقديرها مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك {ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم} فحذف الاهلاك لدلالة آخر الكلام عليه وفيه تقدير آخر، مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، فيكون تشبيه ذلك الانفاق بالمهلك من الحرث بالرياح. اللغة: والريح جمعه رياح ومنه الروح، لدخول الريح الطيبة على النفس، وكذلك الارتياح. والتروح الراحة من التعب، لأنه بمنزلة الروح الذي يدخل على النفس بزوال التعب. ومنه الاستراحة، والمراوحة، لأنها تجلب الريح. ومنه الروح، لأنها كالريح في اللطامة ومنه الرائحة، لأن الريح تحملها إلى الحس، ومنه الرواح، لأنه رجوع كالريح، للاستراحة. وقوله: {فيها صر} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد، والضحاك: هو البرد وأصله الصوت من الصرير. قال الزجاج: الصر صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح ويجوز أن يكون الصر صوت الريح الباردة الشديدة، وذلك من صفات الشمال، فانها توصف بان لها قعقعة. المعنى: وقوله: {وما ظلمهم الله} نفي للظلم عن الله تعالى يعني في نفي استحقاقهم للثواب، واستحقاقهم للعقاب، وإن ذلك ليس بظلم منه تعالى {ولكن أنفسهم يظلمون} بذلك. وإنما وصفهم بأنهم ظلموا أنفسهم، لأمرين: أحدهما - أن ظلمهم اقتضى هلاك حرثهم عقوبة لهم، لأنه لو هلك على جهة الابتلاء والمحنة لم يعتد بعاجل المضرة، للعوض الموفى عليه في العاقبة. الثاني - أن يكونوا ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقت الزراعة، فجاءت الريح فأهلكته تأديباً من الله لهم في وضع الشيء غير موضعه الذي هو حقه.

الجنابذي

تفسير : {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} اى الكفرة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ والمعنى مثل القوى والمدارك والاعمار والاموال الّتى ينفقها هؤلاء الكفرة لان تكون ذخيرة وزرعاً لآخرتهم فى انفاقها فى غير مواقعها وفى جعلها فى محلٍّ لا يصل نفعها اليهم، وفى هلاكها وفناءها قبل بلوغها مبلغ الانتفاع {فِي} زمان {هِـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} او فى حفظها او ابقائها {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} برد شديد {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بجعل الزّرع فى موضع يهلك ويفنى قبل بلوغه ولا يصل نفعه اليهم، او بزرعه فى غير وقته حتّى يدركه البرد فيهلكه والمعنى كمثل حرثٍ اصابته ريحٌ وقد مضى مكرّراً انّ التشبيه التمثيلىّ لا يلزم التّرتيب بين اجزاء المشبّه والمشبّه به ولا دخول اداة التّشبيه على المشبّه به او المعنى مثل ما ينفقون من اموالهم واعمارهم وقواهم فى زمان الحياة الدّنيا او فى حفظها فى اهلاك الحرث الاخروىّ التّكوينىّ الّذى زرع الله بذره فى وجودهم كمثل ريحٍ فيها برد شديد اصابت حرث قوم ظلموا انفسهم بالمعاصى عقوبة لهم، او بوضع الحرث فى غير محلّه او فى غير وقته {فَأَهْلَكَتْهُ} وافنته {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} اى ما ظلم الكفّار فى فناء منفقاتهم بلا منفعة لهم {وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بانفاقهم فى محلٍّ او على وجهٍ او بنيّةٍ لا يصل منفعته اليهم، او المعنى وما ظلم الله قوماً اهلك الرّيح حرثهم ولكنّهم ظلموا انفسهم بزرع الحرث فى غير محلّه او فى غير وقته او مع اسخاط الله بمعصيتهم لا مع ارضائه بطاعتهم، وكان حقّ العبارة ان يقول: وما الله ظلمهم ولكنّهم يظلمون لانّه اذا اريد نفى الفعل عن فاعل مع اثباته لغيره ينبغى ان يقع الفاعل المنفىّ عنه عقيب اداة النّفى والفاعل مثبت له عقيب اداة الاستدراك لكنّه اراد ان يقول انّه لا ظلم فى ابطال الانفاق ولا فى اهلاك هذا الحرث فأدخل النّفى على الفعل دون الفاعل افادة لهذا المعنى، واثبت ظلماً ما لهم باعتبار منع انفسهم وقواهم عن حقوقها، وحصر وقوع الظّلم على انفسهم اشعاراً بهذا المعنى.

