Verse. 411 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تَتَّخِذُوْا بِطَانَۃً مِّنْ دُوْنِكُمْ لَا يَاْلُوْنَكُمْ خَبَالًا۝۰ۭ وَدُّوْا مَا عَنِتُّمْ۝۰ۚ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاۗءُ مِنْ اَفْوَاہِھِمْ۝۰ۚۖ وَمَا تُخْفِيْ صُدُوْرُھُمْ اَكْبَرُ۝۰ۭ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْاٰيٰتِ اِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُوْنَ۝۱۱۸
Ya ayyuha allatheena amanoo la tattakhithoo bitanatan min doonikum la yaloonakum khabalan waddoo ma AAanittum qad badati albaghdao min afwahihim wama tukhfee sudooruhum akbaru qad bayyanna lakumu alayati in kuntum taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة» أصفياء تطلعونهم على سرِّكم «من دونكم» أي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين «لا يألونكم خبالا» نصب بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد «ودُّوا» تمنَّوا «ما عنتم» أي عنتكم وهو شدة الضرر «قد بدت» ظهرت «البغضاء» العداوة لكم «من أفواههم» بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سركم «وما تخفي صدورهم» من العداوة «أكبر قد بينا لكم الآيات» على عدواتهم «إن كنتم تعقلون» ذلك فلا توالوهم.

118

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين في هذه الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟ على أقوال: الأول: أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظناً منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضاً كذلك الثاني: أنهم هم المنافقون، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال الخفية، فالله تعالى منعهم عن ذلك، وحجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ذلك وهو قوله {أية : وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } تفسير : [آل عمران: 119] ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة المنافقين، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِؤن} تفسير : [البقرة: 14] الثالث: المراد به جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى: {بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } تفسير : [الممتحنة: 1] ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً ولا أحسن خطاً منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتباً، فامتنع عمر من ذلك وقال: إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلاً على النهي عن اتخاذ بطانة، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً وآخرها إذا كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم أولها. المسألة الثانية: قال أبو حاتم عن الأصمعي: بطن فلان بفلان يبطن به بطوناً وبطانة، إذا كان خاصاً به داخلاً في أمره، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } نكرة في سياق النفي فيفيد العموم. أما قوله {مّن دُونِكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: من دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ {مّن دُونِكُمْ } يحسن حمله على هذا الوجه كما يقول الرجل: قد أحسنتم إلينا وأنعمتم علينا، وهو يريد أحسنتم إلى إخواننا، وقال تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } تفسير : [آل عمران: 21] أي آباؤهم فعلوا ذلك. المسألة الثانية: في قوله {مّن دُونِكُمْ } احتمالان أحدهما: أن يكون متعلقاً بقوله {لاَ تَتَّخِذُواْ } أي: لا تتخذوا من دونكم بطانة والثاني: أن يجعل وصفاً للبطانة والتقدير: بطانة كائنات من دونكم. فإن قيل: ما الفرق بين قوله: لا تتخدوا من دونكم بطانة، وبين قوله {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ }؟. قلنا: قال سيبويه: إنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعني وههنا ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله: لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود. المسألة الثالثة: قيل {مِنْ } زائدة، وقيل للنبيّين: لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم. فإن قيل: هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق، وقال تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ } تفسير : [الممتحنة: 8] {أية : إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُم}تفسير : [الممتحنة: 9] فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: لا شك أن الخاص يقدم على العام. واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علة هذا النهي وهي أمور أحدها: قوله تعالى: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } وفيه مسائلُ: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: يقال (ألا) في الأمر يألوا، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحاً، ولا آلوك جهداً على التضمين، والمعنى لا أمنعك نصحاً ولا أنقصك جهداً. المسألة الثانية: الخبال: الفساد والنقصان، وأنشدوا:شعر : لسـتم بيـد إلا يـداً أبـدا مخبولة العضدتفسير : أي: فاسدة العضد منقوضتها، ومنه قيل: رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص العقل، وقال تعالى: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } تفسير : [التوبة: 47] أي فساداً وضرراً. المسألة الثالثة: قوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم، يقال: ما ألوته نصحاً، أي ما قصرت في نصيحته، وما ألوته شراً مثله. المسألة الرابعة: انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا وإن شئت نصبته على المصدر، لأن معنى قوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } لا يخبلونكم خبالا وثانيها: قوله تعالى: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال وددت كذا، أي أحببته و (العنت) شدة الضرر والمشقة قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } تفسير : [البقرة: 220]. المسألة الثانية: ما مصدرية كقوله {أية : ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } تفسير : [غافر: 75] أي بفرحكم ومرحكم وكقوله {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5، 6] أي بنائه إياها وطحيه إياها. المسألة الثالثة: تقدير الآية: أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر. المسألة الرابعة: قال الواحدي رحمه الله: لا محل لقوله {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } لأنه استئناف بالجملة وقيل: إنه صفة لبطانة، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } فلو كان هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما. المسألة الخامسة: الفرق بين قوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } وبين قوله {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } في المعنى من وجوه الأول: لا يقصرون في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني: لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث: لا يقصرون في إفساد أموركم، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم وثالثها: قوله تعالى: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: البغضاء أشد البغض، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء. المسألة الثانية: الأفواه جمع الفم، والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه، يقال: فوه وأفواه كسوط وأسواط، وطوق وأطواق، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول، وأفوه إذا كان واسع الفم، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان. المسألة الثالثة: قوله {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول: أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقتة لطريق المخالصة في الود والنصيحة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [محمد: 30] الثاني: قال قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه، بل لا بد وأن يبغضه، فهذا هو المراد بقوله {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ }. ثم قال تعالى: {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد، ثم بيّن تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم، فقال: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي من أهل العقل والفهم والدراية، وقيل: {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } الفصل بين ما يستحقه العدو والولي، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولىٰ: أكّد الله تعالىٰ الزَّجْر عن الركُون إلى الكفار. وهو متصل بما سبق من قوله: {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. والبِطَانَةُ مصدر، يُسَمّى به الواحد والجمع. وبِطَانَةُ الرجل خاصَّتُه الذين يستبطنون أمرَه، وأصله من البَطْن الذي هو خلاف الظَّهْر. وبَطن فلان بفلان يبْطُن بُطوناً وبِطَانَةً إذا كان خاصّاً به. قال الشاعر:شعر : أُولٰئِك خُلْصائي نَعْم وَبِطَانَتِي وهم عَيْبَتِي من دون كلّ قَريبِ تفسير : الثانية: نهى الله عزّ وجلّ المؤمنين بهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكفار واليهود وأهل الأهْوَاء دُخَلاءَ ووُلَجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم. ويُقال: كل من كان على خلاف مَذْهَبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه؛ قال الشاعر:شعر : عن الْمَرءِ لاَ تَسْألْ وَسَلْ عن قَرِينهِ فَكلُّ قَرِينٍ بِالمُقارن يَقْتَدِي تفسير : وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»تفسير : . وروي عن ٱبن مسعود أنه قال: ٱعتبروا الناس بإخوانهم. ثم بيّن تعالىٰ المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} يقول فساداً. يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه. وروي عن أبي أمَامَة حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قول الله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} قال: «هم الخوارج»تفسير : . ورُوي أن أبا موسىٰ الأشعري ٱستكتب ذِمّياً فكتب إليه عمر يعنِّفه وتلا عليه هذه الآية. وقدِم أبو موسىٰ الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتابٌ فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال: لِم أجُنُبٌ هو؟ قال: إنه نصراني؛ فانتهره وقال: لا تُدْنِهم وقد أقصاهم الله، ولا تُكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تَأْمَنهم وقد خوّنهم الله. وعن عمر رضي الله عنه قال: لا تستعملوا أهل الكتاب إنهم يستحلون الرُّشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالىٰ. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن هٰهنا رجلاً من نصارى الحِيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بِطانة من دون المؤمنين. فلا يجوز ٱستكتاب أهل الذِّمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم. قلت: وقد ٱنقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبةً وأمناء وتَسوَّدُوا بذلك عند الجَهَلة الأغْبِياء من الوُلاة والأمراء. روى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما بعث الله مِن نبيّ ولا ٱستخلف مِن خليفةٍ إلاَّ كانت له بِطانتانِ بِطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه وبِطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه فالمعصوم من عَصَمَ اللَّهُ تعالىٰ»تفسير : . وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تستضِيئوا بِنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عَرَبِيّاً»تفسير : . فسّره الحسن بن أبي الحسن فقال: أراد عليه السَّلام لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمداً. قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب اللَّهِ عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية. الثالثة: قوله تعالىٰ: {مِّن دُونِكُمْ} أي من سواكم. قال الفرّاء: {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} أي سِوى ذلك. وقيل: {مِن دُونِكم} يعني في السير وحسن المذهب. ومعنى {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} لا يقصِّرون فيما فيه الفسادُ عليكم. وهوفي موضع الصفة لـ {ـبِطَانَةٍ من دُونِكُمْ}. يُقال: لا آلُو جهداً أي لا أقصِّر. وَأَلَوْتُ أُلُوّاً قصرت؛ قال ٱمرؤ القيس:شعر : وما المرءُ ما دامتْ حُشاشَةُ نفسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ تفسير : والخَبَال: الخَبْل. والخَبْل: الفساد؛ وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدان والعقول. وفي الحديث: «حديث : من أصيب بِدَمٍ أو خَبْل»تفسير : أي جُرْح يُفسد العضو. والخَبْل: فساد الأعضاء، ورجُلٌ خَبْلٌ وَمُخْتَبَلٌ، وخَبَله الحبُّ أي أفسده. قال أوْسٌ:شعر : أبنِي لُبَيْنَى لستُم بِيَدٍ إلاَّ يداً مَخْبولَةَ العَضُدِ تفسير : أي فاسدة العضد. وأنشد الفرّاء:شعر : نَظَر ٱبنُ سعدٍ نظرةً وَبَّتْ بها كانت لِصُحْبِك والمطِيِّ خَبَالاَ تفسير : أي فساد. وٱنتصب «خَبَالاً» بالمفعول الثاني؛ لأن الاٌّلْوَ يتعدَّىٰ إلى مفعولين، وإن شئت على المصدر، أي يخبلونكم خبالاً: وإن شئت بنزع الخافض، أي بالخبال؛ كما قالوا: أوجعته ضرباً: «وما» في قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} مصدرية، أي وَدُّوا عنتكم. أي ما يشق عليكم. والعنت المشقّة، وقد مضى في«البقرة» معناه. الرابعة: قوله تعالىٰ: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضدّ الحُبِّ. والبغضاء مصدر مؤنث. وخصّ تعالىٰ الأفواه بالذِّكر دون الألسنة إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. ومن هذا المعنى نهيه عليه السَّلام أن يشتحِي الرجل فاه في عِرض أخيه. معناه أن يفتح؛ يُقال: شحى الحمار فاه بالنهيق، وشحى الفَمُ نفسه. وشحىٰ اللِّجَامُ فمَ الفرس شَحْياً، وجاءت الخيل شَواحِيَ: فاتحاتٍ أفواهَها. ولا يفهم من هذا الحديث دليلُ خطاب على الجواز فيأخذ أحدٌ في عِرض أخيه هَمْساً؛ فإن ذلك يُحرمُ باتفاق من العلماء. وفي التنزيل {أية : وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} تفسير : [الحجرات: 12] الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»تفسير : . فذِكر الشَّحْو إنما هو إشارة إلى التشدّق والانبساط، فاعلم. الخامسة: وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدوّ على عدوّه لا يجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز؛ ورُوي عن أبي حنيفة جواز ذلك. وحكى ٱبن بَطّال عن ٱبن شعبان أنه قال: أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدوّ على عدوّه في شيء وإن كان عدلاً، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر. السادسة: قوله تعالى: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} إخبار وإعلام بأنهم يُبطنون من البغضاء أكثَر مما يُظهِرون بأفواههم. وقرأ عبد الله بن مسعود: «قد بدأ البغضاءُ» بتذكير الفعل؛ لما كانت البغضاء بمعنى البغض.

ابن كثير

تفسير : يقول تبارك وتعالى ناهياً عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي: يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم، لا يألون المؤمنين خبالاً، أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم، وقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخلة أمره. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما، من حديث جماعة، منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله»تفسير : ، وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه، فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما. وأخرجه النسائي عن الزهري أيضاً، وعلقه البخاري في صحيحه، فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً فذكره، فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان، حدثنا عيسى بن يونس عن أبي حيان التيمي، عن أبي الزنباع، عن ابن أبي الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن ههنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتباً، فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، وإطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ}، وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هشيم، حدثنا العوام عن الأزهر بن راشد، قال: كانوا يأتون أنساً، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن، يعني: البصري، فيفسره لهم، قال: فحدث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «حديث : لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً»تفسير : فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن، فقالوا له: إن أنساً حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً»تفسير : فقال الحسن: أما قوله: «حديث : لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً»تفسير : : محمد صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: «حديث : لا تستضيئوا بنار المشركين»تفسير : يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله تعالى، وقد رواه النسائي عن مجاهد ابن موسى، عن هشيم، ورواه الإمام أحمد عن هشيم بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري، وهذا التفسير فيه نظر، ومعناه ظاهر، «حديث : لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً»تفسير : أي بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان نقشه محمد رسول الله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود: «حديث : لا تتراءى ناراهما»تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله»تفسير : فحمل الحديث على ما قاله الحسن رحمه الله، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، والله أعلم. ثم قال تعالى: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} وقوله تعالى: {هَآأَنتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي: أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين؛ بما يظهرونه لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم، لا باطناً ولا ظاهراً، {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِ} أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِ} أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، رواه ابن جرير، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة. وقال الشاعر:شعر : أَوَدُّ كما ما بَلَّ حَلْقِيَ ريقَتي وما حملَتْ كَفَّاي أنْمُلِيَ العَشْرا تفسير : وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع، وهذا شأن المنافقين، يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} وذلك أشد الغيظ والحنق. قال الله تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين، ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين، ومكمل دينه، ومعل كلمته، ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا؛ بأن يريكم خلاف ما تؤملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها. ثم قال تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة، أي: جدب، أو أديل عليهم الأعداء؛ لما لله تعالى في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أُحد فرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطباً عباده المؤمنين: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} الآية، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه. ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين. والتمييز بين المؤمنين، والمنافقين، وبيان صبر الصابرين، فقال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } أصفياء تطلعونهم على سرِّكم {مِّن دُونِكُمْ } أي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } نُصِبَ بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد {وَدُّواْ } تمنوا {مَا عَنِتُّمْ } أي عَنَتَكُم وهو شدّة الضرر {قَدْ بَدَتِ } ظهرت {ٱلْبَغْضآءُ } العداوة لكم {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سركم {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ } من العداوة {أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيَٰتِ } على عداوتهم {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ذلك فلا توالوهم.

