Verse. 412 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ھٰۗاَنْتُمْ اُولَاۗءِ تُحِبُّوْنَھُمْ وَلَا يُحِبُّوْنَكُمْ وَتُؤْمِنُوْنَ بِالْكِتٰبِ كُلِّہٖ۝۰ۚ وَاِذَا لَقُوْكُمْ قَالُوْۗااٰمَنَّا۝۰ۚۤۖ وَاِذَا خَلَوْا عَضُّوْا عَلَيْكُمُ الْاَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظ۝۰ۭ قُلْ مُوْتُوْا بِغَيْظِكُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۱۱۹
Haantum olai tuhibboonahum wala yuhibboonakum watuminoona bialkitabi kullihi waitha laqookum qaloo amanna waitha khalaw AAaddoo AAalaykumu alanamila mina alghaythi qul mootoo bighaythikum inna Allaha AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ها» للتنبيه «أنتم» يا «أولاء» المؤمنون «تحبونهم» لقرابتهم منكم وصداقتهم «ولا يحبونكم» لمخالفتهم لكم في الدين «وتؤمنون بالكتاب كله» أي بالكتب كلها ولا يؤمنون بكتابكم «وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل» أطراف الأصابع «من الغيظ» شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم ويعبر عن شدة الغضب بِعَضِّ الأنامل مجازا وإن لم يكن ثم عض «قل موتوا بغيظم» أي ابقوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسركم «إن الله عليم بذات الصدور» بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء.

119

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال السيد السرخسي سلمه الله {ها} للتنبيه و {أَنتُمْ } مبتدأ و {أُوْلاء } خبره و {تُحِبُّونَهُمْ } في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة، ويجوز أن تكون {أُوْلاء } بمعنى الذين و {تُحِبُّونَهُمْ } صلة له، والموصول مع الصلة خبر {أَنتُمْ } وقال الفرّاء: {أُوْلاء } خبر، و {تُحِبُّونَهُمْ } خبر بعد خبر. المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول: قوله {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } وفيه وجوه: أحدها: قال المفضل {تُحِبُّونَهُمْ } تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني: {تُحِبُّونَهُمْ } بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بسبب كونكم مسلمين الثالث: {تُحِبُّونَهُمْ } بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع: قال أبو بكر الأصم {تُحِبُّونَهُمْ } بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس: {تُحِبُّونَهُمْ } بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس: {تُحِبُّونَهُمْ } أي تخالطونهم، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } أي لا يفعلون مثل ذلك بكم. واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين. والسبب الثاني لذلك: قوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية إضمار، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر. المسألة الثانية: ذكر (الكتاب) بلفظ الواحد لوجوه أحدها: أنه ذهب به مذهب الجنس كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس وثانيها: أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل، فلهذا لم يقل الكتب بدلاً من الكتاب، وإن كان لو قاله لجاز توسعاً. المسألة الثالثة: تقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } تفسير : [النساء: 104]. السبب الثالث لقبح هذه المخالطة: قوله تعالى: {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} والمعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظاً وإن لم يكن هناك عض، قال المفسرون: وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم. ثم قال تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي. فإن قيل: قوله {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } أمر لهم بالإقامة على الغيظ، وذلك الغيظ كفر، فكان هذا أمراً بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز. قلنا: قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط السؤال: وأيضاً فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: (ذات) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن (ذو) كلمة وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول وأن لا تكون أما الأول: فالتقدير: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم، وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أما الثاني: وهو أن لا يكون داخلاً في المقول فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون، ثم قول وأن يكون قوله {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك، والله تعالى أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ} يعني المنافقين؛ دليله قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا}؛ قاله أبو العالية ومقاتل. والمحبة هنا بمعنى المصافاة، أي أنتم أيها المسلمون تُصافونهم ولا يُصافونكم لنِفاقهم. وقيل: المعنى تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر. وقيل: المراد اليهود؛ قاله الأكثر. والكتاب ٱسم جنس؛ قال ٱبن عباس: يعنى بالكُتُب. واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} تفسير : [البقرة: 91]. {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَإِذَا خَلَوْاْ} فيما بينهم {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ} يعني أطراف الأصابع {مِنَ ٱلْغَيْظِ} والحنق عليكم؛ فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء ظهروا وكثروا. والعَضّ عبارة عن شِدّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه؛ ومنه قول أبي طالب:شعر : يَعُضُّـونَ غَيْظـاً خَلْفَنَـا بالأَنَامِـلِ تفسير : وقال آخر:شعر : إذا رَأونِي أطال الله غيظَهُم عَضُّوا من الغَيْظِ أطْرافَ الأَبَاهِيم تفسير : يقال: عَضَّ يُعضّ عَضّاً وعَضِيضاً. والعُضُّ (بضم العين): عَلَف دَوَابّ أهل الأمصار مثل الكُسْب والنَّوَى المرْضُوخ؛ يقال منه: أعَضّ القوم، إذا أكلت إبلهم العض. وبعير عُضَاضِيٌّ، أي سمين كأنه منسوب إليه. والعِضّ (بالكسر): الدّاهي من الرجال والبليغ المَكْر. وعَضّ الأنامل من فعل المُغْضَب الذي فاته ما لا يقدِر عليه، أو نزل به ما لا يقدر على تغييره. وهذا العَضّ هو بالأسنان كعَضّ اليد على فائت قريب الفوات. وكقرع السِّن النادمة، إلى غير ذلك من عدّ الحصى والخَطِّ في الأرض للمهموم. ويكتب هذا العض بالضاد الساقطة، وعَظّ الزمان بالظاء المشالة؛ كما قال:شعر : وعَظُّ زمانٍ يابن مَرْوان لم يَدَعْ من المال إلا مُسْحَتاً أو مُجَلّفُ تفسير : وواحد الأنامل أنملة (بضم الميم) ويقال بفتحها، والضّمّ أشهر. وكان أبو الجَوْزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم الأباضِية. قال ٱبن عطية: وهذه الصفة قد تترتب في كثير من أهل البدع إلى يوم القيامة. قوله تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن فيكون. قيل عنه جوابان: أحدهما ـ قال فيه الطبريّ وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم. أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا. فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مُوَاجهةً وغيرَ مواجهة بخلاف اللّعْنَة. الثاني: أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك. فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقْرِيع والإغَاظَة. ويجري هذا المعنى مع قول مسافر ٱبن أبي عمرو:شعر : ويتمنّى في أُرُومتنا ونَفْقَأ عينَ من حسدا تفسير : وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ}.

البيضاوي

تفسير : {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة الكفار وتحبونهم ولا يحبونكم، بيان لخطئهم في موالاتهم، وهو خبر ثان أو خبر لأولاء والجملة خبر لأنتم كقولك: أنت زيد تحبه، أو صلته أو حال والعامل فيها معنى الإِشارة، ويجوز أن ينصب أولاء بفعل مضمر يفسره ما بعده وتكون الجملة خبراً. {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } بجنس الكتاب كله، وهو حال من لا يحبونكم والمعنى: إنهم لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم أيضاً فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم، وفيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} نفاقاً وتغريراً {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} من أجله تأسفاً وتحسراً حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلاً. {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإِسلام وأهله حتى يهلكوا به. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فيعلم ما في صدورهم من البغضاء والحنق، وهو يحتمل أن يكون من المقول أي وقل لهم إن الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظاً، وأن يكون خارجاً عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هَا} للتنبيه { أَنتُمْ } يا {أُولاءِ } المؤمنين {تُحِبُّونَهُمْ } لقرابتهم منكم وصداقتهم {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لمخالفتهم لكم في الدين {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِ } أي بالكتب كلها ولا يؤمنون بكتابكم { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وإذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ } أطراف الأصابع {مِنَ ٱلْغَيْظِ } شدّة الغضب لما يرون من ائتلافكم ويعبر عن شدّة الغضب بعضِّ الأنامل مجازا وإن لم يكن ثَمَّ عَضُّ {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } أي ابقوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسركم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء.