الهواري

تفسير : قوله: {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} قال مجاهد: يعني نفقة الكفار. وقال الحسن: نفقة المشركين والمنافقين، يقول: لا يكون لهم في الآخرة منها ثواب، وتذهب كما ذهب هذا الزرع الذي أصابته الريح التي فيها الصّر. والصّر: البرد الشديد في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [أي من غير المسلمين] {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [أي: شراً] وهي مثل قوله: (أية : وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) تفسير : [التوبة:16]، في تفسير الحسن. وقال الحسن: نهاهم الله أن يتولوا المنافقين، وقال مجاهد: المنافقين من أهل المدينة. {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} أي: وَدُّوا مَا ضَاقَ بكم، كقوله: (أية : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا). تفسير : [آل عمران:120]. قال: {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} قال: قد ظهرت البغضاء من أفواههم لبغضهم الإِسلام ورسول الله والمؤمنين. {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} أي في البغض والعداوة، ولم يظهروا العداوة، أسرّوها فيما بينهم، فأخبر الله بذلك رسوله. وقال بعضهم: {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}، أي إلى إخوانهم من الكفار، من غشِّهم الإِسلامَ وأهلَه وبغضِهم إياه: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، أي ما تكنّ صدورهم من العداوة والبغض أكبر، أي: أعظم مما أبدوا. قال: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}

اطفيش

تفسير : {مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِى هذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أى ما ينفق الكفار لعداوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ولو بعده صلى الله عليه وسلم كأبى سفيان واليهود وغيرهم، وقيل: نفقة جميع الكفار وصدقاتهم وهو أولى. وقيل: المراد نفقة أبى سفيان بدر وأحد، وأصحابه. وقيل: نفقة اليهود على علمائهم، ورؤسائهم، وقيل: نفقة المرائى الخائف، وهذا القول ضعيف، لأنه لم يتقدم ذكر المرائين، وإنما المراد هنا من أريد فى قوله {أية : إن الذين كفروا}تفسير : لأن الظاهر أن الضمير عائد إلى الذين كفروا فالتعميم فيهما أولى. {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ}: برد شديد تحرق كلما هبت عليه، والصر: البرد والتنكير للتعظيم، ولذلك قلت: برد شديد، وهو مصدر وشاع استعماله بمعنى الريح الباردة، ولا يصح فى الآية إذ لا وجه لقولك كمثل ريح فيها ريح باردة، اللهم إلا على التجريد البديعى، وهو مبالغة، بل وجه استعماله الشائع فى الريح الباردة، أن أصله مطلق البرد، فوصف به الريح مبالغة حتى أنه يطلق الصر، ويعلم أنه الريح الباردة، كأنه قيل ريح صر، كقولك فى المبالغة فى عدل زيد: زيد عدل، ويجوز كونه وصفاً نعت به المصدر مبالغة، من لفظه كنهار أنهر، وليلة ليلاء، وشعر شاعر أى برد بارد. {أصَابَتْ حَرْثَ قوْمٍ}: أى زرع قوم، وهو نباتهم الذى حرثوا له البذر فنبت منه. {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم}: بالشرك أو ما دونه من المعاصى. {فأهْلَكَتْهُ}: عقوبة لهم، ووصف قوماً بأنهم ظلموا ليكون إهلاك حرثهم لأن الإهلاك عن سخط أشد، فيكون قد شبه ما أنفق هؤلاء بحرث أهلك إهلاكاً شديداً، ووجه الشبه عدم الانتفاع، كما لا نفع فى ذلك الحرث لا نفع لهم فى إنفاقهم، لأنه فى معصية أو هو رياء، فلا ثواب، ولو كان نفع فى الدنيا، فى بعض الأحيان، وذلك من التشبيه المركب، إذ شبه ما أنفقوه وضياعه، بلا نفع، وكفرهم الذى هو سبب لضياعه، والريح التى هى سبب الضياع، لجامع مطلق عدم الحصول على منفعة، ولذلك صح أن يلى كمثل لفظ ريح وإلا تلا الحرث، ويجوز أن يكون تشبيهاً إفرادياً فيقدر مضاف، أى كمثل مهلك ريح - بفتح اللام من مهلك - وهو الحرث ولما حذف المضاف صح ذكر لفظه فى قوله {أية : حرث قوم}.تفسير : {وَمَا ظَلَمَهُم}: أى ما ظلم المنفقين بعدم إثباتها على ما أنفقوا، ودلت الآية أن الذنوب سبب الثبات والثمار، وكذا هى سبب للأمراض قيل: إن مصائب الدنيا كلها للذنوب. {الله ولكَنْ أنْفُسَهُم يَظْلِمُونَ}: بانفاقهم فى المعصية أو بريائهم أو كفرهم، أو ما ظلم القوم الحارثين بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم فى التسبب فى ضياع حرثهم، لما ذكر عنهم من الظلم فى قوله {حَرْثَ قوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم} وهو الشرك، وما دونه، وقدم {أنفسهم} على ناصبه للحصر والفاصلة، وقرئ بتشديد {لكن} فيكون اسمه أنفسهم لا ضمير الشأن، إذ لا يحذف ضمير الشأن اسما، لكن إلا فى الضرورة كقول أبى الطيب: شعر : وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق تفسير : فإن "من" شرطية لجزم "يبصر" و "يعشق" حتى كسرت القاف، و"من" الشرطية لها الصدر لا تعمل فيها "لكن" فقدر لها ضمير الشأن.