الشوكاني

تفسير : البطانة مصدر يسمى به الواحد، والجمع، وبطانة الرجل: خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله البطن الذي هو: خلاف الظهر، وبطن فلان بفلان يبطن بطوناً، وبطانة: إذا كان خاصاً به، ومنه قول الشاعر:شعر : وهم خُلْصائي كلهم وَبِطَانَتي وهم عَيْبَتي مِنْ دُونِ كلّ قَريبِ تفسير : قوله: {مّن دُونِكُمْ } أي: من سواكم، قاله الفراء: أي: من دون المسلمين، وهم الكفار، أي: بطانة كائنة من دونكم، ويجوز أن يتعلق بقوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ }. وقوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } في محل نصب صفة لبطانة، يقال لا ألوك جهداً: أي: لا أقصر. قال امرؤ القيس:شعر : وَمَا المرء مَا دَامت حشَاشَةُ نفْسِه بِمُدْركِ أطْرافِ الخُطَوبِ وَلا آلِ تفسير : والمراد: لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم، وإنما عدّي إلى مفعولين لكونه مضمناً معنى المنع، أي: لا يمنعونكم خبالاً، والخبال، والخبل: الفساد في الأفعال، والأبدان، والعقول. قال أوس:شعر : أبَنِي لُبُنَي لَستُم بيَدٍ إلا يداً مَخبْولَةَ العَضد تفسير : أي: فاسدة العضد. قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } "ما" مصدرية، أي: ودّوا عنتكم، والعنت المشقة، وشدة الضرر، والجملة مستأنفة مؤكدة للنهي. قوله: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء } هي: شدة البغض، كالضراء لشدة الضر. والأفواه جمع فم. والمعنى: أنها قد ظهرت البغضاء في كلامهم؛ لأنهم لما خامرهم من شدة البغض، والحسد أظهرت ألسنتهم ما في صدورهم، فتركوا التقية، وصرحوا بالتكذيب. أما اليهود، فالأمر في ذلك واضح. وأما المنافقون، فكان يظهر من فلتات ألسنتهم ما يكشف عن خبث طويتهم. وهذه الجملة مستأنفة لبيان حالهم {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } لأن فلتات اللسان أقل مما تجنه الصدور، بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في الصدور قليلة جداً. ثم إنه سبحانه امتنّ عليهم ببيان الآيات الدالة على وجوب الإخلاص إن كانوا من أهل العقول المدركة لذلك البيان. قوله: {هَاأَنتُمْ أُوْلاء } جملة مصدرة بحرف التنبيه، أي: أنتم أولاء الخاطئون في موالاتهم، ثم بين خطأهم بتلك الموالاة بهذه الجملة التذييلية. فقال {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ }، وقيل: إن قوله: {تُحِبُّونَهُمْ } خبر ثان لقوله {أنتم}، وقيل: إن أولاء موصول، و{تحبونهم} صلته أي: تحبونهم لما أظهروا لكم الإيمان، أو لما بينكم، وبينهم من القرابة: {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لما قد استحكم في صدورهم من الغيظ والحسد. قوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } أي: بجنس الكتاب جميعاً، ومحل الجملة النصب على الحال، أي: لا يحبونكم، والحال أنكم مؤمنون بكتب الله سبحانه التي من جملتها كتابهم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم. وفيه توبيخ لهم شديد، لأن من بيده الحق أحق بالصلابة، والشدّة ممن هو على الباطل {وإذا لقوكم قالوا آمنا} نفاقاً وتقية {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } تأسفاً، وتحسراً، حيث عجزوا عن الانتقام منكم، والعرب تصف المغتاظ، والنادم يعضّ الأنامل، والبنان، ثم أمره الله سبحانه بأن يدعو عليهم، فقال: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } وهو يتضمن استمرار غيظهم ما داموا في الحياة حتى يأتيهم الموت، وهم عليه، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فهو يعلم ما في صدوركم، وصدورهم، والمراد بذات الصدور: الخواطر القائمة بها، وهو كلام داخل تحت قوله: {قُلْ } فهو من جملة المقول. قوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } هذه الجملة مستأنفة لبيان تناهي عداوتهم، وحسنة، وسيئة يعمان كل ما يحسن، وما يسوء. وعبر بالمسّ في الحسنة، وبالإصابة في السيئة، للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة، وقيل: إن المسّ مستعار لمعنى الإصابة. ومعنى الآية: أن من كانت هذه حالته لم يكن أهلاً؛ لأن يتخذ بطانة {وَأَن تَصْبِرُواْ } على عداوتهم، أو على التكاليف الشاقة {وَتَتَّقُواْ } موالاتهم، أو ما حرّمه الله عليكم {يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً }، يقال ضارّه يضوره، ويضيره ضيراً، وضيوراً: بمعنى ضرّه يضره، وبه قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ الكوفيون، وابن عامر لا يضركم بضم الراء، وتشديدها من ضرّ يضر، فهو على القراءة الأولى مجزوم على أنه جواب الشرط، وعلى القراءة الثانية مرفوع على تقدير إضمار الفاء، كما في قول الشاعر:شعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها تفسير : قاله الكسائي، والفراء، وقال سيوبيه: إنه مرفوع على نية التقديم، أي: لا يضركم أن تصبروا. وحكى أبو زيد عن المفضل عن عاصم «لا يضركم» بفتح الراء، و{شيئاً} صفة مصدر محذوف. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار، والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم، عن مباطنتهم لخوف الفتنة عليهم منهم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً من دونكم...} الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: هم المنافقون. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: حديث : هم الخوارج. تفسير : قال السيوطي، وسنده جيد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } أي: بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء، لهم منهم لكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ } يعني: النصر على العدوّ، والرزق، والخير {تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } يعني القتل، والهزيمة، والجهد .

الماوردي

تفسير : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } قيل إنها نزلت في قوم من المسلمين صافوا بعض المشركين من اليهود والمنافقين المودة لمصاحبة في الجاهلية فَنُهُوا عن ذلك. والبطانة هم خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره، والأصل البطن، ومنه بطانة الثوب لأنها تلي البطن. {لاَ يِأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أي لا يقصرون في أمركم. والخبال: النَّكال، وأصله الفساد ومنه الخبل الجنون. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} فيه تأويلان: أحدهما: ودوا إضلالكم عن دينكم، وهو قول السدي. والثاني: ودوا أن تعنتوا في دينكم أي تحملون على المشقة فيه، وهو قول ابن جريج،وأصل العنت المشقة. {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي بدا منها ما يدل عليها. {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُم أَكْبَرُ} مما بدا.

ابن عطية

تفسير : نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم، وقوله: {من دونكم} يعني من دون المؤمنين، ولفظة "دون" تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من القصة التي فيها الكلام، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله، وقوله: {لا يألونكم خبالاً} معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم، تقول: ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول زهير: شعر : جرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم فلم يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا تفسير : أي لم يقصروا، والخبل والخبال: الفساد، وقال ابن عباس: كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالاً من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، وقال أيضاً ابن عباس وقتادة والربيع والسدي: نزلت في المنافقين: نهى الله المؤمنين عنهم، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً تفسير : فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال أراد عليه السلام، لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم (محمداً). قال القاضي: ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذمياً فكتب إليه عمر يعنفه، وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر: إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: إذاً أتخذ بطانة من دون المؤمنين، و {ما} في قوله، {ما عنتّم} مصدرية، فالمعنى: {ودوا} عنتكم، و"العنت": المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت: أي شاقة، وقوله تعالى: {أية : ذلك لمن خشي العنت} تفسير : [النساء: 35] معناه المشقة إما في الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي: معناه "ودوا" ما ضللتم، وقال ابن جريج: المعنى "ودوا" أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في الماضي، وقوله تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم} يعني بالأقوال، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، ويشبه هذا الذي قلناه ما في الحديثحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيهتفسير : ، معناه: أن يفتح فاه به يقال شحّى الحمار فاه بالنهيق وشحّى اللجام في الفرس، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همساً راتب، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط وقوله: {وما تخفي صدورهم أكبر} إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "قد بدا البغضاء" بتذكير الفعل، لما كانت {البغضاء} بمعنى البغض، ثم قال تعالى للمؤمنين، {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} تحذيراً وتنبيهاً، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا وكذا.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِطَانَةً} نزلت في بعض المسلمين صَافَوا بعض اليهود والمنافقين لصحبة كانت بينهم في الجاهلية، فنهوا عن ذلك، والبطانة: خاصتك الذين يستبطنون أمرك من البطن، وبطانة الثوب، لأنها تلي البطن. {لا يَأْلُونَكُمْ} لا يقصرون في أمركم. {خَبَالاً} أصله الفساد، ومنه الخبل للجنون. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي: ضلالكم عن دينكم، أو أن تعنتوا في دينكم فتحملوا فيه على المشقة، وأصل العنت: المشقة. {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} بدا منها ما يدل على البغضاء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً}، أي: لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء. وقوله سبحانه: {مّن دُونِكُمْ}، يعني: مِنْ دُونِ المؤمنين. وقوله سبحانه: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}: معناه: لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول: ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ: ما قصَّرت، بل ٱجتهدتُّ، والخبالُ: الفسادُ، قال ابن عبَّاس: كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ: نزلَتْ في المنافقين. قال * ع *: ويدخُلُ في هذه الآية ٱستكْتَابُ أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و «ما» في قوله: {مَا عَنِتُّمْ}: مصدريةٌ، فالمعنى: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي: شاقَّة. قال * ص *: قال الزجَّاج: عَنَتَكُمْ، أي: مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جَرِيرٍ: ضلاَلَكُمْ، وقال الزُّبَيْدِيُّ: العَنَتُ: الهلاك. اهـــ. وقوله تعالى: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ}، أي: فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}؛ تحْذيراً وتنبيهاً، وقد عَلِمَ سبحانه؛ أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول: إنْ كُنْتَ رَجُلاً، فٱفعل كذا وكذا. وقوله: {هَـٰأَنْتُمْ أُوْلآءِ تُحِبُّونَهُمْ}: الضمير في «تُحِبُّونهم» للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله: {بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ}، قال: * ص *: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ}، قال أبو البقاء: الكِتَاب، هنا: جنس، أيْ: بالكتب كلِّها. اهـــ. وقوله تعالى: {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ}: عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه؛ ومنه قولُ أبي طَالِبٍ: [الطويل] شعر : ................... يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} قال فيه الطبريُّ، وكثيرٌ من المفسِّرين: هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ: بل أمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا؛ فعلَى هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}: وعيدٌ و {ذَاتَ ٱلصُّدُورِ}: ما تنطوِي عليه.