ابن عطية

تفسير : تقدم إعراب نظير هذه الآية وقراءتها في قوله تعالى آنفاً: {أية : ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم} تفسير : [آل عمران: 66] والضمير في {تحبونهم} لمنافقي اليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله: {أية : بطانة من دونكم} تفسير : [آل عمران: 118] والضمير في هذه الآية اسم للجنس، أي تؤمنون بجميع الكتب وهم لا يؤمنون بقرآنكم، وإنما وقف الله تعالى المؤمنين بهذه الآية على هذه الأحوال الموجبة لبغض المؤمنين لمنافقي اليهود واطراحهم إياهم، فمن تلك الأحوال أنهم لا يحبون المؤمنين وأنهم يكفرون بكتابهم وأنهم ينافقون عليهم ويستخفون بهم ويغتاظون ويتربصون الدوائر عليهم، وقوله تعالى: {عضوا عليكم الأنامل} عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب: [الطويل] شعر : (يعضُّون غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ) تفسير : ومنه قول الآخر: [الفرزدق]: شعر : وَقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَمَا كَانَ نَصْرُهَا قُتَيْبَةَ إلاَّ عَضَّها بِالأَباهِمِ تفسير : وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس الغائظة، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه، ويكتب هذا العض بالضاد، ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد " الأنامل" أنملة بضم الميم، ويقال بفتحها والضم أشهر، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد، له نظائر في الجموع، وقوله {وتؤمنون بالكتاب كله} يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يخفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن، كما كان المنافقون من العرب يفعلون، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي فلم يبق إلا أن قولهم: {آمنا} معناه: صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة، وهذا منزع قد حفظ أن كثيراً من اليهود كان يذهب إليه، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم {آمنا}، "عض الأنامل من الغيظ"، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله تعالى: {أية : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم} تفسير : [البقرة: 14] بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم الإباضية. قال القاضي أبو محمد: وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: {قل موتوا بغيظكم}، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة، قال قوم: بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يواجهوهم بهذا. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو: شعر : وننمي في ارومتنا ونفقأ عين من حسدا تفسير : وينظر إلى هذا المعنى في قوله، {موتوا بغيظكم} قوله تعالى: {أية : فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع} تفسير : [الحج: 15]، وقوله: {إن الله عليم بذات الصدور} وعيد يواجهون به على هذا التأويل الأخير في {موتوا بغيظكم} و "ذات الصدور": ما تنطوي عليه، والإشارة هنا إلى المعتقدات ومن هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، ومنه قولهم: الذيب مغبوط بذي بطنه، والـــ"ذات": لفظ مشترك في معان لا يدخل منها في هذه الآية إلا ما ذكرناه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ها أنتم} ها للتنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور {أولاء} اسم للمشار إليهم في قوله {تحبونهم} والمعنى أنتم إليها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم وبينهم من القرابة والرضاع والمصاهرة والحلف {ولا يحبونكم} يعني اليهود لما بينكم وبينهم من المخالفة في الدين، وقيل تحبونهم يعني تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ولا يحبونكم لأنهم يريدون لكم الكفر وهو شر الأشياء لأن فيه هلاك الأبد وقيل هم المنافقون تحبونهم لما أظهروا من الإيمان وأنتم لا تعلمون ما في قلوبهم ولا يحبونكم لأن الكفر ثابت في قلوبهم وقيل تحبونهم وذلك بأن تفشوا إليهم أسراركم ولا يحبونكم أي لا يفعلون مثل ذلك معكم {وتؤمنون بالكتاب كله} يعني وهم لا يؤمنون وإنما ذكر الكتاب بلفظ الواحد والمراد به الجمع لأنه ذهب به إلى الجنس كقولهم كثر الدرهم في أيدي الناس والمعنى أنكم تؤمنون بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم {وإذا لقوكم قالوا آمنا} يعني أن الذين وصفهم في هذه الآية بهذه الصفات إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا كإيمانكم وصدقنا كتصديقكم وهذه صفة المنافقين وقيل هم اليهود {وإذا خلوا} أي خلا بعضهم إلى بعض {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} الأنامل جمع أنملة وهي طرف الأصبع والمعنى أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا العداوة وشدة الغيظ، على المؤمنين لما يرون من ائتلافهم واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال وان لم يكن هناك عض كما يقال عض يده من الغيظ والغضب {قل موتوا بغيظكم} هذا دعاء عليهم أن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به وذلك لما يرون من قوة الإسلام وعزة أهله ومالهم في ذلك من الذل والخزي والمعنى ابقوا إلى الممات بغيظكم {إن الله عليم بذات الصدور} يعني به الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه كنى عنها بذات الصدور والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما يحصل في قلوبكم من الخواطر فأخبرهم أنه عليم بما يسرونه من عض الأنامل غيظاً إذا خلوا وأنه عليم بما هو أخفى منه وهو ما يسرونه في قلوبهم. قوله عز وجل: {إن تمسسكم} أي تصبكم أيها المؤمنون وأصل المس باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى شيء ماساً له على سبيل التشبيه كما يقال مسه نصب وتعب أي أصابه {حسنة} المراد بالحسنة هنا منافع الدنيا مثل ظهوركم على عدوكم وإصابتكم غنيمة منهم وتتابع الناس في الدخول في دينكم وخصب في معايشكم {تسؤهم} أي تحزنهم وتغمهم والسوء ضد الحسنى {وإن تصبكم سيئة} أي مساءة من إخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم أو اختلاف يقع بينكم أو غدر ونكبة ومكروه يصيبكم {يفرحوا بها} أي بما أصابكم من ذلك المكروه {وإن تصبروا} يعني على أذاهم وقيل إن تصبروا على طاعة الله وما ينالكم فيها من شدة {وتتقوا} أي تخالفوا ربكم وقيل وتتقوا ما نهاكم عنه وتتوكلوا عليه {لا يضركم} أي لا ينقصكم {كيدهم} أي عداوتهم ومكرهم {شيئاً} أي لأنكم في عناية الله وحفظه {إن الله بما يعملون} قرئ بالياء على الغيبة والمعنى أنه عالم بما يعملون من عداوتكم وأذاكم فيعاقبهم عليه وقرئ بالتاء على خطاب الحاضر والمعنى أنه عالم بما تعملون أيها المؤمنون من الصبر والتقوى فيجازيكم عليه {محيط} أي عالم بجميع ذلك حافظ لا يعزب عنه شيء منه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ}. أنتم بقضية كرمكم تصفو - عن الكدورات - قلوبُكم؛ فتغلبكم الشفقة عليهم، وهم - لعتوِّهم وخُلْفِهم - يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم. فَفَرِّغْ - يا محمد - قلبك منهم. {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. دَعْهُمْ يتفردوا بمقاساة ما تداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عمَّا يَحِلُّ بهم، فإن الله أولى بعباده؛ يوصل إلى مَنْ يشاء ما يشاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ها انتم اولاء} اى انتم ايها المؤمنون اولاء المخطئون فى موالاتهم {تحبونهم ولا يحبونكم} لما بينكم من مخالفة الدين {وتؤمنون بالكتاب كله} اى بجنس الكتاب جميعا وهو حال من الضمير المفعول فى لا يحبونكم والمعنى لا يحبونكم والحال انكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم وفيه توبيخ بانهم فى باطلهم اصلب منكم فى حقكم {واذا لقوكم قالوا آمنا} نفاقا {واذا خلوا} فكان بعضهم مكان بعض {عضوا عليكم الانامل من الغيظ} اى من اجله تأسفا وتحسرا حيث لم يجدوا الى التشفى سبيلا. والانامل جمع انملة بضم الميم وهو الطرف الاعلى من الاصبع. والغيظ شدة الغضب. قال الامام والمعنى انه اذا خلا بعضهم ببعض اظهروا شدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة الى عض الانامل كما يفعل ذلك احدنا اذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال فى الغضبان انه يعض يده غيظا وان لم يكن هناك عض وانما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم {قل موتوا بغيظكم} دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الاسلام واهله الى ان يهلكوا به او باشتداده الى ان يهلكهم فالمراد اللعن والطرد لا على وجه الايجاب والا لماتوا من ساعتهم {ان الله عليم بذات الصدور} اى قل لهم ان الله عليم بعداوة الصدور فيعلم ما فى صدوركم من البغضاء والحنق.