اطفيش

تفسير : {مثَلُ} صفة {مَا يُنفِقُونَ} ينفق المشركون تقربا إلى الله على الفقراء والأرحام، وفى تجهيز جيوش الكفر كأبى سفيان يوم أُحد ويوم بدر، وعَلَى الأصنام وسدنتها وشأنها وخوفا ورثاء كإنفاق المنافقين، وكان نفاقهم بإضمار الشرك، وإنفاق اليهود علىعلمائهم لتحريف التوراة، والذى أقول به إن المراد ما تصدقوا به تقرباً إلى الله، لقوله تعالى، وما ظلمهم الله {فِى هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمُثَلِ رِيحٍ} كمثل مهلك ريح، بفتح اللام، وهو الحرث {فِيَها صِرٌّ} حر أو برد أو صوت من تلك الريح، أو من النار، فى تلك الريح، وأما، إن جعلنا الصر نفس الريح الباردة أو الحارة، فالمعنى كمثل ريح بعضها صر أى حار أو بارد، أو تأكيد كقولك برد بار، أو فيها برد بارد، كجد جده {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} زرع قوم {ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} بالكفر والمعاصى، قيد القوم بالظلم ليدل على المبالغة، لأن الإهلاك عن السخط يكون أشد {فًأَهْلَكْتهُ} فلم ينتفعوا به، كذلك لا ينتفع دينا وأخرى المشركون بما أنفقوا من أموالهم ولو فى تقرب إلى الله، لم تقبل صدقتهم ولم يؤثر إنفاقهم فى عداوة الإسلام شيئاً {وَمَا ظَلَمهُمُ اللهُ} بتضييع نفقتهم أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بوضع النفقة فى غير محلها وبالبقاء على وصف لا تقبل معه نفقة ولو وضعت فى مواضعها، وهو الشرك أو يظلمون أنفسهم بفعل ما يعاقبون عليه بإهلاك حرثهم، فالضمائر للمشركين، أو لأصحاب الحرث وأما الضمير فى ظلموا أَنفسهم فلأصحاب الحرث.

الالوسي

تفسير : {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } كالدليل لعدم إغناء الأموال، ولعل عدم بيان إغناء الأولاد ظاهر لأنهم إن كانوا كفاراً وهو الظاهر كان حكمهم حكمهم وإن كانوا مسلمين كانوا عليهم لا لهم في الدنيا، وبغضهم لهم في الآخرة {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } تفسير : [الطارق: 9] و {أية : [يَوْمَ] يُكْشَفُ عَن سَاقٍ }تفسير : [القلم: 42] وتبريهم منهم حين يفر المرء من أمه وأبيه أظهر من أن يخفى، وما موصولة والعائد محذوف أي ينفقونه والإشارة للتحقير، والمراد تمثيل جميع صدقات الكفار ونفقاتهم كيف كانت وهو المروي عن مجاهد وقيل: مثل لما ينفقه الكفار مطلقاً في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: لما أنفقه قريش يوم بدر وأحد لما تظاهروا عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل: لما أنفقه سفلة اليهود على علمائهم المحرفين أي حال ذلك وقصته العجيبة. {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي برد شديد قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة، وقال الزجاج الصر صوت لهيب النار وقد كانت في تلك الريح، وقيل أصل الصر كالصرصر الريح الباردة، وعليه يكون معنى النظم ريح فيها ريح باردة وهو كما ترى محتاج إلى التوجيه، وقد ذكر فيه أنه وارد على التجريد كقوله:شعر : ولولا ذاك قد سومت مهري وفي الرحمن للضعفاء كاف تفسير : أي هو كاف ومنع بعضهم كونه في الأصل الريح الباردة وإنما هو مصدر بمعنى البرد كما قال الحبر واستعماله فيما ذكر مجاز وليس بمراد، وقيل: إنه صفة بمعنى بارد إلا أن موصوفه محذوف أي برد بارد فهو من الإسناد المجازي كظل ظليل وفيه بعد لأن المعروف في مثله ذكر الموصوف وأما حذفه وتقديره فلم يعهد، وقيل: هو في الأصل صوت الريح الباردة من صر القلم والباب صريراً إذا صوت، أو من الصرة الضجة والصيحة وقد استعمل هنا على أصله، وفيه أن هذا المعنى مما لم يعهد في الاستعمال، والريح واحدة الرياح، وفي «الصحاح» والأرياح، وقد تجمع على أرواح لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو كقولك: أروح الماء وتروحت بالمروحة، ويقال أيضاً: ريح وريحة كما قالوا: دار ودارة، وسيأتي إن شاء الله تعالى للعلماء من الكلام في هذا المقام، وأفرد الريح لما في «البحر» أنها مختصة بالعذاب والجمع مختص بالرحمة ولذلك حديث : روي اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاًتفسير : . {أَصَابَتْ حَرْثَ } أي زرع. {قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله تعالى وإنما وصفوا بذلك لما قيل: إن الاهلاك عن سخط أشد وأفظع أو لأن المراد الإشارة إلى عدم الفائدة في الدنيا والآخرة وهو إنما يكون في هلاك مال الكافر وأما غيره فقد يثاب على ما هلك له لصبره، وقيل: المراد ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة وفي غير وقتها {فَأَهْلَكَتْهُ } عن آخره ولم تدع له عيناً ولا أثراً عقوبة لهم على معاصيهم، وقيل: تأديباً من الله تعالى لهم في وضع الشيء في غير موضعه الذي هو حقه وهذا من التشبيه المركب الذي توجد فيه الزبدة من الخلاصة والمجموع ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبه به كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ }تفسير : [يونس: 24] وإلا لوجب أن يقال: كمثل حرث لأنه المشبه به المنفق، وجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمهلك ريح والمهلك اسم مفعول هو الحرث، والوجه عند كونه مركباً قلة الجدوى والضياع، ويجوز أن يكون من التشبيه المفرق فيشبه إهلاك الله تعالى بإهلاك الريح، والمنفق / بالحرث وجعل الله تعالى أعمالهم هباءاً منثوراً بما في الريح الباردة من جعله حطاماً، وقرىء تنفقون بالتاء. {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } الضمير إما للمنفقين أي ما ظلمهم بضياع نفقاتهم التي أنفقوها على غير الوجه اللائق المعتدّ به، وإما للقوم المذكورين أي ما ظلم الله تعالى أصحاب الحرث بإهلاكه لأنهم استحقوا ذلك وحينئذ يكون هذا النفي مع قوله تعالى: {وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تأكيداً لما فهم من قبل إشعاراً وتصريحاً، وقرىء (ولكن) بالتشديد على أن (أنفسهم) اسمها، وجملة يظلمون خبرها والعائد محذوف، والتقدير يظلمونها وليس مفعولاً مقدماً كما في قراءة التخفيف، واسمها ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلاّ في الشعر كقوله:شعر : وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق تفسير : وتعين حذفه فيه لمكان من الشرطية التي لا تدخل عليها النواسخ وتقديم {أَنفُسِهِمْ } على الفعل للفاصلة لا للحصر وإلا لا يتطابق الكلام لأن مقتضاه وما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا غيرهم وهو في الحصر لازم، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لأن قوله: {لن تغني عنهم أموالهم...} الخ يثير سؤال سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح عن القتلى. ضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلاً، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها، المخيِّببِ آخِرُها، حين يحبطها الكفر، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، تشبيه المعقول بالمحسوس. ولمَّا كان التَّشبيه تمثيلياً لم يُتَوخ فيه مُوالاةُ ما شبّه به إنفاقهم لأداةِ التَّمثيل، فقيل: كمثل ريح، ولم يُقل: كمثل حَرْث قوم. والكلام على الريح تقدّم عند قوله تعالى {أية : إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. والصّر: البرْد الشّديد المميت لكلّ زرع أو ورق يهبّ عليه فيتركه كالمحترق، ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصرّ على الرّيح الشّديد البرْد وإنَّما الصرّ اسم البرد. وأمّا الصرصر فهو الرسح الشديدة وقد تكون باردة. ومعنى الآية غني عن التأويل، وجوز في الكشاف} أن يكون الصرّ هنا اسماً للريح الباردة وجعله مرادف الصرصر. وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الاطلاق في الأساس ولا ذكره الراغب. وفي قوله {فيها صرّ} إفادة شدّة برد هذه الريح، حتَّى كأنّ جنس الصر مظروف فيها، وهي تحمله إلى الحرث. والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول: أي محروثَ قوم أي أرضاً محروثة والمراد أصابت زرعَ حرث. وتقدّم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى {أية : والأنعام والحرث}تفسير : [آل عمران: 14] في أول السورة. وقوله {ظلموا أنفسهم} إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعاً وتشويهاً وليس جُزءاً من الهيئة المشبّه بها. وقد يذكر البلغاء مع المُشَبَّه به صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير: شعر : شُجَّت بذي شبم من ماء مَحْنيَة صافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمول تنفي الرّياحُ القذى عنه وأفرطهُ من صَوْب سَارِيَةٍ بيض يعاليل تفسير : فأجرى على الماء الذي هو جزء المشبّه به صفات لا أثر لها في التشبيه. والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة، وجيء بقوله {مثل ما ينفقون} غير معطوف على ما قبله لأنّه كالبيان لقوله {لن تغني عنهم أموالهم}. وقوله {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} الضمائر فيه عائدة على الذين كفروا. والمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطاً في قبول الأعمال، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلماً لهم، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} (117) - وَالكَافِرُونَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، فِي الصَّدَقَاتِ وَالقُرُبَاتِ، وَفِي اكْتِسَابِ الشُّهْرَةِ وَالثَّنَاءِ... وَلَكِنَّ هَذا الإِنْفَاقَ ضَائِعٌ، وَلَنِ يَنْتَفِعُوا مِنْهُ فِي الآخِرَةِ شَيْئاً. وَقَدْ شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى حَالَهُم هَذا بِحَالِ زَرْع قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي، أصَابَتْهُ رِيحٌ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ فَأهْلَكَتْهُ عُقُوبةً لَهُمْ. وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ بِضَيَاعِ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالكُُفْرِ وَالبَغْي، وَارْتِكَابِ المَعَاصِي. فِيها صِرٌّ - بَرْدٌ شَدِيدٌ (أَوْ سُمُومٌ حَارَّةٌ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق يصف ما ينفقه هؤلاء الكافرون في أثناء الحياة الدنيا وهم بعيدون عن