ابن عادل

تفسير : لما شرح أحوالَ المؤمنين والكافرين، شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين، وأكد الزجر عن الركون إلى الكُفار، وهو مُتَّصل بما سبق من قوله: {أية : إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [آل عمران: 100]. قوله: {مِّن دُونِكُمْ} يجوز أن يكون صفةً لـ "بِطَانَةً"، فيتعلق بمحذوف، أي: كائنة من غيركم. وقدره الزمخشريّ: من غير أبناء جنسكم وهم المسلمون. ويجوز أن يتعلق بفعل النهي، وجوَّز بعضُهم أن تكون "من" زائدة، والمعنى: دونكم في العمل والإيمان. وبطانة الرجل: خاصَّته الذين يُبَاطنهم في الأمور، ولا يُظْهِر غيرَهم عليها، مشتقة من البطن، والباطن دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشعارَ والدِّثار في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : النَّاسُ دثار، والأنْصَارُ شِعَار ". تفسير : والشعَارُ: ما يلي الجسد من الثياب. ويقال: بَطَنَ فلانٌ بفلانٍ، بُطُوناً، وبِطَانة. قال الشاعر: [الطويل]. شعر : 1582- أولَئِكَ خُلْصَانِي، نَعَمْ وَبِطَانَتِي وَهُمْ عَيْبَتِي مِنْ دُونِ كُلِّ قَرِيبِ تفسير : فالبطانة مصدر يُسمَّى به الواحد والجمع، وأصله من البطن، ومنه: بطانة الثوب غير ظهارته. فإن قيل: قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} نكرة في سياق النفي، فيقتضي العموم في النهي عن مصاحبة الكفار، وقد قال تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 8] فكيف الجمع فيهما. فالجواب: أن الخاص مقدَّم على العام. قوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ} لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذَكَر علَّة النهي، وهي أمور: أحدها: قوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} يقال: ألا في الأمر، يَألُو فيه، أي: قصَّر - نحو غزا يغزو - فأصله أن يتعدى بحرف الجر كما ترى. واختلف في نصب "خَبَالاً" على وجوه: أحدها: أنه مفعول ثانٍ، وإنما تعدَّى لاثنين؛ للتضمين. قال الزمخشري: يقال: ألا في الأمر، يألو فيه - أي: قصَّر - ثم استُعْمِل مُعَدًّى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نُصْحاً، ولا آلوك جُهْداً، على التضمين، والمعنى: لا أمنعك نُصْحاً ولا أنقُصُكَهُ. الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض، والأصل: لا يألونكم في خبال، أو في تخبيلكم، أو بالخبال، كما يقال: أوجعته ضرباً، وهذا غير منقاسٍ، بخلاف التضمين؛ فإنه ينقاس، وإن كان فيه خلافٌ واهٍ. الثالث: أن ينتصب على التمييز، وهو - حينئذ - تمييز منقول من المفعولية، والأصل: لا يألون خبالكم، أي: في خبالكم، ثم جعل الضمير - المضاف إليه - مفعولاً بعد إسقاط الخافض فنُصِبَ الخبال - الذي كان مضافاً - تمييزاً، ومثله قوله: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} تفسير : [القمر: 12] على أن "عُيُوناً" بدل بعض من كل، وفيه حذف العائد، أي: عيوناً منها، وعلى هذا التخريج، يجوز أن يكون "خَبَالاً" يدل اشتمال من "كم" والضمير أيضاً محذوف أي: "خبالاً منكم" وهذا وَجْه رابع. الخامس: أنه مصدر في موضع الحال، أي: متخبلين. السادس: قال ابْنُ عَطِيَّةَ: معناه: لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم. فعلى هذا - الذي قدره - يكون المضمر، و "خَبَالاً" منصوبين على إسقاط الخافض، وهو اللام، وهذه الجملة فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها جُمْلة استئنافية، لا محل لها من الإعراب، وإنما جِيءَ بها، وبالجُمَل التي بعدها، لبيان حال الطائفة الكافرة، حتى ينفروا منها، فلا يتخذوها بطانة، وهو وجه حسن. الثاني: أنها جملة في موضع نصب؛ حال من الضمير المستكن في "دُونِكُمْ" على أن الجار صفة لبطانة. الثالث: أنها في محل نصب؛ نعتاً لـ "بِطَانةً" - أيضاً -. والألْو - بزنة الغزو - التقصير - كما تقدم -. قال زهير: [الطويل] شعر : 1583- سَعَى بَعْدَهُمْ قَوْمِي لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَلَم يُليمُوا، وَلَمْ يَأْلُوا تفسير : وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1584- وَمَا المَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرَافِ الخُطُوبِ وَلاَ آلِي تفسير : يقال: آلَى، يُولِي - بزنة أكرم، فأبدِلَت الهمزةُ الثانية ألفاً. وأنشدوا: [الوافر] شعر : 1585- ................... فَمَا آلَى بَنِيَّ وَلاَ أسَاءُوا تفسير : ويقال: ائتلَى، يأتلي - بزنة اكتسب يكتسب -. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1586- ألاَ رُبَّ خَصْمٍ فِيَكِ ألْوَى رَدَدْتُهُ نَصِيحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَلِي تفسير : فيتحد لفظ آلى بمعنى قصَّر، وآلى بمعنى حَلفَ - وإن كان الفرق بينهما ثابتاً من حيث المادة؛ لأن لامه من معنى الحلف ياء، ومن معنى التقصير واو. قال الراغب: وألَوْتُ فلاناً، أي: أوْليته تقصيراً - نحو كسبته، أي: أوْليته كَسْباً - وما ألوته جهداً، أي: ما أوليته تقصيراً بحسب الجهد، فقولك: جهداً، تمييز. وقوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران: 118] أي: لا يُقَصِّرون في طلب الخبال، ولا يدعون جهدهم في مضرتكم، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} تفسير : [النور: 22]. قيل: هو "يفتعل" من ألوت. وقيل: هو من آليت، أي: حلفت. والخبال: الفساد، وأصله ما يلحق الحيوان من مَرَض، وفتور، فيورثه فساداً واضطراباً، يقال منه: خبله وخَبَّله - بالتخفيف والتشديد، فهو خابل، ومُخَبَّل، ومخبول، والمخبل: الناقص العقل، قال تعالى: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47]، ويقال: خَبْل، وخَبَل، وخَبَال وفي الحديث: "حديث : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثَلاَثاً كَانَ حَقًّا على اللهِ أن يَسقيه مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ ". تفسير : وقال زهير بن أبي سُلْمى: [الطويل] شعر : 1587- هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا وَإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا، وَإن يُيْسِرُوا يُغْلُوا تفسير : والمعنى في هذا البيت: أنهم إذا طُلِب منهم إفساد شيء من إبلهم أفسدوه، وهذا كناية عن كرمهم. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رِجَالٌ من المُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ اليَهُودَ؛ لما بينهم من القَرَابةِ، والصداقة، والحِلْف، والجوار، والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم فيها عن مباطنتهم. قال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا يواصلون المنافقين، فنهاهم الله عن ذلك، ويؤيِّد هذا القولَ ما ذكره بعد في قوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} [آل عمران: 119] وهذه صفة المنافقين. وقيل: أراد جميع الكفار. والعنت: شدة الضرر والمشقة، قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} تفسير : [البقرة: 220]، وقد تقدم اشتقاقه. قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} هذه العلة الثانية، وفي هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الأظهر - أن تكون مستأنفة، لا محل لها من الإعراب - كما هو الظاهر في التي قبلها. والثاني: أنها نعت لـ "بِطَانَةً" فمحلُّها نصب. قال الواحدي: "ولا يصح هذا؛ لأن البطانة قد وُصِفَت بقوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}، ولو كان هذا صفة - أيضاً -، لوجب إدخال حرف العطف بينهما". والثالث: أنها حال من الضمير في "يَألونَكُمْ"، و "ما" مصدرية، و "عَنِتُّمْ" صلتها، وهي وصلتها مفعول الودادة، أي: عنتكم، أي: مقتكم. وقال الراغب: "المعاندة، والمعانتة، يتقاربان، لكن المعاندة هي الممانعة، والمعانتة: أن يتحرى مع الممانعة المشقة". والفرق بين قوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}، وقوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ}، في المعنى من وجوه: الأول: لا يقصرون في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه، ودُّوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر. الثاني: لا يقصرون عن إفساد أموركم، فإن لم يفعلوا ذلك؛ لمانعٍ، فحُبّه في قلوبهم. الثالث: لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا، فإن عجزوا عنه لمانع لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم. قال القُرْطُبِيُّ: "وقد انقلبت هذه الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كَتَبَةً وأمَنَاءَ، وتسوَّدوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء". وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيْفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وتَحُضُّهُ عَلَيهِ، وبِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بِالشَّرِ، وَتَحُضُّهُ عَلَيهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تعالى ". تفسير : وروى أنس بن مالك قال: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ المُشْرِكِينَ، وَلاَ تَنْقُشُوا فِي خَواتِيمكُمْ غريباً ". تفسير : وفسره الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، فقال: أراد صلى الله عليه وسلم لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمداً. قال الحَسَنُ: وتصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل -: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية. العلة الثالثة: قوله: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ} هذه الجملة كالتي قبلها، وقرأ عبد الله "بَدَا" - من غير تاء - لأن الفاعل مؤنَّث مجازيّ؛ ولأنها في معنى البغض، والبغضاء: مصدر - كالسراء والضراء - يقال منه: بَغُضَ الرجل، فهو بغيض، كظَرُفَ فهو ظَرِيفٌ. قوله: {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} متعلق بـ "بَدَتْ" و "مِنْ" لابتداء الغاية، وجوَّز ابو البقاء أن يكون حالاً، أي: خارجة من أفواههم، والأفواه: جمع فَم، وأصله فوه، فلامه هاء، يدل على ذلك جمعه على أفواه، وتصغيره على "فُوَيْه"، والنسب إليه على فوهي، وهل وزنه فَعْل - بسكون العين - أو "فَعَل" - بفتح العين -؟ خلاف للنحويين، ثم حذفوا لامه تخفيفاً، فبقي آخرهُ حرف علة، فأبدلوه ميماً؛ لقُرْبهِ منها؛ لأنهما من الشفة، وفي الميم هُوِيٌّ في الفم يضارع المد الذي في الواو. وهذا كله إذا أفردوه عن الإضافة، فإن أضافوه لَمْ يُبْدلوا حرفَ العلة. كقوله: [البسيط] شعر : 1588- فَوهٌ كَشقِّ الْعَصَا لأْياً تُبَيِّنُهُ أسَكُّ مَا يَسْمَعُ الأصْوَاتَ مَصْلُومُ تفسير : عكس الأمر في الطرفين، فأتى بالميم في حال الإضافة، وبحرف العلة في القطع عنها. فمن الأول قوله: [الرجز] شعر : 1589- يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ تفسير : وخصَّه الفارسيُّ وجماعة بالضرورة، وغيرهم جوَّزه سعة، وجعل منه قوله: "لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك". ومن الثاني قوله: [الرجز] شعر : 1590- خَالَطَ مِنْ سَلْمَى خَيَاشِيمَ وَفَا تفسير : أي: وفاها، وإنما جاز ذلك؛ لأن الإضافة كالمنطوق بها. وقالت العرب: رجل مفوَّه - إذا كان يجيد القولَ - وأَفْوَه: إذا كان واسعَ الفم. قال لبيد: [الوافر] شعر : 1591- ........................ وَمَا فَاهُوا بِهِ أبَداً مُقِيمُ تفسير : وفي الفم تسع لغات، وله أربع مواد: ف م ه. ف م و. ف م ي. ف م م؛ بدليل أفواه، وفموين، وفميين، وأفمام. فصل {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ} أي: ظهرت علامة العداوة من أفواههم. فإن حملناه على المنافقين، فمعناه أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه، وعدم الود والنصيحة، كقوله: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30]، أو بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين، والكفَّار، لإطلاع بعضهم بعضاً على ذلك. وإن حملناه على اليهود فمعناه: أنهم يُظهرون تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب، وينسبونه إلى الجهل. وإن حَمَلْناه على الكُفَّار، فمعنى البغضاء الشتيمة و الوقيعة في المسلمين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: "وفي هذه الآية دليل على أن شهادةَ العدو على عدوِّه لا تجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز، ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ جوازُ ذلك. وحكى ابن بطّال عن ابن شعبان أنه قال: أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على عدوه في شيء، وإن كان عَدْلاً - والعداوة تُزيل العدالة، فكيف بعداوة الكافر". قوله: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} يجوز أن تكون "ما" بمعنى: الذي، والعائد محذوف - أي: تخفيه فحذف - وأن تكون مصدرية - أي: وإخفاء صدورهم - وعلى كلا التقديرين، فـ "ما" مبتدأ و "أكبر" خبره، والمفضَّل عليه محذوف، أي: أكبر من الذي أبدَوْهُ بأفواههم. قوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} شرط، حذف جوابه، لدلالة ما تقدم عليه، أو هو ما تقدم - عند من يرى جوازه -. والمعنى: إن كنتم من أهل العقل، والفهم، والدراية. وقيل: إن كنتم تعقلون الفَصْل بين ما يستحقه الولِيّ والعدُوّ، والمقصود منه: استعمال العقل في تأمل هذه الآيات، وتدبُّر هذه البينات. قوله تعالى: {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ} قد تقدم نظيره. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "ها" للتنبيه، و "أنْتُمْ" مبتدأ و "أولاءِ" خبره، و "تُحِبُّونَهُمْ" في موضع نصب على الحال من اسم الإشارة. ويجوز أن يكون "أولاء" بمعنى: الذي، و "تُحِبُّونَهُمْ" صلة له، والموصول مع الصلة خبر. قال الفرَّاء: "أولاَءِ" خبر، و "يحبونهم" خبر بعد خبر. ويجوز أن يكون "أولاء" في موضع نصب بفعل محذوف، فتكون المسالة من باب الاشتغال، نحو: أنا زيداً ضربته. قوله: {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} يحتمل أن يكون استئناف إخبار، وأن يكون جملة حالية. فصل قال المُفَضَّل: "تحبّونهم" تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، و {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ}، فإنهم يريدون بقاءكم على الكفر، وهو يوجب الهلاك. وقيل: {يُحِبُّونَهُمْ} بسبب ما بينكم وبينهم من القرابة، والرضاع، و المصاهرة، {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} لأجل الإسلام. وقيل: {تُحِبُّونَهُمْ} بسبب إظهارهم لكم الإسلام {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بسبب أن الكفر مستغرق في قلوبهم. وقال أبُو العَالِيَةِ، ومُقَاتِلٌ: المحبة - هاهنا - بمعنى: المصافاة، أي: أنتم - أيها المؤمنون - تصافونهم، ولا يصافونكم؛ لنفاقهم. وقال الأصمّ: {تُحِبُّونَهُمْ} بمعنى: أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات، والمحن، {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بمعنى: أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمِحَن، ويتربصون بكم الدوائر. وقيل: {تُحِبُّونَهُمْ} بسبب أنهم يُظهرون لكم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يبغضون الرسول، ومحب المبغوض مبغوض. وقيل: {تُحِبُّونَهُمْ} أي: تخالطونهم، وتُفشون إليهم أسرارَكم في أمور دينكم {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي: لا يفعلون ذلك بكم. قوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} يجوز أن تكون الألف واللام - في الكتاب - للجنس، والمعنى: بالكتب كلها، فاكتفى بالواحد. وقيل: أفرد الكتاب؛ لأنه مصدر، فيجوز أن يُسَمَّى به الجمع. وقيل: إن المصدر لا يُجْمَع إلا على التأويل، فلهذا لم يَقُل: الكتب - بدلاً من الكتاب -، وإن كان لو قاله لجاز، توسعاً. ويجوز أن يكون للعهد، والمراد به: كتاب مخصوص. وهنا جملة محذوفة، يدل عليها السياق، والتقدير: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ}، وهم لا يؤمنون بكتابكم، وحَسُنَ العطفُ، لما تقدم من أن ذكر أحد الضدين يُغْني عن ذِكْر الآخر، وتقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم - مع ذلك - تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟. وفيه توبيخ شديد بأنهم - في باطلهم - أصلب منكم في حقكم. قوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} ومعناه: إذا خَلاَ بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين، حتى تبلغ الشدة إلى عَضِّ الأنامل، كما يفعل الإنسان - إذا اشتد غيظه، وعَظُم حُزنه - على فَوْت مطلوبه، ولمَّا كَثُر هذا الفعلُ من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب، وإن لم يكن هناك عض. قوله: {عَلَيْكُمْ} متعلق بـ "عَضُّوا"، وكذلك {مِنَ ٱلْغَيْظِ} و "مِنْ" فيه لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيفيد العِلِّيَّةَ - اي: من أجل الغيظ -. وجوز أبو البقاء - في "عَلَيْكُمْ"، وفي {مِنَ ٱلْغَيْظِ} - أن يكونا حالين، فقال: "ويجوز أن يكون حالاً، أي: حنقين عليكم من الغيظ. و {مِنَ ٱلْغَيْظِ} متعلق بـ "عَضُّوا" أيضاً، و "مِنْ" لابتداء الغاية، أي: من أجل الغيظ، ويجوز أن يكون حالاً، أي: مغتاظين". انتهى. وقوله: و "من" لابتداء الغاية - أي: من أجل الغيظ كلام متنافر؛ لأن التي للابتداء لا تفسَّر بمعنى: "من أجل"، فإنه معنى العلة، والعلة والابتداء متغايران، وعلى الجملة، فالحالية - فيهما - لا يظهر معناها، وتقديره الحال ليس تقديراً صناعيًّا؛ لأن التقدير الصناعي إنما يكون بالأكوان المطلقة. والعَضّ: الأزم بالأسنان، وهو تحامُل الأسنان بعضها على بعض، يقال: عَضِضْتُ - بكسر العين في الماضي - أعَضُّ - بالفتح - عَضًّا, وعضِيضاً. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1592-.................... كَفَحْلِ الْهِجَانِ يَنْتَحِي لِلْعَضِيضِ تفسير : ويعبر به عن الندم المفرط - ومنه: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} تفسير : [الفرقان: 27] - وإن لم يكن ثم عَضٌّ حقيقة. قال أبو طالب: [الطويل] شعر : 1593 - وَقَدْ صَالَحُوا قَوْماً عَلَينَا أشِحَّةً يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأنَامِلِ تفسير : جعل الباء زائدة في المفعول؛ إذ الأصل: يعضون خلفنا الأنامل. وقال آخر: [المتقارب] شعر : 1594- قَدَ افْنَى أنَامِلَهُ أزْمُهُ فَأضْحَى يَعَضُّ عَلَيَّ الْوَظِيفَا تفسير : وقال الحارث بن ظالم المري: [الطويل] شعر : 1595- وَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئاماً أذِلَّةً يَعُضُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُءُوسَ الأبَاهِمِ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 1596- إذَا رَأوْنِي - أطَالَ اللهُ غَيْظَهُمُ - عَضُّوا مِنَ الْغَيظِ أطْرَافَ الأبَاهِيمِ تفسير : والعَضّ كله بالضاد، إلا في قولهم: عَظَّ الزمان - أي: اشتد - وعظت الحرب، فإنهما بالظاء - أخت الطاء -. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1597- وَعَظُّ زَمَانٍ - يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْمَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ تفسير : قال شهاب الدين: "وقد رأيته بخط جماعة من الفضلاء: وعضُّ زمان - بالضاد". والعُضُّ - بضم الفاء - عَلَف من نوًى مرضوض وغيره، ومنه: بَعير عُضَاضِيّ - أي: سمين - كأنه منسوب إليه، وأعَضَّ القومُ - إذا أكلت إبلُهم ذلك، والعِضّ - بكسر الفاء - الرجل الداهية، كأنهم تصوروا عَضَّه وشدته. وزمن عضوض - أي: جدب، والتَّعْضوض: نوع من التمر، سُمِّيَ بذلك لشدة مضغه وصعوبته. والأنامل: جمع أنملة - وهي رؤوس الأصابع. قال الرُّماني: واشتقاقها من النمل - هذا الحيوان المعروف - شبهت به لدقتها، وسرعة تصرفها وحركتها، ومنه قالوا للنمام: "نمل ومنمل" لذلك. قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 1598- وَلَسْتُ بِذِي نَيْرَبٍ فِيهِمُ وَلاَ مُنْمِشٍ فيهِمُ مُنْمِلِ تفسير : وفي ميمها الضم والفتح. والغيظ: مصدر غاظه، يغيظه - أي: أغضبه -. وفسره الراغب بأنه أشد الغضب، قال: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دَمِ قلبه. وإذا وصف به الله تعالى، فإنما يراد به الانتقام. والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت، قال تعالى: {أية : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12]، والجملة من قوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} معطوفة على {تُحِبُّونَهُمْ}، ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة. قال الزمخشري: والواو في {وَتُؤْمِنُونَ} للحال، وانتصابها من {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي: لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم. قال أبو حيان: "وهو حسن، إلا أن فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه، وهو أنه جعل الواو في {وَتُؤْمِنُونَ} للحال، وانتصابها من {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} والمضارع المثبت - إذا وقع حالاً - لا تدخل عليه واو الحال، تقول: جاء زيد يضحك، ولا يجوز: ويضحك، فأما قولهم: قمت وأصُكُّ عينه، ففي غاية الشذوذ، وقد أوِّل على إضمار مبتدأ، أي: وأنا أصُكّ عينه، فتصير الجملة اسمية، ويحتمل هذا التأويل هنا: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، لكنَّ الأولَى ما ذكرنا من كونها للعطف". يعني: فإنه لا يُحْوِج إلى حَذْف، بخلاف تقديره مبتدأ، فإنه على خلاف الأصل. قوله: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} يجوز أن تكون الباء للحال، أي: موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم، وهو كناية عن كثرة الإسلام وفُشوِّه؛ لأنه كلما ازداد الإيمان ازداد غيظهم، ويجوز أن تكون للسببية أي: بسبب غَيْظكم، وليس بالقويّ. وقوله: {مُوتُواْ} صورته أمر ومعناه الدعاء، فيكون دُعَاءً عليهم بأن يزداد غَيْظُهم، حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ: ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام، وعِزِّ أهْلِه، وما لهم في ذلك من الذُّلِّ، والخِزْي، والعار. وقيل: معناه الخبر، أي: أن الأمر كذلك. وقد قال بعضهم: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى: الدعاء؛ لأنه لو كان أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة؛ فإنَّ دعوته لا ترد، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآيةِ، [وليس بخبر]؛ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أخبره، ولم يؤمن أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ، والتهديد، كقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40] و "حديث : إذَا لَمْ تَسْتَحْي فاصْنَعْ مَا شِئْتَ ". تفسير : وهذا - الذي قاله - ليس بشيء؛ لأن مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - إن قُصِد به الدعاء - ولا تحت الخبر، إن قُصِد به الإخبار. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، أخبر - تعالى - بذلك؛ لأنهم كانوا يُخفون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، أي: قُلْ لهم: كذا، وكذا، فيكون في محل نصب بالقول، ومعنى قوله: {بِذَاتِ} أي: بالمُضْمَرات، ذوات الصدور، فـ "ذَات" - هنا - تأنيث "ذي" بمعنى صاحب؛ فحُذِف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، أي: عَلِيمٌ بالمضمرات صاحبة الصدُور، و "ذو" جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب النار، وأصحاب الجنة. والمراد بذات الصدور: الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي، و الصوارف الموجودة فيه. واختلفوا في الوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟. فقال الأخفش، والفَرَّاءُ، وابن كيسان: الوقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف. وقال الكسائي، والجَرْمِيّ: يوقف عليها بالهاء، لأنها تاء تأنيث، كهي في صاحبة، وموافقة الرسم أوْلَى؛ فإنَّهُ قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء، وافقنا تلك اللغة، والرسم، بخلاف عكسه.