الطوسي

تفسير : المعنى، واللغة، والاعراب: هذا خطاب للمؤمنين أعلمهم الله تعالى أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم وأنهم هم يصحبون هؤلاء المنافقين بالبر والنصيحة، كما يفعله المحب، وإن المنافقين على ضد ذلك، فأعلمهم الله ما يسره المنافقون في باطنهم، وذلك من آيات النبي (صلى الله عليه وسلم) قال الفراء: العرب إذا جاءت إلى اسم مكنى قد وصف بهذا، وهذان، وهؤلاء، فرقوا بين (ها) وبين (ذا) فجعلوا المكنى منهما في جهة التقريب، لا غير يقولون: أين أنت، فيقول القائل: هأنذا، ولا يكادون يقولون ها أنا. ومثله في التثنية والجمع. ومثله قوله: {ها أنتم أولاء تحبونهم} وربما أعادوها فوصلوها بذا، وهذان وهؤلاء، فيقولون ها أنت هذا قائما، وها أنتم هؤلاء. قال الله تعالى: {أية : ها أنتم هؤلاء جادلتم}تفسير : فان كان الكلام على غير تقرب أو كان على خبر يكتفي كل واحد منهما بصاحبه بلا فعل، والتقريب لا بد فيه من فعل لنقصانه وأحبوا أن يفرقوا بين معنى التقريب، وبين معنى الاسم الصحيح، قال الازهري: يحتمل أولا أن يكون منادى كأنه قال يا أولاء. وقال نحاة البصريين (ها) للتنبيه. وأنتم مبتدأ وأولاء خبره ويحبونهم حال. وقال الفراء: يحبونهم خبر. وقال الزجاج: يجوز أن يكون أولاء بمعنى الذين ويحبونهم صلة ويكون التقدير الذين يحبونهم. ويجوز أن يكون حالا بمعنى {ها أنتم أولاء} محبين لهم. ويكون {أنتم} مبتدأ وأولاء خبره. ويحبونهم حالا والمعنى انظروا إلى أنفسكم محبين لهم ولا يجوز أن تقول: ها قومك أولاء، كما جاز {ها أنتم أولاء}، لأن المضمر أحق بـ (ها) التي للتنبيه، لأنه كالمبهم في عموم ما يصلح له. وليس كذلك الظاهر. وقال الفراء: إنما ذاك على جهة التقريب في المضمر، والاعتماد على غيره في الخبر. قال الحسن بن علي المغربي أولاء يعني به المنافقين، كما تقول ما أنت زيداً يحبه، ولا يحبك. وهذا مليح غير أنه يحتاج أن يقدر عامل في أولاء ينصبه، يفسره قوله: {يحبونهم} لأنه مشغول لا يعمل فيما قبله كقوله: {أية : والقمر قدرناه}تفسير : في من نصبه وأولاء للرجال، وللنساء أولات. وهو مبني على الكسر. وكان الأصل السكون والألف قبلها ساكنة فحرك لالتقاء الساكنين على أصل الكسرة. قوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} الكتاب واحد في موضع الجمع، لأنه أريد به الجنس، كما يقال كثر الدرهم في أيدي الناس ويحتمل أن يكون مصدراً من قولك كتبت كتاباً. والمراد بالكتاب ها هنا كتب الله التي أنزلها على أنبيائه وفي إفراده ضرب من الايجاز، واشعار بالتفصيل في الاعتقاد، لأنهم يؤمنون بها في الجملة. والتفصيل من حيث يؤمنون بما أنزل على ابراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) وسائر الانبياء. وقوله: {وإذا لقوكم قالوا آمنا} معناه إذا رأوكم قالوا صدقنا {وإذا خلوا} مع أنفسهم {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} فالعض بالاسنان. ومنه العض علف الامصار، لأن له مضغة في العض يسمن عليها المال. ومنه رجل عض: لزاز الخصم، لأنه يعض بالخصومة. وكذلك رجل عض فحاش، لأنه يعض بالفحش والأنامل أطراف الأصابع في قول قتادة، والربيع، وأصلها النمل المعروف، فهو مشبه به في الرقة، والتصرف بالحركة. ومنه رجل نمل أي نمام، لأنه ينقل الاحاديث الكرهة كنقل النملة في الخفاء والكثرة. وواحد الأنامل أنملة. قال الزجاج ولم يأت على هذا المثال ما يعني به الواحد إلا شذ، فأما الجمع، فكثير نحو أفلس وأكعب وقوله: {قل موتوا بغيظكم} معناه الامر بالدعاء عليهم. وإن كان لفظه لفظ الأمر، كأنه قال قل: أماتكم الله بغيظكم وفيه معنى الذم لهم، لأنه لا يجوز أن يدعا عليهم هذا الدعاء إلا وقد استحقوه بقبيح ما أتوه.

الجنابذي

تفسير : {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ} انتم مبتدأ واولاء خبره وتحبّونهم حينئذٍ خبر بعد خبر او حال او مستأنفٌ او انتم مبتدأ واولاء مفعول من باب الاشتغال وخبره الفعل المقدّر وتحبّونهم مفسّرٌ او انتم مبتدأ وتحبّونهم خبره واولاء بدل او منادى، او اولاء بمعنى الّذين خبره وتحبّونهم صلة اولاء {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} تقريع لهم على موالاتهم {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} اى الكتاب المنزل عليكم ولستم كمن آمن ببعض وكفر ببعض وقد تكرّر فى الكتاب الالهىّ النّهى عن اتّخاذ الكافرين اولياء لانّ من يتولاّهم فهو منهم والامر باتّخاذ المؤمنين اولياء فما لكم تؤمنون بالكتاب كلّه ولا تتّبعون هذا النّهى والامر فهو تهييج لهم على ترك موالاتهم، وما قاله مفسّروا العامّة من انّ المعنى تؤمنون بكتابهم وكتابكم وهم لا يؤمنون بكتابكم بعيد من سياق اللّفظ {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} وجهٌ آخر لردعهم عن موالاة الكفّار المخالطين لهم بانّهم يعاشرونهم على النّفاق ولا ينبغى للمؤمنين ان يوالى المنافق الّذى يكون ذا لسانين {وَإِذَا خَلَوْاْ} عنكم {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} لعصبيّتهم لدينهم {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} الخطاب لمحمّد (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب وهو دعاء عليهم بزيادة الغيظ وشدّته حتّى يهلكوا به، او بدوام الغيظ لقوّة الاسلام الى آخر اعمارهم، او زجر لهم على غيظهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بما صحب الصّدور ولزمها فكيف لا يعلم ما يظهر على الاعضاء فى الخلوات من مثل عضّ الانامل وهو من جملة مقول القول فى مقام تعليل الموت بالغيظ او هو من الله وجواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: كيف يعلم الله عضّهم الانامل؟ - فقال: انّ الله يعلم ما هو اخفى منه، او قيل: كيف علمت يا محمّد (ص)؟ - فقال: انّ الله يعلم ما هو اخفى منه فيخبرنى به.

الهواري

تفسير : قوله: {هَأَنتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ}. يقول للمؤمنين: أنتم تحبّون المنافقين [لأنهم أظهروا الإِيمان، فأحَبّوهم على ما أظهروا، ولم يعلنوا ما في قلوبهم] {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ} أي: وهم لا يؤمنون، وفيها إضمار. قوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} أي أطراف الأصابع، أي: عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقالوا بعضهم: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم. {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}، لِمَا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِّنَ الغَيْظِ والكراهة للذي هم عليه. قال الله لنبيه: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور. قوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} يعني بالحسنة الظهور على المشركين والنصر عليهم. {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} أي نكبة من المشركين {يَفْرَحُوا بِهَا} في تفسير الحسن. وقال بعضهم: إِنْ تُصِبْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا، أي: إذا رأوا من أهل الإِسلام أُلفةً وجماعة وظهوراً على عدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإِسلام اختلافاً وأصيب طرف من أطراف المسلمين سرّهم ذلك وأعجبوا به. قال: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}، يعني المنافقين، لأنهم لا شوكة لهم إلا بالأذى، ولا يضرّون إلا أذى بالألسنة. {إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي بأعمالهم يحفظها حتى يجازيهم بها.