منهج الله إنه - سبحانه - يشبهه بريح فيها صر، أي شدة، فمادة "الصاد والراء" تدل على الشدة والضجة والصخب، ومثال ذلك ما قاله الحق عن امرأة إبراهيم:{أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}تفسير : [الذاريات: 29]. إنها أتت وجاءت بضجيج؛ لأنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن تلد. ومثل قوله الحق: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 6]. والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع. وقوله الحق: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [آل عمران: 117] أي أن الريح جعلت البرد شائعاً وشديداً، فالبرد قد يكون في منطقة لا ريح فيها، ويظل باقياً في منطقته تلك، وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان آخر، فتتسع دائرة الضرر به. وماذا تفعل الريح التي فيها شِدة برد؟ إنها تفعل الكوارث، ويقول عنها الحق: {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117] وساعة نسمع كلمة "حرث" فنحن نعرف أنه الزرع، وقد سماه الله حرثاً، ليعرف الإنسان إنه إن لم يحرث فلن يحصد، يقول الحق: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}تفسير : [الواقعة: 63-65]. كأن الريح العارمة تفسد الحرث، وهو العملية اللازمة للإنبات؛ فالحرث إثارة للأرض، أي جعل الأرض هشة لتنمو فيها الجذور البسيطة، وتقوى على اختراقها، وأخذ الغذاء منها، وهذه الجذور تستطيع - أيضاً - من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم للإنبات. إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه. مصداقاً لقوله تعالى: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117] وهكذا يكون مصير الإنفاق على نية غير مؤمنة، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد، فالـ "صر" فيه الشدة والبرودة والعنف، وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده: شعر : أوقد؛ فإن الليل ليل قر والريح يا غلام ريح صر عَلَّ يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفاً فأنت حر تفسير : إن هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفاً إلى منزل حاتم الطائي. "والليل القر" : هو الليل الشديد البرودة. و"الريح الصر": هي الريح الشديدة المصحوبة بالبرد. ونعرف في قُرَانَا أن الصقيع ينزل على بعض المزروعات، فيتلفها. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الآية الكريمة بعد أن أوضح لنا في الآية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً ومصيرهم النار، وهو سبحانه يدفع أي شبهة تطرأ على السامع، وهي أن هذه الأموال التي أنفقها الكافرون لعمل الخير، لن تغني عنهم شيئاً في الآخرة؛ لأنهم لا يملكونها. لماذا؟ لأن العمل إنما يراد للثواب عليه، والنية دائماً هي التي تحدد الهدف من كل حركة .. فهل كان في نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير الذي يعلمه الناس كالمساعدات، وتفريج الكرب، وإنشاء المستشفيات هل كان في بال هؤلاء الكفار رَبُّ هذه النعم، أو كانوا يعملونها طمعاً في جاه الدنيا، وتقدير التاريخ وذكر الإنسانية؟ لا شك أنهم كانوا يعملونها للجاه، أو للتاريخ، أو للإنسانية؛ لأنهم لا يؤمنون بما وراء ذلك، فهم لا يؤمنون بوجود إله, ولا يؤمنون بوجود يوم آخر يُحَاسبون فيه على ما قدموا. وقلنا من قبل: إن الذي يعمل عملاً فليطلب أجره ممن عمل له، وما داموا قد عملوا للدنيا وذكرها، وجاهها، والفخر فيها، فقد أعطتهم الدنيا كل شيء. الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلاً، وهو الذي يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومعنى المثل: أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول فهمه، فيشخصه ويمثله بأمر حسي يعرفه الجميع، ونحن نعرف أن المحسات هي أصل المعنويات في الفهم. ونعرف أن الطفل أول ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء المحس أولاً، ثم بعد ذلك يكوّن من المحسات المعقولات. فالطفل - على سبيل المثال - يرى ناراً فيمسكها فتحرقه، فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار محرقة. ويشرب الطفل عسلاً، فيجده حلوا، فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو الطعم، ويأكل الطفل شيئاً مراً كالحنظل، فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن هذا الشيء مر الطعم، فكل المعلومات التي يعرفها الإنسان بوسائل إدراكه المتعددة إنما تأتي من الأمور المحسة أولاً. والأمور المحسة - كما علمنا - وسائلها الحواس الخمس الظاهرة، وهي: العين لترى، والأذن لتسمع، والأنف ليشم، واللسان ليذوق، والأنامل لتلمس، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها غاية في الإدراك. والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها، ولكنا لا ندرك أجهزتها أو آلاتها. مثال ذلك: حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشيء الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشيء فيعرف مدى ثقله، إنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة، هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها الإنسان أن شيئاً أثقل من شيء آخر؛ ذلك أن العضلات التي تحمل الشيء تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل. وهناك حاسة أخرى غير ظاهرة هي حاسة "البَين" فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا القماش أكبر من سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء لا بد أن يكون واقعاً بين لامسين. إذن فهناك حواس كثيرة تربي المعاني عندنا؛ فكل الإدراكات بنت الحس، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. هذه هي الوسائل للإدراك، وقد أورد سبحانه السمع والأبصار أولاً لأنهما الوسيلتان الأساسيتان، وأورد من بعد ذلك "الأفئدة" وهي المختصة بالمعاني والقلبيات وغيرها، فإذا أراد الله أن يضرب مثلاً في أمر معنوي قد تختلف فيه العقول فهو سبحانه يأتي بأمر حسيِّ تتفق فيه الحواس. ونعلم أن في اللغة أمراً اسمه "التشبيه"، فعندما يجهل إنسان شيئاً يقول لمعلمه: شبه لي الأمر الذي أجهله بأمر أعرفه. والإنسان منا قد يسأل صاحبه: أتعرف فلاناً؟ فيقول الصاحب: لا أعرفه، فيقول الإنسان منا لصاحبه: إن فلاناً الذي لا تعرفه يساوي فلاناً في الطول، ويساوي فلاناً في اللون. وهكذا ينتقل الإنسان من أمر لا يعرفه إلى أمر يعرفه. والحق سبحانه يضرب لنا المثل بالأمور الحسية، لنفهم الأمور المعنوية، والله يوضح لنا أن الذين كفروا ساعة تكون لهم آلهة متعددة فملكاتهم تصاب بالاضطراب يقول - سبحانه -: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر: 29]. إنه سبحانه يوضح لنا بالمثل الواضح مصير وحال رجل مملوك لعدد من الشركاء، والشركاء الذين يملكون هذا العبد ليسوا متفقين، بل بينهم نزاع وشقاق، وبطبيعة الحال لابد أن يكون هذا العبد مرهقاً، وهكذا تكون قضية الشرك بالله، إن العبد في مثل هذه الحالة يكون مُشتّتاً وموزع النفس بين الذين يملكونه وهم متشاكسون، أما قضية التوحيد فالحق يشبهها بالقول: "ورجلاً سلماً لرجل". وهكذا ينقلنا الحق سبحانه - رحمة بنا - من المعنى العقدي العالي إلى معنى مُحَس من الجميع، لنرى أن الرجل المملوك لسيد واحد يتلقى أوامره من واحد فقط، وكذلك يريد الله في هذه الآية أن يضرب مثلاً لمن ينفق شيئاً على غير نية إرضاء الله في طاعته، فمهما أنفق هذا الإنسان فإن إنفاقه حابط. ونحن عندما نقرأ أمثال القرآن الكريم علينا ألا نأخذ جزئية فقط، لا، لكن يجب أن نأخذ الجملة كلها لنفهم المثل كله كصورة مؤتلفة مثلما ضرب الله لنا مثلاً بالشركاء المتشاكسين الذين يملكون رجلاً، فعلينا إذن ألاّ نأخذ المثل بحرفيته، ولكن نأخذ الأمر بمجموع المثل. مثال آخر، يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45]. فهل الحياة الدنيا كالماء؟ لا، ولكن قصة الحياة كلها، تشبه القصة التي يضربها الحق كمثل، الماء حين ينزل يختلط بالأرض، وبعد ذلك تهتز، فتعطي نباتاً، والنبات ينتج الزهر الجميل، وبعد ذلك ينتهي إلى هشيم، هكذا هي الدنيا في زخرفتها؛ فالبداية مزهرة، فيها نضارة وخضرة وبهجة، ونهاية مؤلمة ومدمرة. إذن فالحق سبحانه ينقل لنا معنى الحياة الدنيا ويشبهها بالأزهار والنبات ونهايته أن يصبح هشيماً تذروه الرياح، وهو ما يقوله في موضع آخر من القرآن الكريم. {أية : فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [يونس: 24]. وعندما نمعن النظر في قوله الحق: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117]. نجد في هذه الآية "مشبهاً" و"مشبهاً به"، المُشَبَّه هم القوم الذين ينفقون أموالهم بغير نية الله، أي كافرون بالله، والمُشَبَّه به: هو الزرع الذي أصابته الريح وفيها الصر، والنتيجة أنه لا جدوى هنا، ولا هناك. ولماذا تصيب الريح حرث قوم ظلموا أنفسهم، وهل لا تصيب الريح حرث قوم لم يظلموا أنفسهم؟ إن الذين ظلموا أنفسهم تنزل بهم هذه الكارثة كعقوبة، مثلهم في ذلك مثل أصحاب الجنة الذين يقول فيهم الحق سبحانه: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}تفسير : [القلم: 17-20]. لقد جزاهم الله بظلمهم، ولكن ألا نرى رجلاً لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة؟ إننا نرى ذلك في الحياة، والرجل الذي لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة، ويصبر على كارثته، يأخذ الجزاء والثواب من الله، ولعل الله قد أهلك بها مالاً كانت الغفلة قد أدخلته في ماله من طريق غير مشروع. هكذا تكون الكارثة بالنسبة للمؤمن لها ثواب وجزاء، أو تكون تطهيراً للمال. أما الذي ينفق على غير نية الله وهو كافر، فلا ثواب له. ويذيل الحق الآية بقوله {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117] فهو سبحانه لم يظلم الكافرين حين جعل نفقتهم بدون جدوى ولا حصيلة لها عنده، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، لأنهم أنفقوا النفقة على غير هيئة القبول، وهم الذين صنعوا ذلك عندما ظلموا أنفسهم بالكفر فَحَبطت أعمالهم، وتلك هي عدالة الحق سبحانه وتعالى: ويقول الحق من بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فِيهَا صِرٌّ} معناهُ بَردٌ شَدِيدٌ.