البقاعي

تفسير : ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحاً وبَذوله شحيحاً؛ قال سبحانه وتعالى - مكرراً التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي إيماناً صحيحاً مصدقاً ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله {لا تتخذوا بطانة} أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة والصفاء ومبادلة المال والوفاء {من دونكم} أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، وعبر بذلك إعلاماً بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علّي درجتها بموادتهم. ثم وصفهم تعليلاً للنهي بقوله: {لا يألونكم خبالاً} أي يقصرون بكم من جهة الفساد، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضاً: {ودّوا ما عنتم} أي تمنوا مشقتكم. ولما كان هذا قد يخفى بيَّنه بقوله معللاً: {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها، لأن الإنسان إذا امتلأ من شيء غلبه بفيضه، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها فتأملوا. ثم أخبر عن علمه سبحانه قطعاً وعلم الفطن من عباده بالقياس ظناً بقوله: {وما تخفي صدورهم أكبر} مما ظهر على سبيل الغلبة. ثم استأنف على طريق الإلهاب والتهييج قوله: {قد بيَّنا} أي بما لنا من العظمة {لكم} أي بهذه الجمل {الآيات} أي الدالات على سعادة الدارين ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف والمؤالف. وزادهم إلهاباً بقوله: {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعقلون *} ثم استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم فقال منبهاً أو مبدلاً الهاء من همزة الإنكار: {ها أنتم أولاء} أي المؤمنون المسلمون المستسلمون {تحبونهم} أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء بواطنكم {ولا} أي والحال أنهم لا {يحبونكم} لمخالفتهم لكم في الدين، فإنهم كاذبون في إقرارهم بالإيمان {وتؤمنون} أي أنتم {بالكتاب كله} أي ويكفرون هم به كله، إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض {وإذا لقوكم قالوا} أي لكم {آمنا} لتغتروا بهم {وإذا خلوا} أي منكم، وصوّر شدة حنقهم بقوله: {عضّوا عليكم} لما يرون من ائتلافكم وحسن أحوالكم {الأنامل من الغيظ} أي المفرط منكم، ومن جعل الهاء في {ها أنتم} بدلاً عن همزة الاستفهام فالمراد عنده: أأنتم يا هؤلاء القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعليّ الآراء بقبولكم الحق كله، لأن المؤمن كيس فطن؛ فهو استفهام - وإن كان من وادي التوبيخ - المراد به التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات - والله الموفق. ولما كانوا كأنهم قالوا: فما نفعل؟ قال مخاطباً للرأس المسموع الأمر المجاب الدعاء: {قل} أي لهم {موتوا بغيظكم} أي ازدراء بهم ودعاء عليهم بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم. ولما كانوا يحلفون على نفي هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكداً لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة: {إن الله} أي الجامع لصفات الكامل {عليم بذات الصدور *} أي فلا تظنوا أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم منهم {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا تتخذوا بطانة من دونكم} قال: هم المنافقون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: نزلت في المنافقين من أهل المدينة. نهى المؤمنين أن يتولَّوهم. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند جيد عن حميد بن مهران المالكي الخياط قال: سألت أبا غالب عن قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...} الآية قال "حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: هم الخوارج". وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً، ولا تستضيئوا بنار المشركين. فذكر ذلك للحسن فقال: نعم. لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، ولا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم" تفسير : قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم}. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، أنه قيل له إن هنا غلاماً من أهل الحيرة حافظاً كاتباً، فلو اتخذته كاتباً قال: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن الربيع {لا تتخذوا بطانة} يقول: لا تستدخلوا المنافقين تتولوهم دون المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {ودوا ما عنتم} يقول: ما ضللتم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {ودوا ما عنتم} يقول: ودّ المنافقون ما عنت المؤمنون في دينهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {قد بدت البغضاء من أفواههم} يقول: من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار من غشهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم {وما تخفي صدورهم أكبر} يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} قال المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه في الدنيا. لو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر عليه منه لأباد خضراءه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة. مثله. وأخرج إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وتؤمنون بالكتاب كله} أي بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل} قال: هكذا ووضع أطراف أصابعه في فيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وإذا لقوكم...} الآية. قال: إذا لقوا المؤمنين {قالوا آمنا} ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم فصانعوهم بذلك {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه، لو يجدون ريحاً لكانوا على المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن السدي {عضوا عليكم الأنامل} قال: الأصابع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال: نزلت هذه الآية في الأباضية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {إن تمسسكم حسنة} يعني النصر على العدوّ، والرزق، والخير، يسؤهم ذلك {وإن تصبكم سيئة} يعني القتل والهزيمة والجهد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: إذا رأوا من أهل الإسلام إلفة وجماعة وظهوراً علىعدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافاً أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وابتهجوا به. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم} مشددة برفع الضاد والراء.

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} بطانةُ الرجل ووَليجتُه مَنْ يُعرِّفه أسرارَه ثقةً به، شُبِّه ببطانة الثوب كما شُبِّه بالشِّعار، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الأنصارُ شِعار والناسُ دِثار»تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهودَ لما بـينهم من القرابة والصداقةِ والمحالفة فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ، وقال مجاهد: نزلتْ في قوم من المؤمنين كانوا يواصِلون المنافقين فنُهوا عن ذلك ويؤيده قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} [آل عمران، الآية 119] وهي صفةُ المنافق وإياً ما كان فالحكمُ عامٌ للكفرة كافةً {مّن دُونِكُمْ} أي من دون المسلمين وهو متعلقٌ بلا تتخذوا أو بمحذوف وقعَ صفةً لبِطانة أي كائنةً من دونكم مجاوزةً لكم. {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} جملةٌ مستأنفةٌ مبـينةٌ لحالهم داعيةٌ إلى الاجتناب عنهم أو صفةُ بطانةً، يقال: أَلا في الأمر إذا أقصَرَ فيه ثم استُعمل مُعدًّى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوكَ نُصحاً ولا آلوك جُهداً على تضمين معنى المنْعِ والنقصِ، والخَبالُ الفسادُ أي لا يُقْصِرون لكم في [تمني] الفسادِ {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي تمنَّوْا عَنَتَكم أي مشقتَكم وشدةَ ضررِكم وهو أيضاً استئنافٌ مؤكدٌ للنهي موجبٌ لزيادة الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ} استئنافٌ آخرُ مفيدٌ لمزيد الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه أي قد ظهرت البغضاءُ في كلامهم لِما أنهم لا يتمالكون ــ مع مبالغتهم في ضبط أنفسِهم وتحاملِهم عليها ــ أن ينفلِتَ من ألسنتهم ما يُعلم به بغضُهم للمسلمين. وقرىء قد بدا البغضاءُ، والأفواهُ جمعُ فم وأصلُه فوهٌ فلامُه هاءٌ يدل على ذلك جمعُه على أفواه وتصغيرُه على فُوَيه والنسبةُ إليه فوهيٌّ {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} مما بدا لأن بُدُوَّه ليس عن رَويَّة واختيار {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ} الدالةَ على وجوب الإخلاصِ في الدين وموالاةِ المؤمنين ومعاداةِ الكافرين {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي إن كنتم من أهل العقلِ أو إن كنتم تعقِلون ما بُـيِّن لكم من الآيات، والجوابُ محذوفٌ لدِلالة المذكورِ عليه. {هَاأَنتُمْ أُوْلاء} جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ صُدِّرت بحرف التنبـيهِ إظهاراً لكمال العنايةِ بمضمونها أي أنتم أولاءِ المخطِئون في موالاتهم. وقوله تعالى: {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بـيانٌ لخطئهم في ذلك وهو خبرٌ ثانٍ لأنتم أو خبرٌ لأولاءِ والجملةُ خبرٌ لأنتم كقولك: أنت زيدٌ تحبُّه، أو صلةٌ له أو حالٌ والعاملُ معنى الإشارةِ، ويجوز أن ينتصِبَ أولاءِ بفعل يفسِّره ما بعده وتكونُ الجملةُ خبراً {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ} أي بجنس الكتبِ جميعاً وهو حالٌ من ضمير المفعول في {لا يُحِبُّونَكُمْ} والمعنى لا يحبونكم والحالُ أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالُكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم؟ وفيه توبـيخٌ بأنهم في باطلهم أصلبُ منكم في حقكم {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} نفاقاً {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} أي من أجله تأسفاً وتحسراً حيث لم يجدوا إلى التشفي سبـيلاً {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} دعاءٌ عليهم بدوام الغيظِ وزيادتِه بتضاعف قوةِ الإسلامِ وأهلِه إلى أن يهلِكوا به أو باشتداده إلى أن يهلكهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فيعلم ما في صدوركم من العداوة والبغضاء والحنَقِ وهو يحتملُ أن يكون من المَقول أي وقل لهم: إن الله تعالى عليمٌ بما هو أخفى مما تُخفونه من عضّ الأناملِ غيظاً، وأن يكون خارجاً عنه بمعنى لا تتعجْب من اطْلاعي إياك على أسرارهم فإني عليمٌ بذات الصدور. وقيل: هو أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفسِ وقوة الرجاءِ والاستبشار بوعد الله تعالى أن يَهلِكوا غيظاً بإعزاز الإسلامِ وإذلالِهم بقوته من غير أن يكون ثمةَ قولٌ كأنه قيل: حدِّث نفسَك بذلك.

القشيري

تفسير : الركون إلى الضد - بعد تبين المشاق - إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو، فأشار الحقُّ - سبحانه - على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض، وإظهار البراءة عن كل غير، ودوام الخلوص للحق - سبحانه - بالقلب والسر. وأخبر أن مضادات القوم للرسول صلى الله عليه وسلم أصلية غير طارئة عليهم، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه محلُّ الإقبال وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليلُ والنهار؟!

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} نزلت فى قوم من المؤمنين كانوا يواصلون المنافقين فنهاهم الله عن ذلك بقوله {لا تتخذوا بطانة} بطانة الرجل صاحب وليجته من يعرف اسراره ثقة به شبه ببطانة الثوب التى تلى بطنه كما شبه بالشعار قال عليه السلام "حديث : الانصار شعار والناس دثار " .تفسير : {من دونكم} اى من دون المسلمين متعلق بلا تتخذوا {لا يألونكم خبالا} يقال ألا فى الامر اذا قصر فيه ثم استعمل معدى الى مفعولين فى قولهم لا آلوك نصحا على تضمين معنى المنع اى لا امنعك نصحا والخبال الفساد اى لا يقصرون لكم فى الفساد بالمكر والخديعة ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر {ودوا ما عنتم} اى تمنوا عنتكم اى مشقتكم وشدة ضرركم فى دينكم ودنياكم والفرق بين الجملة الاولى وبين هذه ان معناهما انهم لا يقصرون ضررا فى امور دينكم ودنياكم فان عجزوا عن ذلك فحب ذلك وتمنيه غير زائل من قلوبهم {قد بدت البغضاء من افواههم} البغضاء شدة البغض اى قد ظهرت علامة العداوة فى كلامهم الخارج من افواههم لما انهم لا يتمالكون مع مبالغتهم فى ضبط انفسهم وتحاملهم عليها ان ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين {وما تخفى صدورهم اكبر} مما بدا لان بدوه ليس عن روية واختيار {قد بينا لكم الآيات} الدالة على وجوب الاخلاص فى الدين وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين {ان كنتم تعقلون} ما بينا لكم فتعملون به والظاهر ان الجمل من قوله لا يألونكم الى هنا تكون مستأنفات على وجه التعليل للنهى عن اتخاذهم بطانة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: بطانة الرجل: خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره، وسميت بطانة؛ تشبيهاً لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار. قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : الأَنْصَارَ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ"تفسير : . وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والألو: التقصير، وأصله: أن يتعدى بالحرف، تقول: لا آلو في نصحك؛ أي: لا أقصر فيه. ثم عدي إلى مفعولين، كقولهم: لا آلوك نصحاً، على تضمن معنى المنع أو النقص. والخبال: الفساد. و {ما عنتم}: مصدرية، والعنت: التعب والمشقة، والأنامل: جمع أنملة - بضم الميم وفتحها -، والضير والضر واحد. ومضارع الأول: يضير، والثاني: يضر، وهو هنا مجزوم، وأصله: يضرُركم، نقلت حركة الراء إلى الضاد، وضمت الراء، إتباعاً لحركة الضاد طلباً للمشاكلة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} أي: أصدقاء وأصفياء، تطلعونهم على سركم، وهم {من دونكم} ليسوا على دينكم، فإنهم {لا يألونكم خبالاً} أي: لا يقصرون جهدَهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط والنميمة وإطلاع الكفار على عورتكم. نزلت في رجال من المسلمين، كانوا يصلون رجالاً من اليهود؛ لما كان بينهم من القرابة والصداقة، أو في المنافقين؛ كان يصلهم بعض المسلمين. ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال: {ودوا ما عنتم} أي: تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم، {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي: ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، {وما تخفي صدورهم} من العداوة والبغضاء، {أكبر} مما أظهره، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار، بل من غلبة غيظ واضطرار. {قد بيّنَا لكم} أيها المؤمنون {الآيات} الدالة على مجانبة الكافرين ومولاة المؤمنين، {إن كنتم تعلقون} ما يُبين لكم. {هأنتم} يا هؤلاء المخاطبين {تحبونهم} لما بينكم من المصاهرة والصداقة، {ولا يحبونكم} لما بينكم من مخالفة الدين، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر، وأنتم {تؤمنون بالكتاب} أي: بجنس الكتب، {كله} أي: بالكتب كلها، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم؟ وهم أيضاً ينافقونكم؛ {إذَا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا} مع أنفسهم {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} لما يرون من ائتلاف المؤمنين، ولم يجدوا سبيلاً إلى التشفي فيكم، وهذه كناية عن شدة حقدهم، وإن لم يكن ثَمَّ عض في الخارج. قال لهم الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: {موتوا بغيظكم}؛ فإنما ضرر غيظكم عليكم، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا، {إن الله عليم بذات الصدور} أي: بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء والحَنَقَ، أو بما في القلوب من خير أو شر. هو من مقول الرسول لهم، أو من كلام الله تعالى، استئناف، أي: لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. ومن فرط عداوتهم أنهم {إن تمسسكم حسنة} كنصر وغنيمة {تسوءهم} أي، تحزنهم، {وإن تصبكم سيئة} كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم او اختلاف بينكم، {يفرحوا بها وإن تصبروا} على عداوتهم وأذاهم، وتخافوا ربكم، {وتتقوا} ما نهاكم عنه، {لا يضركم كيدهم شيئاً}، بفضل الله وحفظه، الموعود للصابرين والمتقين،{أية : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 153]،{أية : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ}تفسير : [النحل: 128]. ومن كان الحق معه لا يضره شيء، {إن الله بما يعملون محيط}؛ لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد، فيجازيهم عليه. الإشارة: لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة حتى يطلعوهم على سرهم، فإن الإطلاع على السر، ولو كان غير الخصوصية، كله ضعف في العقل ووهن في الرأي، وفي ذلك يقول القائل: شعر : من أطْلَعَ الناسَ على سره استحقَّ الكيَّ على جَبْهَتِه تفسير : وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام، والعامة مضادون لأهل الخصوصية، لا يألونهم خبالاً في قلوبهم وتشتيتاً لفكرتهم، إذا صحبوهم يودون أن لو كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل ظهرت البغضاء من أفواههم، وما تحفى صدورهم أكبر، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون لهم الخير فإنهم بعكس ذلك، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون بحقيقتكم، بل ينكرونها عليكم، ومنهم من يتصف بالنفاق، إذا لقي أهل الخصوصية أظهر التصديق والمحبة، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحَنَق، وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة، كعز وفتح وشهود ومعرفة تَسؤْهم، وإن تصبكم سيئة؛ كمحنة أو بلية، يفرحوا بها، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم، وتتقوا شهود السوى فيهم، لا يضركم كيدهم شيئاً؛ {إن الله بما يعملون محيط}.