اطفيش

تفسير : {هَا أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ}: ها حرف تنبيه دخلت على المبتدأ كما تدخل على اسم الإشارة، لأنه ضمير خبره اسم إشارة، فهذا دليل على أن الخبر أولا، وإلا لم تدخل {ها} التنبيه على المبتدأ الذى هو ضمير قبله، وقيل: {ها} التنبيه مقدمة من اسم الإشارة، بعد ويعترض بقوله تعالى فى الآية الأخرى {ها أنتم هؤلاء}، و{تُحِبُّونَهُمْ} خبر ثان، والإشارة للمؤمنين المخاطبين، ويجوز أن يكون {أولاء} مبتدأ ثانياً و{تحبونهم} خبره، والجملة خبر الأول، والإشارة فى هذا الوجه للمشركين أو المنافقين، ويجوز أن يكون أولاء اسما موصولا بمعنى الذين، وتحبونهم صلته فأولاء على هذا للمؤمنين المخاطبين، وكذا إن جعلنا أولاء منادى بحرف محذوف على القول بجواز حذفه، مع اسم الإشارة، وتحبونهم خبر أنتم، ويشكل على الوجهين دخول {ها} التنبيه على الضمير، بخلاف الوجه الذى قبلهما، فإن اسم الإشارة ولو لم يكن خبراً، لكنه من جملة هى خبر، وكذا لو جعلنا أولاء منصوب على الاشتغال، والإشارة به للمشركين والمنافقين فإنه من جملة محذوفة هى الخبر، وإذا جعلنا أولاء خبراً، وجعلناه اسم إشارة جاز أن يكون يحبونهم حالا، من أولاء، كما هو أيضاً خبر ثان، والمعنى أنتم أولاء الخاطئون فى اتخاذ البطانة من المشركين أو المنافقين، إذ تحبونهم ولا يحبونكم، وجملة {لاَ يُحِبُّونَكُم} معطوفة على {تُحِبُّونَهُمْ} أو حال من {تُحِبُّونَهُمْ}. {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ}: جنس كتب الله، أو بالتوراة كلها لا تؤمنوا ببعضها وتكفروا ببعضها، وهذه الجملة معطوفة على تحبونهم، أو حال من واو {لاَ يُحِبُّونَكُم} على القول لجواز مجىء جملة الحال مضارعية مثبتة غير مقرونه بقد، أو خبر لمحذوف، أى وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، والجملة حال، ومعنى ذلك كله أنكم تحبون اليهود أوالمنافقين لسبب قرابة، أو رضاع، أو حلف، أو نحو ذلك، ولا يحبونكم للمخالفة فى الدين، وقيل: يحبونهم بإرادة الإسلام لهم، وهو خير الأشياء، وفيه الفوز الدائم، ولا يحبونكم حين أرادوا لكم الكفر، وهو شر الأشياء وفيه الهلاك الدائم، وقيل: تحبونهم بافشاء أسراركم إليهم، ولا يحبونكم حين كتموا عنكم. وقيل: تحبون المنافقين لما ظهر لكم من الإيمان منهم، ولا يحبونكم لأنهم مشركون فى الباطن، وهذا على قول قومنا: إن المنافقين فى زمان النبى مشركون فى الباطن، ولا بأس به، ولو شدد أصحابنا فى القول به.. والأظهر أن المنافق يطلق على من أسر الشرك تارة، وعلى من فعل كبيرة دون الشرك، كقول عمر: غلبنى المنافقون خيانة، ولولا نفاقهم ما وليت غيرهم. وجملة {تؤمنون بالكتاب كله} تدل على أن المراد اليهود مبادرة أن المعنى تؤمنوا بكتابهم كله، أو كتب الله كلِها، وهم يؤمنون بكتابكم، ولا بشىء منه، وعلى كل حال فالمعنى أن الكفار فى باطلهم أصلب منكم فى حق الله عز وجل، ويدل على أن المراد المنافقون قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: اللهم إلا أن يقال: اليهود أيضاً قد يظهرون الإسلام كما صرح بعض العلماء بأن المراد فى قوله تعالى {وإذا لقوكم قالوا آمنا} اليهود، ومعنى ذلك أن المنافقين أو اليهود، أو جميعهم يقولون إذا حضر المؤمنون {آمنا} مكراً وخداعاً وخوفاً، وإذا لم يحضر المؤمنون أظهروا أشد العداوة، ونهاية التحسر والغيظ على ائتلاف المؤمنين، وصلاح ذات بينهم، واجتماع كلمتهم، وعض الأنامل: كناية عن شدة إظهار الشر عليكم، لأجل شدة غيظهم، فشدة غيظهم هى شدة سخطهم، وعدم رضاهم بصلاح ذات البين المؤمنين، فبحصول هذه الشدة، أحبوا وأظهروا فيما بينهم أن لو أصابوا المؤمنين لقتلوهم بمرة، فهذا الشر المكنى عنه بعض الأنامل، ولو جعلنا عض الأنامل كناية عن شدة الغيظ هنا، لكان المعنى اشتد غيظهم لأجل الغيظ، وهو معنى لا يصح إلا بتكلف، وإنما تحصلوا على الغيظ وإضمار السوء، إذ لم يستطيعوا التشفى. و{عليكم} متعلق بـ {عضوا}، أى اضمروا عليكم، و {من} للتعليل متعلق به أيضاً، ولا يتعلق {عليكم} بالغيظ، لأنه لا يتقدم ما تعلق بمجرور حرف الجر غير الزائد، على ذلك الحرف، وقول الواحدى: عضوا الأنامل من الغيظ عليكم، محتمل لأن يكون أراد بتقديم من الغيظ بيان تعلق من يعضوا لا تعلق على الغيظ، والله أعلم. وقوله: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُم} تلويح من الله جل وعلا، أنهم يموتون مع غيظهم، أى يدوم غيظهم إلى أن يموتوا لبقاء الإسلام وقوته، فهو أمر إهانة، أعنى قوله {موتوا}. وقيل: دعاء بدوام الغيظ لزيادة قوة الإسلام حتى يموتوا، والباء على القولين للمصاحبة، وقد اختلف العلماء فى الدعاء للكافر بشرك أو نفاق، وعندى المنع، وليس ما هنا دعاء، وهب أنه دعاء لكن المراد منه بقاء الإسلام، ولو كان اللفظ بقاء الغيظ، فإنه بقاءه مسبب عن بقاء قوة الإسلام، ويجوز أن تكون الباء سببية، أو موتوا بسبب غيظكم فهو أيضاً أمر إهانة، أو لا قول هناك، بل تطيب نفسه بأنهم يموتون غيظاً، أو مع غيظهم. ومعنى {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}:أنه لا يخفى عليه كلمات الصدور قبل النطق بها، وهو من جملة المقول، كأنهُ قيل: وقل لهم إن الله عليم بذات الصدور، أى إن الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه عنا من إظهار الشر فيما بينكم عنا، أو كلام من الله مستأنف، أى قل لهم موتوا بغيظكم، ولا تتعجب من إطلاعى على أسرارهم، فإنى عليم بما فى قلوبهم، وهو وما تكلموا به سواء.