الأندلسي

تفسير : {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الآية، قال الزمخشري: شبه ما كانوا ينفقونه من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس، لا يبتغون به وجه الله تعالى بالزرع الذي حسه البرد فذهب حطاماً وقيل هو كما كانوا يتقربون به إلى الله تعالى مع كفرهم وقيل ما انفقوا في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضاع عنهم لأنهم لم يبلغوا بإِنفاق ما أنفقوه لأجله، "انتهى". وقال ابن عطية: معناه المثال القائم في النفس في إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثاً ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباءً منثوراً وذهابه كالمثال القائم في النفس من زرع قوم ينبت وأخضر وقوي الأمل فيه فهبت عليه ريح منها صر محرث فأهلكته، "انتهى". والظاهر أن ما في قوله: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ}، موصولة والعائد محذوف أي ينفقونه والظاهر تشبيه ما ينفقونه بالريح والمعنى على تشبيهه بالحرث فقيل هو من التشبيه المركب وهو اختيار الزمخشري وقيل: وقع التشبيه بين شيئين وشيئين ذكر أحد المشبهين وترك ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي توازن المذكور الأول وترك ذكر الآخر ودل المذكور ان على المتروكين وهو اختيار ابن عطية وهذه غاية البلادة والإِعجاز، "انتهى". ويجوز أن يكون على حذف مضاف من الأول تقديره مثل جهلك ما ينفقون أو من الثاني تقديره كمثل مهلك ريح وقيل يجوز أن تكون ما مصدرية أي مثل إنفاقهم فيكون قد شبه المعقول بالمحسوس إذ شبه الريح بالانفاق وظاهر قوله: ينفقون أنه من نفقة المال وأفرد الريح لأنه أكثر ما يأتي في العذاب والجمع في الرحمة كقوله: أي صرصراً والرياح مبشرات والصر البرد الشديد المحرق، وقيل: البارود بمعنى الصرصر وقد استعملته العرب صفة كقول الشاعر: شعر : نكباء حر بأصحاب المحلات تفسير : وقوله: أصابت حرث قوم هو على حذف مضاف التقدير زرع حرث قوم أو أطلق الحرث على الزرع مجازاً والضمير في ظلموا عائد على قوم وأبعد الزمخشري في تجويز جعله عائداً على الذين ينفقون. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، نزلت في رجال من المؤمنين يواصلون رجالاً من يهود للجوار والحلق والرضاع قاله ابن عباس: وقال أيضاً هو وقتادة والسدى والربيع نزلت في المنافقين نهى الله المؤمنين عنهم البطانة في الثوب بإِزاء الظهار وتستعار لمن يختصه الإِنسان كالشعار والدثار. شعر : ألوت في الأمر قصرت فيه تفسير : والخبل الفساد والعنت المشقة وقوله: {مِّن دُونِكُمْ} في موضع الصفة لبطانة أو متعلقاً بلا تتخذوا ودون أصله ظرف مكان ثم اتسع فيه حتى صار بمعنى غير فكأنه قيل من غيركم. ودل هذا النهي على المنع من استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستتابة إليهم وقد عتب عمر رضي الله عنه أبا موسى على استكتابه ذمياً وتلا عليه هذه الآية. وقد قيل لعمر في كاتب محبل من نصارى الحيرة ألا يكتب عنك فقال: إذن اتخذ بطانة والجملة من قوله: لا يألونكم خبالاً موضع لها من الإِعراب، إذ جاءت بياناً لحال البطانة الكافرة هي والجمل التي بعدها لتنفير المؤمنين عن اتخاذهم بطانة ومن ذهب إلى أنها صفة للبطانة أو حال لما تعلقت به من تبعيد عن فهم الكلام الفصيح لأنهم نهوا عن اتخاذ بطانة كافرة ثم نبه على أشياء مما هم عليه من ابتغاء الفوائل للمؤمنين وودادة مشقتهم وظهور بعضهم والتقييد بالوصف أو بالحال يؤذن بجواز الاتخاذ عند انتفائهم وبألو فعل لازم وهنا جاء بعده منصوبان فخرج على ان خبالاً حال منقول من المفعول أي لا يألون خبالكم وأصله في خبالكم أو على أنه مصدر في موضع الحال أو على أنه تعدى للضمير على إسقاط اللام وللخبال على إسقاط في والأحسن تخريجه على التضمين أي لا يمنعونكم فساداً كقولك: ما آلوك نصحاً أي ما منعك نصحاً وما في قوله: ما عنتم مصدرية تقديره وأعنتكم أي مشقتكم. {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي لا يكتفون ببغضكم بقلوبهم حتى يصرحوا بذلك بأفواههم وذكر الأفواه دون الألسنة، إشعار إبان ما يلفظون به يملأ أفواههم كما يقال، قال: كلمة تملأ الفم إذا تشدق بها. {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ} تقدم الكلام على نظير هذا في قوله: {أية : هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ} تفسير : [آل عمران: 66]، قال الزمخشري: وتؤمنون بالكتاب كله، الواو في وتؤمنون للحال وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم والحال انكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ونحوه. {أية : فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} تفسير : [النساء: 104] "انتهى كلامه". وهو حسن إلا أن فيه من صناعة النحو ما يخدشه وهو أنه جعل الواو في وتؤمنون للحال وأنها منتصبة في لا يحبونكم والمضارع المثبت إذا وقع حالاً لا تدخل عليه واو الحال، تقول: جاء زيد يضحك، ولا يجوز ويضحك، وأما قولها: قمت وأصل عينه نفي فآية الشذوذ وقد أول على إضمار مبتدأ أي قمت وأنا أصك عينه فتصير الجملة إسمية ويحتمل هذا التأويل هنا أي ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله لكن الأولى ما ذكرناه من كونها للعطف قال ابن عطية وتؤمنون بالكتاب كله يقتضي ان الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب ويعترضها ان منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن كما كان المنافقون في العرب إلا ما روي من أمر زيد بن الصيف القينقاعي فلم يبق إلا أن قولهم آمنا معناه صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي: فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم لا نضمر لكم إلا المودة ولهذا كان البعض المؤمنين يتخذهم بطانة وهذا منزع قد حفظ ان كثيراً من اليهود كان يذهب إليه ويدل على هذا التأويل ان المعادل لقولهم: آمنا بمعنى الانامل من الغيظ وليس فيه ما يقتضي الاقدار كما في قوله: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 14]. بل هو ما يقتضي البعض وعدم المودة وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم الأباضية وهذه الصفة قد ترتبت في أهل البدع من الناس إلى يوم القيامة، "انتهى" ما ذكر من أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن إلا ما روي من أمر زيد فيه نظر فإِنه قد روي أن جماعة منهم كانوا يعتمدون ذلك ذكره البيهقي وغيره. ولو لم يرو ذلك إلا عن زيد القينقاعي لكان في ذلك هدنة لهم بذلك إذ قد وجد ذلك في جنسهم وكثيراً ما تمدح العرب أو تذم بفعل الواحد من القبيلة ويؤيد صدور ذلك من اليهود قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ}تفسير : [آل عمران: 72] . {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} الظاهر فعل ذلك وأنه يقع منهم عض الأنامل لشدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذ ما يريدون ويحتمل أن لا يكون بمعنى الأنامل ويكون ذلك من مجاز التمثيل خبر بذلك عن شدة الغيظ والتأسف على ما يفوتهم من إذايتكم. {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يواجههم بهذا الأمر على سبيل الدعاء والمباينة لهم والباء في بغيظكم للحال أي ملتبسين بغيظكم. {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} ذكر تعالى المس في الحسنة ليبين ان بأدنى مس الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين ثم عادل ذلك في السيئة بلفظ الإِصابة وهي عبارة عن التمكن لأن الشيء المصبب شيئاً هو متمكن منه أو فيه فدل هذا النوع البليغ على شدة العداوة إذ هو حقد لا يذهب عنه الشدائد بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين وقابل الحسنة بالسيئة بالفرح وهي مقابلة بديعة وقرىء: لا يضركم من ضار يضير وقرىء: بضم الضاد والراء مرفوعة مشدودة من ضر يضر وخرج على أن حركة الراء حركة اتباع لحركة الضاد وقيل هي حركة إعراب وذلك على أن البنية التقديم لا على أنه جواب الشرط وهذا ضعيف والذي نختاره أنه أجرى حركة الكاف بجري حركة الهاء فضم ما قبل الكاف، كما قالت العرب: لم يرده وهذا توجيه شذوذ في هذه القراءة، وقرأ الضحاك لا يضركم كيدهم بضم الضاد وكسر الراء المشددة على أضل التقاء الساكنين، قال ابن عطية: فأما الكسر يعني في الراء فلا أعرفه قراءة وعبارة الزجاج في ذلك وتجوز فيها إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة، "انتهى". وهي قراءة كما ذكرنا عن الضحاك.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 159 : 23 : 33 - سفين في قوله {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} قال برد. [الآية 117].