الطوسي

تفسير : المعنى: ذكر ابن عباس، والحسن: أن قوماً من المؤمنين خافوا بعض المشركين من اليهود، والمنافقين المودة لما كان بينهم في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك بهذه الآية. والبطانة معناها ها هنا خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره ويسمون دخلاء أي لا تجعلوا من هذه صفته من غير المؤمنين. اللغة، والاعراب: والبطن خلاف الظهر، فمنه بطانة الثوب خلاف ظهارته، لأنها تلي بطنه. وبطانة الرجل خاصته، لأنها بمنزلة ما يلي بطنه من ثيابه في القرب منه، ومنه البطنة وهو امتلاء البطن بالطعام. والبطان حزام البعير، لأنه يلي بطنه. وقوله {من دونكم} (من) تحتمل وجهين: أحدهما - أن تكون دخلت للتبعيض، والتقدير لا تتخذوا بعض المخالفين في الدين بطانة. والثاني - أن يكون دخولها لتبين الصفة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة من المشركين. وهو أعم وأولى، لأنه لا يجوز أن يتخذ مؤمن كافراً بطانة على حال وقال بعضهم إن (من) زائدة، وهذا ليس بجيد، لأنه لا يجوز أن يحكم بالزيادة مع صحة حملها على الفائدة. وقوله: {لا يألونكم خبالاً} معناه لا يقصرون في أمركم خبالا من قولهم ما ألوت في الحاجة جهداً، ولا أألو الامر ألوا أي لا أقصر جهداً. وقال الشاعر: شعر : جهراء لا تألو إذا هي أظهرت بصراً ولا من علية تغنيني تفسير : أي لا تقصر بصراًَ ولا تبصر، لأنها جهراء تطلب ذلك، فلا تجده. ومنه الالية اليمين. ومنه قوله: {أية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم}تفسير : معناه لا يقصر، وقيل لا يحلف. والأصل التقصير والخبال معناه النكال. وأصله الفساد يقال في قوائمه خبل، وخبال أي فساد من جهة الاضطراب. ومنه الخبل الجنون، لأنه فساد العقل، ورجل مخبل الرأي أي فاسد الرأي. ومنه الاستخبال طلب إعادة المال لفساد الزمان. المعنى: وقوله: {ودوا} معناه أحبوا {ما عنتم} معناه إدخال المشقة عليكم. وقال السدي: معناه {ودوا} ضلالكم عن دينكم، لأن الحمل بالضلال مشقة. وقبل معناه {ودوا} أن يفتنوكم في دينكم أي يحملونكم على المشقة ذكره ابن جريج. اللغة: وأصل العنت المشقة: عنت الرجل عنتاً إذا دخلت عليه المشقة. ومنه أكمة عنوت أي صعبة المسلك لمشقة السلوك فيها. وفلان يعنت فلاناً أي يحمله على المشقة الشديدة في ما يطالبه به. ومنه قوله تعالى: {أية : ولو شاء الله لأعنتكم}.تفسير : الاعراب، والمعنى: وموضع ودوا يحتمل أن يكون نصباً لأنه صفة لبطانة ويجوز أن يكون له موضع من الاعراب، لأنه استئناف جملة. وقوله: {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي ظهر منها ما يدل على البغض {وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات} يعني العلامات {إن كنتم تعقلون} يعني موضع نفعه لكم ومبلغ عائدته عليكم. وقيل: معناه {إن كنتم تعقلون} الفصل بين ما يستحقه الولي والعدو.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ والبيعة العامّة النبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} البطانة بكسر الباء خاصّة الرّجل من الرّجال او من يتّخذه معتمداً عليه من غير اهله يستوى فيه المذكّر والمؤنّث والواحد وغيره {مِّن دُونِكُمْ} متعلّق بلا تتّخذوا، ولفظة من ابتدائيّة، او صفة لبطانة ولفظة من تبعيضيّة؛ والمعنى لا تتّخذوا خليلاً بعضاً من غيركم {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} اى لا يقصرون الخبال والفساد فيكم او لا يتوانون فى الخبال فيكم وعلى اىّ تقدير فخبالاً تميز وضمير الخطاب مفعول به على الاوّل ومنصوب بنزع الخافض على الثّانى، او هما مفعولان بتضمين معنى المنع ومثله {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} اى عنتكم وهو شدّة الضّرّ والمشقّة {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} فى ضمن كلامهم لعدم تمالكهم من شدّة البغض مع انّهم بنفاقهم يريدون ان يظهروا التّودّد لكم والجمل الثلاث اوصاف لبطانة او احوال مترادفة او متداخلة عنه لتخصّصه بقوله {من دونكم} او عن فاعل لا تتّخذوا او عن كليهما او مستأنفة فى مقام التّعليل {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} من البغضاء عليكم {أَكْبَرُ} ممّا يظهر من افواههم {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} والعلامات الدّالّة على بغضائهم لكم وشدّة عداوتهم فما لكم تتّخذونهم بطانة {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} ذوى عقولٍ او تدركون بعقولكم تلك العلامات اجتنبتم موالاتهم.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً} نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويخالطونهم فنهوا عن ذلك، وقيل: في قوم صافّوا اليهود، قوله تعالى: {لا يألونكم خبالاً} الخبال: الفساد {ودّوا ما عنتُّم} أي تمنوا أن يضرّوكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر، قوله تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم} يعني أنه قد بدا منهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين، قوله تعالى: {وما تخفي صدورهم} أكبر مما هم يظهرون في المؤمنين من الطلب لهلاكهم، قوله تعالى: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبُّونكم} أخبر الله تعالى أنكم تعاملونهم بالنصيحة وليس في محبتكم لهم غش لأنكم دعوتهم إلى اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {وتؤمنون بالكتاب كله} محكمه ومتشابهه {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} البنان والأبهام، قوله تعالى: {قل موتوا بغيظكم} دعاء عليهم، قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} الآية نزلت يوم أحد، قال ابن اسحاق: كان مما أنزل الله تعالى يوم أُحد من القرآن ستُّون آية من آل عمران بها صفة ما كان في يومهم ذلك ومعاتبة من عاتب، ومعنى من أهلك بالمدينة من بيت عائشة، "حديث : وروي أن المشركين نزلوا بأحُد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه ودعا عبد الله بن أبي سلول ولم يدعه قط فاستشاره، فقال عبد الله وسائر الأنصار: يا رسول الله اقم بالمدينة ولا تخرج منها فوالله ما خرجنا منها الى عدوّ قط إلا أصاب منَّا، وما دخلها علينا إلاَّ أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فإن جاؤوا قاتلناهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وقال بعضهم: يا رسول الله أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنَّا قد جبُنّا عنهم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إني رأيت في منامي بقراً مذبَّحة حولي فأولُّها خيراً ورأيت في ذباب سيفي ثلمةً فأوَّلتهُ هزيمة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعونهم" فقال رجال من المسلمين قد فاتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أُحد: أُخرج بنا إلى أعدائنا، فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لامة حربه، فلما رأُوه ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والوحي يأتيه، فقالوا: يا رسول الله إصنع ما رأيت، فقال: "لا ينبغي لنبيٍّ أن يلبس لامة حربه فيضعها حتى يقاتل" فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الجمعة وأصبح في الشعب من أحد يوم السبت، وجعل يصف أصحابه للقتال، وجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وأمّر عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم: "انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا" وكان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألف والمشركون في ثلاثة آلاف، وقد وعدهم الله الفتح إن صبروا فانحرل عبد الله بن أُبي وأصحابه ورجع من الطريق وقال: يا قوم عَلاَم نقتل أنفسنا وأولادنا، فتبعه رجل من الأنصار طلب برده، فقال: ما حكى الله لو نعلم قتالاً لأتبعناكم"تفسير : ، قوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم} وهم حيَّان من الأنصار، بنو سلمة، وبنو حارثة، والظاهر أنها ما كانت إلاَّ همةٍ وحديث نفسٍ، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): اظهروا أن يرجعوا فثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّنْ دُونِكُمْ}. أى أصفياء تخبرونهم بأمركم الباطن من غير أهل ملتكم، أى شبه من تخبره بسرك، ببطانة الثوب، وهو جانبه الباطن، أو ما يلى الأرض، من الفراش و {من دونكم}: متعلق بيتخذوا، فمن للابتداء، أو نعت لبطانة، فمن للتبعيض، أى لا تتخذوا أصفياءكم من اليهود والنصارى، وقال الحسن: من المنافقين لقوله تعالى بعد {أية : وإذا لقوكم قالوا آمنا}تفسير : إذ لا صفوة فيهم كما قال: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}: عداه لمفعولين لتضمن معنى المنع، أى لا يمنعوكم خبالا، أو لا ينقصونكم خبالا، أى يتوجهون إليكم بالخبال كله ما وجدوه لا يتركون منه شيئاً، أو البعض، أو الكاف فى محل نصب على نزع الجار، وكذا نصب {خبالا} أى لا يألون لكم فى خبال، أى لا يقصرون فى الفساد فى الدين، يقال إلا فى الأمر يألو قصر، والخبال: الفساد. قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان رجال من المؤمنين ليواصلون رجالا من اليهود للحلف والرضاع والجوار الذى كان بينهم فى الجاهلية، فنزلت الآية، ويدل له أن الآيات قيلت فى اليهود، وقيل: الآية فى الكفار، كلهم: المشركين والمنافقين. وقال قتادة والربيع والسدى: نزلت فى المنافقين وهو رواية ابن عباس أيضاً. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ}: ما مصدرية، أى أحبوا وتمنوا عنتكم، والعنت: المشقة، وهذه الجملة والتى قبلها كل واحدة مستأنفة، لبيان علة النهى، فى قوله {لا تتخذوا} أو نعتاً لبطانة، أو حالان من بطانة، ولو نكرة لوصفه إن وصف بمن دونكم، ولتقدم النهى والثانية: حال من واو {يألونكم} أو {كافة}، وعلى كل حال ففيها التعليل، وصح عود الضمير لجمعى البطانة، لأن البطانة مراد به أصفياء وأصدقاء نهاهم أن يتخذوا أصدقاء إن عجزوا عن الإفساد، ففيهم حب ضرركم الشديد، وفسر الطبرى العنت بالضلال والزبيدى بالهلاك. {قَدْ بَدَتِ}: ظهرت. {الْبَغْضَاءُ}: مصدر كالسراء والضراء، من بغض الرجل فهو يبغض بغضاء - بضم الغين - ومعنى ظهور البغضاء من أفواههم، مع أنها فى قلوبهم، نطق اللسان بمقتضاها، كما قال: {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}: فإنهم لشدة البغض فى قلوبهم، لا يقدرون أن يمسكوا عن غيبة المسلمين والكذب عليهم، والطعن فيهم، ونسبتهم للجهل أو الحمق، وتكذيبهم مع تحرزهم، وحذرهم، فربما ينفلت منهم بحضرة المسلمين غيبة المسلمين، أو الكذب عليهم، أو الطعن فيهم ونحو ذلك. وقال قتادة: بدت البغضاء منهم لأوليائهم من المنافقين والمشركين فى شأن المسلمين. وقرأ عبد الله بن مسعود: {قد بدا البغضاء} بترك التاء وإثبات الألف، وقال: من أفواههم ولم يقل من ألسنتهم لتشدقهم فى الكلام وجملة {قد بدت البغضاء من أفواههم}: حال أو نعت ثالث أو مستأنفة وصاحب الحال {بطانة} أو واو {يألونكم}، أو واو {ودوا}. والأفواه جمع فم، وأصل فم: فوه بدليل الجمع على أفواه، والتصغير على فَوَيْه، فالهاء محذوفة وهى لام الكلمة عليا، وعينها واو قلبت ميماً للدليل المذكور. {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ}: من العداوة والغيظ لم يبد من أفواههم. {أَكْبَرُ}: مما بدا منها، لأن بدوء الأمن ضرورى لهم، مع شدة تحرزهم، فلشدته بكون ما بدا أقل مما خفى، ولشدة بغضهم يبدوا ما يبدو على ألسنتهم، فهو فوق المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ}: أى ما يدل على وجوب الإخلاص، وموالاة المؤمنين، لا غيرهم، أو ما يميز الكفار لتعرفهم بعلامتهم. {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}: ما بينا لكم.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتْخِذُوا بِطَانَةً} أصفياء تطلعونهم على سركم، وبطانة الرجل من يفشى إليه سره ثقة به، وهو مفرد يستعمل فى الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، مستعار من بطانة الثوب والفراش، بمعنى الجانب الباطن منه {مِن دُونِكُمْ} معشر المسلمين، مفعول ثان إن تعدى لاثنين، وإلا تعلق به، ومن للابتداء {لا َيَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} لا يقصرون لكم فى الفساد، والألو فى الشىء التقصير فيه، ألا يألوا ألوا قصَّر، وتعدى لاثنين مع أنه لازم لتضمنه معنى منع أو نقص، أو حذف حرفين، أي لا يألون لكم في خبال، نزلت فى من يوالى من المؤمنين والمنافقين اليهود، لنحو قرابة أو صداقة من الجاهلية، ورضاع وجوار، أو يوالى المشركين كذلك، ومن يوالى المنافقين لنحو ذلك، ومعنى قول أبى حيان، إنه تمييز محول عن المفعول به مع أنه لازم، أنه محول عن المفعول به الذى بواسطة الجار، أى لا يقصرون لكم خبالا {وَدُّوا} تمنوا {مَا عَنِتُّمْ} عنتكم أى مشقتكم،لا يقصرون فى فساد دينكم ودنياكم، فإن هجزوا عن التأثير فحب ذلك وتمنيه غير زائل عن قلوبهم {قَدْ بَدَتِ} ظهرت لكم، وقيل، فيما بينهم يظهرون عداوة المسلمين، والصحيح الأول {البَغْضَآءُ} العداوة {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} ظهرت علامة العداوة فى كلامهم الخارج من أفواههم كالغيبة والبهت {وَما تُخْفِى صُدُرُهُمْ} من البغضاء {أَكْبَرُ} مما بدا على ألسنتهم، وذلك، أن من شأنهم أن يضمروا ما فى صدورهم من بغض المؤمنين، ويتحرزوا عن ظهوره، ومع ذلك ينفلت عن ضرورة فهم ما يعلم به، فما يظهر أقل مما خفى فى قلوبهم، المفرد فم، وميمه بدل من واو فوه، ولام الكلمة هاء، وعينها واو، والجمع التكسيرى يدل لذلك، وكذا التصغير على فويه، والنسب على فوهى {قدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيآتِ} العلامات الدالة على البغضاء لكم {إن كنتُمْ تَعْقِلُونَ} ما بينا لكم، أو كنتم من أهل التمييز.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } أخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم هذه الآية، وأخرج عبد بن حميد أنها نزلت في المنافقين من أهل المدينة نهي المؤمنون أن يتولوهم، وظاهر ما يأتي يؤيده، والبطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره مأخوذ من بطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن لقربه وهي نقيض الظهارة ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث و (من) متعلقة بـ {لاَ تَتَّخِذُواْ} أو بمحذوف وقع صفة لبطانة، وقيل: زائدة، و (دون) إما بمعنى غير أو بمعنى الأدون والدنيء، وضمير الجمع المضاف إليه للمؤمنين والمعنى لا تتخذوا الكافرين كاليهود والمنافقين أولياء وخواص من غير المؤمنين أو ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة، والحكم عام وإن كان سبب النزول خاصاً فإن اتخاذ المخالف ولياً مظنة الفتنة والفساد ولهذا ورد تفسير هذه البطانة بالخوارج. وأخرج البيهقي وغيره عن أنس عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً ولا تستضيئوا بنار المشركين»تفسير : فذكر ذلك للحسن فقال: نعم لا تنقشوا في خواتيمكم محمد رسول الله ولا تستسروا المشركين في شيء من أموركم، ثم قال الحسن: وتصديق ذلك من كتاب الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ}. {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أصل الألو التقصير يقال: ألا كغزا يألو ألواً إذا قصر وفتر وضعف، ومنه قول امرىء القيس:شعر : وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا (آلى) تفسير : أراد ولا مقصر في الطلب وهو لازم يتعدى إلى المفعول بالحرف، وقد يستعمل متعدياً إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحاً ولا آلوك جهداً على تضمين معنى المنع أي لا أمنعك ذلك وقد يجعل بمنع الترك فيتعدى إلى واحد، وفي «القاموس» «ما ألوت الشيء أي ما تركته»، والخبال في الأصل الفساد الذي يلحق الإنسان فيورثه اضطراباً كالمرض والجنون، ويستعمل بمعنى الشر والفساد مطلقاً. ومعنى الآية على الأول لا يقصرون لكم في الفساد والشر بل يجهدون في مضرتكم؛ وعليه يكون الضمير المنصوب والاسم الظاهر منصوبين بنزع الخافض / وإليه ذهب ابن عطية وجوز أن يكون الثاني منصوباً على الحال أي مخبلين، أو على التمييز. واعترض ذلك بأنه لا إبهام في نسبة التقصير إلى الفاعل ولا يصح جعله فاعلاً إلا على اعتبار الاسناد المجازي والنصب بنزع الخافض، ووقوع المصدر حالا ليس بقياس إلا فيما يكون المصدر نوعاً من العامل نحو أتاني سرعة وبطئاً كما نص عليه الرضي في بحث المفعول به والحال واعتمده السيالكوتي ونقل أبو حيان أن التمييز هنا محول عن المفعول نحو {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً } تفسير : [القمر: 12] وهو من الغرابة بمكان لأن المفروض أن الفعل لازم فمن أين يكون له مفعول ليحول عنه؟! وملاحظة تعديه إليه بتقدير الحرف قول بالنصب على نزع الخافض وقد سمعت ما فيه. وأجيب بالتزام أحد الأمرين الحالية أو كونه منصوباً على النزع مع القول بالسماع هنا والمعنى على الثاني لا يمنعونكم خبالا أي أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون عندهم شيئاً منه في حقكم وهو وجه وجيه، والتضمين قياسي على الصحيح والخلاف فيه واه لا يلتفت إليه، والمعنى والاعراب على الثالث ظاهران بعد الإحاطة بما تقدم. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } أي أحبوا عنتكم أي مشقتكم الشديدة وضرركم. وقال السدي: تمنوا ضلالتكم عن دينكم، وروي مثله عن ابن جرير. {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } أي ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم، وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعده، والأفواه جمع فم وأصله فوه، فلامه هاء والجموع ترد الأشياء إلى أصولها ويدل على ذلك أيضاً تصغيره على فويه والنسبة إليه فوهي، وقرأ عبد الله (قد بدا البغضاء) {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ } من البغضاء {أَكْبَرُ } أي أعظم مما بدا لأنه كان عن فلتة ومثله لا يكون إلا قليلا. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَـٰتِ } أي أظهرنا لكم الآيات الدالة على النهي عن موالاة أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحات التي يتميز بها الولي من العدو {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي إن كنتم من أهل العقل، أو إن كنتم تعلمون الفضل بين الولي والعدو، أو إن كنتم تعلمون مواعظ الله تعالى ومنافعها، وجواب (إن) محذوف لدلالة الكلام عليه، ثم إن هذه الجمل ما عدا وما تخفي صدورهم أكبر لأنها حال لا غير جاءت مستأنفات جواباً عن السؤال عن النهي وترك العطف بينها إيذاناً باستقلال كل منها في ذلك، وقيل: إنها في موضع النعت لبطانة إلا قد بينا لظهور أنها لا تصلح لذلك، والأول أحسن لما في الاستئناف من الفوائد وفي الصفات من الدلالة على خلاف المقصود أو إيهامه لا أقل وهو تقييد النهي وليس المعنى عليه، وقيل: إن ودوا ما عنتم بيان وتأكيد لقوله: {لاَ يَأْلونَكُمْ خَبَالاً } فحكمه حكمه وما عدا ذلك مستأنف للتعليل على طريق الترتيب بأن يكون اللاحق علة للسابق إلى أن تكون الأولى علة للنهي ويتم التعليل بالمجموع أي لا تتخذوهم بطانة لأنهم لا يألونكم خبالاً لأنهم يودّون شدّة ضرركم بدليل أنهم قد تبدو البغضاء من أفواههم وإن كانوا يخفون الكثير ولا بد على هذا من استثناء قد بينا إذ لا يصلح تعليلا لبدو البغضاء ويصلح تعليلاً للنهي فافهم.