اطفيش

تفسير : {هَآأنتُمْ أُوْلآَءِ تُحِبُّونَهُمْ} ها للتنبيه وأولاء منصوب على التخصيص، أو منادى بحرف محذوف على القلة لأنه اسم إشارة، وتحبونهم خبر أنتم، وأولاء خبر، وتحبونهم خبر ثان، وأنتم وأولاء وواو تحبون للمخاطبين من المؤمنين في موالاة الكفار، وإن جعلنا أولاء للكفار فهو مبتدأ خبره تحبونهم، أو منصوب على الاشتغال، والجملة خبر أنتم وأولاء إشارة {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} فهم في كفرهم أصلب منكم في إيمانكم، فهذا توبيخ للمخاطبين {وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كلّهِ} كتب الله كلها، لا ببعضها دون البعض، أو لا ببعض الكتاب وكفر بباقيه، كفعل اليهود والنصارى، كأنه قيل، تؤمنون بكتبهم ولا يؤمنون بكتابكم، والعطف على تحبونهم، وتجوز الحالية على تقدير المبتدأ، أى تحبونهم والحال أنتم بؤمنون بكتب الله كلها، كتبهم وغيرها وهم لم يؤمنوا بالقرآن فقد أخطأوا ولم ينصفوا {وَإذَ لقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا} أظهروا مقتضى الإيمان ,هم أهل الكتاب المشركون، وهو صلى الله عليه وسلم عالم بأ،هم لم يصدقوا، كالنطق بكلمة الإخلاص، وكالصلاة منافقه وتغريرا {وَإذَا خَلَوْا} منكم {عَضُّوا عَلَيْكُمُ} أى لكم، أى لأجلكم {الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ} أى اشتد عليهم ائتلاف المؤمنين وعلبتهم لأجل الغيظ، إذ لم يقدروا على التشفى واحتاجوا إلى المداراة، أو من للابتداء، ولا بد أن يكون عض الأنامل كناية عن الغيظ، لقوله من الغيظ، إلا أن يقال مجموع ذلك كناية، ووجهه عض الأنامل كثير من الغضبان، فجعل كناية عن الغيظ،{قَلْ} يا محمد، أو ياكل مؤمن، بألسنتكم قولا يسمعونه، أو يوصل إليهم، إِذ لا أقطع للحب من جرح اللسان، وقيل المراد يقل، الأمر باعتقاد بغضهم وتشديد عداوتهم، والدعاء بإهانتهم، وازدياد غيظهم، أو دوامه، وأصله حاصل، وإنما تطلب الزيادة والمداومة إلى أن يموتوا، ويلزم من دعاء ازدياد غيظهم إلى الهلاك دعاء موتهم بالغيظ، ويلزم من قوة الإسلام دعاء ازدياد غيظهم إلى الهلاك {مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} بسببه أو معه، غير مفارق لكم، ولا ترون ما يسركم من افتراق المؤمنين وكونهم مغلوبين، وهذا دعاء بدوام ما يغيظهم وازدياده، وهو ائتلاف المؤمنين وغلبتهم، لا دعاء بدوام كفرهم، والأمر للتهوين، إذ ليس فى طاقتهم أن يموتوا، ولو كانوا لم يطاوعوا الآمر به، وأنت خبير بأن ذلك دعاء بدوام الخير للمؤمنين، وقد قيل، هذا من كناية الكناية، إذ عبر بدعاء موتهم من الغيظ عن ملزومه الذى هو دعاء بازدياد غيظهم إلى حد الهلاك، وعبر بازدياد غيظهم عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعزة أهله {إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أى بخصلة أو اعتقادة، أو مضمرات، أو خواطر صاحبة الصدور، وليس فى كلام العرب ذات الشىء بمعنى نفس الشىء، فلا تفسر الآية به، وهذا من جملة المقول، أمره الله أن يقوله لهم، أو مستأنف أو تعليل لقل، أو لمحذوف، اى لا تعجب من اطلاعى إياك عَلَى سرائرهم، فإنه لا يخفى عنه ما فى القلوب من غيظ وشدته وغير ذلك من كل ما يخطر فى القلوب.

الالوسي

تفسير : {هَاأَنتُمْ أُوْلآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } تنبيه على أن المخاطبين مخطئون في اتخاذهم بطانة، وفي إعراب مثل هذا التركيب مذاهب للنحويين فقال الأزهري وابن كيسان وجماعة: إن ها للتنبيه؛ وأنتم مبتدأ / وجملة تحبونهم خبره وأولاء منادى أو منصوب على الاختصاص، وضعف بأنه خلاف الظاهر والاختصاص لا يكون باسم الإشارة، وقيل: أنتم مبتدأ، وأولاء خبره، والجملة بعد مستأنفة، ويؤيد ذلك ما قاله الرضى من أنه ليس المراد من ها أنا ذا أفعل، وها أنت ذا تفعل تعريف نفسك أو المخاطب إذ لا فائدة فيه بل استغراب وقوع مضمون وقوع الفعل المذكور بعد من المتكلم أو المخاطب، فالجملة بعد اسم الإشارة لازمة لبيان الحال المستغربة ولا محل لها إذ هي مستأنفة، وقال البصريون: هي في محل النصب على الحال أي ها أنت ذا قائلاً والحال هٰهنا لازمة لأن الفائدة معقودة بها وبها تتم، والعامل فيها حرف التنبيه أو اسم الإشارة. واعترضه الرضي بأنه لا معنى للحال إذ ليس المعنى أنت المشار إليه في حال فعلك ولا يخفى أن ما قاله البصريون هو الظاهر من كلام العرب لأنهم قالوا: ها أنت ذا قائماً فصرحوا بالحالية وإن كان المعنى على الإخبار بالحال لأنه المقصود بالاستبعاد، ومدلول الضمير واسم الإشارة متحد واعتبار معنى الإشارة لمجرد تصحيح العمل لا أن المعنى عليه وبه يندفع بحث الرضي على أنه قد أجيب عنه بغير ذلك، وقال الزجاج: يجوز أن يكون أولاء بمعنى الذين خبراً عن المبتدأ، وتحبونهم في موضع الصلة وليس بشيء، وقيل: أنتم مبتدأ أول وأولاء مبتدأ ثان، وتحبونهم خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول على حدّ أنت زيد تحبه، وقيل: إن أولاء هو الخبر، والجملة ما بعده خبر ثان، وقيل: أولاء في محل نصب بفعل يفسره ما بعده، والجملة خبر المبتدأ والإشارة للتحقير فاستعملت هنا للتوبيخ كأنه ازدرى بهم لظهور خطئهم في ذلك الاتخاذ. والمراد بمحبة المؤمنين لهم المحبة العادية الناشئة من نحو الإحسان والصداقة، ومثلها ـ وإن كان غريباً يلام عليه إذا وقع من المؤمنين في حق أعداء الدين الذين يتربصون بهم ريب المنون لكن لا يصل إلى الكفر وإنما لم يصل إليه باعتبار آخر لا يكاد يقع من أولئك المخاطبين، وقيل: المراد: تحبونهم لأنكم تريدون الإسلام لهم وتدعونهم إلى الجنة ولا يحبونكم لأنهم يريدون لكم الكفر والضلال وفي ذلك الهلاك، ولا يخفى ما فيه. {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } أي بالجنس كله وجعل ذلك من قبيل أنت الرجل أي الكامل في الرجولية ويكون الكتاب حينئذ إشارة إلى القرآن تعسف، والجملة حال من ضمير المفعول في {لا يُحِبُّونَكُمْ } واعترضه في «البحر» بأن المضارع المثبت إذا وقع حالاً لا تدخل عليه واو الحال ولهذا تأولوا قمت وأصك عينيه على حذف المبتدأ أي قمت وأنا أصك عينيه، ومثل هذا التأويل وإن جاء هنا أي ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله إلا أن العطف على تحبونهم أولى لسلامته من الحذف، وفيه أن الكلام في معرض التخطئة ولا كذلك الإيمان بالكتاب كله فإنه محض الصواب، والحمل ـ على أنكم تؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون بشيء منه لأن إيمانهم كلا إيمان فلا يجامع المحبة ـ سديد كما قال العلامة الثاني في تقرير الحالية دون العطف، وبهذا يندفع ما في «البحر» من الاعتذار والمعنى يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم. {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا } نفاقاً {وَإِذَا خَلَوْاْ } أي خلا بعضهم ببعض {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ } أي لأجلكم {ٱلأَْنَامِلَ } أي أطراف الأصابع {مِنَ ٱلْغَيْظِ } أي لأجل الغضب والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ونصرة الله تعالى إياهم بحيث عجز أعداؤهم عن أن يجدوا سبيلاً إلى التشفي واضطروا إلى مداراتهم، وعض الأنامل عادة النادم الأسيف العاجز، ولهذا أشير به إلى حال هؤلاء وليس المراد أن هناك عضاً بالفعل. / {قُلْ } يا محمد بلسانك، وقيل: المراد حدث نفسك بإذلالهم وإعزاز الإسلام من غير أن يكون هناك قول، وقيل: هو خطاب لكل مؤمن وتحريض لهم على عداوتهم وحث لهم على خطابهم خطاب الخصماء فإنه لا أقطع للمحبة من جراحة اللسان فالمقصود على هذا من قوله تعالى: {مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } مجرد الخطاب بما يكرهونه، والصحيح الذي اتفقت عليه كلمتهم أنه دعاء عليهم وكون ذلك مما فيه خفاء إذ لا يخاطب المدعو عليه بل الله تعالى ويسأل منه ابتلاؤه لا خفاء في خفائه وأنه غفلة عن قولهم قاتلك الله تعالى، وقولهم: دم بعز، وبت قرير عين، وغيره مما لا يحصى، والمراد كما قيل: الدعاء بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله حتى يهلكوا به، وهذا عند العلامة الثاني من كناية الكناية حيث عبر بدعاء موتهم بالغيظ عن ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعز اسمه وذلك لأن مجرد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعى به. وتعقب بأن المجاز على المجاز مذكور وأما الكناية على الكناية فنادرة وقد صرح بها السبكي في «قواعده الأصولية» ونقل فيها خلافاً، ومع هذا الفرق بين الكناية بالوسائط والكناية على الكناية مما يحتاج إلى التأمل الصادق ولعله فرق اعتباري، وأيضاً ما ذكره من أن مجرد الموت بالغيظ الخ مدفوع بأنه يمكن أن يكون المحسن لذلك ما فيه من الإشارة إلى ذمهم حيث إنهم قد استحقوا هذا الموت الفظيع والحال الشنيع. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بما خفي فيها، وهذا يحتمل أن يكون من تتمة المقول أي قل لهم إن الله تعالى عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل إذا خلوتم فيجازي به، وأن يكون خارجاً عنه أي قل لهم ما تقدم ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم، والنهي عن التعجب حينئذ إما خارج مخرج العادة مجازاً بناءاً على أن المخاطب عالم بمضمون هذه الجملة، وإما باق على حقيقته إن كان المخاطب غير ذلك ممن يقف على هذا الخطاب فلا إشكال على التقديرين خلافاً لمن وهم في ذلك.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، قصد منه المقابلة بين خُلق الفريقين، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب، وأهل الكتاب يبغضونهم، وكلّ إناء بما فيه يرشح، والشأن أنّ المحبَّة تجلب المحبَّة إلاّ إذا اختلفت المقاصد والأخلاق. وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى ـــ في سورة [البقرة: 85] ـــ: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : . ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل: {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة. وجملة {ولا يحبونكم} جملة حال من الضمير المرفوع في قوله: {تحبونهم} لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين. وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط، ولكنَّه مجرد إيقاظ، ولذلك عقّبه بقوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ. وهذان النظران، منّا ومنهم، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم. جملة {وتؤمنون} معطوفة على {تحبونهم} كما أن جملة {وإذا لقوكم} معطوفة على {ولا يحبونكم} وكلّها أحوال موزّعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة. والتعريف في {الكتاب} للجنس وأكّد بصيغة المفرد مراعاةً للفظه، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيتِ القَيْنُقَاعي. والعَضّ: شدّ الشيء بالأسنان. وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر. وإن لم يكن عَضّ أنامل محسوساً، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال، فقد تكون مُعِينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه، وفي ضدّه تقبيل من يحبّهُ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب، وضَرب الرجل نفسه من الغضب، وعضّه أصابعه من الغيظ، وقرعه سنّه من النَّدم، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها، وهي ضروب من علامات الجزع، وبعضها جبلّي كالصياح، وبعضها عادي يتعارفه النَّاس ويكثر بينهم، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل، وقال الحارث بن ظالم المري: شعر : فأقبل أقوام لئام أذلّة يعضّون من غيظ رؤوس الأباهم تفسير : وقوله: {عليكم} على فيه للتَّعليل، والضّمير المجرور ضمير المسلمين، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة، أي على التئامكم وزوال البغضاء، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتٰب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}تفسير : [آل عمران: 100]، ونظير هذا التعليق قول الشاعر: شعر : لتقرعِنّ على السنّ من ندم إذا تذكرتِ يوما بعضَ أخلاقي تفسير : و {من الغيظ} (من) للتعليل. والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام. وقوله: {قل موتوا بغيظكم} كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو: {أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم}تفسير : [السجدة: 12]. والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول: فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال. تذييل لقوله: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وما بيْنها كالاعتراض أي أنّ الله مطلّع عليهم وهو مطلعك على دخائلهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} الآية. يعني: وتؤمنون بالكتب كلها كما يدل له قوله تعالى: {أية : وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ} تفسير : [الشورى: 15] وقوله: {أية : كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ}تفسير : [البقرة: 285] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 119- ها أنتم أولاء - أيها المؤمنون - تحبون هؤلاء الكفار المنافقين لقرابة أو صداقة أو مودة، ولا يحبونكم لتعصبهم لدينهم، وأنتم تؤمنون بجميع كتب الله المنزلة، وإذا لقوكم أظهروا الإيمان خداعاً لكم، وإذا فارقوكم عضوا لأجلكم أطراف الأصابع غيظاً وأسفاً. قل - أيها النبى -: دوموا على غيظكم إلى الموت، وإن الله عليم بما تخفيه الصدور، ويجازيكم عليه. 120- إن جاءتكم نعمة كنصر وغنيمة تحزنهم، وإن تصبكم مساءة كجدب وهزيمة يُسَرُّوا بإصابتكم، وإن تصبروا على أذاهم وتتقوا ما نهيتم عنه من موالاتهم لا يضركم مكرهم وعداوتهم أى ضرر، لأنه تعالى عالم بما يعملونه من الكيد، فلا يعجزه رده عنكم. 121- واذكر - أيها النبى - حين خرجت مبكراً من عند أهلك إلى أُحُد قاصداً إنزال المؤمنين فى مراكز القتال. والله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم. 122- حين خطر لطائفتين من المؤمنين - وهما بنو مسلمة وبنو حارثة - أن تفشلا وترجعا، فعصمهم الله، فثبتوا ومضوا للقتال لأنه متولى أمرهما بالعصمة والتوفيق، فليأخذ المؤمنون من هذا عبرة، وليتوكلوا عليه لينصرهم. 123- ذكَّر الله المؤمنين بنعمة النصر فى غزوة بدر حين صبروا، فأكد لهم أنه نصرهم فيها وهم قليلو العدد والعدة، وطلب منهم طاعته لشكر هذه النعمة.

القطان

تفسير : الكتاب: المراد به هنا جميع الكتب المنزلة. عضّوا عليكم الأنامل: كنايةً عن شدة الغيظ، والأنامل: أطراف الأصابع. ذات الصدور: الخواطر التي في نفس الانسان. وهذا تحذير من أولئك الأشرار، واتخاذهم أصفياء للمؤمنين. ها أنتم أيّها المؤمنون تحبون أولئك الكفار المنافقين لما لبعضكم معهم من قرابة أو صداقة أو مصلحة، وقد نهاكم الله عن اتخاذهم كذلك. انهم لا يحبونكم لتعصّبهم لدينهم. (والسبب في ذلك ان كثيراً من الأنصار كان لهم قرابة أو نسب أو صداقة مع مواطنيهم في المدينة، فلما أسلموا بقي أولئك على كفرهم وعنادهم وكيدهم للإسلام، وبقي المسلمون بطيبة قلوبهم وصفاء نيَّتهم على حالهم السابقة معهم حتى نهاهم الله عن ذلك). وإذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان وقالوا آمنّا وصدّقنا بما جاء به محمد، اما حين يفارقونكم فإنهم يكشفون لبعضهم عن حقيقة أنفسهم ويبرزون شدة العداوة لكم، وقد يعضّون أطراف أصابعهم غيظاً منكم. قل يا محمد: موتوا بغيظكم. وهذا دعاء عليهم بازدياد الغيظ حتى يهلكوا. ان الله عليم بما تخفيه صدورهم من الحقد والحسد، فهم يحزنون اذا أصابكم خير من نصرٍ أو غنيمة، لكنه يفرحون اذا نزلت بكم مصيبة أو لحقكم أذى. ومع ما سبق فإنكم ان تصبروا على أذاهم، وتطبّقوا ما نهيتكم عنه من موالاتهم ـ لن يضركم كيدهم شيئاً. ان الله هنا يدلّكم على ما يُنجيكم من شرور اعدائكم، فعليكم ان تمتثلوا وتطمئنوا الى انه عالم بما يكيدونه لكم، فلا يعجزه ردُّهم عنكم. فثقوا به أيها المسلمون وأطيعوه فيما أمركم وتوكلوا عليه. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: "لاَ يضِرْكم" وفعلُه ضار يضير، وقرأ الباقون بتشديد الراء.

د. أسعد حومد

تفسير : {هَآأَنْتُمْ} {بِٱلْكِتَابِ} {آمَنَّا} (119) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ: إِنَّكُمْ تُحِبُّونَ هَؤُلاءِ الكُفَّارِ الذِينَ هُمْ أشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَكُمْ، وَلاَ يُقَصِّرُونَ فِي إفْسَادِ أَمْرِكُمْ، وَتَمَنِّي عَنَتِكُمْ. وَيُظْهِرُونَ لَكُمُ العَدَاوَةَ وَالغِشَّ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ رَيْبَ المَنُونِ، فَكَيْفَ تُوادُّونَهُمْ وَتُواصِلُونَهُمْ، وَهُمْ لاَ يُحِبُّونَكُمْ لا ظَاهِراً وَلاَ بَاطِناً، وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ الذِي أنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَبِالكُتُبِ التِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ لَدَيْكُمْ شَيءٌ مِنَ الشَّكِّ فِي شَيءٍ مِنْهَا، وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، وَعِنْدَهُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ شَكٌّ وَحَيرَةٌ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِبُغْضِهِمْ مِنْهُمْ لَكُمْ، فَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا: آمَنَّا إِرْضَاءً لَكُمْ، وَحَذَراً مِنْهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ مِنْكُمْ. وَإِذَا فَارَقُوكُمْ، وَاخْتَلَوا بِأَنْفُسِهِمْ، عَضُّوا عَلَيْكُمْ أطْرَافَ أصَابِعِهِمْ مِنْ غَيْظِهِمْ مِنْكُمْ، فَقُلْ لَهُمْ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ فَلَنْ يَضُرَّنَا ذَلِكَ شَيئاً، وَاللهُ مُتِمُّ نِعْمَتِهِ عَلَى المُؤْمِنينَ، وَاللهُ هُوَ الذِي يَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ مِنَ البَغْضَاءِ وَالحَسَدِ وَالغِلِّ لِلْمُؤْمِنينَ. البَغْضَاءُ - شِدَّةُ البُغْضِ. عَضُّوا عَلَيكُمُ الأَنَامِلَ - كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ. خَلَوْا - مَضَوا وانْفَرَدَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما زال الحديث والكلام عن البطانة، وهو يدل على أن البطانة لم تستطع أن تلوي المؤمنين عن الإيمان، بل إن المؤمنين الذين ذاقوا حلاوة الإيمان حاولوا أن يغيروا من الكافرين. ولم يفلح الكافرون أن يغيروا من المؤمنين، وكذلك لم يفلح الكافرون أيضاً أن يسيطروا على أنفسهم، ولم يكن أمام هؤلاء الكافرين إلا النفاق، لذلك قالوا: "آمنا". إن الآية تدلنا على أن المؤمنون قد عقلوا آيات الحق. ولماذا - إذن - جاء الحق بقوله: "تحبونهم ولا يحبونكم"؟ لقد أحب المؤمنون الكافرين حين شرحوا لهم قضية الحق في منهج الإسلام، وأرادوا المؤمنون أن يجنبوا الكافرين متاعب الكفر في الدنيا والآخرة، وهذا هو الحب الحقيقي، فهل بَادَلَهُم الكافرون الحب؟ لا؛ لأن هؤلاء الكافرون أرادو أخذ المؤمنين إلى الكفر، وهذا دليل عدم المودة. ولم يستطع الكافرون تحقيق هذا المأرب، ولذلك قالوا: "آمنا" ومعنى قولهم: "آمنا" يدلنا على أن موقف المسلمين كان موقفاً صُلبا قوياً؛ لذلك لم يجد الكافرون بداً من نفاقهم {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} [آل عمران: 119] قالوا ذلك على الرغم من ظهور البغضاء في أفواههم، ولم يكن سلوكهم مطابقاً لما يقولون. وهنا بدأ المسلمون في تحجيم وتقليل مودتهم للكافرين؛ ولذلك قال أهل الكفر: لو استمر الأمر هكذا فسوف يتركنا هؤلاء المسلمون .. وحتى يتجنبوا هذا الموقف ادعوا الإيمان في الظاهر، وينقلب موقفهم إذا خلوا لأنفسهم، ويصور الحق هذا الموقف في قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} [آل عمران: 119] فما هو العض؟ إن العضَّ لغوياً، هو التقاء الفكين على شيء ليقضماه. وما الأنامل؟ إنها أطراف الأصابع، والأنامل فيها شيء من الدقة, وشيء من خفة الحركة المأخوذة من خلية النمل، ويسمون الأنامل أيضاً البنان، وعملية عض الأنامل عندما نراها نجدها عملية انفعالية قسرية. أي أن الفكر لا يرتبها؛ فليس هناك من يرضى أن يظل مرتكباً لعملية عض أصابعه، فعض الأصبع يسبب الألم، لكن الامتلاء بالغيظ يدفع الإنسان إلى عض الأصابع كمسألة قسرية نتيجة اضطراب وخلل في الانفعال. ومن أين يجيء الغيظ؟. لقد جاء الغيظ إلى الكافرين لأنهم لم يستطيعوا أن يزحزحوا المؤمنين قيد شعرة عن منهج الله، بل حدث ما هو العكس، لقد حاول المؤمنون أن يجذبوا الكافرين إلى نور الإيمان، وكان الكافرون يريدون أن يصنعوا من أنفسهم بطانة يدخلون منها إلى المؤمنين لينشروا مفاسدهم؛ ولذلك وقعوا في الغيظ عندما لم يمكنهم المؤمنون من شيء من مرادهم. إن الإنسان يقع أحياناً فريسة للغيظ حين لا يتمكن من إعلان غضبه على خصمه؛ ولهذا إذا أراد إنسان من أهل الإيمان أن يواجه حسد واحد من خصومه فعليه أن يزيد في فضله على هذا الإنسان، وهنا يزداد هذا الخصم غيظاً ومرارة، أيضاً نجد أن من تعاليم الإسلام أن الإنسان المؤمن لا يقابل السيئة التي يصنعها فيه آخر بسيئة، وذلك حتى لا يرتكب الذنب نفسه، ولكن يتَبع القول المأثور: "إننا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه". إنهم بإحسان المسلمين إليهم يزدادون خصومة، وغيظاً وحقداً على الإسلام وكان المسلمون الأوائل يتصرفون بذلك الأسلوب لقد كانوا جبالاً إيمانية راسخة. فخصوم الإسلام يعصون الله بسوء معاملتهم للمسلمين، لكنْ المسلمون يردون على سوء المعاملة بحسن المعاملة، وساعة يرى خصوم الإسلام أن كيدهم لا يحقق هدفه فإنهم يقعون في بئر وحمأة الغيظ. وعندما يخلون الكافرون لأنفسهم فأول أعمالهم هو عض الأصابع من الغيظ، وهو كما أوضحت نتيجة الانفعال القسري التابع للغضب والعجز عن تحقيق المأرب؛ ذلك أن كل تأثير إدراكي في النفس البشرية إنما يطرق مجالاً وجدانياً فيها. والمجال الوجداني لا بد أن يعبر عن نفسه بعملية نزوعية تظهر بالحركة؛ فالإنسان عندما يسبب لواحد يعرفه لونا من الغضب فهو ينفعل بسرعة ويثور بالكلمات، هذا دليل على طيبة الإنسان الغاضب. أمََّا الذي لا يظهر انفعاله فيجب الحذر منه؛ لأنه يخزن انفعالاته، ويسيطر عليها، فلا تعرف متى تظهر ولا على أية صورة تبدو؛ ولذلك يقول الأثر: "اتقوا غيظ الحليم" فعندما تتجمع انفعالات جديدة فوق انفعالات قديمة متراكمة في قلب الحليم فلا أحد يعرف متى يفيض به الكيل. إذن فالإدراك ينشأ عنه وجدان، فينفعل الإنسان بالنزوع الحركي. والتشريع الإسلامي لا يريد من الإنسان أن يكون حجراً أصم لا ينفعل، لكنه يطلب من المسلم أن ينفعل انفعالاً مهذباً؛ ولذلك يضع الحق للمؤمن منهجاً، فيقول سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 134]. إن القرآن يعترف بأن هناك من الأحداث ما يستدعي غيظ الإنسان، والذي لا يغضب على الإطلاق إنما يسلك طريقاً لا يتوافق مع طبيعة البشر السوية، والله يريد من الإنسان أن يكون إنساناً، له عواطفه وشعوره وانفعالاته، ولكن الله المربي الحق يهذب انفعالات هذا الإنسان، ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فحين مات ولده إبراهيم: قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". تفسير : إن النبي صلى الله عليه وسلم يمزج بين العاطفة والإيمان، فالعين تدمع، والقلب يحزن، والإنسان لا يكون أصم أمام الأحداث، إنما على الإنسان أن يكون منفعلاً انفعالاً مهذباً. وعندما يعبّر القرآن عن الإنسان السويّ فهو لا يضع المؤمن في قالب حديدي بحيث لا يستطيع أن يتغير فيقول سبحانه: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..}تفسير : [المائدة: 54]. إذن فليس المؤمن مطبوعاً على الذلة، ولا مطبوعاً على العزة، لكنه ينفعل للمواقف المختلفة، فهذا موقف يتطلب ذلة وتواضعاً للمؤمنين فيكون المؤمن ذليلاً، وهناك موقف آخر يتطلب عزة على الكافرين المتكبرين فيكون المؤمن عزيزاً، والحق سبحانه يقول عن المؤمنين: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً}تفسير : [الفتح: 29]. إن الرحمة ليست خلقاً ثابتاً، ولا الشدة خلقاً ثابتاً ولكنَّ المؤمنين ينفعلون للأحداث، فحين يكون المؤمن مع المؤمنين فهو رحيم، وحين يكون في مواجهة الكفار فهو قوي وشديد. والله سبحانه لا يريد المؤمن على قالب واحد متجمد، لذلك يقول الحق:{أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 134]. وهو سبحانه القائل: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..}تفسير : [النحل: 126]. إذن فالحق لم يمنع المؤمن من أن يعاقب أحداً على خطأ، وذلك لأنه خلق الخلق وعليم بهم، ولا يمكن أن يصادم طباعهم، وذلك حتى لا يتهدد المؤمن في إيمانه فيما بعد، فالمؤمن لو ترك حقوقه فإن الكفار سيصولون ويجولون في حقوق المسلمين؛ ولهذا فالمؤمن يتدرب على توقيع العقاب حتى على المؤمن المخطئ، وذلك ليعرف المؤمن كيف يعاقب أي مجترئ على حق من حقوق الله. والمؤمن أيضاً مطالب بأن يرتقي بعقابه، فهو إما أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإما أن يرتقي أكثر، ويستمع لقول الحق: {أية : وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل: 126]. لقد وضع الحق منهج الارتقاء بعد أن أعطى المؤمن الحق في توقيع العقاب قصاصاً، وهكذا لم يقسر الله طبع الإنسان ولو أراد سبحانه ذلك لما خلق هذا الطبع إنه سبحانه يوضح لنا أن هناك انفعالاً بالغيظ، وأن المؤمن عليه أن يحاول كظم الغيظ أي لا يعبر عن الغيظ نزوعياً، فإن أخرج المؤمن هذا الأمر من قلبه فمعناه أنه برئ وشُفِيَ منه وارتقى. إذن فكظم الغيظ هو ألا يعبر المؤمن عن الغيظ نزوعياً، فإن سبّك أحدٌ فأنت لا تسبّه، وهذا الكظم يعني كتمان الانفعال في القلب، فإذا ارتقى المؤمن أكثر وتجاهل حتى الانفعال بذلك، فإنه يُخرج الغيظ من قلبه، وهو بذلك يرتقي ارتقاء أعلى، ويصفه الحق بأنه دخول إلى مرتبة الإحسان، فهو القائل: "والله يحب المحسنين" وهكذا يحسن المؤمن إلى المسبب للغيظ بكلمة طيبة. فماذا يكون موقف الذي تسبب في غيظك أيها المؤمن وأنت قد كظمت الغيظ في المرحلة الأولى وعفوت في المرحلة الثانية وإن أخرجت الانفعال من قلبك، وصلت إلى المرحلة الثالثة وهي التي تمثل قمة الإيمان إنها الإحسان.. "والله يحب المحسنين" لابد أن يراجع المسبب للغيظ نفسه ويندم على ما فعل. إن الإسلام لم يتجاهل المشاعر الإنسانية عندما طالب المؤمنين أن يحسنوا لمن أساء إليهم، فالذي يمعن النظر ويدقق الفهم يعرف أن الإسلام قد أعطى المؤمن الحق في الطبع البشري حين قال: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126] ولكنه ارتقى بالمؤمن. وعندما ننظر إلى هذا الأمر كقضية اقتصادية وتحسبها بـ "منه" و"له" فسنجد أنّ المؤمن قد كسب .. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - ساعة يجد الأب ابناً من أبنائه قام بظلم أخ له فإن قلب الأب يكون مع المظلوم, فهب أن إنساناً أساء لعبد من عباد الله فإن الله كربّ مربٍّ يغار له ونحن نعرف أن واحداً قال لعارف بالله: أتحسن لمن أساء إليك؟ فقال العارف بالله: أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي؟ ولنعد الآن إلى غيظ الكافرين من المؤمنين، إن غيظ الكافر ناتج من أن خصمه المؤمن يحب له الإيمان وليس في قلبه ضغينة بينما الكافر يغلي من الحقد، وبسبب هذا الأمر يكاد يفقد صوابه؛ لذلك يقول الحق: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} [آل عمران: 119]. و"خلوا" المقصود بها. أن الكافرين إذا ما أصبحوا في مجتمع كفرى وليس معهم مسلم أعلنوا الغيظ من المؤمنين، ولقد فعلوا هذا الأمر - عض الأنامل من الغيظ - في غيبة الإيمان والمؤمنين بالله، لو كان عند هؤلاء الكافرين ذرة من تعقل لفكروا كيف فضحهم القرآن، وهم الذين ارتكبوا هذا الفعل بعيداً عن المؤمنين؟ ألم يكن لتفكيرهم أن يصل إلى أن هناك ربًّا للمؤمنين يقول الخافيَ من الأمور لرسوله، ويبلغها الرسول للمؤمنين. لكنهم مع ذلك لم يفهموا هذا الفضح لهم {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} [آل عمران: 119] وهنا ينبغي أنْ نفهم أنَّ هناك أمراً قد يغيظ، ولكن الإنسان قد يجبن أن ينفث غيظه، فإذا غاظك أحد فقد تذهب إليه وتنفعل عليه، أو قد تنفعل على نفسك وذلك هو ما يسمى بـ "تحويل النزوع". فالغاضب يمتلئ بطاقة غضبية، ومن يغضب عليه قد يكون قوياً وصاحب نفوذ، فيخاف أن ينفعل عليه، فينفث الغاضب طاقة غضبه على نفسه بأن يعض على أنامله، وما دامت المسألة هكذا، فقد قال الحق: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 119]. ومعنى ذلك أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن تموتوا من الغيظ؛ لذلك فلا طائل من محاولتكم جذب المؤمنين إلى الكفر: "قل موتوا بغيظكم". ونحن قد عرفنا أنه ساعة يؤمر الإنسان بشيء ليس في اختياره - لأن الموت ليس في اختيارهم - وأن يختار بينه وبين شيء في اختياره كالغيظ، فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر إليه ليظل أسير الأمر الذي يقدر عليه وهو الغيظ حتى يدركه الموت. وعندما يقول الحق: "موتوا بغيظكم" فهذا يعني أن الكافرين لن يستطيعوا الموت، ولكن سيظلون في حالة الغيظ إلى أن يموتوا؛ لأنهم لايعرفون متى يموتون، وهكذا يظلون على حالهم من الغيظ من المؤمنين، وما دام الكافرون في حالة غيظ من المؤمنين فهذا دليل على أن المؤمنين يطبقون منهجهم بأسلوب صحيح. وفي هذه الآية بشارة طيبة للمؤمنين ونذارة مؤلمة للكافرين {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 119] إن الحق يعلمنا أنه عليم بذات الصدور، أي بالأمور التي تطرأ على الفكر، ولم تخرج بعد إلى مجال القول. وهو سبحانه القائل: {أية : وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ..}تفسير : [آل عمران: 118]. وما دام هو الحق العليم بما تخفي الصدور فهو قادر ليس فقط على الجزاء بما يفعلونه من عمل نزوعي ولكنه قادر على أن يجازيهم أيضاً بأن يفضح الأعمال غير النزوعية الكامنة في صدروهم، وبعد ذلك يقول سبحانه: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ...}.