ابن عاشور

تفسير : الآن إذ كشف الله دخائل مَنْ حولَ المسلمين من أهل الكتاب، أتمّ كشف، جاء موقع التحذير من فريق منهم، والتحذير من الاغترار بهم، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة، وهؤلاء هم المنافقون، للإخبار عنهم بقوله: {أية : وإذا لقوكم قالوا آمنا}تفسير : [آل عمران: 119] الخ... وأكثرهم من اليهود، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج. وهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والإقناعات. وحقّه الاستئناف الابتدائي كما هنا. والبطانة ـــ بكسر الباء ـــ في الأصل داخل الثَّوب، وجمعها بطائن، وفي القرآن {أية : بطائنها من استبرق}تفسير : [الرحمٰن: 54] وظاهر الثوب يسمّى الظِهارة ـــ بكسر الظاء ـــ. والبطانة أيضاً الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر، ويسمّى الشِعار، وما فوقه الدثار، وفي الحديث: «حديث : الأنصارُ شعار والنَّاس دِثار»تفسير : ثمّ أطلقت البطانة على صديق الرجل وخصّيصه الذي يطّلع على شؤونه، تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها. ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يحالفونهم ويودّونهم من قبل الإسلام فلمَّا أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من اليهود، ثُمّ كان من اليهود من أظهروا الإسلام، ومنهم من بَقي على دينه. وقوله: {من دونكم} يجوز أن تكون (من) فيه زائدة و(دون) اسم مكان بمعنى حولكم، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره {أية : ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة}تفسير : [التوبة: 16] ويجوز أن تكون (من) للتبعيض و(دون) بمعنى غير كقوله تعالى {أية : ومنَّا دون ذلك}تفسير : [الفتح: 27] من غير أهل ملّتكم، وقد علم السامعون أنّ المنهي عن اتِّخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموّهون على المؤمنين بأنَّهم منهم، ودخائلهم تقتضي التَّحذير من استبطانهم. وجملة: {لا يألونكم خبالاً} صفة لبطانة على الوجه الأول، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عمّا شاركها، لكنّه يظهر بظهور آثاره للمتوسّمين. فنهى الله المسلمين عن اتّخاذ بطانة هذا شأنها وسمَتها، ووكلهم إلى توسّم الأحوال والأعمال، ويكون قوله {ودّوا مَا عنتُّم} وقوله {قد بدت البغضاء} جملتين في محلّ الوصف أيضاً على طريقة ترك عطف الصفات، ويومىء إلى ذلك قوله: {قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} أي: قد بيّنا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسّمون تلك الصّفات، كما قال تعالى: {إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين} وعلى الاحتمال الثاني يجعل {من دونكم} وصفاً، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنَّهي عن اتِّخاذ بطانة من غير أهل ملّتنا، وهذ الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف، ولتعليل النَّهي، ذلك لأنّ العداوة النَّاشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصّلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدّين قد أبطَلَ دينهم، وأزال حظوظهم. كما سنبينه. ومعنى {لا يألونكم خبالاً} لا يقصّرون في حبالكم، والألْوُ التقصير والترك، وفعله ألاَ يَألو، وقد يتوسّعون في هذا الفعل فيعدّى إلى مفعولين، لأنَّهم ضمّنوه معنى المنع فيما يرغَب فيه المفعول، فقالوا لا آلوك جُهداً، كما قالوا لا أدّخرك نصحاً، فالظاهر أنَّه شاع ذلك الاستعمال حتَّى صار التضمين منسياً، فلذلك تعدّى إلى ما يدلّ على الشرّ كما يعدّى إلى ما يدلّ على الخير، فقال هنا: {لا يألونكم خبالا} أي لا يقصّرون في خبالكم، وليس المراد لا يمنعونكم، لأن الخبال لا يُرْغب فيه ولا يسأل. ويحتمل أنَّه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكّم بالبطانة، لأنّ شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم، فلمّا كان هؤلاء بضدّ ذلك عبّر عن سعيهم بالضرّ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير. والخبال اختلال الأمر وفساده، ومنه سمّي فساد العقل خبالاً، وفساد الأعْضَاء. وقوله {ودّوا ما عنتم} الود: المحبّة، والعنَت: التعب الشَّديد، أي رغبوا فيما يعنتكم و(ما) هنا مصدرية، غير زمانية، ففعل {عنتم} لمّا صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي. ومعنى {قد بدت البغضاء من أفواههم} ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} فعبّر بالبغضاء عن دلائلها. وجملة {وما تخفي صدورهم أكبر} حالية. (والآيات) في قوله: {قد بينا لكم الآيات} بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال: {أية : إن في ذلك لآيات للمتوسمين}تفسير : [الحجر: 75] ولم يزل القرآن يربّي هذه الأمّة على إعمال الفكر، والاستدلال، وتعرّف المسبَّبات من أسبابها في سائر أحوالها: في التَّشريع، والمعاملة ليُنشئها أمَّة علم وفطنة. ولكون هذه الآيات آياتِ فراسةٍ وتوسّم، قال: {إن كنتم تعقلون} ولم يقل: إن كنتم تعلمون أو تفقهون، لأنّ العقل أعمّ من العلم والفقه. وجملة {قد بينا لكم الآيات} مستأنفة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بطانة: بطانة الرجل الذي يطلعهم على باطن أمره الذي يخفيه على الناس للمصلحة. من دونكم: من غيركم أي من غير المسلمين كالكفار وأهل الكتاب. لا يألونكم: لا يقصرون في إفساد الأمور عليكم. خبالاً: فساداً في أمور دينكم وديناكم. ودوا ما عنتم: أحبّوا عنتكم أي مشقتكم. بدت البغضاء: ظهرت شدة بغضهم لكم. أولاء: هؤلاء حذفت منه هاء التنبيه لوجودها في ها أنتم قبلها. بالكتاب كله: أي بالكتب الإِلهية كلها. عضوا عليكم الانامل من الغيظ: من شدة الغيظ عليكم، لأن المغتاظ إذا اشتد به الغيظ يعض أصبعه على عادة البشر، والغيظ: شدة الغضب. حسنة: ما يحسن من أنواع الخير كالنصر والتأييد والقوة والخير. سيئة: ما يسوءكم كالهزيمة أو الموت أو المجاعة. كيدهم: مكرهم بكم وتبييت الشر لكم. بما يعملون محيط: علماً وقدرة عليه، إذ هم واقعون تحت قهره وعظيم سلطانه. معنى الآيات: لما أخبر تعالى عن مصير الكافرين في الآخرة، وأن ذلك المصير المظلم كان نتيجة كفرهم وظلمهم حذر المؤمنين من موالاتهم دون المؤمنين وخاصة أولئك الذين يحملون في صدورهم الغيظ والبغضاء للمسلمين الذين لا يقصرون في العمل على إفساد أحوال المسلمين والذين يسوءهم أن يروا المسلمين متآلفين متحابين أقوياء ظاهرين منصورين على أهل الشرك والكفر، ويسرهم أيضا أن يروا المسلمين مختلفين أو ضعفاء منكسرين مغلوبين. فقال تعالى - وقوله الحق - {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً. {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} أي أفراداً من دونكم أي من غير أهل دينكم، كاليهود والنصارى والمنافقين والمشركين تستشيرونهم وتطلعونهم على أسراركم وبواطن أموركم. ووصفهم تعالى تعريفاً. بهم فقال: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} يعني لا يقصرون في إفساد أموركم الدينية والدنيوية. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي أحبوا عنتكم ومشقتكم، فلذا هم لا يشيرون عليكم إلا بما يفسد عليكم أموركم ويسبب لكم الكوارث والمصائب في حياتكم وقوله تعالى {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} وصف آخر مشخص لهؤلاء الأعداء المحرم اتخاذهم بطانة، ألا وهو ظهور البغضاء من أفواههم بما تنطق به ألسنتهم من كلمات الكفر والعداء للإِسلام وأهله، وما يخفونه من ذلك في صدورهم وهو أكبر مما يتفلت من ألسنتهم. ويؤكد عز وجل تحذيره للمؤمنين فيقول: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} المتضمنة لبيان أعدائكم وأحوالهم وصفاتهم لتعتبروا {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} أي الخطاب وما يتلى عليكم ويقال لكم. ثم يقول تعالى معلماً محذراً ها أنتم أيها المسلمون تحبونهم ولا يحبونكم. قد علم الله أن من بين المؤمنين من يحب بعض الكافرين لعلاقة الإِحسان الظاهرة بينهم فأخبر تعالى عن هؤلاء كما أن رحمة المؤمن وشفقته قد تتعدى حتى لأعدائه فلذا ذكر تعالى هذا وأخبر به وهو الحق، وقال: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} أي وهم لا يؤمنون بكتابكم فانظروا إلى الفرق بينكم وبينهم فكيف إذاً تتخذونهم بطانة تفضون إليهم بأسراركم. وأخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا لقوا المؤمنين قالوا إنا مؤمنون وإذا انفردوا عنهم وخلوا بأنفسهم ذكروهم وتغيظوا عليهم حتى يعضوا أطراف أصابعهم من شدة الغيظ. فقال تعالى {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} وهنا أمر رسوله أن يدعوا عليهم بالهلاك فقال له: قل يا رسولنا لهم {مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فلذا أخبر عنهم كاشفاً الغطاء عما تكنه نفوسهم ويخفونه في صدورهم. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [118] والثانية [119] وأما الآية الثالثة [120] فقد تضمنت أيضا بيان صفة نفسيّة للكافرين المنهي عن اتخاذهم بطانة وهو استياؤهم وتألمهم لما يرونه من حسن حال المسلمين كإتلافهم واجتماع كلمتهم ونصرهم وعزتهم وقوتهم وسعة رزقهم، كما هو أيضاً فرحهم وسرورهم بما قد يشاهدونه من خلاف بين المسلمين أو وقوع هزيمة لجيش من جيوشهم، أو تغير حال عليهم بما يضر ولا يسر وهذه نهاية العداوة وشدة البغضاء فهل مثل هؤلاء يتخذون أولياء؟ اللهم لا. فقال تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا}. ولما وصف تعالى هؤلاء الكفرة بصفات مهيلة مخيفة قال لعبادة المؤمنين مبعداً الخوف عنهم: وإن تصبروا على ما يصيبكم وتتقوا الله تعالى في أمره ونهيه وفي سننه في خلقه لا يضركم كيدهم شيئاً، لأن الله تعالى وليّكم مطلع على تحركاتهم وسائر تصرفاتهم وَسَيُحْبِطُها كلها، دل على هذا المعنى قوله في الجملة التذيلية {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة اتخاذ مستشارين وأصدقاء من أهل الكفر عامّة وحرمة إطلاعهم على أسرار الدولة الإِسلامية، والأمور التي يخفيها المسلمون على أعدائهم لما في ذلك من الضرر الكبير. 2- بيان رحمة المؤمنين وفضلهم على الكافرين. 3- بيان نفسيات الكافرين وما يحملونه من إرادة الشر الفساد للمسلمين. 4- الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكمن في الصبر والتجلد وعدم إظهار الخوف للكافرين ثم تقوى الله تعالى بإقامة دينه ولِزوم شرعه والتوكل عليه، والأخذ بسننه في القوة والنصر.

القطان

تفسير : بطانة الرجل: خاصته الذين يعلَمون باطن أمره، ويكشف لهم اسراره. لا يألونك خبالاً: لا يقصّرون في دفْعكم الى الفساد. ودّوا ما عنتّم: تمنّوا عَنَتَكم، شدة ضرركم. في هذه الآية وما بعدها تحذير للمؤمنين من مخالطة الكافرين حتى لا يطَّلِعوا على أسرارهم. اسمعوا يا أيها الذين آمنوا: لا تتخذوا أصفياء لكم من غير أهل دينكم، تستعينون بهم، وتُطلعونهم على أسراركم. إنهم لا يقصّرون في مضرتكم وإفساد أموركم، بل يتمنون ان يصيبكم أشد الضرر في دينكم ودنياكم. ولقد ظهرتْ أمارات بغضهم لكم في فلتات ألسنتهم وتكذيب نبيكم وكتابكم، أما ما تضمره قلوبهم من الحقد عليكم فهو أعظمُ من ذلك بكثير. ها نحن قد أظهرنا لكم العلامات الواضحة التي يتميز بها العدو من الصديق، فانتبهوا واحذورا.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {أَفْوَاهِهِمْ} {الآيَاتِ} (118) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ الكُفَّارِ وَاليَهُودِ وَالمُنَافِقِينَ بِطَانَةً وَخَوَاصَّ لَهُمْ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ، يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سِرِّهِمْ، وَمَا يُضْمِرُونَ لأعْدَائِهِمْ. لأنَّ هَؤُلاءِ لاَ يَألُونَ جُهْداً، وَلاَ يَتَأَخَّرُونَ عَنْ عَمَلٍ فِيهِ إِيْذَاءٌ وَإِضْرَارٌ بِالمُؤْمِنِينَ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمُ، وَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ وُقُوعَ المُؤْمِنينَ فِي الضِّيقِ وَالمَشَقَّةِ. وَلَقَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ وَالعَدَاوَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ كَلِمَاتِ الحِقْدِ، وَصُدُورُهُمْ تُخْفِي حِقْداً أَكْبَرَ، وَبُغْضاً أعْظَمَ للإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ أمْرٌ لاَ يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى الدَّلاَلاَتِ الوَاضِحَةَ التِي يُعْرَفُ بِهَا الوَلِيُّ مِنَ العّدُوِّ. بِطَانَةُ الرَّجُلِ - خَاصَّتُهُ. مِنْ دُونِكُمْ - مِنْ غَيْرِكُمْ. لاَ يَأْلُونَكُمْ - لاَ يُقَصِّرُونَ. مَا عَنِتُّمْ - مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ. الخَبَالُ - النُّقْصَانُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حين يخاطب الله المؤمنين ويناديهم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118] فلتعلم أن ما يجيء بعد ذلك هو تكليف من الحق سبحانه. فساعة ينادي الحق المؤمنين به، فإنه ينادي ليكلف، وهو سبحانه لا يكلف إلا من آمن به، أما حين يدعو غير المؤمن به إلى رحاب الإيمان، فإنه يثير فيه القدرة على التفكير، فيقول له: فكّر في السماء، فكّر في الأرض، فكّر في مظاهر الكون، حتى تؤمن أن للكون إلهاً واحداً. فإذا آمن الإنسان بالإله الواحد، فإن الحق سبحانه وتعالى يقول له ما دمت قد آمنت بالإله الواحد، فَتَلَقَّ عن الإله الحكُم. إن الحق حين يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118] فهو سبحانه يخاطب بالتكليف المؤمنين به، وهو لا يكلف بـ "افعل" و"لا تفعل" إلاّ مَنْ آمن، أما من لم يؤمن فيناديه الله ليدخل في حظيرة الإيمان: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [البقرة: 21] فإذا ما دخل الإنسان في حظيرة الإيمان فالحق سبحانه وتعالى يكرم هذا المؤمن بالتكليف بـ "افعل" و"لا تفعل" وما دام العبد قد آمن بالإله القادر الحكيم الخالق، القيوم، فليسمع من الإله ما يصلح حياته. ويجيء في بعض الأحيان ما ظاهره أن الله ينادي مؤمناً به، ثم يأمره بالإيمان كقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118]. ويتساءل الإنسان كيف ينادي الله مؤمناً به، ثم يأمره بالإيمان؟ وهنا نرى أن المطلوب من كل مؤمن أن يؤدي أفعال الإيمان دائماً ويضيف لها ليستمر ركب الإيمان قوياً، فالحق حين يطلب من المؤمن أمراً موجوداً فيه؛ فلنعلم أن الله يريد من المؤمن الاستدامة على هذا اللون من السلوك الذي يحبه الله، وكأن الحق حين يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118] إنما يحمل هذا القول الكريم أمراً بالاستدامة على الإيمان، لأن البشر من الأغيار. ونحن نعرف أن الله أفسح بالاختيار مجالاً لقوم آمنوا فارتدوا، فليس الأمر مجرد إعلان الإيمان ثم تنتهي المسألة، لا، إن المطلوب هو استدامة الإيمان. وحين نقرأ قول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118] فلنفهم أن هناك تكليفاً جديداً، وما دام في الأمر تكليف فعنصر الاختيار موجود، إذن فحيثية كل حكم تكليفي من الله له مقدمة هي: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118] ولا تبحث أيها المؤمن في علة الحكم، وتسأل: لماذا كلفتني يارب بهذا الأمر؟ فليس من حقك أيها المؤمن أن تسأل: "لماذا" ما دمت قد آمنت؛ فالحق سبحانه لم يكلف إلا من آمن به، فإذا كنت - أيها المؤمن - قد آمنت بأنه إله صادق قادر حكيم فأمن الله على نفسك، ونفذ مطلوب الله بـ "افعل" و"لا تفعل" سواء فهمت العلة أم لم تفهمها. وسبق أن ضربنا المثل وما زلنا نكرره. إن المريض الذي يشكو من سوء الهضم بعد تناول الطعام يفكر أن جهازه الهضمي مصاب بعلة، ويفكر في اختيار الطبيب المعالج ويختار طبيباً متخصصاً في الجهاز الهضمي، ويذهب إلى هذا الطبيب. وهنا ينتهي عمل العقل بالنسبة للمريض؛ فقد اختار طبيباً وقرر الذهاب إليه، والطبيب يجري الفحص الدقيق، ويطلب التحاليل اللازمة إن احتاج الأمر، ويشخص الداء، ثم يكتب الدواء، وحين يكتب الطبيب الدواء للمريض، فإن المريض لا يصح أن يقول للطبيب: لن آخذ هذا الدواء إلا إذا أقنعتني بحكمته. بل عليه أن ينفذ كلام الطبيب، وهكذا يطيع المريض الطبيب، وكلاهما مساوٍ للآخر في البشرية، فكيف يكون أدب الإنسان مع خالقه؟ إن كل عمل العقل عند المؤمن هو أن يؤمن بالله، وبعد أن آمنت - أيها المؤمن - بالله حكيما، فَتَلَقَّ عن الله الحكم؛ لأنه مأمون على أن يوجهك لأنك أنت صنعته. إن الحق يأمر المؤمن بالصلاة، وعلى المؤمن أن يؤديها، ولا يبحث عن علة الصلاة كأنها رياضة مثلاً، لا، إن الأمر صادر من الحق بالصلاة، وحين تصلي، فإنك تلتفت إلى أن نفسك قد انشرحت بالصلاة وشعرت بالراحة، فتقول لنفسك: ما أحلى راحة الإيمان؛هذه هي علة الحكم الإيماني. إن علة الحكم الإيماني يعرفها المؤمن بعد أن ينفذه، ولذلك نجد الحق من فضل كرمه، يقول لنا: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 282]. فأنت ساعة أن تتقي الله في الحكم، يعطيك العلة، ويعطيك راحة الإيمان، إنك أيها العبد لا تسأل أولاً عن الاقتناع بالعلة حتى تنفذ حكماً لله، لأن الحق سبحانه قد يؤجل بعض حيثيات الأحكام لخلقه قروناً طويلة، ومثال ذلك أننا ظللنا لا نعرف علة حكم من الأحكام لمدة أربعة عشر قرناً من الزمان مثل تحريم أكل لحم الخنزير، فهل كان على العباد المؤمنين أن يؤجلوا أكل لحم الخنزير أربعة عشر قرناً إلى أن يمتلكوا معامل للتحليل حتى نعرف المضار التي فيه؟ تلك المضار التي ثبتت معملياً .. لا. إن العباد المؤمنين لم يؤجلوا تنفيذ الحكم، ولكنهم نفذوه، واكتشف أحفاد الأحفاد أن فيه ضرراً، وهذا يدفعنا إلى تنفيذ كل حكم لا نعرف له علة، إن هذا الحكم له حكمة عند الله قد لا يستطيع عقل الإنسان أن يفهمها، ولكن ستأتي أشياء توضح بعض الأحكام فيما لم يكن يعرفه الإنسان، وتعطينا تلك الإيضاحات الثقة في كل حكم لا تعرف له علة، وتصبح علة كل حكم هي: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 118]. إن الحق بهذا القول ينادي كل عبد من عباده: يا من آمنت بي إلهاً خذ مني هذا التكليف. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - عندما يقول الطبيب: يا من صدقت أني طبيب لمرضك خذ هذا الدواء وستشفى بإذن الله. وعندما يزور الإنسان مريضاً ويسأله: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فالمريض يجيب: لقد كتب الطبيب لي هذا الدواء، فما بالنا بتنفيذ أحكام الله؟ إنه يجب أن ننفذها لأن الله قالها، ولذلك فالعاقلون بعمق وجدية يختلفون عن مُدعى العقل بسطحية، هؤلاء العاقلون الجادون يقولون: إن هذا العقل مطية يوصلك إلى باب السلطان ولكن لا يدخل معك عليه. فكأن العقل يوصلك إلى أن تؤمن بالله، ولكنه لا يحشر نفسه فيما ليس له قدرة عليه. إن الحق سبحانه في هذا التكليف القادم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] أي أنكم ما دمتم قد آمنتم، فعليكم الحفاظ على هذا الإيمان بأن تبعدوا عنه نزغ الشيطان وكيد الأعداء. إن نزغ الشيطان وكيد الأعداء إنما يأتي من البطانة التي تتداخل مع الإنسان. ولنفهم كلمة "بطانة" جيداً، إن بطانة الرجل هم خاصته، أي الناس الذين يصاحبهم ويجلسون معه ويعرفون أسراره، وكلمة "بطانة" مأخوذة أيضاً من بطانة الثوب؛ فنحن عندما نمسك أي قطعة من ثياب نرى أن الثوب خشن، ولذلك فالصانع يضع للثوب الخشن بطانة ناعمة ويختارها كذلك؛ لأنها متصلة بالجسم، والبطانة من الأصدقاء تدخل على الناس بالنعومة وتستميلهم وتستعبدهم. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الأنصار شعار، والناس دثار ". تفسير : "والشعار" هو الثوب الذي يلامس شعر الجسد، والنبي صلى الله عليه وسلم يُعلي من قيمة الذين استقبلوا الدعوة الإسلامية بمودة وحب. وهكذا نعرف أن كلمة "بطانة" مأخوذة - كما قلنا - من بطانة الثوب، لأنها التي تلتحم بالجسم حتى تحميه؛ فنحن نرتدي الصوف ليعطينا الدفء، ونضع بينه وبين الجسم بطانة لنبعد عن الجسم خشونة الصوف، ويسمون البطانة بالوليجة، أي التي تدخل في حياة الناس، وكل شر في الوجود من هذه البطانة. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معصوم ومُوحَى إليه وله من الصحابة ما يطمح أي عبد مؤمن أن يتخذه قدوة له، هذا الرسول الكريم نجد بعضاً من وصفه في حوار بين سيدنا الحسين رضوان الله عليه وأبيه سيدنا علي كرم الله وجهه قال الحسن: يا أبي قل لي عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال علي كرم الله وجهه: كان رسول الله لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر. وفي الحديث: "كان رسول الله يكثر الذكر". لماذا؟ لأن الجلوس والقيام هو إبطال حركة بحركة، فمن كان قائماً فقعد فقد أدى حركة هي القعود، ومن كان جالساً فقام، فقد أدى حركة هي القيام. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل حركة، شاكراً نعمة الخالق عز وجل، والإنسان منا يستطيع أن يسأل نفسه: كم عضلة يحركها الإنسان حتى يقعد أو يقوم؟ إنها أعداد كبيرة من العضلات تتحرك لتوازن ارتفاع الجسم أو جلوسه، وهي أعداد لا يعرفها الإنسان. فما الذي جعل هذه الأجهزة الصماء تفهم مراد الإنسان، وبمجرد أن يحاول الإنسان القيام، فإنه يقوم، وبمجرد أن يحاول الإنسان القعود، فإنه يقعد؟ إنك إذا رفعت يدك لا تعرف ما هي العضلات التي تتحرك لترفع اليد، وتلك إدارة عالية يقول عنها الشاعر: شعر : "وفيك انطوى العالم الأكبر" تفسير : كأن العالم الكبير قد انطوى وصار في داخلك أنت. إنك إن أردت أن تنام فإنك تنام، وتحب أن تقوم فتقوم. ويبين لك الحق أن أوامرك لعضلاتك وتحكمك في مملكة جسدك، هي من تسخير الله؛ تدرك ذلك حين تنظر حولك فتجد أنه سبحانه قد سلب أحداً غيرك القدرة على رفع الذراع. وإياك أن تظن أن الحركة قد واتتك لمجرد أن لك يداً، لا، إن غيرك قد تكون له يد؛ ولكنه لا يستطيع أن يأمرها فتتحرك. وهكذا نعرف أن كل الإرادات في النفس إنما تتحرك بتسخير الحق لها لخدمة الإنسان. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي وعافاني في جسدي وأذِن لي بذكره ". تفسير : انه يُوجه الإنسان إلى ذكر خالقه عند كل قيام أو قعود، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه عند كل انفعال بكل حركة من الحركات علينا أن نذكر الذي خلقنا وخلق فينا القدرة على الحركة. وليسأل كل منا نفسه: كم حركة يتطلبها أمر من الإنسان بأن يحك ظهره مثلاً؟ إنه عدد غير معروف من الحركات. وهكذا علينا أن نحسن الأدب مع الله بأن نذكره في كل حركة فهو الذي خلق كل إنسان منا صالحاً لكل هذه القدرات. ونعود إلى وصف علي كرم الله وجهه مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم: كان لا يجلس ولا يقوم إلا عن ذكر. ولنتنبه إلى دقة الرسول في التعامل مع البطانة من البشر، فها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكاناً لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها. ويوطن المكان، أي أن يخصص مكان لفلان ليجلس فيه، لقد كان الرسول يجلس حيث انتهى به المجلس، وكذلك كان صحابته، فلا أحد يجلس دائماً بجانبه حتى لا يأخذ أحد من مكانته عند الرسول فرصة يتخيل معها الآخرون أنه صاحب حظوة؛ فكلهم سواسية ونحن نرى في عصرنا أن هناك من يتخذ لنفسه مكاناً في المسجد، وهذا منهي عنه. فعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: (حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطّن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير ). تفسير : ويضيف علي كرم الله وجهه في وصف مجلس رسول الله: وكان إذا ذهب إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، "وكان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض، يعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك". أهناك أدب أكثر من هذا؟ إنه الرسول الكريم، يجلس حيث ينتهي به المجلس، لقد أراد أن يضرب لنا المثل حتى تتنوع اللقاءات؛ فاليوم قد يجلس مؤمن بجانب مؤمن من مكان بعيد، وغداً يجلس كلاهما بجانب اثنين جاء كل منهما من مكان آخر، وهكذا تتحقق اندماجية الإيمان بتنوع اللقاءات. ويقول علي كرم الله وجهه: وكان رسول الله يعطي كل جلسائه نصيبهم من مجلسه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه. إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعطي نظره لواحد، فهو ينظر كذلك لكل واحد في مجلسه، وإن تكلم كلمة إلى ناحية فهو يعطي كلمة أخرى إلى الناحية المقابلة؛ وذلك حتى يعرف كل جليس للرسول أن المؤمنين سواسية، وأنّه صلى الله عليه وسلم رسول إلى الناس كافة؛ وليس رسول إلى قوم بعينهم، وحتى يعرف كل واحد من جلسائه أنه يجلس إلى رسوله الذي بعثه الله إليه. هكذا كان سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعطي القدوة للناس، وحتى يعرف كل إنسان أن التحام الناس بعضهم ببعض؛ قد يسبب لواحد استغلال الالتحام في غير صالح الإيمان. لذلك يقول الحق سبحانه: يا أيها المؤمنون تنبهوا إلى أنكم في معسكر من غير المؤمنين يقاتلكم ويعاند إيمانكم، وهؤلاء لا يمكن أن يتركوكم على إيمانكم، بل لا بد أن يكيدوا لكم، وهذا الكيد يتجلى في أنهم يدسون لكم أشياء، وينفذون إليكم. ونعرف جميعاً أن الإسلام عندما جاء كان كثير ممن آمن له ارتباطات بمن لم يسلم؛ فهناك القرابة، والصداقة، والإلف القديم والجوار، والأخوة من الرضاعة، لذلك يحذر الحق من هذه المسائل، فلا يقولن مؤمن: هذا قريبي، أو هذا صديقي، أو هذا حليفي، أو هذا أخي من الرضاعة، فالإسلام يحقق لكم أخوة إيمانية تفوق كل ذلك، ولهذا فإياكم أن تتخذوا أناساً يتداخلون معكم بالود؛ لأن الشر يأتي من هذا المجال، وإياكم أن تعتقدوا أن فجوة الإيمان والكفر بينكم ستذهب أو تضيق؛ لأن الكفار لن يتورعوا أن يدخلوا عليكم من باب الكيد لكم ولدينكم بكل لون من الألوان، وهم - الكفار - لا يقصرون في هذا أبداً، لذلك يأتي الأمر من الحق: يا أيها الذين آمنوا، احموا هذا الإيمان فلا تتداخلوا مع غير المؤمنين تداخلاً يفسد عليكم أمور دينكم؛ لأنهم لن يهدأوا، لماذا؟ لأن حال هذه البطانة معكم سيكون كما يلي: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران: 118] أي لا يقصرون أبداً في الكيد لكم، والخبال: هو الفساد للهيئة المدبرة للجسم وهو العقل، ونحن نسمى اختلال العقل "خبلاً". إن الحق يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]. فالمنهي عنه ليس أن تتخذ بطانة من المؤمنين، ولكن المنهي عنه هو أن تتخذ بطانة من غير المؤمنين؛ لأن المؤمن له إيمان يحرسه، أما الكافر فليس له ما يحرسه، والبطانة من غير المؤمنين لا تقصر في لحظة واحدة في أنها تريد للمؤمنين الخبال والفساد، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنهم يحبون العنت والمشقة للمؤمنين "ودوا ما عنتم" والحق سبحانه وتعالى لا يريد لنا العنت، وفي هذا يقول سبحانه: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 220]. أي أنه سبحانه لو أراد، لكلفكم بأمور كثيرة تحمل المشقة، لكن الحق سبحانه يَسّر لكم أيها المؤمنون، لكن أهل الكفر لا يودون إلا الخبال للمؤمنين، ويحبون المشقة لهم. ومن أين تنشأ المشقة؟ إنك حين تكون مؤمناً فأنت تقوم بما فرضه عليك الدين، وهم يحاولون أن ينفخوا في المؤمن بغير ما يقتضيه هذا الدين، فتتوزع نفس المؤمن، وبهذا النفخ تنقسم ملكات المؤمن على نفسها، وعندما تنقسم الملكات على نفسها فإن القلق والاضطراب يسيطران على الإنسان، فالقلق والاضطراب ينشآن عندما لا تعيش الملكات النفسية في سلام وانسجام. ونحن نرى ذلك في المجتمعات التي وصلت إلى أرقى حياة اقتصادية وأمورهم المادية ميسرة كلها، فالشيخوخة مُؤَمَّنة، وكذلك التأمينات الصحية والاجتماعية، ودخل الإنسان مرتفع، لكنهم مع ذلك يعيشون في تعب، وترتفع بينهم نسبة الانتحار، وينتشر بينهم الشذوذ، والسبب وراء كل ذلك هو أن ملكاتهم النفسية غير منسجمة، وسلام الملكات النفسية لا يتحقق إلا عندما يؤمن الإنسان، ويطبق تعاليم ما يؤمن به. فالرجل - على سبيل المثال - حين ينظر إلى حلاله، أي زوجته، ينظر إليها براحة ويشعر باطمئنان؛ لأن ملكاته النفسية منسجمة، أما عندما تتجه عيناه إلى امرأة ليست زوجته، فإنه يراقب كل من حوله حتى يعرف هل هناك من يراه أو لا؟ وهل ضبطه أحد أو لا؟ وعندما يضبطه أحد فهو يفزع وتتخبط ملكاته. لذلك يحذر الحق سبحانه المؤمنين: إياكم من البطانة من غير المؤمنين، لأنهم لايقصرون أبداً ولا يتركون جهداً من الجهود إلا وهم يحاولون فيه أين يدخلوكم في مشقة. والمشقة إنما تنشأ من أن الكافر يحاول أن يجذب المؤمن إلى الانحراف والاضطراب النفسي وتشتت الملكات مستغلاً القرابة والصداقة، مطالباً أن يرضيه المؤمن بما يخالف الدين، ولا يستطيع المؤمن التوفيق بين ما يطلبه الدين وما يطلبه الكافر؛ لذلك تنقسم ملكات المؤمن ويحس بالمشقة. والكافرون لا يتركون أي فرصة تأتي بالفساد للمؤمنين إلا انتهزوها واغتنموها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [آل عمران: 118]. وما دامت البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة من غير المؤمنين، فإنها تضم بعضاً من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم. والمنافق له لسان يظهر خلاف ما يبطن. وعندما يذهب المنافق إلى غير المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلام المؤمن. هكذا تظهر البغضاء من أفواه المنافقين المذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إنهم لا ينتمون إلى الإيمان ولا ينتمون إلى الكفر، والذي يصل المؤمنين من بغضاء هؤلاء قليل، لأن ما تخفي صدورهم أكبر. وحين تبدوا البغضاء من أفواههم، فإما أن يقولوها أمام منافقين، وإما أن يقولها بعضهم لبعض، فيتبادلوا الاستهزاء والسخرية بالمؤمن، والله أعلم بمن قيل فيه هذا الكلام، ولذلك فعندما يتحدث الكافرون بكلام فيما بينهم فالله يكشفهم ويفضحهم لنا نحن المؤمنين. إن الله تعالى يكشف بطلاقة علمه كل الخبايا، وكان على الكافرين والمنافقين أن يعلموا أن هناك إلهاً يرقب عملية الإيمان في المؤمن حتى ينبهه إلى أدق الأشياء، لكنهم كأهل كفر ونفاق في غباء، لقد كان مجرد نزول قول الحق: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] كان ذلك فرصة أمامهم ليدفعوا عن أنفسهم لو كانت صدورهم خالية من الحقد. لكنهم عرفوا ان الله قد علم ما في صدورهم. إن الغيظ الذي في قلوب هؤلاء الجاحدين الحاقدين قد نضح على ألسنتهم، ولكن من الذي نقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ما في صدور الكافرين مما هو أكثر من ذلك؟ إنه الله - جلت قدرته - قد فضحهم بما أنزل من قوله تعالى: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] إذن لم يعد لمن آمن بالله حجة؛ لأن الله أعطاه المناعات القوية لصيانة ذلك الإيمان، وأوضح الحق للمؤمنين أن أعداءهم لن يدخروا وسعاً أبداً في إفساد انتمائهم لهذا الدين، فيجب أن ينتبه المؤمنون. وإذا ما دققنا التأمل في تذييل الآية نجد أن الحق قال: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] إذن، فالآيات المنزلة من الله تعالى توضح ذلك، وقد قلنا من قبل: إن الآيات، إما أن تكون آيات قرآنية، وإما أن تكون آيات كونية، فالقرآن له آيات، والكون له آيات. ولنسمع قول الحق بالنسبة للقرآن: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 101]. وفي مجال الكون يقول الحق سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}تفسير : [فصلت: 37]. وهكذا نعلم أن الآية هي الشيء العجيب اللافت الذي يجب أنه ننتبه إليه لنأخذ منه دستوراً لحياتنا. وعلى ذلك، فالآيات القرآنية تعطي المنهج، والآيات الكونية تؤيد صدق الآيات المنهجية. ويجب أن تتفطنوا أيها المؤمنون إلى هذه الآيات. والذي يدل على أن المؤمنين قد عقلوا وتفطنوا، أن الآية الأولى بينت أنهم قد نهوا عن أن يتخذوا بطانة من دونهم - أي من غير المؤمنين - وها هي ذي الآية التالية تقول: {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [الآية: 118] قال: نزلت في المنافقين من أَهل المدينة. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} [الآية: 122]. قال: هم بنو حارثة وبنو سملة يوم أُحد. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} [الآية: 130] قال: يعني به ربا الجاهلية. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ} [الآية: 124] نزلت يوم بدر {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} [الآية: 125] يعني من غضبهم هذا، قال: فلم يقاتلوهم تلك الساعة، وذلك يوم أُحد. وفي قوله عز وجل: {بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [الآية: 125] يعني: معلمين، مجزوزة أَذناب خيولهم، ونواصيها فيها الصوف، وهو العهن. وذلك التسويم، {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} [الآية: 126] يقول: جعلها الله لتستبشروا، ولتطمئنوا إِليهم. قال: فلم تقاتل معهم الملآئكة يومئذ. قال: وربما قال ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: لم تقاتل معهم الملآئكة يومئذ، ولا قبله، ولا بعده إِلا يوم بدر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} فالبِطَانَةُ: الدَّخِيلُ. والبَطَائِنُ: الدُّخَلاءُ. تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} معناهُ فَسَاداً وشَرّاً.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم أن {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} صديقاً وصاحب سر، تستودعون سرائركم عنده {مِّن دُونِكُمْ} أي: الكفار دون المؤمنين، واعلموا أنهم {لاَ يَأْلُونَكُمْ} لا يمنعون عنكم ولا يقصرون في شأنكم {خَبَالاً} ضرراً وفساداً، بل {وَدُّواْ} رجوا دائما { مَا عَنِتُّمْ} أي: ضرركم وهلاككم، ومن غاية وداتدتهم {قَدْ بَدَتِ} ظهرت {ٱلْبَغْضَآءُ} المكنونة في نفوسهم {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} بلا قصد واختبار {وَ} لا شك أن {مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} قصداً واختياراً {أَكْبَرُ} مما تبدي أفواههم وألسنتهم هفوة واضطراراً {قَدْ بَيَّنَّا} أوضحنا {لَكُمُ} أيها المؤمنون {الآيَاتِ} المتعلقة لأمور معاشكم ومعادكم {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] تفهمون مقصادها، وتتعظون بها، وتعملون بمقتضاها. {هَآأَنْتُمْ} أيها المؤمنون {أُوْلاۤءِ} الخاطئون، المغفلون الذين {تُحِبُّونَهُمْ} محبة صادقة {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} إلا تلبيساً ونفاقاً {وَ} أنتم {تُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ } أي: بجميع الكتب النازلة من عند الله على رسله، وهم لا يؤمنون بكتابكم الجامع لما في الكتب السالفة، {وَ} من غاية نفاقهم معكم {إِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ} تلبيساً وتقريراً: {آمَنَّا} بدينكم وكتابكم ورسولكم {وَإِذَا خَلَوْاْ} مضوا عنكم {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ} غاية {ٱلْغَيْظِ} وعدم القدرة على الانتقام والتشفي {قُلْ} يا أكمل الرسل نيابة عنا، مخاطباً لهم على وجه التقريع والتوبيخ: {مُوتُواْ} أيها المنافقون {بِغَيْظِكُمْ} المتزايد المترقى يوماً فيوماً، حسب ارتفاع قدر الإسلام وعلو شأنه، ولا تأمنوا عن مكر الله وانتقامه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 119] يعلم ما تخفون فيها منا لكفر والنفاق، ويجازي على مقتضى علمه، ولا يغرب عن علمه شيء. ومن غاية حسدهم ونهاية بغضهم {إِن تَمْسَسْكُمْ} وتحيط بكم {حَسَنَةٌ} مسرة مفرحة لنفسوكم {تَسُؤْهُمْ} وتشق عليه من كمال عداوتم ونفاقهم {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} مملة مؤلمة { يَفْرَحُواْ بِهَا} تشفياً وتفرجاً، شامتين بها، سارين عليها {وَإِن تَصْبِرُواْ} على غيظهم وأذاهم {وَتَتَّقُواْ} وترجعوا إلى الله مفوضين أموركم إليه يحفظكم عن جميع ما يؤذيكم، بحيث {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ} مكرهم وحيلتهم {شَيْئاً} من الضرر {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائرهم وضمائرهم {بِمَا يَعْمَلُونَ} من الحيل والمخايل {مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] لا يشذ عن علمه شيء ولو خطرة وطرفة. وعلى قراءة "تعملون" بالخطاب، كان المعنى {إِنَّ ٱللَّهَ} الموفّق لكم على دين الإسلام {بِمَا يَعْمَلُونَ} من الصبر والتقوى، والتفويض والرضوخ إلى المولى {مُحِيطٌ} حاضر، غير مغيَّب عنكم وعن علمكم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن اتخاذ الغير بطانة فإنه يورث الخيانة بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [آل عمران: 118]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى نهى عن مباطنة أهل السوء من الحديث وقال: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران: 118]؛ أي: لا يقصرون في إنكاركم، والاعتراض عليكم والظن فيكم، {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} [آل عمران: 118]؛ أي: أحبوا من نعيم الدنيا وزخارفها، ومشتهيات النفس، ومستحسنات الهوى ما نعمتموه وتركتموه، ويشهد عليكم إنكارهم؛ لدناءة همتهم وعلو همتكم، وفرحوا بما قاسيتم من المجاهدات ومخالفات النفس، وترك الشهوات واللذات، والتزام الفقر وتحمل الأذى، والصبر على المكروهات، وابغضوهم لتناكر الأرواح واختلاف أحوال الأشباح، {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [آل عمران: 118] باعتراضاتهم الفاسدة، {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} [آل عمران: 118] قلوبهم الحاسدة من الغل والحسد والحقد، {أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} [آل عمران: 118]؛ أي: أظهرنا عليكم آثار ألطافنا وإمارات أحقادهم، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] تدركونها. ومن آثار ألطافنا معكم {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ} [آل عمران: 119] محبة الرحمة والشفقة، وتدعونهم إلى ما أنتم عليه من الشوق والمحبة وصدق الطلب، والتجرد والتفرد للتوحيد، ومن إمارات أحقادهم أنهم ينكرون عليكم {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} [آل عمران: 119] ويدعونكم إلى ما هم عليه من الحرص والحسد والغفلة، وطلب الدنيا واستيفاء اللذات والشهوات، {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران: 119]؛ أي: بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا، وجهاد النفس ونهيها عن الهوى وبذلها في إعلاء كلمة الله العليا، والخُلق مع الخَلق والصدق في طلب الحق {وَإِذَا لَقُوكُمْ} [آل عمران: 119]، أهل التملق {قَالُوۤاْ آمَنَّا} [آل عمران: 119]؛ يعني: يظهرون معكم الإيمان بما أنتم به، وعلمتم وهم لا يعلمون، {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} [آل عمران: 119] الذي في قلوبهم منك حسداً عليكم، {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران: 119] دعاء عليهم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 119]؛ يعني: يعلم ما في القلوب التي في الصدور إن موتها في الغيظ والحسد. فمن حسدهم عليكم {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} [آل عمران: 120]، كرامة من الله تعالى وفضل منه، وقبول من الحق، وظهورات ألطاف الحق على معاملاتكم وأخلاقكم التي من نتائج كمالاتكم، {تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} [آل عمران: 120]، مساءة من الخلق والإنكار والرد والطعن والاعتراض، {يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ} [آل عمران: 120] على ما أصابكم من الأذى والمصائب {وَتَتَّقُواْ} [آل عمران: 120]، عنهم بالله {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [آل عمران: 120] بل يضرهم، {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]؛ أي: مهلكهم بكيدهم لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43]. ثم أخبر عن النصر بعد الصبر لقوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى يشير إلى جواهر السالك الصادق السائر العاشق {وَإِذْ غَدَوْتَ} [آل عمران: 121] في طلب الحق والرجوع إلى مقام الهرب، {مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121]؛ أي: من صفات نفسك الحيوانية والبهيمية، {تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 121]؛ أي: صفاتك الروحانية، {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]؛ أي: لقتال النفس والشيطان والدنيا، {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} [آل عمران: 121] لدعائكم بالإخلاص عن الرياء، وبترك الهلاك في نية الهوى، {عَلِيمٌ} [آل عمران: 121]؛ بصدق نياتكم في طلب الحق، {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} [آل عمران: 122]؛ يعني: القلب وأوصافه، والروح وأخلاقها، {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: 122] أخرجهما من ظلمات البشرية والخلقية إلى أنوار الربوبية والخالقية، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] في إخراجهم من الظلمات لا على أنفسهم. {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} [آل عمران: 123] الدنيا {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] من غلبات شهوات النفس، وكثرة الوساوس، واستعنتم بربكم فأمدكم بنصرة القربة، {فَٱتَّقُواْ} [آل عمران: 123]؛ أي: اتقوا عما سواء؛ لينصركم على كل شيء يحول بين الله وبينكم، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] أي: لكي ينعم بنعمة الهداية إليه فتكونوا مشاكرين لنعمة وجود المنعم به.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم { وما تخفي صدورهم أكبر } مما يسمع منهم فلهذا { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين { قد بينا لكم الآيات } أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية { لعلكم تعقلون } فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه. قال الله مهيجا للمؤمنين على الحذر من هؤلاء المنافقين من أهل الكتاب، ومبينا شدة عداوتهم { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بكتابكم، بل إذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل } وهي أطراف الأصابع من شدة غيظهم عليكم { قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } وهذا فيه بشارة للمؤمنين أن هؤلاء الذين قصدوا ضرركم لا يضرون إلا أنفسهم، وإن غيظهم لا يقدرون على تنفيذه، بل لا يزالون معذبين به حتى يموتوا فيتنقلوا من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة. { إن تمسسكم حسنة } كالنصر على الأعداء وحصول الفتح والغنائم { تسؤهم } أي: تغمهم وتحزنهم { وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر - وهي الصبر والتقوى- لم يضركم مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء.